ملخص الخطبة المؤتمرية

التي ألقيتها باللغة الفرنساوية في جلسة القسم السامي العام المنعقدة بمدرسة لوندرة الجامعة في يوم الخميس ٨ سبتمبر سنة ٩٢ (وقد طبعت بالعربي والفرنساوي في الجرائد الرسمية المصرية ثم في كراسين على حدتهما بأمر دولتلو أفندم رياض باشا رئيس مجلس النظار وناظر المعارف العمومية) صورة المقدمة التي نشرتها الجريدة الرسمية (الوقائع المصرية) الصادرة ١٣ في مارس سنة ١٨٩٣.

حضرة أحمد زكي أفندي
في المؤتمر الدولي التاسع للعلوم الشرقية بلوندرة

كان اجتماع المؤتمر التاسع للعلوم الشرقية في مدينة لوندرة عاصمة الدولة الإنكليزية، وقد ندب له في مصر مبعوثون كبقية الدول الشرقية والغربية، وكان ممن اختارتهم حكومتنا المصرية لهذه المأمورية حضرة الفاضل الشهير أحمد أفندي زكي مترجم مجلس النظار؛ لِما له لديها من الأعمال العلمية النافعة، فتوجه إليه في أواسط أغسطس سنة ١٨٩٢، ومر قبل وصوله لوندرة على بعض الممالك الأوروباوية، وطاف كل مدن إيطاليا الشهيرة.

وفي أوائل سبتمبر من تلك السنة وصل إلى لوندرة، واشتغل فيها بإكمال ما أعده حضرته للعرض على المؤتمر من المؤلفات والمصنفات. وفي الخامس منه اجتمع المؤتمر، ثم انقسم إلى فروع للنظر فيما يعرضه العلماء من المباحث والعلوم، فكان حضرته في القسم المخصص للنظر في الساميات (نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام)، وقد انتخب للنيابة عن مصر في اللجنة الدولية العامة التي نيطت بالنظر في عقد المؤتمرات الآتية وتنظيمها، ووضع القوانين اللازمة لهذه الأغراض، وقد توالت الجلسات إلى الثاني عشر من ذلك الشهر، فاجتمع المؤتمر الاجتماع الخير فخطب جناب الرئيس خطبة انتهائية شكر فيها كل من لبوا الدعوة من الممالك، فكان لهم بين وفود المؤتمر علماء.

وفي هذه الحفلة الختامية ترجم حضرة أحمد أفندي زكي القصيدة التي ألقاها حضرة العلامة الفاضل الشيخ محمد راشد (زميله في هذه المأمورية) من اللغة العربية إلى اللغة الفرنساوية بطريقة تشبه ارتجال الشعر في السرعة والحضور حتى شخص له المجتمعون، وأكبروا ما عمله إذ لم يكن له عليها سابقة استحضار ولا اطلاع، ثم انفض الجمع بإعلان الرئيس بانقضاء جلسات المؤتمر وشكران جميع من حضروه.

أما ما لاقاه حضرته من كرم الوفادة والنظر إليه بعين الاعتبار، وتقدير عمله واجتهاده والتعرف إليه بما له من آثار الفضل قبل وصوله هو إليهم، فكان فوق ما عهد للنظائر والأنداد، حتى إن جناب اللورد نورثبروك الذي حضر إلى المؤتمر بالنيابة عن نجل جلالة الملكة الذي عقد المؤتمر تحت حمايته لما أولم وليمة الاجتماع الأول لهذا المؤتمر لم يَدعُ فيها من علماء الدول الشرقية سوى هذا المندوب المصري نائبًا عن مصر في تلك الوليمة التي أعدوها من الرسميات.

هذا ولما انفضت جلسات المؤتمر مكث حضرته في لوندرة أكثر من ثلاثين يومًا للبحث فيها ودرس أحوالها، ثم تنقل في كثير من مدن إنجلترا وبلاد الغال، ثم عاد إلى فرنسا وأقام بباريس أكثر من شهر درس فيه أحوال مدنيتها وعلومها وآثارها، كما ينبغي ثم تنقل في بعض مدنها الشهيرة، وخرج منها قاصدًا بلاد الأندلس (إسبانيا) فلبث بها مدة لاقى فيها أعاظمها وعلماءها وبعض وزرائها، ثم توجه إلى بلاد البرتغال ولاقى جلالة ملكها وزار بعض مدائنها وبعض حصون العرب الباقية على قلل الجبال إلى الآن، ثم رجع إلى البلاد الأندلسية؛ لأنها هي تقريبًا الغاية المقصودة من تلك الرحلة، وتشرَّف بمقابلة ملكة الأندلس مقابلة خصوصية، ولبث في الأندلس ونواحيه ومدنه العربية أسابيع قضاها كلها في البحث وإمعان النظر في نفائس الكتب والآثار الموجودة هناك.

ثم قدم إلى مصر في الرابع عشر من شهر فبراير الماضي سنة ١٨٩٣، معرجًا على مدائن النزهة التي في جنوب فرنسا وعلى رومية العظمى عاصمة إيطاليا. وفي يوم الأربعاء الماضي تشرف بمقابلة الجناب الخديوي المعظم مقابلة خصوصية في سراي عابدين العامرة، فنال من لدن جنابه العالي وافر الإقبال ومزيد الالتفات. وفي أثناء هذه المقابلة رفع حضرته إلى المقام الكريم ما أرسله بعض علماء إسبانيا معه من الكتب العربية المطبوعة هناك هدية للجناب الفخيم، وقدم مجموعة صور قصر الحمراء الشهير الذي هو أعظم أثر للعرب قائم في بلاد الغرب شاهد بما لهم من ضخامة الملك وعظيم العمران، فلم يوجد له نظير بين أولئك الأمم إلى الآن على ما برعوا فيه من الاختراع وتقدمهم في المدنية والعلوم. وفي آخر هذه المجموعة صورة يوم تسليم غرناطة من آخر ملوك العرب، وهو أبو عبد الله من بني نَصر إلى الملك فردينند وزوجته إيزابلا الملكة، وكذلك قدم للجناب الرفيع مُلخصًا عن أعماله التي قدمها لذلك المؤتمر في العلوم العربية، وبعضًا من كتبه التي ترجمها وطبعت أيام غيبته عن مصر، فتلقاها الجناب العالي كلها بوجه طلق وأظهر — حفظه الله — ما لا مزيد عليه من علامات الارتياح، وقد كان حضرته في أثناء عرض هذه الصور وتقديم تلك الهدايا يشرح حال الأندلس وما عثر عليه من آثار العرب وكتبهم ولغتهم وعلومهم وأخلاقهم بدقة أبحاثه هنالك وطول معاشرته لكبراء الباحثين من الإسبانيين، كل ذلك والجناب العالي مقبل عليه كل الإقبال مظهر له علامات السرور والامتنان.

وقد استدامت هذه المقابلة نحو نصف ساعة، وخرج بعدها من بين يديه الكريمتين منطلق اللسان بشكر ولي النعم الأكرم الذي أنعم عليه بهذه المأمورية العلمية الجليلة، وأتيح له بسببها الوصول إلى تلك الغاية الحميدة وأجلها علمه بحالة بلاد الأندلس أيام العرب وما آلت إليه بعد صيرورتها إلى الإسبانيين، فإنه قبل أن يسافر إلى ذلك المؤتمر عرض على الجانب العالي — حفظه الله — أن يذهب إلى إسبانيا وهو عائد إلى مصر؛ ليستفيد من البحث فيها ويدرس أحوالها القديمة والحديثة، ويقابل بين تمدنها في الحالتين، فأذن له جنابه الفخيم، فكان ذلك من أجل النعم التي تستوجب الدعاء بدوام مولانا وولي نعمتنا الجناب العالي — أدامه الله نصيرًا للعلوم وكهفًا للمجتهدين من أبناء الوطن.

وهذا ملخص ترجمة الخطبة المؤتمرية

سادتي:

براعة الاستهلال في هذا المقال حمد الله — سبحانه وتعالى — ثم شكر ولي النعم مولاي الخديو المعظم، فإنه — أقر الله بوجوده عين بلاده — قد تفضل واختارني للنيابة عن مصر في هذه الحفلة الجليلة العلمية.

وإني أعرب لكم في فاتحة الكلام عن مزيد سروري، ومنتهى إسعادي بدخولي في زمرة المشتغلين بالعلوم الشرقية الفضلاء، فقد اعترف الخاص والعام بأهمية أعمالهم واقتنع العالم كله بثمرات أتعابهم، وسار بذكرهم القاصي والداني وعضدهم الملوك والأمراء في كل زمان ومكان. أجل فقد جمعتْ هذه الحفلة فحول العلماء وجهابذة الفضلاء الذين توخوا البحث عن الحق الصراح، وإرسال أشعة التمدن الصادرة عن شمس المعارف الحقيقية لإضاءة كافة الآفاق.

وأنى لأشكر مسعاكم أيها السادة بالنيابة عن ذلك الشرق الذي لم يقدره القوم حق قدره حتى جاءت أعمالكم المبرورة، ومساعيكم المشكورة وزحزحت عنه ستار الاعتقادات الباطلة، وبددت الأقوال الساقطة بما سيكون من ورائه نشر لواء المعارف على جميع الأمم بالسواء.

ولا غرو أن كانت مجاهدتكم العقلية التي يفتخر بها بنو الإنسان سببًا متينًا في التعجيل بإزالة تلكم الحواجز، التي كانت تحول بين المشرق والمغرب، وقد أقامها بين التوأمين أرباب التعصب الأعمى من بعض الطوائف، حتى كان يخال أنها كثيفة ثابتة ليس في الإمكان دك معالمها وتقويض دعائمها.

وها هي مصر الآن تقاسمكم عن طيب نفس كنوز علمها، وذخائر عرفانها، وترى من سعادتها أن تعاوضها أوروبا بعرائس تقدُّمها ونفائس تمدُّنها.

وأنتم تعلمون أن قومكم كانوا يجهلون قدر ما عندنا ويحكمون علينا بما نحن برآء منه، حتى وقعت الألفة العلمية، فانكشف لكم ما انطوى عليه العالم الإسلامي من جليل الشعائر المنبعثة عن الطوية الخالصة، فأخلصتم لنا الود والصفاء كما أوليناكم الصدق والولاء.

ولقد أحرزت جمعيتكم هذه فخارًا من أول نشأتها، وكللت أعمالكم بالنجاح وظهرت فوائدها للعيان ولا ريب أنها ستفوز بتعميم شعائر الوئام على كافة الأقوام ونشر محامد الإخاء في سائر الأرجاء، وقد نمت والحمد لله هذه المبادئ، وأينعت أزهارها بين رجال المعارف على اختلاف الجنسيات وتنوع المشارب وأخذت في السريان بين الأمم وبعضها.

وإني وإن لم أكُ من فرسان هذا الميدان إلا أني أشد الناس غيرة، وأكبرهم حفاوة بهذا المجتمع وأعد نفسي من السعداء بانضمامي إليه، ودخولي في نوال غايته الجليلة التي هي تبادل الصلة العلمية بين المشرقيين والمغربين.

نحن أبناء مصر قد عرفنا جمعية المستشرقين من عهد غير بعيد، وما زلنا إلى الآن غير واقفين على أحوالها كما ينبغي؛ وذلك لأن المؤلفات الخاصة بها والكتب التي تطبعها بالألسنة الشرقية لم تنل في بلاد الشرق حظوة الاشتهار.

ولهذا فإني أتمنى أن تكون إحدى اجتماعات هذا المؤتمر المقبلة في إحدى مدائن المشرق؛ حتى يتيسر لعلمائنا أن يروا بأنفسهم مزايا هذه الأعمال، ويقدروا ما ينجم عنها من الفوائد لعموم بني الإنسان، فينضم إلى هذه العصابة التي هي طليعة الأفكار السامية والمقاصد النبيلة الفاخرة جم غفير من أهل التدقيق والتحقيق، فينال المستشرقون من موازرتهم ومعاونتهم فوائد تذكر فتشكر.

وإني أعترف لكم بأني لم أقف تمام الوقوف على أهمية جمعيتكم الزاهرة، إلا بعد أن ارتبطت بالإرسالية العلمية الفرنساوية بمصر القاهرة، فإنها فتحت أمامي الطريق وكانت فيها مكاشفتي بهذه المزايا المفيدة العديدة.

وغير خافٍ أن الشرق في هذا الزمان لا يخلو من رجال أفاضل، قد نبغوا في العلوم على اختلافها وضربوا من فنون العرفان بسهم وافر، وحلاهم الله بالذكاء الفطري والفطانة الطبيعية، ولكن بعضهم معتكفون محتجبون فيهم غير معروفين، ولهم من الدنيا حظ قليل، كما أن مؤلفاتهم وبنات أفكارهم منفردة عن بعضها مستورة في خبايا الزوايا، فليس في الإمكان أن تأتي بكل ما فيها من الثمرات وهي بالحالة التي هي عليها الآن.

ولما وقفت على الغاية الجليلة التي توخيتموها ما لبثت أن انجذبتْ إليكم عواطفي، وتوجهتْ نحوكم رغائبي، فكانت أعظم أمنية تخالج فؤادي هي أن يتسنى لي مشاركتكم في أعمالكم، وقد نلت — ولله الحمد — المُنى في هذا اليوم السعيد بمحض فيض المكارم العباسية، وعناية مولاي الأفخم عزيز الديار المصرية.

ولقد كان بودِّي أن أجيئكم بمواد تليق بهذا البناء الفخيم، الذي أخذتم على أنفسكم إقامته لنفع بني الإنسان، ولكن بضاعتي إلى الآن قليلة في جانب أعمالكم، ومع ذلك فما وفدتُ إليكم صفر اليدين خالي الوطاب.

نعم لقد كان يحق لكم أيها السادة الأماجد أن تنتظروا مني في هذا النادي المشهود تصنيفًا من الطبقة الأولى في الأهمية والخطارة، أو أن أتحفكم بطرفة فريدة نادرة أكون عثرت عليها أثناء البحث والمراجعة، ولكني لسوء حظي ليس معي إلا متاع قليل ولي في ذلك عذر أبديه لكم، وهو أن انتدابي لهذا المؤتمر لم يتقرر إلا في أوائل شهر يوليو الماضي، فلم يكن لي وسعة من الزمن للشروع في عمل كبير أو الاشتغال بأمر ذي بال، ولكني مع قصر الوقت قد بذلت ما في طاقتي واستخدمت هذا الزمن القليل بما لا يخيب ظنكم في هذا العاجز، ولا يذهب بانتظاركم أدراج الرياح، وإليكم الآن بيان الأعمال التي أتشرف بعرضها على المؤتمر وهي:
  • أولًا: كتاب على المصحف الشريف سميته «مفتاح القرآن»، وخصصته لتسهيل مراجعة الآيات الكريمة ومعرفة مواقعها وأماكنها من غير أدنى تعب أو إمعان نظر أو إعمال روية وفكر. ولا يخفاكم أن هذا التصنيف ليس من المستحدثات المبتكرة في هذا الزمان، فقد تعرض لهذا الموضوع الشيخ محمد مراد النقشبندي وعبد الله باشا تكتهي أمير الحج والموسيو فلوجل الألماني، وقد جاءت مؤلفاتهم بفوائد عظيمة، ولكنها كلها لا تفي إلا ببعض الغرض المقصود؛ وذلك لأن الأسلوب الذي جروا عليه في تحرير تلك المؤلفات يستغرق وقتًا طويلًا في البحث والمراجعة.

    وهذا الكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه هو عِمادنا نحن معاشر المسلمين في جميع أعمالنا وإليه مرجعنا في كل أمورنا ومعاملاتنا، وهو دليلنا وإمامنا في طول حياتنا؛ ولذلك يحفظه بعضنا كله عن ظهر قلب ويقضون عمرهم في هذه الرياضة المقرونة بالتقوى والأجر ويُعرفون عندنا بالحفَّاظ، ولكثير منهم فضل لا ينكر وهم يقومون بخدم عظيمة لأمثالنا الذين لم يتيسر لهم مجاراتهم في إجهاد القوة الحافظة وإبلاغها إلى نهايتها، فنراجعهم ونستفهم منهم عن مواقع الآيات الكريمة في السور الشريفة بدلًا من أن نضيع الوقت الطويل في البحث والمراجعة على غير طائل في كثير من الأحيان، وهم يعرِّفوننا في الحال بمطلوبنا، ولكن الإنسان لا يتيسر له العثور على الحافظ دائمًا، بل كثيرًا ما يرتبك الحافظ وتتعسر عليه الإجابة بسبب التماثل الواقع بين كثير من الآيات الفرقانية.

    وكثيرًا ما يحتاج المستشرقون في أعمالهم وتصانيفهم إلى مراجعة الكتاب العزيز، فمن منكم لم يُضِع أوقاتًا ثمينة ولحظات نفيسة للعثور على الآية المطلوبة.

    وقد تكفل فلوجل في كتابه الذي سماه «نجوم الفُرقان في أطراف القرآن» ببيان عدد السور والآيات التي توجد فيها كل كلمة من كلام الله القديم، ولما كانت الكلمة الواحدة كثيرًا ما تتكرر في عدد عظيم من السور والآيات كان من اللازم على كل من يستخدم نجوم الفرقان أن يصرف وقتًا طويلًا، ويتجشم عناءً ثقيلًا في البحث والمراجعة.

    وفضلًا عن ذلك فقد التزم الرجل أن يرقم أعداد (نمر) السور والآيات بالحروف والإشارات الإفرنكية؛ فلذلك لا يتسنى مراجعة كتابه إلا لعدد زهيد من الباحثين الذين لهم شأن في هذه المواضيع، أعني الإفرنج المشتغلين باللغة العربية دون سواهم والقليل من أبناء المشرق الذين لهم إلمام بإحدى اللغات الإفرنكية، وهذا ما جعله قليل الانتشار في ديار مصر.

    أما الشيخ محمد مراد النقشبندي وعبد الله باشا أمير الحج، فقد اقتصرا في كتابيهما «ترتيب زيبا» (أي الترتيب الجميل) على بعض بيانات إجمالية بخصوص السور والآيات، ولو أدخلت الأساليب المستحدثة في هذين الكتابين وبوشر طبعهما بعناية خصوصية وإتقان زائد ربما جاءت مراجعتهما بكثير من الفوائد.

    وقد اطلعت في الكتبخانة الخديوية على نسخة من كتاب النَّقشبندي، وتحققت أن المراجعة فيه من أصعب الصعوبات، ومع ذلك فإن العلماء المسلمين لا يزالون يستخدمونه لعدم وجود ما هو أفضل منه وأوفى بالمراد وخصوصًا في بلاد الأتراك؛ لأنه في مصر يكاد يكون مجهولًا بالكلية.

    وقد رأيت في مكتبة حضرة الفاضل الأجل السيد محمد الهادي بيرم الكتاب المسمى «أنهار الجنان من منابيع آيات القرآن» الذي ألفه الوزير عبد الله باشا الشهير باسم (جته جي) في أواخر سنة ١١٦٤ في عصر السلطان محمود الأول ابن السلطان مصطفى خان، قال فيه: «لما احتجت إلى وجدان آيات القرآن في أكثر الزمان سنح لخاطري الفاتر أن أجمع كتابًا مع قلة البضاعة، مشتملًا على جداول في بيان مواضع الآيات.» وقد رتبها على حروف الهجاء ثم أشار في الجداول إلى بيان مواقعها في الجزء والحزب والعشر، وعدد الآية في العشر واسم السورة. وقد وضع في أول الكتاب جدولًا فيه الأرقام النجومية وتفسيرها بالأرقام الهندية. والأرقام النجومية هي عبارة عن حروف هجائية بحسب حساب الجمل، وهي في الجدول من ١ إلى ٧١، وفي آخر الكتاب هذه الجملة: «تم ترتيب زينا بعون الله العلي الأعلى. مؤلفه جته جي عبد الله باشا رحمة الله عليه وعلى ما (من) شاء. كتبه محمد بن إبراهيم البليانبولي في بلدة قسطنطينية في مدرسة قبوجي مراد باشا في ٥ج سنة ١٢٦٤»، وفي أول صحيفة من الكتاب عبارة تفيد أن النسخة الأصلية محفوظة في كتبخانة مدرسة (لاله لي) بدار الخلافة العظمى.

    هذا وقد رأيت مصحفًا مطبوعًا على الحجر في مدينة طهران سنة ١٢٧٩، وفي آخره فهرست ببيان مواقع جميع الكلمات القرآنية في هذه النسخة، وهو على نسق «نجوم القرآن في أطراف الفرقان» الذي طبعه فلوجل الألماني، وقد نسجوا على منواله بالتمام وأشير إلى ذلك في المقدمة الموضوعة في آخر القرآن الكريم وفي أول الفهرست.

    وقد ألَّف العالم الحافظ الشيخ محمد بن شريف كتابًا في هذا الموضوع سماه «مصباح الآيات الجليلة الفرقانية ومفتاح التفاسير الجميلة القرآنية»، وخصصه لبيان أسماء السور والأجزاء وعدد الصحيفة الموجودة فيها الآية المبحوث عنها، ثم عدد الجزء وعدد الصحيفة في ثمانية تفاسير (الرازي والقنوي وابن تمجيد وشيخ زاده وروح البيان وأبي السعود والتبيان والمواكب)، ولهذا الكتاب مزايا خصوصية لا تنكر، ولكن لا حاجة للقول بأنه يستوجب على الباحث فيه أن يستعمل نفس النسخ القرآنية والتفاسير التي استخدمها المؤلف، وهو أمر متعسر بل متعذر؛ لأن المصحف الشريف قد طبع مئات ومئات من المرات في أشكال مختلفة (سواء كان مجموعًا في مجلد واحد أو منقسمًا إلى ثلاثين جزءًا)، وفضلًا عن ذلك فإن الذي يستعين في أبحاثه بكتاب ابن شريف يلزمه أن يراجع هذه الثلاثين جزءًا، وكل جزء منها تبتدئ صحائفه بعدد (١)، فإن هذا الحافظ يسرد الآية ثم يقول إنها في صحيفة كذا من جزء كذا من سورة كذا وتفسيرها في الصحيفة الفلانية من الجزء الفلاني من تفسير الرازي أو القنوي إلخ، وقد طبعت الأجزاء القرآنية والمصحف الكريم وهذه التفاسير مرات كثيرة بما يوجب — ولا شك — تغيير صحائفها،وحينئذٍ فالدلالة عليها لا تفيد إلا من كان عنده نفس الطبعات التي استعان بها المؤلف، وقد أشار إلى السنوات التي ظهرت فيها في فاتحة كتابه.

    ولقد كنت على الدوام متأثرًا من وجود هذه الصعوبات التي تعرض في طريق الباحث بواسطة أحد هذه الكتب، وكنت أفكر في طريقة تزول بها هذه العوائق حتى أسعدني حسن حظي بالعثور على نسخة من كتاب قديم بخط اليد لمؤلفه محمد علي الكربلائي تمت كتابتها في غرة شعبان سنة ١١٦٢ هجرية، ورأيت فيها سد بعض الحاجات التي لم تتكفل بها الكتب الموجودة من هذا القبيل، فشمرت عن ساعد الجد في تنسيق مواد هذا الكتاب وتهذيبه وترتيبه على أسلوب حديث منتظم مرتبط ببعضه، وقد تيسر لي بحول الله إتمام ذلك العمل وفق المرام، ثم أضفت إليه بيانات كثيرة أرجو أن تتم بها فائدته، وتزيد في وضوحه وظهور ثمراته.

    قسم المؤلف كتابه إلى قسمين، رتب في الأول الآيات باعتبار أوائلها، وأبان مواقعها في الكتاب العزيز، وخصص الثاني لترتيب الآيات باعتبار أواخرها؛ أعني الحرف الأخير فالذي قبله فالذي قبله، وهكذا حتى تسهل بذلك المراجعة على من لم يتذكر من الآية إلا آخرها فقط، وأما الآيات المعروفة ﺑ (متشابه القرآن) فقد أوردها في كلا القسمين من أولها إلى الموضع الذي يظهر فيه فرق بينها، وبحسب الكلمة الفارقة بين الآيتين المتشابهتين كان ترتيب أمثال هذه الآيات وراء بعضها. ثم إنه رمز بحروف الجُمل بالحبر الأحمر على عدد الجزء والحزب، ووضع بعدها هذه الحروف الثلاثة (أ – و – ر) بحبر أسود للدلالة على أن الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره، ثم رمز بإشارات مختزلة إلى أسماء السور القرآنية ووضع جدولًا بهذه الاختصارات، ولكن لم يرتبه على حسب حروف الهجاء، بل بحسب الترتيب المتبع في المصحف؛ ولذلك فمراجعة هذا الجدول تستوجب صعوبة زائدة، فضلًا عن أن كتابته جاءت متوالية وراء بعضها من غير فصل ولا فقرات بينها وأشباه ذلك من العلامات المميزة.

    وقد كنت حررت جدولًا بأسماء السور تسهل مراجعته للغاية، ثم عدلت عنه؛ لأنني آثرت وضع أسماء السور بأكملها حتى أريح الباحث من العناء في تفسير الاختصارات والرجوع إلى الجدول لتأويلها وبذلك يمتنع الاختلاط الذي ربما يحدث بسبب أن أسماء بعض السور تبتدئ بحرفين أو ثلاثة حروف هي واحدة في كل منها؛ ولأن أسماء بعض السور الأخرى تتركب من حرف واحد أو حرفين فقط.

    ولا شك أن هذا الكتاب هو أفضل بكثير من نظائره، ولكنه فضلًا عما وقع في النسخة التي بيدي من الأغلاط التي لا تعد ولا تحصى، لا يزال ينقصه أمور بيانية كثيرة لإتمام فائدته، فندبت نفسي لسد ما فيه من الخلل وإصلاح ما وقع به من الغلط (وسأودعه في المكتبة الخديوية ليطلع عليه من يريد)، وأظن أني وصلت بمعونة الله تعالى إلى الغرض المطلوب، وحينئذ فبعد أن كان يحتوي على بيان اسم السورة وعدد الجزء والحزب، وأن الآية في الأول أو الوسط أو الآخر أصبح الآن يشتمل على البيانات الآتية وهي:
    • أولًا: عدد الجزء (والقرآن ينقسم إلى ثلاثين جزءًا).١
    • ثانيًا: عدد الحزب (وكل جزء فيه أربعة أحزاب).
    • ثالثًا: موقع الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره.
    • رابعًا: اسم السورة.
    • خامسًا: عدد السور (لأن أهل المشرق إنما يعرفون السور بأسمائها، ولكن أهل أوروبا لا يشيرون إلا لعدد ترتيبها).
    • سادسًا:عدد ترتيب كل آية بحسب القرآن المطبوع في الآستانة العلية على نسخة الحافظ عثمان.
    • سابعًا: عدد ترتيب الآيات بحسب الطبعات العربية والترجمات الإفرنكية التي ظهرت في أوروبا.

    ولي أمل وطيد بأن يجيء عملي هذا وافيًا بجميع الشرائط اللازمة لمراجعته بكل سهولة وفائدة في بلاد المشرق والمغرب، وأظن أنه يكون مفيدًا على الدوام حتى فيما يتعلق بالنسخ القرآنية الكثيرة الخالية من بيان أعداد الآيات، فإنه يشير بالضبط والتدقيق إلى موقع كل آية ببيان عدد الجزء والحزب واسم السورة، وبيان موضع الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره.

    وإذ لم يكن لي متسع كافٍ من الوقت لم أتمكن من تبييض هذا التصنيف الذي يستدعي زيادة التدقيق لما هو محفوظ به من الصعوبات، وإنما أقدم لكم الآن منه كرَّاسين على سبيل النموذج والمثال، ومتى عدت إلى وطني أتممته وأكملته، بحيث يتيسر طبعه في أقرب وقت بحوله تعالى (وقد تم إكماله كله بحمد الله).

  • ثانيًا: نسخة معدة للطبعة الثانية من رسالتي الموسومة ﺑ «موسوعات العلوم العربية»، وهي تكاد تكون غير الأولى بالمرة، وقد خصصتها لهذا المؤتمر بعد أن حليتها ونقحتها وشحنتها بكثير من الإضافات المهمة التي لم يسبق ظهورها إلى الآن.

    ولا أذكر لكم على الطبعة الأولى من هذه الرسالة التي نفدت عن آخرها سوى الكتاب اللطيف الذي أتحفني به جناب العلامة المسيو باربيبه دومينار عقيب ظهور هذه الطبعة، وقد أعلمني فيه بأنه أوسع لها مقامًا كريمًا، وخصني بمزيد الثناء والتهاني على إتمام هذه البحث الدقيق، وسأنشر كتابه في هذا في ملحقات الطبعة الثانية إن شاء الله.

  • ثالثًا: معجم (قاموس) جمعت فيه الكلمات العربية المضعَّفة التي تكرر فيها المقطع الأول؛ مثل مرمر وبربر ورمرم وربرب وسمسم ومشمش إلخ. وإني بفضل الله أول من جمع باللغة العربية أكثر من ١٠٢٠ كلمة من هذا القبيل. وفائدة هذا الصنيع يعرفها المشتغلون برد اللغات إلى أصولها والباحثون عن كيفية ابتداء الإنسان بتقليد أصوات الطبيعة وحكايتها، والتدرج منها إلى غيرها من المعقولات والخياليات وغير ذلك، ولا أظن أنه يوجد تصنيف يماثله في اللغات الأوروبية؛ لأن مادتها في هذا الموضوع غير غزيرة.
  • رابعًا: معجم صغير ضمنته كل ما عثرت عليه من الكلمات الخاصة بالكلاب، وكان من نيتي أن ألحقه بالكتاب الذي أجمعه على هذا الصنف من الحيوان، ولكني رأيت أن الأصوب جعله رسالة قائمة بذاتها بعد أن عنيت بتهذيبها بقدر ما سمح لي به الوقت، وأضفت إليها قصيدة للسيوطي لم يسبق طبعها جمع فيها أسماء الكلب وسماها (التبرِّي من معرة المعري)؛ وذلك لأن أبا العلاء المعروف ﺑ (مِلتُن الشرق) دخل ذات يوم عند أحد الكبراء فوطئ من غير إرادته قدم بعض الحاضرين، فتألم الرجل وقال: «من هذا الكلب؟» فأجابه المعري في الحال بهذه العبارة: «الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما.»
  • خامسًا: معجم خصصته لتحرير الأعلام الجغرافية، وردها إلى أصولها المعتبرة المعروفة عند أهلها، فإن نقلها من لغتها الأصلية والنطق بها بالعربية أو الفرنساوية أو أية لغة إفرنكية قد أوجب تطرق الفساد إليها، ووقوع التحريف فيها بما يوجب ارتكاب متن الشطط والتورط في الغلط أثناء ذكرها في التراجم. ومثل ذلك أن المدينة المعروفة عند العرب باسم المصيصة تعرف عند الإفرنج بلفظ موبسويوست، وإقليم ما وراء النهر يسمى ترانزوكسان، والجهة المعروفة برأس التين في بلاد تونس تسمى عند الإفرنج روكساتين وكانتين وكابتين، ونهر ملوية في مراكش يسمى مالويانا، ومدينة شمشاط تسمى أرزاموزات، ونهر دينبر يسمى في كتب العرب القديمة نهر أزُّو أو نهر طنابرس، وجبل الحَرَث (بفتح الحاء والراء) يسمى بالإفرنكية أرارات، وقد أخطأ المترجمون في نقله إلى العربية فقالوا: عراراط، أو نقلوه بلفظه مهملين الأصل المتعارف في كتب قومهم (وكثير من أمثال ذلك مما ذكرت نموذجًا منه في رسائلي المؤتمرية أثناء كلامي على برندزي ونابولي ورومة وفلورانسة وبيزة وتورينو وطرف الغار)، ومثل ذلك بلاد الإنكليز تعرف في كتب العرب القديمة بهذا الاسم (إنكلطيرة وإنكلاطيرة والإنكتير)، ولكنا الآن نتقرب كثيرًا من اللفظ الفرنساوي فنقول: إنجلترا ولوندرة لا إنجلند ولندن، ونقول: فلورانسة لا فيرنتزا.

    ولا أظن أحدًا من أهل المشرق والمغرب تفوته فائدة هذا التصنيف الذي غايته تصحيح كثير من الأغلاط، فطالما رأيت في كتب مترجمة في التاريخ والجغرافيا اسم قرطبة المعروفة عندنا وفي كتبنا منقولة بحسب نطق الإفرنج لها هكذا (كوردو) وهو اسم لا يعرفه العربي مطلقًا، ومثل ذلك مدينة الأُبَيِّض (تصغير أبيض) في بلاد السودان أخطأ المترجمون في نقلها إلى العربية بحسب النطق الفرنساوي فقالوا: العبيد، ووردت في خريطة رسمية محفوظة في الكتباخانة الخديوية (العبياد)، ومثل ذلك أني رأيت في بعض كتب الجغرافية التي كان التدريس بموجبها في المدارس الأميرية لفظة سوتا (للدلالة على مدينة ساحلية في مراكش) بدلًا من سبتة؛ لأن مؤلفي تلك الكتب راعوا اللفظ الفرنساوي وأهملوا العربي الأصلي وهو سبتة، وأقول هنا: إن هذا اللفظ منقول عن كلمة لاتينية (سبتا) معناها الحظيرة والسياج.

    ولا حاجة لبيان المزايا التي تترتب على وجود كتاب من هذا القبيل يكون سببًا في تحقيق الأعلام الجغرافية، والإرشاد إلى صحتها والتنبيه على حقيقتها والإشارة إلى الفساد الذي اعتورها، حتى لا يخلط المترجم بين الأسماء وبعضها، أو يدل على المسميات بأسماء غير معروفة بها وبذلك يمتنع وجود الخطأ في الأبحاث التاريخية والجغرافية. وإني أرجو أن أكون وصلت إلى الغاية المقصودة. وعلى كل حال فقد فتحت هذا الباب وهو حسبي.

    وهذا ولما علم صاحب السعادة سليمان باشا أباظه بأن الحكومة المصرية ندبتني للنيابة عنها في هذا المؤتمر، تكرم وقدم لي كل الكتب النفيسة التي بخط اليد المحفوظة في خزانته الثمينة، ولكن ضيق الوقت لم يسمح لي إلا باختيار بعض طرف لأتحف المؤتمر بنسخ منها بعد أن عنيت بتنقيحها وتهذيبها.

  • سادسًا وسابعًا: فأول ما انتقيته منها كتابان للمقريزي الشهير؛ أولهما اسمه «ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري»، وهو يختص بإقطاع النبي بلدتين من الشام إلى تميم هذا قبل أن يفتح المسلمون هذه الديار، والثاني «تاريخ الغلاء الواقع بمصر» من أيام الفراعنة إلى زمان المؤلف. وقد جاء في صك الإقطاع لتميم ما نصه: (هذا ما أنطى رسول الله إلخ)، فهذه الكلمة (أنطى) مستعملة بدل أعطى بحسب لهجة اليمانيين أهل تميم، وقد رأيت في معجم أبي السرور الصِّديقي — الذي سأتكلم عنه — أنه يقال: نطشان بدل عطشان، ورأيت في كتب اللغة في ترجمة (ن ط ش) أنه يقال: فلان عطشان نطشان على سبيل المتابعة. وعلمت من الموثوق بهم أن بعض عرب البادية في بلاد الشام لا يزالون إلى الآن يستعملون أنطى بدلًا من أعطى، ولعلهم من اليمن، وربما كانوا من ذرية تميم صاحب الإقطاع فإنه انتقل إلى ورثته من بعده.

    وقد تكلم المقريزي على هذا الإقطاع وصحته ببراعة علمية وتحقيق دقيق، حتى إنه يوجب للقارئ الملال، ولكنه برهان جديد على فضل الرجل وواسع اطلاعه.

    ومن سوء الحظ أن النسخة الثانية التي تكلم فيها المقريزي على تواريخ القحط والغلاء ينقص منها الصفحات الأخيرة، ولكن هذا لا يذهب بشيء من الفوائد الجليلة التي تضمنتها. وأنا أظن أن هذه النسخة هي جزء من خططه المشهورة، فقد أشار في مقدمتها إلى أنه سيتكلم في القسم السابع منها على أسباب خراب مصر وانحطاطها، ثم لم يرد شيء من ذلك في الكتاب المطبوع في بولاق أو النسخ التي بخط اليد المحفوظة في مصر وأوروبا، وإذا صح هذا الظن كانت هذه الرسالة ذات فائدة عظيمة وقيمة خطيرة.

  • ثامنًا: ومما انتقيته من مكتبة أباظه باشا «معجم أبي السرور الصدِّيقي»، وهو يتضمن الكلمات العرفية الدارجة في مصر التي تنطبق على أصول اللغة العربية الفصحى، وقد اختصره من المعجم الذي ألفه الشيخ يوسف المغربي وسماه «رفع الإصر عن كلام أهل مصر»، وبلغني أنه يوجد منه نسخة عند بعضهم في مصر ونسخة أخرى بمكتبة ليدن.

    وقد عني صاحب المختصر بتجريد هذا الكتاب من الألفاظ اللغوية والشواهد والأشعار والاستطرادات والحكايات التي لا علاقة لها بالموضوع، وسماه «المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب»، ولما كان المستشرقون يهتمون بنوع خصوصي باللغة العربية الدارجة كنت واثقًا من أن نشر مثل هذا الكتاب يقابل ببعض القبول ويصيبه شيء من الترحاب؛ ولأجل ذلك أدخلت فيه بعض إصلاحات وتعديلات لإتمام الفائدة، فأبدلت الترتيب المتبع في «صحاح» الجوهري و«قاموس» الفيروزأبادي الذي يترتب عليه ارتباك المباحث وتعقيد المطالب بالأسلوب الهجائي الذي جنح إليه الزمخشري في «أساس البلاغة» والفيومي في «المصباح المنير»، وهو الأسلوب المتبع في جميع المعاجم الأوروباوية وسميته «ترتيب المقتضب فيما وافق لغة مصر من لغة العرب»، وفي هذا السفر مزايا كثيرة لمعرفة تاريخ علم اللغة العربية؛ لأنه يدلنا على أن اللغة العرفية كانت في الزمان القديم متقاربة من اللغة العربية الفصحى، وبه نعرف مقدار ابتعادنا عن هذه في كل يوم بكيفية محسوسة ظاهرة. ومما يزيد في الطين بلة ويوجب ازدياد هذا الابتعاد كثرة علاقاتنا مع أهل أوروبا، فإن اختلاطنا بهم ألزمنا بنقل جملة كلمات وتعبيرات ينبغي المبادرة بدرسها والنظر فيها، فإن كثيرًا منها له نظائر في العربية الصحيحة يجمل بل يلزم تفضيلها على غيرها واستعمالها، وما لم يكن له مقابل في العربية يمكن الاستغناء عنه بنحت ألفاظ جديدة بحسب قواعد اللغة وأصول القلب والإبدال، فإن ذلك أولى من استعمال ألفاظ وعبارات محرفة فاسدة أصبحت لا تنتسب إلى لغة من اللغات.

    وقد اجتهد صاحبي العالم الفاضل الأستاذ محمد راشد بكتابة رسالة عن الكلام الدارج الآن في مصر القاهرة، وشحنها بأحمال الزجل والمواويل والأغاني والأدوار والموشحات المستعملة عند العامة وبلسانهم، ولا شك أن المقارنة بين هذين الكتابين توقفكم على الحركة اللغوية الحاصلة في بلادنا.

    وإليكم الآن نسخًا من أربع رسائل انتقيتها أيضًا من مكتبة سعادة أباظة باشا وهي:

  • تاسعًا: معجم يحتوي على ٥٩٤ اسمًا يعبر بها عن الأسد، استخرجها من «قاموس» الفيروزأبادي العلامة الشريف عبد الله بن محمد بن حسين المغربي، وقد نحا في ترتيبها نحو صاحب «القاموس»، ولكنني استبدلت هذا الترتيب بالأسلوب الهجائي السهل للأسباب التي شرحتها فيما قبل.
  • عاشرًا: معجم يحتوي على كلمات الأضداد؛ مثل: جبر وبسل وزحك وأسد وسجد إلخ، وقد طبع الموسيو هوسما «كتاب الأضداد» لابن الأنباري في مدينة ليدن، ولكن المعجم الذي أقدمه لكم الآن له قيمة خاصة به، وقد استخرجه الشريف عبد الله المذكور من القاموس أيضًا.
  • حادي عشر: معجم الكلمات اللغوية الفصيحة التي يصح استبدال السين فيها بالشين، ألَّفه العلامة الفيروزأبادي صاحب القاموس، وسماه «تحبير الموشين فيما يعبر فيه بالسين والشين»، وهذا الكتاب النادر لا ننكر قيمته وأهميته.
  • ثاني عشر: «القصيدة الفارقة بين الضاد والظاء» لناظمها الشيخ الإمام علي بن عبد الله المروزي، وقد كانت النسخة التي عثرت عليها سقيمة للغاية محرَّفة مشوهة فاجتهدت في إصلاحها وتهذيبها، حتى أصبحت واضحة الفوائد ظاهرة المزايا، ويمكن الانتفاع بمراجعتها، وسأضيف إليها جدولًا هجائيًّا عند طبعها لتتميم نفعها وتسهيل البحث فيها.
  • ثالث عشر: ثم إني أرجع الآن إلى المقريزي، وأذكر لكم أنه حَل لغزًا في (الماء)، وقد عثرت على تفسيره في نسختين بخط اليد في الكتبخانة الخديوية الأولى تمت كتابتها في رمضان سنة ١١١٢ (وهي محفوظة بنمرة ٨٣ فنون متنوعة)، والثانية في رجب سنة ١٠٩٩ (وهي محفوظة بنمرة ٤١٨ مجاميع). وفي النسخة الأولى مقدمة موجزة قال المقريزي فيها إن أحد الكبراء أمره بحل هذا اللغز العسير، وأنه توصل إلى ذلك مع قلة بضاعته، وقال في آخر الحل إنه كتبه في بضع ساعات من يوم الثلاثاء ١٤ محرم سنة ٨٢٣ من غير مراجعة أي كتاب ومن غير تعليق مُسودات. وهذه النسخة أجود بكثير من الأخرى، ولكنها خالية من متن اللغز مجموعًا على حدته كما في صدر النسخة الثانية. وقد تحكك المقريزي وتمحك في الحل حتى جاء جوابه غير مقرون بالإقناع والسداد، فحررت التفسير وضبطته بحسب هاتين النسختين. ولما كان الحل سقيمًا عقيمًا لم أرَ من فائدة في ترجمته (إلى الفرنساوية)، ولكنني حكمت بغير ذلك على نفس اللغز فترجمته لكم لإحاطتكم علمًا بمثال من غرابة ألغازنا العربية (والترجمة في القسم الفرنساوي).
  • رابع عشر: وأقدم لكم الآن أيها السادة نسخة من قصيدة تحتوي على الكلمات العربية التي اتفق لفظها واختلف معناها، نظمها العلامة الفاضل الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المشهور بعلم الدين السخاوي، وهذه النسخة لم تكلفني أدنى عناء؛ لأن الأصل الذي نقلتها عنه كان بخط الأستاذ الكبير والعلامة الشهير عبد القادر بن عمر البغدادي، وهو كتبها بخطه وأصلحها معتمدًا على نسخة قديمة سقيمة قد مسخها النُّساخ، وأجحف بحقها الزمان، وقد أتم البغدادي نسخته في يوم السبت ٣ رجب سنة ١٠٧٤ من الهجرة، ولست في حاجة لإثبات فضل الرجل والإعلام بمقامه، فإنه فوق كل مديح يشهد له مصنفه الحافل المعروف «بخزانة الأدب» المحتوي على أربعة أجزاء، قد أودعها من طُرف العلوم وتُحف الفنون ما يجعل له المكانة الأولى بين أرباب المعارف،٢ وأقول إن عنايته بهذه القصيدة أصدق دليل على أهميتها. وقد اشتغل كثير من الشعراء بمسألة الكلمات المتفقة لَفظًا المختلفة معنى، ولكن الجمهور منهم اقتصر على كلمة واحدة، فإن الأزدى نظم قصيدة تكررت فيها كلمة (عجوز) ثنتين وستين مرة مع اختلاف المعاني، وقد شرحها أبو حيان وأضاف إليها ١٣ معنى جديدًا، ونظم ابن تمام السبكي قصيدة فيها ٧٣ معنى (للمعين)، والحصكفي أورد في إحدى قصائده عشرة معان (للمهلال)، وقد أضيفت إليها معانٍ أخرى، وقد أورد ابن معصوم في كتابه «أنوار الربيع في أنواع البديع» هذه القصائد كلها، أما السبكي الذي نحن بصدد منظومته، فقد أورد فيها أكثر من ٢٠٠ كلمة من هذا القبيل.
  • خامس عشر: وأتكلم الآن على وصف مجالس المعددات والندابات في مصر والمجموعة التي جمعت فيها أشعارهن ومراثيهن.٣ نعم إن هذا الموضوع محفوف بالهموم والأحزان، ولكن البحث فيه يكشف القناع لأرباب الاطلاع من علماء الأخلاق عن بعض أمور تهمهم معرفتها، وهذه العادات قد سبقني غيري إلى الإشارة إليها، غير أني لا أعلم أن أحدًا درسها كما ينبغي أو جمع المراثي التي أقدمها لكم الآن.

    ولست أول من قال: «لا يعرف صدق الإخاء في أيام الهناء والرخاء، بل عند وقوع المحن والبلاء»، ولكني قد أكون أول من يؤكد لكم بأن نساء العامة في مصر ربما كن المتفردات بالعمل بهذه الموعظة البالغة ومراعاتها بكل دقة، كأنما هي فرض من الفروض؛ وذلك لأنهن في كل خميس (وهو يوم تجدد الحِداد) يتجمعن زرافات زرافات ويسعين في بعض أزقة العاصمة ساكتات ساكنات كأنما على رءوسهن الطير حتى يصلن إلى دار صديقتهن التي طرق الموت بابها، واختطف واحدًا من أربابها، وكلهن يتدثرن بملابس سوداء، ويضعن على رءوسهن مناديل زرقاء، فإن ذلك هو اللبس الرسمي المقرر عندهن في مجالس الحداد.

    وقبل أن أتكلم على المعددات والندابات اللائي خصصت لهن هذا الفصل، أقول كلمة ثانية على العصبية التي يرتبط بها نساء العامة بالسليقة والغريزة، عندما تحل شدائد الحياة بإحداهن أو يقلب الدهر لها ظهر المجن.

    فليس من النادر أن يرى الإنسان أية امرأة تأخذ في الولولة عندما تمر جنازة في طريقها، وفي بعض الأحيان تقف أمام الدار التي فَجَع الموت أهليها، وهي لم يسبق لها الدخول فيها ولم تعرف أحدًا من ذويها، ولكنها لا تلتفت إلى ذلك بل تتساقط الدموع سراعًا من مآقيها ثم لا تلبث أن يتولاها الصياح والعويل؛ وذلك لأنها تتذكر بالمنظر الذي يتراءى أمامها أنها فقدت بعض أهلها فانجرح بفقده فؤادها جرحًا لا يندمل، بل إن الآلام القديمة التي كان يظن أن طول العهد محاها من ذكراها تتجدد في الحال؛ لأن الضعف من طبيعتها والجزع من جبلتها، فلا يمكنها أن تغالب نفسها وتكتم الحزن في صدرها، بل كثيرًا ما تدخل إلى الدار التي حصلت فيها الوفاة، وتشارك أهلها في أحزانهم ومصابهم.

    أما المعددات والندابات فليس لهن الآن من أثر في ربوع أوروبا، ولكنهن في مصر عبارة عن طائفة منتظمة ما زالت محافظة على كل ما لها من الحظوة والتأثير، والمرأة منهن في حياتها الاعتيادية وأعمالها الخصوصية تشابه غيرها من النساء على السواء، ولكنها متى تفرغت لوظيفتها دَبت فيها حياة أخرى، وظهرت في نشأة ثانية بمظهر جديد فتضطرب وتنفعل وتتحرك ذات اليمين وذات الشمال، كمن أصابه المس أو الصرع أو الخبال، حتى يخال للرائي أنها أشبه بأولئك الكاهنات في هياكل القدماء عندما تأخذهن الرعشة والرعدة بسبب حضور الهاتف الإلهي الذي جاء يوحي إليها أوامره، ويلقي عليها مقاصده، فإن صوت الندابة وهي في وسط عصابة من النساء قد هاجمتهن الأحزان وتولتهن الأشجان يزيد في غصتهن بما فيه من التقاطيع والتراجيع التي تذوب منها القلوب، وتنفطر لها الأكباد وتتشقق من هولها المرائر، بل إن كل كلمة من كلماتها ينقبض لها صدر الحاضرات وتوجب زيادة الكآبة في نفوسهن، فتأخذهن الصيحة بالرجفة وتهب عليهن أنفاس الندابة كأنها إعصار فيه نار تحترق منه الأفئدة، ثم إن الندابة تنقطع عن الرثاء في أويقات معينة، فيكون سكوتها موجبًا لزيادة الجزع بين الحاضرات ويعبرن عنه بدموع متناثرات وترديد صيحات متواليات.

    وكما أن العامة في ليالي الأفراح يلحون على المغني بأن يطربهم بدور مشهور أو لحن مأثور، فكذلك كل امرأة في مجالس الحداد تلتمس من الندابة أن تذكر رثاءً يختص بفقيدها العزيز فتجيبها إلى ذلك في الحال، ومتى أتمت الرثاء وجب على تلك التي طلبته أن تغالي في الصياح بصوت محزن صادر من فؤاد جريح، وأما الجماعة فيشاركنها لإسناد عويلها ومقاسمتها في حزنها.

    وتستمر هذه المجالس من الصباح إلى وقت الظهر في الأيام الثلاثة الأولى التي تعقب الوفاة، ثم تتكرر في كل خميس إلى انقضاء الأربعين (وهو ختام الحداد)، وفي خلالها يستريح النساء بعض برهات قصيرة يتفرغن فيها لشرب القهوة والدخان، ومتى حَل الظهر تفرقن شَذَر مَذَر وتبدَّد شملهن في كل أرجاء المدينة، فيذهبن بعد أن فعل التأثير بهن ما يوجب انحناء الضلوع وبحة الصوت وضعف العيون، ولكنهن ينصرفن مصاحبات للصمت والخشوع مقتنعات بأنهن قد قمن بأكبر الواجبات.

    ولا تظنُّن أيها السادة أني توخيت المبالغة في هذا الوصف لإحداث ما تعبرون عنه بالتأثير الأدبي، كلا فإن من أتيح أو يتاح له منكم حضور أحد هذه المجالس في مصر يقر ويعترف بأني ما وصلت قط إلى الحقيقة، ولا بد لي من أن أكون مقتدرًا على الإنشاء، وخصوصًا الأسلوب الوصفي ككتَّابكم المجيدين (مثل تيوفل جوتييه وأمبير) حتى أتوصل للتأثير على عقولكم وأفئدتكم، كما تفعله الحقيقة، وإني لأسارع فأخبركم بأن الاعتياد على الانفعال في المآتم بهذه الدرجة الزائدة، التي تقابل الصرع والخَبال ليست في شيء بالكلية من ديننا الحنيف، فإن النبي يأمرنا بأن نجعل الحزن في قلوبنا، وأن نمتثل لأحكام الله، والأحاديث في هذا الشأن كثيرة وليس هذا محل إيرادها.

    وأرى من الواجب عليَّ أن آتي الآن على ذكر ملحوظ دقيق عنَّ لي أثناء طبع هذه الخطبة فيما يتعلق بأصل هذه الاصطلاحات في المآتم، وما هي الطريق التي أوصلتها إلى الأمة المصرية حتى جعلتها متمسكة بها لهذا الحد الذي هو مناقض لأحكام الشرع الشريف والسنة النبوية الكريمة.

    فأما مسألة الجنازة وسير الكفارات والفقهاء والفقراء وأولاد الكتاتيب وجماهير المعزين أمام النعش، وجماعات النساء خلفه صائحات نائحات راخيات الشعور داعيات بالويل والثبور، فذلك كله مأخوذ عن قدماء المصريين مع بعض تعديل قليل، وكل من اطلع على ما أورده العلماء عن الفراعنة من هذا القبيل أخذه العجب من محافظة أهل وادي النيل على عاداتهم مع توالي القرون وتعاقب الدهور.

    وأما مسألة إقامة الأحزان مدة الثلاثة أيام التي تعقب الوفاة، واختتام الحِداد بحلول اليوم المتمم للأربعين، فإنني أحكم بأنها مأخوذة عن النصرانية؛ وذلك لأننا لا نرى لها أثرًا في البلاد الإسلامية المحضة، بل لا نجد في سيرة السَّلف الإسلامي أصلًا ما تستمد منه، فإن السنة جاءت بتعزية أهل الميت في يوم الوفاة على القبر بعد الدفن، ومن لم يتأتَّ له ذلك يذهب إلى بيت الميت لتعزية أهله وتسليتهم. فوجب القول بأنها خاصة بأهل مصر، وحيث إنها لم تكن في أخلاق الفراعنة ولا مألوفاتهم، وجب الجزم بأنها جاءت عن طريق النصرانية، وبيانه أن المسلمين لما افتتحوا مصر دخل في دينهم فريق من قبطها، وبقي هذا الفريق محافظًا على أكثر عاداته (ولا تزال آثارها باقية بيننا إلى اليوم).

    ومن جملة هذه العادات — ولا شك — عادة الحِداد مدة الثلاثة أيام ثم في اليوم المتمم للأربعين، فإن المسيحيين يعتقدون أن سيدنا عيسى — عليه السلام — قال لتلامذته قبل الصلب إنه سيقوم من القبر بعد ثلاثة أيام، فاستمروا يتربصون ظهوره في هذه المدة وهم في غاية الحزن والقلق حتى حصلت قيامته في أوائل اليوم الثالث، ورآه بعض النساء وأخبرن به بقية الذين آمنوا، وهم يعتقدون أيضًا أنه بقي بعد القيامة يظهر تارة ويختفي أخرى في أوقات غير معلومة وأيام ليست معينة، حتى حل اليوم المتمم للأربعين من يوم الصلب، فارتفع إلى السماء في أجَل المظاهر وأرفع الدرجات (انظر الإصحاحات الأخيرة من الأناجيل وأعمال الرسل). ولا يزال الأقباط إلى يومنا هذا يقيمون الحداد على موتاهم مدة الثلاثة أيام الأولى، وفي اليوم المتمم للأربعين وبعده يعتبر أن الميت فاز بالزُّلفى وحظي بإكرام المثوى كما حصل لسيدنا عيسى عليه السلام.

    أما مسألة إقامة الحداد في الأخمسة فلا أراها إلا إسلامية، إذ تستحب في ليلة الجمعة تلاوة القرآن الكريم، والتقرب من المولى بالأدعية والتوسلات والأذكار التي يقصد بها أن الميت ينال النجاة وحسن العقبى؛ ولأن الناس يتمكنون من السهر وتعزية بعضهم في هذه الليلة التي يصبحون بعدها وهم خلو من الأعمال منقطعون في الغالب للرياضة التعبدية، ولا بأس من التنبيه بهذه المناسبة أيضًا إلى أن المسيحيين يقولون إن الحواريين قد اجتمعوا في يوم خميس عقيب ظهور سيدنا عيسى — عليه السلام — من القبر، وتحدثوا في شأن دينهم الجديد وفيما ينبغي عليهم إجراؤه من حيث الثبات على معتقداتهم أو النكوص على أعقابهم، فتراءى لهم حينئذ سيدنا عيسى — عليه السلام — وأكد عليهم بوجوب المحافظة على ما جاء به ودعوة الخلائق إليه.

    وأقول هنا إن العادات التي أتيت على ذكرها هي الجارية في المدن الكبيرة، وأنها قد يحدث فيها خلافات وتنويعات في الأقاليم والأرياف، سواء كان عند المسلمين أو عند الأقباط.

  • سادس عشر: ولقد كان أشار عليَّ المسيو بوريان (Bouriant) رئيس الإرسالية العلمية الفرنساوية بمصر والمسيو كازنوفا (Casanova) أحد أعضائها بجمع نبذة على عادات المصريين في الاحتفال بزيادة النيل، وأن أورد فيها بعض أقوالهم في هذه الأزمنة الحديثة، كما صنع ذلك بعض علماء العاديات المصرية فيما يختص بأيام الفراعنة، فاجتهدت في جمع كثير من المواد وأضفت إليها بعض الاستعلامات الرسمية، ثم اتفق لي العثور على كتاب مطبوع اسمه «قطائف اللطائف»، وليس فيه اسم المؤلف، وقد تضمن كل ما كنت جمعته بل وزيادة، فرأيت أن الغير لسعده قد سبقني فيما كنت أظنه ملكًا لي خاصًّا بي، ولكني لما علمت أن هذا الكتاب قد قامت بتأليفه وترصيفه إحدى السيدات الشرقيات زال عني ما كنت أجده، وشمرت عن ساعد الجد في ترجمة القطعة الخاصة بتفاصيل جبر الخليج في مصر نقلًا عن الفاضلة مؤلفته، إجلالًا للروابط الأدبية والعلاقات التأليفية التي بين المشتغلين بالمباحث المفيدة (والترجمة في القسم الفرنساوي).

    هذا وإني أشكركم أيها السادة على تفضلكم بالالتفات والإصغاء إلى ما ألقيته عليكم، وأختم خطبتي بأن أتمنى للمستشرقين الفوز بالنجاح في جميع الأعمال، وأني قد أخذت على نفسي بأن أكون في بلادي من أول العاملين على تبيان حسناتهم وإظهار فضائلهم وكمالاتهم.

أحمد زكي

هوامش

(١) تقسيم الجزء في مصر إنما هو إلى حزبين بحسب البدعة الحسنة التي أحدثها الحجاج الثقفي، وأما الترك والعجم فيقسمونه إلى أربعة أحزاب، وقد اخترنا طريقتهم لما فيها من زيادة التسهيل في البحث والمراجعة؛ لكون مراجعة الآية في ربع الجزء أسهل منها في نصفه، وفي ذلك وفر في الزمن بمقدار النصف، وهو ما نسعى وندعو إليه.
(٢) وقد وضع العلامة الطلياني المتبحر في العلوم واللغات الشرقية السنيور أغناطيوس جويدي قاموسًا مفيدًا جدًّا ببيان أسماء الشعراء المنصوص عليهم في هذا الكتاب المفيد، وقد طبعه في رومة سنة ١٨٨٧.
(٣) الذي دعاني للاهتمام بهذا الموضوع ما رأيته من عناية أهل البحث والتدقيق من الإفرنج بكل ما له صلة بأحوال المشرق، ولما كان كثير منهم قد يقع في الخطأ من حيث لا يشعر ويجعل للأمور عللًا وأسبابًا يعزيها إلى الدين الإسلامي عن قصور فهم أو تتبادر إلى مخيلته بحسب ما يصورها له الوهم من غير أن يكون له من المعرفة والاطلاع ما يجعله قادرًا على تمييز الفكر الصحيح من القول السقيم، أحببت أن أستوفي في هذه النبذة كل ما وصل إليه علمي من بعض عادات قومي فضلًا عن الفائدة الأدبية الجليلة التي قد لا يتنبه لها الإنسان لأول وهلة، وهي المحافظة على الأشعار التي تنوح بها المعددات والندابات أثناء الرثاء، فإن في كثير منها معاني دقيقة وأنظارًا حكمية قد لا يجدها الباحث في المراثي الشهيرة التي يعمل الشعراء فيها فكرتهم، ويمضون الأقات النفيسة الطويلة في سبكها وحبكها بحسب ما تقتضيه صناعاتهم وممارستهم، بخلاف أقوال العامة، فإنها خصوصًا في مثل هذا الموضوع صادرة عن الضمير مباشرة، وليست إلا ترجمة لما يُكنه الفؤاد من عواطف الأشجان. ولما كانت هذه الأشعار غير مدونة في ديوان رأيت من الفائدة ضم أشتاتها مع عدم الادعاء بالإحاطة بها، وذلك أفضل من إهمالها؛ إذ لا يبعد أن يأتي يوم تزول فيه هذه العادات، وينمحي معها أثر هذه الأشعار الواجب حياطتها بالحفظ والتدوين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠