الفصل الثاني

في دار حكومة سلانيك

المشهد الأول

الحاكم – كاتب سره
كاتب سره : وما تلد الأيام بعد هذا الأمر الذي تقطر سطوره دماء.
الحاكم : لا شيء، فالملك نمرٌ شرس، لا يخشى ليث الثورة إذا زأر، لقد أمر بتمزيق الثائرين، ودك أسوار المدينة، وإشعالها كالهشيم.
كاتب : إنها لقساوة تُذيب القلوب، وتستبكي أعين التاريخ على شهداء أبرياء من هذه الثورة برءاة الذئب من دم ابن يعقوب،١ أتُهدم الهياكل البشرية أخذًا بثأر تمثال من نحاس؟! إنه لبغي تتبرأ منه الإنسانية.
الحاكم : لقد كان السلام مخيمًا فوق الرعايا عندما كان السن بالسن، والعين بالعين، ولم تتفجر براكين الفوضى قبل شريعة الرحمة، ففي التأديب حياة لأولى الألباب، والقتل أنفى للقتل.
كاتب : إن عفو الملوك أعظم عندي من انتقامهم، ولو كنت ملكًا لما هدرت نقطة دم بشري، فخير لي أن يقال ذهب شهيد جهل شعبه من قولهم كان ذئبًا ضاريًا فتك بنعاج هو راعيها.
الشعب (من الخارج) : ارحمونا، ارحمونا، (صراخ وعويل).
الحاكم : ستبتدي المجزرة، وينفذون أمر الملك بأولئك الطغاة.
ويح الألى خرجوا على سلطانهم
عفوًا فنكَّل فيهمُ تنكيلًا
هم يطلبون العفو بعد جرائمٍ
ولكم أباحوا في البلاد قتيلًا
الشعب : العفو! العفو!
الحاكم :
لا عفو عنكم يا ذئاب فشرُّكم
ترك البلاد خرائبًا وطلولًا

المشهد الثاني

المذكوران – القائد
القائد : أُفٍّ من هذه المهمة التي أثقلت عاتقي، الصراخ من كل جانب ولم أكد أظهر ما بين الشعب حتى تصاعد العويل، كلهم يطلبون العفو والرحمة.
الشعب : عفوًا! رحمةً!
القائد : إنهم لا يزالون يصرخون، ألم تسمعا؟
الحاكم : كلا، لا أسمع، إن أُذُني صماء وقلبي مصفح بحديد القسوة، وهكذا يجب أن يكون الحكام ليطحنوا بِرحى التأديب رءوس الأشرار، ويريحوا الإنسانية من مآثمهم.
كاتب (على حدة) : ويح القساة!
القائد :
فلأطحنن كبيرهم وصغيرهم
ولأحصدن رءوسهم بحسامي
هجموا على قصر المليك وما دروا
إني أُدافع عنه كالضرغام٢
كم غمرةٍ فيها المنية شمَّرت
عن ساقها والنقع٣ فيها دامٍ
صافحت فيها خدَّ كلِّ مهندٍ
والموت لاح على الشفار أمامي
أفيرتجون اليوم مني رحمة
والصخر قلبي لم يلن لكلام
الحاكم :
حُيِّيت من بطلٍ يفوق شجاعة
أبطال رومة آية الإقدام
فمَليكُنا أمسى عليك معوِّلًا
فاقطع رءوس عداه بالصمصام٤
واهجم على تلك الجموع ولا تخفْ
ودعِ الدِّما هدرًا كبحرٍ طامٍ
سر للطغاة معجِّلًا نفِّذ بهم
أمر المليك العدل بالإعدامِ
الشعب : ارحمونا يا آباءنا، ارحمونا، (ضجيج وصراخ).
كاتب : ما هذا الضجيج؟ من القادم؟
القائد :
إن كان رب العرش لست أطيعه
الحاكم :
سر لا تخف يا واحد الأيام

المشهد الثالث

المذكورون – الحبساء
حبيس١ :
مهلًا أيا رب المهند إننا
جئنا نريد الرفق بالإنسان
حبيس٢ :
فالثائرون همُ همُ إخواننا
حبيس٣ :
ومسيحُنا يقضي بكل حنان
لا تسخطوه فإنه لا يرتضي
القائد (يقاطعه) :
سأنفذنَّ الأمر دون توانٍ
حبيس١ :
رفقًا، فهذا لا يكون، وإخوتي
القائد :
إن شئتمُ، أو لم تَشُوا سيَّان
حبيس٢ : إننا ندافع عن الشعب حتى الموت.
حبيس٣ : ولن تخرج إلى ساحة الإعدام إلا على جسومنا.

(القائد يحاول الخروج، فيقفون في طريقه.)

المشهد الرابع

المذكورون – مكدونيس
مكدو (يدخل) : قف أيها القائد، وخلِّ عنك الغضب.

(الحبساء يخضعون له.)

مكدو : باسم المسيح، أقول لك: قِفْ.
القائد : من هو هذا الشيخ الخَرِف؟ (يحاول دفعه.)
الحاكم : هذا مكدونيس، ناسك الشرق العظيم.
القائد : عفوًا يا أبتِ، واعذرني إذا أصررت على تنفيذ أمر مولاي.
مكدو : قل أيها القائد للعاهل أنت لست ملكًا فقط، بل أنت إنسان أيضًا، وتملك على من يساوونك طبعًا، والطبع البشري خلق على صورة الله ومثاله، فلا تقتل صورة الله، فمن أتلف المصنوع أسخط الصانع، أنتم ساخطون لإهانة وقعت على تمثال من نحاس، أوليس التمثال الحي المتنفس العاقل أعظم من تمثال نحاس! إنه ليسهل أن نقدم لجلالة الملك مكان التمثال عشرين تمثالًا، إنما إذا أعدم واحدًا، فيستحيل عليه أن يُحيي شعرة واحدة من رأسه.
القائد : لقد خرق كلامك صميم قلبي، ويا ليتني كنت ملكًا لأعمل بما تقول، فأنت تنطق بلسان الله يا رجل الله.
مكدو : لا تكن آلة أيها البطل تهدم كل ما حُوِّلت إليه، فأنت ذو عقل وإدراك، فأمهل قليلًا، فلعل الملك يفيق من غفلته، ويعفو عن هذا الشعب، ولا يؤخذ البريء بجريرة المجرم.

المشهد الخامس

المذكورون – ضابط

(ضابط يدخل مُحيِّيًا ويُسلِّم أمر الملك للحاكم.)

(الحاكم يفضه، ويقرؤه، ويدفعه للقائد.)

القائد (يقرأه ثم يقول لمكدونيس)٥ : أبشر يا محترم، فهذا أمر جلالة الملك، وقد عفا عن الشعب.
مكدو (والحبساء) : فليعش الملك، (ثلاث مرات).
القائد : فلنخرج نبلغ الشعب هذه البُشرى، (يخرجون).

المشهد السادس

الحاكم وحده
قبَّحك الله يا توادوسيوس، يا أبا براقش،٦ أفي كل دقيقة لون! لعن الله الساعة التي جاء بها هذا الشيخ الخَرِف.
الشعب (من الخارج) : فليعش الملك، فليحيَ القائد.
الحاكم : لقد ظفرتم أيها الأنذال، فافعلوا ما تشاءون.
الشعب : فليحي إمبروسيوس، وليعش مكدونيس.
القاضي : آه من هذا الملك! وألف آه من مكدونيس، وإمبروسيوس٧ وإثناثيوس،٨ وباخوميوس،٩ وجميع الحبساء، والرُّهبان والأساقفة! وكل ذي ثوب أسود.

(نشيد من الخارج):

اليوم قد زال العنا
والشعب قد نال المُنى
يا قوم سرُّوا وافرحوا
ولَّى العنا وافى الهنا

•••

حيَّوا المليك الأعدلا
مَن عفوه عمَّ الملا
فادعوا إلى رب العلا
يا ربنا احفظ ملكنا
الحاكم : ليتها صلاة الأموات والاحتفال بدفنكم أيها الأشقياء، وأراني الله أيديكم مخضبة بدم توادوسيوس الأحمق ليذوق طعم عاقبة العفو، فهو كالغرب يبجلونه، ويملقونه، فينتفض كالديك الحبشي، لا بد أن أرى هذا الديك يُشوى على النار، نار الثورة والعصيان.

المشهد السابع

القائد – الحاكم
القائد (يدخل) : لقد أُرسلنا نقول لجلالة الملك إن الشعب يريد أن يراه ليشكر له حلمه وعفوه، (يجلس) ما بالك يا سعادة الحاكم؟
الحاكم : إذا كنت لم أزل حيًّا فبعد إجراءاتكم الدالة على ضعفكم سيثورون، ويقتلونني، ولكنني فتى لم يُحبل بمثله في الدهر، إذا كشرت الأيام عن أنيابها أقابلها بسواعد من حديد تحطمها تحطيمًا.
فأمطري نقمة جبال سلانيك
وسحِّي آبار رومة تبرا
أنا إن عشت لست أعدم قوتًا
وإذا مت لست أُحرم قبرًا
همَّتي همَّة الملوك ونفسي
نفس حرٍّ يرى المذلة قهرًا
القائد : إن العفو عن الضعفاء بعدما يعرفون أنهم أصبحوا في أشداق الردى لهو أشد تأديبًا لهم من التنكيل بهم.
الحاكم : لا أيها القائد الباسل، فأنا بانتظار الملك، حتى إذا جاء أبديت له رأيي بوجوب العقاب، فإن فعل وطَّد عرشه، وإلا فإنني أطرح حبل ناقة الوظائف على غاربها، وأعيش ناعم البال.
القائد : لا تكن حقودًا، واصفح عن الجاهل، فالصفح خير تأديب.
الحاكم : لا تعظني، كأنك تعلمت من مكدونيس، وإمبروسيوس، أنا واثق من نوال أمنيتي من الملك، والانتقام من أعدائي، فإذا طلبت ذلك من الملك، فلا تعارضني، ودعني وإياه في عراك الجدال ترَ الغلبة لمن تكون.
القائد : إذا رأيت الملك أذعن لك أخذتُ بناصرك، وإلا فالصمت أولى.
الحاكم : لا أطلب منك غير هذا.
القائد : هو لك.

المشهد الثامن

المذكوران – المستشار
المستشار (يدخل) : هو ذا جلالة الملك مقبلٌ.
القائد : كن في جانب الحاكم، وأيِّد رأيه.

(المستشار يظهر الحيرة.)

القائد : ستسمع.

المشهد التاسع

المذكورون – الملك – والوزيران – والحجاب
الجميع (ينهضون) : السلام على جلالة الملك.
توا (إلى القائد) : أنجزت مهمتك؟
القائد : إن حلمك مولاي قد أراح السيوف في الأغماد، وعفوك حقن دماء العباد.
الحاكم : نعم، لقد حقن دماء الأنام، ولكنه سيهدر دماء الحكام.
توا : وكيف ذلك؟
الحاكم : إذا كانوا لم يقتلوا ممثليك هذه المرة عن بكرة أبيهم، ففي الكرة الثانية لا يحجمون، إن هذا الحلم مولاي سيهدم أركان السلطة، والانقياد إلى رؤساء الدين يجر إلى الهاوية، ويقوض أركان العروش، فإذا حسُن لديك، فأعتقني من أسر الوظيفة وأنا لك من الشاكرين، أنا لا آمن على نفسي بين شعب كالذئب الضاري.
توا : نحن قادمون لاقتبال شكر شعب أحييناه من الموت.
الحاكم : وأنا إذا مت فمن يحييني؟ أعتقني يا مولاي، أعتقني!
توا : لم أرَ مثل هذا العناد.
الحاكم : ولم أرَ مثل هذا الضعف الملقب بالحلم.
توا : ما رأيكم أيها الوزراء؟
وزير١ : إن كلامك لا يخلو من الصواب.
الحاكم : لم أعد أدري يا مولاي! أأنا عبد إمبروسيوس، أم حاكم سلانيك باسم الإمبراطور توادوسيوس؟ فما زال الأسقف يدير دفة سياسة الإمبراطورية، فأنا لا أقبل وظائفها، إن إمبروسيوس هو الإمبراطور لا جلالتك.
وزير٢ : نعم مولاي؛ إن ضرب الشعب تأديبًا له لَأُسُّ سلطتنا، وإلا انقلب علينا، وأذاقنا علقم العصيان.
الجميع : العقاب!
توا : لقد أصبتم، فلنهدمنَّ سلانيك، ونتركها عبرة في عين التاريخ إلى الأبد.
فهل أعفو وبعض العفو عجز
وإن يكُ جاء في شرعي وديني
وإني قد عفوت الأمس عنهم
فزادوا بلَّة في شرِّ طين
لقد طمعوا فقم يا عدل واضرب
رقاب أسافلٍ قد أسخطوني
«وإني لو تخالفني شمالي
بأمرٍ ما وصلت به يميني»١٠
لقد أذقتهم شهد حلمي فسكروا وبطروا، فمن الرأي أن نعاقبهم، علَّهم يرتدعون، سر أيها القائد، ونكِّل بأهالي سلانيك، أما أنا فذاهبٌ إلى ظاهر المدينة لكيلا أرى أحدًا، وأقبل رجاء أحد. اتبعوني أيها الوزراء.

تنبيه: يخرج الملك، ووزيراه، وحجابه من جهة، والقائد يدعو جنوده، فيمرون بخطى عسكرية في المسرح، ولما ينتهون يخرج وراءهم مجرِّدًا سيفه، ويبقى الحاكم وحده.

المشهد العاشر

الحاكم وحده
قد نلتُ ما حنَّت له أحشائي
ولسوف أسكر من دِمَا أعدائي
ولأطحننَّ جسومهم طحن الرحى
ولأمطرنَّ صواعق البلواء
ولأتركنَّ اليوم ناعقةً على
أطلالهم في الليلة الظلماء
فأنا الذي تخشى الأبالس سطوتي
والأرض ترهب صولتي ودهائي
ودرايتي تدع الملوك مهابة
تنقاد خاضعة إلى آرائي
غمز الزعانف١١ لي قناة ما الْتَوَتْ
إلا وشجَّت هامة الأعداء
وتحرشوا بالنار يا ويلًا لهم
من جمرة تشوي فؤاد الماء

(من الخارج صراخ وعويل.)

نوحوا فنَوْحُكُمُ ألذُّ لديَّ من
نغم الطيور بروضةٍ غنَّاء
ذوقوا ثمار تمردٍ وقباحة
يا أقبح الأندال والجهلاء
أثعالبَ البيداء أين تحيُّلٌ
فقتم به أثعالبَ البيداء

(من الخارج صراخ، وصليل سيوف.)

هذا عقاب الخائنين أميرَهم
فابكوا على أيامنا البيضاء
وتعلموا أن تخضعوا أبدًا إلى
حكامكم يا معشر الجهلاء

لقد بلغت نهاية الأرب، وستَرهبني الأرض بعد الآن، ويخشاني الدهر، وترتعد الشعوب من سطوتي، فهكذا يجب أن يكون الحاكم لتلين له ملامس السلطة، والسيادة.

(من الخارج شهيق، ونحيب.)

ما هذا؟ أسمع أنينًا، وعويلًا! (يتنصت) أسمع وقْع أقدامٍ! هذا هو القائد، من معه؟

المشهد الحادي عشر

القائد – غراسيان – ولداه
القائد :
جزت الصفوف وفرقت الألوف وأرْ
غمت الأنوف وجيش الموت يصطدم
وعدت والنصر يزهيني برونقه
تبكي الخوارج من فعلي، فأبتسم
يرون نصري بعين نارها حزنٌ
ومهجة نالها من حزنها ألم
لقد تركت جنودي يُجْهزون على الـ
ـباقين منهم وكلَّ الدور تنهدم
وقد أتيت بهذا معْ بنيه لكي
ترى به رأيك الأعلى أيَا علم
الحاكم :
شكرًا لبأسك يا ليث الحروب فقل
ما شئت فخرًا ففيك الفخر ملتئم
فأنت من تشهد الهيجا لسطوته
والسيف والرمح والبيداء والعلم
ولكن يا أخا الروم، كيف أبقيت هذا الوغد حيًّا مع أنه نافخ نار الثورة في البلاد؟ فلا تقر عيني ما لم أرَ دمه الفاسد يجري على الثرى.
غراسيان : أشكرك …
القائد : صه يا رجل! فلي كلامٌ مع سعادة الحاكم … مولاي أردنا الفتك بهذا الرجل، فبكى إلينا، وتوسل، وانحنى على أرجلنا يغسلها بدموعه، فرق قلبنا له، وأشفقنا على ولديه.
الحاكم : لا شفقة ولا رحمة أيها القائد؛ فهذا عدونا الألدُّ، إن شاء العفو عنه، فلا بأس، أما الصفح عن ولديه فمحال.
غراسيان :
اقضوا عليَّ وارحموا ولديَّا
فالموت أشهى يا كرام إليَّا
ولديَّ في شرخ الصبا فترأفوا
بي وارحموا يا سادتي ابنيَّا
فإذا تفيد حياة شيخ مرة
هيا اقتلوني واتركوا ولديَّا
ولدان قد شجيا لأني والدٌ
لهما فيا رب اشفقنَّ عليَّا
ولد١ :
مهلًا أبي وامسح دموعك إننا
نحيا بقربك وامُّنا تأتينا
والدهر بسَّام لنا عن ثغره
والرب خير معونة يولينا
الحاكم :
هيهات إني حاكم لا أنثني
وأرى بقتلهما نوال مرامي
لا تطمعا بلذيذ عيش فالهنا
ولَّى وعمركما مضى بسلام
يا أيها المغوار هيا خذهما
واترك أبًا لهما على الآلام.
القائد : أنا فاعل ما شئت …
غراسيان :
… … مهلًا إنني
أفديهما بدمي من الإعدام
يا أيها المولى اشفقنَّ ولا تكن
صلب الفؤاد عليَّ كالصمصام
الحاكم :
لا أغفرنَّ ولست أرحم خائنًا
للعرش والملك العظيم السامي
الوالد : أنا خائن، فاضرب بسيفك هامتي (يقدم رأسه).
الولدان : أبي لا تموت …
غراسيان : بلى، فذاك مرامي.
قل يا أيها الحاكم كلمة، وأرحني من هذا العذاب، فإذا كنت لا تنثني عن قتل ولديَّ فاقتلني قبلهما؛ لكيلا أرى ملكين بريئين يُقتلان أمام عيني، أنت والدٌ مثلي أيها الحاكم، أفلا تشعر مثلي بمحبة الأبناء؟!
ولد ٢ : أبي ما بالك باكيًا؟!
الحاكم : بلى أيها الرجل؛ ولذلك أترك لك ولدًا منهما، فاختر لنا من نقتله.
غراسيان :
ويلاه من هذا القضا ويلاه
ويلاه من ذا الحكم ما أقساه
مَن ذا الذي أختاره لي منهما؟
مَن ذا الذي أرضى يذوق رداه؟
رباه من هذي القساوة نجِّني
فبكُم رجا المظلوم يا رباه
الحاكم :
عجل، واختر واحدًا لك منهما
غراسيان :
ويلي أعنِّي اليوم يا الله!
أأسلم هذا، فهو كأخيه ظرفًا ولطفًا! أأعطيهم ذاك، فهو كأخيه جمالًا وذكاءًا! رباه ما هذا الموقف الذي تتفتت به الصخور، وقلوب البشر لا تلين.
الحاكم : عجِّل عجِّل، خذ منهما من تشاء، وأعطنا واحدًا نقتله.
غراسيان : إنك تكلفني المحال أيها الحاكم.
الحاكم (إلى القائد) : خذوهما إذن إلى القتل.

(الجنود يمسكون الولدين.)

الولدان : الوداع يا أبي، الوداع!
غراسيان : لا تودعاني؛ فأنا سائرٌ معكما إلى الموت، والله على الظالمين.
(يُرخى السِّتار.)
١  ابن يعقوب: يوسف الذي رماه أخوته في غيابة الجب، وزعموا لأبيهم أن ذئبًا اختطفه.
٢  الضرغام: الأسد المفترس.
٣  النقع: غبار المعارك.
٤  الصمصام: السيف القاطع.
٥  مقدونيس: بطريرك القسطنطينية (٣٥١–٣٦٠)، تعصب للأريوسيين، فعزله قسطنطين الملك، أنكر لاهوت الروح القُدس، فرذل بدعته المجمع القسطنطيني (٣٨١).
٦  أبو براقش: طائر متعدد ألوان الريش، تتغير ألوانه بتغير الوسط الذي يحيط به، ضُرب به المثل بالتقلب والتلون.
٧  إمبروسيوس (٣٣٩–٣٩٧) رئيس أساقفة ميلانو، فرض توبة صارمة على الإمبراطور ثيودوسيوس.
٨  اثناثيوس: (الإسكندري ٢٩٥–٣٧٣) بطريرك الإسكندرية، حارب الآريوسية بعد مجمع نيقيا، نُفِيَ خمس مرات لصلابة رأيه.
٩  باخوميوس: (نحو ٣٤٦) مؤسس الحياة النسكية المشتركة، أسس عدة أديار في مصر ووضع لها القوانين الرهبانية الأولى.
١٠  هذا البيت محرَّفٌ، وهو للشاعر الجاهلي عائذ بن محصن بن ثعلبة العبدي الملقب بالمُثَقِّب العدي. من قصيدة له يعاتب بها محبوبته التي كانت تعده وتخلف مواعيدها. مطلعها:
أفاطمُ قبل بينِك متِّعيني
ومَنْعكِ ما سألتُك أن تبيني
ومنها:
فلا تعدي مواعدَ كاذبات
تمرُّ بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي
خلافك ما وصلتُ بها يميني
١١  الزعانف: أراذل الناس، والمفرد زعنفة: أي القصير الحقير الذي ليس له أصل، أو المغموز في نسبه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤