٢٠ أكتوبر

قمت في الصباح بجرد خزينة المحكمة؛ فالنيابة هي التي من شأنها مراقبة الخزينة، وعليها أن تقوم بهذا الجرد مرتين على الأقل في كل شهر بطريقة المفاجأة. ويظهر أن كلمة «المفاجأة» وُضعت في اللوائح والتعليمات من قبيل التشويق كما توضع في إعلانات المسارح، فهي في العمل لا وجود لها. وقد جرت العادة أن ينسى وكيل النيابة، لكثرة مشاغله، هذا الجرد، فلا يذكِّره به إلا الصراف المقصود مفاجأته، فهو الذي يطلب في إلحاح حضور البك الوكيل ﻟ «يفاجئه» بالجرد في تمام العاشرة قبل إيداع الأموال في خزانة المديرية؛ حتى يسدد الخانة طبقًا للقانون. وفي أكثر الأحيان لا يشعر وكيل النيابة إلا وقد فوجئ هو بالدفتر الخاص بالخزينة يُعرض عليه مع المحضر محررًا باسمه: «نحن فلان وكيل النيابة قمنا اليوم، فجأة، بجرد الخزينة، فوجدنا بها كذا أوراقًا مالية، وكذا فضة، وكذا أشياء ثمينة، وكذا أمانات.» فيوقع وهو لم يتحرك من كرسيه وهو يقول: «خذوا إمضا وحلوا عني بلا وجع دماغ.» غير أني أنا شخصيًا أنتقل بالفعل وأشاهد الخزينة، وإن كنت أوقِّع آخر الأمر على كل حال دون أن أطيق صبرًا على عدِّ النقود التي توضع أمامي. وانتهيت من هذه المأمورية، وعرجت على مخزن النيابة في طريقي أفتشه «بالمرة»، وهو عبارة عن حجرة تشبه دكان «ألف صنف»، فيها من أصناف البنادق، والغدارات الريفية، والسكاكين، والشراشر، والمناجل، والفئوس، والبُلَط، والنبابيت، والهرَّاوات، و«اللِّبَد»، و«البُلَغ»، و«الجلاليب» الملطخة بالدم والطين، و«الصداري» المثقوبة بالرش والبارود؛ كلٌّ عليه رقمه، وتاريخ ضبطه، ورقم القضية التي ضبط على ذمتها. وعندي أن نظرة واحدة تلقى في مخزن نيابة أيِّ بلد تدل في الحال على لون هذا البلد، وعقليته، ودرجة حضارته. ولا شك عندي في أن مخزن نيابة «شيكاغو»، مثلًا، لا يمكن أن يحوي مطلقًا هراوة أو شرشرة. وصعدت بعد ذلك إلى مكتبي، فوجدت حضرة القاضي «المقيم» في الانتظار وقد أحضر له الفرَّاش القهوة، فما كاد يراني حتى صاح: خلاص الفوضى دبت في البلد!

فأردت أن أفتح فمي أسأله الإفصاح، فلم يمهلني، ومضى يقول: راحت هيبة الأحكام!

– إيه المسألة؟!

– المسألة يا سيدي أني أصدرت حكمًا مدنيًّا ضد عمدة من الموالين للحكومة، وراح المحضر ينفذ عليه، تعرف حصل إيه؟

– لأ.

– انضرب بمعرفة العمدة «علقة» لكن «نضيفة»، وانحبس أربعة وعشرين ساعة في حجرة التليفون.

– والمركز عمل لها قضية؟

– أبدًا. ما هي هنا الخطورة. لا قضية ولا مذكرة. ضحكوا على المُحضر وقالوا له يسحب شكواه وصرفوها.

– ما داموا صرفوها انتهينا.

– انتهينا ازاي؟ أنا لا يمكن أسكت عن مسألة زي دي. دا اسمه إجرام! البوليس يجرم …

– يظهر إن حضرتك اشتقت لحرِّ وجه قبلي.

– ينقلوا قاضي وجه قبلي لأنه أراد منع المركز من العبث؟

– عملوها كتير. وسبق نقلوا قاضي أقاصي الصعيد لأنه أفرج، في قضية معارضة، عن متظاهرين ضد الحكومة، مع أن هذا القاضي كان من المحايدين البعيدين عن الأحزاب وعن السياسة. ولا يخفى أن بينك وبين المأمور سوء تفاهم عائلي، وساعتها تلقى المأمور حرَّر التقارير السرية عنك، واتهمك بأنك من خصوم الحكومة، وأنك من أرباب الفتن والدسائس، وأنك تضطهد أنصار الوزارة، وأنك خطر على سياستها الحاضرة إلى آخر هذا الأسلوب المعروف.

– شيء جميل. البوليس يحرر التقارير السرية ضد القضاة؟!

– حصل.

– والعمل إيه؟

– اترك لي المسألة. أنا أتحرى من المركز بلطف وأجري اللازم.

– لهذا الحد تعبث السياسة عندنا بالعدالة والنظام والأخلاق، أعوذ بالله! شيء مخيف.

وجعل يهز رأسه أسفًا وحنقًا، ثم التفت إليَّ فجأة وقال: دا صحيح، تصور فضيلة القاضي الشرعي «الضلالي» عامل اليوم أنه صديق المأمور الحميم، مع أنه كان يكرهه كراهة التحريم من بعد حادثة الأجزاخانة!

– فأبديت عجبي! إني حقيقة كنت قد سمعت من المأمور فيما سمعت من أخبار القاضي الشرعي هذه الحادثة؛ أن أهالي البلدة وأعيانها لاحظوا افتقار البلدة إلى أجزاخانة «أصولية» تغنيهم عن البنادر الكبيرة فاكتتبوا فيما بينهم بمبالغ أسسوا بها أجزاخانة نظيفة كاملة الأدوات، وعينوا لها «أجزجي» قانونيًّا هو رجل سوري يسمى «جبور»، ثم تباحثوا فيمَن يصلح مشرفًا على مالية هذه الأجزاخانة وعلى إدارتها، ووقع الاختيار في آخر الأمر على فضيلة القاضي الشرعي. ومَن غير فضيلته بلحيته الوقورة وسبحته الطويلة يؤتمن في هذه البلدة على أموال المسلمين وغير المسلمين من المساهمين؟ ووافق المأمور على تنصيب القاضي الشرعي مشرفًا، وتكرم فضيلته وتسلم مهام عمله بأن جعل مجلسه عصر كل يوم أمام باب الأجزاخانة، حيث يتنحنح ويبدأ باسم الله والصلاة على نبيه وصحبه، ثم يصيح: يا خواجة جبور، القهوة والشيشة!

ثم يجتمع عليه من أصدقائه وأقاربه الآتين من الكفور عدد كثير كل يوم، فيأمر لهم بالقهوة أو الشاي. وكل هذه الطلبات طبعًا على حساب الأجزاخانة. وهو لا ينسى مطلقًا أن يلقي نظرة على مستحضرات المحل قبل انصرافه وهو يقول لجبور: عندك صابون ممسك من العال! زجاجة «الريحة»، «الكلونيا» دي لا بأس بها!

ولا يكاد يدخل فضيلته منزله حتى تكون هذه البضاعة التي أعجبته قد سبقته إلى البيت. ويُجلس، أحيانًا، أطفاله إلى جواره بباب الأجزاخانة، أو يتركهم يلعبون حوله، فإذا جاعوا أو بكوا صاح القاضي في الأجزجي القانوني: يا خواجة جبور! هات للأولاد كم قرص نعناع من عندك!

حتى ضاق ذرع الأجزجي جبور آخر الأمر، فصاح في القاضي ذات يوم: شو ها العما!

ونشب الشجار بين المشرف والأجزجي. وأقسم جبور أن يكسر ساق القاضي إذا حضر إلى الأجزاخانة بعد ذلك. واستغاث بالمأمور، وعرض عليه ما وصلت إليه حالة الأجزاخانة؛ فإذا هي موشكة على الإفلاس، فقد اختفت مستحضراتها، ونضبت مواردها، ولم يبق أمل في بقائها؛ فإن الأجزجي، هو الآخر اقتداء بفضيلة المشرف الوقور، لم يقصر في الإجهاز من جهته على الباقي من «الدرج» والبضاعة والأدوات، وتغيَّظ المأمور وصاح في الأعيان المساهمين: الحق علينا اللي صدقنا اللحية والسبحة!

ومنذ ذلك اليوم والمأمور دائم التشهير بالقاضي الشرعي، والقاضي الشرعي من جهته دائم النيل من المأمور.

ولكن السياسة قد جعلت رجال الإدارة اليوم أصحاب سلطة مخيفة. وقد خشي فضيلته على نفسه، ورأى بحكمته أن الأمان في مصاحبة المأمور. فهل يُحجِم عن التقرب إليه والتزلف له؟

مر بخاطري كل ذلك وأنا جالس وأمامي القاضي الأهلي، ولم أتمالك، فقلت كالمخاطب نفسي: لا بأس من الصلح، لكن في الظروف الحاضرة، فيه شيء اسمه كرامة.

فرفع القاضي يده، في حركة ذات معنى، وقال: كرامة مين يا «مونشير»!

ونهض يريد الانصراف وهو يميل عليَّ ويقول بصوت منخفض: كلام في سرك. في يوم حضر إلى بيتي فلاح ومعه خروف وقال: «الهدية.» فقلت له: «هدية إيه يا راجل؟» فقال: «الهدية اللي تم عليها الاتفاق علشان رد الولية مراتي.» ففهمت وقلت له في الحال: «إنت يا راجل غلطت في البيت. إنت قصدك شخص آخر.»

فلم أبدِ دهشة كبرى وأطرقت برأسي. وسكت القاضي محدثي قليلًا، ثم تحرك نحو باب الحجرة وحياني بيده تحية مختصرة وذهب، وجلست وحدي قليلًا أفكر في كل ذلك، ورأيت أن أقوم إلى المركز في شبه زيارة خاصة لأستطلع من المأمور عما أخبرني به القاضي. فانطلقت بمفردي وخلفي حاجبي حتى بلغت حجرة المأمور، فوجدته في هذه المرة أيضًا مع أحد العمد يحادثه في شبه عنف، ولم تكن سيما هذا العمدة تنم عن يسر ولا عن وقار، ويُخيل إليَّ أنه من أجلاف العمد. فالعمدة ﮐ «الجرادة» يتخذ شكل الأرض التي يولد فيها. فالأرض الخضراء تخرج الجراد الأخضر، والأرض القحلاء تخرج الجراد الأغبر. وهذا العمدة الأغبر، لا شك، من بلاد قاصية فقيرة على حدود المركز قريبة من الصحارى.

وسلمت على المأمور وقلت له باسمًا: دايمًا مع العمد!

فقال في نبرة تعب: نعمل إيه يا سيدي!

ثم أجلسني وطلب لي القهوة؛ إذ على الرغم من اعتكافي عنه وعن ناديه، فهو يحترمني ولا يحمل لي ما يحمله لغيري من الضغن، فإني حريص دائمًا مع رجال الإدارة على تنفيذ أوامري في مظهر بسيط لا يشعرهم بغضاضة الأمر. واستأذنني المأمور في إتمام حديثه مع العمدة؛ لينتهي من شأنه ويتفرغ لي، فأذنت له. فالتفت إلى الرجل وقال في صياح وتهديد: طول بالك، إنت يظهر عليك إنك مش عارفني. والله لا بد من إني …

فقاطعه العمدة مستعطفًا: أنا رجل غلبان.

فمضى المأمور في وعيده: انتظر! إن ما كنت أدخلك البرلمان، ما ابقاش أنا مأمور المركز!

– ليه؟ أنا عملت إيه بس تدخلني البرلمان؟!

قالها الرجل في توسل وارتياع، فضحكت وعجبت، والتفت إليَّ المأمور قائلًا: كشوف الانتخابات في جيبه، ومش عارف حضرته البرلمان ده يبقى إيه. ويسموهم عُمد، ونشتغل معهم!

ثم عاد المأمور والتفت إلى الرجل قائلًا: تفضل من غير مطرود!

فخرج العمدة ذليلًا كأنه خادم أو مجرم، وقلت في نفسي: «هذه الذلة التي يذوقها في حضرة رجال الإدارة لن تذهب سُدى، فهو سيذيقها بعينها لأهالي القرية التي يحكمها، فإن كأس الإذلال تنتقل من يد الرئيس إلى المرءوس في هذا البلد، حتى تصل في نهاية الأمر إلى جوف الشعب المسكين وقد تجرعها دفعة واحدة.»

وجلس إليَّ المأمور يعرف سبب «تشريفي» المركز بالزيارة، فأخبرته أنه «الشوق»، فابتسم المأمور ابتسامة غير المؤمن بهذا السبب الأفلاطوني، ولم أصر كثيرًا على كلمتي، وقلت في هيئة الجد: بلغك يا حضرة المأمور أن أحد المحضرين ضربوه وحبسوه أثناء تأدية وظيفته؟

فأجاب من فوره: ما عنديش خبر.

– حصل تبليغ للمركز؟

– لو كان حصل كنا ضبطنا لها واقعة وعملنا قضية.

– بالتأكيد.

أطرقت قليلًا، وفكر المأمور لحظة، ثم قال: حد بلغ سعادتك بشيء؟

– لو كان حد بلغني كنت في الحال باشرت التحقيق.

– مؤكد.

– المسألة يظهر أنها مجرد إشاعة.

فانطلق المأمور يقول: هي وحياتك إشاعة خارجة من بطن المحكمة لتشويه سمعة المركز، وأنت لا يخفاك أن حضرة القاضي «طالع فيها» وغرضه يشنع علينا بأي طريقة.

وأراد المأمور أن يسترسل، فبادرت بإغلاق هذا الباب؛ حتى لا أزج بنفسي في هذا الشجار القائم بينهما. حسبي أني أفهمت المأمور من طرف خفي أني لست بغافل عن الموضوع، وأني لا أُحجِم عن اتخاذ الإجراء اللازم فيه، ونهضت في الحال، ونهض معي وقلت مازحًا: والانتخابات يا حضرة المأمور؟

– عال.

– ماشية بالأصول؟

فنظر إليَّ مليًّا، وقال لي في مزاح كمزاحي: حانضحك على بعض؟! فيه في الدنيا انتخابات بالأصول؟!

فضحكت وقلت: قصدي بالأصول: مظاهر الأصول.

– إن كان على دي اطمئن.

ثم سكت قليلًا، وقال في قوة وخيلاء: تصدق بالله؟ أنا مأمور مركز بالشرف. أنا مش مأمور من المآمير اللي انت عارفهم، أنا لا عمري أتدخل في انتخابات، ولا عمري أضغط على حرية الأهالي في الانتخابات، ولا عمري قلت انتخبوا هذا وأسقطوا هذا، أبدًا، أبدًا، أبدًا. أنا مبدئي ترك الناس أحرارًا تنتخب كما تشاء.

فقاطعت المأمور وأنا لا أملك نفسي من الإعجاب: شيء عظيم يا حضرة المأمور، بس الكلام ده مش خطر على منصبك؟ إنت على كده .. إنت رجل عظيم!

فمضى المأمور يقول: دي دايمًا طريقتي في الانتخابات؛ الحرية المطلقة، أترك الناس تنتخب على كيفها، لغاية ما تتم عملية الانتخابات، وبعدين أقوم بكل بساطة شايل صندوق الأصوات وأرميه في الترعة، وأروح واضع مطرحه الصندوق اللي احنا موضبينه على مهلنا.

– شيء جميل!

قلتها في شيء من الاستغراب ممزوجًا بخيبة الأمل. ولم أشأ أن أعقب على ما سمعت. ومددت يدي مسلمًا، وخرجت وخرج خلفي المأمور يشيعني إلى الباب الخارجي؛ وإذا بي أرى، وأنا أجتاز فناء المركز، شرذمة من الخفراء تتأهب للشحن في «اللوريات»، ومن بينهم الشيخ عصفور بأسماله وعوده الأخضر؛ فالتفت إلى المأمور أسأله في ذلك، فقال وهو يشير بيده إلى الرجال: أنفار قايمة لحفظ النظام ساعة إعطاء الأصوات.

– والشيخ عصفور ما له وما للانتخابات؟!

– مواويله تؤثر على عقول الفلاحين!

– يعني منتدب للدعاية!

فابتسم المأمور ابتسامة المصادقة على ملاحظتي، وابتسمت أنا أيضًا وأنا أضيف قائلًا: حتى الشيخ عصفور شغلتوه في السياسة!

فنظر إليَّ المأمور نظرة ذات معنى، وقال في تنهد: نعمل إيه بس!

وفي هذه العبارة وهذا التنهد كل الكفاية في جعلي أرثي لحال هذا المأمور، وأقدر دقة موقفه ومسئوليته أمام الرؤساء الذين يطلبون إليه نتائج معينة بالذات بكل الوسائل التي يراها مؤدية إلى الغرض، فإن أحجم أو تردد نكلوا به بغير رحمة ولا شفقة.

ومررت في سيري بجوار الشيخ عصفور فابتدرته: البنت ريم راحت فين؟

فنظر إليَّ الرجل شزرًا، ولم يعن بالرد عليَّ. فأعدت عليه الكرَّة في شيء من الرفق والاستعطاف: ريم يا سيدنا الشيخ. نفَسك ويانا في مسألة البنت ريم!

فهز الرجل رأسه، ولوَّح بعوده، وقال مترنمًا:

إيش راح ينوبك
من الشكيان ويفيدك؟
ليه ما حكمتش
على طيرك وهو في إيدك؟

فابتسمت وقلت للشيخ عصفور وأنا أشير بأصبعي إلى المأمور: قل لحضرة المأمور، هو اللي استلم الطير!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤