محاسن وفاء النساء

قال الكسروي: كتبَ بلاش بن فيروز إلى ملك الهند يخطب ابنته، فلم يُنعِم له وردَّ رسوله خائبًا، فتجشَّم وسار إليه في خَيله ورَجله. فلمَّا اصطفَّتِ الخَيلان دعاه بلاش إلى المُبارزة وقال: إنه عار على الملوك أن يُورِدوا جنودهم الهلاك ويفوزوا بأنفسهم، فبرز إليه ملك الهند، فاختلفتْ بينهما ضربتان فمنعَتْ بلاشًا حَصانة دِرعه، وضرب بلاش الهنديَّ على عاتِقه فقطَع حبلَه حتى انتهى السيفُ إلى سندوءته فخرَّ مَيتًا وانهزمتْ خَيله، فافتتح بلاش مدينته، وأمر ثِقاته فأحدَقوا بقصر ابنة الملك، فلمَّا احتوى على أمواله بعثَ إلى ابنة الملك أن تأتِيَه، فقالت للرَّسول وهي تبكي: قُل للملِك المُزيَّن بالحِلْم المُحبَّب في رعيته السعيد بالظفَر: إنك قد ملكتَني وصِرتُ ممَّن يستحقُّ عطفَكَ ورأفتَك، فإن رأيتَ أن تَطيب نفسًا عن النظر إليَّ حتى ترجِعَ إلى دار مَملكتك فافعل. فانصرَفَ الرسول إلى بلاش فأخبره، فأجابها إلى ما سألت، وسار وحمَلَها حتى قدِمَ دار المملكة، فهيَّأ لها مقصورةً مُفردة عن سائر حَرَمه، فأنزلها فيها وأمر لها بعتيق الدِّيباج وفاخِر الجَوهر وأسفاطٍ من الذهب والصِّلات والجوائز والأثاث ما لم يأمر لغَيرها من نِسائه، واستأذنها في الدُّخول عليها فأذِنت له، فدخل عليها وأقام عندها سبعة أيام وليالِيها عُجبًا منه بها لا يحير إليها جوابًا ولا يخفُّ عن صدر مَجلسها، فخرج من عندها في اليوم الثامن وقد وقَع في قلبه ما أظهرَتْ من خفَّة مَجلسه عليها، ولبِثَتْ أشهُرًا لا يدخل عليها. فقالت يومًا لحاضِنتها: ما أعجَب أمر الملك! بذَل دمه في طلَبي حتى إذا ظفِر بي سَلا عنِّي، انْطلِقي حتى تَسألي عن عِدَّة نسائه وأيُّهنَّ أكرَمُ عليه وأْتِيني بعِلم ذلك. فانطلقتْ حتى عرفت ذلك وانصرفت فقالت: إنِّي وجدتُ له أربعمائة امرأة ما بين أمَةٍ وحُرَّة، وليس فيهنَّ أكرم عليه من ابنةِ سائسٍ من سوَّاسِه أعجبتْهُ فتزوَّج بها. فقالت: انطلِقي إليها وأقرئيها منِّي السلام، وأعلِميها أني أريد مُؤاخاتها والانقِطاع إليها، فانطلقتِ الحاضِنة إلى ابنة السائس فأبلغتْها رسالة مولاتها، فقالت لها: أقرئيها منِّي السلام، وأعلميها أني قد أحببتُها وأجبتُها إلى ما سألتْ فتصير إليَّ، فانصرفتْ فأخبرتْها بما قالت، فتهيَّأت بأحسنِ هيئةٍ وأقبلتْ إليها ودخلتْ عليها فرفعتْ مجلسها وأقبلتْ عليها، فذكرت حُبَّها لها ورغبتَها في مُواصلتِها، فردَّت عليها ابنة السَّائسِ أحسنَ الردِّ وأعلمَتْها سُرورها بذلك، ثمَّ تحدَّثا ساعةً وانصرفت. وجعلت الهندية تأتِيها غِبًّا وتُظْهِر الأُنْس بها، فلمَّا أنِسَت بها قالت لها: إنك قد استلبتِ قلبَ الملك وقهرْتِ جميعنا بفضلِك، وليس لواحدةٍ مِنَّا نصيب، فأعلِمينا الأمر الذي فَضُلتِنا به لنزداد سُرورًا بما أُوتيت ومحبَّة لك والانقطاع إليك. قالت: إنِّي لما عرفتُ ضَعف نَسَبي وقِلَّة جَمالي علمتُ أنه لا يَرجِع الملك مِنِّي إلى شيء أحظى به عِنده مثل المُؤاتاة في الخُلوة، وأن أبسطه إذا هَمَّ بالحركة، وأستميل قلبَهُ باللُّطف وفَضْل الخدمة، فلمَّا رآني على ذلك مُستمِرَّة، ورأى من سائر نسائه أنَفَةَ الأكفاء وزَهْوَ الجَمال وخُيَلاء المُلك، وعلمتُ أنِّي إن أخذتُ ما أخذْنَهُ مع خُمول نَسَبي وقلَّة جَمالي ودقَّة خطري لا يَليقُ بي مثل الذي يليقُ بهنَّ، ففضَّلَني على جميع نسائه بذلك. فلمَّا سمِعتِ ابنة الملك ذلك علمتْ أنَّ قلوب الرجال لا تُستمال إلا بالمُؤاتاة وسُرعة الإجابة في الباهِ عندَ المَشْغلة، فعزَمَت أن تجعَلَ ذلك عدَّة لاستِعطاف قلب الملك، فانصرفتْ إلى قصرِها وقالت لبعض جواريها: اذهَبي إلى فُلانة — تَعني ابنة السائس — فإن رأيتِ الملك عندها فأعلِميها أنِّي عَليلة من وجعٍ عرَض لي، فانطلقتِ الجارية فإذا الملك عندها فأخبرتْها بذلك، فرقَّ الملك لها وذكر غُربتَها وقتلَه أباها، فقال لابنة السائس: ما ترَين في إتيانها؟ فقالت: أيُّها الملك، إنه ليس في نِسائك مَنْ لها عندي مثل منزلتِها، فصِر إليها فإنَّها غريبة قد فارقَتْ أهلها وهي في موضع رحمة، فقام الملك حتى دخل عليها وانتهى إلى باب مجلسها، فقامت إليه تمشي بأحْسنِ هيئتِها مُنكسِرة في حُلِيِّها وزِينتها عَبِقَة بطِيبها وعطرها، فقبَّلت بين عينَيه وأخذتْ بيدَيه حتى أجلستْه في صدْر فِراشها، وجعلت تُقبِّل يدَيه ورِجْلَيه ضاحكةً إليه مُظْهرة السُّرور به، فجذَبَها إلى نفسه ودعاها إلى المُضاجَعة، فأتَتْه ولم يُرِد في الخُلوة شيئًا إلا أجابتْه إليه، فلمَّا قضى حاجته نازَعَها إلى المُحادثة، فقال: أين ما ذَكر رسولك من شدَّة وجَعِك؟ قالت: يا سيِّدي، كنتُ مُتوجِّعة لفِراقك حتى شفاني لقاؤك، وقلتُ ذلك لِمَا نالَنِي من تباريح الشوق إليك وطول صُدودك وسَلْوتك، ثمَّ أخذ معها في المُداعَبة، وأقام عندها سبعة أيام، فبينا هُما يتلاعَبان ويتذاكَران ويَتعانَقان إذ دخلت جارية لابنة السائس، فحيَّت الملك بتحيَّةِ الملوك، ثمَّ قالت للهندية: إن سيِّدتي — تعني ابنة السائس — تقول: قد اجتمَعَ فيكِ ثلاثُ خِصال: الأولى الغدْر بمُعلِّمتك، والثانية فضْل تَطاوُلك، والثالثة كُفران النِّعمة للمُنعِم، وإنِّي عن قريبٍ رادَّتُك من الملِك إلى غَصَصِ الغيظ، فأفحمَتْها وهملتْ عيناها ونظرتْ إلى الملك كالمُستغِيثة به، فقال لها الملك: يا حبيبتي، ما تُنكِرين من أمَتِك؟ قد وهبتُها لك وجميع ما تملِك فتجلَّى عنها غمُّها، فقالت لرسولتِها: انطلِقي إليها فأعلِميها أن الملك قد وَهَبها وما تملِك لي، وقولي لها: أرجَعَك فُحْش نفسِك إلى لؤمِ حسَبِك وإهمال أدبِك، ائتيني الساعة بِصَغار المذلَّة ورقَّة العبودية. فلمَّا أبلغَتْها الرسول ذلك أقبلتْ فدخلتْ عليها، فحيَّتِ المَلِك وقامتْ بين يَدَيه، فقالتْ لها الهندية: ما كان أعظمَ زَهوَك في رِسالتك! قالت: يا سيِّدتي، أتأذَنِين لي في الكلام؟ قالت: تكلَّمي. قالت: أيَّتُها السيدة، لستُ مُتوَجِّهة إليك بشيءٍ هو أمْلَكُ بِك من حِلْمك، ولا أعطفُ عليَّ من فضلِك، ولم يَظلِم مَنْ رفَع فَوقي مَنْ هو أفضلُ مِنِّي، وكلُّ فرعٍ يرجِع إلى أصله، وكلُّ زَهرٍ يُنْسَب إلى سنخه. فقالت: صدقتِ، فدَعي عنك كلام الأدَب، فقد مَلَكتُكِ على رغم أنفك، وأنا مُزَوِّجَتُك من فُلان خادمي، فليس لكِ فضلٌ عليه. قالت ابنة السائس: من اعتاد مَعاليَ الأمور لم تطِبْ نفسُه بأسافِلِها، ومن صاحَبَ العُظماء أبتْ غَريزته الأدنِياء، وإنما ترقَّبتُ عطفَك ورجَوتُ حُسنَ نظرك، فأمَّا إذ عزمتِ على هذا فقد طاب الموت. وما الذي أستَبْقي مِنك؟ ثمَّ قالت: أيُّها الملِك، إنَّ جذْل المَسرَّة منك لا يَستقرُّ ويقَعُ مَوقِعَه إلَّا بَعُدَ في المُخالفة عندك، فاحترِس من هذه الهندية فإنها لا تُؤمَنُ عليك؛ لأنَّها ليستْ من جِنسِك فيَعْطفُها عليك الرَّحِم، ولا من أهل مَملكتِك فتعرِفُ تَطوُّلك عليها، وإنما هي شبيهة بمَوتورةٍ قد قتلتَ أباها وهدمتَ عِزَّها، فاحترسْ منها ولا يُلهينَّك مَوقِعُها من قلبك؛ فإنَّها متى احتالت في قتلِك لم يكن في أيدينا من الظَّفَر إلَّا قتلها، كما كان من أمْرِ الثَّعلب وعَظيم الطير. فقال الملك: وما كان من حديثهِما؟ قالت: يُقال: إنَّ ثَعْلبًا جاع في ليلة، فرقِيَ شجرةً ليأكل منها، فسال الوادي الذي فيه تلك الشجرة بسيلٍ شديد فاقتلعَها والثَّعلب عليها، ثمَّ رفعها ووضعها حتى ألقى الثعلب إلى أرضٍ بعيدة من أرضه، فأصبح وقد ألقاه السَّيل إلى سفْح جبلٍ كثير الأشجار مُثمِر الأغصان، وعلى تلك الأشجار جِنسٌ من الطير لا يُحصى عددًا، فأقعى إلى شجرةٍ قَصِيًّا مُقشعِرًّا لا يعرف أرضه ولا يقدِر على مُؤالفة الدَّواب، فمرَّ به عظيم الطير، فقال له: مَنْ أنت؟ فقال: أنا دابَّة سال بي السَّيل فألقاني في جَبَلِكم وقد أصبحتُ غريبًا. فقال له عظيم الطير: فهل لك حِرفة؟ قال: نعم؛ أعرِف الثِّمار إذا بلغَتْ حدَّ بُلوغها، وأصنع للطير أكنافًا في الأرض تُكِنُّ فيها فراخها من الحرِّ والبرد. فقال له عظيم الطير: قد أدركتَ عندنا بُغيَتك، فأقِمْ عندنا نواسِكَ ونعرِفْ حقَّ مُجاورتك، فأقام الثعلب عند ملك الطير، فكان يعرِّفهم الثمار المُدرَكة ويَحفُر لهم بمَخاليبه قُبورًا في الأرض يُفرِّخنَ فيها. وكان الثعلب إذا جنَّ عليه الليل وقَرِم إلى اللَّحم أدخل يدَه في جُحرٍ من تلك الأجحِرَةِ فأخرج طيرًا أو فِراخَهُ فأكله ودَفَن رِيشَه، وجعلتِ الطير تتفقَّد ما كان يأكل واحدًا بعد واحدٍ، فقال بعضها لبعض: ما فقدْنا أفاضِلَنا إلَّا منذُ صارت هذه الدَّابَّة بين أظهُرنا، وما كانت هذه الطير تُطيل الغَيبة وما نَدري ما دهاها. فقال لها عظيمُها: إنَّ هذا حسَدٌ مِنكنَّ لهذه الدابَّة، فلا تُغفِلن ما أصبحتنَّ فيه من فضْل المَطعم وما فيه فِراخكنَّ من هذه الأكنان التي لا يُخاف عليها بردٌ فيها ولا حر. فقالت الطير: أنت سيِّدُنا وأبْصَر بالأمور مِنَّا. قال: وعليَّ أن أقطَعَ هذا القول وأُبَيِّنَ حقَّ ذلك من باطله بنفسي. فلمَّا أظلَمَ الليل نزل من الشجرة فدخل بعضَ تلك الأكنان وأقبلَ الثَّعلب على العادة التي اعتادها إلى ذلك الكن، فأدخَلَ يدَه فقَبَضَ على رأس الملك. فقال الملك للثعلب: لقد نَصَحَتْنِي الطير لو قبلتُ نُصحَها. قال الثعلب: أنت هو؟ قال: نعم. قال: ما ظننتُ أن يبلُغَ من حُمقِك كلُّ هذا! قال ملك الطير: دعْني أرُدَّك في منزِلتك بحسْبِ ما رأيتُ من فضل عِلمك ولطيف حيلتك. قال له الثعلب: إنَّ أَبَوَيَّ أدَّباني أن لا أُعلِّقَ أنيابي بشيءٍ وأتركه؛ إذ ليس من جَهلِك أن لا تتجزَّأ من الثمار ومن الأكنان بما كان آباؤك يكتَفون به، ولم ترضَ حتى اختبرتَ أمري بنفسك ولم تجعل التَّغرير في ذلك بِغَيرك. ثمَّ أكلَهُ ودَفَن رِيشه، وفقدتِ الطير عَظيمها، فاستوحشَتْ وضربتِ الثَّعلب ضَرْبًا بمَخالِيبها ومَناقِيرها حتى قتلتْه، ولم يَصِلنَ في عظيم خطَر مَلِكِهنَّ إلى أكثر من قَتْلِ الثعلب؛ فاحترِسْ من هذه الهندية. قالت الهندية: إنما تَقرُّ عينُ المرأة بأربعة رجال؛ أبيها وأخيها وولَدِها وبَعْلِها. وأفضلُ النساء المُختارَةُ بعلَها على جميع أهلها والمُؤثِرَة له على نفسها. فكيفَ بمن ذهَبَ أبُوها وأخوها فبقي بَعْلُها أفتحبُّ أن تُهلكه؟ على أنَّ مِثلك في رداءةِ هِمَّتك وخُبث نيَّتك مثل الغراب والحمامة. قال الملك: وما كان من حديثِهما؟ قالت: زعموا أن غُرابًا ألِفَ مَطبخًا لبعض الملوك، فأخذَ من أطيبِ اللُّحمان التي قد صارت فيه شيئًا، فظنُّوا أنَّ الغراب أخذَه لقلَّة وفائه ولؤم جَوهره، فطرَدوه عن مطبخِهم وقالوا: ما نرجو من هذا الغراب وهو من الطيور التي تُعافُ ويُتَطَيَّر منها؟ فأفشى ذلك الغراب أمره إلى حمامةٍ قد كان بينهما معرفة، وفزِع إلى رأيِها وأخبرَها ما كان فيه من نعيم المأكل والمشْرب، فقالت له الحمامة: إنِّي أرى هذا البيت ليس فيه مَوضِع مدخل، فاحفُر لي بمِنقارك قدْر ما أدخل، فإن مِنقاري يضعُف عن ذلك. فحفر الغراب في سقْف البيت بمِنقاره حتى دخلت فيه الحمامة وتوسَّطت في البيت، فأعجبَهم حُسن خُلقِها وصفاء لَونها، فجعل لها خازِن المطبخ مَوضعًا تأوي إليه، فلبِثتْ في ذلك البيت قريرةَ عين، فناداها الغراب: ما هكذا قدَّرتُ فيك؟ فقالت الحمامة: لو وفَّيتُ لك حلَّ بي غدرُك، وإنَّ القوم عرَفوا وفائي وحُسن جواري وعرَفوا غدرَك وقلَّة وفائك ونكث عهدك. فهذا مَثلي ومَثلك يا ابنة السائس، إنِّي لو وفَّيتُ لك أرداني غدرُك وقتلَني مكرُك. قالت ابنة السائس: أيَّتُها السيِّدة، إن الذي سمعتِ منِّي كان لشدَّة الأنفة، فأردتُ أن أنفي عن نفسي الذي أردتِ من إنكاحي خادِمك فُلانًا. قالت الهندية: لا بدَّ من ذلك. فقالت ابنة السائس: من اعتاد مَعالي الأمور لم تطِب نفسُه بأسافِلها، الآن استعذبتُ الموت، فعمدَت إلى سُمٍّ كان معها فقذفتْه في فيها فخرَّت ميِّتة، ووفَّتِ الهندية لزَوجها فأفلحا. ومنهنَّ شيرين امرأة أبرويز، فإنَّ شيرويه بن أبرويز لمَّا قَتَلَ أباه وتوطَّد له المُلك بعثَ إلى شيرين يدعوها إلى نفسه، فامتنعَتْ عليه وأبتْ أن تُجيبه إلى ذلك، فغصَبَها ضِياعها وعَقارها وذخائرها وأموالها وقذَفها بكلِّ فاحِشة ورماها بكلِّ مُعضلة، فلمَّا بلغَها ذلك هان عليها ما أخذَه من أموالها مع ما رماها به، فبعثتْ إليه وقالت: أيُّها الرجل: إن لم يكن مِمَّا سألتَ بُدٌّ فاقضِ لي ثلاثَ حوائج حتَّى أتابِعَك على ما تُريد. فقال: وما هذه الحوائج؟ قالت: إحداها أن تردَّ عليَّ ضِياعي وأموالي، والثانية أن تصعَد منبرك بمَحضَر مَرازبتك وأساورتك وعُظماء أهل مَملكتك وتتبرَّأ ممَّا قذفْتَني به، والثالثة أنَّ أباك أودَعَني وديعة فتأمُر أن يُفتَح لي باب الناووس حتى أردَّها عليه. فأجابها إلى ذلك، وأمر بفتحِ باب النَّاووس لها ومعها خاتَمٌ وفيه سُمُّ ساعة فنثرَتْه في فيها وعانقَتْ قَبر زَوجها فماتت.

ضدُّه

قيل: كان لكسرى أبرويز خال يُقال له: بسطام، فخالَفَ على كسرى وجمع جمعًا كثيرًا وواقَع أبرويز، فلمَّا أعيَتْ أبرويز الحِيلة فيه دعا بكردي أخي بهرام جور، ويُقال: إنَّ كرديًّا كان غلامًا له ربَّاه وبلَغ منه مَبلغ الرجال كان من خاصَّتِه والناصحين له، فقال له: قد ترى ما نزل بنا من هذا العدوِّ بسطام، وقد رأيتُ رأيًا إن طابقتَني عليه رجوتَ الظفَر. قال كردي: وما ذاك أيُّها الملك؟ أخْبِرْني، فما شيء يَزيدُك اللهُ به عِزًّا ويزيد أعداءك به ذُلًّا إلَّا بادرتُ إليه بنُصحٍ وصدقٍ لعظيم حقِّك ووجوب طاعتك. قال له كسرى: قد عرفتُ حال كرديَّة أختك امرأة بسطام وجراءة قلبها، وبسطام يأوى إليها كلَّ ليلةٍ إذا انصرَفَ عن الحرب، وأنا جاعِل لها عهد الله ومِيثاقه وذمَّة أنبيائه إن هي أراحتْني من بسطام واحتالت لي في قتلِه أن أتزوَّجَها وأجعلها سيِّدة نِسائي وأبلُغ في إكرامها والسُّموِّ بها أفضلَ ما بلغَ ملك بامرأته. قال كردي: يا أيُّها الملك، ما أشكُّ في قُدرتها عليه، فاكتُب إليها بخطِّك ممَّا رأيت لأوجِّهه في الكتاب إليها مع امرأتي أرجيَّة، فإنَّ لها عقلًا ورِفقًا وبصيرةً، فكتب كسرى بخطِّه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب لكردية بنت بَهرام جسناسب، كتَبه لها كسرى أبرويز بن هرمز؛ إن لكِ عندي عهد الله وذمَّته وذمة أنبيائه ورسله إن أنت قتلتِ بسطام وأرحتِني منه أن أتزوَّج بك وأجعلك سيِّدة نسائي وأبلُغ من كرامتك ما لا يبلُغ ملك من الملوك لأحد، وأُشْهِدُ الله على ذلك وكفى بالله شهيدًا. وكتب كسرى بخطِّه وختَمَه بخاتَمِه يومَ كذا من شهر كذا. فسارت أرجيَّة حتى دخلت عسكر بسطام كهيئة الزائرة لكرديَّة بالنَّظر إليها، وكان بينهما قَرابة، فلمَّا جلستْ وسكنتْ دفعت إليها كِتاب كِسرى وقالت لها: يا ابنةَ عم، أَجِيبي المَلِك إلى ما سألك، واغنَمي بذلك الرُّجوع إلى وطنك. فرغِبَت لشدَّة شَوقها إلى أهلها فأجابتْها إلى ذلك، وانصرفت أرجيَّة إلى عسكر كسرى وعرَّفتْ زَوجَها ما كان بينها وبين كردية، فمضى كردي إلى كسرى فأعلمه، ثُمَّ إنَّ بسطام دخل على كرديَّة فأتَتْه بِعشاءٍ فتناوَلَ منه، ثمَّ أتَتْه بشرابٍ فسقَتْه وجعلتْ تُحدِّثه وتُظْهِر له المَحبَّة حتى مضى ثُلث الليل فنام بسطام، فلمَّا استثقل نَومًا قامت إليه كرديَّة بسيَفِها فوضعَتْه على ثندوتِه ثمَّ اتَّكأت فأخرجتْهُ من ظهرِه فمات. وعمدَتْ من ساعتِها إلى دَوابِّها فحملت حشَمَها وأثقالها على البِغال، وخرجتْ نحوَ عسكر كسرى، وقد كانت وجَّهتْ مع أرجيَّة إلى أخِيها أن يَجلِسَ لها على الطريق. فلمَّا وافَتْه سار معها حتى أدخلها على كسرى، ففرِح بذلك فرحًا شديدًا. فلمَّا أصبح أصحاب بسطام ورأوه قتيلًا ولَّوا هارِبين على وجوههم. فانصرف كسرى إلى المدائن فاتَّخَذ لكردية تَاجًا مُكلَّلًا بالدُّرِّ وصنوف الجوهر، وأعدَّ لها وليمةً عظيمة دعا فيها جنوده فطعِمُوا وشربوا، ثمَّ دعا كرديًّا أخاها فزوَّجه إيَّاها ومهَرَها وأعطاها خاتمًا فصُّه من الكبريت الأحمر، يُضيء في الليلة الظَّلماء كما يُضيء السِّراج، فلمَّا دخل بها كسرى ونظر إلى جمالها وعقلِها سُرَّ بها وأعطاها الأموال وأقطَعَها الضِّياع وأكرم أخاها كُرديًّا وولاه أرض فارس، وبلَغَ بها من رَفْعِهِ إيَّاها وتشريفه لها ما لم تبلُغ امرأة قبلَها ولا بعدَها. ثمَّ إنَّ كردية قالت لكِسرى: يا سيِّدي، اخرُج بنا إلى الميدان لألعَب بين يدَيك بالكُرة والصولجان، فخرج معها إلى المَيدان وخرجتِ امرأته شيرين وخواصُّ نِسائه، ودعا بِخَيل فأُسْرِجَت وركبتْ وركِبَ هو وجعلتْ تُلاعِبه بالصوالج، وتناولتِ السَّيف وركضتْ في المَيدان ولعبتْ بالسيف لعبًا مُعجبًا، ثمَّ أخذت الرُّمح فلعبتْ به. فقالت شيرين: أيُّها الملك، ما يُؤمِّنك من هذه الشيطانة؟ قال: هيهات؛ إنَّها أعرَفُ بحقِّنا وأشدُّ حُبًّا لنا من أن نخافَها على أنفسنا. فلمَّا نزلت قال كسرى: لنا في كلِّ ربعٍ من أرباع مَملكتِنا قائد في اثنَي عشرَ ألف رجل، وفي قصري اثنا عشر ألف امرأة، وقد جعلتُك قائدة عليهنَّ. قالت: يا سيِّدي، ما للنساء والفُروسية؟! وإنما علينا أن نَتزيَّن لكَ ونتطيَّبَ ونَسرَّك بأنفسنا، وأردتُ بما كان منِّي سُرورك وتسلية هُمومك، فأمر كسرى بحَمْل طعامه وشرابه إلى منزلها، وبقِيَ عندها أسبوعًا لم يخرُج إلى الناس، ولم يأذَن لأحدٍ بالدُّخول عليه، ثمَّ خرج من عندِها إلى منزل شيرين، فأتاه صيَّاد بسمَكة عظيمة فأُعجِب بها وأمر له بأربعة آلاف دِرهم. فقالت له شيرين: أمرتَ لصيَّاد بأربعة آلاف دِرهم، فإن أمرتَ بها لرجلٍ من الوجوه. قال: إنما أمر لي بمثل ما أمر للصياد. فقال: كيف أصنَع وقد أمرتُ له؟ قالت: إذا أتاك فقل له: أخبِرْني عن السمكة، أذكَر هي أم أنثى؟ فإن قال: أُنثى، فقل له: لا تقَع عيني عليك حتى تأتيني بالذكر. وإن قال: ذكَر، فقُل مِثل ذلك. فلمَّا غدا الصيَّاد على الملك قال له: أخبِرْني عن السمكة، أذكَر هي أم أُنثى؟ قال: بل أُنثى. قال: فائتِني بذَكَرِها. فقال: عمَّر الله الملك، إنها كانت بِكْرًا لم تتزوَّج بعد. قال الملك: زه زه، وأمر له بأربعة آلاف دِرهم، وأمر أن يُكتَب في ديوان الحِكمة أنَّ الغدْر ومُطاوعة النساء يُورِثان الغُرْم. قال: وكان الموبذان إذا دخل على كسرى قال: عشتَ أيُّها الملك بِسعادة الجد، ورُزقتَ على أعدائك الظفَر وأُعطيتَ الخَير وجُنِّبتَ طاعة النِّساء، فغاظ ذلك شيرين وكانت أجملَ نساء عصرها وأتمَّهنَّ عقلًا، فقالت لكسرى: أيها الملك، إنَّ هذا الموبذان قد طعنَ في السنِّ ولستَ مُستغنيًا عن رأيه ومشورته، وقد رأيتُ لحاجتك إليه أن أهبَ له مسكدانة جارِيتي، وقد عرفتَ عقلها وجمالها، فإن رأيتَ أن تسأله قَبولها فافعل. فكلَّم كسرى الموبذان في ذلك، فهشَّ للجارية لمَعرفةِ جمالها وفضلها، فقال: قد قَبِلْتُهَا أيها الملك لإيثارها إيَّايَ بأفضلِ جواريها. فقالت شيرين لمسكدانة: إنِّي أريدُ أن تأتي هذا الشَّيخ فتُبْدِي له مَحاسنك وتُجيدي خدمته، فإذا هشَّ لمُضاجعتك فامتنِعي عليه حتى تُوكفيه وتَركبيه وتُعلِميني الوقتَ الذي يتهيَّأ لك ذلك؛ حتى لا يعود أن يزيد في تحية الملك: ووُقيتَ طاعة النساء. فقالت مسكدانة: أفعَلُ يا سيِّدتي، ثمَّ انطلقتْ إلى الشَّيخ فصارت عنده في داره التي يحلُّها من قصر الملك، فجعلت تخدُمه وتَبَرُّه وتُظهِر له الكرامة، وهي مع ذلك تُبرِز له محاسِنها وتكشِف له عن صدرِها ونحرِها، وتُبدي له ساقَيها وفخذَيها، فارتاح الموبذان إليها وانشرَح صدرُه لمُضاجعتِها، فجعلتْ تَمتنِع عليه فيزداد في ذلك حِرصًا. فلمَّا ألحَّ عليها قالت له: أيُّها القاضي، ما أنا بِمُجيبتِك إلى ما سألتَ حتى أوكفك وأركبك، فإن أجبتَني إلى ذلك صِرتُ طَوع يدِك فيما تُريد وتدعو إليه من مسرَّتك. فامتنَعَ عليها أيَّامًا، وبقِيتْ تتزيَّن له بزينتِها وتكشفُ له عن محاسِنها حتى عِيل صبرُه، فقال لها: افعلي ما أحببت، فهيَّأت له برذَعةً صغيرة وإكافًا صغيرًا وحِزامًا وثفرًا، وأقامتْه عُريانًا على أربع، ووضعَتْ على ظهرِه البرذَعة والإكاف، وجعلت الثفرَ تحت خِصيتَيه وهي قائمة، وركِبَتْه وهي تقول: خر خر، وأرسلتْ إلى سيِّدتِها شيرين تُعْلِمها بذلك، فقالت شيرين للملك: اصعَد بنا إلى ظهْر بيت الموبذان لننظُرَ من الرَّوزَنة ما يكون بينَه وبين الجارية، فصعَدا ونظرا فإذا هي قد ركبَتْه فوقَ الإكاف. فناداه كِسرى: وَيْحَك، أيُّ شيءٍ هذا؟ فرفَعَ الموبذان رأسَهُ ونظر إلى الرَّوزنة ورأى الملك، فقال: هو ما كنتُ أقول لك في اجتِناب طاعة النساء. فضحك كسرى وقال: قبَّحك الله من شيخ، وقبَّح مُستشيرَك بعدَ هذا.

«حديث الزبَّاء»: ومنهن الزبَّاء واسمُها هند، وملكتِ الشام بعد عمِّها الصنور، وكان جُذَيمة الأبرش قتلَ عمَّها. فبعث إليها جُذيمة يخطُبها فأظهرتِ البِشْر والسُّرور لرسوله، وكتبتْ إليه بالقُدوم عليها لتُزوِّجَه نفسَها، فاستشار نُصحاءَه فقالوا: أيُّها الملك، إن تزوَّجتَ بها جمعتَ مُلك الشام وملك الجزيرة إلى مُلكك، فاستخلَفَ ابن أخيه عمرو بن عدي وسار في ألف فارس من خاصَّته، فلمَّا انتهى بمكانٍ يُسمَّى بقَّة وهو حدُّ مَملكتها ومَملكتِه نزل في ذلك المكان واستشار أصحابه أيضًا في المَصير إليها والانصراف، فزيَّنوا له الإلمام بها وقالوا: إنك إن انصرفتَ من ههنا أنزلَه الناس منك على جُبن ووهَن. فدنا منه مولًى له يُقال له: قصير بن سعد، فقال له: أيُّها الملك، لا تقبل مَشورة هؤلاء وانصرِفْ إلى مَملكتك حتى يَتبيَّن لك أمرُها، فإنها امرأة مَوتورة، ومن شأنِ النِّساء الغدْر، فلم يحفَل بقوله ومضى حتى اقتحم مَملكتها، فقال قصير: «ببقَّة صُرِمَ الأمر.» ثمَّ أرسلها مَثلًا. فلما بلغَ المرأة قدُومه عليها أمرتْ جنودها فاستقبلوا الملك، فقال قصير: أيُّها الملك، إنِّي رأيتُ جنودها لم يترجَّلوا لك كما يُتَرَجَّل للملوك، ولستُ آمَنُ عليك فاركبِ العصا وانجُ بنفسك، والعصا كانت فرسًا لجذيمة لا يُشَقُّ غُبارها. فلم يَعبأ جذيمة بقوله وسار حتى دخل المدينة، وأمرتْ هِند الزبَّاء بأصحابه أن يُنزَلوا، فأُنزِلوا وأُخِذتْ منهم أسلحتُهم ودوابُّهم، وأذِنتْ لجذيمة فدخل عليها وهي في قصرها، ولم يكن معها في قصرها إلَّا الجواري، فأومأت إليهنَّ بأن يأخُذْنه. واجتمَعْنَ عليه ليُكتِّفنَهُ فامتنعَ عليهنَّ، فلم يزلنَ يَضربنَهُ بالأعمِدَةِ حتى أثخنَّه وكَتَّفْنه، ثمَّ دعت بالنِّطع فأجلستْهُ فيه وكشفت عن عَورتِها، فنظر جذيمة فإذا لها شِعرة وافية، فقالت: كيف ترى عَروسك؟ أشِوارُ عروس؟ أم ما ترى؟ قال: أرى بظرًا ناتئًا ونبتًا فاشيًا، ولا أعلم ما وراء ذلك. قالت: أما إنه ليس من عدَم المَواسي ولا لقِلَّة الأواسي، ولكنَّه شِيمة من أناسي. ثمَّ أمرت به فقُطِعَت عروقُه، فجعلت دماؤه تشخبُ في النَّطع، فقالت: لا يُحزِنك ما ترى، فإنَّه دم هراقَه أهلُه. فأرسلتَها مثلًا. واحتال قصير للعصا حتى وَصَل إليها وركِبها، ثمَّ دفعها فجعلت تَهوي به كأنَّها الريح، وكان المكان الذي فُصِدَ فيه جذيمة مُشرِفًا على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرَس فقال: لله حزم على رأس العصا. فلم تزل دِماؤه تشخب حتى مات. ثمَّ أمرت بأصحابه فقُتِلوا بأجمعِهم. وكان عمرو بن عدي يركب كل يوم من الحيرة فيأتي طريق الشام يتجسَّس عن خبره وحاله، فلم يُبْلِغه أحد خبرَه، فبينا هو ذات يومٍ في ذلك إذ نظر إلى فرسٍ مُقبل على الطريق، فلما دنا منه عرف الفرَس وقال: يا خَير ما جاءت به العصا. فذهبت به مثلًا. فلما دنا منه قصير قال له: ما وراءك؟ قال: قُتِلَ خالُك وجنوده جميعًا فاطلُب بثأرك. قال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجوِّ. فذهبت مثلًا، ثمَّ إن قصيرًا أمر بأنفِ نفسه فجُدِعَ، ثمَّ ركِب وسار نحو الزبَّاء، فاستأذن عليها فقيل لها: إن مَولًى لجذيمة وقهرمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مَجدوعًا، فأذِنت له فدخل عليها، قالت: مَنْ صنع بك هذا؟ قال: أيَّتُها الملِكة، هذا فعل عمرو بن عدي، اتَّهَمَني وتجنَّى عليَّ الذنوب، وزعَم أني أشرتُ على خاله بالمَصير إليك حتى فعَل بي ما ترَين، ولم آمنْه أن يَقتُلني فخرجتُ هاربًا إليك، وقد أتيتُك لأكون معك وفي خِدمتك، ولي جِداء وعندي غناء. قالت: نعم، أقِم، فعندي لك ما تحب. وولَّته نفقَتها فخفَّ لها ورأتْ منه الرَّشاقة فيما أسندتْه إليه، فأقام عندها حولًا، ثمَّ قال لها: أيَّتُها الملِكة، إنَّ لي بالعِراق مالًا كثيرًا، فإذا أذِنْتِ لي في الخُروج لحَملِه فافعلي. فدفعت إليه مالًا كثيرًا وأمرتْه أن يشتريَ لها ثِيابًا من الخزِّ والوَشْي ولآلئ وياقوتًا ومِسكًا وعنبرًا والنجوجا. فانطلق حتى أتى عمرًا فأخبره، فأخذ منه ضِعفَي مالِها وانصرَف نحوَها، فاسترخَصَتْ ما جاء به وردَّته الثانية والثالثة، فكان يأخُذ في كلِّ مرةٍ أضعاف مالها فيشتري لها جميع ما تُريد فتسترخِصه. ووقع قصير بقلبِها فاستخلفتْه، ثمَّ بعثَتْه في الدفعة الرابعة بمالٍ عظيم وأمرتْه أن يشتري أثاثًا ومتاعًا وفُرشًا وآنيةً، فانطلق إلى عمرو فقال: قد قضيتُ ما عليَّ وبقِيَ ما عليك. فقال: وما الذي تريد؟ قال: اخرُج معي في ألفَي فارس من خدمِك وكونوا في أجوافِ الجَواليق على كلِّ بَعير رَجُلان، فانتخَبَ عمرو ألفَي فارسٍ من أصحابه، فخرج وخرجوا معه في الجَواليق كلُّ رجلٍ بسيف، وكان يَسير النهار فإذا أمسى الليل فتح الجواليق ليَخرجوا ويَطعموا ويشربوا ويقضُوا حوائجهم. حتى إذا كان بينه وبين مدينتِها مِقدار مِيل تقدَّم قصير حتى دخل عليها وقال: أيَّتُها الملكة، اصعَدي على القصر لتنظُري ما أتيتُك به، فصعدَتْ فنظرتْ إلى ثقل الأحمال على الجِمال، فقالت:

ما لِلجِمال مَشيُها وئيدًا
أجندلًا يَحمِلْن أم حديدًا
أم صرَفانًا بارِدًا شديدًا

فأجابها قصير سِرًّا وقال:

بل الرِّجال جُثَّمًا قُعُودًا

فقال: لِما عليها من المَتاع الثقيل النَّفيس. فأمرتْ بِالأحمال فأُدْخِلَت قصرَها وكان وقت المساء، فقالت: إذا كان غدًا نظرْنا إلى ما أتَيتَنا به. فلمَّا جَنَّ عليهم الليل فتَحوا الجواليق وخرجوا فقتَلوا جميع مَنْ في القصر. وكان لها سربٌ قد أعدَّتْه للفزَع والهرَب إن حلَّ بها رَوع تخرُج إلى الصَّحراء، وقد كان قصير عرَف ذلك المكان ووصفَه لعمرو، فبادَر عمرو إلى السرب فاستقبلتْهُ الزَّبَّاء فولَّت هاربةً نحو السرب فاستقبَلها بالسَّيف فمصَّتْ فَصَّها وكان مَسمومًا، وقالت: بيدي لا بيدِك يا عمرو ولا بيد العبد. فقال عمرو: يدُه ويدي سَواء، وفي كليهما شِفاء، وضرَبها بسيفِه حتى قتلَها. وأقبل قصير حتى وقف عليها فجعل يُدْخِلُ سيفَه في فرجِها ويقول:

ولو رأوْني وسَيفي يومَ أُدخِلُهُ
في جوفِ زبَّاءَ ماتوا كُلُّهم فرَحًا

وغَنِم عمرو وأصحابه من مدينتِها أموالًا جليلة وانصرَفوا إلى الحيرة، فكان الملك بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جدُّ النُّعمان بن المُنذر بن عمرو بن عدي.

ومنهنَّ صاحِبة الجعد بن الحُسين أبي صخر بن الجَعد، وكان جَعد قد طعَنَ في السِّن، وكان يُكنى أبا الصموت، وكانت له وَليدة سَوداء، فقالت: يا أبا الصموت، زَعَم بنوك أن يَقتلوني إذا أنتَ مِتَّ. قال: ولِم ذاك؟ قالت: ما لي إليهم ذنب غير حُبِّك فأَعْتِقْنِي. فأعتَقَها، فبقِيَتْ يسيرًا ثمَّ قالت: يا أبا الصموت، هذا عرابة من أهل عدَن يَخطبني. قال: ما كان هذا ظَنِّي بك؟ قالت: إنما أُريد ماله لك. فقال: ائتيني به. فجاءت به فزوَّجها منه، فولدَتْ منه وقرَّبتْه من مال جَعد، وكانت تأتي الجَعد فتُخضِّب رأسَه ثمَّ قطعَتْه، فقال الجَعد:

أبلغ لديكَ بني عمرٍ مُغلْغَلةً
عوفًا وعمرًا فما قَولي بمَردودِ
بأنَّ بَيتيَ أمسى فوق داهيةٍ
سَوداء قد وعدتْني شرَّ مَوعودِ
تُعطي عُرابةَ بالكفَّين مُختَضِبًا
من الخلوق وتُعطيني على العود
أمسى عُرابةٌ ذا مالٍ وذا ولدٍ
من مالِ جَعدٍ وجعدٌ غير محمودِ

ومنهنَّ امرأة مَروان بن الحكم — وكانت أم خالد بن يَزيد بن مُعاوية، وهي ابنة هِشام بن عُتبة — فأراد مَروان الخروج إلى مصر فقال لخالد: أعِرْني سِلاحك فأعاره. فلمَّا رجَع قال له خالد: رُدَّ عليَّ سِلاحي فأبى عليه، وكان مروان فحَّاشًا فقال له: يا ابن الربوخ الرَّطبة. فجاء خالد إلى أُمِّه، فقال: هذا ما صنعتِ بي، سبَّني على رءوس الملأ، وقال لي: كيت وكيت. قالت: اسكُت، فإني أكفيك أمرَه. فجاء مروان فرقَدَ عندها فأمرتْ جَواريها فطرَحْن عليه الشوادكين — يَعني المَلاحِف — ثمَّ غَطَّينَه حتى قَتلْنَه، وخرجْنَ يَصِحْن: وا أمير المُؤمنيناه. فدعا عبد الله بامرأة أبيه ليَقتُلَها، فقالت: إنَّ الذي يَبقى عليك من العار أعظمُ من قَتْل أبيك. قال: وما ذاك؟ قالت: يقول الناس إنَّ أباك قَتلتْه امرأة. فأمسَكَ عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠