الرسالة الثالثة

رومة١ عن فلورانسة في يوم الثلاثاء (غرة صفر الخير سنة ١٣١٠ / ٢٣ أغسطس سنة ١٨٩٢)

يا للعجب يا للعجب! كأني نسيت الكتابة بلسان العرب، أو كأنَّ مُقامي بهذا البلد أضاع اللب وأذهب الرَّشَد، فكيف العمل فكيف العمل؟! وأنا كلما حاولت التحرير أو أخذت في التحبير استعصى القلم وحَرَنَ جواد التفكير، وانهالت عليَّ المطالب انهيالًا لا يجعلني أعرف بم يجب الاستهلال؟ ومتى يكون الختام؟ وكيف أتخلص إلى تلخيص شيء من المذكرات الجمة والمفكرات العديدة التي اقتطفتها أو جمعتها على هذه المدينة المختالة في حلل البهاء والجمال المجللة، بما أودع فيها من آثار العظمة ومشاهد الجلال، ففيها العمائر الفاخرة الفائقة، والقصور الواسعة الشاهقة، والمزارات المتعددة المتنوعة، والبقايا الكثيرة مما خلفه فيها القياصرة والأباطرة والقناصل والأمراء والأشراف والكبراء والسادات والباباوات، فإنها من يوم نشأتها إلى الآن ما زالت عاصمة السياسة والحل والعقد وكعبة الديانة الوثنية ثم النصرانية، وكل من تولى الأمر فيها يسعى بما في وسعه لتوسيع نطاقها، ويبذل جهَده في زخرفتها بما يُوجب له الفَخَار ويستبقي ذكره على ممر الأيام.

فلذلك ترى شوارعها فسيحة وميادينها أنيقة، وفي كل ساحة فسقية يتدفق الماء منها، وفيها أشكال مُعجبة وأصوات مطربة، وقد نصبوا فيها كثيرًا من المسلَّات التي استجلبوها من بلادنا، مع أن عاصمتنا القاهرة خلو منها بالمرة (والذي بقي عندنا من المسلات ما زال في موضعه يندب التمدن الذي كان حوله، ويتحسر على عدم العناية به مثل أمثاله في أوروبا وأمريكا).

وللمباني في رومة منظرٌ رائقٌ بهيج بألوان زاهية براقة تعجب النظار، وعلى جميع جدرانها وأبوابها ونوافذها ومطلاتها وشرفاتها وأفاريزها، ترى التماثيل من النقوش البارزة والتصاوير المختلفة والرسوم المتعددة، كأن كل واحد من أهاليها أراد أن يستوقف السائحين والجائلين والرائحين والجائين، بل هذا غرام قام بهم وشغف لازمهم فلا مندوحة لهم عنه؛ لأنك ترى حتى الجزار (القصَّاب) يزوق حانوته بأغصان الأشجار، ويعرض اللحم على الأنظار مقطعًا قطعًا، ملتفًّا أعلاها بقراطيس من الورق الأبيض الناصع تنضم ثنياته إلى بعضها فتجمعها زهرة من الزهر المختلف الألوان، ومثله بائع الخضار في حسن الترتيب وجمال العرض ولا ينقص عنهما غيرهما، فكل واحد يتفنن فيما يلزم الخلائق بالإقبال عليه (واللي ما يشتري يتفرج).

وقد اغتنمنا فرصة مقامنا بهذا البلد لزيارة ما به من الكنائس التي يضرب بها المثل في الضخامة والفخامة، والمتانة والجلالة، والتناهي في الإبداع واللاتناهي في الإغراب، والتشييد الهائل والزخرفة التي تلهي ولا شك المتعبدين والمتعبدات، وتشغل المتنسكين والمتنسكات بالنظر إليها (وإلى بعضهما خصوصًا)، وإن العقل ليحار في كيفية تشييدها، ويذعن باقتدار ذلك الذي صورها بالقلم على القرطاس، ثم أبرزها مجسمة على سطح البسيطة، حاوية كمال التناسق، وتمام التناسب، وإحكام الصنع، وإتقان الوضع في كل نوع من جدرانها وعمدانها وسواريها إلى عقودها إلى سقوفها إلى قبابها، حتى إنه لم يترك مقالًا لقائل، ولم يدع مجالًا لاستعمال ليت ولو، وفوق ذلك فإن للقوم بحفظها عناية لا بعدها ولا قبلها؛ ففي كل كنيسة منها سلالم للتعمير والترميم والتجبير والتتميم. ومع كثرة الكنائس والبيع بها (فإنها تكاد تناهز نصف الألف) رأينا القوم مشتغلين بتشييد غيرها، وأنت تعلم ما حاق في هذا الزمان بالحكومة البابوية والسلطة الدينية من الضعف والاضمحلال في بلاد أوروبا على العموم وإيطاليا على الخصوص.

هذا وقد زرنا معرض الصور والرسوم، ومصنع الفصوص والفسيفساء في قصر الفاتيكان، ورأينا بهما من الغرائب والعجائب التي يقصر عن تفصيلها هذا الإجمال، ثم شاهدنا ما بالمدينة من آثار القدماء والمتاحف والمعارض والقصر الملوكي والأطلال القديمة والسراديب المنقورة في قلب الجبل، حيث كان النصارى في مبدأ أمرهم يلجئون إليها أيام الاضطهاد، ويتقون بالاختفاء فيها شر عُبَّاد الأوثان.

وقد رأينا في كل ساحاتها وباحاتها وميادينها وبساتينها وفي كافة الأرجاء من منازهها وشوارعها، تماثيل كبارهم وعظمائهم الذين قاموا بخدمة الوطن، وترقية شأن البلاد وتعزيز مقام الأمة، بحيث إن ذكرهم لا يمكن أن يمحوه الزمان، وبذلك عرف الأهلون عالمهم وجاهلهم كبيرهم وحقيرهم مقدار الأجر العظيم الذي يصيبه من ينفع الوطن من أيِّ وجه كان وبأيِّ عمل كان، ووقف السكان عمومًا على تواريخ أولئك الذين استفادت منهم البلاد فائدة حسية أو معنوية قليلة أو جليلة، واتخذوهم نموذجًا لتهذيب الأبناء الناشئين وتربيتهم على السير في جادتهم ومحاكاتهم في خدمة الأوطان.

وهنا ينبغي لي أن أقف قليلًا كاسف البال متحسرًا على كون أهل بلادنا يهملون تخليد ذكر من له فيهم منفعة بأية وسيلة تكون، مع أنه — وايم الحق — هو أفضل الأعمال وأجل ما تشد لأجله الرحال، فإن الذي يعلم أنه إذا خدم وطنه عَرِف قومه قدره، وأجلُّوا ذكره، وشادوا له الآثار والمباني التي تضمن له عمرًا غير العمر الفاني، وتستديم حياته إلى كل جيل، لا شك أنه يضحي النفس والنفيس ويواظب على السعي والعمل لنيل هذا الشرف الذي ليس بعده شرف.

ألا ترى أن الكثير من علمائنا وفضلائنا قد انقرض ذكرهم بمجرد دخولهم في رمسهم، اللهم إلا أن يكون لهم كتاب متداول مشهور (وهم الأقلون). وهل يصح لي أن أُعرِّف بني وطني الكرام بأن السعي في تخليد ذكر الأماجد الأماثل الذين يخدمون الوطن هو أكبر باعث ينهض بالنفوس، ويحرك العزائم، ويحد القرائح، ويوجب الإقدام على العظائم، فتغتنم الأمة والوطن أجل المغانم ويربحان باجتهاد أفرادهما وسعي أبنائهما، من غير أن يكونا على الدوام في حاجة إلى الأجنبي والدخيل، لا نسير إلا بمشكاة نورهما ولا نهتدي إلا بهدايتهما وإرشادهما. أم آن لنا أن نفطن إلى هذه الحقائق وندرك ما وراءها من المنافع، فنطرح الحسد منا لبعضنا ونسعى جميعًا في وجهة واحدة لصالح الوطن العزيز كُلٌّ بقدر ما عنده، ونعضد بعضنا لنكون كالبنيان المرصوص، فلعل أهل بلادنا تهزهم الأريحية المصرية، وتثور فيهم النخوة الوطنية والحمية الأهلية فيتشبهون بأمم أوروبا لنوال الفلاح والنجاح.

أواه، تحدثني نفسي عند كتابة هذه السطور بأن الكثير من القراء لا بد أن يستخف بهذا المقال، ولكني أنادي من له حياة أو كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فتلك لعمرك عواطف وطنية وإحساسات قومية وددت لو يشعر بها أهلي، كما تملكتني حينما رأيت الخاصة والعامة في هذه المدينة واقفين تمام الوقوف على جميع ماجريات أولئك العظماء الذين أقيمت لهم التماثيل والأنصاب، وتزينت بصورهم قصور الملوك وقاعات الدواوين، حتى كان ذلك باعثًا للأمة الطليانية على مباراة الأمم العظيمة، ففتحت المعامل الكبيرة، وألَّفت الشركات الجليلة، وأقدمت على مهام الأعمال فحفظت ثروة البلاد، وروَّجت الصنائع الوطنية، فاكتسبت أيما اكتساب.

نعم لا ننكر أن الدولة الطليانية واقعة الآن في أزمة مالية وقد برك فيها جمل الفقر، ولكن لها عذر واضح من حيث إنها في وقت قصير أنشأت مواني حربية بحرية، وأنجزت كثيرًّا من الأعمال العظيمة ذات المنفعة العمومية لكي تضاهي الدول الكبيرة والأمم المثرية، فكانت كالزرَّاع ينفق كل ما عنده ثم ينتظر الغلة والريع، وقد بدأت تجني ثمار ما غرست وأخذ الخير يدرُّ عليها، وأظن أنه لا يمضي عليها نحو النصف مائة حتى تنفض ما عليها من غبار الفاقة، مما حاق بها من الارتباك والإعسار.

وكأني بك أيها القارئ قد مللت من هذا الاستطراد، وتود مني بدل ذلك أن أُكاشفك بما رأيته في هذه البلاد من الأمور العرضية الثانوية، التي قد يكون وراءها فائدة معجلة جزئية يمكن إدخالها في بلادنا، مثل: العربات والسكة الحديدية والبريد والتلغراف والبواخر والشرطة (البوليس). وما أشبه ذلك من التنظيمات من أنهم يضعون أسماء الشوارع على رقع مربعة من الرخام؛ لكي لا يتطرق إليها البلاء بسرعة، كما حصل عندنا في الأخشاب التي وضعتها نظارة الأشغال في القاهرة بمصاريف باهظة، ولكني أقول لك: إن الحر شديد جدًّا وإني أقاسي منه أكثر منك من عهد مبارحتي للإسكندرية إلى هذا اليوم، حتى كأني ذهبت إلى أسوان أو السودان فعافني من ذلك الآن عافاك الله.

وأعتقد أن الحر في هذا العام بأوروبا أشد منه في كل عام، بل لم يعهد القوم له مثيلًا قبل الآن. ولقد كنت أستغرب ذلك في أرض أوروبا حتى قرأت في جريدة التريبونا الصادرة في يوم الاثنين ٢٢ أغسطس تلغرافًا من المناورات، ينبئها بأن اشتداد الحر فوق العادة قد أتلف صحة الجنود الذين في المناورات في جملة جهات، وآخر من ويانة يقول إن القيظ مستمر فيها وأنه وردت عليها الأخبار من جملة مدائن أن الحر سبب وفيات كثيرة، وأن سبعة من العساكر زهقت أرواحهم من اشتداد الحر، بينما كانوا في المناورات، وأن الفلاحين قد اضطروا لترك أعمالهم، وأن الفاكهة قد أصابتها أضرار بليغة، فكيف لا تشفق عليَّ مع ذلك كله وقد كنت أيضًا بالأمس (يوم الأحد) أتريض في رومة، ورأيت في منازهها من رأيت وما رأيت، وحسبك مني هذه الإشارة … لأنك لبيب فهيم.

هوامش

(١) رومية ورومية الكبرى ورومية المدائن في كتب العرب، ويشقها نهر التيبر (Tevere وTibre) المعروف عند العرب بنهر الصِّغر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠