الرسالة الثانية

عن رومة في يوم الاثنين (٢٩ محرم سنة ١٣١٠ / ٢٢ أغسطس سنة ١٨٩٢)

لعلي أكون أحرزت برسالتي الأولى رضا حضرات القرّاء الألباء، وإلا فإن العذر واضح لكون كتابتها كانت بعد تعب شديد عانيته من سفر ثلاثة أيام في البحر، تتلوها عشر ساعات بلا انقطاع في باخرة البر، وليس في ذلك من غرابة لعدم العادة، ولقد كان سمعي ينبو من مقال القائل: (بل العذاب قطعة من السفر)، فلما حقق الخبر الخبر زال عني الاستنكاف مما كنت أحسبه ضربًا من المجازفة في المبالغة، خصوصًا وأن أسلافنا لم يكن لهم ما أفاضه عرفان هذا القرن (التاسع عشر) على أبنائه من تسهيل الانتقال، وتأمين الارتحال، وتقليل المسافات، وتناهي البخس في النفقات بالنسبة لما كان ينبغي صرفه في هاتيك الأوقات، وتيسير أسباب السير والنظر والتأمل في آثار من غَبر، ومصنوعات من حضر، وتوسيع دائرة العقل بالاطلاع على نتائج أفكار الغير، إلى ما هناك من الفوائد والمكاسب في المتاجر والمصانع مما لا ينكره إلا المكابر.

ولذلك فإني بعد المقارنة أحسب هذا التعب راحة وهذا الشقاء نعيمًا، فلم أتربص حتى تجيئني الأنباء من الأصدقاء بما كان لباكورة رسائلي من الشأن عند الأدباء، فإني (على كل حال) أشعر في نفسي بما يدفعني بالرغم عني إلى الكتابة، حتى كأني بين الخلان والأخدان، فقد وجدت مجال القول ذا سعة وألفيت مقام الكتابة صالحًا فأقول:

إن نابولي — والحق يقال — لتستحق أن يُكتَب عليها مجلد ضخم لا صفحات قليلة تتلى (أو لا تتلى) ثم تتطاير في الهواء؛ وذلك لأنها ضمت إلى بهاء المنظر، جمال الطبيعة، وقَرنَت بين حسن الصناعة ونشاط السكان، مما يجعلها جديرة بأن تشد إليها الرحال، وينزل بها أولو البصائر والإبصار الأيام الطوال بل الشهور بل الأعوام.

والذي يضاعف حسنها في نظر القادم إليها من الطريق التي اتخذناها (طريق فودجا) أنه يوافيها بعد أن يقطع كثيرًا من الفيافي والقفار، ويسير خلال الجبال الموحشة والأرض اليباب، وتحت الأنفاق (Tunnels) المنقورة في الصخور، وفوق القناطر المقامة على الوديان والأغوار، وبين الهاويات الخاويات، وكل ذلك يجعله غير مستأنس ولا بنفسه متوجسًا خيفة من كل ما يحيط به، حتى إن الخيال (أو الحقيقة) ليُصوِّر له أن باخرة البر ذاتها قد انتعشت بقوة الحياة فتولاها الرعب وتملكها الجزع، فأخذت تتلمس في مشيتها وتسير الهوينا (عن تبختر) بعد أن كانت تسعى على عجل، فينقلب الصفير الخارج من صدرها زحيرًا يمازحه صوت أبح خافت يعاون على إكمال الوحشة وإبعاد الائتناس، وهي في غضون ذلك تنساب فوق الوهاد وتحت النجاد كأنها الأفعون (يخرج ليكون قاتلًا أو مقتولًا).

ولا يزال هذا حال الراحل وحال مطيته حتى يصل بالسلامة إلى نابلس الغرب الأوروبي، ولكن (شتان بين مشرق ومغرب) فيحمد غِب السرى إذ يرى نفسه في مدينة هي في الحقيقة كالحديقة الأنيقة، ناعم البال منشرح الفؤاد، ويصدق قول من أنشأ (وبضدها تتميز الأشياء)، ولكني أترك الاسترسال مع هذا التيار، فقد ألقيت عصا التسيار وقرت العين باجتلاء محاسن هذه المدينة اليانعة الرائعة الناصعة ومعاهدها الباهرة الزاهرة الفاخرة، وخذ مني حديثًا وجيزًا على عجلة، وانتظر إذا أردت التفصيل في الرحلة.

هذه المدينة أسسها أقدم قدماء الإغريق في الزمان العتيق، وسموها بلسانهم نيابوليس (Neapolis) أي: المدينة الحديثة، وكان لها اسم آخر غير شائع وهو بارثنوب (Parthenope) وقد حَرف الطليانيون اسمها المشهور إلى نيابولي ثم نابولي (Neapoli) والفرنساوية إلى نابل (Naples وNapoli) وعرب هذا الزمان إلى نابولي، وقد ورد اسمها في كُتب الجغرافية العربية القديمة (نابل ونابل الساحلية ونابل الكتان لكثرة هذا الصنف ومنسوجاته بها في قديم الزمان).
وأما نابلس (أو نابلوس) المعروفة في الشام فقد أطلق الرومان عليها هذا الاسم غصبًا، وألغوا اسمها القديم وهو شكيم (Sichem) الوارد في التوراة وقصص الأنبياء. ولقد أخطأ ياقوت الرومي حيث جهل الأصل اليوناني لهذه التسمية، فانتحل لها اشتقاقًا من عندياته أو نقلًا من غير تثبت، فقال في معجمه: إنها مركبة من «ناب» أي: سن ومن «لوس» أي: التنين بلسان السامرة فيكون الحاصل من معنى اسمها «ناب التنين».
وليست أهمية هذه المدينة وبهجتها بسبب أقدميتها، وما بقي بها من آثار أهلها السالفين، فإنها خلو من المخلفات والأطلال التي يقصدها عادة الزوار في المدائن القديمة العهد مثل نابولي، وإنما هو موقعها الذي لا يزيد عليه في العالم كله سوى موقع القسطنطينية. وحسبي هذا التمثيل للدلالة على أنها جمعت المحاسن الطبيعية الشائقة، والمناظر البهيجة الرائقة، فهي على هيئة مدرج ينحدر على سفح تلال تنتهي إلى البحر، وفي شرقيها بركان فيزوفيو (Vesuvio المعروف عند العرب بجبل النار)، وحواليها تلال ترى المنازل نازلة من أعلى قللها تترى إلى منتهى سفحها، فإذا ارتقى الإنسان أحدها نظر إلى المدينة بجملتها، فرأى من شوارعها الصاعد والنازل والمنحدر والمستوى والمنحط والعالي، ومع ذلك فالهواء فيها كلها جيد والحركة مستديمة؛ لأنها من أهم مواني هذه الديار وأكثر مدائنها في العمار، ويعتبرها أهل السياحة والأسفار من أجمل الأمصار، وأبهج مواقع الدنيا على الإطلاق، وقد كان خليجها العجيب يجذب إلى نواديها الأغراب من جميع الأصقاع، وما زالت الآلاف منهم تتردد أيضًا في هذا الزمان على ربوعها الغنَّاء وحدائقها الفيحاء للرياضة والنزاهة.
ومن الغريب أن حُسن موقعها جعل الأجانب يطمحون إليها، كما أن رخاء العيش فيها أوجب رخاوة أهاليها، فلم يذودوا عن حياضهم، ولم يصدوا الفاتحين وغاراتهم فتوالى عليهم حكم اليونان، فالأوسكيين (Osques)، فالرومانيين، فالقوط (Goths)، فالبوزنطيين (Byzantins)، فالنورمانديين (الذين يذكرهم العرب باسم المجوس)، فالألمانيين، فالإسبانيين.
ومدينة نابولي المذكورة هي مدينة كبيرة ذات شوارع واسعة ومبانٍ شاهقة، تفرجنا فيها على مُربَّى الأسماك (Aquarium) ورأينا معيشتها، وهي في نفس ماء البحر على أحجار الصخر، وفي خلال الأعشاب المائية بشكل غريب ومنظر معجب، وتفرجنا على القصر الملوكي وقد كان تشييده في سنة ١٦٠٠ وفيه من الصور والرسوم والتماثيل والموائد ما يدهش الأنظار، ويحير أفكار أولي الألباب، ويقضي بالعجب العجاب، وهو متسع الأرجاء، فيه منارة فسيحة جدًّا ترى فيه الأشجار منضودة على شكل الأسوار، وهيئات المثلثات والمربعات والمنحنيات، وأغصانها مشتبكة محتبكة منضودة ممدودة مقصوصة مرصوصة، بحيث تتكون منها أشكال وتراكيب على طراز غريب وترتيب عجيب، ورأينا فيه مربى للطيور ولكنه ليس بالشيء العظيم، ورأينا الأشجار الباسقة والمياه الدافقة والخضرة النضرة التي تتشحذ بمرآها الأذهان، وتكتحل بطلعة نورها الأجفان، فلا عجب إذا كان بنو الطليان من أجود أهل الأرض في إتقان الشعر، وإجادة التصوير، وإحكام الرسم، والبلوغ في الصنائع لمستظرفة.

والفنون الجميلة غاية لا تكاد تدركهم فيها أمة أخرى، فقد رأينا في هذا القصر الطائل من الرسوم والنقوش وأساليب العمارة، والتفنن في النحت والإغراب في التمثيل والتخييل ما لا تفي هذه العجالة بعشر معشار ما يستحقه من البيان، ثم جلنا في شوارع المدينة صاعدين هابطين متأملين اقتدار الأهالي، وشغفهم بتجميل أماكنهم، وتزويقها بما يستوقف الأنظار، ويقضي على الناقد المنصف بأن يقضي لهم بسلامة الذوق وحسن الاختراع.

وهناك أستميحك أيها القارئ أن تقف معي برهة أمام الجمال وتؤدي له واجب الإتاوة، مقرونة بالتسبيح والتهليل والتكبير (سبحان الله – الله الله – ما شاء الله – الله أكبر).

فإننا من عهد ما بارحنا الإسكندرية وفارقنا سان ستفانو (ملتقى الغادات الحسان ومجمع الغانيات المعجبات) لم يستقر طير نظرنا على شيء من أغصان الملاحة، سوى أننا كنا نرى في طريقنا من برندزي إلى فودجا إلى نابولي بعض أشباح ينتسبن إلى حواء ولا نسبة، وهن من قبح الصورة وسماجة الوجه بحيث لو رآهن شيخ الأبالسة لعدل عن الوسوسة واستبدال الإغراء بالقرار، والأغرب من ذلك أن وجوههن تكون جافية وأقدامهن حافية وشعورهن منتوفة ورءوسهن مكشوفة، ومع ذلك فلا بد لهن من العُظَّامة أو ما يقوم مقامها، كأن تأتزر الواحدة بالفستان وتتشح بالصدار لإظهار قدٍّ هو أشبه بالقدر.

وما زلنا على هذه الحال حتى ظننا أن أوروبا إنما ترسل إلى بلادنا أفضل ما فيها من العيون الناحرات الساحرات، واللحاظ الفاتنات الفاتكات، فلما قدمنا هذه المدينة رأينا غير ما ظننا. ولقد كان منظرنا، وخصوصًا الرفيق الموافق والصديق الصادق الشيخ محمد راشد، يسترعي منهن الأنظار، فكان لي بذلك فرصة أغتنمها لتعويض ما فات، والتأمل في صنع ربك ذي الجلال والإكرام، فكانت الواحدة تحملق إلينا فترسل سهامًا من فاتر الألحاظ، والأخرى تستغرب من شكلنا فيفتر فمها عن درٍّ يأخذ بحبات القلوب، ومنهن من كانت تترك عملها الذي خرجت لأجله من كناسها وتسعى خلفنا تستغرب شكلنا، بينما نحن معجبون بشكلها. ومنهن من كنَّ يطللن من الشبابيك فيشبكن الفؤاد ولا حرج عليهن، ومنهن من كانت الخواتم بخصورهن أليق من الخناصر، وغير ذلك مما يطول شرحه ويقصر يَراعي عن بيانه، حتى إننا لم نر حِيلة للتخلص من شراك هذه الشباك سوى التعجيل بالرحيل فقصدنا المحطة.

فوقعنا في شبكة لم تكن لنا في حسبان ولم تخطر لنا على بال، وذلك أن عمال السكة الحديدية أبوا إلا أن يُدفعونا الرسم على ثلاث شنطات من متاعنا وإبقاء شنطة واحدة تحت يدنا، فأظهرنا لهم شدة الغرابة من تنوع المعاملة في برندزي أولًا وفي نابولي ثانيًا وقلنا لهم: أليس القانون واحدًا في إيطاليا كلها أم هل يختلف تطبيقه بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟! فكان جوابهم لنا: (برندزي هي برندزي وأما نابولي فهي نابولي.) فلم نر بُدًّا من نقدهم ما طلبوا، ولكني حررت هذه الجملة في مذكراتي. وإذا لم يكن لي من الوقت ما يكفي للتعمق في البحث عما حوته هذه الكلمة الجامعة من دقائق المعاني وعويص الأفكار، آثرت أن أطرحها الآن على حضرات علمائنا الأعلام؛ ليجعلوها موضوعًا للمتون والشروح، والحواشي والتتميمات والتكميلات والتذييلات والتعليقات، والأخذ والرد والتوجيه والاعتراض والقيل والقال، حتى إذا رجعت بالسلامة ووقفت على خلاصة الأبحاث، أخذتها عن الثقات غنيمة باردة وزينت بها صفحات الرحلة.

ثم سارت بنا باخرة البر إلى رومة في طريق تَحف به من الجانبين أشجار مدت أغصانها فاشتبكت، فكانت أشبه بعذارى الجان خرجن من الجبال المحيطة، وتهيأن للرقص على أجمل منوال، فمدت كل واحدة منهن ذراعيها إلى أختها ذات اليمين وإلى تربها ذات الشمال ووقفن في انتظار القطار، حتى إذا اقترب منهن تحركن حركات منتظمة معجبة بقدود مياسة وأصوات مطربة، واستمر الحال على هذا المنوال بين الجبال الصماء تتخللها الخضرة الزهراء والأشجار الشماء، حتى بلغنا رومة بسلام وتوجهنا إلى الفندق واسترحنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠