يوميات نائب في الأرياف في نظر النقاد الأوروبيين

تحت عنوان «نائب في ريف مصر»، علَّق الكاتب الصحفي الفرنسي المشهور «جان لاكوثور» على الطبعة الأخيرة من الترجمة الفرنسية ﻟ «يوميات نائب في الأرياف» في باريس، في مقال نشرته صحيفة «الموند» بتاريخ ١٥ يناير ١٩٧٥م، قال: في توفيق الحكيم يتغلب الكاتب القصصي والشاهد قوي الملاحظة خفيف الروح، مع أقدم مدينة قامت على الزراعة. والكتاب هو تحفته التي أخرجتها دار مصرية للنشر منذ ثلاثين عامًا، يقدم «جاستون ويت» و«سليم حسن» في الثوب الأنيق المعهود وبعنوان «يوميات نائب في الأرياف»، لكن بعد شيء من التعديل، لست أدري لماذا؟!

على أن مدير النشر «جان مالوري» كان موفقًا تمامًا عندما نشره في مجموعة الإنسانيات ليجاور توفيق الحكيم خلاصة الكُتَّاب الذين كتبوا في هذا المجال، فالكتاب هو قبل كل شيء وثيقة «أنثروبولوجية» عظيمة، وصورة من أكثر الصور أمانة، وأبلغها تأثيرًا، لمجتمع القرية المصرية بسيئاته ومباهجه، بحماقاته وروح التكافل التي تثير الإعجاب فيه، خلافاته وتماسكه، وإخلاصه لكل هذه السمات فيه من زمن بعيد.

ولأن توفيق الحكيم متفائل في سخريته، ولأن مصريته من العمق بحيث يمكنه أن يجد في أقسى صور الشقاء أسبابًا للضحك، فإن يومياته هذه يمكن أن تعتبر من الأدب الفكاهي الممتاز، إنها تذكرنا بأعمال «تشيكوف» و«جوجول». تحقيقاته الجنائية من قرية إلى قرية هي مزيج من النكتة وتقطيب الوجه، وأحيانًا ضربات العصا، روح الفكاهة طبع أصيل، والتعليق اللاذع أسرع من رد الطرف!

في أغوار شقائهم يبدأ أولئك الناس البسطاء بالضحك من معذبيهم، وقبل أن يتناولوا الحبل الذي سيشنقونهم به! فإذا ضحكنا معهم، ومع المؤلف وطوينا الكتاب، فإننا نأخذ نستشعر شحنة الغضب والرفض التي ضمَّنها النائب توفيق وثيقته!

الكتاب مؤلم .. بما يذكره صراحة وما يترك لك أن تفهمه، كذلك المقدمة القصيرة التي كتبها المؤلف لهذه الطبعة الأخيرة (وهو قد كتبه عام ١٩٤٠م). وحيث يقول إن شيئًا لم يتغير بعدُ لدرجة تُذكر في ذلك العالم الغارق في الوحل حتى الاختناق! والكتاب هامٌّ جدًّا لأن الكثير في مصر، وعن الحقيقة، تجده في تلك اليوميات الحية أكثر كثيرًا مما يمكن أن تجده في كتب سياسية تصدر عن ذلك الشعب الفريد في وادي النيل، والذي يبدأ عادة بالضحك من مصائبه لكنه في النهاية يجد الوسيلة التي يسترد بها الحياة!

مقتطفات من النقد الإنجليزي:

«… يعتبر «توفيق الحكيم» أكبر الروائيين المصريين الأحياء. و«يوميات نائب في الأرياف» هو أول كتبه التي نُقلت ونُشرت في اللغة الإنجليزية. ما أعجب وأصدق كل هذا الذي في الكتاب! …

إنها المهزلة الخالدة التي تصوِّر فساد الإدارة الحكومية، وعجز النظم الإدارية عن تحقيق العدالة بين جموع الفلاحين. إن تصور توفيق الحكيم لرجال الإدارة وانشغالهم بالحملة الانتخابية عن واجبهم لَينطوي على أكثر من مجرد الاستنكار. وإن في تصويره للعبث بالجثث لَأكثر من مجرد الاحتجاج. وكما حدث في القرن التاسع عشر مع الكُتَّاب الروس، وكما حدث مع كاتبنا الإنجليزي «ديكنز» يشعر الأديب مرهف الحس وسط الاضطراب وفي أجواء الظلم أن الشفقة على المظلومين لا تكفي، وأن الغضب على الظالمين لا يجدي، فيتخذ من السخرية اللاذعة سلاحًا لتحقيق ما يهدف إليه من التنبيه والتحذير والإصلاح. وقد كان توفيق الحكيم في هذه الناحية رائعًا، فقد زخر كتابه بالسخرية اللاذعة ولكنها سخرية اتخذ منها سلاحًا للهجوم …

«ب. ﻫ. نيوباي»
مجلة «ذي لسنر»، ٧ أغسطس سنة ١٩٤٧م»

«… «يوميات نائب في الأرياف» تُرينا الفقر والظلم في الريف المصري وما يلقاه أبناؤه من عنت وعسف من جانب الإدارة، بسبب تطبيق نظم لم تراعِ عند وضعها أحوالهم وظروفهم، صيغت في قالب ذكريات موظف حكومي مصري يعمل في سلك القضاء. إن المرارة والسخرية التي رسم بهما توفيق الحكيم هذه الصور لا يُمكن أن تُنسى.

«د. س. سافاج»
مجلة «سبكتاتور»، ١٨ يوليو سنة ١٩٤٧م»

مقتطفات من النقد الفرنسي

«… هو ديكنز وادي النيل، بل هو «كورتلين» أيضًا؛ لأن روح الفكاهة في تصوير مجالس القضاء تجدها عنده كثيرة بطريقة منوعة … فالكتاب مليء بالصور المرسومة بريشة السخرية، والمأساة فيه رابضة في جو مفعم بالأسرار. على أن الأشخاص الشعبيين ومَن يعيش في محيطهم من آدميين هم الذين عنيَ المؤلف بخلقهم خلقًا نابضًا مؤثرًا … إن «كورتلين» المصري، وهو — والحق يقال — أعمق شاعرية من كاتبنا الفرنسي، يثور لهذه الفوضى التي نتجت في الريف المصري، وإن توفيق الحكيم قد استخرج من كل ذلك الحجج التي تحتم الإصلاح.

وهذه ليست كل صفات هذا الكاتب الذي يعتبر ممثلًا لأدب مصر المعاصرة.

«أندريه روسو»
«فرنسس الاستراسيون»، ٢٩ أبريل سنة ١٩٥٠م»

«… إنها صورة حية، ساخرة، قاسية أحيانًا لدنيا الريف المصري. وإن هذه الدنيا لَتتحرك في صفحات هذا الكتاب في حيوية مدهشة تجعل القارئ ينسى أحيانا المقاصد الإصلاحية التي حركت توفيق الحكيم … فإن الذي يعلَق بذاكرة القارئ هو قوة السرد والخلق والإبراز والصدق ودقة الملاحظة والقدرة في إدارة القصة، على أن توفيق الحكيم إنما يكتب ليحتج وينقد ويتهم.

«رمون فرنانديز»
جريدة «ماريان»، ٩ أغسطس سنة ١٩٣٩م»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤