محاسن الصِّدق

قال بعضُ الحُكماء: عليك بالصِّدق، فما السَّيفُ القاطِع في كفِّ الرجل الشُّجاع بأعزَّ من الصِّدق. والصِّدق عزٌّ وإن كان فيه ما تكرَه، والكذِب ذُلٌّ وإن كان فيه ما تُحِب. ومَنْ عُرِفَ بالكذِب اتُّهِم في الصِّدق. وقِيل: الصِّدق مِيزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذِب مِكيال الشَّيطان الذي يَدور عليه الجُور. وقال ابن السماك: ما أحسَبُني أوجَرُ على ترْكِ الكذِب؛ لأنِّي أترُكه أنَفَة. وقال آخِر: لو لم يترُك العاقِل الكذِبَ إلَّا مروءةً لكان بذلك حقيقًا، فكيف وفيه المأثَم والعار؟! وقال الشعبي: عليك بالصِّدْق حيث ترى أنه يضرُّك فإنه ينفعك، واجتنِبِ الكذِبَ حيث ترى أنه ينفعُكَ فإنه يضرُّك. وقال بعضهم: الصِّدق عزٌّ والكذِب خُضوع. ومُدِحَ قومٌ بالصِّدق منهم أبو ذرٍّ رضي الله عنه، فإنَّ رسول الله قال: ما أظلَّتِ الخضراء ولا أقلَّتِ الغَبراء ولا طلعَتِ الشمسُ على ذِي لهجةٍ أصْدَقَ من أبي ذر. ومنهم العبَّاس بن عبد المُطلب — رضي الله عنه — فإنه رُوِي أنَّه اطَّلع على رسول الله وعنده جبريل، فقال له جِبريل: هذا عمُّكَ العبَّاس؟ قال: نعم. قال: إن الله تعالى يأمُرك أنْ تقرأ عليه السلام، وتُعلِمه أن اسمَه عند الله الصادق، وأن له شفاعة يوم القيامة، فأخبرَه رسول الله بذلك فتبسَّم، فقال: إن شئتَ أخبرتُكَ ممَّا به تَبسَّمت، وإن شئتَ أن تقول فقُل. قال: بل تُعلِمُني يا رسول الله، فقال: لأنك لم تحلِفْ يمينًا في جاهليةٍ ولا إسلام برَّةً ولا فاجِرة، ولم تقُل لسائلٍ لا. قال: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبيًّا ما تبسَّمتُ إلَّا لذلك. ويُروى أن رجُلًا أتى رسول الله فقال: إنِّي أَسْتَسِرُّ بِخِلال الزِّنا والسَّرِقة وشُرب الخمر والكذب، فأيَّهُنَ أحبَبْتَ ترْكه؟ قال: دعِ الكذب، فمضى الرَّجُل فهمَّ بالزِّنا، فقال: يَسألني رسول الله فإن جَحدْتُ نقَضْتُ ما جعلته له، وإن أقررتُ حُدِدْتُ فلَمْ يَزنِ، فهمَّ بالسَّرِقة وشُرْبِ الخمر ففكَّر في ذلك، فرجَعَ إلى رسول الله فقال له: قد تركتُهنَّ أجمع. فأمَّا مَنْ رُخِّصَ له في الكذب، فيُروى عن رسول الله أنَّهُ قال: لا يَصلُح الكذِب إلَّا في ثلاث: كذِبُ الرَّجُلِ لأهلِهِ ليُرضِيَها، وكذِب في إصلاح ما بَين الناس، وكذِب في حرْب. ورُوِي عن المُغيرة بن إبراهيم أنه قال: لم يرخَّصْ لأحدٍ في الكذب إلَّا للحجَّاج بن عِلاط، فإنَّهُ لما فُتِحَت خَيبر قال: يا رسول الله، إنَّ لي عندَ امرأةٍ من قُريش وديعة، فأْذَنْ لي يا رسول الله أن أكذِبَ عليك كذِبةً لعَلِّي أستلُّ وَدِيعتي، فرخَّص له في ذلك، فقدِمَ مكة فأخبرَهُم أنه ترَكَ رسول الله أسيرًا في أيديهم يأتَمِرون فيه، فقائلٌ يقول: يُقتل. وقائل يقول: لا، بل يُبعَث به إلى قومه فتكون منَّةً. فجعل المُشركون يَتباشَرون بذلك ويُسيئون العباس عمَّ رسول الله والعبَّاس يُريهم التَّجمُّل، وأخذَ الرجل وديعته فاستقبله العبَّاس وقال: ويحَكَ ما الذي أخبرتَ به؟ فأعلمَهُ السبب، ثمَّ أخبره أنَّ رسول الله قد فتح خَيبَر ونكَح صفِيَّة بنتَ حُيي بن أخطَب وقتَلَ زَوْجَها وأباها. ثمَّ قال: اكتُم عليَّ اليومَ وغدًا حتَّى أمضي ففعل ذلك، فلمَّا مضى يَومان أخبرَهُم العبَّاس بالذي أخبَرَه، فقالوا: مَنْ أخبرَك بهذا؟ قال: مَنْ أخبرَكُم بِضِدِّه.

ضده

قيل: وُجِدَ في بعض كُتُب الهند: ليس لِكذوبٍ مُروءة، ولا لضَجُورٍ رِياسة، ولا لِمَلولٍ وفاء، ولا لبَخيلٍ صديق. وقال قُتيبة بن مُسلم: لا تَطلبنَّ الحوائج من كذوب، فإنه يُقرِّبها وإن كانت بعيدة ويُبعِدُها وإن كانت قريبة، ولا إلى رَجُل قد جعل المسألةَ مأكلة، فإنَّهُ يُقدِّم حاجته قبلها ويجعَل حاجتك وِقايةً لها، ولا إلى أحمق، فإنه يُريد نفعَكَ فيضُرُّك. وقيل: أمران لا يَنفكَّان من كذب: كثرة المواعيد وشدَّة الاعتِذار. وقيل: كفاك مُوبِّخًا على الكذِب علمك بأنك كاذب، وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبتُ قط. قال: أمَّا هذه فواحِدة. وفي المَثَل: هو أكذَبُ من أخِيذِ السِّند؛ وذلك أنَّه يُؤخَذ الخَسيس مِنهم فيزعُم أنه ابنُ الملك. وكذلك يُقال: أكذَبُ من سيَّاح خُراسان؛ لأنهم يَجتازون في كلِّ بلدٍ ويكذبون للسؤال والمسألة. ويُقال: هو أكذبُ من الشَّيخ الغريب؛ وذلك أنَّهُ يَتزوَّج في الغُربة وهو ابنُ سَبعين سنة فيزعُم أنه ابنُ أربعين. ويُقال: هو أكذَبُ من مُسيلمة وبه يُضرَب المثل. وممَّا قيل في ذلك من الشِّعر:

حسْبُ الكذوبِ من البَليَّةِ
بَعضُ ما يُحكى عليه
ما إن سَمِعتُ بكِذْبةٍ
من غيره نُسِبَت إليه

وقال آخر:

لقد أخْلَفْتَني وحَلَفتَ حتى
إخالُك قد كذبْتَ وإن صدقْتا
ألا لا تَحلِفنَّ على كلامٍ
فأكذَبُ ما تكونُ إذا حلَفْتا

وقال آخر:

قد كنتُ أُنجزُ دهرًا ما وعدتُ إلى
أن أتلَفَ الوعدُ ما جَمَّعتُ من نشب
فإن أكُنْ صِرتُ في وعدي أخا كذبٍ
فنُصرَةُ الصِّدق أفضَتْ بي إلى الكذِبِ

قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: يا أبا سعيد، أعلمْتَ أنَّ طول رُمح رستم كان سبعين ذراعًا من حديدٍ مُصمَتٍ في غلظِ الرَّاقود؟ فقلتُ: ها هُنا أعرابيٌّ له مَعرفة فاذْهَبْ بنا إليه فَحدِّثه بهذا، فذهبتُ به إلى الأعرابي فحدَّثَه، فقال الأعرابي: قد سمِعتُ بذلك، وبَلَغَنا أنَّ رستُم هذا كان هو وأسفندياد أتيا لُقمان بن عاد بالبادية فوَجَداه نائمًا ورأسُه في حِجرِ أُمِّه، فقالتْ لهما: ما شأنُكما؟ فقالا: بلَغَنا شِدَّة هذا الرَّجُل فأتيناه، فانتَبَهَ فزَعًا من كلامِهما فنَفَحهُما فألقاهُما إلى أصَبَهان، فقَبرُهما اليوم بها. فقال الخليل: قبَّحك الله ما أكذَبَك! قال: يا ابنَ أخي، ما بَيَّنَّا شيئًا إلَّا وهو دون الرَّاقود. قِيل: وقدِمَ بعض العُمَّال من عمل فدعا قومًا إلى طعامِهِ وجعل يُحدِّثهم بالكذِب، فقال بعضُهم: نحنُ كما قال الله عزَّ وجل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. قِيل: وكان رجال من أهل المدينة من بين فقيهٍ وراوية وشاعِرٍ يأتون بغداد فيَرجِعون بِحظوةٍ وحالٍ حسنة، فاجتمع عدَّةٌ منهم فقالوا لصديقٍ لهم لم يكنْ عِنده شيء من الأدب: لو أتيتَ العراق فلعلَّك أنْ تُصيب شيئًا. قال: أنتم أصحاب آدابٍ تَلتمِسون بها، فقالوا: نحن نَحتال لك فأخْرَجوه. فلمَّا قدِمَ بغداد طلَبَ الِاتِّصال بعليِّ بنِ يَقطين وشكا إليه الحاجة، فقال: ما عِندك من الأدب؟ فقال: ليس عندي من الأدب شيءٌ غير أنِّي أكذِبُ الكذبة وأُخَيِّل إلى مَنْ يَسمَعُها أنِّي صادق. وكان ظريفًا مَليحًا، فأُعجِبَ به وعرَضَ عليه مالًا فأبى أن يَقْبَلَه، وقال: ما أريد منك إلَّا أن تُسَهِّل إذني وتُدْني مَجلسي، قال: ذلك لك. وكان من أقرَبِ الناس إليه مَجلسًا حتى عُرِف بذلك، وكان المَهديُّ قد غضِبَ على رجلٍ من القوَّادِ واستصفى ماله، وكان يَختلِفُ إلى عليِّ بن يَقطين رجاء أن يُكلِّم له المَهدي، وكان يرى قُربَ المديني ومكانه من علي، فأتى المَديني القائد عَشيًّا فقال: ما البُشرى؟ قال: لك البشري وحكمك. قال: أرسلَني علي بنُ يقطين إليك وهو يُقرؤك السلام ويقول: قد كلمتُ أمير المؤمنين في أمرِك ورضيَ عنك، وأمرَ بردِّ مالك وضِياعك، ويأمُرك بالغُدُوِّ إليه لتَغدُوَ معه إلى أمير المؤمنين مُتشكِّرًا. فدعا له الرجلُ بألفِ دِينار وكِسوة وحُملان، وغدا على عليٍّ مع جماعة من وجوه العَسْكر مُتشكِّرًا، فقال له علي: وما ذاك؟ قال: أخبرَني أبو فلان — وهو إلى جَنبه — كلامك أميرَ المؤمنين في أمري ورِضاه عنِّي، فالتفتَ إلى المديني وقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله، هذا بعضُ ذلك المَتاع نَشرْناه، فضحِكَ عليٌّ وقال: عليَّ بدابَّتي، وركب إلى المَهديِّ وحدَّثَهُ الحديث، فضحِكَ المَهديُّ وقال: إنَّا قد رَضِينا عن الرَّجُل وردَدْنا عليه ماله. وأجرى على المديني رِزقًا واسعًا، واستوصى به خَيرًا ثمَّ وَصَله، وكان يُعرف بكذَّاب أمير المؤمنين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠