الفصل السابع

شكسبير والأدب المسرحي

الرؤية بالإحساس

يدخل على المسرح ممثل يؤدي دَوْرَ أرستقراطيٍّ هارب يرتدي زيَّ فلاحٍ وهو يقود ممثلًا آخر يؤدي دور رجل نبيل عجوز اقتُلعتْ عيناه على خشبة المسرح في وقت سابق من المسرحية، ويتظاهران بأنهما يصعدان تلًّا، فيقول الرجل المتنكِّر في زي فلاح: «تسلَّقه الآن، انظر كم نبذل الجهد!» ويرد الرجل العجوز الذي لا يعلم أن الفلاح المزعوم هو في الواقع ابنه: «أعتقد أن الأرض مستوية.» الجمهور يُبصر كالشاب الصغير، ولكنهم يرَوْن سطحًا مستويًا (خشبة المسرح)، وهو ما يشعر به العجوز، ولا يوجد المرتفع «الشاهق المخيف» إلَّا في الخيال. ثم يتساءل الشاب: «أنصِت، هل تسمع صوت البحر؟» فيرد الأعمى: «في الحقيقة، كلا.» ومرة أخرى، فإن الأعمى هو مَن يصف الواقع في المسرح؛ حيث قُدِّمت المسرحية لأول مرة، فلم يوجد نظام صوتي أو تأثيرات مسجلة، والمخرجون المسرحيون والسينمائيون في العصر الحديث الذين يستخدمون صوت البحر في ذلك المشهد يخطئون تفسير صناعة الفن المسرحي.

يقول الشاب إن إخفاق العجوز في سماع صوت البحر يدل على أن «حواسك الأخرى قد أصابها الخلل/بسبب الوجع الذي أصاب عينيك.» ويوافق العجوز؛ فلا بد أن شيئًا قد أصاب سمعه لأن صوت الشاب قد تغير، فعندما تقابلا لأول مرة كان يتحدث بصوت توم المسكين، وهو متسول هارب مجنون، ولكنه الآن «يتحدث بطريقة أفضل.» ومن ناحية فتلك هي الحقيقة؛ فقد تغير أسلوبه اللغوي، ولكن من ناحية أخرى فذلك ليس صحيحًا؛ فهو ما زال ابن العجوز النبيل متنكرًا. «أنت مخدوع كثيرًا، فلم يتغير فيَّ شيء/سوى ثيابي.» لم يكن بإمكان العجوز أن يرى تغيير الثياب، ولكن جمهور المسرح قد رأى ذلك.

يطلب الشاب — الذي نعلم أن اسمه الحقيقي إدجار — من العجوز — وهو إيرل جلوستر — الوقوف في مكانه، ثم يستحضر في عقله صورة ذهنية للمنظر من قمة منحدر. في مشهد سابق كنا قد علمنا أنهما في طريقهما إلى دوفر (حيث كانت فرقة التمثيل الخاصة بشكسبير تقدم عروضها ضمن جولاتها المسرحية)، وهكذا فعلينا أن نتخيل أننا على قمة المنحدرات البيضاء أعلى بحر القنال الإنجليزي. وفي القرن الثامن عشر كان يُطلق على أعلى تلك المنحدرات منحدر شكسبير تكريمًا لخطابه التالي:

كم هو مخيف
وباعث على الدوار أن تنظر لأسفل هكذا!
الغربان التي تطير في منتصف السماء
تُرى بصعوبة بحجم الخنافس، وفي منتصف الطريق للأسفل
يتدلى أحدهم يجمع نبات الشمرة، مهنة كريهة!
وأعتقد أنه لا يبدو أكبر من رأسه
والصيادون الذين يسيرون على الشاطئ
يبدون كالفئران، والمركب الطويل هناك في المرساة
تضاءل حتى بدا في حجم مربطه، ومربطه طافية
أصغر من أن يُرى، والموجة الهامسة
التي تحتك بالحصى المهمل الذي لا يُحصى عدده
لا يمكن سماعها بصوت عالٍ. لن أنظر ثانية؛
خشية أن يدور رأسي وأن يطيح بصري الضعيف
بي بغير تردد.

كُتِب هذا المشهد بالشعر الحر، وأبدعتْ حركة الشعر في استحضار شعور التدلي على حافَة جرف، «في منتصف الطريق للأسفل» — وقفة في نهاية البيت — «يتدلى أحدهم يجمع نبات الشمرة.» وقد رُسِم هذا المشهد طبقًا لقوانين الرسم المنظوري؛ فكلما طالت المسافة صغرت الأشياء. وفي نهاية الخطاب يقر إدجار بأن البحر لا يمكن سماعه حقًّا وبأن التدرج في الوصف من «أصغر من أن يُرى» حتى «بصري الضعيف» قد وضعه موضع والده الأعمى، ثم يتبادلان الأماكن، ويقول جلوستر: «ضعني حيث تقف أنت.» ويتنحى إدجار جانبًا مخبرًا الجمهور بأنه يسخر من اليأس الذي يدفع والده إلى الانتحار كي يعالج منه، ثم يخاطب جلوستر الآلهة ويعتزل العالَم، ويسقط مندفعًا برأسه إلى الأمام في محاولة للانتحار. وليس ذلك بالطبع من فوق المنحدر، بل على خشبة المسرح المستوية فحسب.

ثم يبدِّل إدجار كلًّا من نفسه والمشهد، فيتظاهر بأنه رجل على الشاطئ يساعد العجوز في الوقوف على قدميه ويخبره بأنه قد نجا بمعجزة من السقوط من ذلك الارتفاع الهائل، وتقنع المعجزة المزعومة جلوستر بأن عليه تحمل ابتلائه بصبر وتجلُّد بدلًا من ارتكاب تلك الجريمة الأخلاقية الممثَّلة في الانتحار.

في تلك اللحظة، يدخل ممثل آخر يؤدي دور مَلِك مجنون يرتدي تاجًا من الأشواك، ويثير الحوار مرة أخرى موضوع تمييز الأصوات أو عدم تمييزها: «إنني أعرف هذا الصوت»، «إنني أتذكر جيدًا السمة المميزة لهذا الصوت.» ويُخطئ الرجل المجنون الذي يُدعَى لير من عدة جوانب؛ حيث ظنَّ أن العجوز الأعمى ابنته (بلحية بيضاء) وفي الوقت ذاته رجل يحاكَم بتهمة الزنا (التي ارتكبها جلوستر بالفعل، فقد بدأت المسرحية به وهو يقدم ابنه غير الشرعي إدموند إلى المحكمة). وأخيرًا، يدرك المجنون عَمَى الرجل الآخر، ولكنه يقول إن ذلك ليس عائقًا أمام إدراك ظلم العالَم:

لير : مرحبًا، أأنت هنا معي؟ لا عينان في رأسك، ولا نقود في جيبك؟ فعيناك في الغشاوة مغلولة ونقودك في الكيس محلولة، ولكنك ترى كيف يسير هذا العالم.
جلوستر : إنني أراه بالإحساس.
لير : هل أنت مجنون؟ قد يرى المرء كيف يسير هذا العالَم بلا عينين، انظر بأذنيك: انظر كيف تضع العدالة هناك سياجًا حول اللص البسيط. أصغِ بأذنيك: غيِّر الأماكن وخمِّن بنفسك، أيهما العدالة؟ وأيهما اللص؟ أرأيت كلب مزارع ينبح في وجه متسول؟
جلوستر : نعم يا سيدي.
لير : والإنسان يجري من الكلب؟ هناك قد ترى أعظم صورة للسلطة؛ كلب يُطاع في منصبه.

يُنظَر إلى السلطة على أنها مستمدَّة من لوازم القوة؛ كلباس القاضي ونباح الكلب، لا من أمر طبيعي أو إلهي. قُدِّم هذا الحوار بلا رقابة على مسرح في قاعة الاحتفالات بشارع وايتهول في اليوم الذي تلا عيد الميلاد لعام ١٦٠٦ بحضور جلالة الملك جيمس الأول ملك إنجلترا/جيمس السادس ملك اسكتلندا، ولاحقًا في نفس المشهد يقوم الملك لير بدور واعظ يُلقي موعظة مفادها «عندما نولد نبكي لأننا أتينا/إلى هذا المسرح الكبير المليء بالمجانين.» وفي معظم أجزاء المسرحية كان المسرح بالفعل مليئًا بالمجانين من كل الأصناف. وكان المجانين، وليس رجال الحاشية الذين يخدمون مصالحهم الشخصية، هم مَن يتحدثون بأمانة وصدق وحكمة مخاطرين بحياتهم أو بسلامتهم.

وفي بقية المشهد يؤدي إدجار أدوارًا أخرى؛ رجلًا نبيلًا يخاطَب بلقب «السيد»، ورجلًا فقيرًا يدعو للشفقة، ورجلًا ريفيًّا يتحدث بلكنة ريفية. ويُنهِي المشهد كما بدأه وهو يقود العجوز بعيدًا، وعلى نحو مؤثر يناديه قائلًا: «يا والدي»، رغم أنه لا يعترف بأنه ابن جلوستر بالفعل.

يقوم المسرح على التظاهر؛ حيث يتظاهر الممثل الذي يؤدي دور إدجار بأنه «مرهق» في سيره كي يوحي بحركة صعود التل، ويتحدث بأصوات مختلفة ويرتدي ثيابًا مختلفة. ويتظاهر الممثل الذي يؤدي دور جلوستر بأنه فاقد البصر، ويتظاهر أيضًا بأنه رجل يعتقد أنه ينتحر بالقفز من فوق منحدر. ويتظاهر الممثل الذي يؤدي دور لير بأنه مجنون، ولكنه في الوقت ذاته حكيم، ويتظاهر أيضًا بأنه لا يعرف جلوستر. ومَن يعملون خلف الكواليس الذين قاموا بحياكة الأزياء وصناعة تاج الأشواك قد أدَّوْا دورهم أيضًا في التظاهر. وعن طريق مشهد كهذا في الفصل الرابع من مسرحية «الملك لير»، لا يوظف شكسبير الفن المسرحي شديد التعقيد متعدد الطبقات فحسب، بل إنه أيضًا يتأمل واعيًا طبيعة المسرح، فعندما نتساءل مَن هم هؤلاء الناس بالفعل وما القدْر الذي «يمثلون» به، ندخل في دوامة عقلية تصيبنا بالدوار كسقوط إدجار من فوق المنحدر على مرأًى من الجمهور، ونجد أنفسنا في أماكن عديدة في آن واحد؛ المسرح، وعالم بريطانيا القديمة الذي تدور أحداث المسرحية فيه، والعالم الملكي الذي كتب فيه شكسبير المسرحية، وشعورنا بكيفية سير الأمور في العالم. ونقتنع بأن العالم مسرح مليء بالمجانين، ولكن في الوقت ذاته فإننا نشعر بأن صوت الواعظ المزيف يسخر من تلك الفكرة المبتذلة.

يبدو شكسبير دائمًا كما لو كان يسبقنا بخطوة، فطوال مسرحية «الملك لير» تجد الشخصيات التي تظن أنها قد فهمت حقيقة العالَم نفسها موضع سخرية مع التطور التالي في الأحداث. وفي المشهد الختامي، يحاول دوق ألباني تنظيم النهاية وتحقيق نظام من الفوضى، ولكن كل قراراته تعقبها كارثة جديدة؛ فهو يحيي إدجار العائد ثم يسمع في الحال خبر وفاة جلوستر، ثم خبر مِيتة كلٍّ من جونريل وريجان العنيفة، وكرد فعل على خبر الحكم على كورديليا بالإعدام شنقًا يقول ألباني: «إن الآلهة تدافع عنها.» ولكن ما لبث لير أن دخل حاملًا إياها بين ذراعيه بعد أن أُعدِمَت شنقًا بالفعل ولم تدافع عنها الآلهة. ثم يحاول ألباني إعادة السلطة مرة أخرى إلى لير الذي يموت في الحال، ثم يحاول إقناع كِنت وإدجار بتقسيم المملكة، ولكن كِنت ينصرف بلباقة حيث يلقَى حتفه بعد ذلك. ولكن على الرغم من ذلك كله فالروابط الإنسانية تتألق، والعواطف التي تقدَّم على خشبة المسرح تثير استجابة انفعالية في الجمهور، وعلى غرار جلوستر فإننا «نراها بالإحساس». وفي النهاية لا نحصل على أية إجابات عن الأسئلة الكبرى التي تناولتْها المسرحية؛ مثل «هل ثمة أي سبب في الطبيعة يصنع تلك القلوب القاسية؟» ولكننا تعلمنا قيمة التعبير «عما نشعر به، لا عما يُفترض أن نقوله.»

المشاهدة في مقابل القراءة

في صحيفة «ذا تاتلر» (١٧٠٩) انتقى جوزيف أديسون وصف إدجار لمنحدر دوفر مادحًا إياه بشدة: «مَنْ يتمكن من قراءته دون أن يُصاب بالدوار لديه رأس سليم جدًّا أو رأس مختل جدًّا.» واختلف معه صامويل جونسون قائلًا: «إنه لا يعدو كونَه هاوية، خواء فحسب.» وأخبر بوزويل قائلًا:

إن الغربان تعوق سقوطك، والمظهر المتضائل للسفن والأوضاع الأخرى، كل ذلك وصف غاية في الجودة، ولكنه لا يطبع في الذهن على الفور الفكرة المروعة للارتفاع الشاهق، بل إن التأثير منقسم، فينتقل القارئ تقديريًّا من مرحلة فضاء هائل إلى أخرى.

طالما ضم النقد الأدبي مناقشات من هذا النوع بشأن نجاح عمل أدبي معين أو فشله، وتصلح الأصوات المعارضة مثل جونسون ترياقًا نافعًا للمداعبات اللطيفة حول عبقرية شكسبير المنزهة عن الخطأ.

ولكن جونسون يعترف بأنه «قد لا توجد مسرحية تشد الانتباه» مثل «الملك لير»؛ فهي أكثر مسرحية «تثير مشاعرنا … ويتمتع تدفق خيال الشاعر بالقوة؛ حتى إن العقل الذي يقوم بالمغامرة داخله يُستحَثُّ على نحو لا يقاوم.» ويبدو شكسبير لديه القدرة أكثر من أي كاتب مسرحي آخر على أن يجذب عقل المستمع ويصطحبه في جولة داخل عقل المتحدث؛ حيث كتب تشارلز لامب الذي تلا جونسون بجيل كامل قائلًا: «عندما نقرؤها فإننا لا نشاهد لير، بل نصبح نحن لير نفسه.» ولكن بالنسبة إلى لامب، فإن تجربة التعاطف الخيالي مع عقل لير أو هاملت لا يمكن تحقيقها بالكامل إلا من خلال تجربة «القراءة»، بينما تمثل مشاهدة المسرحية في المسرح بديلًا ضعيفًا:

إن مشاهدة «الملك لير» وهي تُمثَّل؛ مشاهدة رجل عجوز يترنح على المسرح متوكئًا على عصًا، مطرودًا من بناته في ليلة ممطرة، لا يثير سوى الألم والنفور، وتتولَّد في نفوسنا الرغبة في إيوائه وإغاثته. هذه هي كل المشاعر التي أثارتْها فيَّ مشاهدة الملك لير، ولكن شخصية لير كما رسمها شكسبير لا يمكن تمثيلها، فالآلات التافهة التي يُحاكون بها العاصفة التي يخرج فيها لير غير ملائمة لتوضيح الأهوال التي تثيرها عناصر الطبيعة الحقيقية بنفس القدر الذي لا يعد به أي ممثل ملائمًا لتقديم شخصية لير؛ فقد يكون من الأيسر اقتراح تجسيد شخصية الشيطان في قصيدة ميلتون على المسرح أو إحدى شخصيات مايكل أنجلو المريعة.

لامب، «عن مسرحيات شكسبير التراجيدية من حيث صلاحيتها للتقديم على خشبة المسرح»، ١٨١١

قد يكون التشكك هو رد فعلنا الأول إزاء فكرة لامب حول عدم إمكانية تمثيل مسرحيات شكسبير التراجيدية على خشبة المسرح، فالمسرحيات تُكتَب كي تُمثَّل، وقد أتاحتْ مسرحيات شكسبير لأعظم الممثلين تحقيق أعظم نجاحاتهم؛ فبدءًا من صديق شكسبير الحميم ريتشارد بوربدج الذي كُتبتْ له الأدوار خصوصًا، إلى توماس بترتون في عصر الاستعادة، إلى ديفيد جاريك في القرن الثامن عشر، وإدموند كين وهنري إيرفينج في القرن التاسع عشر، وجون جيلجود ولورنس أوليفييه في القرن العشرين، وبول سكوفيلد وإيان ماكيلين في فترات أحدث من ذلك، كانت ثمة سلسلة لا تنقطع من الممثلين الذين أدَّوْا شخصيات هاملت ولير والذين يُعَدُّون فخر المسرح الإنجليزي. وعلاوة على ذلك، فإن مسرحيات مثل «هاملت» و«الملك لير» ومسرحيات شكسبير الأخرى شديدة الانغماس في الوعي الذاتي مسرحيًّا حتى إنها تحث حثًّا على «تمثيلها» كي يتحقق معناها كما رأينا في مشهد المنحدَر، وفي إخراج هاملت لمسرحية داخل المسرحية، وفي تلميح ماكبث إلى «الممثل المسكين/الذي يختال مبددًا الساعة التي يقضيها على المسرح»، وفي تخيل كليوباترا للممثل صاحب الصوت الحاد الذي سيجسد «عظمتها/في وضع العاهرة»، والعديد من اللحظات «الدرامية داخل الدراما».

وقد نلتمس العذر للامب في ضوء أوجه قصور المسرح في زمنه؛ فالمسرحيات التي كتبها شكسبير كانتْ تُؤدَّى على خشبة مسرح ممتدة يجلس عليها الجمهور من ثلاث جهات ومن ثَمَّ تتسم بالحيوية والتفاعل المباشر مع الجمهور، ثم تطوَّر الأمر إلى قاعة ذات ديكورات وتأثيرات مسرحية محدودة، بينما في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت المسارح الملكية في حي كوفنت جاردن وشارع دروري لين على هيئة منصات منخفضة الارتفاع يفصل فيها الجزء الأمامي من خشبة المسرح بين الممثل والجمهور، وكان الأداء تعتريه الفوضى وتعترضه تغييرات المشاهد المطوَّلة والكثير من المستلزمات الإضافية التي تُوضع بحجة العرض المسرحي. وإذا كان في وسع لامب السفر عبر الزمن للماضي إلى عصر شكسبير أو للمستقبل إلى زمن اختراع مسرح الصندوق الأسود بطابعه المرن القابل للتخصيص، ربما كان بإمكانه أن يرى عرضًا يصطحبه في جولة داخل عقل لير. وثمة عامل آخر، وهو أن لامب لم تُتَح له الفرصة لمشاهدة المسرحية في صورتها الأصلية؛ فطوال مائة وخمسين عامًا منذ عصر الاستعادة وحتى بداية العصر الفيكتوري أزيحتِ المسرحية من المسرح الإنجليزي وحلت محلها المسرحية المحتشمة والرومانسية التي أعاد كتابتها ناهوم تيت، والتي لا يوجد فيها مجنون ونهايتها سعيدة؛ حيث تتزوج كورديليا من إدجار.

fig6
شكل ٧-١: هل تتحول مسرحيات شكسبير إلى أدب؟ صفحة عنوان المجلد الأول من مسرحيات شكسبير الصادر عام ١٦٢٣، التي تنقسم عمومًا إلى ثلاثة أجزاء؛ مسرحيات كوميدية وتاريخية وتراجيدية.

إذا كنا من أرباب المسرح، فقد نذهب إلى أقصى الجانب الآخر المقابل للامب وندَّعي أن مسرحيات شكسبير يجب النظر إليها دائمًا بوصفها سيناريوهات للتمثيل لا نصوصًا للتحليل في قاعات الدراسة. وقد نرى أن التلقين الإجباري للغة شكسبير الصعبة لطلاب المدارس بهدف الامتحان يدمر حتمًا المتعة والتنوير اللذين تقدمهما المسرحيات وهي تؤدَّى على المسرح، عندما يصبح زخمُ الحبكةِ والعلاقاتِ المتطورة بين الشخصيات قويًّا حتى إننا لا نكترث إذا لم نتأكد تمامًا من معنى بعض العبارات؛ مثل بعض العبارات التي جاءت على لسان هاملت أو المجنون. ويمكننا القول بأن المسرح هو الدراما «قبل أن تتحول إلى أدب»، وأن شكسبير يكون في أوج تألُّقه عندما يلتقي الممثل والجمهور في العرض الحي المشترك على المسرح. ودفاعًا عن هذا الرأي يمكننا القول بأنه بينما كان بن جونسون يعد مسرحياته بعناية للنشر مقتطِعًا منها بعض مواضع اللهو الهزلية التي لا تصلح إلَّا للعرض، فلم يكن شكسبير يهتم بتخليد الدراما التي يكتبها في نُسَخ مطبوعة، فقد كان كاتبًا مسرحيًّا منهمكًا في عمله، وهو أول مَن حصل على منصب كاتب مسرحي في إحدى شركات المسرح، وكان يكتب لممثلين بأعينهم ومسارح بعينها وجمهور بعينه (عام وخاص، ورجال البلاط والنبلاء)، وسوف يُدهش إذا اكتشف أن النصوص التي كتبها قد تحولت إلى أدب وخضعتْ للتفسير الأخلاقي والنفسي والشكلي والسياسي والاجتماعي والتاريخي والفلسفي والسيري أكثر من أي كتابات أخرى في تاريخ العالَم باستثناء الكتاب المقدس.

ولكن الزعم بأن شكسبير لم يكن كاتبًا مسرحيًّا «أدبيًّا» أمرٌ محل خلاف، ومِن الواضح أن رفاقه الممثلين جون هيمينجز وهنري كونديل تبنَّيَا اهتماماته (بعد وفاته) عندما حوَّلا المسرحيات إلى مجموعة من الأعمال الأدبية على شكل مخطوطة أنيقة واستكملاها بمقدمة تمهيدية تنصح المشترين بقراءتها مرات عديدة.

وقبل ذلك أُتيحت حوالي نصف مسرحيات شكسبير — وبالأخص مسرحياته التراجيدية والتاريخية — للقراء، وكان ذلك أحيانًا في طبعات معتمَدة من فرقة التمثيل. وكانت نصوص كلٍّ من «ريتشارد الثالث» و«هاملت» و«الملك لير» التي طُبِعت في حياة شكسبير أطول من أن تعرض كاملة في الساعتين أو الساعات الثلاث المسموح بها للعروض العامة على مسرح لندن، وهكذا فربما تمثل تلك النصوص نصوص القراءة الخاصة بالكاتب والتي كتبها وهو يعلم تمامًا أنها سوف تُختصَر ويُجرَى عليها بعض التعديل عند تقديمها على خشبة المسرح.

وبناءً على عدد مرات إعادة الطباعة، وهي أدق مؤشر على الطلب في السوق الأدبية، كانت مسرحيتا شكسبير «هنري الرابع، الجزء الأول» (التي تشتهر بشخصيتَيِ السير جون فالستاف وهنري هوتسبور) و«ريتشارد الثالث» (التي تشتهر بشخصية الشرير التي سُمِّيَتْ على اسمه) اثنتين من المسرحيات الثلاث الأكثر قراءة في عصره، أما المسرحية الثالثة فهي كوميديا رعوية مجهولة المصدر بعنوان «ميوسيدورس» (١٥٩٨، وأعيد إحياؤها بإضافات فرقة شكسبير المسرحية عام ١٦١٠). وكانت أكثر القصائد الطويلة التي يُعاد طبعها في ذلك العصر رائعة شكسبير «فينوس وأدونيس» المليئة بالشباب والمثيرة للعواطف، وهكذا يتضح أن أعمال شكسبير كانت «تُقرأ» وتُمثَّل في حياته.

ولكن المجلد الأول لأعمال شكسبير كانت له أهمية كبرى في تحويل شكسبير إلى كاتب كلاسيكي أدبي، ولفت هيمينجز وكونديل الانتباه إلى تنوعه الفريد من نوعه عن طريق تقسيم المسرحيات إلى ثلاثة أنواع؛ المسرحية الكوميدية، والمسرحية التاريخية، والمسرحية التراجيدية. وفي قصيدة المدح التي كتبها بن جونسون في مقدمة المجلد، يُشاد بشكسبير بوصفه نظيرًا لكبار الكُتَّاب المسرحيين الكلاسيكيين في كلٍّ من التراجيديا والكوميديا، ثم يقال إنه قد تفوق على أسلافه الإنجليز؛ جون ليلي الذي وضع أسس الكوميديا في العصر الإليزابيثي في مسرحيات مثل «إنديميون» (١٥٩١) و«جالاتيا» (١٥٩٢)، وهما مسرحيتان دراميتان رفيعتا المستوى، عن السخرية والصراع والمغازلة وارتداء ثياب الجنس الآخر، كُتبتا لممثلين من الفتية، وتوماس كيد الذي تُعَدُّ مسرحيته «التراجيديا الإسبانية» (١٥٨٨) التراجيديا النموذجية للانتقام الدموي، وكريستوفر مارلو الذي كان رائد الاتجاه الصاعد للشعر الحر وشخصية نقيض البطل شديد الطموح مثل القائد الفاتح تيمور لَنك في مسرحية «تامبرلين» والمتآمر الانتهازي باراباس يهودي مالطا الثري ود. جون فاوستوس الذي لا يهدأ عقله. فلم يكتب ليلي التراجيديا، ولا يبدو أن مارلو أو كيد قد برعا في الكوميديا. وكان بن جونسون هو الكاتب الدرامي الكوميدي العظيم الآخر في عصره؛ حيث اعتبر كولريدج مسرحية «الخيميائي» (١٦١٠) لِبن جونسون إحدى الأعمال الأدبية الأعظم حبكة في تاريخ البشرية، ولكنه أخفق إخفاقًا ذريعًا في كتابة التراجيديا؛ فقد باءتْ مسرحية «سقوط سيجانوس» بالفشل عند عرضها على مسرح ذا جلوب عام ١٦٠٣. وفي المقابل، فقد اشتُهر شكسبير سريعًا في كلا النوعين، وحقق أيضًا شهرة باختراع فريد من نوعه، وهو سلسلة الأعمال الدرامية التي تروي حكاية تاريخ أمته، مازجًا فيها بين النبلاء والعامة، ومنتقلًا من المعارك واغتصاب السلطة المأخوذة من كتب التاريخ إلى اختراع الحانات والطرق؛ مثل شخصية السير جون فالستاف المميزة وحادثة السرقة شديدة الهزلية على الطريق العام في جادزهيل.

كان شكسبير يحظى بإعجاب كبير في عصره، وازداد هذا الإعجاب بعد نشر المجلد الأول لأعماله، ولكنه في بادئ الأمر لم يكن يُنظَر إليه باعتباره متفوقًا على كل معاصريه. وكان كتاب السير ريتشارد بيكر «تاريخ ملوك إنجلترا» (١٦٤٣) مثالًا على ذلك، فقد رأى أن «كُتَّاب المسرحيات، وكذلك مَن كانوا أيضًا ممثلين؛ مثل ويليام شكسبير وبنجامين جونسون، قد تركوا أعمالًا مميزة جعلتْهم من الأسماء المقترحة للأجيال القادمة والمستحسَنة لديهم.»

تراجع التراجيديا في مقابل ازدهار الكوميديا

تفوَّق شكسبير في نهاية الأمر على جونسون في كلٍّ من الكتابات الأدبية والمسرحية، ومَنَعتْ عظمةُ مسرحياته التراجيدية كتابةَ مسرحيات تراجيدية إنجليزية جديدة لعدة قرون، وسيطرتْ على المشهد المسرحيات التراجيدية الكئيبة المحمَّلة بمعانٍ جنسية، التي كتبها مَن جاءوا في أعقابه مباشرةً؛ مثل «تراجيديا المنتقم» (١٦٠٦-١٦٠٧) و«فلتحذر النساء النساء» (١٦٢١) لتوماس ميدلتون بالإضافة إلى «الطفل البديل» (١٦٢٢، واشترك في تأليفها مع ويليام راولي)، و«الشيطان الأبيض» (١٦١٢) و«دوقة مالفي» (حوالي ١٦١٤) لجون وبستر، و«من المؤسف أنها عاهرة» (١٦٣٣) لجون فورد، ولكن إغلاق المسارح على يد البيوريتانيين عام ١٦٤٢ منع حدوث أي مزيد من التطور لجيل كامل. ولم تصمد التراجيديا الملحمية الكلاسيكية الحديثة التي قدَّمها جون درايدن ومعاصروه للمسرح الإنجليزي بعد إعادة افتتاح المسارح مع عودة الملكية عام ١٦٦٠ لأكثر من تلك اللحظة التاريخية. وكانت قصيدة ميلتون «عذاب شمشون» (١٦٧١) مزيجًا بارعًا من المادة الإنجيلية والشكل التراجيدي الإغريقي، ولكنها لم تُعَدَّ للمسرح قط. والتراجيديا الإنجليزية الوحيدة تقريبًا في عصر ما بعد الاستعادة التي حصلتْ على مكانة في ذخائر الأدب هي مسرحية توماس أوتواي «الحفاظ على البندقية» (١٦٨٢) التي كتبها بالأسلوب الشكسبيري الحديث على نحو بارع. وتعد أكثر الإخفاقات المُشرِّفة بين المسرحيات التراجيدية الكثيرة التي كُتِبت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وكانت متأثرة بشكسبير مسرحية بيرسي شيلي «آل شنشي» (١٨١٩) ومسرحيات اللورد بيرون الدرامية التاريخية، ولكن حرفة بيرون الدرامية الحقيقية تظهر في أعمال مثل «مانفريد» (١٨١٧) و«قابيل» (١٨٢١) اللتين كُتِبَتَا كي تُؤدَّيا على مسرح الخيال لا على خشبات المسارح ذات المنصات المنخفضة في دروري لين وكوفنت جاردن.

أوحى تطوير هنريك إبسن للدراما الواقعية البورجوازية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر بنوع جديد من التراجيديا في عصر الملك إدوارد السابع، وخاصة في أعمال الممثل ومدير المسرح والمخرج والناقد هارلي جرانفيل باركر («ميراث فويسي»، ١٩٠٥، وتدور أحداثها عن فضيحة مالية، و«الخراب»، ١٩٠٧، حول إثارة فضيحة جنسية تُسقِط سياسيًّا واعدًا). ولكن، بشكل عام، فإن أفضل المسرحيات في ذخائر الدراما الجادة للكُتَّاب الإنجليز في النصف الأول من القرن العشرين تثير الشعور بالرثاء لا التراجيديا الكبرى؛ مثل المعلم المخدوع في «نسخة براونينج» (١٩٤٨) لتيرانس راتيجان، والعشاق المحتجزين في مقهى محطة القطار في «حياة هادئة» لنويل كاورد (١٩٣٦، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان «مقابلة قصيرة»). أما الابتكارات الأكثر طموحًا مثل محاولة تي إس إليوت لإعادة ابتكار التراجيديا الشعرية («جريمة قتل في الكاتدرائية»، ١٩٣٥) فقد عانت من بعض الارتباك الدرامي.

تطلَّب الأمر رجلًا أيرلنديًّا لابتكار نوع جديد من الدراما ذي أثر فلسفي شكسبيري حقيقي تبرز فيه التراجيديا جنبًا إلى جنب مع الكوميديا، وتحتال اللغة كي تصنع من اليأس جمالًا بسيطًا. وفي سلسلة المسرحيات التي بدأت ﺑ «في انتظار جودو» (١٩٥٥) و«نهاية اللعبة» (١٩٥٧)، تتحرك شخصيات صامويل بيكيت على مسرح مصمم بدقة — أو يظلون ساكنين عليه — على طريقة لير ومهرِّجه:

لير : مَنْ يمكنه إخباري مَن أنا؟
المهرج : ظِل لير.

يقول بيكيت عن «الموضوع الأوحد» بحياته: «ذهابًا وإيابًا في الظل، من الظل الخارجي إلى الظل الداخلي. ذهابًا وإيابًا، بين الذاتي بعيد المنال واللاذاتي بعيد المنال.»

على نفس القدر الذي كان فيه تاريخ الكوميديا الإنجليزية بعد شكسبير يتمتع بالثراء، كان ما نعرفه عن تاريخ التراجيديا مجرد متفرقات ضئيلة، وساهم في تشكيل هذا التاريخ حبكات جونسون البارعة وأنماط شخصياته الصارخة بنفس القدر الذي ساهمت به أحداثُ التنكر واكتشاف الذات، والعشاقُ الظرفاء المتنازعون عند شكسبير في تشكيل تاريخه، وأكثرهم تأثيرًا بياتريس وبنيديك في مسرحية «جعجعة بلا طحن». وقامت مجموعة متعاقبة من الكُتَّاب المسرحيين شديدي البراعة في عصر الاستعادة، ومنهم ويليام كونجريف وويليام ويتشرلي وأفرا بين وسوزانا سنتليفر، بدمج تقنيات جونسون وشكسبير الكوميدية على نحو متميز. وانتعش مسرح القرن الثامن عشر عن طريق الهجاء السياسي (مسرحية جون جيه «أوبرا المتسول»، ١٧٢٨)، ومزيج من العشاق الشاعريين والمجانين المحبوبين (مثل توني لامبكين في مسرحية أوليفر جولدسميث «تمسكنت فتمكنت»، ١٧٧٣)، والتلاعب المبهر بالألفاظ الذي قام به ريتشارد برينسلي شريدان («المتنافسون»، ١٧٧٥، و«مدرسة الفضائح»، ١٧٧٧) وهانا كاولي («مكيدة الحسناء»، ١٧٨٠). وتولى تحديث كوميديا السلوك المفكران الأيرلنديان الجامحان أوسكار وايلد («أهمية أن تكون إرنست»، ١٨٩٥) وجورج برنارد شو («بيجماليون»، ١٩١٣). ويستمر الخط عبر مسرحيات جو أورتون الكوميدية ولكن مع انحراف شديد، ثم تأتي رياضة توم ستوبارد العقلية وتراكيب مايكل فرين البارعة وغيرها. وتوحي تلك القصة من إخفاق التراجيديا ونجاح الكوميديا بأنه إذا كان ثمة ما يُدعَى خاصية قومية في الأدب الإنجليزي، فإنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسخرية والدعابة. ومِنْ تحوُّل القوالب النمطية الكوميدية إلى كائنات بشرية متطورة (مثل مقولة السير أندرو أجيوتشيك: «لقد أحبني أحدهم ذات يوم أيضًا»)، والانقلاب المسرحي السحري («وجه واحد، صوت واحد، عادة واحدة، وشخصان/منظور طبيعي، موجود وغير موجود!» مسرحية «الليلة الثانية عشرة» مجددًا)، والأمور المضحكة على خشبة المسرح («يسقطان بالتبادل مغشيًّا عليهما أحدُهما بين ذراعَيِ الآخر» مسرحية «الناقد» لشريدان)، والجملة الساخرة والقول الطريف الذي يُلقى في التوقيت المثالي («حقيبة يد؟» … «إن فقد أحد الوالدين يا سيد ورذينج قد يعد محنة، ولكن فقد كليهما يبدو كما لو كان إهمالًا» شخصية الليدي براكنيل التي كتبها وايلد في مسرحيته «أهمية أن تكون إرنست») يعد المسرح الكوميدي أكثر المجالات التي تجلَّى فيها انتعاش الأدب الإنجليزي بتألق، وتلك بالتأكيد هي وجهة نظر ويليام هازليت الذي ألقى عام ١٨١٨ سلسلة تمهيدية من المحاضرات عن كُتَّاب الكوميديا الإنجليز، والتي ميَّز فيها الصلة الوثيقة بين الدراما الكوميدية وأحد الأشكال الأدبية الجديدة، وهو الرواية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١