الرسالة الأولى

عن نابولي في يوم السبت (٢٧ محرم سنة ١٣١٠ / ٢١ أغسطس سنة ١٨٩٢)

لقد صدق من قال: إنه إذا كان للعلم مجال فللعمل ألف مجال، وإن حقائق الأشياء وهي في عالم التصور أقل منها بكثير حينما تبرز إلى حيز الوجود وتتجلى في مظاهر الشهود، فطالما قرأت ما أتى به الكتاب من الآيات البيِّنَات، وما ترنَّم به الشعراء من الأبيات الأبِيَّات في الحنين إلى الأوطان والتشوق إلى الأهل والخِلَّان والتوجع من مفارقة المألوف والتفَجع من مبارحة الديار والربوع، ولم تكن نفسي تتأثر من ذلك إلا بمقدار إعجابها ببراعة الكاتب، واقتدار الناظم على صوغ المعاني في أجمل القوالب، وسَبك الألفاظ على أبدع طراز، وتمثيل التخييل بما ترتاح له النفس وينشرح منه الفؤاد.

وكنت أظن أن ذلك إنما مصدره تنميق الكتاب وتزويق الشعراء حتى قضى عليَّ طلب المعالي بمفارقة مصر السعيدة المحروسة وديارها المحبوبة المأنوسة، فانجلت لي هذه العواطف الجليلة في أجلى جلبابها وَحلَّت هذه الشعائر الحميدة في فؤادي بأحلى معانيها، فتمنيت حينئذ لو كنت من المنشئين المجيدين لأصور لك أيها القارئ العزيز والمواطن الفطين حب الوطن مجسمًا في أجمل حال، وعلى أكمل منوال ليكون ذلك باعثًا يدفعك إلى تعزيز شأنه، والسعي بما في قدرتك على رفع مناره، والاجتهاد بما قسمه الله لك من العرفان في تهذيب أبنائه، وبث نور العلم في أنحائه. فإني وعينيك حينما اقترب الوقت المضروب لمبارحة القاهرة يوم السبت (١٣ أغسطس سنة ١٨٩٢/محرم سنة ١٣١٠) كنت أمتع الطرف، وأزود الناظر بما في القاهرة من باهر المناظر، وأجتلي محاسنها الكرَّة بعد الكرَّة، وأتزود من رؤية معاهدها المرَّة بعد المرَّة؛ ليكون لي ذخرًا منها إلى أن أعود إليها بسلامة الله وحسن توفيقه، وما زلت على هذه الحال، مشغول البال، هائج البلبال، وأنا كالباهت الحيران، حتى حان وقت السفر وحل يوم الرحيل.

فاحتشد الإخوان الأفاضل، والخلان الأماثل لتوديعي على محطة العاصمة، وكان الكثير منهم يقول: «إنما جئنا لنودّعك حتى تتقوى بنا عزيمتك، وينشرح برؤيتنا صدرك، فتبذل قصارى ما عندك في حسن القيام بالمأمورية الجليلة التي عهدت إليك، وتأتي بأصدق برهان على أن في مصر من الشبان من إذا شملهم بنظره الكريم أمير مصر مولانا العباس أصبحوا من أنفع الناس، وجعلوا للوطن العزيز بين الأمم المتمدنة مقامًا محمودًا وفضلًا مشهودًا.»

فكنت أنظر إلى نفسي ومن أنا، ثم أردّد الفكر في هذا الاحتفال وفي أمثال هذا المقال، فأرى أن هذا التظاهر العظيم وأن هذا الاحتفال والتكريم، إنما يقصد به إعلاء كلمة الوطنية، واتحاد القلوب على تنشيط كل من يقوم بعمل يرجى منه نفع البلاد، بقطع النظر عن مقام القائم بهذا العمل في هيئتنا الاجتماعية صغيرًا كان أو كبيرًا، فإني لم أبلغ إلى الآن ما يجعل القوم يتقاطرون عليّ بهذه الحفاوة، فلا ريب في أن الباعث لذلك الاحتفال والإجلال هو الإخلاص في التكاتف على تأييد كل مسعى علمي وتعضيد كل عمل وطني، وإن إخواننا أيدهم الله بروح منه قد أحسوا بوجوب الدعوة إلى رفع شأن الوطن وتعزيزه، فلهم من وطنهم أخلص الشكر وأجزل الثناء، إذ ليس في وسعي أن أوفيهم حقهم من الاعتراف بجميل فضلهم.

ولقد لاقيت في الإسكندرية (عروس المشرق وعنوان المغرب) عند مَقدمي إليها وقيامي منها مثل ما لقيت في القاهرة، وفي ذلك برهان قاطع على أن الشعور بحب الوطن، والدأب على استمرار حركة النهضة الوطنية قد سرى في عامة الفضلاء سريان الأرواح في الأجساد، وكيف لا يكون الأمر كذلك وأميرنا الهمام وولي نعمتنا المقدام مولانا العباس — وطد الله دعائم ملكه ونشر في الخافقين ألوية مجده — لنا به أحسن أُسوة وأتم قدوة، فإنه أول من يسعى في النهوض بالوطن المحبوب إلى ذروة العز ومنصة الشرف.

وقد قال لي حينما تشرفت بلثم أيديه الكريمة وشكر أياديه العميمة: إن بعضهم اعترض على تعييني في هذه المأمورية العلمية العلية بأني ما زلت في دور الشبيبة والفتوة، فأجاب بلفظه الفاخر المنيف:

إن هذا هو ذات الواجب عين الصواب، فإن زكي من نوابغ الشبان، وبه يمكننا أن نبرهِن لعلماء أوروبا على أن عندنا من الشبان من يجارونهم في ميادين الفضل والعرفان.

فكيف لا أتيه فخارًا وأختال ابتهاجًا بهذا القول الذي هو أفضل من جميع علامات التشريف ودرجات التكريم، وكيف لا أدأب على البحث والاجتهاد حتى يبقى اعتقاد وَلِي النِّعم في عبده المخلص هكذا على الدوام، وكيف لا يكون في ذلك المقال أعظم تنشيط لأمثالي من الشبان يدعوهم إلى اطّراح الكسل، وترك الخمول، والإقبال على كل عمل يرفع شأن وطنهم ويستوجب رضا ولي نعمتهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وبمثل هذا فليتنافس المتنافسون.

قمت من الإسكندرية في صباح يوم الثلاثاء ١٦ أغسطس سنة ١٨٩٢ في باخرة من بواخر شركة اللُّويد النمساوية اسمها فُوروُورد، قد جمعت إلى النظافة أسباب الراحة، بحيث لم يكن ينقصنا فيها شيء مما نراه في المدائن سوى قرب تناوله وسهولة الحصول عليه بمجرد الضغط على الجرس الكهربائي، ولم يكن فيها كثير من السّواح، ولكنها أقلعت بعد الوقت المضروب بربع ساعة على التقريب، وسارت الهُوينا إلى أن خرجت من بوغاز الإسكندرية، وابتعدت عن الشطوط المصرية، فكنت أحدق النظر المجرد ومستعينًا بالنظارة المقربة إلى رؤية أطراف الأراضي المصرية حتى سترها حجاب الأفق. وإذ ذاك أخذتني كآبة، وتولاني حُزن، وتملكني انقباض مما لم يكن لي به عهد من ذي قبل، فاغرورقت الدموع في فؤادي وتلهفت نفسي إلى معاهد بلادي، ولم تذهب عني هذه اللوعة إلا بعد أن أطلت الفكرة في أني أسعى إلى مجد مؤثل قد يدركه أمثالي، وأعود على وطني سالمًا غانمًا رابحًا ناجحًا بإذن الله تعالى، فشاغلت نفسي عن تيار هذه الأفكار بالنظر إلى تمايل السفينة ذات اليمين وذات اليسار، وتلاعب الأمواج وصفاء المياه الذي اكتسب فيما أمام الإسكندرية لونًا أزرق باهيًا، جعل اللجة كأنها قطعة واحدة من الفيروزج الجميل.

وما زالت السفينة توالي سيرها حتى أتى ميعاد الطعام فأكلت قليلًا منه؛ لأني عجزت عن الإتمام، ولم أكُ — وحقك — من القادرين بسبب ما اعتراني من دوار البحر، وإن كانت الدوخة خفيفة جدًّا، فقد أخبرنا أهل الخبرة أن هذه الحالة من أخف السياحات شدة على من ليس لهم عادة بالأسفار في البحار، ولكن هذا القول لم يمكنني من الامتناع عن الاضطجاع على فراشي، فلما حان العصر خرجت إلى ظَهر السفينة لأجرب الحالة، فعاودتني الدوخة ودوران الرأس فقفلت معُجلًا إلى مضجعي، ولم تتيسر لي الاستراحة إلا بعد أن صارت معدتي صِفرًا من الصفراء مدة الليلة الأولى واليوم الثاني والليلة الثانية، ولم أتمكن من تناول شيء سوى قليل من اللبن بالقهوة وبعض الفاكهة. وقد كان صاحبي حضرة الشيخ محمد راشد قد أصابه ما أصابني، فلبثنا في حجرتنا مضطجعين على الأسرة متقابلين، فكنا في هذه الحالة أشبه بالمرضى في المستشفى النمساوي، ووجه الشبه الجامعة في الجنسية بين المستشفى والباخرة، ونظافة الخدمة وإتقانها، وقيام عمال من صنف واحد بها، وقد شعرنا بشدة اضطراب السفينة وتزايد ارتجاجها (أو نَوَدانها أو مَيَدانها) حينما. اقتربنا من جزيرة كريد.١
وفي اليوم الثالث مررنا أمام سواحل اليونان وبين بعض جزائرها، وكان مَن معنا من بني الإغريق (الجريج) فرحين مبتهجين برؤية سواحل بلادهم يرنون إليها بلحظ متوالٍ والانشراح مِلء فؤادهم، ثم مررنا قِبال جزيرة كورفو Corfou (قرفس كتب العرب) ذات المناظر الجميلة والحدائق الغنَّاء، التي اشتهرت في السنة الماضية بقيام أهلها على بني إسرائيل، وفتكهم بهم الفتك الذريع.
وما زال البحر صاحيًا والهواء موافقًا والشهية حاضرة فعوضنا ما فاتنا من الطعام، وخسر متعهده ما أكسبه إياه اشتداد البحر في اليومين الأولين، حتى وصلنا في ذلك اليوم إلى برندزي، واسمها في كتب العرب إبرندس، وعند الفرنساوية برند (Brindes)، وعند الرومانيين برنتسيون أو برندزيوم (Brintision وBrindisium)، وكنا نعتقد أننا نجد من وكلاء كوك فيها أعظم مساعدة فلم يتحقق أملنا. وأقول إنه إذا كان جميع عماله في الجهات الأخرى من الكسل والخمول مثل ما هم عليه في هذه الفَرضة، فالأحسن للغريب أن يسترشد بكتب الدليل ويباشر شئونه بنفسه، ولعلهم لا يكونون كذلك في بقية المدائن التي سنمر عليها، وقد سمعنا عنهم خيرًا كثيرًا ونحن بمصر، وسنكتب عما شاهدناه منهم بعد ذلك إن شاء الله.

كان وصولنا إلى إبرندس — أو إبرنطس كما يسميها العرب — بعد قيام قطار الصباح (الساعة السادسة) المتوجه إلى نابوني عن الطريق القريب، فحرنا بين المقام في هذه المدينة الحقيرة (بالنسبة لأوروبا)، وبين اتباع الطريق المنحني مع القطار الذي يقوم الساعة تسعة وخمس وعشرين دقيقة، ففضلنا الرأي الثاني لكي نتخلص من أخلاق أهل برنديس وأخلاطها الذين هم أحط في المدينة من جعيدية مصر، وأرذل من سفهائها، وأشد إلحافًا وإلحاحًا من شحاذي السيدة زينب.

فتوجهنا إلى المحطة وكان مع رفيقي شنطتان ومعي أيضًا ثنتان، فأبى رجال المحطة إلا أن يكون إرسال ثنتين منها بعد دفع الأجرة عنهما، فامتثلنا ودفعنا نحوًا من ستة وثلاثين قرشًا، وهذا ليس من الغرابة في شيء، بل الأغرب أن أحد مستخدمي المحطة (وهو الذي ألزمنا بحمل متاعنا إلى المخزن) جاء إلينا بعد أن تبوأنا مقعدنا من القطار، وطلب أن نتحفه بشيء من النقود، فقلت له: عجبًا منك ومن فعالك! تغرمنا ما ليس بواجب علينا للسكة الحديدية، ثم تجيء وتطلب منا الإحسان؟! ولكنه أظهر المذلة والمسكنة وباء فرحًا مبتهجًا حينما أتحفته بنصف فرنك.

ثم قام القطار فإذا الأرض حوالي إبرندس مكتسية بحلة خضراء مزينة بأشجار ورقاء، كل ذلك وهي صخرية قد أذابت الأمطار قشرتها، وأودعت فيها الخصوبة والبركة بإذن الله، بحيث إننا كنا نرى كثيرًا من الأشجار نابتة بين شقوق الأحجار، ونرى الأراضي بارتفاع وانخفاض واستواء وانحدار، وكلها مجللة بثياب سندسية في غاية البهاء. وقد رأينا الكَرْمَ فيها وفي بعض جزائر إغريقية (Grece أي بلاداليونان) لا يرتفع عن شبرين، فكان منظره كنبات الخس في مصر، ولكنه يأتي المحصول الكثير والعنب الجيد اللذيذ على ما بلغنا من أهل هاتيك الديار، وهذا دليل على أن اتخاذ العروش والتكاعيب لأشجار الكَرْمِ مما لا يجديها نفعًا، بل قد يترتب عليه قلة المحصول؛ لأن العصارة تتصرف في ساق النبات وأغصانه بدلًا من أن تتكون ثمرًا جَنيًّا، ومع ذلك فالحكم لعلماء النبات، فقد يقال إن العنب صنفان.
وبعد أن ابتعدنا عن إبرندس (برندزي) رأينا الأرض قاحلة فيها نبات شائك شاهدنا القوم يحرقونه في بعض الجهات لتسميد الأرض، كما يفعل بعض أهل مصر، ولما تجاوزنا هذه الضواحي رأينا السهول قاحلة ماحلة، ثم مررنا على بلاد عامرة وكان مرورنا على ساحل البحر الأدرياتيكي (المعروف عند العرب بجون البنادقيين). وكانت معنا في الوابور فرقة من الجنود، فلما مررنا على محطة أوستوني (Ostuni) رأينا فيها كثيرًا من النساء العجائز ينتظرن من لهن من الأقارب، فكن يودعنهم ويقبلنهم ببكاء وانتحاب مثل ما يراه الإنسان ببعض محاط مصر سوى أنهن لا يولولن بالعويل والصياح.
وما زال الوابور يسير بنا بين جبال وتلال وقيعان ووديان حتى قدمنا مدينة نابولي الزاهرة الباهرة، بعد أن اخترقنا ثلاث مقاطعات في الجنوب والشرق الشمالي لجنوب إيطاليا، وكلها تستقي من مياه الأمطار تخزنها في صهاريج، ورأينا فيها سواقي ونواعير وآبارًا يشبه ماؤها مياه الآبار في مصر، وقد علمت أن المهندس (زنباري) قدم مشروعًا مقتضاه شق ترعة تأتي بالمياه من نهر سيلي (sele) الذي يصب في خليج سالرنو (Salerno)؛ لترتوي منه مقاطعات فودجا وباري ولتشي (Foggia وBari وLecce، وفي كتب العرب فوج وباري ولج)، وإن نفقاته تبلغ مائة مليون ليرة طليانية (والليرة الطليانية تعادل فرنكًا فرنساويًّا فتكون مساوية لجزء من ستة وعشرين جزءًا من الجنيه المصري) قدم هذا المشروع من نحو ١٥ أو ٢٠ سنة، ولكنه لم يبرز إلى حيز الوجود لقلة المال وعدم تيسر الحصول عليه.

هذه عجالة يسيرة من أمور كثيرة علقت بها مذكرات ومفكرات سأفصلها في الرحلة إن شاء الله.

هوامش

(١) كنت تصورت أن اشتقاق لفظة القند بمعنى السكر عند العرب من اسم هذه الجزيرة الآن الذي هو كنديا لاشتهارها باصطناع العسل الجيد، ولو أن علماء اللغة نصوا على أن القند عربية واردة في الشعر الفصيح وقال بعضهم: إنها فارسية؛ ولذلك تحريت الحقيقة فعلمت بعد البحث والتنقيب أن المسلمين لما فتحوا هذه الجزيرة في سنة ٢١٠ اختطفوا بها مدينة سموها (الخندق)، ثم حرف الروم والإفرنج هذا الاسم إلى كنديا، وتعارفه العرب بهذا الاسم وتناسوا الاسم العربي القديم، كما حصل مثلًا في «دار الصنعة ودار الصناعة»، فإنه اسم عربي معتبر يدل على المكان الذي تصنع فيه السفن، ذكره بهذا المعنى المقري وابن بطوطة وابن الأثير والإدريسي وابن خلدون وابن جبير والمسعودي وغيرهم، وهو عند العرب يدل أيضًا على المكان الذي صنع فيه شيء من الأشياء ولكنه بالسفن أخص، حرفه الإسبانيون إلى Darsena وAjerzana وArsenal، ونقلها الطليانيون هكذا Arsenale وDarséna، والإنكليز إلى Arsenal، والفرنساوية إلى Arsenal وDarse. ومن المعلوم أن أهل مصر في هذا الزمان — أي من أيام محمد علي — استعملوا فيما يتعلق بفن البحر كلمات كثيرة نقلوها عن اللغات الإفرنكية وأخصها الطليانية، فلم يلتفتوا إلى أن كلمة Darsena أصلها عربي، بل أضافوا لفظة (خانه) التركية وقالوا: ترساخانه لاعتيادهم على إضافة (خانه) إلى أسماء جميع الأماكن العمومية الأميرية جريًا على الاصطلاح الخاص باللغة التركية، ثم إنهم أحسوا ببعض المخالفة بين لفظتي (ترساخانه) و(دارسنا Darsena الطليانية) فحذفوا خانه واقتصروا على قولهم: «ترسانه»، ومثل هذه الكلمة كثير، نقله الإفرنج إلى لغتهم ثم استرجعها العرب من غير أن يعيدوا لها شكلها، بل أبقوها بكيفية لا يكاد يتعرفها الباحث، وليس هذا محل استقصائه. وأرجع إلى الموضوع فأورد هنا ما أتحفني به حضرة صديقي المهذب محمد أفندي كامل تيمور من أعيان التجار بالإسكندرية لكون هذه الجزيرة وطنه، وله بها علم تام: كانت هذه الجزيرة تسمى عند قدماء اليونان (أيدا) لكون أعلى جبل فيها بهذا الاسم، ولما كان طولها يضاهي عرضها سبع مرات أو ثمانية سميت بما معناه (الطول السعيد)، ثم سميت بما معناه (ذات الهواء) لكون هوائها جيدًا وجافًّا للغاية، ثم أطلق عليها اسم جديد معناه (العظمة)؛ لكونها أعظم جزائر بحر الروم، وفي آخر الأمر سماها الأغارقة (كريت) تشريفًا لها؛ لكون زوجة أحد حكامها كانت تسمى كذلك — قد وردت هذه الأسماء في تاريخ يوناني قديم ألفه عن هذه الجزيرة أحد الفلاسفة والمؤرخين واسمه باكو فاتون — وقد قال حسين بك كامي في تاريخ كريد الذي ألفه باللغة التركية، أن العرب حرفوا كلمة (كريت) إلى أقريطش والعثمانيين إلى (كريد) لسهولة التلفظ بها. ولمناسبة كون العرب بنوا في مدينة إيراقليو (Hiraklio) المعروفة الآن باسم (قندية وكندية) خنادق وطوابي جسيمة لا زالت موجودة إلى الآن حرَّف الروم والأوروباويون لفظة (خندق) إلى كندك ثم إلى كنديه، وجعلوا هذا الاسم للدلالة على جزء من الجزيرة فجاء البنادقة وأطلقوه عليها كلها، وبقي ذلك متعارفًا عند الإفرنج إلى الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤