الرسالة الثالثة عشرة

العودة إلى لوندرة

وفيها إيماء إلى نهر التيمس وقناطره والأنفاق التي تحت الأرض والحدائق والكنائس والقصور وبنك إنجلتره، ودار الضرب، وبرج لوندرة ومحلات البر والإحسان، ومؤنة المدينة وميناها وتنويرها ومطافئها وشربها ومصارفها وضواحيها (رشمند ببساتينها ووندسور بقصر الملكة ورياضها)، ومعرض «مصر القديمة» في لوندرة والصناعة الشرقية العربية فيه واستنهاض الهمم إليها.

***

رجعت من بلاد الغال الزاهرة التي هي في إنجلترا بمثابة سويسرة بما يتجلى فيها من محاسن الطبيعة ونضرة الخلوات، ونزلت ثانية بعاصمة الإنكليز، ورأيت فيها ما رأيت مما قصصت بعضه في رسالتي الأولى عنها، وهي وإن طالت بقدر ما طالت فليست في الحقيقة بالنسبة لهذه المدينة إلا كالبعوضة بجانب الطود الشامخ، ولا يطاوعني قلمي على الانتقال منها إلى غيرها، ولكنني لا يتسنى لي بأي حال من الأحوال أن أفيض في شرح الكلام على التيمس، وقناطره الأربع عشرة وأرصفته المنضودة الممدودة على جانبيه أو الأنفاق التي تمر تحت قاعه، كأن الآلاف المؤلفة من العربات المختلفة الأنواع وقطارات البخار والترامواي والزوارق التي تجري على وجه النهر كعدد النمل كلها غير وافية بحاجات أهل هذه المدينة للانتقال من شاطئ إلى شاطئ، فقادهم ميلهم للاختصار وتوفير الزمن، وتسهيل العمل إلى إحداث هذه الأعمال الشاقة.

فإن أحدها (تيمز تونل) يبلغ طوله ٣٦٦ مترًا، وهو عبارة عن ممشاتين معقودتين متصلتين ببواكٍ وأساطين على مسافات متساوية، ويمر تحت قاع الماء بخمسة أمتار، وقد بلغت نفقاته ١٥٣٥٠٠٠٠ فرنك، وكان أول الأمر مخصصًا لأفراد الناس ينزلون إليه من سلم مظلم منزلق ارتفاعه ٩١ مترًا، ولكنه لم يحُز من الخلائق إقبالًا مع كون أجرة المرور كانت زهيدة جدًّا، وهي بنس واحد (٤ مليمات)، فاشترته شركة خصوصية في سنة ١٨٧٢، ومدت فيه خطوطًا حديدية تجري عليها القطارات وتتصل بسكة حديد العاصمة. وقد كان إنشاؤه في سنة ١٨٢٥.

وأما النَّفَق الثاني فهو بجانب برج لوندرة واسمه (تَوَر سبُوي)، وهو عبارة عن قناة من حديد الزهر قطرها متران وطولها ٣٧٥ مترًا، يُنزل إليه من سُلمين حلزونيين على ٩٦ درجة موضوعين على كلٍّ من ضفتي النهر (وأجرة المرور نصف بنس؛ أي مليمان)، وكان البدء فيه في شهر فبراير سنة ١٨٦٩، وإتمامه في شهر إبريل سنة ١٨٧٠، ولم تزد نفقاته عن ٤٥٠٠٠٠ فرنك.

وأما الثالث فقد أنشأته شركة السكة الحديدية الكهربائية، واحتفل البرنس دوغال بافتتاحه في ٤ نوفمبر سنة ١٨٩٠.

نعم إنني خصصت هذه الرسالة لذكر بعض آثار لوندرة وعمائرها وتحفها وضواحيها، ولكني لا أجد متسعًا للقول على حدائقها العشر التي يُضرب بها المثل في العالم كله، ولا على بستان البنات وما فيه من غرائب الحيوانات (وهو ملك لإحدى الشركات)، ولا على كنائسها المهمة مثل القديس بولس ودير وستمينستر والهيكل والكنائس الإنكليزية البِيع المنشقة عنها والبِيَع الكاثوليكية والأجنبية، فإن عددها في المدينة وأرباضها يناهز الألف ونصف الألف، ولليهود فيها ٦٠ كنيسًا، إلى غير ذلك من أماكن العبادة العديدة التي أقامتها طوائف دينية لا يحصيها إلا الله.

وكيف يتسنى لي أو لغيري تلخيص شيء وجيز في مثل هذه العجالة عن تصور تلك المدينة؛ مثل دار الندوة (البرلمان)، وقصر سان جمس، وقصر بوكنجم، والويت هول (وقد كان فيه إعدام الملك تشارلس الأول)، وقصر مارلبورو، وقصر كنسنتن، وقصر لمبث (وهو مقر رئيس أساقفة الكنيسة الإنكليزية) — وقد رأيت فيه مصحفًا بخط سلاطين مصر موضوعًا في الكنيسة بجانب الإنجيل — وغير ذلك من قصور الملوك والأمراء أو المخصصة للنوادي والاجتماعات.

وبمثل ذلك أعترف بأنه ليس في وسعي أن آتي بُلمع يسيرة عن الأماكن المدنية والعمائر العمومية مثل جلد هول (الذي هو دار أمانة المدينة)، وفي إحدى قاعاتها تمثالان عظيمان من الخشب المجوف يمثلان يأجوج ومأجوج. وتَسَع هذه القاعة ٧ آلاف نفس، وفيها مكتبة حرة فيها سبعون ألف مجلد، وفيها متحف للآثار والمخلفات الباقية من لوندرة القديمة، وقد عرضوا فيها إمضاء شاعرهم شكسبير على صك مبايعة اشتروه للمتحف بمبلغ لا يقل عن ١٤٥ جنيهًا، وفي الدار تلك العربة التي يركب عليها اللورد أمين المدينة في التاسع من شهر نوفمبر يوم الاحتفال بتثبيته، وتبلغ النفقات اللازمة لترميمها ٢٥٠ جنيهًا في كل سنة منذ إنشائها في سنة ١٧٥٧، أو المنشن هوس (هو القصر الذي يسكن فيه اللورد أمين المدينة مدة سنة انتخابه) أو البنك (ويرد إليه في كل يوم ٥٠ ألف ورقة قيمتها مليون جنيه، فيمزقون أحد أطرافها ويحفظونها مدة ١٠ سنوات ويصدرون غيرها للتعامل، وفيه مطابع كثيرة كل واحدة تخرج في اليوم الواحد ١٦ ألف ورقة مختلفة القيمة، وقد بلغ عدد الورق الذي أرجع إلى البنك في يوم ٨ أكتوبر سنة ٩٢، ٦٧٤١٧ وقيمتها ١٥٠٧٢٧٥ جنيهًا، ورأيت فيه ورقة قيمتها مليون جنيه ولا ثانية لها، ورأيت ورقة تداولتها الأيدي مدة ١١١ سنة، وبلغت أرباحها المركبة ٦٠٠٠ جنيه، وفيه ٤٩ مكتبًا، ويخفره بالليل قرة قول فيه ٣٤ عسكريًّا وضابط واحد، وهو غير قابل للاحتراق. وفيه سبائك كثيرة من الذهب الإبريز والفضة الخالصة، وفيه آلات لوزن الجنيهات تلقي بالجنيهات الصحيحة في مكان، وبالتي نقصت بالمداولة والمعاملة في مكان آخر، وتزن في الدقيقة الواحدة ٣٣ جنيهًا، وفي كل يوم من ٦٠ ألف إلى ٧٠ ألف جنيه.

وقد كان رأس مال البنك في أول الأمر ١٢٠٠٠٠٠ جنيه، وصار الآن ١٤٥٥٣٠٠٠ جنيه إنكليزي، وقد بلغ عدد الورق الذي صَدره البنك في خمس سنوات ثم عاد إليه ودفع قيمته ٧٧٧٤٥٠٠٠ ورقة بنك نوت تملأ ١٣٤٠٠ عُلبة، وإذا وضعت هذه العُلب بجانب بعضها بلغ طولها ميلين اثنين وثلث ميل، ولو وضعت هذه الأوراق نفسها فوق بعضها لكان ارتفاعها خمسة أميال وثلثي ميل، ولو صُفَّت إلى جانب بعضها طرفًا لطرف لتكوَّن منها شريط طوله ١٢٤٥٥ ميلًا، ولو حسبنا مسطحها لوجدناه يساوي مسطح حديقة الهايد بارك (ومعلوم أن سطحها ١٦٠ هيكتارًا)، وقد كانت قيمتها الأصلية عبارة عن ١٧٥٠٦٢٦٦٠٠ جنيه إنكليزي وثقلها ٩٠ طونولاطة وثلثا طونولاطة).

ولا أذكر الآن شيئًا عن البورصة وأعمالها ودار البوستة والتلغراف والجمرك ودار الضرب (ويبلغ عدد العُملة التي تصنعها في الأربع وعشرين ساعة ٥٠٠٠٠ جنيه إنكليزي)، وكيف يتسنى لي التلميح بكلمتين إلى برج لوندرة، وما فيه من الأسلحة الفاخرة والحلي المجوهرة، أو المتحف البريطاني، وقد طار صيته في الآفاق بكثرة ما فيه من الذخائر والأعلاق وتنوع النفائس واختلاف المخلفات، مما يجعله في مقدمة متاحف الدنيا، حتى إن غرفة المطالعة فيه لا مثيل لها في العالم كله، بل إن مجرد المرور على ما فيه من المحفوظات يستغرق نحو الأسبوع بالتمام، بل إن برنامجاته وفهارسته هي عبارة عن مجلدات ضخام، ويجيء بعده غيره من المتاحف الكثيرة المتنوعة ومعارض الصور والرسوم والفنون والعلوم.

وماذا عساني أقول الآن على نظام البلدية في هذه المدينة الواسعة، أو على ترتيب الشرطة الذين يزيد عددهم عن ١٤٩٠٠ رجل، أو على محاكمها الكثيرة العدد المتنوعة الاختصاصات، أو على مدارس الحقوق الأربعة، أو على محلات البر والإحسان ودور النقاهة والجمعيات الخيرية المخصصة لتربية أبناء الفقراء، فإن عددها يتجاوز الألف، ومقدار المبالغ التي تنفقها بما فيها التبرعات والهبات (والنقوط التي تجمع في الكنائس) تزيد عن سبعة ملايين من الجنيهات.

والمستشفيات فيها على أنواع: فمنها ما هو عمومي، ومنها ما هو مخصص لبعض الأمراض، مثل: مداواة الطواعين والوقاية منها، وعلل الصدر، والربو، والرمد وأدواء العين، وغير ذلك من الآفات والعاهات، ومنها ما هو للمجاذيب (وعددهم في بعضها ٥٠٠ ولا غرابة)، ومنها ما هو للأطفال أو للنساء أو للولادة، هذا بصرف النظر عن الأجزاخانات العديدة التي توزع الأدوية احتسابًا لوجه الله. وعدد الأسرَّة في هذه المستشفيات يزيد عن ٩٠٠٠، ويدخل بها في السنة أكثر من ٨٠٠٠٠ مريض، وهي توزع الأدوية مجانًا على أكثر من ١٢٣٠٠٠٠ نفس، وفي بعضها مدارس للطب والتشريح، أو الأقرباذين أو غير ذلك من فروع الطب.

وفيها كتبخانات معتبرة، ومتاحف متنوعة، ومعامل كيماوية، وغرف للطبيعة، وبساتين للنبات، ومجاميع باتولوجية وغير ذلك، وفيها مَرَابٍ للأيتام قد يزيد عددهم في بعضها عن ٤٦٠، وقد كان أحد الماهرين في صناعة الموسيقى يجيء فيها ويقرع أُرغُنًا في غاية الإتقان أهداه له (وهو فيه إلى الآن)، وكانت الخلائق تتهافت على هذا المكان من كل فج لسماع هذا المطرب الفريد، وقد تحصل من أجرة دخولهم مبلغ يزيد على ١٠٠٠٠ جنيه خصصه للَمربى ومن فيه من الأيتام، ولم يأخذ منه بارة واحدة.

وفي لوندرة، فضلًا عن ذلك، كثير من الأماكن الخيرية وجمعيات البر ومساعدة العَمَلة والسعي في نفع بني الإنسان، وفيها كثير من التكايا التي يُجبر المتكففون على الدخول فيها والاشتغال بما هم أهل له، وفوق ذلك ترى هناك كثيرًا من المستشفيات المختلفة الأنواع لأجل الجنود البرية والبحرية الذين أصابتهم العاهات.

وماذا أقول على المؤنة في مدينة يزيد عدد السكان فيها عن الخمسة ملايين ونصف مليون، وكلهم لا بد لهم من الطعام فيها أربع مرات تقريبًا في كل يوم، حتى إن ما تستهلكه في العام الواحد يبلغ هذه المقادير:

  • ٨٠٠٠٠٠ نور.

  • ٤٠٠٠٠٠ رأس من الضأن والعجول والخنازير.
    (وقد أثبت علماء الإحصاء أن متوسط ما يستهلكه النفر الواحد من سكانها في اليوم الواحد يزيد عن ١٤٠ جرامًا من اللحم.)
  • ٩٠٠٠٠٠٠ من الطيور وحيوانات الصيد.

أما الأسماك مثل سمك المرجان المعروف في كتب العرب باسم طرستوج، وعند اليونان طريفلا، وعند عوام الأندلس المول. ثم السلباج المعروف بالمارماهيج وبالنون وبالأنقليس وبثعبان البحر. ثم التن (واسمه كذلك في الكتب العربية)، ثم السردين واسمه عند العرب العرم. ثم محصولات البحر من الحيوانات الرخوة مثل الجندفلي والقرقله والأسترديا والمحار بأنواعه والسرطان الكبير وأبو جلمبو وأبو تكني والبضالينس وبراغيث البحر وبلحه والحلزون والسرطان وقنفذ البحر المعروف عند أهل الإسكندرية الآن باسم رتسا، ويسمى عندهم أيضًا قنشد (ولا شك عندي أن هذه اللفظة محرفة عن كلمة قنفد)، وغير ذلك من الأصناف العديدة التي لا أعرف أسماءها، فإنها تنهال على المدينة بمقادير هائلة لا يتصورها العقل، يشهد لذلك أن هناك آلافًا من الزوارق والقوارب لا حرفة لها سوى نقل هذه الحيوانات الرخوة القوقعية هي والروبيان المعروف عند الفرنساوية باسم هومار (Homard)، وقال ابن البيطار: (إن المصريين يسمونه فرندس، وإن أهل الأندلس كانوا يسمونه قمرون.)
  • ١٠٠٠٠٠٠٠ هيكتولتر من اللبن.

  • ٢٠٠٠٠٠٠٠٠ بيضة.

  • ١٠٠٠٠٠٠٠ كيلوجرام من السمن والزبدة.

  • ٢٠٠٠٠٠٠٠ كيلوجرام من الجبن.

  • ٤٥٠٠٠٠ طونولاطة من أصناف الخضراوات المهمة، ومنها نبات الحرف فقط (وهو المعروف عند العرب أيضًا بالرشاد وعند الفرنساوية بالكرسون Cresson) ما مقداره من ثمانمائة إلى تسعمائة طونولاطة.
  • ٥٠٠٠٠ طونولاطة من أنواع الفاكهة.

وغير ذلك وغير ذلك وغير ذلك.

أما السوائل التي يستهلكونها فلا تقل عن ذلك، بل هي أيضًا بنسبة هذه المقادير الهائلة، فإنها تتجاوز ١٨٠ مليون لتر في الأربعة آلاف خمارة والسبعمائة ألف بيت خصوصي، ويمكن تقدير المشروبات الروحية بثمانية عشر مليونًا من اللترات، وإذا قابلنا بين النبيذ وبين الجِعة (البيرة) وجدناه شيئًا لا يذكر بجانبها؛ إذ لا يشربه إلا الأواسط والأغنياء، ومع ذلك فكمية استهلاكه في العام الواحد لا تقل عن ٣١ مليونًا من اللترات. أما الفحم الحجري فيجيء منه في كل عام كميات تزيد على ١١ مليون طونولاطة. وثلاثة أرباع هذه المقادير الجسيمة ترد عن طريق النهر والباقي في السكة الحديدية.

وأهم أسواقها (وهو سوق سجيثفلد) يشغل مسطحًا قدره ٣٧ ألف متر، وفيها سوق آخر (اسمه سوق البهائم) قد يسع في آن واحد ٧٠٠٠ ثور و٢٠٠٠ عجل و٣٥٠٠٠ شاة و٤٠٠ خنزير، وقد يكون في بعض الأيام مخصصًا لبيع الخيول. وفيها سوق آخر للسمك والقواقع ليس إلا، وآخر للأطيار فقط، وآخر للخضار والأثمار والأزهار دون ما عداها، وآخر للخيل وحدها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.

أما التجارة والصناعة والمينا وأحواضها ومخازنها، فهي عالم كبير مستقل بنفسه، ولا أعلم ماذا أقول عنها الآن بعد أن تحققت أن ميناها هي أهم مواني العالم وأكثرها محطًّا للسفائن؛ إذ إن متوسط ما يرد عليها سنويًّا يبلغ ٧٠٠٠٠ سفينة، مجموع حمولتها ١٢٠٠٠٠٠٠ طونولاطة، وقيمة ما فيها من البضائع والأرزاق يزيد على مائة وعشرين مليونًا من الجنيهات الإنكليزية. أما الأحواض ومخازن التجارة فمن أهم مناظر لوندرة وأبدعها، تجعل للناظر (خصوصًا إذا وقف على قنطرة لوندرة، لندن بريدج) فكرة في أهمية العاصمة الإنكليزية وجسامتها واتساع نطاقها بما فيها من المراكب المتراكبة والبضائع المتراكمة والخلائق المتزاحمة، ولا يسمح لي المقام بتفصيل قليل عن حركتها الهائلة.

وفي المدينة ثلاث شركات متعهدة بإضاءتها بالغاز، وقد قدَّره أهل المعرفة بمبلغ ٥٦٠ مليونًا من الأمتار المكعبة، وتستهلك للحصول عليه مليوني طونولاطة من الفحم الحجري، وغاز الاستصباح هذا يجري في قنوات مجموع طولها مليون كيلومتر، وتزيد النفقات السنوية عن ٣٦٠٠٠٠٠ جنيه، مع أن المبالغ اللازمة لسقي المدينة بالمياه لا تصل إلى نصف هذا المبلغ الجسيم. وهناك شركات كثيرة تألفت للإضاءة بالنور الكهربائي، وكان قبل هذه السنة قاصرًا على منازل الأفراد ومخازنهم، ولكنه في أول هذا العام صار استخدامه في بعض الشوارع المهمة والميادين الأصلية.

ويجرني الكلام على النور إلى الحديث على النار، فقد كان رجال المطافئ قبل سنة ١٨٣٣ تحت إدارة شركات خصوصية تجارية أو تابعين لبعض فروع الإدارة البلدية، وكانت نتيجة هذا الافتراق وقوع أضرار بالغة؛ لأنهم في أغلب الأحيان، كانوا يتركون النار تفعل أفاعيلها وتلتهم المنازل التي لم تكن مؤمنة عندهم أو تابعة لهم، ولكن هذه الشركات اجتمعت كلها في تلك السنة، واتحدت وامتزجت ببعضها فألفت شركة عمومية واحدة لمقاومة الحرائق.

واعلم أن لعمالها مهارة لا يناظرهم فيها أحد في الكون إلا ما علمته عن رجال المطافئ في أمريكا، ويستخدمون في مصلحتهم ١٨ سلكًا تلغرافيًّا و٧٥ سلكًا تلفونيًّا، يجمع بينها وبين بعضها ٥٥ مكتبًا إداريًّا. فإذا شبت النار في بعض المواضع تيسر لهم أن يستحضروا من الآلات والأجهزة كل ما يلزم في بضع دقائق، وتتصل مراكز رجال المطافئ بدواوين النظارات والمصالح العمومية والمتاحف والمعارض وغير ذلك من المباني الأميرية بواسطة ٣٨٥ مزولة استغاثة، وعدد رجال المطافئ ٧٠٠، ولهم زي مخصوص معروف، وعندهم ٤٧ طلمبة بخارية، و٩ طلمبات بخارية عوَّامة، و٢٢٤ سلم للاستنقاذ من مخالب الحريق، وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة المتفرقة في كافة أنحاء المدينة، وقد أطفئوا في سنة ١٨٩٠ حرائق بلغ عددها ٢٥٥٥ منها ١٥٣ ذات أهمية عظيمة، ومات في هذه الحرائق ٤٤ شخصًا.

وبعد الكلام على النار يجيء بالطبع الكلام على الماء، فاعلم أن المياه اللازمة للشرب في لوندرة ليست من نهر التيمز، بل قد تأسست شركات عديدة لجلبها من غُدران ونُهيرات أخرى في قنوات هائلة مرفوعة على عمدان عظيمة وقباب جسيمة (مثل الدواميس المعروفة بالعيون التي كانت تستقي بها قلعة الجبل بمصر في الزمان السابق، ولا تزال آثارها باقية إلى الآن)، ثم تنصب المياه في أحواض واسعة، ثم ترشح من قاعها بمرورها على أحجار هشة تعلوها طبقات من الرمل الغليظ والحصى الدقيق، وتبلغ كمية المياه الواردة إلى المدينة في كل يوم بالتعديل المتوسط ٦٧١٠٠٠٠٠٠ لتر، منها ٥٠٠٠٠٠٠٠٠ يستعملها الأهالي في قضاء حوائجهم ولوازم منازلهم، فيكون متوسط ما يستهلكه النفر الواحد من سكان لوندرة ١١٧ لترًا من الماء في كل يوم.

وأستطرد بهذه المناسبة إلى الإشارة إلى مصارف لوندرة وبالوعاتها، فقد كانت كلها تَصُب في أول الأمر في نهر التيمز، حتى جعلته مقرًّا للأقذار، ومنبعًا للجراثيم القتَّالة، وأصلًا في تسميم الهواء، وسببًا في ازدياد الأمراض، وإتلاف صحة السكان، وفتك الموت بهم فتكًا ذريعًا. فإن متوسط المواد العفنية التي كانت تنساق إليه في كل يوم يبلغ ٤٠٠٠٠٠ متر مكعب، وفي سنة ١٨٥٥ اجتهد مجلس شورى العاصمة (البلدية) بدفع هذه المضار ودرس مشروعًا للمصارف يصرف عن المدينة هذه المخاوف، ويلقي بهذه القاذورات إلى ما تحت لوندرة بستة وعشرين ميلًا في النهر إلى البحر بواسطة طلمبات بخارية قوتها ١٠٠٠ حصان بخاري، ولكن هذه العملية لا تحصل إلا في وقت الجزر؛ أي عند نزول مياه النهر في البحر، فيأخذ التيار هذه القاذورات وهذه العفونات بعيدًا عن المدينة، ويذهب بأضرارها أدراج الرياح، وتبلغ كمية المواد البرازية الملقاة بهذه الكيفية في النهر ٣٢٣٧٣٤ مترًا مكعبًا في كل يوم.

وليس هذا كله شيئًا في جانب ما يمكن أن يقال على لوندرة، لكن لا بد من الانتقال إلى ذكر طرف وجيز على بعض ضواحيها مثل رِشمِند، فإنها مدينة صغيرة تختال في حُلل الجمال، واقعة على الضفة اليمنى لنهر التيمز وعلى منحدر تلال بهيجة، فيها غابات ومنازل خلوية تبتهج العين برؤيتها، وفيها قنطرة بديعة وآثار قصر قديم، وهي مشهورة بصناعة فطير بجبن يسمونه (بنات الشرف)؛ لأن وصائف مليكة الإنكليز هن اللاتي اخترعنه، وأشهر ما في هذه المدينة هو روضها الأريض الكائن على هضبة فسيحة، وفي وسطه برك كثيرة تبدو منها للناظر مشاهد تروق النواظر، ويخرج القوم إلى هذا الروض للرياضة في فصل الصيف، واستنشاق النسيم الصحيح العليل. وخلاصة القول أن وجودها على مقربة من لوندرة نعمة كبرى للنازلين بها والمقيمين فيها، بل برهان جديد على أن الإنكليز ينتقلون من الطرف إلى الطرف ولا يعرفون الوسط.

وأما وِندسُور فهي مدينة تبعد عن لوندرة ٢٢ ميلًا تقريبًا، وعدد سكانها ١٢٢٧٨، وأهم ما فيها هو قصر الملكة المعروف باسمها، وهو عبارة عن قلعة حصينة، ولا يشبه قصور الملوك إلا بما حواه من بعض الزخرفة والرسوم، ولكنه في نظري لا يضاهي أقل قصر من القصور الملوكية التي شاهدتها بإيطاليا، بل إن أفخم مدخنة (وجاق) للاصطلاء فيه هي أقل من أقل مدخنة في قصور الجيزة والجزيرة ونحوهما مع عدم لزومها في بلادنا وشدة احتياجهم لها في إنجلترا، وقد زرت الإصطبلات والعربخانات الملوكية، ولكني أستغرب كيف أن نفقاتها بلغت ٧٠٠٠٠ جنيه إنكليزي. نعم إنهم لم يطلعونا على عربات التشريفة الخاصة بالملكة، ولكن عربات معيتها وحاشيتها يمكنني أن أقول إنها أقل من نظائرها في المعية الخديوية السنية، وكذلك الخيول فإنها وإن كانت من الأصائل البالغة في القوة والجمال ولكني (وإن لم أكن من أهل هذا الفن) أقدر أن أقول إنها أقل من الجياد الأصائل التي عند سعادة علي باشا شريف.

وأما بناء الإصطبلات نفسه فأقول ولا أخشى تكذيبًا إنه أقل زخرفة وإتقانًا من الإصطبل الجميل الجليل الذي ابتناه حضرة عزت بك القاضي بالمحكمة المختلطة في سرايه، التي بجانب السراي المنيرة، وإن كان هذا صغيرًا جدًّا في جانب جسامة ذاك.

أما الحدائق التي في القصر وحواليه فهي من أبهى ما يراه الإنسان وأجمل منها تلك الغابة البعيدة عن مدينة وِنُدسُور قليلًا، المعروفة باسم (فرجينيا ووتر)، والذي يزيد في بهجتها أنها كانت في أول الأمر عبارة عن مستنقعات تبعث بالعفونة إلى الهواء وبجراثيم الأمراض إلى ما حولها من الجهات، فحولوها ونظموها ودبروا تصريف الماء منها وإليها، حتى أصبحت جنة تَسرُّ الناظرين، وسبحان من يُغير ولا يتغير، تبارك الله رب العالمين.

وقبل أن أختم هذه الرسالة أرى من الواجب عليَّ ذكر معرض أقامه بعض الأفراد في مدينة لوندرة وسماه (نياجارا هول)، ولكنه يفرِّج الزائرين فيه الآن على مدينة منف عاصمة الفراعنة أيام مجدها وعظمتها، ولا أقدر أن أوفي صانع الرسم حقهُ من المدح على تصوير القصور والأشجار والأصنام والمعابد والنيل والأهرام وأبي الهول والإسرائيليين حين خروجهم من مصر وغير ذلك، فإنه أبدع كل الإبداع، حتى إن الرائي يتخيلها مجسمة للعيان بعيدة عن بعضها كما في الطبيعة بأحسن شكل وأكمل أسلوب، وكل ذلك على قطعة كبيرة من القماش تحيط بالمكان الذي يقف فيه المتفرج معجبًا بهذه الدقة في العمل وهذا التناهي في الإتقان.

وسأشرح الكلام عليها في الرحلة إن شاء الله. فقد رَحب بي صاحب المكان ترحيبًا خصوصيًّا لكوني من المصريين ولكونه من أعضاء المؤتمر، وأتحفني بجميع الاستعلامات اللازمة، وأطلعني على جميع التفاصيل التي لا يُطلع عليها الجمهور، بما استوجب جزيل شكراني وجليل امتناني.

وأغرب ما رأيته في ملحقات هذا المكان رجل من إخواننا أبناء الشرق واسمه المعلم إلياس ليان حلوة، قد برع في أعمال النقش على الخشب بالطرق الشرقية القديمة التي كادت تندثر في هذا الزمان، وقد رأيت له من الأعمال ما أدهشني إتقانها ونظامها وتناسقها، مما جعل أهل الفن من الأوروباويين الذين يَقدِمون إلى هذا المكان يعترفون له بالبراعة والاقتدار. وقال لي إنه يُعد جميع هذه المصنوعات لمعرض أمريكا القادم تشريفًا للشرق وبنيه. ورأيت فيه من العواطف القومية والإحساسات الوطنية ما زاد في إعجابي به، وفوق ذلك فهو خبير بلعب السيف والنَّقر على آلات الطرب، وقد تأثرت حينما رأيته محافظًا على محبة ملته ودولته وعادات أهله وبلدته.

ووددت لو أن أهل الشرق يلتفتون لصنائعهم، ويشجعون القائمين بها؛ لكي لا تزول وتُصبح أثرًا بعد عين، خصوصًا لما رأيت أمم الغرب يتفاخرون بصناعاتهم الخاصة بهم، وببراعتهم فيها على من عداهم، وحكوماتهم تساعدهم على الارتقاء والتفنن فيها حتى يفوقوا أمثالهم، فتكتسب بذلك أوطانهم حسًّا ومعنًى مكاسب لا تقدر، ووددت أيضًا لو كانت ظروف الأحوال تساعدني على مساعدة هذا الرجل وأمثاله من أهل بلادنا، حتى يكون لها بهم وبأمثالهم شأن رفيع في الحضارة، ومعرض العمران الذي سيقوم في شيكاجو، وعسى أن يكون لهذا النداء صدى في الأوطان لما وراءه من المنافع التي لا تنكر. والله يهدي من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠