الجزء الرابع

يا للسرعة التي نمرُّ بها فوق الأرض! وقد انقضى الربع الأوَّل من الحياة قبل أن يُعرَف كيف يُستفادُ منها، وينقضي الربع الأخير أيضًا بعد أن ينقطع الاستمتاع بها، وأوَّل ما في الأمر هو أننا لا نعرف أن نعيش مطلقًا، ولسرعان ما نعود غيرَ قادرين على ذلك. ونحن نقضي ثلاثة أرباع الوقت الباقية لنا في النوم والعمل والألم والقسر والمتاعب من كلِّ نوع. والحياةُ قصيرة، وهي ليست قصيرةً بالوقت القليل الذي تدوم فيه، بل لِما لا يكاد يوجد لنا فيه من بُرَهٍ نتمتع بها، ومن العبث أن يُذهَبَ إلى بُعْدِ ما بين ساعة الموت وساعة الميلاد؛ فالحياةُ تكون بالغةَ القِصَر إذا لم يُحسَن قضاء هذه الفاصلة.

ونقول إننا نُولَد مرتَين، الأُولى لنكون، والأخرى لنحيا، والأُولى للنوع والأخرى للجنس. ولا ريب في أن الذين يَعُدُّون المرأة إنسانًا ناقصًا ليسوا على صواب، ولكن لهم أن ينظروا إلى المماثلة الخارجية. ولا يوجَد في الأولاد من الجنسين حتى سنِّ البلوغ من الظاهر ما يَميزُ بعضَهم من بعض، فلهم عين المحيَّا وعين الوجه وعين اللون وعين الصوت، وكلُّ شيءٍ فيهم متساوٍ. والبنات من الأولاد، والصُّبيان من الأولاد، ويكفي ذاتُ الاسم لأناسٍ متشابهين بهذا المقدار، ويحافظ الذكور الذين وُقِفَ نُموُّهم الجنسيُّ على هذه المشابهة ما داموا أحياء؛ فهم يكونون أولادًا جِسامًا دائمًا، ولا يَظهر الإناث اللائي لا يفقدن هذه المشابهة مطلقًا شيئًا آخر من عدة وجوه.

بَيْدَ أن الإنسان على العموم لم يُخلَق ليبقى في الوَلُودِية دائمًا؛ فهو يخرُج منها في الوقت الذي عيَّنته الطبيعة، ولِدوْر البُحران هذا تأثيرٌ طويلٌ على قِصَرِه.

ويشابه هذا الانقلابُ العاصفُ هديرَ البحر، الذي يسبقُ الزوبعة من بعيد، فينبئُ عن نفسه بهمهمةِ الأهواء الناشئة، ويُخبرُ الاضطراب الأصمُّ بدنوِّ الخطر، وما يكون من تغييرٍ في المِزاج ومن كثرة الاحتداد، ومن هياج دائمٍ في النفس يجعلُ الولدَ غيرَ قابلٍ للانقياد تقريبًا، وهو يصبح من الصُّمِّ تجاه الصوت الذي يجعله طائعًا، وهو يكون أسدًا مُصابًا بالحمَّى، وهو يُنكر مُرشده، ويعود راغبًا عن أن يُقاد.

وتُضافُ تغييراتٌ محسوسةٌ في الوجه إلى علائمَ خُلُقيةٍ في مِزاجٍ يَفسُد، وتنمو سيماه، وتُوسَم بطابع، ويسمرُّ القُطْنُ الحُلْو القليلُ الذي ينبُت في أسفل خدَّيه ويَصلُب، ويتغير صوته، أو يفقد رونقه، ولا يكون ولدًا ولا رجلًا، ولا يُمكن أن يتكلم مثلَ أحدهما، وتجد عيناه، ويجد عضوا الروحِ هذان اللذان لم يقولا شيئًا حتى الآن لغةً وتعبيرًا، وتلهبهما نارٌ ناشئة، وتبقى لنظراتهما التي تصيرُ أكثرَ التماعًا قُدسيَّةُ السذاجة، ولكن مع عدم المحافظة على بلادتهما الأُولى، وكان قد شَعَر بأنه يُمكنهما أن يقولا الشيءَ الكثير، وهو يبدأ بمعرفة غضِّهما والاحمرارِ خَجَلًا. وهو يُصبِحُ حَسَّاسًا قبل أن يَعْرِف ما يُحس، وهو يكون مضطرب البال من غير أن يعلم السبب. ويُمكن أن يحدث هذا رُويدًا رُويدًا تاركًا لكم وقتًا أيضًا، ولكن إذا تحوَّل هيجانُه إلى عدمِ صبرٍ بالغ، وإذا انقلب حُميَّاه إلى صَوْلة، وإذا ما غَضِب ولان بين دقيقةٍ ودقيقة، وإذا ما سَكَبَ دموعًا بلا داعٍ، وإذا ما ارتفع نبضه والتهبت عينه بالقرب من أشياء تُصبِح عاملَ خَطَرٍ له، وإذا ما أخذ يرتعش من وَضع امرأة يدها على يده، وإذا ما اضطرب أو ارتعب بالقرب منها، فيا أوليسُ، يا أوليسُ الحكيم، احترز؛ فقد فُتِحت المنافذ التي أغلقتَها بجُهدٍ كبير، وقد ثارت الرياح، ولا تترُك السُّكَّان١ دقيقة، وإلا هلك كلُّ شيء.

وهنا الولادة الثانية التي تكلمتُ عنها، وهنا يُولَدُ الإنسانُ للحياة حَقًّا، وهنا لا يكون غريبًا عنه أيُّ أمرٍ بشري، ولم تكن جهودُنا حتى الآن غير ألعابِ ولد، وهي لا تكتسب أهميةً حقيقيةً إلا الآن، وهذا الدور الذي تنتهي فيه التربيات العادية هو عينُ الدَّوْر الذي يجب أن تَبْدَأ فيه تربيتنا، ولكن دَعْنا، لحُسنِ عَرْض هذا البرنامج الجديد، أن نعود فنتناول مما تقدَّم حالَ الأمور الخاصة بذلك.

وأهواؤنا هي الوسائل الرئيسة لبقائنا؛ ولذا فإن من المحاولات الفارغة المضحكة أن يُراد القضاء عليها، وذاك تقييدٌ للطبيعة، وذاك إصلاحٌ لعمل الرَّب، ولو قال الرَّبُّ للإنسان أن يقضي على الأهواء التي مَنَحه إياها، فإنه يكون مُريدًا لذلك وغيرَ مُريدٍ له؛ أي مناقضًا لنفسه، ولم يحدُث أن أصدرَ هذا الأمرَ المخالفَ للصواب، ولم يكُن مثلُ هذا مكتوبًا على قلب الإنسان، وما يُريدُ الرَّبُ أن يصنعه الإنسانُ لا يبلِّغه إياه بواسطة إنسانٍ آخر، بل يقوله له بنفسه، وذلك أنه يكتبه في صميم فؤاده.

والحقُّ أنني أجد الذي يريد منعَ حدوث الأهواء يكون مجنونًا تقريبًا، كالذي يريد محوها، ولا ريب في أن الذين يعتقدون أن برنامجي كان هكذا حتى الآن يُعَدُّون مسيئين لفهْمي.

ولكن هل من حُسن البرهان أن يُستَنتج من الأمر القائل بأن من طبيعة الإنسان أن يكون ذا أهواءٍ كَوْنُ جميعِ ما نُحِسُّ في أنفسنا وما نرى في غيرنا من الأهواء طبيعيًّا؟ أجلْ، إن مصدرها طبيعي، غير أنها ضُخِّمَت بألفِ جدولٍ غريب، وهذا نهرٌ عظيمٌ يزيد بلا انقطاع، فلا تكادُ تُوجَدُ فيه بضعُ قَطَراتٍ من المياه الأُولى، وتُعَدُّ أهواؤنا الطبيعية محدودةً جِدًّا، وهي وسائل لحريتنا، وهي تهدف إلى بقائنا، وأمَّا جميع الأهواء الأخرى التي تَقْهَرنا وتُهلِكنا فتأتينا من مصادرَ أخرى، ولا تمنحُنا الطبيعة إياها، بل نحوزها إضرارًا بها.

وحبُّ النفس هو مَنبَعُ أهوائنا وأصلُ جميع الأهواء الأخرى ومبدؤها، وهو الوحيد الذي يُولَد مع الإنسان ولا يترُكه ما دام حيًّا، وهو الهوى الفطريُّ الغريزيُّ السابقُ لكل ما سِواه والذي تُعَدُّ جميع الأهواء الأخرى من جهةٍ تغييرًا له، وتُعَدُّ جميع الأهواء الأخرى طبيعيةً من هذه الناحية، إذا ما أُريد ذلك. بَيْدَ أنه يُوجَد لمعظم هذه التغييرات عِلَلٌ خارجيةٌ ما كانت هذه الأهواء لتحدُث مطلقًا لولاها، وهذه التغييرات عينها ضارَّةٌ بنا بعيدةٌ من أن تكون نافعةً لنا، وهي تُغيِّر أوَّلَ موضوعٍ وتسير على خلاف مبدئها، وهنالك يكون الإنسان خارج الطبيعة، ويُناقضُ نفسه.

وحُبُّ النفس حَسنٌ دائمًا، ويلائم النظامَ دائمًا، وبما أن كلَّ واحدٍ مُكلَّفٌ بحفظ نفسه فإنه مجهوداته الأُولى وأهمَّها يجب أن تهدِفَ إلى هذا الحفْظ بلا انقطاع، وكيف تَسْهر على هذا الحفظ هكذا إذا لم يَكُن لها أعظم فائدةٍ في ذلك؟

ولذا يجب أن نُحِبَّ أنفسنا في سبيل بقائنا، ويجب أن نُحِبَّ أنفسنا أكثر من أي شيءٍ آخر، ونُحِبُّ ما يحفظُنا كنتيجةٍ مباشرة لعين الإحساس. وكلُّ ولدٍ يتعلَّقُ بمُرضِعه، ولا بدَّ من أن يكون رومولوس قد أحبَّ الذئبة التي أرضعته. وأوَّلُ ما يُرَى كون هذا التعلُّق آليًّا صِرفًا، وكلُّ ما يُيسِّر راحة الفرد يجتذبه، وكلُّ ما يضُرُّه يدفعه، وليس ذاك غيرَ غريزةٍ عمياء، والذي يحوِّلُ هذه الغريزة إلى شعورٍ والتعلُّقَ إلى حُبٍّ والكراهةَ إلى حقد، هو القصد الذي يُبدى في إلحاق الضرر بنا أو جلبِ النفع إلينا، ولا نُولَع بالموجودات الخالية من الحِسِّ فلا تَتْبَعُ غير ما تُوجَّه به، بل نُولَع بمن يُنتظر منهم خيرٌ أو شرٌّ صادرٌ عن استعدادهم الباطني، صادرٌ عن إرادتهم، ومن نرى سيرَهم سيرًا حُرًّا معاكسًا لنا أو موافقًا لنا يوحون إلينا بمشاعرَ مشابهةٍ للتي يُظهِرون لنا، ونبحثُ عن الذي ينفعنا، ونحب الذي يُريد أن ينفعنا، ونجتنب الذي يؤذينا، ونحقد على الذي يريد أن يؤذينا.

وأوَّل شعورٍ في الولد هو حُبُّه لنفسه، والشعور الثاني في الولد، ويُشتَقُّ من الأوَّل، هو حُبُّه مَن يُدنُونه منهم؛ وذلك لأنَّ الولد في حال الضَّعف التي يكون عليها، لا يَعْرِف أحدًا بغير ما يتلقاه من عونٍ وعناية، وليس أوَّلُ ما يُساوره من تعلُّق بمُرْضِعِه أو مُربيته غيرَ عادة، وهو يبحث عنهما لاحتياجه إليهما، ولأنه يكون سعيدًا بوجودهما عنده، ويُعَدُّ هذا عِرفانًا أكثرَ من أن يكون عطفًا، ولا بدَّ له من وقتٍ طويلٍ حتى يُدرِك أنهما تريدان أن تكونا نافعتَين له، فضلًا عن كونهما نافعتَين له، وهنالك يبدأ حُبُّه لهما.

ومن الطبيعي إذن مَيلُ الولدِ إلى حُسْن الالتفات؛ وذلك لأنه يَرى أن كلَّ مَن يدنو منه يميلُ إلى مساعدته، ولأنه يقتبس من هذه المشاهدة عادةَ شعورٍ ملائمٍ لنوعه، ولكنه كلَّما وَسَّع نِطاقَ صلاته وحاجاته وتابِعيَّاته الفاعلة والمنفعلة، أفاق حِسُّ علاقاته بالآخرين، وأسفر عن حِسِّ الواجبات والتفضيلات، وهنالك يُصبِحُ الولدُ مُتجبِّرًا مغيارًا خادعًا منتقمًا، وهو إذا ما حُمِلَ على الطَّاعة، وهو إذ لا يرى فائدةَ ما يُؤمر به، فإنه يعزو هذا إلى الهوى وإلى قصد تعذيبه، ويتمرَّد، وهو إذا ما أُذْعِنَ له فإنه يَعُدُّ كل مقاومةٍ له عصيانًا وميلًا إلى صدِّه، فيخبِط الكرسيَّ أو المائدة لعدم إطاعته. وإذا ما قُضيَت احتياجاتنا الحقيقية قَنِعَ حُبُّ النفس الذي لا يتعلَّقُ بغيرنا. ولكن الأنانية التي تقوم على قياس الإنسان بسواه لا تقنع أبدًا، وهي لا يُمكن أن تكون هكذا؛ وذلك لأن هذا الإحساس إذ يُفَضِّلُنا على الآخرين، يتطلب أن يُفضِّلنا الآخرون على أنفسهم، وهذا متعذِّر، وذاك هو الوجه الذي تُولَدُ به الأهواء العذْبة الوَدود من حُبِّ النفس، وذاك هو الوجه الذي تُولد به الأهواء النَّزِقة الحَقود من الأنانية، وهكذا فإن الذي يجعل الإنسان صالحًا جوهرًا هو أن يكون قليلَ الاحتياجات قليلَ القياس بينه وبين الآخرين، وإن الذي يجعله شَرِيرًا جوهرًا هو أن يكون كثيرَ الاحتياجات كثيرَ الارتباط في رأي الآخرين. وعلى هذا المبدأ يسهُل أن يُرى كيف يُمكِنُ أن تُوجَّه جميع أهواء الأولاد والرجال إلى الخير أو الشر، ومن الصحيح أن يَصعُبَ عيشُهم صالحين دائمًا لعدم استطاعتهم أن يعيشوا وحدَهم دائمًا، وتزيد هذه الصعوبة نفسُها بعلاقاتهم حَتمًا، وبهذا على الخصوص تجعَل أخطارُ المجتمع لنا الحِذْق والانتباه أكثرَ لزومًا ليُمنَعَ في قلب الإنسان ما ينشأ عن احتياجاته الجديدة من فساد.

ودراسةُ الإنسان الموافقةُ هي دراسةُ علاقاته، ويجب أن يَدرُس نفسه بعلاقاته مع الأشياء ما عَرَفَ نفسه بكيانه البدني، وهذا عملُ صِباه، وهو إذا ما أخذ يشعُر بكيانه الأدبيِّ وَجَبَ أن يَدرُس نفسه بعلاقاته مع النَّاس، وهذا هو عملُ حياته بكاملها، بَدءًا بالنقطة التي انتهينا إليها هكذا.

والإنسان يعود غيرَ وحيدٍ حالما يحتاج إلى صاحبة، وتُولَدُ جميعُ علاقاته بنوعه وجميعُ عواطفِ نفسه مع تلك، ولسُرعان ما يُثيرُ هواه الأوَّل أهواءه الأخرى.

وميلُ الغريزة غير مُعيَّن، وأحد الجنسين مُجتذَبٌ بالآخر، وهذه هي حركةُ الطبيعة، ويكون الاختيار والتفضيلات والعطفُ الشخصيُّ أعمالَ معارفَ ومُبْتَسَراتٍ وعادة، ولا بدَّ لنا من الوقت والمعارف حتى نكونَ قادرين على الحُب، فلا يُحَبُّ إلا بعد الحُكْم، ولا يُفضَّلُ إلا بعد القياس، وتكون هذه الأحكام من غير أن يُشعَر بها، ولكنها ليست أقلَّ من ذاك حقيقة، ومهما يُحدَّث عن الحبِّ الحقيقيِّ فإنه يُبجَّل من قِبَلِ الرجال دائمًا؛ وذلك لأنه وإن كان يُضِلُّنا بفَوْراته، وإن كان لا ينزِع من القلب الذي يُحسُّه ما فيه من عيوب ممقوتة، فضلًا عن إحداثه عيوبًا من هذه فيه، يَفترض، مع ذلك، من الصفات ما هو جديرٌ بالاحترام دائمًا، يفترض من هذه الصفات الكريمة ما لا يُشعَرُ به من غيره، وعن العقل يَصْدُرُ هذا الخيار الذي يُعارَضُ به العقل، وقد قيل إن الحُبَّ أعمى؛ وذلك لأنَّ له عيونًا أفضلَ من عيوننا؛ فهو يرى من العلاقات ما لا نستطيع الشعور به. وتكون كلُّ امرأةٍ حسناء على السواء عند مَن ليست لديه فكرةٌ عن المَزِيَّة والجمال، فتُعَدُّ أوَّلُ آتيةٍ أكثرَهن لطافةً دائمًا، وعلى بُعدِ ما يصدُر الحُبُّ عن الطبيعة يكون ناظمَ ميولِها ورادعًا لها، وإذا عدوتَ المحبوبَ لم يَعُد أحدُ الجنسين عند الآخر شيئًا مذكورًا.

وما يُمنَحُ من تفضيلٍ يُراد نَيلُه، فيجب أن يكون الحُبُّ متبادلًا، ويجب أن يجعل الإنسانُ نفسَه محبوبًا ليُحَبَّ، ويجب أن يجعل الإنسانُ نفسَه محبوبًا أكثرَ من سواه، أكثر من كل إنسانٍ آخَر، حتى يُفضَّلَ على غيره، وذلك في نظر المحبوب على الأقل؛ ومِنْ ثَمَّ كانت نظرات الإنسان الأُولى نحو أمثاله، ومِنْ ثَمَّ كانت المقارنات الأُولى معهم؛ ومِنْ ثَمَّ كانت المباراة والمنافسات والحسد، ومن شأن القلب المملوء شعورًا فَيَّاضًا أن يودَّ الاندفاق، وعن حاجة الصاحبة تنشأ حاجة الصاحب حالًا، ومَن يذُق حلاوة كونه محبوبًا يودُّ لو يكون محبوبًا لدى جميع النَّاس، وما كان الجميع ليُريدَ تفضيلات إذا لم يوجد كثيرٌ ممن هم غيرُ راضين، ومع الحُبِّ والصداقة تظهر الاختلافات والعداوة والحقد، وأرى رأيَ النَّاس يقيم لنفسه عرشًا ثابتًا من بين هذه الأهواء المختلفة، وأن النَّاس البُلْه المُعبَّدين لسلطانه لا يقيمون كيانَهم الخاصَّ إلا عن أحكام الآخرين.

وانشُروا هذه الأفكار تُبصِروا المصدرَ الذي يأتي أنانيَّتنا بشكلٍ نعتقد أنه طبيعيٌّ لها، وكيف أن حُبَّ النفس يصير، بعد أن يعدِل عن كونه شعورًا مطلقًا، كبرياءَ في النفوس الكبيرة وغرورًا في النفوس الصغيرة، وكيف أنه يغتذي في هذين الفريقَيْن على حساب القريب، وبما أنه لا يوجد لهذا النوع من الأهواء أصلٌ في قلوب الأولاد مطلقًا فإنه لا ينشأ من تلقاء نفسه، وإنما نحن وحدَنا نحمله إليها، وما كانت لتتأصَّل إلا بخطأ مِنَّا، ولكن الأمر يعود غير هذا في قلب الشابِّ حيث تنبت على الرغم مِنَّا ومهما صنعنا؛ ولذا يكون وقتُ تغيير المنهاج قد حلَّ.

ولنبدأْ ببضعة تأملات مهمة حول الوضع الحرج الذي هو موضوعُ بحثٍ هنا، وليس الانتقال من دَور الصِّبا إلى دور البلوغ من تحديد الطبيعة له ما لا يختلف في الأفراد باختلاف الأمزجة والأقاليم، وكلٌّ يعْلم ما يُشاهَد من فروقٍ حَوْل هذه النقطة بين البلاد الحارة والبلاد الباردة، وكلٌّ يرى أن الأمزجة الحامية تَكمُل بأسرع من الأمزجة الأخرى، ولكنَّ من الممكن أن يُضَلَّ في العِلل، فيُعزَى إلى البدني في الغالب ما يجب أن يُعزى إلى الأدبي، ويُعدُّ هذا من أكثر الأضاليل التي تلازم فلسفةَ عصرنا شيوعًا، ويأتي تعليم الطبيعة متأخِّرًا بطيئًا، وتأتي دروس النَّاس قبل الأوان دائمًا تقريبًا، والحواسُّ في الحال الأُولى تُنبِّهُ الخيال، والخيالُ في الحال الثانية يُنبِّه الحواس، فيمنحها نشاطًا بَكورًا لا يُعْوِزه أن يُهيِّجَ الأفراد ويُضعفهم في البُداءة، ثُمَّ النوع مع مر الأيام، وتدُلُّ المشاهدة الأكثر عمومًا والأعظم ثُبوتًا من تأثير الإقليم على أن البلوغ وقدرة الجنس أسرع عند الأمم المتعلمة المتمدنة مما عند الأمم الجاهلة المتبربرة.٢ ويوجد لدى الأولاد فَطانةٌ عجيبةٌ يميزون بها سيئ العادات من خلال رِداء الحشمة الذي يستترون به، ويُعَدُّ اللسان المُصفَّى الذي يُملى عليهم، ودروسُ العفاف التي تُلقى عليهم، وستارُ الزهد الذي يُتظاهَرُ بوضعه أمام عيونهم، مهاميزَ لفضولهم بذلك المقدار، وإذا نُظِرَ إلى الوجه الذي يُتَّخَذُ وُجِد من الجلي أن ما يُتظَاهَرُ بإخفائه عنهم لا يكون لغير تعليمهم إياه، وهو أكثر ما يفيدهم من الدروس بين جميع ما يُلقى عليهم.

واستشيروا التجرِبة تُدرِكوا مقدار ما يؤدي إليه هذا المنهاجُ المخالفُ للصواب من تعجيلٍ لعمل الطبيعة وتقويضٍ للمِزاج، وهذا هو إحدى العلل الرئيسة التي تُفسِدُ النَّسل في المدن، وبما أن الشُّبَّانَ يَضنَون باكرًا فإنهم يبقَوْن صِغارًا ضِعافًا سيئي التكوين، فيهْرمون بدلًا من أن يَنمُوا، شأنُ الدالية التي تُحمَل على الإثمار رَبيعًا فتذوي وتموت قبل الخريف.

ولا بدَّ من العيش بين الشعوب البسيطة الغليظة ليُعرَف مدى العُمُر الذي يمكن الجهلَ السعيدَ أن يطيل إليه طُهرَ الأولاد، ومن المناظر المؤثِّرة المسلِّية أن يُرى الجنسان المُوكَلان إلى سلامة أفئدتهما يُطيلان في زهرة العُمُر والجمال ألعابَ الصِّبا الساذجة، وأن يُبديا حتى بأُلفَتهما نقاءَ لهْوِهما، وأخيرًا، إذا ما تزاوجَ هذا الشباب اللطيف وتبادل الزوجان بواكير ذاتِهما، زادَ كلٌّ منهما عِزًّا لدى الآخر، وتَغدو كثرةُ الأولاد الأصحاء الأقوياء عَرَبون قِرانٍ لا يُفسده شيء، وثمرة حكمة سِنِيهما الأُولى.

وإذا كانت السِّنُّ التي يكتسب الإنسان فيها شعورًا بجنسه تختلف بفعل التَّربية اختلافًا بفعل الطبيعة، فإنه ينشأ عن هذا إمكانُ تعجيلِ هذه السِّن وتأخيرها على حَسَب الطريقة التي يُنشَّأُ بها الأولاد، وإذا كان البدن يَكسِب أو يخسَرُ صلابةً كُلما عُجِّلَ هذا التقدم أو عُوِّق، فإن الذي يُستنتَج من ذلك أيضًا هو أنه كُلَّما سُعيَ في تعويقه نال الفتى بأسًا وقوة، ولا أزال أتكلم عن النتائج البدنية، وسيُرى عما قليل أنها لا تقتصر على ذلك.

وأستخرجُ من تلك التأمُّلات حَلَّ المسألة الآتية التي أُثيرت كثيرًا، وهي: هل يلائم تنوير الأولاد باكرًا حول موضوعات فضولهم، أو هل الأفضل أن يُخادعوا بتمويهاتٍ ذات حشمة؟ أرى ألَّا يُؤتى هذا ولا ذاك، وذلك أوَّلًا، أنَّ هذا الفضول لا يأتيهم من غير أن يُفسَح له في المجال؛ ولذا يجب أن يُصنَعَ ما لا يكون لهم معه هذا المجال. ثانيًا: إنَّ ما نحن غيرُ ملزمين بحلِّه من الأسئلة لا يستلزم مخادعةَ من يَطْرَحُها، والأفضل أن يُقابَل بالسكوت من أن يُجابَ عنها بالكَذِب عليه، وهو لن يُدْهَشَ من هذه السُّنَّة إذا ما عُنيَ بإخضاعه لها في الأمور التي يُؤبَهُ لها، وأخيرًا إذا ما الْتُزِمَ جانبُ الجوابِ فليَكُن هذا بأقصى البساطةِ وبلا غموضٍ ولا ارتباكٍ ولا ابتسام؛ فالخطرُ أقلُّ كثيرًا في إرواء فُضول الولد مما في تحريكه.

ولتكن أجوبتُكم دائمًا رصينةً قصيرةً حازمة، ومن غير أن يشوبَها تردُّدٌ مطلقًا. وليس من الضروري أن أُضيف إلى ذلك وجوبَ كونها صادقة، فلا يُمكِن تعليمُ الأولاد خطرَ الكذِب على النَّاس من غير أن يُشعَرَ من قِبَل النَّاس بخطرٍ أعظم من ذاك في الكذِب على الأولاد. ومن نتائج الأكذوبة الموَكَّدة التي يأتيها المُعلِّم نحو التلميذ أن يُقضى على ثمرات التَّربية إلى الأبد.

وقد يكون الجَهْلُ المطلقُ حَوْل بعض الموضوعات أفضلَ ما يلائم الأولاد، ولكن ليتعلَّموا باكرًا ما يستحيل كتمُه عنهم دائمًا. ومما يجبُ ألَّا يستيقظَ فضولُهم بأيِّ وجهٍ كان أو أن يُقضَى قَبْلَ السِّنِّ التي يكون خَطِرًا فيها. ويتوقف سلوككم نحو تلميذكم كثيرًا على وضعه الخاصِّ وعلى المجتمعات التي تحيط به، وعلى الأحوال التي يُبصَرُ إمكانُ وجوده فيها … إلخ. والمهم هنا ألَّا يُترَك شيءٌ للمصادفة، وإذا لم تطمئنوا إلى جعله يجهلُ الفرقَ بين الجنسين حتى السادسة عشرة من سنيه فاعْنَوا بأن يتعلَّمه قبل العاشر من عُمُره.

ولا أحبُّ أن يُتَّخَذ مع الأولاد لسانٌ مُمَحَّصٌ كثيرًا، ولا أن تُستَعمَل موارباتٌ طويلةٌ يُبصِرونها لكيلا تُطْلَق على الأشياء أسماؤها الحقيقة، فللأخلاق الصالحة في هذه الموادِّ بساطةٌ بالغةٌ دائمًا، ولكن الخيالات الملوَّثة بالمنكَر تجعلُ الأذن مُرهَفة، فتُلزِمنا بتمحيص تعابيرنا بلا انقطاع، ولا حاصل للألفاظ الغليظة؛ فالأفكار الداعرة هي ما يجب أن يُقصى.

ومع أن الحياء طبيعيٌّ في النوعِ البشري، فإنه ليس طبيعيًّا في الأولاد، وذلك أن الحياء لا يُولَدُ إلا مقرونًا بمعرفة السوء، وكيف يكون لدى الأولاد الذين ليست لديهم هذه المعرفة أو لا ينبغي أن يحوزوها، ذاك الحسُّ الذي ليس غيرَ نتيجةٍ لها؟ ينطوي إعطاؤهم دروسًا في الحياء والحِشْمة على تعليمهم وجودَ أمورٍ شائنةٍ فاحشة، ينطوي على تلقينهم رغبةً خفيَّةً في معرفة هذه الأمور، وسيَعْرِفون هذا عاجلًا أو آجلًا، ومن شأن الشرارة الأُولى التي تَمَسُّ الخيالَ أن تُعَجِّل اشتعال الحواسِّ لا ريب، واحمرارُ الوجه دليلُ الذَّنْب، ولا تستحي البراءة الحقيقية من شيء.

وليس عند الأولاد ما عند الرجال من تَوْقات، ولكن بما أنهم مِثْلَهم عُرضةٌ للدنس الضارِّ بالحواس، فإنهم يستطيعون بفعل هذا القَسْرِ أن يتلقَّوا عينَ الدروسِ في اللياقة، واتَّبِعوا روح الطبيعة التي تضع في ذات المكان أعضاء اللذات الخفية وأعضاء الحاجات الكريهة، فتُوحي إلينا بعينِ العنايات في مختلِف أدوار العُمُر، توحي عن هذه الفكرة تارةً وعن تلك تارةً أخرى، توحي إلى الرجل عن حياءٍ وإلى الولد عن نظافة.

ولا أجدُ غيرَ وسيلةٍ واحدةٍ لحِفْظ طُهْر الأولاد، وهي أن يحترمهم ويُحبَّهم جميع مَن يحيطون بهم، وإن لم يكن هذا نُقِضَ عاجلًا أو آجلًا كلُّ جُهدٍ يُبذَل إمساكًا لهم، فلهم في الابتسامة والنظرة والحركة الخاطفة قولٌ حول كلِّ ما يُحاوَل إخفاؤه عنهم، ويكفي لتعلُّمهم إياه أن يُرَى أنه يُراد إخفاؤه عنهم. وبما أن ما يستعمله المهذِّبون من جُملٍ وتعابيرَ فيما بينهم يفترض ما ينبغي وجوده بين الأولاد من معارف، فإنه لا يكون له محلٌّ معهم، ولكن بساطتهم إذا ما أُكرِمَت حقًّا سَهُلَ علينا أن نجد في مخاطبتهم من الجُمَل ما يلائمهم. وتجد سذاجةً في اللغةِ التي تلائم العفافَ وتروقه، وهذه هي اللهجةُ الحقيقيةُ التي تَصُدُّ الولدَ عن الفضولِ الخَطِر، والولدُ إذا ما كُلِّم عن كلِّ شيءٍ ببساطةٍ لم يُترَكْ له ما يَتصوَّر معه بقاءَ شيءٍ لم يُحدَّث عنه، وإذا ما أُضيفت إلى الألفاظ الغليظة أفكارٌ غيرُ مستحبَّة ملائمةٌ لهم أُطفئت شعلة خيالهم الأُولى، وهو لا يُمنَع من النطق بهذه الكلمات ومن حيازة هذه الأفكار، ولكنه يُلقَّنُ من حيث لا يدري كراهةَ تذكُّرِها، وما أكثر الارتباك الذي يوفَّرُ على أولئك الذين يتكلمون عن فؤادٍ دائمًا فيقولون الصدقَ ويُعربون عنه كأنهم شاعرون به!

«وكيف يُصنَع الأولاد؟» هذا سؤالٌ مُحيِّرٌ يَعرِضُ للأولادِ طبيعة، وعلى الجوابِ عنه بطيشٍ أو برصانةٍ يتوقَّفُ أحيانًا أمرُ صحَّتِهم وأمرُ خُلُقِهم مدى حياتهم، وأقصرُ طريقٍ تتصوَّره الأمُّ للخلاصِ منه من غيرِ أن تُخادِعَ ابنَها هو أن تفرضَ السكوتَ عليه، ويكون هذا حسنًا إذا ما عُوِّد ذلك في المسائلِ التي لا أهميةَ لها، ولم يَرَ سِرًّا في هذه اللهجةِ الجديدة، ولكن من النادرِ أن تقفَ الأمُّ هُناك، فستقول له: «هذا سِرٌّ بين المتزوجين، ولا يجوزُ للأولادِ أن يكونوا ذوي فضولٍ بهذا المقدارِ مطلقًا.» أجلْ، إن هذه وسيلةٌ حسنةٌ لخلاصِ الأمِّ من الورطة، ولكن لِتعْلَمِ الأمُّ أن الولدَ إذ يُنخَز بهذا الزَّجْرِ لا يهدأُ له بالٌ قبلَ أن يَعْرِفَ سِرَّ المتزوجين، فلا يلبثُ أن يَعْرِفه.

وليُسْمَحْ لي بأن أذكرَ جوابًا مخالِفًا تمامًا لما سمعتُ عن ذاتِ السؤال، فكان له أثرٌ كبيرٌ في نفسي ما صدرَ عن امرأةٍ ذات اتضاعٍ في الكلامِ والأوضاع، ولكن مع معرفتِها عند الضرورةِ أن تنظرَ إلى خيرِ ابنِها وإلى الفضيلة، فتدوسَ كلَّ خوفٍ زائفٍ من اللومِ، وكلَّ كلامٍ فارغٍ يَصدُرُ عن الماجنين، ولمَّا يمضِ زمنٌ طويلٌ على وقتِ رمي الولد في البولِ حجرًا كان قد خَدَشَ إحليلَه، ولكن العارض زال ونُسي. ويسألُ الولدُ الطائشُ أمَّه: «كيف يُصنَع الأولادُ يا أُمَّاه؟» وتجيبُ الأمُّ بلا تَردُّد: «أيْ ولَدِي! إن النساءَ يَبُلْنَهُ بمشقَّةٍ قد تُودي بحياتهنَّ أحيانًا.» ودَعُوا المجانين يضحكون والأغبياءَ يغتاظون، ولكن دَعُوا الحكماءَ يبحثون لِيروا هل يجدون جوابًا أكثرَ صوابًا من هذا وأعظمَ إيصالًا إلى غاياته.

وفي البُداءةِ تُحَوِّل فكرةُ الاحتياج الطبيعي المعروفة لدى الولد فكرةَ الغموض فيه، وتُغطِّي أفكارُ الألمِ والموتِ اللاحقةُ تلك الفكرةَ بستارٍ من الغمِّ يُضعِفُ الخيالَ ويُردِعُ الفضول، وكلُّ شيءٍ يصرِف الذهن إلى نتائج الولادة لا إلى عللها، وتكون آفات الطبيعة البشرية والأمور الكريهة وأشكال الألم هي ما يُلقي هذا الجواب نورًا عليه إذا كان ما يُوحى به من اشمئزاز يسمحُ للولد بأن يسأل عنها، وبأية وسيلةٍ تكون لهم الرغائب فرصةُ الظهور بالأحاديث التي تُوجَّهُ هكذا؟ وتَرَوْن مع ذلك كَوْنَ الحقيقة لم تُحرَّف قَط، وأنه لم يُحتَج قَطُّ إلى مخادعة التلميذ بدلًا من تعليمه.

وأولادُكم يقرَءون، وهم ينالون بالقراءة معارفَ ما كان ليكسِبوها بلا قراءةٍ مُطلَقًا، وهم إذا ما دَرَسوا اشتعل خيالُهم وأُرهِفَ في صَمْتِ الغرفة، وهم إذا ما عاشوا بين النَّاس سَمعوا رطانةً غريبةً ورأَوا أمثلةً تقف أبصارهم، وذلك أنه بُلِغَ من إقناعهم بأنهم من الرجال ما يبحثون معه حالًا، في كلِّ شيءٍ يفعله الرجال أمامهم، كيف يُمكِنُ هذا أن يلائمهم، وذلك أنه يجِبُ أن تَصْلُحَ أعمال الآخرين نموذَجًا لهم حينما تَصْلُح أحكام الآخرين لهم قانونًا، ومن الخَدَم الذين يُجعَلون تابعين لهم؛ ومِنْ ثَمَّ يُعنون بأن يروقوهم، مَن يَزدَلِفون إليهم على حساب الأخلاق الحسنة، ومن المُرَبيات الضواحك مَن يُحدِّثْنهم وهم في الرابعة من سِنيهم، بأمورٍ لا يجرؤ أشدُّ النساء مُجُونًا أن يُحدِّثنَ بها مَن هم في الخامس عشر من عُمُرهم، ولسُرعان ما ينسين ما قُلنه، ولكنهم لا ينسون ما سَمِعوا، وتُعِدُّ الأحاديثُ الداعرةُ فاجرَ الأخلاق، والخادم الخبيث يَجعل الولد فاسقًا، ويَضمن سِرُّ أحدهما سِرَّ الآخر.

والولد الذي يُنشَّأُ وَفْقَ سِنه وحيد، وهو لا يَعْرِف غير روابط العادة، فيُحبُّ أخته كما يحب ساعته، ويحب صديقه كما يحب كلبه، وهو لا يشعر بجنس ولا نوع، ويكون الرجل والمرأة غريبين عنه على السواء، وهما لا يَقُصَّان عليه شيئًا مما يصنعان ولا مما يقولان، وهو لا يرى ذلك ولا يسمعه، وهو لا ينتبه إليه مطلقًا، وهو لا يبالي بكلامهما ولا بأمثلتهما، فجميع هذا لم يُصنَع من أجله قَط، وليس ما يُمنَحه بهذا المنهاج خطأً مصنوعًا، بل جهل الطبيعة، ويأتي الوقت الذي تُعنَى فيه عينُ الطبيعة بتنوير تلميذها، وهنالك فقط تجعله في حالٍ يستفيد معها بلا خَطَرٍ من الدروس التي تُلقيها عليه، والمبدأ هو ألَّا يكون تفصيلُ القواعد من موضوعي، وتنفع الوسائل التي أقترح نظرًا إلى الموضوعات الأخرى مثالًا لهذا أيضًا.

وإذا أردتم أن يكون النظام والقانون سائدين للأهواء الناشئة، فأطيلوا دَورَ نُموِّها، وذلك ليكون لديها من الوقت ما تتسق معه كلَّما بَرَزَت إلى الوجود، وهنالك لا يكون الإنسانُ هو الذي يُنظِّمُها، بل الطبيعة نفسُها. ولا يكون ما تُعْنَون به غيرَ ترْكِها تُنظِّم عملَها، وإذا ما كان تلميذُكم وحيدًا لم يجب عليكم أن تفعلوا شيئًا، ولكنَّ كلَّ ما يُحيطُ به يُلهِبُ خيالَه، ويجُرُّه سيلُ المُبْتَسَرات، ولا بُدَّ من دفعه إلى الجهة المعاكسة إمساكًا له، ويجب أن يُقيِّدَ الشعورُ الخيال، وأن يُسْكِتَ العقلُ رأيَ النَّاس، والحسَّاسيةُ مصدرُ جميع الأهواء، والخيالُ يُعَيِّنُ مَيْلَها، وكلُّ مخلوقٍ شاعرٍ بصِلاته يَجِبُ أن يرتبك عند اختلال هذه الصلات وعند تصوُّره، أو ظنِّه أنه يَتصَوَّرُ ما هو أكثرُ ملاءمةً لطبيعته، وأضاليلُ الخيال هي التي تُحوِّل إلى معايبَ أهواءَ جميع المخلوقات المحدودة، حتى الملائكة إذا ما كانوا ذوي أهواء؛ وذلك لأن من الواجب أن يَعْرِفوا طبيعة جميع الموجودات ليَعْرِفوا أيُّ الصلات أكثرُ ملاءمةً لهم.

وإليك إذن خلاصة الحكمة البشرية من حيث استعمالُ الأهواء:
  • (١)

    الشعور بصلات الإنسان الحقيقية في النوع وفي الفرد.

  • (٢)

    تنظيم جميع عواطف النفس وَفْقَ هذه الصلات.

ولكن هل الإنسان مسيطرٌ على تنظيم عواطفه وَفْقَ هذه الصلات أو تلك؟ لا ريب إذا كان سيد تنظيم خياله حول هذا الموضوع أو ذاك، أو حول منحه هذه العادة أو تلك، ثُمَّ إننا نكون هنا أقلَّ اكتراثًا لما يستطيع الإنسان أن يفعله في نفسه مما نقدِر على فعله في تلميذنا باختيار الأحوال التي نجعله فيها، ويَعني عرضُ الوسائل الخاصة بالبقاء ضمن نظام الطبيعة بيانًا كافيًا للوجه الذي يُمكِنُ الخروج به منه.

ولا يُوجدُ أدَبٌ لأفعاله ما بقيت حساسيته مقصورةً على شخصه، ومتى أخذت تمتدُّ إلى خارج نفسه فازت في البُداءة بالمشاعر وبمبادئ الخير والشرِّ التي تجعله حقًّا إنسانًا وجزءًا متمِّمًا لنوعه، فعلى هذه النقطة الأُولى يجبُ تثبيتُ ملاحظاتنا في بدءِ الأمر.

وهذه الملاحظات صعبةٌ من حيث إن إتيانها يتطلَّب طرح الأمثلة التي تكون تحت عيوننا، والبحث عن الأمثلة التي يتمُّ نموُّها المتعاقب وَفْقَ نظام الطبيعة.

وما كان الولدُ المُهذَّبُ المؤدبُ المتمدن، الذي لا ينتظر غيرَ القدرة على استعمال ما تلقَّاه من معارفَ بَكُور، ليُخدَعَ مطلقًا حول الوقت الذي تأتي فيه هذه القدرة بغتة. ومن البعيد أن ينتظر هذا الولد ذلك الوقت؛ فهو يعجِّله، وهو يُثير دمه قبل الأوان، وهو يَعْرِف ما يَجِبُ أن يكون موضوع رغائبه، حتى قبل أن يُحِسَّها بزمنٍ طويلٍ. وليست الطبيعة هي التي تُحرِّكها، وإنما هو الذي يُكرِهُها، وهي إذ تجعله رجلًا لم يبقَ لديها ما تُعلِّمُه إياه، وهو قد كان بالفكر رجلًا قبل أن يكونه فعلًا بزمنٍ طويلٍ.

ويكون سيرُ الطبيعة الحقيقيُّ أعظم تدرُّجًا وأشد بطؤًا، ويشتعل الدم مقدارًا فمقدارًا، وتنضج النفوس، ويتكون المِزاج، ويُعنَى العامل العاقل الذي يُدير المصنع بإتقان جميع آلاته قبل استعمالها، ويتقدم المُنى الأُولى همٌّ طويل، وتُخادَع بجهلٍ طويل، ويُرغَب من غير أن يُعرَف فيم يُرغب، ويفور الدم ويثور، ويحاول فيضٌ من الحياة أن يمتدَّ إلى الخارج، وتستحِرُّ العين وتجوب المخلوقاتِ الأخرى، ونبدأ بالاكتراث لمن يحيطون بنا، ونأخذ في الشعور وبأننا لم نُخلَق لنعيش وحدَنا، وهكذا فإن الفؤاد يتفتَّح للعواطف الإنسانية ويُصبح أهلًا للحب.

والصداقة — لا الحُبُّ — هي الشعور الأوَّل في الشابِّ الذي يُعنى بتنشئته، وأوَّل عملٍ لخياله الناشئ هو تعليمه وجود أمثالٍ له، والنوع يؤثِّر فيه قبل الجنس، وإليك إذن فائدةً أخرى للطُّهر المُطال، وذلك أن يُستفاد من الحساسية الناشئة لتُلقى في قلب المراهق بذور الإنسانية الأُولى، وهذه الفائدة هي أعظم ما يكون؛ وذلك لأن ذاك هو زمنُ حياته الوحيد الذي يُمكِن أن يُكتَبَ النجاحُ الحقيقيُّ فيه لتلك الجهود.

وقد رأيت دائمًا أنَّ الشُّبَّان الفاسدين باكرًا والمنهمكين في الدعارة والنساء، كانوا قُساةً جافين، وكان هياج المِزاج يجعلهم فاقدي الصبر محبين للانتقام غِضابًا، وكان خيالهم المملوء شيئًا واحدًا يرفِضُ كلَّ شيء ما خلا هذا الشيء، وكانوا لا يَعْرِفون رأفةً ولا رحمة، وكانوا مستعدين للتضحيةِ بالأبِ والأمِّ وبجميعِ النَّاسِ في سبيلِ أقلِّ ملاذِّهم. وعلى العكس، ترى الشَّاب النَّاشئ في بساطةٍ سعيدةٍ محمولًا بحركات الطبيعة الأُولى نحو رقيق الأهواء وودودها، ويتحرَّك فؤاده الحنون عند كروب أمثاله، ويهتزُّ سرورًا عند استقبال رفيقه، وتعرف ذراعاه أن تجدا عناقًا رقيقًا، وتعرف عيناه أن تذرفا دموعَ حنان، وهو يعلم أن يأسف على إساءته الآخرين بخجله من كَدَرٍ أوجبه، وإذا كانت حرارة الدم التي تشتعل تجعله نشيطًا نَزِقًا غضوبًا، فإنه يُبصِرُ بعد حين تجلِّي رقة قلبه الطبيعية في حماسة توبته، وهو يبكي ويئنُّ عن جَرْحٍ أوجبه، وهو يودُّ لو يفتدي بدمه ما سكب من دَم، ويهدأ فائرُه ويَتَّضِع تجبُّرُه أمامَ شعوره بخطئه، وإذا ما أُسيء إليه، وكان في سورة حدَّته، سكن عنه الغضب باعتذارٍ أو بكلمة، وهو يعفو عن سيئات الآخرين بسلامة القلب التي يُصلح بها سيئاته، وليست المراهقةُ سِنَّ الانتقامِ ولا سِنَّ الحقد، بل سِنُّ الرحمةِ والشفقةِ والكرم. أجل، إنني أدَّعي، ولا أخاف أن تُكذِّبني التَّجربة، بأنَّ الولد الحسن المنبت والذي يحافظ على طُهره حتى العشرين من عُمُره يكون في هذا السِّن أكرم النَّاس وأصلحهم، وأشدهم حُبًّا إليهم وأقربَهم مودَّةً إلى قلوبهم، ولم تُحدَّثوا بمثل هذا قَط، وهذا الذي أعتقد جيِّدًا، وهذا ما غَفَلَ عن معرفته فلاسفتكم الذين نُشِّئوا على ما في المدارس من فساد.

وضعف الإنسان هو الذي يجعله أنيسًا، وأبْؤُسُنا المشتركة هي التي تحمل أفئدتنا إلى الإنسانية، ولو لم نكُن أناسًا ما كُنَّا مدينين للإنسانية بشيء، وكلُّ عطفٍ دليلٌ على نقصاننا، ولو لم يكُن كلُّ واحدٍ مِنَّا محتاجًا إلى الآخرين بشيءٍ ما عَنَّ له أن يتَّحِدَ بهم، وهكذا، فإن سعادتنا الواهنة تنشأ عن نقصنا، ويكون الموجود السعيد حقًّا موجودًا معتزلًا، والله وحدَه هو الذي يَنعم بسعادةٍ مطلقة، ولكن مَن ذا الذي يخطُر بباله معنى هذا؟ وإذا ما استطاع الموجود النَّاقص أن يكفي نفسه بنفسه، فبِمَ يتمتَّع على ما نرى؟ هو يكون وحيدًا، هو يكون بائسًا، ومما لا أتصوره قدرةُ الذي لا يحتاج إلى شيء على حُبِّ شيءٍ ما، ولا أتصور قدرةَ مَن لا يُحِبُّ شيئًا أن يكون سعيدًا.

ومِنْ ثَمَّ يكون ارتباطنا في أمثالنا بحِسِّ ملاذِّهم أقلَّ مما بحسِّ أحزانهم؛ وذلك لأننا نكون هنالك أحسن تمييزًا لوحدة طبيعتنا ولضمانات حُبِّهم لنا، وإذا كانت احتياجاتنا المشتركة تُوحِّدُ بيننا عن مصلحة، فإنَّ أبؤُسنا المشتركة تُوحِّدُ بيننا عن محبة، وذلك أن منظر الرجل السعيد يوحي بالحسد أكثرَ مما بالحُب، وأنه يُتَّهَمُ طوعًا بسلْبه حقًّا ليس له بجعْله نفسَه سعيدًا حَصْرًا، وذلك إلى أن أنانيَّتنا تتأذَّى إذ تُشعرُنا بأن ذاك الرجلَ غير محتاجٍ إلينا قطعًا، ولكن مَن ذا الذي لا يتوجَّع للتَّعِس الذي يرى ألمه؟ ومَن ذا الذي لا يريد إنقاذه من ويلاته ولو بالتمني؟ فالخيال يضعنا في مكان البائس أكثر من وضعه إيانا في مكان الرجل السعيد، فنشعُر بأن إحدى هاتَين الحالين تَمسُّنا عن كَثَبٍ أكثر من الأخرى، وتنطوي الشفقة على حلاوة، وذلك أننا إذ نجعل أنفسنا في مكان الذي يألم نشعر مع ذلك بلذَّة عدم الألم مثله، والحسدُ أليم، وذلك أن منظر الرجل السعيد إذ يبعُد من جعْله الحاسد في مكانه يورثُ أسف عدم كونه إياه، ويظهَرُ أن أحدهما يُعفينا من الآلام التي يقاسيها، وأن الآخر ينزِع مِنَّا النِّعم التي يتمتع بها.

وإذا ما أردتم إذن أن تُثيروا في فؤاد الفتى أُولى حركات الحس الناشئة وتغذُّوها، وأن تُحوِّلوا سجيته نحو الخير والصلاح، فلا تبذروا فيه الكبرياء والزهو والحسد بصورةٍ خادعةٍ عن سعادة النَّاس، ولا تَعرضوا على عينيه في البُداءة أُبَّهة البلاطات وبذخ القصور وجذب المجالي، ولا تطلبوا له النزهة في الأندية ولا في المجالس البرَّاقة، ولا تُرُوه ظاهِرَ المجتمع الكبير إلا بعد أن تجعلوه في حالٍ يستطيع معها أن يُقدِّره بنفسه، ولا يؤدي إطلاعُه على العالم قبل أن يَعْرِفَ الرجال إلى تكوينه، بل إلى إفساده، ولا ينطوي على تعليمه، بل على إغوائه.

ومن الطبيعيِّ ألَّا يكون النَّاس ملوكًا ولا كبراء ولا بطائن ولا أغنياء، فالجميع يُولَدون عُراةً فقراء، والجميع عُرْضةٌ لأبؤُس الحياة، وللكروب والآلام والحاجات والأوجاع من كلِّ نوع، وأخيرًا يُقضى على الجميع بالموت، وهذا هو الحقُّ عن الإنسان، وهذا الذي لا ينجو منه إنسان، ومن طبيعة الإنسان ابدءوا إذن بدراسة ما لا ينفصل، وهذا هو أفضل ما تتألف الإنسانية منه.

والمراهقُ في السادسة عشرة من سنيه يَعْرِف ما الألم؛ وذلك لأنَّه ألِمَ بنفسه، ولكنه لا يكادُ يَعْرِف أنَّ الخلائقَ الآخرين يألمون أيضًا، وليست الرؤية بلا حسٍّ معرفة، والولدُ — كما قلتُ مائة مرة — إذ لا يتصوَّر ما يُحِسُّه الآخرون لا يَعْرِف غيرَ كُروب نفسه، ولكن إذا ما أشعل أوَّلُ نموٍّ في حواسِّه نارَ الخيالِ بدأ يُحِسُّ نفسَه في أمثاله، ويضطرب من أوصابهم ويألم من آلامهم، وهنالك يجبُ أن تَحمل صورةُ الإنسانية المكروبةُ إلى قلبه أوَّلَ ما يُحِسُّ من حنان.

وإذا كان من غيرِ السهلِ أن تُلاحِظوا تلك الحالَ في أولادِكم، فمَن تَلومون على ذلك؟ أنتم تُعلِّمونهم هَزَّ الإحساسِ باكرًا، وأنتم تُعلِّمونهم لغتَهم حالًا، وأنتم إذ تُكلِّمونهم بذات اللهجةِ دائمًا تجدونهم يُحوِّلون دروسَكم ضِدَّكم، فلا يتركون لكم أيةَ وسيلةٍ تَميزون بها وقتَ انقطاعِهم عن الكَذِبِ من شعورِهم بما يقولون، ولكن لِننظرْ إلى إميلَ في السِّنِّ التي سُقته إليها حيث لا يَشعر ولا يَكْذِب؛ فهو لا يقول لأحد: «أُحبُّكَ جيِّدًا» قبل أن يَعْرِف ما الحُب، وهو لا يَعْرِفُ أيُّ هيئةٍ يجب أن يتخِذَ حين دخولِه غرفةَ أبيه أو أمِّه أو مُعلِّمه المريض، وهو لا يُطْلَعُ على فنِّ إظهار حُزْنٍ لا يكون عنده، وهو لا يُظهِرُ بكاءً لموت أحد؛ وذلك لأنه لا يَعْرِف ما الموت، وترى ذاتَ عدم الإحساس الذي في فؤاده باديًا في أوضاعه، وهو إذ لا يكترث لشيءٍ خارج نفسه كبقية الأولاد، فإنه لا يلتفت إلى أحد، ويقوم كلُّ ما يَميزُه على رغبته عن الظهور مباليًا بأحد، وعلى كوْنه دون الآخرين خِداعًا.

وبما أن إميلَ قليلُ التفكير حول المخلوقات الحسَّاسة، فإنه لا يدري ما الألم ولا الموت إلا متأخِّرًا، ويأخذ العويل والصراخ في تحريك أحشائه، ويؤدِّي منظر الدم المسفوك إلى تحويل عينيه، وتُورثه تشنُّجات الحيوان المُشرف على الموت ألمًا نفسيًّا، ما أقول، قبل أن يَعْرِف مصدرَ هذه الحركات الجديدة، ولو بقيَ غبيًّا جافيًا ما عَرضتْ له، ولو كان متعلِّمًا لعرف أصلها؛ فهو قد أكثر من المقابلة بين الأفكار ما يُحِسُّ معها، ولكن ليس بما فيه الكفاية حتى يَعْرِفَ ما يُحِس.

وهكذا تُولَد الشفقة، يولَدُ هذا الشعور النسبي الذي يَمسُّ القلبَ البشريَّ وَفْقَ نظام الطبيعة، ويجب ليصير الولد حسَّاسًا رءوفًا أن يَعْرِف وجود أناسٍ مماثلين له يألمون كما يألم ويُحسُّون ما يُحِسُّ من الآلام، ووجود آخرين يجب أن تكون له فِكْرَةٌ عنهم كأناسٍ يستطيع الشعور بهم أيضًا، والواقع كيف نَدَع أنفسنا تتحرك بالشفقة إذا لم ننتقل خارج أنفسنا، ونتحد بالحيوان الذي يألم تاركين وجودنا يتناول وجوده؟ فنحن لا نألم إلا بحُكمِنا أنه يألم، ونحن نألم ضِمنَه، لا في أنفسنا، وهكذا لا يصير أحدٌ حَسَّاسًا إلا عند تحرُّك خياله وأخذه في الانتقال خارج نفسه.

وما علينا أن نصنع إذن لتحريك تلك الحاسِّية الناشئة وتغذيتها وتوجيهها أو اتِّباعها في ميولها الطبيعية إذا لم يَكُن تقديمُنا إلى الفتى أمورًا يُمكِنُ أن تؤثِّر في قوة فؤاده التوسُّعيَّة، فتُمَدِّده وتَبسُطه على موجوداتٍ أخرى وتجعله خارج نفسه، وإذا لم يكُن إبعادُنا منه بعنايةٍ أمورًا تُضيِّقه وتجمعه في مركزٍ واحد، وتَشُدُّ نابضَ الذات البشرية، وإن شئتَ فقُل: إثارتنا فيه الصلاح والإنسانية والرحمة، وحبَّ الخير، وجميعَ الأهواء الجذابة الحلوة التي تروق النَّاس بحكم الطبيعة، والتي تَحول دون ظهور الحسد والطمع والحقد وجميع الأهواء الكريهة الجافية؛ أي هذه الأهواء التي تجعلُ الحسَّاسية سلبيةً فضلًا عن كونها لاغية، وتورث مَن يُبتلى بها كرْبًا؟

وأرى أنه يُمكنني تلخيص جميع التأملات السابقة في مبدأين أو ثلاثة مبادئ صريحة واضحة يسهُل إدراكُها.

المبدأ الأوَّل

ليس من مقتضى القلب البشريِّ أن نضعَ أنفسنا في مكانِ مَنْ هم أسعدُ مِنَّا، وإنَّما تقضي الطبيعة البشرية بأن نجعل أنفسنا في محلِّ مَن يَستدعون رحمتنا.

وإذا ما وُجِدت استثناءاتٌ لهذا المبدأ كانت في الظاهر أكثرَ مما في الحقيقة، ومن ذلك أننا إذا ما وضعنا أنفسنا في مكانِ الغنيِّ أو العظيمِ الذي نَلزَمُه لم ننتحلْ غيرَ جزءٍ من نعيمه، ولو كُنَّا صادقين في ملازمته، وهو يُحَبُّ في مصائبه أحيانًا، ولكنه إذا ما أيسَرَ لم يكن له في أثناء يُسره صديقٌ حقيقيٌّ غيرُ مَن لم تَغرَّه الظواهرُ ومَن يَرْثي له أكثرَ من أن يحسُده على الرَّغم من يُسْرِه.

ومما يُؤثِّر في النَّفس ما يكتنف بعضَ الأحوال من سعادة، كالحياة الريفيَّة والرِّعائية مثلًا، ولا يُسمِّم الحسدُ مطلقًا فتونَ مشاهدةِ هؤلاء النَّاس السعداء الصالحين الذين يُلتفت إليهم حقًّا، ولِمَ هذا؟ ذلك لأن الإنسان يَشعر بقدرتِه على الهبوط إلى هذه الحال من الهدوء وسلامة الطويَّة، وعلى التمتُّع بعينِ السعادة، وذاك بلاءٌ لا يَمنح غيرَ أفكارٍ مُستحبَّة ما دامت إرادةُ التمتُّع بها تكفي للقدرة عليه، ومما تطيب به النفس دائمًا أن ترى مواردها وأن تُنعم النظرَ في مالها الخاص، حتى عند عدم الرغبة في الانتفاع به.

ومِنْ ثَمَّ ترى أن حمْلَ الفتى على الإنسانية يستلزم إطلاعَه عليها من النواحي الكئيبة، وجعْله يخشاها مع البعد من جعْلِه يُعجَب بنصيب الآخرين الباهر، وهكذا فإن من النتائج الواضحة وجوبَ شقِّه طريقًا إلى السعادة غيرَ مُقتَفٍ آثارَ أحدٍ.

المبدأ الثاني

لا نَألم في الآخرين لغيرِ البلايا التي لا نعتقد إعفاءنا منها؛ «وذلك لأنَّنِي بلوتُ الشَّقاءَ الذي أعْرِف ورودَه بمساعدة التُّعساء.»

ولا أعْرِف ما يَعدِل هذا القولَ روعةً وعمقًا وتأثيرًا.

ولِمَ يكون الملوكُ خالين من الرحمة نحوَ رعاياهم؟ ذلك لأنهم لا يتوقَّعون أن يكونوا من النَّاس، ولِمَ يكون الأغنياءُ بالغي القسوة تجاه الفقراء؟ ذلك لأنهم لا يخشوْن أن يُصبِحوا من الفقراء، ولِمَ يكون الأشرافُ كثيري الازدراء للعوام؟ ذلك لأن الشريف لن يكون عاميًّا، ولِمَ يكون التُّرك أكثرَ مِنَّا رِفقًا وقِرًى على العموم؟ ذلك لأن عظمة الأفراد وثروتهم في حكومتهم المُرادية تمامًا؛ إذ تكونان زائلتَين مذبذبتَين دائمًا، فإنهم لا يَعُدُّون الخفضَ والبؤسَ غريبَيْن عنهم٣ مطلقًا، فيُمكِن كلَّ واحدٍ أن يُصبِح في الغدِ ممن يَتصدَّق عليهم اليوم، فهذا التأمُّل المُكرَّرُ كثيرًا في القصص الشرقية يُنعِم عليهم برقةٍ لا توجد في أدبنا الجاف.

ولذا لا تُعوِّدوا تلميذَكم أن ينظُرَ من أعلى مجدِه إلى كُرُوب التعساء وأعمال البائسين، ولا تأمُلوا تعليمَه أن يتوجَّع لهم إذا ما عدَّهم غرباءَ عنه، واجعلوه يُدرِك أن مصيره قد يكون مثلَ مصير هؤلاء المكروبين، وأن جميعَ بلاياهم تحته، فيُمكن ألفَ حادثةٍ مفاجئةٍ محتومةٍ أن تجعلَه يَغطِس فيها بين حينٍ وحين، وعلِّموه عدمَ الاعتمادِ على النَّسَب وعلى الصحة والنَّشَب، وأطْلِعوه على تقلُّبات الطالع، وابحثوا له عن أمثلةٍ كثيرةِ الوقوعِ دائمًا حولَ النَّاسِ من أصلٍ أرفعَ من أصلِه سقطوا في حالٍ تحت حال أولئك المنكودي الحظ، وليس من موضوعنا الآن أن نُبيِّن كونَ ذلك نتيجةَ خطأ اقترفوه أو لا، وإنما نقول: هل يَعْرِفُ ما الخطأ؟ ولا تَجوروا على نظام معارفه مطلقًا، ولا تُنيروه بغيرِ بصائرَ تكون في متناوَله؛ فهو لا يحتاج أن يكون بالغ العلم حتى يشعرَ بأن فِطنة الإنسان بكاملها لا تستطيع أن تجيبه بأنه سيكون حيًّا أو ميِّتًا في ساعة واحدة، وأن آلام الكُلى الحادة لا تجعله يَصْرُف بأسنانه قبل الليل مطلقًا، وأنه سيكون غنيًّا أو فقيرًا قبل مرور شهر واحد، وأن من المحتملِ ألَّا يُجَدِّف تحت السَّوْط، وقبل مرور عام، في سُفُن الجزائر، ومن أخصِّ ما يكون ألَّا تقولوا له جميعَ هذا بمثلِ بُرُودة كتابِه الديني، وليُبصِر، وليُحِسَّ مصائبَ الإنسان، وهُزُّوا خياله، وألقُوا الرُّعب في هذا الخيالِ من الأخطار التي تُحيطُ بكلِّ إنسانٍ على الدوام، وليَرَ جميعَ هذه المهاوي حَولَه، ولْتَصِفُوها له حتى يبادر إلى التعلُّق بكم خشيةَ السقوطِ فيها، وستقولون إننا نجعله وجِلًا جبانًا، وسنرى فيما بعد، ولكن لنبدأ الآن بجعله إنسانيًّا، وهذا هو الذي يهمُّنا.

المبدأ الثالث

لا يُقاسُ ما نُحِسُّ من شفقةٍ حول بلاء الآخرين بمقدار هذا البلاء، بل بالشعور الذي نُعيره ممن يألمون به.

لا يُتَوجَّعُ لتَعِسٍ إلا بمقدار ما نرى من احتياجه إلى التوجُّع له، وما يكون من إحساسٍ بدنيٍّ بآلامنا أضيقُ حدًّا مما يَلوح، ولكنها تَحْمِلُنا بالتوجُّع لها حقًّا بالذاكرة التي تجعلنا نُحِسُّ دوامها، وبالخيال الذي يُمِدُّ مَداها إلى المستقبل، وهذا كما أرى من الأسباب التي تجعلنا أشدَّ قسوةً تجاه آلام الحيوان مما تجاه آلام الإنسان، وإن كان من شأن الحسَّاسية المشتركة أن تجعلنا متحدين بالحيوان جوهرًا، وما كان ليُتوجَّع لحصانِ حُوذيٍّ في إصْطَبْله مطلقًا؛ وذلك لأنه لا يُفتَرَض أنه يُفكِّر وهو يأكل علفَه في الضَّرَبات التي تلقَّاها وفيما ينتظره من تعب، وكذلك ما كان ليُتوجَّع لضائنٍ يُرى وهو يَرعى، وإن كان يُعرَفُ أنه سيُذبَح عما قليل؛ وذلك لأنه لا يُحكَمُ في أنه لا يُبصِرُ مصيره، وإذا ما توسَّعنا في الأمر وجدْنا ذات القسوة تجاه نصيب الآدميين؛ فالأغنياء يتعزَّوْن عما يُورثون الفقراءَ من ألَمٍ بافتراضهم هؤلاء الفقراءَ أغبياءَ لا يَشعرون بذلك، وعلى العموم أحكُمُ بالقيمة التي يَضَعُ كلُّ واحدٍ في مقابل سعادة أمثاله بالحال التي يلوح أنه يتمثَّلها عنهم، ومن الطبيعي أن تُعَدَّ رخيصةً سعادةُ مَنْ يُزْدَرَوْن، ولا تَعجبوا إذن من حديث السياسيين عن الشعب بازدراءٍ كبير، ومن كونِ مُعظَمِ الفلاسفة يُظهِرُ الإنسانَ خبيثًا جِدًّا.

والشعبُ هو الذي يؤلِّفُ النوعَ البشري، ومَن ليسوا من الشعب هم من القلة ما لا يستحقون معه أن يُحصَوْا، والإنسانُ هو هو في جميع المنازل، وإذا كان الأمر هكذا، فإن أكثرَ الطبقات أُناسًا هي أكثرُ ما يستحقُّ الاعتبار، وتَزول جميعُ الفروق أمام المفكِّر؛ فهو يَرى عينَ الأهواء وعينَ المشاعر في الجِلْف والرجل المشهور، وهو لا يَميزُ فيهما غيرَ لغتهما؛ أي غيرَ تكلُّفٍ خفيفٍ في لهجتهما، وإذا ما وُجِدَ اختلافٌ جوهريٌّ يُفَرِّقُ بينهما كان هذا على حساب أكثرِهما رِئاء، أجلْ، إن الشعب يبدو كما هو، وهو ليس محبوبًا، ولكن لا بُدَّ لمن هم على المُوضَة من التنكُّر، فلو بَدَوْا كما هم لاستُقبِحُوا.

ويقول حكماؤنا بوجودِ عينِ المقدارِ من السَّعادةِ والكَرْبِ في جميع الطبقات، وهذا المبدأ هو من الشؤم بمقدار ما يتعذَّرُ إثباتُه؛ وذلك لأنَّ الجميع إذا كانوا متساوين سعادةً فما احتياجي إلى إزعاجِ نفسي من أجلِ أيٍّ كان؟ ولْيبقَ كلٌّ كما هو عليه، وليُعامَلِ العبدُ بسوء، ولْيألَمِ العَليل، وليَهلِكِ الصُّعْلُوك، ولا يوجَدُ ما يَكسِبون من تغيير حالهم، وهم يَعُدُّون آلامَ الغني، ويُثبِتون بُطلان ملاذِّه الفارغة، فيا للسفْسَطة الغليظة! إن آلامَ الغنيِّ لا تأتيه من حاله، ولكن من نفسه التي يُسيءُ استعمالها، وهو إذا كان أكثرَ تَعَسًا من الفقير فليس له أن يتوجَّع ما دامت جميعُ آلامِه من صُنْع نفسه، وما دام أمرُ سعادته يتوقَّف عليه، غيرَ أن ألمَ البائسِ يأتيه من الأشياء، يأتيه من قسوة النصيب الشديد الوطأة عليه، ولا تُوجَدُ عادةٌ قادرةٌ أن تَنزِع منه حِسَّ التعبِ البدنيِّ والضَّنَى والجوع، وما كانت سلامةُ القلب ولا الحكمة لِتَنْفَعَ في نجاته من بلايا حاله، وما رِبْحُ إبِكْتِت من عِلْمه مُقدَّمًا بأن مولاه سيَكْسِرُ ساقَه؟ كان يساورُه ألَمُ إدراكِ الأمرِ قبْلَ وقوعه فضلًا عن ألمه، ومتى صار الشعبُ من الرَّصانة بمقدار ما نفترض له من البلاهة فما يستطيع أن يَكونَ على خلاف ما هو عليه؟ وما يستطيع أن يَصْنَعَ غيرَ ما يَصنع؟ ادرُسُوا أبناءَ هذه الطبقة تَجِدوا، مع اختلافٍ في الكلام، أنها ذاتُ ذهنٍ مِثْلِ ذهنِكم وأنها أكثرُ منكم حُسْنَ ذَوْق، وأكرِموا نوعَكم إذن، وقدِّروا أنه مؤلَّفٌ من مجموعة شعوبٍ جوهرًا، وأنه إذا ما نُزِع منها جميعُ الملوك والفلاسفة فإنهم لا يكادون يَبدُون، وإن الأمور لا تسير إلى أسوأ مما هي عليه، والخلاصةُ هي أن تُعلِّموا تلميذَكم حُبَّ جميع النَّاس، حتى الذين يزدرونهم، وتصرَّفوا تصرُّفًا لا يكون معه مكانٌ له في أية طبقةٍ كانت، ولكن مع وجوده فيها جميعًا، وتكلَّموا أمامه برِقَّةٍ عن الجنس البشري؛ فالإنسانُ لا يَشينُ الإنسان مطلقًا.

فبهذه الطريق وما ماثلها من الطرق، المخالفة التي شُقَّتْ، يُستحسَنُ أن يُنفَذَ في فؤاد المراهق لإثارة أُولى حركاتِ الطبيعة فيه، وإنمائه ومَدِّه إلى نظائره، وإلى هذا أُضيف قولي إن من المهمِّ أن يُخلَطَ بهذه الحركات أقلُّ ما يُمكِن من المصالح الشخصية، ولا سيَّما الزَّهْوُ والمنافسة وتلك المشاعر التي تَحْمِلُنا على قياس نفسنا بالآخرين؛ وذلك لأن هذه المقايسات لا تتمُّ من غير حقدٍ ما على الذين ينازعوننا الأفضلية، ولو من حيث تقديرُنا الخاص، وهنالك لا بُدَّ من التعامي أو التنمُّر، والخُبثِ أو البَلَه، فلنَجْتَهدْ في اجتناب هذا التناوب، وسيُقال لي إنَّ هذه الأهواءَ البالغةَ الخطر ستُولَدُ عاجلًا أو آجلًا، ولا أُنكر هذا؛ فلكلِّ شيءٍ زمانه ومكانه، وإنَّما أقول إنَّه لا ينبغي أن تُساعَدَ على الظهور.

وهذا هو روح المنهاج الذي يجب فَرْضُه، ولا فائدةَ من الأمثلة والتفاصيل هنا؛ وذلك لأنه يَبْدَأ هنا ما لا يُحصَى من تقسيم الأخلاق، فلا يطابقُ المَثَلُ الذي أُورِد غيرَ واحدٍ من مائة ألفٍ على ما يُحتمل، وفي تلك السِّنِّ أيضًا تَبدأُ في المُعلِّم الماهرِ وظيفةُ الرقيب الفيلسوف الذي يَعرِف فَنِّ سَبْرِ القلوب بالعمل في تكوينها. وبَينا لا يُفكِّر الفتى في التنكُّر الذي لم يُدْرِكْه بَعْدُ يُرَى في ملامحه وعينيه وحركته ما تَلَقَّى من انطباعٍ عن كلِّ موضوعٍ يُعْرَض عليه؛ أي إنه يُقْرَأ على وجهه جميعُ حركات روحه، فإذا ما رُصِدَت هذه الحركات انتُهيَ إلى البصر بها ثُمَّ إلى توجيهها.

ومما يُلاحَظُ على العموم كَوْنُ الدمِ والجروحِ والصُّراخِ والأنينِ وجهازِ الأعمال المؤلمة وكلِّ ما يَحْملُ إلى الحواسِّ موادَّ المِحَن أمورًا سريعةَ التأثير في جميع النَّاس إجمالًا، وبما أنَّ فكرةَ الهدم أكثرُ تركيبًا، فإنَّها دون ذلك تأثيرًا، ومن ذلك أن صورة الموت تؤثِّر تأثيرًا متأخِّرًا وأكثرَ ضعفًا؛ وذلك لأنه لا أحد يَعْرِف ما الموتُ عن تجرِبة، فلا بُدَّ من رؤية الجُثَثِ حتى يُشعَرَ بشدائد المُحتَضَرين، ولكن هذه الصورة إذا ما تكوَّنت في ذهننا مَرَّةً لم يُوجَدْ ما هو أفظعُ من هذا المنظر في أعيننا، وذلك بسببِ فكرةِ الهدمِ الشاملِ التي تثيرُها بواسطة الحواس، أو لأن الإنسان يعلم أن هذه الساعةَ تأتي جميع النَّاس حتمًا فيكونُ بالغَ التأثُّرِ من حالٍ يَعتَقِدُ عجزَه عن الإفلات منها.

أجَل، إنَّ لهذه الانطباعات المختلفة تحوُّلاتِها ودرجاتِها التي تتوقَّف على طَبْع كلِّ فردٍ وعلى سابق عاداته، غيرَ أنَّها عامَّةٌ ولا يُستثنى منها أحدٌ تمامًا، ومنها ما يأتي متأخِّرًا ويكون أقلَّ عمومًا فيلائم النفوس الحسَّاسة، وتكون تلك الانطباعات نتيجة كُرُوبٍ أدبيةٍ وآلامٍ باطنيةٍ وأحزانٍ وذبولٍ وغَم، ومن النَّاس مَن لم يُحرَّكوا بغير الصُّراخ والبكاء، وما كان الأنينُ الطويلُ الأصمُّ الصادرُ عن فؤادٍ مُنقبضٍ ضِيقًا لِينزِعَ منهم تأوُّهًا، وما كان منظرُ موعوكٍ ووجهٍ شاحبٍ مُرصَّصٍ وعينٍ مُنطفئةٍ عاجزةٍ عن البكاء ليُبكيهم؛ فآلام النفس ليست شيئًا بالنسبة إليهم، وهم يَزِنُونها، ولا تَشعُر نفسُهم بشيءٍ منها، ولا تنتظروا منهم غيرَ صلابة لا تنثني وغيرَ قسوةٍ وغِلظةٍ. ومن الممكن أن يكونوا أعِفَّاءَ منصفين، لا رُحماء كرماء شفِقِين، وأقول إنَّ من الممكن أن يكونوا منصفين إذا كان الإنسان قادرًا أن يكون منصفًا من غير أن يكون راحمًا.

ولكن لا تبادروا إلى الحكم في الفتيان وَفْقَ هذه القاعدة، ولا سيَّما الذين نُشِّئوا كما ينبغي أن يكونوا؛ فليس لديهم أية فكرة عن الآلام الأدبية التي لم يُحمَلوا على اختبارها مطلقًا؛ ولأنَّهم كما أقولُ مُكرِّرًا لا يستطيعون أن يتوجَّعوا لغيرِ ما يَعرِفون من آلام، ولأن هذه اللاحسَّاسية الظاهرة التي لا تأتي من غير الجهل لا تلبثُ أن تتحوَّل إلى رِقَّةٍ عندما يأخذون في الشعور بوجود ألفِ ألمٍ في الحياة البشرية لا يَعْرِفونه. وأمَّا إميل، فإذا كان ذا بساطةٍ وسلامةِ ذوقٍ في صِباه، فإنني أعتقد أنه سيكون ذا مُهجةٍ وحساسيةٍ في شبابه، فصدقُ الأحاسيس يتعلَّق بسَداد الأفكار كثيرًا، ولكن لِمَ نَذْكرُه هنا؟ يوجد أكثرُ من قارئ سيلومني لا ريب على نسيان أحكامي الأُولى والسعادة الدائمة التي وعدتُ تلميذي بها، تُعساء، مُحتضَرون، مناظرُ ألمٍ وبؤسٍ! أيُّ سعادة! يا لَتمتُّع فؤادٍ فتيٍّ أصبح على باب الحياة! إن مُعلِّمه الحزينَ الذي أعدَّ له تربيةً بالغةَ الحلاوة لم يُوجده لغير الألم، وإليك ما يُقال: وما يهمُّني؟ لقد وعدت بأن أجعله سعيدًا، لا أن أجعله سعيدًا ظاهرًا، وهل من ذنبي أن تُخدَعوا بالظاهر دائمًا فتَعُدُّوه حقيقة؟

ولْنتأوَّلْ فتيَيْن أتمَّا تربيتَهما الأُولى، ودخلا العالَم من بابَين متقابلَين على خطٍّ مستقيم، فصَعِدَ أحدُهما فوق الأُلِنْبيا بغتةً وظهر في أسطعِ مجتمع، ويُؤتى به إلى البلاط لدى العظماء والأغنياء والحِسان، وأفترضه عيَّد في كل مكان، ولا أفحص فعْل هذا القبولِ في عقله، وإنما أقدِّرُ مقاومتَه له، وتطِير الملاذُّ أمامه، وتلهيه كلَّ يوم أمورٌ جديدة، وينهمك فيها جميعًا برغبةٍ تُغويكم، وأنتم ترونه منتبهًا مبادرًا ذا فضول، ويقف نظرَكم دَهَشُه الأوَّل، وتَعُدُّونه راضيًا، وإذا ما نظرتم إلى حاله النفسية اعتقدتم أنه يتمتَّع، وأمَّا أنا فأعتقد أنه يتوجَّع.

وما الشيء الأوَّل الذي يَرى حينما يفتح عينيه؟ يرى كلَّ نوعٍ من المُتَع التي كان لا يَعرِف، والتي لا يكون معظمُها في متناوله غيرَ هُنَيْهَة، فلا يلوح أنها تظهر له إلا لِتورثه حسرةً على أنه حُرِمَها، وإذا ما طاف في قَصْرٍ وجدتم مع اضطرابِ فضولِه أنه يسأل في نفسه عن السبب في كون منزله الأبوي من غير هذا الطراز، وتُنبئكم جميعُ أسئلته بأنه يقابل بين نفسه وبين ربِّ هذا المنزل، فيكون كلُّ ما يجدُ من إذلالٍ له بهذه المقارنة مُرهِفًا لزهوه بإثارته، وإذا ما لَقِيَ فتًى أحسنَ لِباسًا منه أبصرْتَه يُهَمْهِمُ سرًّا ضدَّ بُخْل والديه، وإذا كان أحسنَ من فتًى آخَرَ بِزَّةً أَلِمَ من مشاهدتِه هذا الآخَرَ يَحْجُبُه بنَسَبِه أو بذِهْنِه، ورأى أن ثوبَه المُذْهَبَ أُخْزيَ بثوبٍ بسيطٍ من الجوخ، وإذا ما تألَّق وحدَه في مجلسٍ فوقفَ على طَرَفِ إصبعِ القدمِ حتى يكونَ أحسنَ ظهورًا، فمن ذا الذي لا يستعدُّ سِرًّا لخفضِ ما عليه الفتى المختالُ من عُجبٍ فارغ؟ يتَّحدُ الجميعُ من فوْرهم كما لو كانوا على اتفاق، ولا يلبثُ ما يُلقي رجلٌ رصينٌ من نظراتِ غَم، وما يَنْطِق به رجلٌ لاذعٌ من كلمات هُزُوء، أن يصلَ إليه، ولو لم يزدرِه غيرُ رجلٍ واحدٍ لَسمَّم هذا الازدراءُ هُتافاتِ الآخرين حالًا.

ولنُعطِه كلَّ شيء، ولْنَغمرْه بكل لهو، ولنُفِضْ عليه بكلِّ فضل، وليكن حَسن التكوين فيَّاض الذهن خفيف الروح، ليصيرَ إذنْ موضعَ بحثِ النساء، ولكنه إذا ما غدا محلَّ طلبهن قبل أن يُحبَّهن جعلْنه مجنونًا أكثرَ منه عاشقًا؛ أي إنه يكون حَسن الطالع من غير أن يتمتَّع به، وبما أن مُناه تكون مسبوقةً دائمًا ولا يكون لديها من الوقت ما تُولَد معه، فإنه لا يشعر في سواء الملاذِّ بغير غمِّ الضيق؛ أي إن الجنس الذي خُلِقَ لسعادة جنسه يورثه سأمًا، حتى إنه يَروي غليله قبْل أن يَعْرِفه، وهو إذا ما داوم على رؤيته كان هذا عن زَهْو، فإذا حان الوقت الذي يتعلَّق به عن ذوقٍ حقيقيٍّ لم يكن وحدَه الشاب الناضر المحبوب، ولم يجد في خليلاته عجائبَ الوفاء دائمًا.

ولا أقول شيئًا عن المناكدات والخيانات والسُّخُمات والتَّوْبات وما إلى هذه من الأمور التي يتعذَّر فصْلُها عن مثل هذه الحياة، وأعْرِف أن اختبارَ العالَم يوجبُ نفورًا منه، ولا أتكلَّم عن غيرِ الغموم التي تتصل بالوهم الأوَّل.

يا للتضادِّ في أمرِ مَن حُصِرَ حتى الآن في سَواء أُسْرته وأصدقائه، فأبصرَ نفسه هَدَفًا وحيدًا لكل رعايةٍ منهم، فدخل بغتةً في نظامٍ من الأمور لا يُكترَث له فيه إلا قليلًا، فوجد نفسه غارقًا ضمن نطاقٍ غريبٍ بعد أن ظلَّ مركزَ نطاقه زمنًا طويلًا! ويا لَلْمَهانات والمخازي التي يجب أن يقاسيها قبل أن يخسر بين أُناسٍ من الغرباء ما رَضَع بين أهليه من مُبْتَسَراتٍ حول اعتباره! كان الجميع يخضع له وليدًا فيُهرَع إليه، فلمَّا أصبحَ فتًى وجبَ أن يخضعَ لجميعِ النَّاس، أو إنه إذا ما بقيَ له شيءٌ قليلٌ من سابق مظاهره فما أقسى الدروس التي يُرَدُّ بها إلى نفسه! وما كان من عادةِ نَيْله بسهولةٍ ما يَبتغي جَعَله كثير الرغبات، فأدى إلى شعوره بحرمانٍ دائم، ويبغي كل شيء يغريه، ويُريد نَيْلَ كلِّ ما يحوزه الآخرون؛ أي إنه يطمع في كل شيء، ويحسُد كل واحد، ويريد أن يسيطر في كلِّ مكان، ويقضمه الزهو، وتُلهبُ قلبه الفتيَّ حرارة الشهوات الجامحة، وتُولَدُ الغيرةُ والحقد مع هذه الشهوات، وتنطلق جميع الأهواء الملتَهِمةُ معًا، فيحمل اضطرامها بين ضوضاء العالم، وهو يأتي بها في كل مساء، وهو يرجع إلى منزله غير راضٍ عن نفسه وعن الآخرين، وهو ينام مملوءًا بألفِ خِطةٍ فارغة، مُكدَّرًا بألفِ هَوًى، ويصوِّر له زهوهُ حتى في رُؤاه من المُتَعِ الوهميةِ ما تزعجهُ الرغبةُ فيه، من تلك المُتعِ ما لن يحوزَه مدَى حياته، فها هو ذا تلميذكم، ولنعُد إلى تلميذي.

إذا كان أوَّلُ منظرٍ يَقِفُ نظرَه أمرًا مُغِمًّا، فإن أوَّلَ عَودٍ إلى نفسه يكون شعورَ لذة، وهو إذ يرى مقدارَ ما هو ناجٍ منه من سوءٍ فإنه يَشعر بأنه أكثرُ سعادةً مما كان يظن. وهو يقاسم أمثالَه آلامهم، غير أن هذه المقاسمةَ اختياريةٌ مستعذبة، وهو يتمتَّع بما يساوره من رحمةٍ حوْل ويلاتهم ومن السعادةِ التي تُعفيه منها. وهو يَشعر في هذه الحال بقوةٍ تُطيلُنا إلى ما وراء أنفسنا وتجعلُنا نحملُ إلى غيرِ مكاننا ما يَفيض من أثَرِ يُسْرِنا، أجلْ، لا بدَّ من معرفة كَرْب الآخرين حتى يُتوجَّع له، ولكنْ ليس من الضروري أن يُشعَر به. أجلْ، إننا متى تمَّ ألمُنا، أو خَشِينا أن نألم، تَوجَّعنا لمن يألمون، ولكن الإنسان عند ألمه لا يتوجَّع لغير نفسه. والواقع أن الجميع إذا كان خاضعًا لأبْؤُسِ الحياة، ولم يَحْبُ الآخرين أحدٌ بغيرِ الحسَّاسية التي لا حاجةَ له بها، فإنه يَتْبع ذلك وجوبُ كونِ الرحمةِ شعورًا كثيرَ العُذُوبة ما دامت الرحمةُ تَشهد لنا، وعَدُّ الإنسانِ القاسي على العكس تَعِسًا دائمًا ما دامت حالُ قلبِه لا تَدَعُ له أيةَ حسَّاسيةٍ فيَّاضةٍ يستطيع أن يُعيرها من آلامِ الآخرين.

ونحن كثيرو الحكمِ في أمر السعادة وَفْقَ الظواهر، ونحن نفترض السعادةَ حيث أقلُّ ما تكون، ونحن نبحث عنها حيث لا تكون، وليس السرورُ غيرَ دليلٍ عليها كثيرِ الإبهام، وليس الإنسانُ المرِحُ في الغالب غيرَ مكروبٍ يحاول التمويه عن الآخرين وتعليلَ نفسه، وليس الضاحكون المتودِّدون المُشرِقون كثيرًا في حَلْقةٍ غيرَ حِزانٍ كثيري التأنيبِ في منازلهم تقريبًا، ويَحمِل خَدَمُهم مشقةَ الترويح عن مجتمعاتهم، ولا يكون الرِّضا الحقيقي سرورًا ولا بَطَرًا، ونحن إذ نغتبط بهذا الإحساسِ البالغِ العذوبة حين نَذُوقه نُفكِّر فيه ونتلذَّذ به ونخاف أن يزول، والإنسانُ السعيدُ حقًّا لا يتكلَّم أبدًا ولا يضحك مطلقًا، وإنما يَشُدُّ السعادةَ حولَ فؤاده، وتَستُر الألعابُ الصَّخَّابةُ والبشاشةُ الطيَّاشةُ كلَّ سأمٍ ونُفور، بَيْدَ أن السَّوداءَ صاحبةُ الشهوة، وتُرافقُ الرِّقَّةُ والدموعُ أحْلى المُتَع، ويُوجِب الفرحُ البالغُ دمْعًا أكثرَ مما يُوجِب صُراخًا.

وإذا كانت كثرةُ الأُلْهُوَّات وأنواعُها تساعدان على السعادة كما تَبْدُوان في البُداءة، وإذا كانت نمطيةُ الحياةِ المُمهَّدةِ تبدو مملةً في البُداءة، فإنه عند حُسْن النظر في ذلك يُرى — على العكس — أن أحلى عاداتِ النفس تقوم على اعتدالِ النعيمِ الذي يَدَعُ قليلَ مجالٍ للرغبة والنفور، ويؤدي همُّ الرغائب إلى الفضول والتقلُّب، ويؤدي فراغ المُتَع الصخَّابة إلى السَّأم، ولا يسأم الإنسان من حاله مطلقًا إذا لم يَعْرِف ما هو أمتعُ منها. وإذا نظرتَ إلى جميع النَّاس وجدت الهَمَج أقلَّهم فضولًا وأقلَّهم سأمًا، وكلُّ شيءٍ عندهم سواء، وهم لا يتمتَّعون بالأشياء بل بأنفسهم، وهم لا يَقضُون حياتَهم في عملِ أي شيءٍ كان، وهم لا يسأمون مطلقًا.

ويكون رجلُ الدنيا ضِمْن قِنَاعه تمامًا، وهو إذْ لم يَكَد يكون إياه، يُعدُّ غريبًا عن نفسه دائمًا، وهو يكون غيرَ مرتاحٍ إذا ما أُلزِم بالعود إلى حاله، وما يكونه لا يُعَدُّ شيئًا، وما يبدو أنه هو يُعَدُّ كل شيءٍ عنده.

ولا أستطيع أن أمتنع عن أن أرسم على وجه الفتى الذي تكلَّمتُ عنه آنفًا ما أقول مُجونًا أو دماثةً أو تكلُّفًا يأنَف منه البسطاء ويسترذلونه، وعلى وجه فتاي سيمَا ممتِعةً بسيطةً دالَّةً على الرِّضا وعلى صفاء النفس الحقيقي، موحيةً بالتقدير والاطمئنان، غير مرتقبةٍ كما يلوح سوى تدفُّق الصداقة لمنحها مَن يدْنون منه، ومما يُعتقَد كونُ السيما ليست غيرَ نموٍّ بسيطٍ لملامحَ رسَمَتها الطبيعة، وأمَّا أنا فأرى أنك إذا عدوتَ هذا النموَّ وَجَدْت ملامحَ الوجه تتكوَّن تكوُّنًا غيرَ محسوسٍ وتتَّخِذ سيماها بمؤثِّرٍ اعتياديٍّ مستمرٍّ صادرٍ عن بعض عواطف النفس، وتنطبع هذه العواطف على الوجه، ولا شيء أصحُّ من هذا. وهي إذا ما تحوَّلت إلى عادةٍ وجب أن تترك انطباعاتٍ دائمة؛ ومِنْ ثَمَّ ترى كيف أتصوَّر أن السِّيما تَنِمُّ على السَّجيَّة، وأنه يُمكن أحيانًا أن يُحكَم بإحداهما في الأخرى، وذلك من غير بحثٍ عن تفسيراتٍ حافلةٍ بالأسرارِ تَفترض معارفَ لسنا حائزين لها.

وليس لدى الولد سوى عاطفتَين بارزتَين، وهما الفرح والألم؛ فهو يضحك وهو يبكي، وليست المراحلُ المتوسطةُ شيئًا يُذكَر لديه، وهو لا ينفكُّ ينتقل من إحدى هاتَين الحركتَين إلى الأخرى، ويَحُول تناوبُ هاتَين الحركتَين الدائمُ دون وجودِ أيِّ انطباعٍ ثابتٍ على وجهه ودون اكتسابِه سيما. بَيْدَ أنه في السِّن التي يكون فيها أكثرَ إحساسًا، فيَظهرُ أشدَّ عطفًا وأدومَ شعورًا، تترك الانطباعاتُ الأعظمُ عُمقًا آثارًا يكون من الصَّعب البالغ محوُها، وينشأ عن حال النفس المعتادة نظامٌ من الملامح يمتنع زواله مع الزَّمن، ومع ذلك فليس من النادر أن يُرى أناسٌ يُغيِّرون سيماهم في مختلف أدوار العُمُر؛ فقد شاهدت أناسًا كثيرين في هذه الحال، وقد وجدت في كلِّ حينٍ أن مَن استطعتُ أن أرْقُبَهم وأتتبَّعهم جيِّدًا كانوا يُغيِّرون أهواءهم المعتادة أيضًا، ويلوح لي أن هذا الرَّصَدَ الوحيدَ المُؤيَّدَ تأييدًا تامًّا قاطعٌ، وأن له مكانًا في رسالةٍ عن التَّربية حيث يَحسُنُ أن يُتعلَّم الحُكْمُ في حركات النفس بالعلامات الخارجية.

ولا أدري هل يكون فتاي أقلَّ جدارةً بالحبِّ لعدم تَعلُّمه تقليدَ الأوضاعِ الاصطلاحية وإظهارَه من المشاعر ما ليس لديه؛ فليس هذا موضوعَ بحثٍ هنا، وإنما أعْرِف أنه سيكون أكثرَ ودًّا، ويصعب عليَّ أن أعتقدَ أن الذي لا يُحبُّ سوى نفسه يكون من القدرة على التنكُّر ما يروق معه غيرَه بمقدار ما يروقُ الإنسانُ الذي يستخلص من تعلُّقه بالآخرين شعورًا بالسعادة جديدًا، ولكنني أعتقد من حيث هذا الشعورُ نفسُه أنني قلت بما فيه الكفاية ما أُرشِدُ معه القارئ الرشيد حول هذه النقطة دالًّا على أنني لم أناقض نفسي.

وأعود إلى مِنهاجي، وأقولُ إذن: إذا ما اقترب دَور الخطر فقدِّموا إلى الفتيان مناظرَ تُمسِكهم، لا مناظرَ تُحرِّكهم، وغالطوا خيالَهم الناشئَ بأمورٍ بعيدةٍ من إلهابِ حواسِّهم زاجرةٍ لنشاطها، وأبْعِدوهم من المدن العظيمة حيث يُعجِّلُ تبرُّجُ النساء وعدمُ احتشامهن دروسَ الطبيعةِ ويَسبِقانها، وحيث يَعْرِض كلُّ شيء على عيونهم ما لا يَنبغي أن يَعْرِفوه من الملاذِّ إلا حين يَقدِرون على اختيارها، وأْتُوا بهم إلى مساكنهم الأُولى حيث تَدَع بساطة الأرياف أهواءَ سِنهم تنمو نموًّا أقلَّ سرعة، أو إذا كان ميلهم إلى الصنائع لا يزال يَربِطهم بالمِصر فحُولوا بهذا المَيل فيهم دونَ بِطالةٍ خطرة، واعْنَوا باختيار مجتمعاتهم وأشاغيلهم وملاذِّهم، ولا تُطلِعوهم على غيرِ التصاويرِ المؤثِّرة مع الاعتدال، فتُحرِّكهم من غيرِ إغواءٍ وتُغذِّي حاسيتَهم من غيرِ إثارةٍ لحواسِّهم. وكذلك اعْلَموا أنه يوجَد في كل مكان من الفِسق ما يُخشى، وأنه يوجد من الأهواء المتطرِّفة ما يُوجِب في كلِّ وقتٍ من السوء ما لا يُجتنب، ولا يُرَاد أن يُجعَل من تلميذكم مُمرِّضٌ أو راهبُ محبة، ولا أن تُغَمَّ عيناه بمناظرَ موجبةٍ للآلام والأوجاع، ولا أن يُطافَ به بين عليل وعليل وبين مشفًى ومشفًى، وبين محالِّ الإعدام والسجون، وإنما يُراد إثارةُ حَنانه، لا إقْساؤه بمنظر الأبؤُس البشرية؛ فالإنسانُ إذا ما واجهَ عينَ المناظرِ زمنًا طويلًا عاد لا يشعر بانطباعاتها؛ فالعادةُ تُعوِّدُ الإنسانَ كلَّ شيء، وما يُرى كثيرًا يَعُودُ بعيدًا من الخيال، والخيال وحدَه هو الذي يجعلُنا نَشعر بمصائب الآخرين، وهكذا فإن القساوسة والأطباء يصيرون فاقدي الرحمة بما يتفق لهم من مشاهدة الموت والألم، ولْيَعْرِف تلميذُكم إذن مصيرَ الإنسان وأبْؤُسَ أمثاله، ولكن دَعوه لا يشاهدُ ذلك غالبًا، وما يُطْلَعُ عليه من شيء يُحْسَن اختيارُه، وذلك في يومٍ ملائم، يورثه رقَّةً وتأمُّلًا لشهرٍ واحد، ولا يتوقَّف رأيه حول أمرٍ ما على ما يَرَى، بل على ما يكون له من ردِّ فعلٍ فيه، وما يتلقاه من انطباعٍ مستمرٍّ عن شيءٍ ما يأتيه من ذات الشيء أقلَّ مما يأتيه من وجهةِ النظرِ التي تَحْمِله على تذكُّره، وهكذا فإنكم إذ تُرتِّبون الأمثلةَ والدروسَ والصورَ تُكِلُّون مهمازَ الحواس وتخادعون الطبيعة باتباع توجيهاتها الخاصة.

وكلَّما نال معارفَ اختاروا من الأفكار ما يلائمها، وكلَّما اشتعلت شهواتُنا اختاروا من التصاوير ما هو صالحٌ لِردْعها، وقد قصَّ عليَّ محاربٌ قديمٌ امتاز بأخلاقه وشجاعته أن أباه، وكان رجلًا حصيفًا مع الوَرَع البالغ، أبصرَ مِزاجَه الناشئ يُسْلِمُه إلى النساء، فلم يدَّخِر وُسْعًا في زجْره، ولكنه على ما أبدى من ضروب العناية شَعرَ أخيرًا بأنه كاد يُفلِتُ منه، فعنَّ له أن يأتي به إلى مشفًى للإفرنجي، ويُدخِله من غيرِ سابقِ إنذارٍ قاعةً مشتمِلةً على جمْعٍ من أولئك التعساء الذين كانوا يُكفِّرون بمداواةٍ هائلةٍ عن الفسقِ الذي عَرَّضهم لذلك، ويمرض الشاب عند هذا المنظر الفظيع الذي يُنغِّصُ جميعَ الحواس، وهنالك يقول له أبوه صائلًا: «اذهب أيها الدَّاعر واتَّبع ميْلك الساقط الذي يسوقك، وستكون عما قليلٍ سعيدًا جِدًّا إذا ما قُبِلت في هذه القاعة حيث تكون ضحيةَ أشدِّ الآلامِ فضحًا، فتَحْمِلُ أباك على الشكر لله عند موتك.»

وكان لهذه الكلمات القليلة، مع النظر الفعَّال الذي وقف نظر الشاب، أثرٌ لم يزُل قَط. وبما أن مهنته كانت تُلزِمه بأن يقضي شبابه في الحاميات؛ فقد فضَّل أن يقاسي جميع سخريات رفقائه على تقليد فجورهم، وقد قال لي: «كنت رجلًا، وكان لي ضعفي، ولكنني وقد بلغت سني الحاضرة، لم أقْدِر على رؤيةِ بغيٍّ قَطُّ من غير نفور.» فيا أيها المُعلِّم، كن قليل الكلام، ولكن اختر الأمكنة والأزمنة والأشخاص، ثُمَّ ألقِ دروسك بالأمثلة، واطمئن إلى أثَرِها.

وليس الوجهُ الذي يُقضَى به دَوْرُ الصِّبا أمرًا كبيرًا، وليس السوءُ الذي ينساب فيه بلا دواءٍ مطلقًا، وقد يأتي الخيرُ الذي يُصنَعُ فيه متأخِّرًا، وليس الأمر هكذا في الدَّور الأوَّل من العُمُر حيث تبدأ حياةُ الإنسان حَقًّا، ولا يدوم هذا الدَّور بما يكفي للقيام بما يجب أن يُصنَع فيه، ويستلزم خطره انتباهًا مستمرًّا؛ ولذا فإنني أصرُّ على فن إطالته، ومن أروعِ مبادئ الثقافة الصالحة أن يُؤجَّل كلُّ شيء ما أمكن. ودَعُوا التقدُّم يسير وئيدًا وطيدًا، وحُولوا دونَ غُدُوِّ المراهق رجلًا حين لا يبقى له شيءٌ يَفعل ليكُونه. وبينا ينمو البدن تنشأ الأرواح المعدَّة لمنح الدمِ نشاطًا والأليافِ قوةً وتَنْضَج، وإذا ما حوَّلتموها إلى مجرًى آخَر، وسمحتم للقوةِ المُعدَّةِ لكمالِ شخصٍ بأن تنفعَ في صُنْعِ شخصٍ آخَر، بقي كلاهما في حالِ ضعف، وظلَّ عملُ الطبيعةِ ناقصًا، وتتأثَّرُ أعمالُ الذهنِ بدَوْرِها من هذا التغيير، ولا يكون للذهنِ الواهنِ وَهنَ البدنِ غيرُ وظائفَ ضعيفةٍ واهية، ولا تَصنعُ الأعضاءُ الغليظةُ العُصْلُبيَّةُ شجاعةً ولا نُبُوغًا، وأُدْرِك أنَّ قوَّةَ الرُّوحِ لا تُلازمُ قوَّةَ البدنِ عندما تكونُ أعضاءُ الاتصالِ بين العنصرين سيئةَ النظام، ولكن مهما تستطِع أن تكون حسنةَ النظام، فإنها تكون ضعيفةَ التأثيرِ دائمًا إذا لم يكن لها من الأصل سوى دمٍ مُستنزَفٍ فقيرٍ خالٍ من ذلك الجوهرِ الذي يُنعِم بالقوةِ والحركةِ على جميعِ نوابضِ الآلة. ومما يُشاهدُ على العمومِ وجودُ قوَّةِ ذهنٍ في الرجالِ الذين صانُوا سنواتِهم الأُولى من فجورٍ باكرٍ أكثرَ مما في الرجال الذين بدأ فجورُهم حين قدْرتِهم على تعاطيه، ولا جرمَ أنَّ هذا من الأسبابِ في كونِ الشعوب ذات الأخلاقِ تفوقُ الشعوبَ الخاليةَ من الأخلاقِ عادة، وذلك من حيث سلامةُ الذَّوقِ والبسالة، وتَلْمعُ هذه الشعوبُ الأخيرةُ فقط ببعض الصفات الرقيقة التي تُسمِّيها حصافةً ولَقانةً وكِياسة، بَيْدَ أنَّ وظائفَ العقلِ والحكمةِ الكبيرةِ الكريمةِ التي تَميزُ الإنسانَ وتُمجِّدُه بصالحِ الأعمالِ وبالفضائلِ وبالجهودِ النافعةِ حقًّا لا تُوجَدُ في غيرِ الشعوبِ الأُولى مُطلَقًا.

ويَأْلمُ المُعلِّمون من كونِ حرارةِ ذلك الدَّوْرِ من العُمُر تجعَلُ الشبابَ غيرَ قابل الانقياد، وهذا ما أراه، ولكنْ أليس هذا ذنبَهم؟ أَوَيجهلون أنهم إذا ما تركوا هذه الحرارةَ تأخذُ مجراها بالحواسِّ عادَ من المتعذَّرِ تحويلُها إلى مجرًى آخَر؟ أَوَتُزِيلُ مواعِظُ المتحذلقِ الطويلةُ الباردةُ من ذهنِ تلميذِه صورةَ الملاذِّ التي تَمَثَّلها؟ أَوَتُبعِدُ من فؤادِه الأهواءَ التي تُعذِّبُه؟ أَوَتُطفِئ نارَ مِزاجٍ يَعْرِف التلميذُ عادتَه؟ أَوَلَا يثورُ على الموانعِ التي تعترضُ في سبيلِ ما يتصوَّره من سعادةٍ وحيدة؟ وما يَرى في القانون الشديد الذي يُؤْمرُ به من غيرِ أن يُستطاع حَمْله على سماعه سوى هوَى رجلٍ يحاول تعذيبه، وحقدِ هذا الرجل؟ وهل من الغريب أن يتمرَّد عليه وأن يَمقُته بدوره؟

وأتصوَّرُ جيِّدًا أن الإنسانَ إذا كان سَهْلًا أمكَنَ أن يكون أكثرَ احتمالًا، وأن يحافظ على نفوذٍ ظاهر، ولكنني لا أرى فائدةَ نفوذٍ لا يُحافِظ عليه مُعلِّمٌ نحوَ تلميذه إلا بإلهابِ المعايبِ التي كان عليه أن يزْجرها، شأنُ السائس الذي يُريدُ تهدئةَ حصانٍ جامعٍ فيوثبُه في هُوَّة.

ومن البعيد أن تكون حرارة المراهق عائقَ تربية، وبهذه الحرارة تتم وتكمُل، وهي تمكِّنُكم من قلب الفتى عندما يعود لا يكون دونكم قوة، وتُعَدُّ عواطفه الأُولى أعنَّة توجِّهون بها جميع حركاته؛ أي إنه كان طليقًا فأراه قد استُرِقَّ، ولم يكن تابعًا لغير نفسه واحتياجاته ما بقيَ غيرَ مُحبٍّ لأحد، وهو يَتْبَع عواطفه عندما يحب، وهكذا تتكوَّن الصلات الأُولى التي تربطه بنوعه. وهو إذا ما وَجَّهتم حساسيته الناشئة نحو هذا الصوب فلا تظنُّوا أنها ستسع جميع النَّاس في البُداءة، وأن كلمة الجنس البشري تنطوي على معنًى لديه، كلَّا، وإنما أمثالُه هم أوَّلُ مَن تقتصر عليهم هذه الحسَّاسية، ولن يكون أمثاله مجهولين؛ فهم الذين له معهم اتصالات والذين جعلتهم العادة عزيزين لديه، أو لا غُنْيةَ له عنهم، والذين يرى من الواضح أن لهم معه وجوهَ تفكيرٍ وشعور مشتركة، والذين يراهم مُعرَّضين لمثل آلامه ويَشعرون بمثل الملاذِّ التي يذوق، والذين يمنحه ما بينه وبينهم من تماثلٍ في الطبيعة بالغِ الجلاء أعظمَ استعدادٍ لحبِّ نفسه كما هي غايةُ القول، ولن ينتهي إلى تعميم مبادئه الفردية في قالب مبدأ الإنسانية المجرَّد، وإلى وصْل عواطفه الخاصة بالعواطف التي يُمكِن أن توحِّد بينه وبين نوعه إلا بعد أن يتعهَّد ميْله بالرعاية على ألف وجه، وبعد أن يقوم بكثير من التأمُّلات حول مشاعره الخاصة وحول المشاعر التي يُبصِرُها في الآخرين.

ومتى أصبح قادرًا على العطف صار عارفًا بعطف الآخرين،٤ منتبِهًا بهذا إلى علامات هذا العطف، وهل ترون أيُّ سلطانٍ جديدٍ يكون لكم عليه؟ ما أكثرَ القيود التي وضعتموها حول فؤاده قبل أن يشعر بهذا! وما أكثر ما يُحِسُّ عندما ينظر إلى نفسه فيُبصر ما صنعتموه له ويقابل بين نفسه والفتيان الآخرين البالغين مثل عُمُره، ويقابل بينكم وبين غيركم من المُعلِّمين! وأقول: «عندما ينظر»، ولكن احترزوا من أن تقولوا له ذلك، فإذا ما قلتموه له عاد لا يراه، وإذا ما طالبتموه بالطاعة في مقابل ما حبوتُموه به من رعاية اعتقد مخادعتَكم له؛ أي إنه يقول في نفسه: بما أنكم أظهرتم رعايته بلا مقابل قصدتم تحميله دينًا وربطه بعقدٍ لم يوافق عليه قَط، ومن العبث أن تضيفوا إلى ذلك قولكم إن ما تطالبونه به هو من أجله، وأخيرًا تطالبون، تطالبون وَفْقَ ما صنعتم بلا اعترافٍ منه، وإذا ما أخذ تَعِسٌ درهمًا مع تظاهُرٍ بإعطائه إياه، ثم وجد نفسه مُقيَّدًا في سجل الجندية على الرغم منه، صرختم قائلين بجَوْر هذا، أَوَلستم أكثرَ جَوْرًا في مطالبة تلميذكم بمقابلِ رعايةٍ لم يرضَ بها قَط؟

ويكون الكُنودُ أكثرَ نُدورًا إذا كانت محاسن الربا أقلَّ ظهورًا، ونُحبُّ مَن يصنع لنا معروفًا، ويا له من شعورٍ طبيعيٍّ! وليس الكُنود موجودًا في قلب الإنسان، بل المصلحة الشخصية، ويوجد من ناكري الجميل المَدِينين مَن هم أقلُّ من فاعلي الخير النفعيين، وإذا ما بِعتم هِباتِكم منِّي ساومتُ حول الثمن، ولكنكم إذا ما تظاهرتم بالإعطاء حتى تبيعوا منِّي بالثَّمَن الذي تضعون فيما بعدُ كنتم مخادعين؛ فالعطاء بلا عِوَضٍ هو الذي يجْعلها غيرَ قابلةٍ للتثمين، ولا يتلقى القلب قوانينَ من غيرِ نفسه، وهو يُطْلَق من حيث يُراد تقييده، وهو يُقيَّد من حيث يُترَك طليقًا.

وإذا ما ألقى الصيَّادُ طُعْمًا في الماء جاء السمك وبقي حولَه بلا حَذَر، ولكنه إذا ما تناول الصنارة المستترة تحت الطُّعم شعر بسحب القَصَبة وحاول الفِرار، فهل الصياد محسن؟ وهل السمك كَنُود؟ وهل يُرى إنسانٌ نُسِيَ من قِبَل المحسن إليه يَنْسَى هذا المحسن؟ هو على العكس يتكلم عنه طيَّبَ الخاطر دائمًا، وهو لا يفكِّر فيه من غيرِ تَحنُّن، وهو إذا ما وَجَدَ فرصةً يُطْلِعه فيها بخدمةٍ غيرِ منتظرة، على أنه ذاكرٌ ما يصنع له، فما أشدَّ ما يُرضي به شُكرانَه من ارتياحٍ باطني! وما أعظمَ ما يُلاقي من فرحٍ عَذْبٍ بما يوجب لنفسه من ثناء! ويا للسرور الذي يساوره إذ يقول له: «الآن جاء دوري!» فهذا هو صوت الطبيعة حقًّا، وما كان الإحسان الحقيقي ليصنع كَنودًا مطلقًا.

وإذا كان الشُّكرانُ شعورًا طبيعيًّا وكنتم لا تقضُون على فِعْله بخطأ منكم فثِقوا بأن تلميذَكم، إذ يأخذ في إدراكِ قيمةِ ما بذلتم من جهودٍ في سبيله، يكون متأثِّرًا بها، وذلك بشرط ألَّا تكونوا قد وضعتم ثَمَنًا لجهودكم بأنفسكم، وأن يكون لهذه الجهودِ في فؤاده من النفوذِ ما لا يستطيع أحدٌ أن يقضيَ عليه، ولكن احترزوا قبل الاطمئنان جيِّدًا إلى هذا الخير، أن تَنزِعوه من حسابكم بإبداء شأنِكم لديه، وينطوي افتخارُكم بخِدَمِكم على جعْلها أمرًا لا يُطيقه، وينطوي نسيانُها على تذكيره بها، ولا يدُرْ بحثٌ حوْل ما هو مَدينٌ لكم به، بل حولَ ما هو مَدينٌ به نحو نفسه، وذلك حتى يَحِلَّ وقتُ معاملته مثل رجل، ولكن اترُكوا له جميعَ حريَّته جعْلًا له طائعًا، واختَفُوا حَمْلًا له على البحث عنكم، ونشِّئوا رُوحه على الشعور النبيل القائل بعرفان الجميل مُحَدِّثين إياه عن مصلحته فقط، ولم أُرِد قَطُّ أن يُحدَّث عن كَوْن الذي يُصنَع هو لمصلحته قَبْلَ أن يكون في وَضْعٍ يُدْرِكُ ذلك معه، وما كان ليرى في هذا الكلام غيرَ خضوعكم، وما كان ليَعُدَّكم فيه غيرَ خادمٍ له. ولكنْ بما أنه أخذَ الآن يَشعر بحقيقة الحبِّ فإنه يشعُر أيضًا بالرابطة الحلوة التي يُمكن أن تصلَ الإنسانَ بمن يحب، وعاد لا يرى في الغَيرة التي تشغلُكم به بلا انقطاع تَعَلُّقَ عبد، بل عاطفةَ صديق، والواقع أنه لا يوجد ما هو أكثرُ وزنًا على القلب البشريِّ من صوتِ الصداقةِ المعْترف بها جيِّدًا؛ وذلك لأنه يُعرَف أنَّها لا تكلمنا إلا في سبيل مصلحتنا، وقد يُعتقَدُ أن الصديقَ مخطئ، ولكننا لا نَذهبُ إلى أنه يُخادِعنا، وقد تُقاوَم نصائحه أحيانًا، ولكنْ من غيرِ أن تُزْدرَى مطلقًا.

وأخيرًا نَلِج داخلَ النظام الخُلُقي؟ وقد سَبَقَ أن اتخذنا خُطوةَ الإنسانِ الثانية، وإذا لم يكُنْ مكانَ ذلك هنا فإنني أحاول أن أُبيِّن كيف أن حركاتِ القلبِ الأُولى تثير أصواتَ الشعور الأُولى، وكيف أنه ينشأ عن مشاعر الحب والحقد مبادئُ الخير والشر الأُولى، وسأبين أن العدل والصلاح ليسا لفظَيْن مجرَّدَيْن وموجودَيْن خُلُقيَّيْن صِرفَيْن ناشئَيْن عن الإدراك فقط، بل هما عاطفتان حقيقيتان للنفس المُنارة بالعقل، فليسا سوى تقدُّمٍ منظَّمٍ لعواطفنا الابتدائية، كما أُبيِّنُ أنه لا يُمكِن بالعقل المستقلِّ عن الشعور وَضْعُ أيِّ قانونٍ طبيعيٍّ كان، وأن كلَّ حقٍّ طبيعيٍّ ليس سوى وهمٍ إذا لم يقُم على احتياجٍ طبيعيٍّ للقلب البشري،٥ ولكنني لا أرى أن أضَعَ هنا رسالةً في ما بعد الطبيعة وفي الأخلاق، ولا مباحثَ من أيِّ نوعٍ كان، فيكفيني أن أدُلَّ على نظامِ مشاعرنا ومعارفنا وتقدُّمِها نظرًا إلى نشوئنا، ومن المُحتمل أن يُفصِّل آخرون ما لم أفعل غيرَ الدلالة عليه هنا.

وبما أن إميلَ لم يَنظُر غيرَ نفسه حتى الآن، فإن أوَّل نظرةٍ يُلقيها على أمثاله تَحمِله على مقابلة نفسه بهم، ويقوم أوَّلُ شعورٍ تُثيرُه فيه هذه المقابلةُ على الرغبة في المكان الأوَّل، وهذه هي النقطةُ التي يتحوَّل فيها حُبُّ النفس إلى أنانية، وهذه هي النقطة التي تبدأ منها جميعُ الأهواء بالصدور عن الأنانية. ولكنَّ الحُكم في هل الأهواء التي ستسيطر على طبعه تكون إنسانيةً ليِّنةً أو قاسيةً مؤذية، وهل تكون أهواءَ رأفةٍ ورحمةٍ أو أهواءَ حسدٍ وطمع، يستلزم معرفةَ المكان الذي يحسُّ نفسه فيه بين النَّاس، ومعرفةَ أنواع الموانع التي يعتقد إمكانَ تغلُّبه عليها، بُلوغًا للمكان الذي يُريد أن يشغله.

والآن يجب إطلاعُه على ما بين النَّاس من فروقٍ توجيهًا له في هذا البحث بعد أن أُطلِع على النَّاس من حيث العوارضُ المشتركة بين النوع، وهنا يأتي قياس التفاوت الطبيعي والمدني وصورة النظام الاجتماعي.

ويجب أن يُدرَسَ المجتمعُ في النَّاس، وأن يُدرَسَ النَّاسُ في المجتمع، ومَن يود معالجة كلٍّ من السياسة والأخلاق على حدةٍ لا يفقه شيئًا من كلٍّ منهما، والإنسان إذا ما اقتصر في البُداءة على الصلات الابتدائية أبصر كيف يجب أن يتأثَّر النَّاس بها، وأيُّ الأهواء يجب أن ينشأ عنها؛ أيْ يرى أنَّ هذه الصلات تتسع وتضيق مقابَلَةً وَفْقَ تقدُّم الأهواء، وتكون قوةُ الذُّرْعان أقلَّ من اعتدال القلوب جعْلًا للناس مستقلِّين أحرارًا، ومن يرغب في أشياءَ قليلةٍ يكن تابعًا لأناسٍ قليلين. ولكن بما أننا نخلط دائمًا بين ميولنا الفارغة واحتياجاتنا البدنية، فإن الذين صنعوا من هذه الأخيرة أسسَ المجتمع البشري عَدُّوا المعلولاتِ عللًا دائمًا، وحاكُوا في جميع براهينهم ضلالًا حَصْرًا.

وتوجد في حال الطبيعة مساواةٌ فعليةٌ حقيقيةٌ لا تَفْنى؛ وذلك لأن من المحال في هذه الحال أن يكون الفرقُ الوحيد بين إنسانٍ وإنسانٍ من العِظَم ما يجعلُ أحدَهما تابعًا للآخر، وتُوجَدُ في الحال المدنية مساواةٌ في الحقوق وهميةٌ فارغة؛ وذلك لأن الوسائل المُعدَّة لحفظها توجِبُ تقويضَها؛ ولأنَّ القوة العامة المضافَة إلى الأقوى لاضطهاد الضعيف تقضي على نوع التوازن الذي كانت الطبيعة قد وضعته بينهما.٦ وينشأ عن هذا التناقض الأوَّل جميع المتناقضات التي تُشاهدُ في النظام المدني بين الظاهر والحقيقة، وفي كل وقتٍ يُضحَّى بالجُمهور في سبيل عددٍ قليل، وبالمصلحة العامة في سبيل المصلحة الخاصة، وفي كل وقتٍ تَصلُح كلماتُ العدل والنظام المُموَّهة وسائلَ للقهر وسلاحًا للجَوْر؛ ومِنْ ثَمَّ لا تكون الطبقاتُ الممتازة التي تزعم أنها مفيدةٌ للطبقات الأخرى نافعةً لغير نفسها على حساب الطبقات الأخرى؛ ومِنْ ثَمَّ يجب أن يُحكم في أمر الاعتبار الذي يستحقونه وَفْقَ العدل والعقل، وبقي علينا أن نرى هل المقامُ الذي انتحلوه أكثرَ ملامةً لسعادة مَن يشغلونه ليُعرَف أيُّ حكمٍ يجب على كلِّ واحدٍ مِنَّا أن يَحْمله حول نصيبه الخاص. والآن إليك البحثَ الذي يهمُّنا، ولكنَّ حُسْنَ القيام به يستلزم البدءَ بمعرفة الفؤاد البشري.

وإذا ما دار الأمرُ حول إطلاع الفتيان على الإنسان ضِمْن قِناعه لم يكن هنالك احتياجٌ إلى إطلاعهم عليه؛ فهم يرونه كثيرًا في كل وقت. ولكن بما أن القِناع ليس عينَ الإنسان، ولا ينبغي أن يُغويه طلاؤه، فإن النَّاس إذا ما وُصِفوا لهم وجب أن يُوصَفوا كما هم، وذلك لا ليُبغَضوا، بل ليُرثى لهم ولئلا تُرادَ مشابهتُهم، وعندي أن هذا أصوب ما يُمكن أن يكون لدى الإنسان من رأي حول نوعه.

وعلى هذا فإن من المهم هنا سلوكَ سبيلٍ مخالفةٍ للسَّبيل التي اتَّبعناها حتى الآن، وأن يُعلَّم الفتى بتَجرِبةِ الآخرين أكثرَ مما بتجرِبته، وإذا كان النَّاس يخادعونه فإنه يضغَنُ عليهم، ولكنه، وهو مُكرَمٌ من قِبَلهم، إذا ما رآهم يتخادعون توجَّع لهم. قال فيثاغورس: «إن منظر العالَم يشابه منظر الألعاب الأُلَنْبية؛ فبعض النَّاس يتعاملون ولا يفكِّرون في غير الرِّبح، وبعضٌ آخرُ منهم يخاطرون بأنفسهم سعيًا وراء المجد، وآخرون منهم يكتفون بمشاهدة الألعاب، وليس هؤلاء أسوأ الجميع.»

وأوَدُّ لو يُختارُ للفتى من المجتمعات ما يَحمِلُه على التفكير في أمرِ مَن يعيشون معه، وأن يُبلَغ من تعليمه حُسْنَ معرفةِ العالم ما يُفكِّرُ معه سوءًا في جميع ما يُصنَع فيه، ولْيعلمْ أن الإنسانَ صالحٌ طبيعةً ولْيشعُرْ بذلك، ولْيحكمْ في جاره بنفسه، ولكن ليُبصرْ كيف أن المجتمع يُفسِد النَّاسَ ويُضِلُّهم، ولْيَجِدْ في مُبْتَسَرَاتهم مصدرَ جميعِ عيوبهم، ولْيُحمَلْ على احترامِ كلِّ فرد، ولكن لِيَزْدَرِ الجُمهور، ولْيَرَ أنَّ جميعَ النَّاسِ يَلْبَسون عينَ القِنَاعِ تقريبًا، ولكنْ ليَعْلَمْ أنه يوجَدُ من الوجوه ما هو أجْمَلُ من القناعِ الذي يسترُها.

ويجب أن يُعتَرَف بأن لهذا المِنْهاج نقائصَه وبأنه ليس سهلًا عند التطبيق؛ وذلك لأن الفتى إذا كان يصير راصدًا باكرًا، وإذا كنتم تدرِّبونه على ترقُّب أفعالِ الآخرين عن كثب، فإنكم تجعلونه مُغتَابًا هاجيًا جازمًا سريعَ الحُكم، وهو يجد لذةً ممقوتةً في تحري العوامل السيئة وفي عدمِ رؤيته ما هو حسنٌ حتى في الشيء الحسن، وهو على الأقل يُعوِّد نفسَه منظرَ العيبِ ورؤيةَ الأشرار بلا نفور كما يُعوِّدُ الإنسانُ نفسه رؤية التعساء بلا رأفة، ولسُرعان ما يَصلُح الفسادُ العامُّ أن يكون درسًا له أقلَّ من أن يكون معذرة، فيقول في نفسه إذا كان الإنسان هكذا فلا يجب أن يكون خِلافًا لما عليه الإنسان.

ولكنْ إذا أردتم تعليمَه عن مبدأٍ وإطلاعَه، مع طبيعة القلب البشري، على تطبيقِ العلل الخارجية التي تُحَوِّل مُيولَنا إلى عيوب، وذلك بنقله بغتةً هكذا، من الأشياء الحسية إلى الأشياء الذهنية، فإنكم تكونون قد استعملتم ما بَعْدَ طبيعةٍ لا يستطيع إدراكه، فتقعون ثانيةً في محذورٍ اجتُنِبَ حتى الآن، وهو إعطاؤه دروسًا تُشابه الدروسَ، وأن تُقامَ في ذهنه تجرِبةُ المُعلِّم ونفوذُه مقامَ تجربته الخاصة وتَقدُّم عقلِه.

وإني لكي أُزيلَ هذين العائقَين دفعةً واحدة، وأَضَعَ القلبَ البشريَّ في متناوَله من غير مجازفةٍ بإفساد قلبه، أُريد أن أُطلِعَه على النَّاس من بعيد، وذلك في أزمنةٍ أخرى وأمكنةٍ أخرى، وذلك على وجهٍ يستطيع معه أن ينظر إلى المنظر من غير أن يقدِر على الاشتراك فيه، وهذا هو وقتُ التَّارِيخ، وبالتَّارِيخ سيقرأ في الأفئدة من غير دروسٍ في الفلسفة، وبالتَّارِيخ سيراها ناظرًا بسيطًا خاليًا من الغرض والهوى، وذلك مِثْلَ قاضٍ، لا مِثْلَ شريكٍ لها، ولا مِثْلَ مُتَّهِمٍ إياها.

وتقضي معرفة الرجال بأن يُرَوا وهم يَعمَلون، والرجالُ في العالم يُسمَعون وهم يتكلمون، وفي العالم يُظهِرُون أقوالَهم ويُخفُون أفعالَهم، وأمَّا في التَّارِيخ فيُكشَفُ الغطاءُ ويُحكَمُ فيهم بالأعمال، حتى إن أقوالَهم تُعِينُ على تقديرهم؛ وذلك لأنَّه يُرَى بالمقابلة بين ما يقولون وما يفعلون مَنْ هم وما يريدون أن يَبدُوا به معًا؛ أي إنهم كلَّما تنكَّرُوا عُرِفوا.

ومن المؤسِفِ أن تكون لهذا البحثِ محاذيرُه من كلِّ نوع، ومن الصعبِ انتحالُ وجهةِ نظرٍ واحدةٍ يُمكِنُ الإنسانَ أن يَحكُمَ بها في أمثاله بإنصاف، ومن أعظمِ عُيوب التَّارِيخ أن يُصوِّر الرجالَ بنواحيهم السيئةِ أكثرَ مما بنواحيهم الحسنة. وبما أنَّ التَّارِيخ لا يكون ممتِعًا إلا بالثورات والمصائب، ولا يُحدِّث شيئًا عن الأمةِ ما نَمَت وازدهرت في سكونِ حكومةٍ سَلْمية، فإنه لا يبدأ بالكلام عنها إلا عند عدم قدرتها على كفاية نفسها بنفسها فتتدخَّل في شئون جاراتها أو تَدَع هذه الجارات تتدخَّلُ في شئونها، وهكذا فإن التَّارِيخ لا يُشْهِرُها إلا بعد أن تأخذ في الأفول. وهكذا فإن جميع تواريخنا تبدأ حيث يجب أن تنتهي، ولدينا تاريخٌ بالغُ الدقة عن الأمم التي تنقَرِض، والذي يُعْوِزنا هو تاريخٌ عن الأمم التي تتكاثر. وهذه الأمم هي من السَّعادة والحكمة ما لا يَقُصُّ التَّارِيخُ معه عنها شيئًا. والواقع أننا نرى حتى في أيامنا كونَ الحكوماتِ التي تُساس أحسنَ من سواها هي أقل ما يُحدِّثُ عنه التَّارِيخ، ونحن لا نعرف غيرَ الشرِّ إذن، وأمَّا الخير فلا يكاد يُذكر، ولا يوجد غيرُ الأشرار مَن يشتهرون، ويُنسى الصالحون أو يُسخَرُ منهم؛ ومِنْ ثَمَّ ترى كيف يتجنَّى التَّارِيخ كما تتجنَّى الفلسفة على النوع البشري بلا انقطاع.

وفضلًا عن ذلك فإن من البعيد جِدًّا أن تكون الوقائعُ الموصوفة في التَّارِيخ صورةً صادقةً عن الوقائع كما حدثت؛ أي إنها تُغيِّرُ شكلها في رأس المؤرِّخ، وتُصَبُّ في قالبِ مصالحِه وتَكتسب لونَ مُبْتسَراته. ومَن ذا الذي يَعْرِف أن يضع القارئَ وضعًا تامًّا في مكان المسرح حتى يرى كيف وقعت الواقعة؟ إن الجهالة والمحاباة تُنكِّران كلَّ شيء، وما أكثرَ أوجهَ الخلاف التي يمكن أن تكتنف الحادث التَّارِيخي، حتى من غير تحريف له، بتوسيعٍ أو تضييقٍ للأحوال التي تُناط به! إذا ما وضعتم عينَ الشيء في نواحٍ مختلفة، لم يَكَدْ هذا الشيء يُرى إياه، ومع ذلك فإنه لم يتغيَّر شيءٌ غيرُ عينِ الناظر، وهل مما يُشرِّف الحقيقةَ أن تَرْوُوا لي واقعةً حقيقيةً بأن تُبْدوها لي خلافًا لما حدثت؟ وما أكثرَ ما قرَّرتْ شجرةٌ زُهاء، أو صخرةٌ عن اليمين أو الشمال، أو سافِيَاءُ أثارتها الريح، مصيرَ معركةٍ من غير أن يَشعر أحدٌ بذلك! وهل يمنع هذا المؤرخَ من أن يقول لكم سببَ الانكسار أو الانتصار مطمئنًّا كما لو كان في كلِّ مكان؟ والحقُّ ما أهميةُ الوقائع عندي إذا ما ظلَّ السببُ مجهولًا لديَّ؟ وأيُّ عِبَرٍ أستطيع أن أستخرج من حادثٍ أجهلُ علَّته الحقيقية؟ أجل، إن المؤرِّخَ يُعطيني سببًا واحدًا، غيرَ أنه يلفِّقُه، وليس النقد الذي تقوم حوْله ضجَّةٌ كبيرةٌ سوى فنٍّ للافتراض، سوى اختيارِ أكثرِ الأكاذيبِ مشابهةً للحقيقة.

ألمْ تقرءوا قَطُّ كليوباترة وكَسَّنْدِر أو كُتُبًا أخرى من هذا الطراز؟ إن المؤلِّف يختار حادثةً معروفة، ثُمَّ يوفِّق بينها وبين وجهات نظره ويزخرفها بتفاصيلَ من اختراعه ورجالاتٍ لم يُوجَدوا قَطُّ وصورٍ خيالية، ويَرْكُم أوهامًا فوق أوهامٍ حتى يجعل قراءته لذيذة، ولا أرى غيرَ فرْقٍ قليلٍ بين هذه الروايات وتواريخكم، ما لم يكن الكاتب الروائي أكثرَ اعتمادًا على خياله الخاص مع تعبيد المؤرِّخ نفسه لخيال الآخرين. وإلى هذا أضيف، إذا ما أُريد، كونَ الكاتب الروائي يتخذ موضوعًا خُلُقيًّا صالحًا أو طالحًا لا يكترث له المؤرخ مطلقًا.

وسيُقال لي إن أمانةَ التَّارِيخ أقلُّ إغراءً من صدْقِ الطبائع والأخلاق، وإن من المهم قليلًا كونَ الحوادث مرويةً بأمانةٍ بشرط أن يُصوَّر القلبُ البشريُّ تصويرًا حسنًا؛ وذلك لأنه يُضاف إلى ذلك بعد كل شيء: ما أَرَبُنا إلى الوقائع التي حدثت منذ ألفي سنة؟ أجلْ، تجد صوابًا في عرض الصور وَفْقَ الطبيعة، ولكن إذا لم يكن نموذجُ مُعظمِها في غير خيال المؤرخ، أفلا يعني هذا وقوعًا في المحذور الذي أُريدَ الإفلاتُ منه، وردًّا إلى حُكْم الكُتَّاب ما يُراد نَزْعُه من حُكم المُعلِّم؟ إذا كان لا ينبغي لتلميذي أن يرى غير تصاوير يُمليها الهوى، فإنني أفضِّلُ أن تُرْسَم بيدي على رسْمها بيدٍ أخرى؛ وذلك لأنها تكون أحسن ملاءمةً له على الأقل.

وأسوأ المؤرخين من أجْل الفتى هم الذين يُصدِرون أحكامًا، الوقائعَ! الوقائعَ! دَعُوه يَحْكم بنفسه، هكذا يتعلَّم معرفةَ الرجال، إذا كان حُكْم المؤلف يُرشِده بلا انقطاع فإنه لا يرى بغير عين رجلٍ آخر، وإذا ما أعوَزَتْه هذه العين عاد لا يرى شيئًا.

وأدَع التَّارِيخ الحديث جانبًا، لا لأنه لا طابعَ له ولأن رجالنا يتماثلون جميعًا، بل لأن مؤرخينا الذين لا يهمُّهم غيرُ اللَّمْع حصرًا لا يُفكِّرون في غير وضع صُوَرٍ مُلوَّنة جِدًّا، فلا تُمثِّلُ شيئًا غالبًا،٧ وكان القدماءُ أقلَّ وضعًا للصور على العموم؛ فكانوا في أحكامهم أقلَّ اعتمادًا على الذهن وأكثرَ استنادًا إلى الشعور. وكذلك لا بُدَّ من القيام بخيارٍ كبيرٍ يُؤتى بينهم، ولا يجوز أن يُتَّخذ منهم في البُداءة مَن هم أكثرُ حصافة، بل مَن هم أعظمُ بساطة، ولا أودُّ أن أجعل في يد الفتى بُولِيبَ ولا سالُسْت، ويُعَدُّ تاسيتُ كتابَ الشِّيب، ولم يُصنع الفتيان ليفقهوه؛ أي إنَّ من الواجب في الأعمال البشرية أن تُعلمَ رؤيةُ رسومِ القلبِ البشري الأُولى قبل أن يُراد سَبْرَ غَوْره، وإن من الواجب أن تُحسَنَ معرفةُ القراءة في الوقائع قبل القراءة في الأمثال؛ فلا تلائم الفلسفةُ في شكلِ الأمثالِ غيرَ التجرِبة، ولا ينبغي للشباب أن يقوم بتعميم، ويجب أن يقوم تعليمه وَفْقَ قواعدَ خاصة.

وعندي أن تُوسِيديدَ مثالُ المؤرخين الصادق؛ فهو يروي الوقائعَ من غير أن يحكم فيها برأيه، ولكنه لا يُهمِلُ أيًّا من الأحوال الصالحة التي نحكُم بها في ذلك، وهو يضعُ كلَّ ما يَقُصُّ أمام عينَي القارئ، وهو يتوارى بعيدًا من أن يقوم بين الحوادثِ والقُرَّاء، فلا نعتقد أننا نقرأ، بل نعتقد أننا نرى. ومن المؤسف أنه يتكلم عن الحرب دائمًا، ولا نرى في أخباره غيرَ أقلِّ أمور الدنيا تثقيفًا، أي المعارك، وتكاد تكون ذات الحكمة وذات النقيصة تقريبًا في «تقهقر الآلاف العشرة» و«تفاسير قيصر». وقد يكون هيرودوتسُ — الخالي من الصور والأمثال ولكن مع الانسجام والبساطة وكثرة الجزئيات التي هي أكثرُ ما يُمتِع ويَرُوق — أصلحَ المؤرخين لو لم تتحوَّل هذه الجزئيات في الغالب إلى سذاجةٍ صبيانيةٍ خليقةٍ بأن تُفسِد ذوقَ الشبابَ أكثرَ من تكوينه، وذلك أننا نحتاج إلى قوةِ تمييزٍ لمطالعته، ولا أقول شيئًا عن تِيطُس ليفيوس الذي سيأتي دوره، والذي هو سياسيٌّ من فُرسان البيان، فلا يلائم هذا الدَّورَ من العُمُر.

والتَّارِيخُ ناقصٌ على العموم، وذلك من حيث كونه لا يُسجِّلُ غيرَ الوقائع المحسوسة البارزة التي يُمكِن تعيينها بالأسماء والأزمنة والمُدَد، ولكنَّ عللَ هذه الوقائع البطيئة التدريجية التي لا يُمكِن تعيينُها مثلَ ذلك تبقى غير معلومة دائمًا، وفي الغالب يوجد في المعركة التي تُكسَب أو تُخسَر سببَ ثورةٍ كانت، حتى قبل هذه المعركة، قد أصبحت أمرًا لا مفرَّ منه، ولا تصنع الحرب مطلقًا غيرَ إظهار حوادثَ كانت قد عُيِّنَت بعللٍ أدبيةٍ لا يَعْرِفها المؤرخون إلا نادرًا.

وقد حوَّل الروحُ الفلسفيُّ إلى هذه الناحية تأمُّلاتِ كثيرٍ من كُتَّاب هذا العصر، ولكني أشُكُّ في كون الحقيقة تَكسِب من عملهم؛ فبما أن صولة المناهج استحوذت عليهم جميعًا فإنه لا أحدَ يحاول أن يرى الأمور كما هي، بل كما تُطابِقُ منهاجه.

وإلى جميع هذه التأمُّلات أضيفوا كونَ التَّارِيخ يرى الأعمالَ أكثرَ من الرجال؛ وذلك لأن التَّارِيخ لا يُمسك هؤلاء في غير بعض الأوقات المختارة ضمن ثياب أبَّهتهم، والتَّارِيخ لا يَعْرض غيرَ الرجل العام الذي رتَّب نفسه ليُرى، وهو لا يتعقبه مطلقًا في بيته ولا في حُجرته ولا في أسرته ولا بين أصدقائه، وهو لا يصوِّره إلا حين يُمثِّل، ولباسه لا شخصه هو الذي يُصوِّر.

وأفضِّلُ مطالعةَ السِّيَر الخاصة للبدء بدراسة القلب البشري؛ وذلك لأنَّ من العبث أن يُخفي الرَّجل نفسه؛ فالمؤرخ يتعقبه في كل مكان، وهو لا يترك له ساعة استراحة، ولا زاوية يُفلِتُ فيها من عينه الثاقبة، وهو كلَّما ظنَّ أنه أحسنَ اختفاءً كان الآخرُ أحسنَ اطِّلاعًا عليه. قال مونتين: «كلَّما تلهَّى كاتبو السِّيَر بالمقاصد أكثرَ مما بالوقائع، وبما يصدر عن الباطن أكثرَ مما عن الظاهر، كانوا مفضَّلين لديَّ؛ ولذا فإن بلُوتارك رَجُلي من كلِّ وجه.»

حقًّا أنَّ عبقريةَ الرِّجالِ المجتمعين أو عبقريةَ الأممِ كثيرةُ الاختلافِ عن عبقريةِ الرَّجلِ وهو منفرد، وأنَّ مِن نقْصِ المعرفةِ بالفؤادِ البشريِّ عدمَ درْسهِ بين الجمهورِ أيضًا، بَيْدَ أنه لا يَقِلُّ عن هذا صحةً وجُوبُ البدءِ بدراسةِ الرَّجلِ للحُكمِ في الرجال، وأن مَن يَعْرِفُ ميولَ كلِّ فردٍ معرفةً تامَّةً يُبصر جميعَ آثارِها التي تُمازِجُ كِيانَ الأمَّة.

وهنا أيضًا يجبُ أن يُرجَعَ إلى القدماءِ للأسبابِ التي قُلْتُها سابقًا، ثُمَّ إن جميعَ الجزئياتِ المألوفةِ الوضيعةِ إذ كانت مُبعدةً من الأسلوبِ الحديثِ مع كونها صحيحةً بارزة، بدا الرجالُ من تجميلِ مؤلفينا لهم في سِيَرِهم الخاصَّةِ مثلَ تجميلِهم في ميدانِ العالَم، وعاد الحياءُ الذي ليس أقلَّ صرامةً في المؤلَّفاتِ مما في الأعمال، لا يَسْمح بالقولِ علنًا أكثرَ مما يَسمحُ بصُنعه جهرًا. وبما أنه لا يمكن إظهار الرجال غير ممثِّلين دائمًا، فإنهم لا يُعرَفون في كتبنا أكثرَ مما في مسارحنا. وصار من الممكن أن تُكتَب حياة الملوك مائة مرة، وعاد لا يكون عندنا مثلُ سويتونيوس.٨

ويبرع بلوتارك في هذه الجزئيات التي عُدنا لا نجرؤ على الدخول فيها، وله كِياسةٌ منقطعةُ النظير في تصوير أعاظم الرجال في أدق الأمور، وهو من حسن التوفيق في اختيار رسومه ما تكفي معه في الغالب كلمةٌ أو ابتسامةٌ أو حركةٌ لإبراز بطله، ومن ذلك أن أنيبال سكَّن رَوْع جيشه الخائف وجعله يزحف ضاحكًا إلى المعركة التي سلَّمت إليه إيطالية، ومن ذلك أن أجِيزيلَاس، الراكبَ حصانًا على عصًا، حبَّب إليَّ قاهرَ الملك الأكبر، ومن ذلك أن قيصر يجوب قريةً فقيرةً ويُكلِّم أصدقاءه، فيَنِمُّ من حيث لا يدري، على الماكر الذي يقول إنه لا يريد غير مساواة بُونْبِي، ومن ذلك أن الإسكندر بلع علاجًا ولم ينبِس بكلمة، فكانت هذه أجملَ ساعةٍ في حياته، ومن ذلك أن أرِستيد كتب اسمه على صدفٍ مُسوِّغًا لقبه بهذا. ومن ذلك أن فيلوبيمين ألقى رداءه جانبًا وقطَّع حطبًا في مطبخ مُضيِّفه. فهذا هو فنُّ التصوير، وما كانت السِّيما لتبدو بالملامح الكبيرة، وما كانت السجية لتتجلَّى في الأعمال العظيمة، وإنما الترَّهات هي التي تكشِفُ عن الطَّبع، وتكون الأمور العامة عاديةً كثيرًا أو مُعدَّةً كثيرًا، وعند هذه وحدَها تقريبًا يَسمح وقار العصر لمؤلفينا بأن يقفوا.

ولا جدالَ في أن مسيو دُوتُورين من أعظم رجال القرن الأخير، وقد جُرِئ على جعْل حياته ممتعةً بالجزئيات التي عَرَّفت النَّاس به وحبَّبته إليهم، ولكن ما أكثرَ ما قُضيَ بحذفِ كثيرٍ منها كان يجعله معروفًا لدينا ومُحبَّبًا إلينا زيادةً على ما اتَّفق له! ولا أُورِدُ غيرَ واحدةٍ أقْتبسها من مصدرٍ موثوقٍ به، ولم يكُ بلوتارك ليُهْملها، ولكن مع عدم تسجيل رَمْسي لها حتى عند معرفته إياها:

في يومٍ من الصيف شديدِ الحر، كان فيكونْت دُوتورين عند نافذة غرفة الانتظار لابسًا سُترةً بيضاءَ وقَلَنْسوة، ويظهر أحد خَدَمه بغتة، ويُخْدَع باللباس، ويظنُّه أجيرًا في المطبخ معروفًا لديه، ويدنو مِن خلْفه على مَهْل، ويَضرِبه ضربةً شديدةً على ألْيته، ويلتفت الرجلُ المضروبُ إلى ورائه من فوْره، ويَرى الخادمُ وهو يرتعش وجهَ سيِّده، ويركع والهًا، ويقول: «مولاي، لقد اعتقدت وجودَ جورج.» ويقول تورين وهو يَحُكُّ مؤخَّرَه: «لا يجوز الضرب بهذه الشدة، ولو كان جورج هو المضروب.» وهذا إذن هو الذي لا تَجرُءون على قوله أيها المساكين! وكونوا إلى الأبد إذن بلا فِطْرةٍ ولا عواطف، وسَقُّوا قلوبَكم بالحديد وقَسُّوها به داخل حيائكم المُزدَرى، واجعلوا أنفسكم محتقرين بفعل الوقار. وأمَّا أنت أيها الفتى الصالح، الذي يقرأ هذه القصة، والذي يشعُر شعورَ حنانٍ بكلِّ ما تدلُّ عليه من حِلْمٍ حتى في الحركة الأُولى، فاقرأ أيضًا صَغَارات هذا الرجلِ العظيم حين البحثُ عن أصله واسمه، واذكُر أن تُورينَ هذا هو الذي تظاهر في كلِّ مكانٍ بأنه يفسحُ في المجال لابن عمه حتى يُرى جيِّدًا أن هذا الولد كان رئيسَ بيتٍ مالك، وقابِلْ بين هذه المتناقضات وأحِبَّ الطبيعة وازدَرِ المُبتسَر واعْرف الرجل.

وقليلٌ من النَّاس مَن يتمثَّلون ما قد يكون لهذه القراءات الموجَّهة على هذا الوجه في الفتى الخالي الذهن، وبما أننا نكون مُثقَلين بكتب صِبانا متعودين القراءةَ من غير تفكير، فإن ما نقرأ يكون من قلةِ وقْفِه لنظرنا ما نَعُدُّ معه ما يفعلون أمرًا طبيعيًّا عن سابقِ حَمْلِنا في أنفسنا مُبْتسَراتٍ وأهواء تملأ تاريخ الرجال وسِيَرَهم؛ ولأننا خارجَ الطبيعة فنحكُمُ في الآخرين بأنفسنا، ولكن لنتصوَّرْ فتًى نُشِّئَ وَفْقَ مبادئي، ولْنتمثَّلْ إميلَ الذي لم يكن لجهود ثماني عشرةَ سنةً متواصلةً من الغاية غيرُ المحافظة فيه على تمييزٍ سليمٍ وقلبٍ صحيح، ولْنتخيَّله بعد رفْع الستار وهو يُلقي نظرَه على مسْرح العالَم للمرة الأُولى، أو لِنَتنوَّره وراء المسرح ناظرًا إلى الممثلين وهم يتناولون ثيابهم ويَلبسونها، عادًّا الحبالَ والبكرات التي تخدعُ عيون الحضور؛ فهو لا يَلبثُ أن تعقُبَ دهْشته الأُولى أحاسيسُ حياءٍ وازدراءٍ نحو نوعه، ويشتاط غيظًا من مشاهدته جميعَ الجنس البشري هكذا أحمقَ بالغًا من الهوان ما يقوم معه بهذه الألعاب الصبيانية، ويحْزن من رؤيته افتراسَ بعض إخوانه لبعضٍ في سبيل أحلامٍ وتحوُّلهم إلى ضوارٍ لعدم معرفتهم الاكتفاء بأن يكونوا آدميين.

والحقُّ أنه إذا ما نُظِرَ إلى قابليات التلميذ كان ذلك التمرينُ له درسَ فلسفةٍ عمليةٍ أفضلَ لا ريب، وأرعى للسماع من جميع الدروس النظرية الفارغة التي تُفسِدُ ذهنَ الفِتيان في مدارسنا، وذلك مهما قلَّ ما يأتي المُعلِّمُ من فِطنةٍ واختيارٍ في مطالعاته، ومهما قلَّ ما يُسْلكُه سبيلَ التأمُّل الذي يجب استخراجه منها. ويتتبَّع سينياس خِططَ بِيرُّوسَ الخيالية فيسأله عن الخير الحقيقي الذي يُنال من فَتْح العالم، من هذا الفتح الذي لا يستطيع أن يتمتَّع به الآن من غيرِ كُروبٍ كثيرة، ولا نرى في ذلك غيرَ كلمةٍ صالحة عابرة. وأمَّا إميلُ فسيرى فيها تأمُّلًا بالغَ الحكمة كان أوَّلَ مَن أتاه، فلا يزول من ذهنه أبدًا؛ وذلك لأن هذا التأمُّل لا يجد في ذهنه أيَّ مُبْتَسَرٍ معاكسٍ يمكن أن يَعُوق انطباعه، وهو إذا ما وَجَدَ بعد قراءة سيرة هذا الأحمق أن جميعَ خِططِه العظيمةِ أدَّت إلى قتله بيدِ امرأة، فإنه بدلًا من الإعجاب بهذه البطولة المزعومة، ما يرى في جميع مفاخر هذا الرُّبان العظيم، وفي جميع دسائس هذا السياسي العظيم، غيرَ خطواتٍ سار بها بحثًا عن تلك الآجُرَّة المشئومة التي ختمتْ حياتَه وقضت على خِططه بموتٍ شائن؟

ولم يُقتل جميعُ الفاتحين، ولم يُصَب جميعُ الغاصبين بالحبوط في مشاريعهم، ويبدو كثيرٌ منهم سعداء في الأذهان المُشْرَبة من الآراء العامية. بَيْدَ أن الذي لا يقِفُ عند الظواهر، فلا يحكم في سعادة النَّاس إلا وَفْقَ حال أفئدتهم، يرى بؤسهم في فوزهم، ويرى رغائبهم وغوائلهم القاضمة تتسع وتزيد مع طالعهم، ويرى انقطاع نَفْسِهم وهم يتقدمون من غيرِ أن يبلغوا حدَّهم مطلقًا، ويراهم مشابهين للمسافرين الأغرار الذين يوغلون في جبال الألب فيتصورون أنهم يجاوزونها عند كلِّ جبل، فإذا ما بلغوا الذروة وجدوا مع القنوط أعلى الجبالِ أمامهم.

وبعد أن أخضع أغسطسُ مواطنيه وقضى على منافسيه، سيطرَ مدةَ أربعين عامًا على أعظمِ إمبراطورية عُرِفَت، ولكن هل حالَ هذا السلطانُ الواسع دون نَطحِه الجدرانَ وملئه قصرَه العظيمَ صُراخًا طالبًا من فاروسَ أن يُعيد إليه كتائبَه المُبادة؟ وهو بعد أن قهر جميع أعدائه ماذا كان نفْعُ انتصاراتهِ له، على حينِ كانت جميعُ المتاعب من كلِّ نوعٍ تظهر حوْله بلا انقطاع، وعلى حينِ كان أعزُّ أصدقائه يأتمرون به ليقتلوه، فيبكي لما يُلاقي المقرَّبون إليه من خِزيٍ أو قَتْل؟

أراد هذا التَّعِسُ أن يسيطر على العالم، وهو لم يستطع أن يهيمن على منزله! وما الذي نشأ عن هذا الإهمال؟ لقد أبصرَ هلاكَ ابنِ أختِه وابنِه بالتبني وصهرِه في مَيْعةِ الشباب، وقد رأى اضطرار حفيده إلى أكلِ حشوة فراشه إطالةً لحياته التَّعِسة بضعَ ساعات، وقد غَمرتْه ابنتُه وحفيدته بفضائحهما، فماتت إحداهما بؤسًا وجوعًا في جزيرةٍ قَفْرٍ وهلكت الأخرى في السجن بيدِ نبَّال، وأخيرًا تَحْمله زوجته الخاصة، وهو بقيةُ أسْرته المنكودة الحظ على عدم تركه غيرَ غولٍ لِيَرِثَه، فذاك هو مصيرُ هذا السَّيِّدِ للعالَم الذي مُجِّدَ كثيرًا بسبب عِزِّه وسعادته، وهل أعتقدُ أن واحدًا ممن يُعجَبون به يَودُّ نَيْلَهما بهذا الثَّمن؟

وقد اتخذتُ الطموحَ مثالًا، غيرَ أنَّ لَعِبَ جميعِ الأهواء البشرية يَعْرِض مثلَ هذه الدروس على مَن يُريد درْسَ التَّارِيخ حتى يَعْرِف نفسَه ويكون حكيمًا على حساب الأموات، ويدنو الوقت الذي ستكون سيرة أنطونيوس فيه لدى الشاب مثلَ سيرة أغسطس. ولن يَعْرِف إميلُ أين هو في الأمور الغريبة التي تَقِفُ نظرَه في دروسه الجديدة، ولكنه سيَعْرِف أن يُبعِد مُقدَّمًا وَهْمَ الأهواء قبْل أن تُولَد، وهو إذْ يرى أنها أعْمَت الرجال في جميع الأزمان فإنه سيكون على علمٍ بالوجه الذي يمكن أن تُعْميه فيه بدوْره إذا ما انقاد إليها.٩ وأعْرِف أن هذه الدروسَ غيرُ ملائمةٍ له، وأن من المحتمل أن تكون عند الحاجة متأخرةً ناقصة، ولكن اذكُروا أنني لم أُرِد استخراجَها من هذا البحث؛ فقد قصدتُ أمرًا آخر حين البدء بها، ولا ريبَ في أن سوء القيام بهذا الأمر يكون خطأً من المُعلِّم.

واذكُروا أن الأنانية إذا نمَتْ لم تلبث الذاتُ النسبيةُ أن تتحرك بلا انقطاع، فلا يلاحظ الفتى الآخرين من غير أن يعود إلى نفسه ويقابل بينها وبينهم؛ ولذا فإن من المهمِّ أن تُعرَف المرتبة التي يضعُ نفسه فيها بين أمثاله بعد أن يَدرُسهم، وأرى بالأسلوب الذي يُحمَل الشبانُ به على مطالعة التَّارِيخ، أنَّهم يتحوَّلون إلى جميع مَن يُبصِرون من السَّرَاة، فيُسْعى في أن يُجعَل منهم شيشرونُ أحيانًا وتراجانُ مرةً والإسكندرُ تارة، فيدِبُّ اليأس في أفئدتهم إذا ما عادوا إلى نفوسهم حين يرى كلُّ واحدٍ منهم أنه هو فقط؛ ولهذا المنهاج بعضُ الفوائد التي لا أنكرها. ولكن إميلَ إذا ما حدثَ ذاتَ مرةٍ أن قام بهذه المقارنات، فأراد أن يكون غيرَ نفسه، ولو كان الآخرُ سقراطَ أو كاتونَ عدَدْتُني قد حَبِطْتُ في عملي، ومن يأخذ في جعْل نفسه غريبةً عنه لم يُعتِّم أن ينسى نفسَه تمامًا.

وليس الفلاسفةُ أحسنَ مَن يَعْرِفُ الرجال؛ فالفلاسفة لا يَعْرِفونهم إلا من خلال مُبتَسَرَاتِ الفلسفة، ولا أعْرِفُ أحدًا كالفلاسفةِ ذا مُبْتَسَر، وللهمجيِّ رأيٌ فينا أصحُّ من رأي الفيلسوف. والفيلسوف يشعر بعيوبه ويغتاظ من عيوبنا، ويقول في نفسه: «كلنا خبيث.» وينظر الهمجي إلينا من غير أن يهتز، ويقول: «أنتم من المجانين.» وحُقَّ له أن يقول هذا؛ وذلك لأنَّه لا أحدَ يعمل السيئةَ للسيئة، وتلميذي هو هذا الهمجي، وذلك مع الفارق القائل إن إميلَ إذ كان أكثرَ تأمُّلًا ومقابلةً بين الأفكار واطِّلاعًا على أغاليطنا عن كَثَب، يَظهرُ أكثرَ احترازًا نحو نفسِه، ولا يحكم بغير ما يَعلم.

وأهواؤنا هي التي تُثيرُنا على أهواء الآخرين، ومصلحتُنا هي التي تَحمِلُنا على مَقْت الأشرار، وهؤلاء إذا لم يفعلوا بنا سوءًا حَمَلْنا لهم عطفًا أكثرَ من حَمْلنا لهم حِقْدًا، وما يفعل الأشرارُ بنا من سوءٍ يجعلنا ننسى ما يفعلون من سوءٍ نحو أنفسهم، ويسهُل علينا أن نصفحَ عن سيئاتهم إذا ما استطعنا أن نعرفَ مقدارَ تعذيب فؤادهم لهم من أجلها، ونشعرُ بالذنب ولا نرى العِقاب. والمنافعُ ظاهرةٌ والعقوبةُ خافية، ومَن يعتقد أنه يتمتَّع بثمرة عيوبه لا يكون بها أقلَّ عذابًا منه عند عدم نجاحه فيها، والموضوع تَغيَّر، والهمُّ هوَ هو، ومن العبث أن يُظهِروا نصيبهم، وأن يُخْفوا فؤادَهم؛ فسلوكهم يَدُلُّ عليه على الرغم منهم، ولكن لا ينبغي أن يكون لنا مثلُ فؤادهم للاطلاع عليه.

وما نُقاسِم من أهواءٍ يُغوينا، وما يَصدِمنا من مصالحَ يُثيرنا، ومن التناقض الذي يأتينا منها أن نَذُمَّ في الآخرين ما كُنَّا نوَدُّ تقليده، والكراهة والوهم من الأمور التي لا مفرَّ منها عند إلزامنا بأن نعاني من قِبَل الآخر سوءًا نعمله لو كُنَّا في مكانه.

وما يجب أن يُصنع لحُسْن البصر في الرجال؟ كبيرُ مصلحةٍ في معرفتهم، وعظيمُ إنصاف للحكم فيهم، وقلبٌ على شيءٍ من الإحساس لتمثُّل جميع أهواء النَّاس، وعلى شيءٍ من السكون لعدم ابتلائها، وإذا وُجدَت في الحياة ساعةٌ ملائمةٌ لهذا الدرس كانت تلك التي اخترتُها لإميل. والرجالُ كانوا غُرباء عنه قبل الآن، ثُمَّ يصير من أمثالهم، ولمَّا يَنلِ الرأي الذي يُبصِرُ فعْلَه سلطانًا عليه، ولم يَهُزَّ فؤاده قَطُّ ما يُحِسُّ أثرَه من أهواء، وهو إنسان، ويكترث لإخوانه، وهو عادل، ويحْكم في أقرانه، والواقع أنه إذا ما حكم فيهم جيِّدًا لم يُرِد أن يكون في مكانِ أيِّ واحدٍ منهم مطلقًا، وذلك بما أنه غاية جميعِ ما يُلاقُون من كُروبٍ تقوم على ما ليس عنده من مُبتَسَرات؛ فإن هذه الغاية تلوح له في الهواء، ويكون كلُّ ما يرغب فيه إميل في متناوَله. ومَن يَتْبَعُ إذا ما كفى نفسَه بنفسه وكان خاليًا من المُبْتَسَرات؟ وهو ذو ذراعين وصحةٍ١٠ واعتدالٍ واحتياجاتٍ قليلةٍ يوجد عنده ما يَقضيها به، وهو إذ نُشِّئَ تنشئةً حُرَّةً مطلقةً عُدَّت العبوديةُ أشدَّ ما يَتصوَّر من آفات، وهو يَرثي لهؤلاء المساكين الذين هم عبيدٌ لجميعِ مَن يطيعونهم، وهو يَرثي لهؤلاء الحكماء الزائفين المقيَّدين بصيتهم الزائف، وهو يرثي لهؤلاء الأغنياء الأغبياء الذين هم ضحايا أُبَّهتهم، وهو يرثي لشهاوَى التفاخر الذين يُسْلِمون حياتَهم كلَّها إلى السَّأَم حتى يَظهروا ذوي ملاذَّ، وهو يرثي لعدوه الذي آذاه لِما يرى من بؤسه في خُبثه، فيقول في نفسه: «إن هذا الرجل جعل مصيره تابعًا لمصيري لانتحاله ضرورةَ الإضرار بي.»

وإذا ما تقدَّمْنا خُطوةً أصبْنا الهدف، والأنانية آلةٌ مفيدة، ولكنها خَطِرة؛ فهي تجرح اليد التي تستعملها، ومن النادرِ أن تفعل خيرًا بلا شرٍّ. وإميل إذ ينظر إلى مرْتبته في النوع البشري، ويرى حُسنَ موضعهِ منها، يُغوَى بتمجيد عقله عن عَمل عقلِكم، فيَعزو إلى مزيته أمرَ سعادته، ويقول في نفسه: «إنني حكيم، والنَّاس مجانين.» وهو إذ يَرثي للناس يزدريهم، وهو إذ يُهنِّئ نفسه يزيد تقديره لنفسه، وهو إذ يَشعُر بأنَّه أكثرُ منهم سعادةً يَعتقد أنه أكثرُ من أهلٍ لها، وهذا أكثرُ ما يُخشى من خطأ؛ وذلك لأنَّه أصعبُ ما يُمكِن أن يُزال، وهو إذا ما بَقيَ في هذه الحال كان قليلَ الانتفاع من جميعِ جهودنا، فإذا ما وجبَ الاختيارُ فلا أدري هل أُفضِّل وهْمَ المُبْتَسَرات على وهْمِ الخُيَلاء.

ولا يتطرقُ الوهمُ إلى أعاظمِ الرجال حوْل تفوُّقهم؛ فهم يروْنه ويُحِسُّونه، ولكنهم لا يَقِلُّون عن هذا تواضُعًا، وهم كلَّما حازوا عرفوا كلَّ ما يُعْوِزُهم، وهم أقلُّ غرورًا بارتقائهم فوقنا من هوانهم بما يُحِسُّون من ضَعْفهم، وهم يَبلُغُون من حيث الأموالُ التي يَملِكونها حصرًا درجةً من الصواب ما لا يُغَرُّون معه بعطيَّةٍ لم يصنعوها. أجلْ، قد يَزهو رجلُ الخير بفضيلته لأنها له، ولكن ممَّ يزهو رجلُ الذِّهن؟ وماذا صنعَ راسينُ لكيلا يكونَ برَادُونَ؟ وماذا صنع بوَالُو لكيلا يكونَ كُوتَان؟

والأمرُ هنا شيءٌ آخرُ أيضًا، ولْنبقَ ضِمْن المستوى العام دائمًا، ولم أفترضْ في تلميذي نبوغًا عاليًا ولا تمييزًا واهيًا، وإنما اختَرْتُه من ذوي الأذهان العادية لأثبتَ ما يُمكِنُ أن يكون للتربية من فِعْلٍ في الإنسان، وتكون الشَّواذُّ كلها خارج القواعد، وإذا ما فضَّل إميل، نتيجةً لجهودي، طرازَ حياته وبصره وشعوره على طرازِ الآخرين حُقَّ له ذلك، ولكنه إذا ما ظنَّ نفسَه لهذا السبب من جِبلَّةٍ أرفعَ من جِبلَّتهم ومن أصلٍ أيمنَ من أصلهم عُدَّ مُخطئًا؛ أي ضالًّا، فوجبت إزالةُ ضلاله، وإن شئت فقل تلافي خطئه، وذلك خشيةَ أن يمُرَّ من الوقت ما يكون إصلاح ذلك معه بعد الأوان.

وإذا عدوتَ الزهوَ لم تجدْ جُنُونًا يتعذَّر شفاءُ رجلٍ غيرِ مجنونٍ منه، وأمَّا الزَّهوُ فلا يُقوِّمه غيرُ التجرِبة لو وُجِدَ له علاجٌ حقًّا، والزَّهو يُمكن أن يُحالَ دون استفحاله عند ظهورِه على الأقل؛ ولذا فلا تُهلِكوا أنفسَكم بإقامةِ البراهين الجميلة حتى تُثبتوا للمراهقِ أنه إنسانٌ كالآخرين، وأنه عُرضةٌ لعينِ الضَّعف، ودَعُوه يُحِسُّه، أو إنه لن يَعْرِفه مطلقًا. وهنا أيضًا حالٌ استثنائية لقواعدي الخاصة، وهذه هي حالُ عرْض تلميذي طوعًا لجميعِ الحادثات التي يُمكن أن تُثبِتَ له أنه ليس أكثرَ حكمةً مِنَّا، ويُمكن أن تُكرَّر عِرَافةُ المشعوِذ على ألفِ وجه، وأتْرُك المُصانعين يستفيدون منه. وإذا حدثَ أنْ ساقَه بعضُ المتهوِّرين إلى بعض الهَوْسات تركْتُه يُقابل الخطر، وإذا ما صاوله بعضُ المُخادعين في اللعب تركتُه يُغَشُّ١١ من قِبَلِهم؛ أي تركتهم يُدَارُونه ويُداوِرونه ويَنتِفُونه ويَسْلُبونه، وإذا ما أخذوا يستهزئون به بعد استنزافه شكرتُ لهم أمامَه ما تفضلوا بإلقائه عليه من دروس. والأشراكُ الوحيدةُ التي أَقِيه منها بعناية هي أشراكُ بنات الهوى، والمجاملات الوحيدة التي أُحابيه بها هي أن أقاسمه جميعَ أخطاره التي تركته يُعرَّض لها وجميعَ المخازي التي تركته يتلقَّاها، وسأحتمل كلَّ شيءٍ صامتًا، ومن غير تذمُّرٍ وتأنيب، ومن غير أن أقول له كلمةً عن ذلك، وثِقوا بأن هذا السلوكَ الحكيمَ إذا ما حَصَل بإخلاصٍ فإن ما يَرى من احتمالي في سبيله يكون له من الأثرِ البالغِ في فؤاده أكثرَ مما يُعاني بنفسه.
ولا أستطيع أن أمنع نفسي من التنبيه هنا إلى المقام الزائف للمُعلِّمين، الذين يَرون انتحالَ الحكمة، فيعاملون تلاميذَهم مثلَ الأولاد دائمًا، فيمتازون منهم دائمًا في كلِّ ما يَحمِلونهم على صنْعه، وهكذا ابتعِدوا عن خفضِ إقدامهم الناشئ، ولا تدَّخِروا وُسعًا في رَفْع نفوسهم، واجعَلوهم مساوين لكم حتى يصبحوا هكذا، وإذا لم يستطيعوا الارتقاءَ إليكم أيضًا فاهبِطوا إليهم بلا خَجلٍ ولا وَسْواس، واذكُرُوا أن سعادتكم عادَتْ لا تكون فيكم، بل في تلميذِكم، وشاطروه أوزارَه إصلاحًا لها، واحتملوا خِزْيه مَحوًا له، واقتَدُوا بالروماني الباسل الذي رأى هزيمةَ جيشِه ولم يَقدِر على جَمْع شَمْله، فأخذ يَهرُب على رأس جنوده قائلًا صارخًا: «إنَّهم لا يَفِرُّون، بل يَتَّبِعون قائدَهم.» وهل أُصيبَ بعارٍ من هذا؟ كلَّا، بل زاد مَجْدَه إذْ ضحَّى به على هذا الوجه. ألَا إن قوةَ الواجبِ وجمالَ الفضيلةِ يجذبان أصواتنا ويُزيلان مُبْتَسَراتنا السخيفةَ على الرغم مِنَّا، فإذا ما صُفِعْتُ حين قيامي بواجباتي نحوَ إميلَ فإنني أُفاخر بهذا في كلِّ مكانٍ بعيدًا من الانتقام لنفسي، ومما أشكُّ فيه وجودُ رجلٍ في العالَم يَبلُغ من اللؤم١٢ ما لا يَزيد معه احترامًا لي من أجْل ما تقدَّم.

ولا يَعْني هذا أن يَفترضَ التلميذُ في مُعلِّمه معارفَ محدودةً مِثلَ معارفه، ولا سهولةَ إغواءٍ مِثلَه، وهذا الرأيُ صالحٌ لولدٍ لا يَعْرِف أن يرى شيئًا، ولا أن يَقيس شيئًا، فيجعلُ جميعَ العالَم في متناوَله، ولا يضعُ ثِقتَه في غيرِ مَن يَعْرِفون وضْع أنفسِهم في مستواه حقًّا. بَيْدَ أن فتًى في مِثْلِ سِن إميل متَّصِفًا بمثلِ صوابه لا يَبلغ من السُّخْفِ ما يقترف معه هذا الخطأ، ولا يكون من المرغوب فيه ظهورُه هكذا، ويجب أن يكون اعتمادُه على مُعلِّمه من غيرِ هذا النوع؛ وذلك أنَّ من الواجبِ قيامَ هذا الاعتماد على سلطان العقل وعلى فَضْل المعارف، وعلى ما يكون للفتى من فوائدَ في العِلم بها، فيَشعُرُ بنفعها لنفسه، وقد أقنعَتْه التجرِبة الطويلة بأنه محبوبٌ من قِبَل رائده، وبأن هذا المرشدَ رجلٌ حكيمٌ بصيرٌ راغبٌ في سعادته، عارفٌ بما يُمكن أن يأتيَه بها، ويجب أن يَعْرِف أن مصلحته الخاصة تقضي بأن من الملائمِ له أن يستمع إلى نصائحه. والواقعُ أن المُعلِّم إذا ما سمحَ لنفسه بأن تُخدَع مثلَ التلميذ يكون قد أضاع حقَّه في مطالبته بالاحترامِ وفي إلقاءِ دروسٍ عليه، وأقلُّ من هذا وجوبُ افتراضِ التلميذِ تركَ المُعلِّمِ إياه يقعُ في الأشراكِ قَصْدًا ونَصْبَه حبائلَ لبساطتِه عَمْدًا. وما يجِبُ أن يُصنَع إذنْ لاجتنابِ هذَيْن المحذورَيْن معًا؟ إن أفضلَ ما في الأمرِ وأقربَ إلى الطبيعةِ أن يكون مِثْلَه بسيطًا صادقًا، وأن يُحذِّره من الأخطارِ التي يُعرَّضُ لها، وأن يدُلَّه عليها بوضوحٍ وعلى وجهٍ محسوس، ولكنْ من غيرِ مبالغةٍ ولا هوًى ولا حذلقة، ومن غيرِ أن تُعطوه آراءكم على شكلِ أوامر، وذلك إلى الحين الذي تصبح فيه هكذا، وإلى الحين الذي تغدو فيه لهجةُ الأمرِ هذه ضروريةً حتمًا. وإذا ما الْتَزم جانبَ العناد بعد هذا، كما يقع غالبًا، فلا تقولوا له شيئًا، ودَعُوه يكون طليقًا، واتَّبِعُوه، وقَلِّدوه، ولْيكن هذا بسلامةِ قلبٍ وحسنِ طَوِية، وانْهَمِكوا وتَلهَّوْا مِثلَه ما أمكن هذا، فإذا ما صارت النتائجُ حَرِجةً جِدًّا كنتم على استعدادٍ لوقفها، ومع ذلك فإن الفتى إذا كان شاهدًا على حَذَركم ولطفِكم، فما أكثرَ ما يقِفُ نظرَه أحدُ الأمرَيْن وما يتأثَّر بالآخر! وتُعَدُّ أوزارُه كلُّها روابطَ يُجهِّزُكم بها لردعهِ عند الضرورة. وأكثرُ ما تتجلَّى به مهارةُ المُعلِّم هنا كما هو الواقع، هو أن يأتي بالفُرَص، وأن يسوقَ النصائحَ على وجهٍ يَعرِفُ به مُقدَّمًا متى يُذْعِنُ الفتى ومتى يَعْنِد، وذلك ليُحاط في كلِّ مكانٍ بدروسٍ من التجرِبة، وذلك من غيرِ أن يُعرَّض للخطر كثيرًا.

وحذِّرُوه من سيئاتِه قبلَ أن يقعَ فيها، وهو إذا ما سَقَطَ فيها فلا تَلُوموه مطلقًا، وذلك لِمَا يؤدِّي إليه هذا من إلهاب أنانيته وإثارتها، وما كان الدرسُ الذي يُثيرُ ليُفيد، ولا أعْرِف ما هو أكثرُ سخافةً من هذه الكلمة: «كنتُ قد قلتُ لك هذا.» وأحسنُ وسيلةٍ تُتَّخذُ لتذكيرِه بما قيل له أن يُتظاهَرَ بنسيانه. وعلى العكس، إذا ما أبصرتموه خَجِلًا من عدم إطاعته لكم، فأزيلوا هذا الخزي بالقول الطيب، وهو يتعلَّق بكم لا رَيْبَ عندما يَرَى نسيانَكم نفسَكم في سبيله، وأنكم تُسَلُّونه بدلًا من أن تَسْحَقوه، ولكنكم إذا ما أضفتم إلى غمِّه تأنيبًا وعتابًا حقد عليكم وانتحل لنفسه دستور عدم الإصغاء إليكم، كأنه يريد أن يثبت لكم أنه لا يُفكِّر مِثلَكم في أهميةِ آرائكم.

وقد يكون الوجهُ الذي تأتُون به تسليتَكم إياه درسًا نافعًا له بمقدارِ عدمِ حَذَره منه، ومتى قُلْتُم له مثلًا، إنَّ ألفًا من النَّاس يقترفون عينَ الخطيئات لم يَكُن هذا ما يَنتَظر، وتُصلِحونه بظهورِكم متوجِّعين له؛ وذلك لأنَّ هذا عند مَن يعتقد أنَّه أغلى من الآخرين اعتذارٌ مُخزٍ بأن يتأسَّى على مثالهم، ولأن هذا يعني تَمثُّلًا لِكونِ أكثرِ ما يُمكنُ أن يَدَّعيه هو أنهم ليسوا أفضلَ منه.

وزمنُ السيئاتِ هو زمنُ الأمثال، وإذا ما أُنِّبَ المُذنبُ تحت قِناعٍ غريبٍ أُدِّبَ من غيرِ أن يُهان، وهنالك يُدْرِك أن المَثَل ليس كذِبًا، وذلك من حيث الحقيقة التي يُطبِّقها على نفسه. ولا يُدركُ الولدُ الذي لم يُخدَع قَطُّ بمدحٍ شيئًا من المَثَلِ الذي بحثتُ فيه آنفًا، بَيْدَ أن الطائشَ الذي خُدِع بمُصانِعٍ يَتصوَّر تصوُّرًا عجيبًا كوْنَ الغُرابِ ليس غيرَ غبي، وهكذا فإنه يستنبِط مَثلًا من حادث، وما يَنْسى من تجرِبةٍ حالًا يُنقَشُ بالمَثَل في ذهنه. ولا يوجد من المعارف الأدبية ما لا يمكن اكتسابه بتجرِبة الآخرين أو بتجرِبة نفسه. وإذا ما كانت هذه التجرِبة خطرةً استُنبطت عِبْرتُها من القصة بدلًا من إتيانها فعلًا، ومتى كان الاختبارُ غير ذي بالٍ كان من الحَسَن أن يُعرَّض له الفتى، ثُمَّ يُصاغُ في قالبِ أمثال، وبواسطة الحكاية، ما عَرف من أحوالٍ خاصة.

ومع ذلك فلا أقصِدُ بسطَ هذه الأمثال، ولا التعبيرَ عنها أيضًا؛ فلا شيءَ فارغٌ ولا سيِّئُ الفهْم كالناحية الخُلُقية التي يُختَم بها مُعظَمُ الأمثال، وذلك كما لو كانت الناحية الخُلُقية غيرَ مبسوطةٍ في المَثَل، أو كان من غير الواجب بسطُها فيه، وذلك على وجهٍ يكون به محسوسًا لدى القارئ! ولِمَ إذن تُضاف هذه الناحية الخُلُقية إلى خاتمة المَثَل، فتُنزَع من القارئ لذَّةُ اكتشافِه لها بنفسه؟ يقومُ فنُّ التَّعليم على جَعْلِ التلميذِ راغبًا في التَّعلُّم، والواقعُ أنه لا ينبغي لرغبته في التعلُّم أن يَبقى ذهنُه من السلبية في كلِّ ما تقولون له ما لا يَصنَعُ معه شيئًا غيرَ الإصغاءِ إليكم، ومما يَجبُ هو أن تَترُكَ أنانيةُ المُعلِّم دائمًا بابًا لتلميذه فيستطيعَ أن يقول: أُدْرِكُ، أُبصرُ، أتقدَّمُ، أتعلَّمُ. ومن الأمورِ التي تجعلُ ممثِّلَ الكُمِيدْيةِ الإيطاليةِ مُمِلًّا هو ما يُعنى به من إيضاحِه للحضورِ ما كان يُسمَع كثيرًا، ولا أريدُ أن يكون المُعلِّم كذلك الممثِّل مطلقًا، وأقلُّ من ذلك رغبتي أن يكون المؤلِّفُ مِثْلَه، ومما يجب أن يكون ما نقولُ مفهومًا دائمًا. ولكن لا ينبغي أن يُقال كلُّ شيءٍ دائمًا؛ فالذي يقول كلَّ شيء لا يقولُ غيرَ أشياءَ قليلةٍ؛ وذلك لأنه لا يُنصَت له في آخرِ الأمر. وما معنَى هذه الأبيات الأربعة التي أضافها لافُونْتِنُ إلى مَثَلِ الضِّفْدِعة المُنْتفِخة؟ أيَخشَى ألَّا يُفهَم؟ أَوَيحتاجُ هذا المصوِّرُ العظيمُ إلى كتابة الأسماء تحت الأشياء التي يُصوِّرُها؟ ويَبعُدُ من تعميمِ ناحيتِه الخُلُقيةِ بذلك، وهو يخصِّصها، وهو يَقْصِرُها من بعضِ الوجوهِ على الأمثلةِ الواردة، وهو يَحُول دون تطبيقها على أمثلةٍ أخرى. وأودُّ قبْلَ وضْعِ أمثالِ هذا المؤلفِ المنقطعِ النظير بين يدي الفتى أن يُحذَف منها جميعُ تلك النتائجِ التي احتملَ مشقةَ إيضاحه بها ما قاله بجلاءٍ وعلى وجهٍ مسْتحسَن، وإذا تلميذُكم لا يَفهمُ المَثَلَ إلا بالإيضاحِ فثِقوا بأنه لن يفهمَه حتى على هذا الوجه.

ومن المهمِّ أيضًا أن تُمنَح هذه الأمثالُ نظامًا أكثرَ تعليمًا وأعظمَ مطابقةً لتقدُّم مشاعر الفتى المراهق ومعارفه، وهل يُتصوَّر شيءٌ أقلُّ صوابًا من اتِّباع الترتيب العددي في الكتاب اتِّباعًا تامًّا مع عدم نظرٍ إلى الاحتياج أو المناسبة؟ فالغُرابُ أوَّلًا، ثُمَّ الزِّيز،١٣ ثُمَّ الضِّفْدِعة، ثُمَّ البَغلان … إلخ.

وأرى هذين البغلَين على قلبي؛ وذلك لأنني أذكرُ أنني رأيتُ ولدًا رُبِّيَ للمالية ودُوِّخ بالوظيفة التي يشغلُها، وقد حُمِلَ على قراءةِ هذا المَثَلِ وتعلُّمِه وتَكراره مئات المرات من غيرِ أن يجدَ أقلَّ اعتراضٍ على المهنةِ التي أُعِدَّ لها. ولم أرَ قَطُّ أولادًا يُطبِّقون ما يتعلمون من أمثالٍ تطبيقًا وثيقًا فقط، بل لم أرَ قَطُّ أناسًا يُبالون بحَمْلهم على هذا التطبيقِ أيضًا. والتعليمُ الخُلُقيُّ ذريعةُ هذا الدرس، ولكنَّ غَرَضَ الأمِّ والولدِ الحقيقيَّ لا يقوم على غيرِ شَغْلِ جماعةٍ به حين تلاوتِه أمثالَه عن ظهر القلب، وهذا إلى أنه يَنساها كلَّها في كِبَره عندما يَعودُ الأمرُ غيرَ قائمٍ على استظهارها، بل على الاستفادة منها، وهذا إلى أن التثقُّفَ بالأمثالِ لا يَخُصُّ غيرَ الرجال، وها هو ذا وقتُ بدء إميل.

وكذلك بما أنني لا أريد أن أقولَ كلَّ شيء، فإنني أدُلُّ من بعيدٍ على الطُّرق التي تُبعِدُ من الطريقِ الصالحة؛ وذلك ليُعلَمَ اجتنابُها، وأعتقد أنه إذا ما اتُّبِعَ الطريقُ الذي عُيِّنَ ابتاعَ تلميذُكم معرفةَ الرجال ومعرفةَ نفسه بأرخصِ ما يُمكِن من ثَمَن، وأنكم تُمكِّنونه من تأمُّلِ صُرُوفِ الدهرِ من غيرِ أن يَحسُد المفضَّلين عنده على نصيبهم، راضيًا عن نفسه غير ظانٍّ أنه أكثرُ حكمةً من الآخرين، وقد بدأتم أيضًا بجعله مُمثِّلًا جعْلًا له واحدًا من الحُضور، ويَجبُ الإكمال؛ وذلك لأن الأشياءَ تُرى من أسفل المسرح كما تَبدو. وأمَّا من المسرح فتُرى كما هي، ولا بُدَّ من الجلوسِ على بُعدٍ للاشتمالِ عليها جميعًا، ولا بدَّ من الدنوِّ لرؤية الجزئيات. ولكنْ بأيةِ حُجَّةٍ يتدخَّلُ الفتى في أمورِ الدنيا؟ وما حقُّه في الاطلاعِ على هذه الأسرار المُدلَهِمَّة؟ إن من مكايدِ اللذةِ ما يُحدِّد مصالحَ سِنِّه، وكذلك فإنه لا يتصرَّف في غيرِ نفسه، وهذا كأنه لا يتصرَّف في شيء، والإنسان أرخصُ السلع، وبين حقوقنا المهمة في التملُّك تجدُ الحقَّ في الشخص أقلَّها جميعًا.

وعندما أرى الفِتْيانَ في سنِّ النشاط البالغ يُقصَرون على دروسٍ نظريةٍ صِرفة، وأنهم يُقذَفون في العالَم وفي الأمورِ دفعةً واحدةً ومن غيرِ أقلِّ تجرِبة، أجدُ في هذا صدْمًا للعقل والطبيعة معًا، وأعودُ لا أُدهَش من قِلَّة مَن يَعْرِفون ما يصنعون، وبأية ذهنيةٍ غريبةٍ نُعلَّمُ أشياءَ كثيرةً غيرَ نافعة، مع عدمِ عدِّ فنِّ العمل شيئًا مذكورًا؟ يُزْعَم أننا نُعَدُّ للمجتمع، ونُعَلَّم كما لو كان على كلِّ واحدٍ مِنَّا أن يقضي حياتَه في التفكير وحدَه داخل حُجيرته، أو أن يعالجَ موضوعاتٍ باطلةً مع أخلياء. وأنتم تعتقدون أنكم تُعلِّمون أولادكم أمرَ الحياة، وذلك بتلقينهم شيئًا عن التواء العَضَل في البدنِ وصِيَغًا في الكلام لا معنَى لها، وأنا أيضًا علَّمتُ إميلَ أمرَ الحياة؛ وذلك لأنني علَّمتُه الحياةَ مع نفسه، وأن يكسِب عيشَه فضلًا عن ذلك، ولكن هذا لا يكفي؛ فلا بدَّ للحياة في العالَم من معرفةِ معاملةِ النَّاس، ولا بدَّ من معرفةِ الوسائلِ التي يُؤثَّر بها فيهم، ولا بدَّ من تقديرِ الفعلِ وردِّ الفعل للمصلحة الخاصة ضِمنَ المجتمع المدني، ومن البَصَرِ في الحوادثِ بَصَرًا صائبًا، فيَندُرُ خَدْعُه في مشروعاته، متَّخِذًا في كلِّ وقتٍ أفضلَ وسائلِ النجاحِ على الأقل. ولا تسمحُ القوانينُ للفِتيان بالقيامِ بمصالحهم الخاصةِ والتصرُّفِ في أموالهم الخاصة، ولكن ما نفعُ هذه الاحتياطات لهم إذا لم يستطيعوا حتى السِّنِّ المقرَّرة اكتسابَ أيةِ تجرِبةٍ كانت؟ وما كانوا ليربحوا شيئًا من الانتظار، وهم يكونون في الخامسة والعشرين من سنيهم من الجِدَّة كما لو كانوا في الخامس عشر من عُمُرهم. أجلْ، يجبُ أن يُمنَع الفتى الذي يُعْميه جَهلُه أو تخدعُه أهواؤه من الإضرارِ بنفسه، ولكنه يُسمح للإنسانِ في كل سنٍّ أن يكون محسنًا، ولكنه يُمكِن في كل سنٍّ أن يُحافَظ على التعساء الذين لا يحتاجون إلى غيرِ سَند، وذلك تحت إشرافِ رجلٍ حكيم.

ويتمسَّكُ المَراضِعُ والأمهاتُ بالأولاد لِمَا يبذُلن لهم من رعاية، وتَحمِل ممارسةُ الفضائلِ الاجتماعية حُبَّ الإنسانية إلى صميم الأفئدة، ويُصبحُ الإنسانُ صالحًا بفعل الخير، ولا أعْرِف معروفًا أضمن من هذا مطلقًا، واشغَلُوا تلميذَكم بالأعمال الصالحة التي هي في متناوَله، ولتكن مصلحةُ المعوِزين مصلحتَه دائمًا، ولا يقتصر على مساعدتهم من ماله، بل ليشملهم برعايته، ولْيخدُمهم، ولْيحمِهم، وليقفْ شخصَه ووقتَه عليهم، وليجعل من نفسه وكيلهم؛ فهو لن يقوم في حياته بعملٍ أنبلَ من هذا، وما أكثرَ المظلومين الذين لم يُسمَع لهم قَطُّ فيفوزوا بالعدل عندما يطلبه لهم بثباتٍ عظيمٍ تؤدِّي إليه مزاولةُ الفضيلة، وعندما يقتحم أبوابَ الكُبَراء والأغنياء، وعندما يَبلُغ موطئَ العرش عند الضرورة، إسماعًا لصوت المكروبين المُؤْصَدةِ دُونهم جميعُ المقابلات بسبب بؤسهم، والذين يستحوذ عليهم خوفُ العِقاب على مصائبهم التي ابْتُلُوا بِها، فلا يَجرُءون حتى على التوجُّع منها!

ولكنْ هل نَجعلُ من إميلَ فارسًا دوَّارًا، أو بطلًا للمظلومين نصيرًا، أو خيَّالًا مِغْوارًا؟ وهل يَتدخَّل في الشئون العامة، ويَجعَلُ من نفسه الحكيمَ المدافعَ عن القوانين لدى الكُبراء والحُكَّام والأمير، ويجعلُ من نفسه المستدعِيَ لدى القضاة والمحامي في المحاكم؟ لا أعْرِف شيئًا من جميعِ هذا، ولا تُغيِّرُ كلمتا المُجُون والاستهزاء شيئًا من طبيعة الأمور، وسيَصْنع كلَّ ما يَعْرِف أنه نافع صالح، ولن يَصْنع ما هو أكثرُ من هذا، وهو يعلَمُ أنه لا نافعَ ولا صالحَ له غيرُ ما يلائم سِنَّه. وهو يعلَمُ أن واجبَه الأوَّل يكون تجاه نفسه، وأن على الفتيان أن يحذروا أنفسهم، وأن يكونوا متحفظين في سلوكِهم، مُحتَرِمين لمن هم أسنُّ منهم، حافظين للسانهم، مُمسِكين عن القولِ بلا سبب، متواضعين في الأمور الخليَّة، ولكن مع إقدامٍ في صُنْع الخير وجُرْأة في قول الحق. وهذا ما كان عليه أولئك الرومانُ الأماجد، الذين كانوا قبلَ أن يُقبَلوا في المناصب يَقضُون شبابَهم في تعقُّب المجرمين والدفاع عن الأبرياء من غيرِ أن تكون لهم مصلحةٌ سوى التفقُّه حين خدمة العدل والمحافظة على حُسنِ الأخلاق.

ولا يُحبُّ إميلُ الضوضاءَ ولا الشجارَ بين النَّاس،١٤ حتى بين الحيوان، وهو لم يُحرِّضْ كلبَيْن على العِراك قَطُّ، وهو لم يحمل كلبًا على تعقُّب سِنَّوْر قَطُّ. وهذه النفس المسالمة هي نتيجة تربيته التي لم تُثِرْ أنانيته ولا زهوًا فيه، فحوَّلته عن طلب ملاذِّه في قهر الآخرين وبؤسهم، ويؤلمه منظرُ الألم، وهذا شعورٌ طبيعي، والذي يجعل الفتى يقسو ويتلذَّذ بمنظرِ تعذيبِ كلِّ ذي حسٍّ هو عَدُّه نفسه معصومًا من ذات الآلام بحكمته أو بأفضليته عن ترديد زَهوٍ، ومن يَكُن وراء متناول الزَّهو لا يُمكِن أن يقعَ في العيب الذي ينشأ عن الزهو؛ ولذا فإن إميلَ يحب السلام، ويَسُرُّه خيالُ السعادة، وهو إذا ما استطاع المساعدةَ على إحداثِها كانت هذه وسيلةً إضافيةً لمشاطرة النَّاس إياها، ولم أفترضْ أنه حين رؤيته التعساءَ لا يكون لديه غيرُ تلك الرحمة الجديبة الجافية التي تكتفي بالرِّثاء لكروبٍ تستطيع أن تَشفي منها، ومن شأنِ خَيْره الفعَّال أن يَمنَحه من فوْرِه معارفَ ما كان لِيَنالَها مطلقًا بقلبٍ أشدَّ قسوة، أو إنه ينالها مؤخَّرًا، وهو إذا ما رأى خلافًا بين رفقائه حاولَ أن يُوفِّقَ بينهم، وهو إذا ما رأى حُزَنَاء بحثَ عن سببِ كرْبهم، وهو إذا ما رأى رجلَين متباغضَين أراد أن يَعْرِف عِلَّة بغضائهم، وهو إذا ما رأى مظلومًا يئن من مظالمِ ذي سلطانٍ وذي ثراءٍ بحثَ عن وسائلَ لرفْع هذه المظالم، وما يساوره من اكتراثٍ لجميع البائسين يجعله يُعنَى بالوسائلِ التي يختم بها بؤسَهم، وما نصنع للانتفاعِ بهذه القابليات على وجهٍ يلائم سِنَّه؟ أن ننظم جهودَه ومعارفه، وأن نستخدم غَيرته لزيادتها.

ولا أَتْعَبُ من قولي مُكرَّرًا: اجْعلُوا جميعَ دروس الفِتيان عمليةً أكثرَ منها كلامية، ولا ينبغي أن يَتعلَّم الأولادُ شيئًا من الكتب يُمكِنُ أن يتعلَّموه من التجرِبة، ويا لسخافةِ خِطةٍ في تمرينهم على الكلامِ مع عدمِ وجودِ موضوعٍ يتكلَّمون عنه، وفي اعتقادٍ جعلَهم يشْعُرُون، وهم على مقاعدِ المدرسة، بقوةِ لسانِ الأهواء وبجميعِ قوة فنِّ الإقناع، وذلك من غيرِ وجودِ مصلحةٍ في إقناع أحد! ألَا إن جميعَ قواعدِ البيانِ لا تبدو غيرَ هَذَرٍ لِمَنْ لا يَعْرِف استخدامَها نفْعًا له، وما أَرَبُ التلميذ في معرفته كيف شَجَّع أنيبالُ جنودَه على مجاوزة جبال الألب؟ ثِقوا بأنه يكون أكثرَ انتباهًا إلى قواعدِكم لو قلتم له، بدلًا من هذه الخُطَب الفخمة، ما يجب أن يَصنَع لحَمْل مديره على منْحِه عُطْلَة.

ولو أردتُ أن أُلقِي البيانَ على فتًى نَمَتْ جميعُ أهوائه لَعرضتُ عليه بلا انقطاعٍ أمورًا صالحةً لمداراةِ أهوائه، ولدرستُ معه ما يجب أن يتَّخذَ من لسانٍ نحوَ الآخرين حَمْلًا لهم على استحسان رغائبه، بَيْدَ أن إميلَ ليس في وضعٍ ملائمٍ لفنِّ البيانِ بهذا المقدار؛ فهو إذ قُصِرَ تقريبًا على الماديِّ الضروريِّ فإنه أقلُّ احتياجًا إلى الآخرين من احتياج الآخرين إليه، وهو إذْ ليس لديه ما يسألهم عنه لنفسه فإنَّ ما يُريدُ إقناعَهم به لا يَمَسُّه عن كَثَبٍ فيَهُزَّه إلى الغاية؛ ومِنْ ثَمَّ يُرَى أنه يجب أن يكون على العموم ذا لسانٍ بسيطٍ قليلِ المَجاز؛ وذلك لأنه يتكلَّم في أمرٍ مقصودٍ عادةً، ولِيكونَ مفهومًا فقط، وهو قليلُ الحِكَمِ والأمثال؛ وذلك لأنه لم يتعلَّم تعميمَ أفكارِه، وهو قليلُ الصور؛ وذلك لأن من النادرِ أن يكون هاويًا.

ومع ذلك، فليس ذلك لأنه فاترُ المِزاج باردٌ تمامًا؛ فلم تَكُن سِنُّه ولا أذواقُه ولا أخلاقُه لِتَسْمح بذلك، وهو في دَوْرِ مراهقتِه الناريِّ تَحْمِلُ الأرواحُ المُنْعِشةُ، المحتَرِسةُ المقطَّرةُ المكرَّرةُ في دمه، إلى قلبه الفتيِّ حرارةً تَلْمعُ في نظراته، وتُحَسُّ في كلامِه وتُبصَرُ في أعمالِه، وقد اكتسب مَنطِقُه نبرةً، وصوْلةً أحيانًا، وما يُلهِمُه من شعورٍ نبيلٍ يَمنحُه القوةَ والرِّفعة، وبما أنه أُشْرِبَ حُبَّ الإنسانيةِ الرقيقَ فإنه يُفضي حين يتكلَّم بخواطرِ قلبِه، ولا أعْرِفُ كيف هذا، ولكن يوجد في صدقِ طويَّته من الفُتون ما هو أعظمُ مما يوجد في بلاغةِ الآخرين المصنوعة، وإن شئتَ فقُل إنه وحدَه هو البليغُ حقًّا ما كان عليه أن يُظْهِرَ ما يَشعُرُ به لِينقلَه إلى مَن يستمعون له.

وكلَّما فكرتُ في ذلك وجدتُ حين أضعُ حُبَّ الخيرِ موضعَ العملِ على ذلك الوجه، وحين أستنبِطُ من توفيقنا الحسنِ أو السيئِّ تأمُّلاتٍ حولَ أسبابِه، معارفَ نافعةً قليلةً لا يُمكِنُ تعهُّدُها في رُوح الفتى، وأن هذا الفتى يكتسب زيادةً على ذلك، ومع ما يُمكن اكتسابُه في المدارسِ من معرفةٍ صحيحة، علمًا أكثرَ أهميةً أيضًا، وهو تطبيقُ هذا المُكْتَسَب على أغراضِ الحياة، وإذا ما بَلَغَ ذاك المقدارَ من الاكتراث لأمثاله لم يَكُنْ من الممكن ألَّا يتعلَّمَ باكرًا وزْنَ أعمالِهم وأذواقهم وملاذِّهم وتقديرَها، وألَّا يجعلَ على العموم، لِمن يُمكِن أن يساعدَ سعادةَ النَّاسِ أو يضُرَّها قيمةً أقومَ مما يجعلُ لمن لا يُبالون بأحدٍ فلا يَصْنعون للآخرين شيئًا مطلقًا، ويُرَى الذين لا يُعْنَون بغيرِ أمورِهم الخاصةِ كثيري الوَلَع بالحُكم في الأشياء حكمًا سَديدًا، وذلك أنهم إذ يَعُدُّون كلَّ شيء مؤثِّرًا فيهم وحدَهم، ويُنظِّمون مبادئَ الخيرِ والشَّرِ وَفْقَ مصلحتِهم الوحيدة، يملئون نفوسَهم بألفِ مُبْتَسَرٍ مُثيرٍ للسخرية، وأنهم يرون من فوْرهم انقلابَ جميعِ العالمِ في كلِّ ما يُصيب أقلَّ منفعةٍ لهم.

ولْنَجعلِ الأثَرةَ شاملةً للآخرين، ولْنحوِّلها إلى فضيلة، والفضيلةُ هي ما لا يوجدُ فؤادٌ لا يكون جذرُها فيه، وكلَّما قلَّ ارتباطُ غَرضِ جهودِنا فينا مباشرةً قلَّ الخوفُ من وَهمِ المصلحةِ الخاصة، وكلَّما عُمِّمَت هذه المصلحةُ صارت منصفة، وليس حُبُّ الجنس البشري شيئًا غيرَ حُبِّ العدل فينا، وإذا ما أردنا أن يُحِبَّ إميلُ الحقيقةَ إذن وإذا ما أردنا أن يَعْرِفها، فلْنُمسِكه بعيدًا من نفسه دائمًا، وكلَّما وقفَ جهودَه على سعادةِ الآخرين كانت هذه الجهودُ نيِّرَةً حكيمة، وقَلَّ خَدْعُه في الخيرِ والشَّر، ولكنْ لا نسمحْ له بأن يأتي أيَّ تفضيلٍ أعمَى قائمٍ حصرًا على المحاباةِ وسبْقِ المَيْل المخالف للعدل، ولِمَ يؤذي فردًا خدمةً لآخر؟ إن مما يهمُّه قليلًا أمْرُ مَن يَقَعُ عليه أعظمُ سعادةٍ في القِسْمة بشرطِ أن يساعدَ على أعظمِ سعادةٍ للجميع؛ فهناك مصلحةُ العاقلِ الأُولى بعد مصلحته الخاصة؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ جزءٌ من نوعه، لا جزءٌ من فردٍ آخَر.

ويجِبُ لِلحَوْلِ دونَ تدَنِّي الرحمةِ إلى ضَعف، أن تُعَمَّم إذن، فتُنشَرَ بين جميعِ الجنس البشري، وهنالك لا يُسترسَلُ فيها إلا بمقدارِ اتِّفاقها مع العَدل؛ وذلك لأن العدلَ بين جميعِ الفضائلِ هو أكثرُها مساعدةً على النفع العام. ويقضي العقلُ وحبُّنا لأنفسنا أن تكون رحمتنا لنوعنا أكثرَ مما لجارنا؛ فمنِ القسوةِ الكبيرةِ على النَّاس أن يُرحَم الأشرار.

ولكنَّ مما يجِبُ تذكُّرُه هو أن جميعَ هذه الوسائلِ التي أقذِف بها تلميذي خارجَ نفسه هكذا ذاتُ صلةٍ مباشرةٍ به في كلِّ وقتٍ مع ذلك ما نشأت عنها لذَّةٌ باطنيةٌ فضلًا عن كوني أعملُ لتعليمه الخاص؛ إذْ أجعلُه محسنًا نفعًا للآخرين.

والوسائلُ هي أوَّلُ ما قدَّمتُ، والآنَ أُرِي نتيجتَها، ويا للمناظر الكبرى التي أرى انتظامَها في رأسه شيئًا فشيئًا! ويا للمشاعر الرفيعة التي تُطفئُ في فؤاده أصلَ الأهواءِ الحقيرة! ويا لصفاء التمييز وسَداد العقل اللذين أُبصِرُ تكوينَهما فيه بفِعْل الميول المُهذَّبة والتجرِبة التي تَجمعُ آمالَ النفسِ العظيمة ضمْن حَدِّ الممكنات الضيق، والتي تَجعلُ الرَّجلَ الذي يعلو الآخرين يَعرِف أن يَهبِطَ إلى مستواهم لعجزِهم عن الارتقاء إلى مستواه! إن مبادئَ العدلِ الحقيقيةَ ونماذجَ الجَمال الحقيقية وجميعَ صلات النَّاس الأدبية وجميعَ آراء النَّاس في النظام تُنقَشُ ضِمنَ إدراكِه، فيَرَى مكانَ كلِّ شيء والسببَ الذي يُبعِدُه منه، ويَرى ما يُمكِن أن يوجِبَ الخيرَ وما يَمْنَعه، وهو من غيرِ شعورٍ بالأهواء البشرية يَعْرِف ما يُسفِر عنها من أوهامٍ وعمل.

وأتقدَّمُ مسوقًا بقوةِ الأمور، ولكن من غيرِ أن أفْرِض نفسي مُتحكِّمًا في أحكام القُرَّاء، والقُرَّاء ما انفَكُّوا يَرونَني في بلدِ الأوهامِ منذُ زمنٍ طويل. وأمَّا أنا، فما فتئتُ أراهم في بلد المُبْتَسَرات، وما فتئتُ بابتعادي عن الآراء العامية كثيرًا، أراهم ماثلين في ذهني وأدرُسُهم، وأفكِّر فيهم، لا لأتَّبِعهم ولا لأتجنَّبهم، بل لِأزِنَهم بميزانِ البرهان، وفي كلِّ مرةٍ يَحمِلُني البرهانُ على الابتعادِ عن هذه الآراء العامية أعلمُ عن تجرِبةٍ أن قُرَّائي لا يُقلِّدونني، وأعْرِف أنهم إذ يُصِرُّون على عدمِ تصوُّرهم مُمكِنًا غيرَ ما يَرون، يَعُدُّون الفتى الذي أُصَوِّره موجودًا خياليًّا وهميًّا لاختلافه عمَّن يقابلون بينه وبينهم، وهم يَنسَوْن أنه يجبُ أن يختلفَ عنهم ما دام قد نُشِّئ على غيرِ ما نُشِّئوا، وتأثَّرَ بمشاعرَ مغايرةٍ لما هم عليه، وتَعلَّمَ على خلافِ ما تعلَّموا، فتكون مشابهتُه لهم أدعى إلى الحَيرة من ظهوره كما أفترضُه، وهو ليس إنسانَ الإنسان، بل إنسانُ الطبيعة، ولا مِراءَ في وجوبِ كونه غريبًا في أعينهم كثيرًا.

وإني حين بدأتُ هذا الكتابَ لم أفترضْ شيئًا لم أستطِع أن أُلاحظَه أنا والآخرون، وأعْني بذلك ولادةَ الإنسانِ التي هي نقطةُ انطلاقٍ نسيرُ منها جميعًا على السواء، ولكننا كلَّما تقدَّمْنا ابتعدَ بعضُنا عن بعضٍ لمراعاتي الطبيعةَ ولإفسادكم إياها، وكان تلميذي وهو في السادسةِ من سِنيه يختلفُ عن تلاميذكم قليلًا، لِمَا لم يكن لديكم من الوقت ما تُشوِّهونهم معه، والآن عاد لا يوجد شيءٌ يتشابهون به، ومما يَجِب هو أن تُبديَه سنُّ الرجولة التي يدنو منها على شكلٍ مُطلَقِ الاختلاف عنهم ما لم أكنْ قد أضعتُ جميعَ جهودي. أجلْ، قد تكون كميَّةُ المُكتَسَب متساويةً لدى الطَّرَفَين، بَيْدَ أن الأمورَ المكتسَبة لا تتشابه مطلقًا، ومن دواعي حَيرتكم أن تَجِدوا لدى واحدٍ من المشاعر العالية ما لا يُوجَدُ لدى الآخرين أقلُّ أصلٍ له، ولكن اذكروا أيضًا أن هؤلاء صاروا فلاسفةً ولاهوتيين قبل أن يَعْرِف إميلُ ما الفلسفة، وقبلَ أن يسمع قولًا حتى عن الرِّب.

وإذا أتيتم وقلتم لي: «لا يُوجَد أحدٌ ممن تَفترض، ولم يُصنَع الفِتيانُ على هذا الوجهِ مطلقًا، وعندهم هذا الهوى أو ذاك، وهم يفعلون هذا أو ذاك.» كان هذا كإنكاركم إمكانَ وجودِ شجرةِ كُمَّثرى كبيرة؛ وذلك لأنه لا يُرى غيرُ أشجارِ كُمَّثْرى قصيرةٍ في حدائقنا.

وأرجو من هؤلاء القضاةِ المُسرعين في اللومِ أن يذكُرُوا أن ما يقولون هناك مما أعْرِفُ كما يَعْرِفون، وأن من الراجحِ أن فكَّرْتُ فيه مليًّا، وأنه يَحِقُّ لي وليس لي غرضٌ في فرضه أن يُنفِقوا من الوقت على الأقل ما يبحثون فيه عمَّا أُخدَع منه، ولْيبحثوا جيِّدًا في كيان الإنسان، ولْيتتبعوا مراحلَ نشوء القلب الأُولى في هذا الحال أو ذاك، لِيرَوْا مقدارَ ما يُمكن الفردَ أن يختلف عن الآخر بقوة التَّربية، ثُمَّ ليُقابِلوا بين منهاجي في التَّربية والنتائجِ التي أعْزوها إليه، ولْيقولوا وجهَ الخطأ في بياني؛ فهنالك لا يكون لديَّ ما أُجيب عنه.

والذي يجعلني أكثرَ توكيدًا لذلك وأهلًا للمعذرة عن ذلك، كما أعتقد، هو أنني أقلُّ ما يُمكِنُ التفاتًا إلى البرهان، وأنني لا أعتمد على غيرِ المشاهدة، وذلك بدلًا من استنادي إلى أيِّ مذهب، ولا أُقيم أفكاري على ما تخيَّلتُ مُطلَقًا، بل على ما رأيتُ. أجلْ، إنني لم أَحصُر تجارِبي ضِمن أسوار مدينة، كما أنني لم أَقصُرْها على طبقةٍ واحدةٍ من النَّاس، بَيْدَ أنني بعد أن قابلتُ بين كثيرٍ من الطبقات والشعوب التي أمكنني أن أراها في حياةٍ قُضِيتْ في ملاحظِتها، حذفتُ كأمرٍ مصنوعٍ ما هو من شعبٍ لا من آخر، وما هو من طبقةٍ لا من أخرى، ولم أعُدَّ على أنه خاصٌّ بالإنسان خصوصًا لا ريبَ فيه، غيرَ ما هو مشتركٌ بين الجميع في أيِّ دورٍ من العُمُر كانوا، ومن أيةِ طبقةٍ كانوا، وإلى أيةِ أمةٍ انتسَبوا.

والواقع أنكم إذا كنتم وَفْقَ هذا المنهاجِ تتعقَّبون منذ دَور الصِّبا فتًى لم يكتسبْ شكلًا خاصًّا مطلقًا، فيكون أقل ما يُمكن اتِّباعًا لسلطان الآخرين وآرائهم، فهل تَرون أنه يكون أكثرَ مشابهةً لتلميذي أو لتلاميذكم؟ فهذه هي المسألةُ التي يَلوح لي وجوبُ حلِّها ليُعرَف هل أنا على ضلال.

ولا يَسهُل على الإنسان أن يبدأ بالتفكير، ولكنه إذا ما أخذ يُفكِّر لم ينقطعْ عن التفكير مطلقًا، ومَن يُفكِّر يُفكِّرْ دائمًا، وعندما تُمرَّن قوَّةُ الإدراك على التأمُّل ذاتَ مرةٍ تَعُود غيرَ قادرةٍ على البقاء ساكنة، ويمكن أن يُعتَقَد أنني أفعل كثيرًا أو قليلًا، وأنه ليس من طبيعة الإنسان أن يتفتح سريعًا، وأنني بعد أن أُعطيَ من التسهيل ما ليس لديه، أُمسِكه لطويلِ زمنٍ مقيَّدًا ضِمْن دائرةٍ من الأفكارِ يجبُ أن يجاوزها.

ولكن اذكُروا أوَّلًا أنني حين أريدُ تكوينَ إنسانِ الطبيعة لا أودُّ أن أجعلَ منه لهذا السبب وحشيًّا وأن أُقصيه إلى وَسَطِ الغاب، وإنما يكفيه وهو محصورٌ داخل عاصفة المجتمع ألَّا تسوقه أهواءُ النَّاس ولا آراؤهم، وأن يرى بعينيه ويشعر بقلبه، وألَّا يسيطر عليه سلطانٌ خارجَ سلطانِ عقله الخاص. ومن الواضح في هذا الوضْعِ أن كثرةَ الأمورِ التي تقِف نظره، ووفرةَ المشاعرِ التي تؤثِّر فيه، ومختلفَ الوسائلِ التي تُقضَى بها حاجاتُه الحقيقيةُ؛ أشياءُ يَجِبُ أن تُعطيه من الأفكار الكثيرة ما ليس لديه، أو ما يكتسبه رُويدًا رويدًا، وقد عُجِّلَ تقدُّم الذهن الطبيعي، ولكنه لم يُقلَب. والإنسانُ الذي يجب أن يبقى غَبيًّا في الغاب، يجب أن يغدوَ عاقلًا رصينًا في المُدُن إذا ما كان ناظرًا بسيطًا فيها، ولا شيءَ أصلحُ لِجَعْلِ الإنسانِ حكيمًا من الحماقات التي يراها من غيرِ أن يشتركَ فيها، حتى إن الذي يشتركُ فيها يتعلَّمُ أيضًا بشرطِ ألَّا يُخدَع بها، وألَّا يَحمِلَ إليها خطأَ مَن يأتونها.

واذكُروا أيضًا أننا إذْ نُقصَر بأهلياتنا على الأمورِ المحسوسة، لا نكاد نجد سبيلًا إلى المبادئ الفلسفية المجرَّدة وإلى الأفكار الذهنية الصِّرفة، ويجب لبلوغها أن نتخلَّص من الجسم الذي نرتبط فيه ارتباطًا وثيقًا، أو أن نتقدَّم بالتدريج وعلى مَهْلٍ من شيءٍ إلى آخر، أو أن نجاوز الفاصلة بسرعةٍ وبوثبةٍ واحدةٍ تقريبًا وبخطوةٍ هائلةٍ لا تُستطاع في دَور الصِّبا، بُخطوةٍ تقتضي القيامَ بعدَّةِ درجاتٍ تُصنَع حتى للرجال قصْدًا. والفكرُ المجرد الأوَّل هو أُولى هذه الدرجات، ولكنه يَشُقُّ عليَّ كثيرًا أن أرى كيف يَعِنُّ للبالِ صنعُها.

وإن الموجودَ غيرَ المفهوم، والمحيطَ بكلِّ شيء، وواهبَ الحركةِ للعالم، وصانعَ نظام الكائنات؛ لا تُدركه الأبصار، ولا تَلْمسه الأيدي، ولا تَناله حواسُّنا؛ فالصنع بادٍ، ولكن الصانع خافٍ، ثُمَّ إن معرفةَ وجوده ليست من الأمورِ الصغيرة، ومتى بلغنا هذا ومتى سألنا: مَن هو؟ أين هو؟ اضطرب ذهنُنا وتاه، وعُدنا لا نعرِفُ فيمَ نُفكِّر.

ويريدُ لوكُ أن يُبدأ بدراسةِ الأرواح، وأن يُنتَقل بعد ذلك إلى دراسة الأجسام، وهذا هو مِنْهاج الخرافات والمُبْتَسَرات والضلال، وليس هذا مِنهاج العقل مطلقًا، ولا مِنهاج الطبيعة المتقَنةِ التنظيمِ أيضًا، وهذا هو إغماض العيون لتعلُّم الرؤية، ولا بدَّ من دراسة الأجسام زمنًا طويلًا حتى يمكنَ تكوينُ فكرٍ صحيحٍ عن الأرواحِ ويُتصوَّرَ أنها موجودة، ولا يَصلُح النظامُ المعاكسُ لغيرِ قيامِ الدهرية.

وبما أن حواسَّنا هي أُولى معارفنا، فإن الموجوداتِ الماديةَ المحسوسةَ وحدَها هي التي تكُون لدينا فكرةٌ مباشرةٌ عنها، وليس لكلمة «روح» أيُّ معنًى لمن لم يتفلسف. وليس الروح غير جسمٍ لدى العوام والأولاد، أَوَلَا يتصوَّرون أرواحًا تَصيح وتتكلَّم وتُحدِث ضجيجًا؟ والواقعُ أنه سيُعترَفُ لي بأن هناك أرواحًا لها ذُرعانٌ وألسنةٌ تُشابه الأبدانَ كثيرًا؛ ولذا ترى جميعَ أممِ العالم، ومنها اليهود، قد جعلت لها آلهةً ذوي أجسام، وتَرانا أيضًا من المُشبِّهة بكلمات الروح والثالوث والأقانيم، وأعترف بأننا نُعلَّمُ أن نقول إن الله في كل مكان، ولكننا نعتقد أن الهواء في كلِّ مكان أيضًا؛ أي في جَوِّنا على الأقل. ولا تَعني كلمةُ «روح» في أصلها غيرَ «نَسمة» و«ريح»، وإذا ما عَوَّدتم النَّاسَ على قول كلماتٍ من غير أن يدركوها سَهُل عليكم بعد ذلك أن تجعلوهم يقولون كلَّ ما تريدون.

ويَحْمِلُنا حِسُّ تأثيرنا في الأجسامِ الأخرى على اعتقادنا في البُداءة أنها حين تُؤثِّرُ فينا يكون تأثيرُها مشابهًا للوجه الذي نؤثِّرُ به فيها، وهكذا فإن الإنسان بدأ بإحياءِ جميع الموجودات التي كان يُحِسُّ تأثيرَها، والإنسانُ إذ شَعر بأنه أقلُّ قوةً من مُعظَم هذه الموجودات، عن عدم علمٍ بحدود قدْرتها، افترض أنه لا نهاية لهذه القدرة، فجعلَ منها آلهةً حالما جعلَ منها أجسامًا، والنَّاسُ في الأجيال الأُولى إذ خافوا كلَّ شيءٍ لم يرَوْا موتًا في الطبيعة، ولم تكن فكرةُ المادة أقلَّ بطوءًا في تكوُّنها باطنًا من فكرة الروح ما دامت هذه الفكرة تجريدًا بنفسه. وهكذا فإنهم ملئوا الكونَ بآلهةٍ ذوي إحساس، فكان لكلٍّ من النجوم والرياح والجبال والأنهار والشجر والمدن، حتى البيوتِ، روحُه وإلهه وحياته. وكانت أصنامُ لابان ومعبودات المتوحشين وأوثان الزنوج وجميعُ أعمالِ الطبيعةِ والنَّاسِ أوَّلَ آلهة للأنام، وكان تعدُّد الآلهة أوَّلَ دِينٍ لهم، وكانت الوثنيةُ عبادتَهم الأُولى، وهم لم يستطيعوا الاعترافَ بإلهٍ واحدٍ إلا بعد أن عمَّموا أفكارَهم مقدارًا فمقدارًا، فأصبحوا في حالٍ يرتقون به إلى العلة الأُولى ويَجمعون معه نظامَ الموجودات الشامل تحت فكرةٍ واحدة، ويُطلِقون معنًى على كلمة «الجَوهر» التي هي أعظمُ المجردات في الأساس؛ ولذا فإن كلَّ ولدٍ يؤمن بالله وثنيٌّ بحكم الضرورة، أو إنه مُشبِّهٌ على الأقل. وإذا حَدث أن أبصر الخيالُ الربَّ ذات مرةٍ كان من النادرِ تمثُّلُه بقوة الإدراك، وهذا هو الخطأ الذي يؤدي إليه مذهب لوك.

فأما وقد انتهيتُ، ولا أدري كيف، إلى فكرةِ الجوهر المجرَّدة، يُرى للتسليم بالجوهر الفرْد أنه يجب أن تُفترض له خاصيَّاتٌ متناقضةٌ متنافيةٌ تبادلًا كالتصوُّر والحجم القابل أحدهما للانقسام واللذين ينفي الآخرُ منهما كلَّ قابليَّةٍ للانقسام، ثُمَّ إن مما يُدرَك كونَ التصوُّرِ — وإن شئت فقُل الإحساس — خاصيَّةً أصليةً غيرَ قابلة للانفصال عن الجوهر المُتعلِّقة به، وقُل مثلَ هذا عن الحجم بالنسبة إلى الجوهر؛ ومِنْ ثَمَّ يُستنتج كونُ الموجودات التي تفقد إحدى هذه الخاصيات تفقد الجوهرَ الذي تتعلَّق به، وكون الموت ليس سوى تفرُّق الجواهر، وكون الموجودات التي تتَّحد فيها هاتان الخاصيتان مؤلفةً من جوهرين تتعلَّق بهما هاتان الخاصيتان.

والآن اذكروا، كما هو الواقع، أيُّ بُعدٍ لا يزال باقيًا بين مبدأ الجوهرَيْن ومبدأ الطبيعة الإلهية، وبين المبدأ غيرِ المُدرَك عن عَمَلِ روحنا في بدننا ومبدأ عَمَلِ الرَّبِّ في جميع المخلوقات، وكيف تتمثَّل مبادئُ الخَلْقِ والزوال والوجود في كلِّ مكانٍ والأزلية والقدرة المطلقة ومبدأ الصفات الإلهية، كيف تتمثَّل هذه المبادئ التي ينفرد أناسٌ قليلون إلى الغاية برؤيتها بالغةَ الإبهامِ والغموضِ كما هي، والتي لا غموض فيها لدى العوامِّ لعدمِ إدراكهم شيئًا منها، كيف تتمثَّل بجميعِ ما فيها من قوة؛ أي بجميع ما فيها من غُموضٍ، لفتيانٍ لا يزالون يُشغَلون بأعمال الحواسِّ الأُولى، ولا يتصوَّرون غيرَ ما يَلمِسون؟ ومن العبثِ أن تكون هُوَى اللَّانِهائي كلُّها مفتوحةً حَوْلنا، ولا يَعْرِفُ الولدُ أن يَخافها مطلقًا، ولا تستطيع عيناه الضعيفتان أن تَسبُرا غوْرَها، وكلُّ شيءٍ لا نِهائيٌّ عند الأولاد، ولا يَعْرِفُ الأولادُ أن يضعوا حدودًا لشيء، لا لأنهم يجعلون القياسَ طويلًا جِدًّا، بل لأن إدراكهم قصيرٌ حتى إنني لاحظتُ وضعهم اللانهائي دون الأبعاد التي يَعْرِفون. وهم يُقدِّرون المسافةَ الواسعةَ بأرجلهم أكثرَ مما بأعينهم، ولا تمتدُّ المسافة عندهم إلى أبعدَ مما يُمْكنُهم أن يرَوْا، بل لا تمتد إلى أبعدَ مما يُمكِنهم أن يَسيروا. وإذا ما حُدِّثوا عن قدرةِ الربِّ قدَّرُوه بالغًا مثلَ قدرةِ أبيهم تقريبًا. وبما أن معرفتهم في كلِّ أمرٍ تكون عندهم مقياسًا للممكنات، فإنهم يحكمون فيما يُقال لهم دائمًا بأنه أقلُّ مما يَعْرِفون؛ فهذه هي الأحكامُ الطبيعيةُ التي تصدُر عن ذهنٍ جَهُولٍ ضعيف. وقد خشيَ أجَكْسُ أن يُقاس بأشيلَ، وقد دعا جوبيتر للقتالِ عن معرفةٍ بأشيلَ وعدمِ معرفةٍ بجوبيتر، وقد كان أحد قَرويي سويسرة يظنُّ أنه أغنى النَّاس، فلما أُوضِحَ له شأنُ الملِك سأل مختالًا: «هل يستطيع الملك أن يَملِكَ مائةَ بقرةٍ في الجبل؟»

وأُبصِرُ كثرةَ القراء الذين يَحارُون من تَتبُّعي الدورَ الأوَّلَ من عُمُر تلميذي من غير أن أُحدِّثه عن الدِّين، وقد كان ابنًا للخامسةَ عشرةَ من سِنيه لا يَعْرِف هل له روح، ومن المحتملِ أنه إذا ما بلغ الثامنةَ عشرةَ من سِنيه لم يَحِلَّ من الوقت ما يتعلَّم معه هذا؛ وذلك لأنه إذا ما تعلَّمه بأسرعَ ممَّا يجبُ تعرَّض لخطرِ عدمِ تعلُّمه مطلقًا.

ولو كان عليَّ أن أصوِّر الغباوةَ المُغِمَّة لصوَّرتُ متحذلِقًا يُعلِّم الأولادَ كتابَ الدين، ولو أردتُ أن أجعلَ الولدَ مجنونًا لحملتُه على إيضاحِ ما يقول عند قراءته كتابَ دينه، وسيُعتَرَض عليَّ بأن يُقالَ إن أكثرَ العقائدِ النصرانية إذْ كانت أسرارًا فإن انتظار الدَّور الذي تصير فيه نفسُ الإنسان قادرةً على إدراكها، يَعني انتظارَ تحوُّلِ الولدِ إلى رجل؛ أي انتظارَ غُدوِّ الرجلِ غيرَ موجود. وأوَّلُّ ما أُجيب به عن هذا وجودُ أسرارٍ يتعذَّر على الرجلِ أن يتمثَّلها فضلًا عن اعتقادها، ولا أرى ما يُكسَبُ من تعليمِ الأولادِ إياها غيرَ تدريسهم الكذِب باكرًا، وأقول زيادةً على ذلك، إن الإقرارَ بالأسرارِ يقضي بإدراكِ كونِها لا تُدْرَك على الأقل، ولا يَقدِر الأولادُ حتى على ذاك الإدراكِ؛ ففي السِّن التي يكون كلُّ شيءٍ سرًّا فيها لا تُوجَد أسرارٌ حَصْرًا.

«يجب أن نؤمن بالله إذا أردنا النجاة»؛ فهذه العقيدةُ التي أُسيء إدراكُها هي أصلُ عدمِ التسامحِ السَّفَّاح، وهي سببُ جميعِ تلك التعاليم الباطلة التي تُصيب العقلَ البشريَّ بضربةٍ قاضيةٍ عن تعويده القناعةَ بالكلمات، ولا مِراءَ في أنه يجب عدمُ إضاعةِ ساعةٍ لاستحقاق النجاةِ الأبدية، بَيْدَ أنه يكفي تَكرارُ بعضِ الألفاظ لِنَيلها، ولا أرى ما يمنع من إعمارِ السماءِ بالزَّرازير والغِرْبان كما بالأولاد.

ويَفترض واجبُ الإيمانِ إمكانَ الإيمان، ويُخطِئُ الفيلسوفُ الذي لا يؤمن؛ وذلك لسوء استعماله العقلَ الذي تَعهَّده، ولأنه في حالٍ يُدرِك بها الحقائقَ التي يَنبِذها، ولكن ما يعتقد الولدُ الذي يَدِين بالنصرانية؟ يَعتقِد ما يُدرِك، وهو من قلةِ إدراكِ ما يُحمَلُ على قوله ما إذا قُلْتم له العكسَ سَلَّم به طوْعًا أيضًا، ويُعَدُّ إيمانُ الأولادِ وكثيرٍ من الرجالِ أمرًا جِغرافيًّا، وهل يُكافئون على ولادتِهم في رومةَ أكثرَ مما في مكَّة؟ يُقال لأحدهم إن مُحَمَّدًا رسولُ الله، فيقول إن محمدًا رسولُ الله، ويُقال لآخرَ إن مُحَمَّدًا ماكرٌ، فيقول إن مُحَمَّدًا ماكرٌ، وكان كلُّ واحدٍ يؤكِّد ما يؤكِّد الآخرَ لو غيَّر مكانه. وهل يُمكن أن يُسارَ عن مقصدَين متشابهَين إلى الغاية، فيُرسَلَ أحدُهما إلى الجنة والآخرُ إلى النار؟ وإذا قال الولد: أُومن بالله، فليس الله هو الذي يؤمن به، بل يؤمن ببطرسَ أو بيعقوبَ الذي يقول له إنه يُوجَد شيءٌ يُسمَّى الرب، وهو يؤمنُ به على طريقة أُوريبيدِس القائل:
أيْ جُوبيتر الذي لا أَعرِفُ منه غيرَ اسمِه!١٥

ونَذهب إلى أن كلَّ ولدٍ يموتُ قبلَ سِنِّ العقلِ لا يُحرَم السعادةَ الأبدية، ويعتقد الكاثوليكُ عينَ الشيء عن كلِّ ولدٍ عُمِّدَ وإن لم يسمعْ حديثًا عن الله، وتُوجَد إذن أحوالٌ تُمْكِن النجاةُ بها من غيرِ إيمانٍ بالله، وتكون هذه الأحوالُ في الوَلُودِية وفي الجُنون حينما يَعجِزُ الروحُ البشري عن الأفعالِ اللازمة لمعرفة الله، ويقوم الخلافُ الذي أراه هنا بيني وبينكم على زعْمكم أن الأولادَ حائزون هذه القابليةَ في السادسةِ من سِنيهم وعلى كوني لا أمنَحُهم إياها حتى في الخامسَ عشرَ من عُمُرهم. وسواءٌ أكنتُ مخطئًا أم صائبًا ليس الأمرُ هنا مادةَ إيمان، بل ملاحظةٌ بسيطةٌ حولَ التَّارِيخ الطبيعي.

ويتَّضحُ من عينِ المبدأ أن الإنسانَ إذا ما بلغ المشيبَ من غيرِ إيمانٍ بالله لا يُحرَم لهذا السببِ مَحْضَرَ الرَّبِّ في الحياةِ الآخرةِ إذا لم يكن عَمَاه اختياريًّا. وأقول إنه ليس اختياريًّا دائمًا، وتوافقون، من حيثُ المجانين، على أن مرضًا يَحْرِمهم خصائصَهم الروحانية، لا خاصيَّةَ الإنسانِ ولا الحقَّ في نِعَم خالقهم نتيجةً، ولِمَ لا نوافق على مِثلِ ذلك إذن في أمرِ أولئك الذين فُرِزوا من كلِّ مجتمعٍ منذ صباهم فقضَوا حياةً بالغةَ الهمجية، وحُرِموا من المعارفِ ما لا يُكتَسَب إلا بمعاشرة النَّاس؟١٦ وذلك لأن من المُحال الثابت قدرةَ مثلِ هذا الهمجي على الارتقاء بتأمُّلاته إلى معرفةِ الإله الحق، ويُخبِرُنا العقلُ بأن الإنسانَ لا يُجازَى إلا بسيئاته المقصودة، وأن جهلًا حائقًا كذاك لا يُمكِن عَدُّه جنايةً منه؛ ومِنْ ثَمَّ يستنبِط أن كُلَّ إنسانٍ يُحسَبُ مؤمنًا أمامَ العدلِ الأبدي إذا كان لديه من البصائر ما هو ضروري، وأنه لا يوجد من الكُفَّار مَن يُجازَون غيرُ الذين أُقفِلَت قلوبُهم دون الحق.

ولْنَحترِزْ من أن نُنبِئ بالحقيقة مَن ليسوا قادرين على إدراكها، وذلك لِما ينطوي عليه هذا من إقامة الخطأ مقامها، وأجدَرُ ألَّا تُحازَ أيةُ فكرةٍ عن الألوهية من أن تُحاز عنها أفكارٌ حقيرةٌ وهميةٌ ضارةٌ غيرُ لائقةٍ بها، ولَأنْ تُنكَرَ أقلُّ سوءًا من أن تُهان. قال بلوتارْك الصالح: «أُفضِّلُ كثيرًا أن يُعتقَد عدمُ ظهور بلوتارك في العالم على أن يُقال إن بلوتارك ظالمٌ حاسدٌ مِغيار، وأن يكون طَلَّابًا أكثرَ من أن يكون فعَّالًا إذا ما كان جبَّارًا.»

وأعظمُ سوءٍ في الصُّور المشوَّهة عن الألوهية التي تُنقَشُ في ذهن الأولادِ هو أنها تبقى فيه هكذا مدى حياتهم، فيعودون لا يتصوَّرون إذا ما صاروا رجالًا إلهًا آخَرَ غيرَ إله الأولاد. وما رأيتُ في سويسرة ربةَ أسرةٍ صالحةً تقيةً بلغت من اعتقادِها هذا المبدأ ما لم تُرِد معه قَطُّ أن تُعَلِّمَ ابنها الدينَ في الدَّور الأوَّل من العُمُر، وذلك خشيةَ أن يَقنع بهذا التعليمِ الغليظِ فلا يلتفتَ إلى ما هو أحسنُ منه إذا ما بلغَ سِنَّ الرشد، وكان هذا الولدُ لا يَسمع حديثًا عن الربِّ إلا مع جَمْعِ الحواسِّ والإجلال، وكان إذا ما أراد الكلامَ عنه بنفسه يُفرض السكوتُ عليه كموضوعٍ رفيعٍ بالغِ العِظَم بالنسبةِ إليه، وكان هذا التحفُّظ يُثيرُ فضوله. وكانت أثَرَتُه تتطلَّع إلى وقتِ الاطلاع على هذا السرِّ الذي يُخفى عنه بكثيرٍ من العناية، وكان كلَّما قلَّ تَحديثُه عن الرَّب، وقلَّ سماحُه لنفسه بالحديثِ عن الرَّب؛ كثُر اكتراثُه له؛ فهذا الولدُ كان يرى الربَّ في كلِّ مكان، وكان أكثرُ ما أخافه من أمر هذا السرِّ الذي يُلوَّح به على غيرِ رَصانة أن يُلهَب خيالُ الفتى كثيرًا فيُقلبَ رأسُه ويُجعَلَ منه متعصبٌ بدلًا من أن يُجعَل منه مؤمن.

ولكن لا تَخَفْ شيئًا من هذا على إميلَ الذي لا يَلتفِتُ إلى كلِّ ما هو فوق مُتناوَله، فيستَمِع مع عدم اكتراثٍ عميقٍ إلى ما لا يُدرِك من الأمور، وما أكثرَ الأمورَ التي تعوَّد إميلُ أن يقول عنها بلا تفريق: «إن هذا لا يَعنيني!» فمتى أخذ يُبالي بهذه المسائلِ الكبيرةِ لم يَصدُرْ هذا عن اقتراحٍ يَسمعه، وإنما ينشأ عن توجيهِ معارفِه، التي تقدَّمت تقدُّمًا طبيعيًّا، مباحثَه إلى هذه الناحية.

وقد رأينا أيُّ الطُّرق التي تَدنو بها الروحُ البشرية المثقَّفة من تلك الأسرار، وأُسلِّم طوْعًا بأنها لا تنتهي إليها، بحُكم الطبيعة، في صميم المجتمع نفسِه كما في سِنٍّ أكثرَ تقدُّمًا، ولكن بما أنه يُوجد في المجتمعِ من الأسبابِ ما لا يُجتَنَب فيُعجَّلُ به تقدُّم الأهواء، فإنه إذا لم يُعجَّل تقدُّمُ المعارف التي تَنفع في تنظيم هذه الأهواء، خُرِجَ من نظام الطبيعة حقًّا واختَلَّ التوازن، وإذا لم يُسيْطَر على تعديلِ تقدُّمٍ كثيرِ السرعةِ وَجَبَ أن يُقادَ بذات السرعةِ أولئك الذين يجب أن يلائموه، وذلك لكيلا يُقلَبَ النظام، ولكيلا يَنفصل عنه مَن يجب أن يلازمه، ولئلا يكونَ الإنسان، الذي هو كلٌّ في جميع أوقات حياته، عند هذه المرحلة ببعض أهلياته، وعند تلك المرحلة بأهلياته الأخرى.

ويا لَلْعقبة التي أرى قيامَها هنا! هذه العقبة التي تَعظُم كلَّما كانت في الأشياءِ أقلَّ منها في جُبْنِ مَن لا يَجْرُءون على اقتحامها، ولْنبدأ بالإقدام على عَرْضها على الأقل. ويجب أن يُنشَّأ الولدُ على دِينِ أبيه، ويُبرهَنُ للولد دائمًا برهنةً حسنةً على أن هذا الدِّين وحدَه مهما كان هو الدِّين الحق، وأن جميعَ الأديانِ الأخرى ليست غيرَ باطلٍ وهذيان. وتتوقَّف قوةُ البراهين من هذه الناحية تَوقُّفًا مطلقًا على البلد الذي تُعرَض فيه، ولْيذهب التركي الذي يجد النصرانيةَ في الآستانة غايةً في السخافة إلى باريسَ ليرى كيف يُنظَرُ إلى الإسلامِ فيها! ففي موضوع الدِّين على الخصوص يُكتب النصرُ للمُبْتَسَر، وأمَّا نحن الذين يريدون خلْعَ نِيرِه عنَّا في كلِّ شيء، وأمَّا نحن الذين لا يريدون مَنحَ السلطان شيئًا، وأمَّا نحن الذين لا يَودُّون تعليمَ إميلَ شيئًا لا يستطيع أن يتعلَّمه بنفسه في كلِّ بلد، فعلى أيِّ دينٍ نُربِّيه؟ وإلى أيِّ مذهبٍ نَضُمُّ ابنَ الطبيعة هذا؟ إن الجواب بسيطٌ إلى الغاية كما يلوح لي، وهو أننا لن نَضمَّه إلى هذا أو إلى ذاك، وإنما نضعه في حالٍ يختار فيها الدِّينَ الذي يَسوقه إليه حُسنُ إعمال عقله.

«أسيرُ من بين النيرانِ التي يَسْتُرُها رمادٌ خَادِع.»

لا ضَيْرَ! قامت الغَيرةُ وحُسْنُ النيَّةِ عندي مقامَ الحَذَرِ حتى الآن، وأرجو ألَّا تتركَني هذه الضماناتُ عند الضرورةِ مطلقًا، ولا تخافوا، أيُّها القراءُ، صدورَ احترازاتٍ منِّي غيرَ لائقةٍ بصديق الحقيقة؛ فلن أنسى شعاري، ولكنني أسمح لنفسي كثيرًا بأن أحذَر من أحكامي، وأقول لكم ما يُفكِّر فيه رجلٌ أفضلُ منِّي بدلًا من أن أقولَ لكم ما أفكِّر فيه بنفسي، وأضَمن صدقَ الوقائع التي أرويها لكم؛ فهي قد حصلتْ للمؤلف الذي أنقلها منه، ولكم أن ترَوْا هل يُمكن استنباطُ تأمُّلاتٍ مفيدةٍ منها حوْلَ الموضوعِ الحاضر، ولا أقترح عليكم اتخاذَ رأيي أو رأيَ رجلٍ آخَرَ قاعدة، وها أنا ذا أَعرِضُها عليكم للبحث فيها:١٧

منذ ثلاثين سنةً وُجِد شابٌّ في مدينةٍ إيطالية، وُجِدَ فيها شابٌّ نُفي من وطنه، فكان في أشد درجات الفاقة، وكان قد وُلِدَ كَلْفَنِيًّا، ولكنه وقد وُجِدَ لاجئًا إلى بلدٍ أجنبيٍّ بلا معاشٍ نتيجةَ طيْش، غيَّرَ دينَه نيْلًا للعيش. وكان يُوجَد في هذه المدينة مأوًى للمهتدين حديثًا، فقُبِلَ فيه، ويُعلَّمُ الجدلَ فيُلقَّنُ شُبُهاتٍ لم تكن عنده، ويُعلَّمُ سُوءًا كان يَجهله، وذلك أنه يسمع عقائدَ جديدة، ويرى طبائعَ أكثرَ جِدَّةٍ أيضًا، ويراها، ويكاد يذهبُ ضحيَّتها، ويُريد الفِرار، ويُقفَل عليه، ويشكو، ويُعاقَب على شكواه، ويقعُ تحت رحمةِ طُغاته، ويُعامَل معاملةَ المجرمين لأنه لم يُرِد الإذعانَ للإجرام. ولْيتصوَّرْ حالةَ فؤاده أولئك الذين يَعْرِفون مبلغَ ما يُثير بلاءُ العنف الأوَّل وبلاء الجوْر الأوَّل في قلب فتًى غيرِ مُجرَّبٍ. وتذرِف عيناه دموعَ الغيظ، ويَخنقه الحَنَق، ويَضرع إلى السماء والنَّاس، ويأتمِن العالَم، فلا يُنصِتُ له أحد، ولا يرى غيرَ خدمٍ أدْنياء خاضعين للفَضُوح الذي يُهينه، أو شركاءَ في ذات الذَّنْب يَسْخَرُون من مقاومته، فيُحرِّضونه على تقليدهم. وقد كاد يَضِلُّ لو لم يأتِ الملجأ إكْليريكيٌّ صالحٌ لبعضِ الشئون، فيجد وسيلةً لاستشارته سِرًّا. وكان هذا القِسِّيس فقيرًا، وكان محتاجًا إلى جميعِ النَّاس، ولكن المضطهَدَ كان أشدَّ احتياجًا إليه، فلم يتردَّد في مساعدته على الفِرار مجازفًا بانتحالِ عدوٍّ خَطِر لنفسه.

وينجو الشابُّ من المُنكَر لِيَعود إلى الفقر، فيكافح مصيره على غير جدوَى، وذلك مع اعتقاده ذات حينٍ أنه يفوز عليه، وتُنسى همومه وحاميه عند أوَّل وَميضٍ من حُسْن الطالع. ولم يلبث أن عُوقِبَ على هذا الكُنُود؛ فقد زالت جميعُ آماله، وذلك أنه وإن كان له عَوْنٌ بشبابه كانت أفكاره الروائية تُفْسِد كلَّ شيء، وذلك بما أنه ليس لديه من الاستعداد والحِذْق ما يكفي لشقِّ طريقٍ سهلٍ. وبما أنه لا يَعْرِف أن يكون معتدلًا ولا خبيثًا، فإنه ادَّعى أمورًا كثيرةً لم ينلْ منها شيئًا، وذلك أنه إذ وقع في ضيقه الأوَّل خاليًا من العيش خاليًا من المأوى، وكاد يموت جوعًا؛ فقد ذَكَرَ المُحسِن إليه.

ويعود إليه، ويجده، ويُحسِن قَبوله، ويُذكِّر منظرُه الإكْليريكي بعملٍ صالحٍ كان قد صنعه. وذكرى مثلُ هذه تَسُرُّ النفسَ دائمًا. ومن الطبيعيِّ أن كان هذا الرجلُ إنسانيًّا رءوفًا؛ فكان يُحِسُّ آلامَ الآخرين بآلامه، ولم يقسُ قلبُه بيُسْرٍ قَط. والخلاصة أن دروسَ الحكمةِ والفضيلةَ المنوَّرةَ كانتا قد ثبَّتتا صلاحَه الطبيعي. ويَستقبل الشابَّ، ويبحث له عن مأوًى، ويوصي به، ويقاسمه حاجِيَّه الذي لا يكاد يكفي الاثنين، ويَفعل أكثرَ من هذا، وذلك أنه يُثقِّفُه ويُسَلِّيه ويُعلِّمه فنًّا صعبًا، يُعلِّمه فنَّ احتمالِ البؤس بصبر، فيا أصحابَ المُبْتَسَرات، أتنتظرون وجودَ جميعِ هذا من قِسِّيسٍ في إيطالية؟

وكان هذا الإكليريكيُّ الصالح قَسًّا فقيرًا من سافوَا، وكان قد أساء إلى أُسقُفه عن نَزَقِ شباب، فجاوز الجبالَ بحثًا عن مَوْرِدٍ كان يُعْوِزُه في بلده، ولم يكن خاليًا من ذكاءٍ ولا ثقافة، وهو لِمَا كان من مُحيَّاه الموجبِ للالتفات، وجدَ من الحُماة مَن جَعَلوه عند وزيرٍ ليُنشِّئ ابنَه. ويُفضِّل الفقرَ على الخضوع، ولا يَعْرِف كيف يكون سلوكُه لدى الكبراء، فلا يبقى طويلًا عند ذاك، وهو إذ يتركه لا يفقِدُ مكانتَه مطلقًا، وهو إذ يعيش عَيشَ حكيمٍ يُحبِّبُ نفسَه إلى جميعِ النَّاس، ويغتبطُ بما لاقى من عفوِ أُسقُفِه، فينال منه أَبرشيَّةً صغيرةً في الجبال لقضاء بقية أيامه فيها، وكان هذا آخِرَ حدٍّ لطموحه.

ويَنجذب إلى الشابِّ اللاجئ، ويسأله باهتمام، ويُبصِرُ أن سوء الطالع أذبلَ قلبَه، وأن الازدراء والخزي ثَلَما بأسَه، وأن زَهوَه تَحوَّل إلى حُزْنٍ مُرٍّ، فلا يَدُلُّه ببغي النَّاس وقسوتهم على غير عيب طبيعة النَّاس ووهْم الفضيلة. وكان قد رأى أن الدِّين لا يَصلح أن يكون غيرَ قِناعٍ للمنفعة، وأن العبادة المقدَّسة لا تَصلُح أن تكون سوى ستارٍ للرياء، وكان قد رأى بدقائقِ الجدلِ الفارغِ أن الجنةَ والنار جُعلِتا في مقابلِ التلاعب بالألفاظ، وكان قد رأى أن فكرةَ الألوهية العالية الفطرية شُوِّهَت بخيالات النَّاس الجامعة، وهو إذ وجد أن الإيمانَ بالله يستلزم عدولًا عن العقل الذي أعطاه إياه، نظرَ بعين الامتهان إلى أوهامنا المضحكة وإلى الأمر الذي نُطبِّقُها عليه، وهو من غير أن يَعْرِف شيئًا عن أصلِ الأشياء ولا تصوُّرًا له، غاصَ في غباوته مع ازدراءٍ عميقٍ لجميعِ مَن يظنون أنهم يَعْرِفون عنه أكثرَ مما يَعْرِف.

ويؤدِّي نسيانُ الدِّين إلى نسيانِ واجبات الإنسان، وكان هذا التقدُّمُ نصفَ بعيدٍ من فؤادِ هذا الملحِد، ومع ذلك فإنه لم يكن سيئ المَنْبِت. ولكنْ بما أن الإلحاد والبؤس كانا يَخنُقان الفطرةَ بالتدريج، فإنهما كانا يسوقانه إلى البَوار على عَجَل، ولا يُعِدَّان له غيرَ طباعِ وَغْدٍ وأخلاقِ زِنديق.

ولم يَكمُل الشرُّ الحائقُ تقريبًا على الإطلاق، وكان يوجد لدى الفتى معارفُ، ولم تُهمَل تربيته، وكان في ذلك العُمُر السعيد حيث يأخذ الدمُ الفائر في تدفئة الروح من غير تعبيدها لصَولات الحواس، ولم تَزل نفسُه محافظةً على نابضها، وكان الحياء الطبيعيُّ والخُلُق الهَيُوبُ يقومان مقام الضيق، فيطيلان له ذلك الدَّور الذي تُمسِكون فيه تلميذَكم بجهدٍ كثير، وما كان من مثالٍ بغيضٍ عن الفساد البَهَمِيِّ والمُنكَر بلا فُتُونٍ أضعف خيالَه بدلًا من إنعاشه، وقد قام النفورُ مقامَ الفضيلة في حفْظ طُهره لزمنٍ طويل، وما كان طُهْرُه ليُذعِن لغير أعذبِ إغواء.

وأَبصر القَسُّ الخطرَ والوسائل، وما كانت المصاعبُ لتُخمِدَ نشاطَه ويُرضيه عملُه، ويَعزِم على إنجازه، وأن يُعيدَ إلى الفضيلة تلك الضحيةَ التي كان قد انتشلها من الرذيلة، ويأخذ في تنفيذ خِطته متحفِّظًا، وتُثير روعةُ الحافزِ شجاعتَه، وتوحي إليه بالوسائل التي تناسب غَيرته. ومهما يكن من حاصلٍ فإنه كان واثقًا بعدم إضاعته وقته، ويُكتَبُ النجاح دائمًا لمن لم يُرِدْ غيرَ فِعْل الخير.

ويبدأ بكسْب ثقة المهتدي حديثًا بعدم سؤاله أجرًا على أياديه مطلقًا، وبعدم ظهوره مزعجًا له مطلقًا، وبعدم قيامهِ بمواعظَ نحوَه مطلقًا، وبجعله نفسَه في مستواه دائمًا، وبتصاغُرِه حتى يساويه. وكان هذا، كما يلوح لي، منظرًا على شيءٍ من التأثير لِما يُرى به رجلٌ رصينٌ رفيقًا لمحتال، ولِما تُرى به الفضيلةُ مُنصِتةً لصوتِ الإباحةِ حتى تنتصرَ عليها لا ريب. وبينا كان الطائش يكشِفُ له عن سرائره الرُّعْنِ ويفتح له قلبَه، كان القسُّ يستمع له ويُلقي السكينة إلى فؤاده، وكان يكترثُ لكلِّ شيءٍ من غير استحسان للسوء، ولم يكن ليَصدُر عنه لومٌ مخالفٌ للرَّصانة صدًّا لهَذَره وحصْرًا لصَدره، وما وَجد من لذةٍ في الاستماع إليه زاده رغبةً في قول كل شيء، وهكذا قام باعترافه العامِّ ظانًّا أنه لم يَقُمْ بأيِّ اعترافٍ كان.

ويَرى القسِّيس من الواضح بعد أن دَرسَ مشاعره وأخلاقه ومن غير جهلٍ لسنِّه أنه نسيَ كلَّ ما كان من المُهمِّ أن يَعْرِفه، وأن العارَ الذي ألقاه فيه الطالعُ كان يَخنُقُ فيه كلَّ شعورٍ حقيقيٍّ بالخير والشر، ويوجد من الانحطاط درجةٌ تنزِع الحياةَ من الروح، ولا يستطيع صوتُ الباطن أن يُسمَع لدى مَن لا يُفكِّر في غير الغِذاء، ويُريدُ أن يَصون الفتى المَكروب من هذا الموت الأدبي الذي كان قريبًا منه كثيرًا، فيبدأ بإيقاظ حُبِّه لنفسه وتقديره لِذاته، ويُريه مستقبلًا أكثرَ سعادةً بحسن استعمال مواهبه، ويحيي في فؤاده هِمَّةً كريمةً بما يَقُصُّ عليه من أعمال الآخرين الرائعة. وهو إذ يجعله مُعجَبًا بصانعيها يَحْمله على الرغبة في صُنْع ما يماثلها، وهو لكي يَفْصله عن حياة البِطالة والتشرُّد فصلًا غير محسوس يَحمله على الاقتطاف من كتبٍ مختارة، وهو إذ يتظاهر باحتياجه إلى هذه المقتطفات يُغذِّي فيه شعورَ معرفةِ الجميل الكريم، وهو يثقِّفه بهذه الكتب ثقافةً غيرَ مباشرة، وهو يَحْفِزه إلى تكوين رأيٍ حَسنٍ عن نفسه لكيلا يظُنَّ عدمَ صلاحه لأيِّ خيرٍ كان، ولكيلا يكون حقيرًا في نظره الخاص.

ومن الترَّهات حادثةٌ تَحمِل على الحكم في براعة هذا الرجل المحسن الذي رَفع بها فؤادَ تلميذه فوق كلِّ لؤمٍ رفعًا غيرَ محسوس، وذلك من غيرِ أن يَظهر مفكِّرًا في أمرِ تعليمه. وكان هذا الإكليريكيُّ من الصلاح الذائع والتمييز البالغ ما يُفضِّل معه كثيرٌ من النَّاس أن يجعلوا صدقاتِهم بين يديه على جعْلها بين أيدي خَوارِنة المدن الأغنياء. ومما حدث ذات يومٍ أن أُعطيَ نقودًا ليوزِّعها بين الفقراء، وقد كان الفتى من الدناءة ما طلب معه حِصَّةً منها بصفته فقيرًا، ويقول القس: «كلَّا، نحن رهبانٌ، وأنت منسوبٌ إليَّ، فلا يجوز لي أن أمَسَّ هذه الوديعةَ نفعًا لي.» ثُمَّ أعطاه من ماله الخاص مقدارَ ما طلب، فدروسٌ من هذا النوع يندُرُ أن تضيع في قلب الفِتيان الذين لم يَفسُدوا تمامًا.

ويُتعبني أن أتكلَّم كشخصٍ ثالث، والجُهد غيرُ ضروري؛ وذلك لأنك تشعر أيها المواطن العزيز بأن هذا اللاجئ التَّعِس هو أنا، وأظنني من الابتعاد عن فُسوق شبابي ما أجرُؤ معه على الاعتراف به، وأن اليد التي انتشلتني منه تستحقُّ تكريمًا على إحسانها، وإن كان على حساب بعض العِذَار.

وكان أكثرُ ما يقِفُ نظري هو أن أرى في حياةِ مُعلِّمي الفاضل فضيلةً بلا رِئاء، ورأفةً بلا ضَعف، وكلامًا صادقًا بسيطًا دائمًا، وسلوكًا ملائمًا لهذا الكلام دائمًا، ولم أرَه قَطُّ يلتفت إلى أن الذين يساعدهم يقيمون الصلاة، أو أنهم يعترفون غالبًا، أو أنهم يصومون في الأيام المقرَّرة فلا يتناولون لحمًا، كما أنه لا يَفرض عليهم شروطًا مماثلةً يُمكن أن تَموتوا بغيرها جوعًا قبل أن تَرجوا أيَّ عُونٍ من المتقين.

وأبتعد عن عَرْضي أمامه غَيرةَ مهتدٍ حديث، وأتشجَّع بهذه المشاهدات، ولا أكتم عنه شيئًا من أوجه تفكيري، ولا يؤذيه هذا. ومما أقول في نفسي أحيانًا إنه يتغاضى عن عدم اكتراثي للدِّين الذي اعتنقتُ لِما يَرى من عدم اكتراثي أيضًا للدِّين الذي نشأتُ عليه؛ فهو يَعْرِف أن استخفافي غيرُ موجَّهٍ إلى نِحْلَةٍ معينة، ولكن ما يكون تفكيري حينما كنتُ أَسمعه في بعض الأحيان يَستحسن عقائدَ مخالِفةً لعقائدِ الكنيسة الكاثوليكية، ويُبدي قليلَ تقديرٍ لجميع طقوسها؟ كنت أذهب إلى أنه بروتستانيٌّ متنكِّرٌ لو رأيته أقلَّ إخلاصًا لهذه العادات التي كان يبدو قليلَ التقدير لها، ولكنني كنتُ أعلم أنه يقوم بهذه الواجبات الدينية في السر والعلانية قيامًا دقيقًا؛ فلا أدري كيف أَحكُم في هذه المتناقضات. ولكن إذا عدوتَ الخطأ الذي أدَّى إلى زوال حُظوته سابقًا، والذي لم يُصلَح كلُّه، وجدتَ حياتَه مِثالية، وأن أخلاقَه لا غُبارَ عليها، وأنه صادقٌ منصفٌ في كلامه، وأعيش معه على أعظمِ ما يمكن من صفاء، وأتعلَّمُ أن أحترمه كلَّ يومٍ أكثرَ من قبل، ويستولي هذا اللطف على فؤادي تمامًا فأنتظر مباليًا كلَّ المبالاةِ وقت اطِّلاعي على المبدأ الذي يُقيمُ عليه تناسقَ حياةٍ كثيرةِ الغرابة كحياته.

ولم يَحِلَّ هذا الوقت سريعًا؛ فهو قبل أن يَكشف لتلميذه أسرارَ قلبِه بذل جُهدَه في إنبات بذور العقل واللطف التي ألقاها في روحه. وكان أصعب ما يُمكن إزالته من نفسي هو نفوري من النَّاس مع الاختيال، هو غلظتي نحو الأغنياء والسعداء، كأنَّ غِناهم على حسابي، وكأن سعادتهم المزعومة قد اغتُصِبَت من سعادتي، وما يساور الشبابَ من زهوٍ أرعنَ يقاوِم الهوانَ لم يُوجِب غيرَ زيادةِ مَيلي إلى الحَنَق. وبما أن حُبَّ الذات الذي كان مُرشدي يحاول إيقاظَه فيَّ يحمِلُني على الخُيَلاء، فإنه كان يجعل النَّاسَ أشدَّ لؤمًا في نظري ولا يُسْفِرُ عن غير إضافة الازدراء إلى الحقد عليهم.

ولا يكافحُ هذا الزهوَ كِفاحًا مباشِرًا، وإنما يمنَعُ من تَحوُّله إلى قَسوةِ قلب، ولا يَنزِع منِّي تقديري لنفسي، وإنما يجعله أقلَّ استخفافًا بقريبي. وهو إذ يُبعِدُ الظاهر الفارغ دائمًا، وهو إذ يَدُلُّني على ما ينطوي عليه الظاهرُ من شرورٍ حقيقية، يُعلِّمُني الرثاءَ لخطيئات أمثالي والرِّقة لأبْؤُسهم والتوجُّع لهم أكثر من حسدهم. وهو إذ يهتزُّ رأفةً بالضعف البشريِّ عن شعورٍ عميقٍ بضَعفه الشخصي، يَرى في كلِّ مكانٍ ضحايا عيوبهم الخاصة وعيوبِ الآخرين، ويَرى أنينَ الفقراء تحت نِير الأغنياء، وأنينَ الأغنياء تحت نِير المُبْتَسَرات، ويقول: «صدِّقوا قولي، إن الأوهامَ تزيد شرورنا بدلًا من إخفائها، وذلك بجعلها قيمةً لما ليس له قيمة، وبجعلنا نُحِسُّ ألفَ حِرمانٍ ما كُنَّا لِنشعُر به لولاها، وتقوم راحة النفس على ازدراء كلِّ ما يُمكن أن يُزعجَها. ويُعَدُّ أحرصُ النَّاس على الحياة أقلَّهم قدرةً على التمتُّع بها، ويُعَدُّ أطمعُ النَّاس في السعادة أكثرهم بؤسًا دائمًا.»

وأصرُخ بمرارةٍ قائلًا: «وَيْ! يا لها من صورٍ كئيبة! إذا ما وَجَبَ رفضُ كلِّ شيء، فما فائدة ولادتنا إذَن؟ وإذا ما وَجَبَ ازدراءُ السعادةِ نفسِها، فمن ذا الذي يكون سعيدًا؟» وعن هذا يجيب القسُّ ذات يومٍ بلهجةٍ وقفَتْ نظري: «هو أنا.» «أنت سعيدٌ! أنت سعيدٌ مهما قلَّ عَوْنُ الطالع ذلك، ومهما بلغتَ من الفقر والنفي والاضطهاد! وماذا فعلتَ لتكون سعيدًا؟» وعن هذا يجيب القَس: «أي بُني، سأقول لك هذا طَوْعًا.»

وهنالك أخبرني أنه يودُّ أن يُدلِي باعترافاته بعد أن تلقَّى اعترافاتي، ويقول لي معانقًا: «سأصُبُّ في صدرك جميع مشاعر فؤادي، وستراني كما أبدو لنفسي على الأقل إن لم يكن كما أنا عليه، ومتى تلقيتَ اعترافي الديني بكامله، ومتى عرفتَ حال نفسي جيِّدًا، علمت السبب في عَدِّ نفسي سعيدًا. وإذا ما فكَّرت في الأمر مثلي علمتَ كيف تكون سعيدًا أيضًا، بَيْدَ أن هذه الاعترافات ليست مسألةَ دقيقةٍ، فلا بدَّ من وقتٍ كافٍ لأشرح لك جميع ما أفكِّر فيه حول مصير الإنسان، وحوْل قيمة الحياة الحقيقية، ولنعيِّن وقتًا ملائمًا ومكانًا مناسبًا للقيام بهذا الحديث بهدوء.»

وأُبدي مبادرتي إلى سماعه، ولم يُؤجَّل اللقاءُ إلى أبعدَ من صباح الغد، وكُنَّا في فصل الصيف، وننهض وقتَ الفجر، ويأتي بي خارج المدينة، إلى تلٍّ عالٍ يمرُّ تحته نهرُ الْبُو الذي كان يُرى مجراه من بين ضِفافه الخصيبة المُبلَّلة به، وكانت سلسلة جبال الألب الواسعة تتوِّجُ المنظر، وكانت أشعة الشمس الطالعة تمسُّ السهول، وترسم على الحقول ظِلالًا طويلةً للأشجار والرُّبَى والبيوت، وتُغْنِي بألف عارضٍ من الضياء أروعَ ما يُمكن أن تقع عليه عينُ إنسانٍ من الصور. ولا عَجب إذا قيل إن الطبيعة كانت تَعْرِض على أعيننا جميعَ جلالها تزْويدًا بنصِّ حديثنا؛ فهنالك، بعد إمتاع النظر بتلك الأشياء مع صمتٍ حينًا من الزَّمن، حدَّثَني رجلُ السلام بما يأتي:

عقيدةُ القِسِّيس السافوائي

«أي بُني، لا تنتظر منِّي كلامًا علميًّا ولا براهينَ بعيدةَ الغور، فلستُ فيلسوفًا كبيرًا، ولست أبالي أن أكونه إلا قليلًا، ولكنَّ عندي ذوقًا سليمًا أحيانًا، وأحبُّ الحقيقةَ دائمًا، ولا أودُّ أن أبرهنَ معك ولا أن أحاول إقناعك، ويكفيني أن أَعرض عليك ما أفكِّر فيه ببساطة فؤادي، وشاوِرْ قلبَك في أثناء حديثي، وهذا كلُّ ما أطلبُ منك، وإذا ما خُدِعت كان هذا عن حُسن نية، وحسبي بهذا ألَّا يُعَدَّ خِطْئي جناية، وإذا ما خُدِعتُ أيضًا لم ينطوِ هذا على سوءٍ كبير، وإذا ما أحسنتُ التفكيرَ كان العقلُ مشتركًا بيننا، وكانت لدينا ذاتُ المصلحة في الإصغاء إليه، ولِمَ لا تفكِّر كما أُفكِّر؟

لقد وُلِدتُ فقيرًا وقَرويًّا، وقد أُعدِدْتُ بنصيبي لزراعة الأرض، ويُرى من الأجمل مع ذلك أن أتعلَّم كَسْبَ عيشي من القُسُوسَة، ويوجد من الوسائل ما أدرُسُها به، ولا ريب في أننا لم نُفكِّر أنا وأبواي أن نطلُبَ من هذا ما كان صالحًا ولا حقًّا ولا نافعًا، ولكننا فكَّرنا فيما يجب أن يُعلَم لأكون قَسًّا، وأتعلَّم ما أُريدَ منِّي أن أتعلم، وأقول ما أُريدَ منِّي أن أقول، وأُلزِم نفسي بما أُريدَ منِّي، وأُنْصَبُ قَسًّا. بَيْدَ أنني لم ألبثْ أن شعرتُ بأنني حين ألزمتُ نفسي بألَّا أكون رجلًا، وَعَدْتُ بأكثرَ مما لا أستطيع إنجازَه.

ويُقال لنا إن الشعور وليدُ المُبْتَسَرَات، ومع ذلك فإنني أعلم عن تجرِبةٍ أن الشعور يَعند في اتِّباع نظام الطبيعة على الرغم من جميع قوانين النَّاس. ومن العبث أن نُمنَع من هذا أو ذاك، ويكون لَوْمُ الندم ضعيفًا دائمًا حول ما تُبيحُ لنا الطبيعةُ الحسنةُ التنظيم، وأكثرُ من هذا ضَعفُ ذاك اللوم حول ما تأمر به الطبيعة. ويا أيها الفتى الصالح، لَمْ تخاطِب الطبيعةُ حواسَّك بشيءٍ بعد، فعِش طويلًا في هذه الحال من السعادة حيث يكون صوتُها صوتَ الطُّهْر، واذكُر أنَّ سبْقك لتعليمها يعني إهانتها إهانةً أشدَّ من مكافحتها، ولا بُدَّ من البدء بتعلُّم المقاومة لمعرفة الوقت الذي يُمكِن أن يُذْعَنُ فيه بلا إجرام.

وما فتئتُ منذ شبابي أحترم الزواجَ كأوَّل نظامٍ للطبيعة وأكثرِ نُظُمِها قُدُسًا، وإذ أنزِعُ منِّي حقَّ الإذعانِ لسلطانه فإني أعزِم على عدم انتهاكه مطلقًا؛ وذلك لأنني على ما كان من ثقافتي ودراستي ومن قضائي حياةً نمطيةً بسيطة، حافظتُ في ذهني على صفاء صُوَى١٨ الفطرةِ كاملًا؛ أي إن أمثال النَّاس لم تُسوِّدها قَط، وإن فقري كان يُقصيني عن المغريات التي تُمليها سفسطة الفُسوق.

وهذا العزمُ أوجبَ دماري، وذلك أن احترامي لفراش الآخرين أدَّى إلى كشْف خطيئاتي، وكان لا بد من التكفير عن زَلَّتي، وأُوقَفُ وأُحجَزُ وأُطرَد، وأكون ضحيةَ وساوسي أكثر من أن أكون ضحية دعارتي. وكان لديَّ ما أدرِكُ معه من التعزير الذي لازم زوال حُظوَتي أنه يجبُ في الغالب زيادةُ الخطيئة للإفلات من العقوبة.

وقليلٌ من التجارِب المماثلةِ يَسوقُ الذهنَ الذي يتأمَّل إلى مَدًى بعيد، وأُبصِرُ بمشاهداتٍ كئيبةٍ تَداعي ما عندي من أفكارٍ عن العدل والصلاح وجميع واجبات الإنسان، فأخسَر كلَّ يومٍ بعضَ ما تلقيتُ من آراء. وبما أن ما بقيَ لديَّ منها عادَ غيرَ كافٍ لأصنع منه مجموعةً من الأفكار قادرةً على الوقوف وحدَها؛ فقد أحسست بالتدريج اسودادَ وضوحِ المبادئ في ذهني، ثُمَّ قُصِرْتُ على مرحلةٍ عُدْتُ لا أدري معها ما التفكير، فانتهيتُ إلى النقطة التي انتهيتُ إليها، وذلك مع الفرْق القائل إن إلحادي الذي هو ثمرةُ تقدُّمٍ في السِّن قد تكوَّن بمشقةٍ عظيمة فيصعُب القضاء عليه.

وكنت في حالٍ من الشكِّ والارتياب ما يطلُبه ديكارتُ للبحث عن الحقيقة، وما كانت هذه الحال لتدوم؛ فهي تورِث الهمَّ وتوجِب العَناء، وما كان لغير حُبِّ العيب وكسل النفس ما يَدَعُنا فيها، ولم يكن لديَّ قلبٌ بلغ من الفساد ما يُسَرُّ معه بذلك الوَضْع، ولا شيء أحسنُ حِفظًا لعادة التأمُّل من رِضا الإنسان عن نفسه أكثرَ مما عن نصيبه.

وقد فكَّرْتُ إذنْ في مصير النَّاس الكئيب المتموِّج فوق بحر آراء البشر بلا سُكَّان ولا بَوْصلة، هؤلاء النَّاس المُوكَلين إلى أهوائهم العاصفة، وذلك بلا دليلٍ غيرِ رُبَّانٍ غِرٍّ لا يَعْرِف طريقه، ولا يدري من أين يأتي ولا إلى أين يذهب، وأقول في نفسي: «أُحِبُّ الفضيلة، وأنشُدُها، ولا أجِدُها، ولأُطلَع عليها حتى أستمسكَ بها. ولِمَ تَسْتر وجهها عن قلبٍ جادٍّ صُنِع ليعبُدَها؟»

وإني، وإن بلوتُ أشدَّ الآلام في الغالب، لم أقضِ حياةً دائمةَ الكرب كما قضيتُ في أوقات القلق والاضطراب تلك؛ حيث كنت ضالًّا بين شكٍّ وشكٍّ بلا انقطاع؛ فلم أفُز من تأملاتي الطويلة بغير الارتياب والإبهام والمتناقضات حول سبب وجودي وحول قاعدة واجباتي.

وكيف يُمكِنُ الإنسانَ أن يكون مُرتابًا عن مذهبٍ وحسنِ نية؟ لا أستطيع إدراك هذا. وإمَّا أن يكون الفلاسفة موجودين، وإمَّا أن يكونوا أشقى النَّاس. وإن الشَّك في الأشياء التي يُهِمُّنا أن نَعرفها هو أمرٌ بالغ الشدة في نفس الإنسان، وهو لا يُمكِنُ احتماله زمنًا طويلًا؛ فالذهنُ يُقرِّرُ إحدى الطُّرق من تلقاء نفسه وعلى الرغم من ذاته، وهو يُفضِّلُ أن يُخدَع على عدم الإيمان بشيء.

والذي كان يُضاعِفُ ارتباكي هو أنني إذ وُلِدْتُ في كنيسةٍ تُقرِّرُ كل شيء ولا تُبيح أيَّ شك، كنتُ عند رفض نُقطَةٍ أُحمَلُ على رفض بقية النقاط، وأنَّ تعذُّر التسليم بكثيرٍ من الأحكام غيرِ المعقولة كان يَفصِلني أيضًا عن الأحكام التي لم تكن هكذا، وكان إذا ما قيل لي أن أعتقد كلَّ شيءٍ عُدْتُ غيرَ عارفٍ أين أقِف.

وشاورتُ الفلاسفة، وتَصفَّحتُ كُتُبهم ودرست مختلفَ آرائهم، فوجدتهم كلَّهم شُمَّخًا جازمين عقديِّين حتى في ارتيابهم المزعوم، ووجدتُهم لا يجهلون شيئًا، ولا يُثبتون شيئًا، ويَسْخر بعضُهم من بعض، ووجدتهم ينتصرون إذا ما هاجموا، ووجدتهم بلا حَوْلٍ إذا ما دافعوا، وإذا وزنتم براهينهم لم تجدوا عندهم منها غير ما هو صالحٌ للهدم، وإذا عددتم الطرق أبصرتم اقتصار كلِّ واحدٍ على طريقه. وهم لا يتفقون على غير الجدال، ولم يكن استماعي لهم وسيلةَ خروجي من ارتيابي.

وخُيِّلَ إليَّ أن نقص الذهن البشريِّ هو السبب الأوَّل لهذا الاختلاف العجيب في المشاعر، وأن العُجْبَ هو سببه الثاني، وليس لدينا قياسُ هذه الآلة العظيمة مطلقًا، ولا نستطيع حسابَ نِسَبِها، ولا نعرف سُنَنها الأُولى ولا عِلتَها الغائية. ونحن نجهل أنفسنا، فلا نعرف طبيعتنا ولا أصلَنا الفاعل، ونحن لا نكاد نعرف هل الإنسانُ مخلوقٌ بسيطٌ أو مركب؛ وذلك لأن أسرارًا خفيةً مُغلَقةً تحيط بنا من كلِّ جانب، وهي فوق المنطقة الحساسة. وترانا نعتقد أن لدينا من الذكاء ما نَنْفُذُها به مع أنه ليس لدينا غيرُ الخيال، وكلٌّ يشُقُّ من خلال هذا العالم الخيالي طريقًا لنفسه يظُنُّها صالحة، ولا يستطيع أحدٌ أن يَعْرِف هل تُوصِله طريقه إلى الغاية، ومع ذلك فإننا نريد نفوذها ومعرفتها جميعًا. والأمر الوحيد الذي لا نعرفه مطلقًا هو جهلُنا حدَّ ما يُمكِنُ أن يُعرَف. ونُفضِّل أن نرْكن إلى المصادفة، وأن نعتقد ما ليس موجودًا على الاعتراف بأن كلَّ واحدٍ مِنَّا لا يستطيع أن يرى ما هو ذاك. وإذ كُنَّا جزءًا صغيرًا من مجموعٍ كبيرٍ تَعْزُبُ عنَّا حدودُه ويَدَعُه صانعه لجدالنا الأحمق، فإننا من البُطْل ما نُريدُ معه أن نُقرِّر أمرَ هذا المجموع في حدِّ ذاته وأن نُقرِّر ما نحن بالنسبة إليه.

ومتى صار الفلاسفة في حالٍ يكتشفون الحقيقة معها، فمن ذا الذي يُعنى بأمرها منهم؟ يَعْرِف كلُّ واحدٍ منهم أن مذهبه ليس أحسن أساسًا من المذاهب الأخرى، ولكنه يؤيده لأنه خاصٌّ به، ولا تجد واحدًا منهم انتهى إلى معرفة الحقيقة والكَذِب، فلا يُفضِّل الكَذِبَ الذي وَجَد على الحقيقة التي اكتشفها آخَر. وأين الفيلسوف الذي لا يُخادِع الجنس البشري مختارًا في سبيل مجده؟ وأين الفيلسوف الذي لا يهدِف في قرارة قلبه إلى شيءٍ آخر غير الامتياز من سواه؟ وما يبغي أكثرَ من أن يعلو العوامَّ وأن يُطفئ نور منافسيه؟ والمهم هو أن يفكِّر على غير تفكير الآخرين، فيكون ملحدًا عند المؤمنين ومؤمنًا عند الملحدين.

والثمرة الأُولى التي اقتطفتها من هذه التأملات هي أنني تعلَّمتُ قَصْرَ مباحثي على ما كان يُهِمُّني مباشرة، وأن أتذرَّع بجهلٍ عميقٍ فيما عدا ذلك، وألَّا أبالي حتى مع الشك بغير الأمور التي كان يجب أن أعْرِفها.

ومما أدركتُ أيضًا بُعْدُ الفلاسفة من إنقاذي من شكوكي غيرِ المجدية، وأنهم لم يصنعوا غير زيادة الرِّيَب التي تُزعِجُني من غير أن يَحُلُّوا واحدةً منها؛ ولذا فقد اتخذت دليلًا آخَرَ وقلت في نفسي: «دعْني أستنِر بنور الباطن؛ فهو أقلُّ تضليلًا لي منهم، أو إن خطئي يكون خاصًّا بي على الأقل، فأكون أقلَّ فسادًا باتِّباع أوهامي الخاصة مما بانقيادي لأكاذيبهم.»

وأعرضُ في ذهني مُختلِفَ الآراء التي سيَّرتني منذ ولادتي مناوبة، فأرى هنالك أنها وإن لم يوجَد بينها واحدٌ بَلَغَ من الوضوح ما يوجِب القناعةَ حالًا، كانت متفاوتة احتمالًا، فيُعِيرُها قَبولي إياها، أو رفضي إياها باطنيًّا، أوزانًا مختلفة. وأستند إلى هذه الملاحظة الأُولى، فأُقابل بين جميع هذه الأفكار المختلفة في سكونِ المُبْتَسَرَات، فأجد أن أوَّلَها وأكثرَها شيوعًا كان أبسطَها وأقربَها إلى الصواب، وأنه كان لا يُعْوِزها لجمع جميع الأصوات غيرُ كونها آخرَ ما يُعرَض. وتمثَّلوا جميع فلاسفتكم القدماء والمعاصرين، وقد استنفدوا في البُداءة مذاهبهم الغريبة في القوة والحظ والقَدَر والوجوب والذرات والعالم الحي والمادة الحية والمادية من كلِّ نوع، ثُمَّ تمثَّلوا كلَارْكَ المشهورَ وهو يُنيرُ العالم مُعلِنًا في نهاية الأمر واجبَ الوجود وواهبَ الأشياء؛ فبأي إعجابٍ أشمل، وبأيِّ هُتافٍ إجماعي، لا يُقبل هذا المذهبُ الجديدُ البالغُ العظمةِ والسموِّ والكثيرُ الصلاحِ لرفع الروح ومنح الفضيلة قاعدةً والبالغُ التأثيرِ والإشراق والبساطة، والأقلُّ عَرْضًا، كما يَلوح لي، لأمورٍ لا تُدْركها النفس البشرية التي تَجِدها محالةً في كلِّ مذهبٍ آخر، وأقول في نفسي: «إن الاعتراضاتِ المُعضِلَةَ شائعةٌ بين الجميع؛ وذلك لأن رُوح الإنسان من الضيق ما لا يستطيع معه أن يَحُلَّها؛ ولذا فإن هذه المعضلات ليست براهين ضدَّ أيِّ مذهبٍ دون غيره. ولكن يا للفرْق بين البراهين المباشرة التي قامت عليها المذاهب! ألا يجِبُ تفضيلُ ذاك الذي يُوضِحُ وحدَه كلَّ شيء عندما لا يكون له مِثْلُ مُعضِلات الأخرى؟»

ولذا، فإني إذ أحملُ حبَّ الحقيقة في نفسي كفلسفةٍ وحيدة، وإذ أحمل قاعدةً واضحةً بسيطةً تُغنيني كمنهاجٍ وحيدٍ عن الدقة الفارغة في البراهين، فإنني أعود مستعينًا بهذه القاعدة إلى درس المعارف التي تهمُّني، عازمًا على عَدِّي واضحًا كلَّ ما لا أستطيع أن أمنع عنه موافقتي من المعارف، وعلى عَدِّي حقيقيًّا جميعَ المعارف التي يلوح لي أنها ذاتُ ارتباطٍ لازمٍ في تلك المعارف، وذلك مع تركي جميعَ المعارف الأخرى ضمن نطاقٍ من الارتياب لا أرفِضُها ولا أقبلُها معه، وذلك من غير أن أُزعج نفسي بإلقاء نورٍ عليها إذا كانت لا تؤدي إلى شيء نافع في ميدان العمل.

ولكنْ مَن أنا؟ وما حقي في الحُكم في الأمور؟ وما الذي يُعيِّنُ أحكامي؟ إذا كانت نتيجةً حتميَّةً لما أتلقَّى من انطباعاتٍ كان من العبث قيامي بمثل هذه التحقيقات؛ فهي لا تتمُّ مطلقًا، أو إنها تتمُّ بنفسها ومن غير أن أتدخَّل في توجيهها. ولذا، فإن أوَّل ما يجب أن أفعل هو أن أرجِع إلى نفسي لمعرفة الآلة التي أُريدُ اتخاذها، والمدى الذي يُمكننني أن أعتمد عليه في استعمالها.

وأنا موجود، ولديَّ حواسُّ أتأثَّرُ بها، وهذه هي الحقيقة الأولى التي تقفُ نظري، فأُلزَم بقبولها، وهل لديَّ شعورٌ خاصٌّ بوجودي فلا أشعر به إلا بإحساساتي؟ هذا هو شَكِّي الأوَّل الذي يتعذَّرُ عليَّ حلُّه في الوقت الحاضر، وذلك بما أنني أتأثُّر دائمًا بالإحساسات مباشرةً أو بفعل الذاكرة، فكيف أستطيع أن أعْرِف كون شعوري بنفسي أمرًا خارجًا عن هذه الإحساسات، وأن من الممكن كونَ هذا الشعور مستقلًّا عن هذه الإحساسات؟

وفِيَّ تَحْدُث إحساساتي ما دامت تُشعِرُني بوجودي، بَيْدَ أن سببَها غريبٌ عني ما دامت تؤثِّر فيَّ، سواءٌ أكان لديَّ أيُّ سببٍ لوجودها أم لا. ولِمَا لا يتوقَّف عليَّ أمرُ وجودها أو أمرُ إبطالها؟ ولِذا فإنني أرى بوضوحٍ أن إحساسي الذي فيَّ وسببَه أو موضوعه الخارج عني ليسا أمرًا واحدًا.

وهكذا تُوجد موجوداتٌ أخرى فضلًا عن كوني موجودًا؛ أي توجد موضوعات إحساساتي، حتى إن هذه الموضوعات إذا لم تكن غيرَ أفكارٍ فإن من الصحيح دائمًا كوْنَ هذه الأفكار ليست أنا.

والواقعُ أن كلَّ ما أُحِسُّه خارجَ نفسي ويؤثِّرُ في حواسِّي أسَمِّيه مادة، كما أسمِّي أجسامًا جميعَ أجزاء المادة التي أتصوَّرها مجتمعةً في موجوداتٍ فردية، وهكذا فإن جميع مجادلات الخياليين والماديين لا معنَى لها في نظري؛ أي إن تفريقهم بين ظاهر الأجسام وحقيقتها أمرٌ وهمي.

ومِنْ ثَمَّ تراني قانعًا بوجود العالم قناعتي بوجودي، ثُمَّ أتأمل في موضوعات إحساساتي. وبما أنني أجدُ في نفسي قابليةَ المقابلةِ بينها، فإني أُحِسُّ اتِّصافي بقوةٍ فاعلةٍ لم أعْرِف حيازتي لها سابقًا.

والشعور هو الإحساس، والقياس هو الحُكْم، وليس الإحساسُ والحُكْمُ أمرًا واحدًا. وبالإحساس تظهَرُ الموضوعات لي منفصلةً منفردةً كما هي في الطبيعة، وبالقياس أُحركها وأنقلُها وأضع بعضها فوق بعض لأحكُم في اختلافها وتشابهها، وفي جميع علائقها على العموم. وعندي أن صفة الوجود الفاعل أو العاقل المميزة هي القدرة على منح كلمة «هو موجودٌ» معنًى. وأبحث عبثًا في الموجود الحسي الصِّرْف عن هذه القدرة العاقلة التي تَنْضِدُ ثُمَّ تَحْكُم، فلا أستطيع أن أراها في طبيعته، ويَشْعُرُ هذا الموجود المنفعل بكلِّ موضوعٍ على انفراد، أو إنه يَشْعُر بالموضوع المجموع المؤلَّف من الاثنين. ولكن بما أنه ليس لديه من القوة ما يَثني به أحدَهما على الآخر، فإنه لن يقابل بينهما مطلقًا، ولن يحكُم فيهما مطلقًا.

ولا تَعني رؤيةُ الشيئين معًا رؤيةَ علائقِهما، ولا الحكمَ في اختلافاتهما. وليس الشعور بأشياءَ كثيرةٍ خارجٍ بعضُها عن بعض تَعدادًا لها؛ فمن الممكن أن تكون لديَّ في ذات الدقيقة فكرةٌ عن عصًا كبيرةٍ وعصًا صغيرةٍ من غير أن يُقابَل بينهما ومن غير أن يُحكم في كون إحداهما أصغرَ من الأخرى، كما أن من الممكن أن أرى جميع يدي جُمْلَةً من غير عَدٍّ لأصابعي.١٩ فهذه الأفكار القياسية: «أعظم، أصغر»، وهذه الأفكار العَدِّية: «واحد، اثنان … إلخ»، ليست إحساساتٍ حقًّا، وإن كان ذهني لا يُولِّدُها إلا بمناسبة إحساساتي.

ويُقال لنا إن الموجود الحسَّاس يَميزُ بعضَ هذه الإحساسات من بعضٍ بما بين هذه الإحساسات نفسها من فروق، ويحتاج هذا إلى إيضاح. ومتى كانت الإحساسات مختلفةً مازَ الموجودُ الحساسُ بعضَها من بعضٍ بما بينها من فروق، ومتى كانت متشابهةً مازَ بينها لشعوره بأن بعضَها خارجُ بعض، وإلا فكيف يُمازُ شيئان متساويان بإحساسٍ حدث في آنٍ واحد؟ لا بدَّ له من أن يخْلِط بين هذين الشيئين بحُكم الضرورة واتخاذِه لهما كأمرٍ واحد، ولا سيَّما وَفْق مذهبٍ يُزعَم فيه أن الإحساسات التصويرية للمسافة ليست مَسَاوفَ مطلقًا.

ومتى شُعِرَ بإحساسَين يُقابَل بينهما، فإن انطباعهما يقع، وإن كلَّ شيءٍ يُحَس، وإنهما يُحَسَّان، بَيْدَ أنه لا يشعر بعلاقتهما لهذا السبب. وإذا لم يكن الحُكم في هذه العلاقة غيرَ إحساس، وإذا كان يأتيني من الشيء حَصْرًا، لم تخدعني أحكامي قَط؛ وذلك لأنه ليس من الكَذِب أن أُحِس ما أُحِس.

ولمَ أُخدع إذن حول علاقة تَينِك العَصَوَين إذا لم تكونا متوازيتَين على الخصوص؟ ولِمَ أقولُ مثلًا إن العصا الصغيرة تَعْدِلُ ثُلُثَ الكبيرةِ مع أنها لا تَعدِل غيرَ رُبْعِها؟ ولِمَ لا تكون الصورة التي هي إحساسٌ مطابقةً لمثالها الذي هو موضوعها؟ ذلك لأنني فاعلٌ حينما أحكُم؛ وذلك لأن فعْل القياس مُختل؛ وذلك لأن إدراكي الذي يحكم في العلاقات يخلط أغاليطه بحقيقة الإحساسات التي لا تُظْهِرُ غيرَ الأشياء.

وإلى هذا أضيفوا فكرةً تَقِفُ نظرَكم إذا ما تأمَّلْتموها كما أُوَكِّد، وذلك أننا إذا ما كُنَّا منفعلين محضًا في استعمال حواسِّنا لم يَكُن بينها أيُّ اتصال، وتعذَّر علينا أن نعرف أن الجسمَ الذي نَمَسُّ والشيءَ الذي نرى هُمَا هُمَا، وذلك أننا إمَّا ألَّا نُحِسَّ شيئًا خارجَ أنفسنا مطلقًا، وإمَّا أن يكون لدينا خمسةُ عناصرَ محسوسةٌ ليس لدينا أيةُ وسيلةٍ لإدراك ذاتيتها.

ولْيُطلَقْ هذا الاسمُ أو ذاك على قدرة روحي التي تُقَرِّب وتقابِل بين إحساساتي، ولتُدْعَ انتباهًا أو تَبَصُّرًا أو تأمُّلًا أو كما يُراد، فإن من الصحيح دائمًا أن تكون فيَّ لا في الأشياء، وأن أكون وحدي الذي يُحدِثُها وإن كنتُ لا أُحدِثُها إلا حينما أتلقَّى انطباعًا من الأشياء، ومع أني لستُ مسيطرًا على إحساسي أو عدمه، فإنني مُطلَقٌ في فحصِ ما أُحِسُّ على قدْر الإمكان.

إذن، لستُ موجودًا حِسِّيًّا ومنفعلًا فقط، بل موجودٌ فاعلٌ عاقل، ومهما يكن من قولِ الفلسفة فإنني أجرُؤ على ادِّعاء شرفِ التفكير، فأعْرف أن الحقيقة في الأشياء لا في روحي الذي يحكُم فيها، وأنني كلَّما قَلَّ ما أضعُ مما عندي في الأحكام التي أحمِلُ عنها زادت ثقتي باقترابي من الحقيقة، وهكذا فإن قاعدتي في الانقياد للشعور أكثرَ مما إلى العقل تأيدتْ بالعقل نفسِه.

وإذ إنني واثقٌ بنفسي كما أقول، فإنني أبدأ بالنظر إلى خارج نفسي، وأعُدُّني مع شيءٍ من الارتعاش مطروحًا ضائعًا في هذا الكون الواسع، غارقًا في بحر الموجودات، غيرَ عارفٍ شيئًا عما هي عليه، سواءٌ فيما بينها أو بالنسبة إليَّ، وأدرُسُها وأرقُبُها، والأمرُ الأوَّل الذي يَعْرِض لي للمقارنة بينها هو نَفْسي.

وكلُّ ما أُحِسُّ بالحواسِّ هو مادة، وأستنبط خواصَّ المادة الجوهرية كلَّها من الصفات المحسوسة التي تجعلُني أشعُرُ بها والتي لا يُمكِن أن تنفَصِل عنها، وأرى المادة متحركةً تارةً ساكنةً٢٠ تارةً أخرى؛ ومِنْ ثَمَّ أستنتج أن السكون والحركة ليسا أمرَين جوهريَّيْن لها. ولكن بما أن الحركة فعلٌ فإنها معلولةُ علةٍ ليس السكونُ غيرَ عدَمٍ لها؛ ولذا فإنه إذا لم يؤثِّر شيءٌ في المادة فإنها لا تتحرك مطلقًا؛ ولذا فإن السكون والحركة إذ يتساويان لدى المادة يُعَدُّ السكون حالَ المادةِ الطبيعي.
وأبْصِرُ في الأجسام نوعَيْن للحركة، وهما: الحركة الاكتسابية والحركة التلقائية أو الاختيارية، وفي الأُولى يكون السببُ المحرِّك خارجَ الجسم المتحرك، وفي الثانية يكون السببُ المُحرِّك ذاتيًّا، ولا أستنتج من ذلك كونَ حركة الساعة مثلًا أمرًا تلقائيًّا؛ وذلك لأنه إذا لم يوجَد شيءٌ غريبٌ عن النابض مؤثِّرٌ فيه فإنه لا يميلُ إلى الاعتدال ولا يجتذب السلسلة مطلقًا، ولذاتِ السبب لا أُوافقُ كذلك على كون حركةِ السوائل تلقائية، كما أنني لا أعزو حركةً تلقائيةً إلى النار التي توجب سائليَّتها.٢١

وتسألونني عن كون حركات الحيوان تلقائية، وأجيبكم بأنني لا أعْرِف عن ذلك شيئًا، ولكن القياس يؤيده، وتسألونني أيضًا كيف أعْرِف إذن وجودَ حركات تلقائية، وأجيبكم بأنني أعْرفها لأنني أشعُر بها، وأريد تحريكَ ذراعي وأحرِّكُها من غير أن يكون لهذه الحركة سببٌ مباشرٌ غيرُ إرادتي، ومن العبث أن تُراد البرهنةُ تقويضًا لهذا الشعور فيَّ؛ فهو أقوى من كلِّ دليل، وذاك يَعْدِلُ أن يُثبَتَ لي كوني غيرَ موجودٍ.

وإذا كان لا يُوجَدُ أيُّ تلقائيَّةٍ في أفعال النَّاس، ولا في أيِّ شيءٍ يحدث على الأرض، فإن من أصعب الأمور أن تُتَصَوَّر العلة الأُولى لكلِّ حركة. وأمَّا أنا فإنني أشعر بأنني بلغتُ من اعتقادِ كَوْن الحال الطَّبيعيةِ للمادةِ في سكون، ومن أنه لا يُوجَدُ فيها أيةُ قوةٍ للحركة بنفسها، ما أحْكُمُ معه من فَوْري حين أرى حركةَ الجسم، بأن هذا الجسم حيٌّ أو إن هذه الحركةَ قد اتصلت إليه، ويأبى ذهني كلَّ موافقةٍ على مبدأ المادة غيرِ العضوية المتحركة من تلقاء نفسها، أو التي تأتي عملًا ما.

ومع ذلك، فإن هذا العالَمَ المرئيَّ مادة، ولكنه متفرِّقٌ مَيِّتٌ٢٢ لا يُوجَدُ في مجموعه ما في أجزاء الجسم الحيِّ من اتِّحادٍ ونظامٍ وشعورٍ مشترَك ما دام من الثابت أننا، نحن الأجزاءَ، لا نُحِسُّ في المجموع قطعًا، وهذا العالَمُ نفسُه في حركة، وهو في حركاته المنتظمةِ النَّمطية الخاضعة لسُنَنٍ ثابتة، خالٍ من تلك الحرية التي تَبْدُو في حركات الإنسان والحيوان الغريزية. وليس العالم إذن حيوانًا عظيمًا يتحرك من تلقاء نفسه، ويوجد لحركاته إذن عِلَّةٌ غريبةٌ عنه لا أُدركها، غير أن لديَّ من القناعة الباطنية ما يجعلني أشعُرُ بهذه العلة شعورًا لا أرى معه دوران الشمس من غير أن أتصوَّر قوةً تدفَعُها، أو من غير أن أعتقد شعوري بيدٍ تُدير الأرض إذا كانت تدور.

وإذا ما وجب القولُ بالسُّنَن العامة التي لا أُدْرِك علاقاتها الجوهرية بالمادة مطلقًا، فما يكون مَدى تقدُّمي؟ بما أن هذه السُّنن ليست موجوداتٍ حقيقيةً ولا عناصر، فإنه يكون لها إذن أساسٌ آخرُ مجهولٌ لديَّ، وقد جعلتنا التجرِبة نعرف سننَ الحركة، وهذه السُّنن تُعيِّن المعلولات من غير أن تُطلِعَ على العلل، وهي لا تكفي لإيضاح نظام العالم ولا لتفسير سَيْر الكون مطلقًا. وقد أغلق ديكارت السماء والأرض بالنرد، ولكنه لم يستطِع أن يمنح هذا النرد أوَّل حركة، كما أنه لم يُعمِلْ قوَّته الدافعة عن المركز إلا بدورةٍ محورية. وقد وجد نيوتن قانون الجاذبية، ولكن الجاذبية وحدَها لم تلبث أن حَوَّلت العالم إلى كتلةٍ جامدة، وإلى هذا القانون يجب أن تُضاف قوةٌ دافعةٌ لوصف إهْلِيلجيات الأجرام السماوية. وليُحدِّثْنا ديكارت عن القانون الطبيعي الذي يُديرُ دوراتِه، وليدُلنا نيوتن على اليد التي ألقت السيارات على مُماسِّ مداراتها.

وليست أُولى عِلَلِ الحركة في المادة مطلقًا، والمادة تتلقَّى الحركة وتنقُلها، ولكنها لا تُحدِثُها، وكلَّما لاحظتُ فِعْلَ قُوى الطبيعة وردَّ فِعلِها، وبعضها يؤثِّرُ في بعضٍ وجدت أنه لا بُدَّ بالارتقاء من معلولاتٍ إلى معلولات، من الانتهاء إلى إرادةٍ على أنها العِلَّة الأُولى؛ وذلك لأن افتراض سلسلةٍ لا نهاية لها من العلل يعني عدم وجودٍ للعلة الأُولى، والخلاصة أن كلَّ حركةٍ لم تَصْدُر عن أخرى لا يُمكِن أن تأتيَ من غير فعلٍ تلقائيٍّ اختياري، ولا تسير الأجسامُ غير الحية بلا حركة، ولا يوجد فِعْلٌ بلا إرادة، وهذا هو مبدئي الأوَّل؛ ولذا فإنني أعتقد أن الإرادة تُحرِّكُ الكون وتُحيي الطبيعة، وهذه هي عقيدتي الأُولى أو مادة اعتقادي الأُولى.

وكيف تُسفِرُ إرادةٌ عن عملٍ فِزيوِيٍّ أو جسمي؟ لا أعلم ذلك، وإنما أشعر في نفسي بأنها تُحدِثه، وأريد أن أفعل شيئًا فأفعَلُه، وأريد أن أُحرِّكَ بدني فيتحرَّك، وأمَّا أن يتحرَّك جسمٌ جامدٌ ساكنٌ من تلقاء نفسه، وأن يُحدِثَ حركة، فأمرٌ لا يُدرَك ولا مثيل له. وأعرِف الإرادةَ بأفعالها لا بطبيعتها، وأعرِف هذه الإرادةَ عِلَّةً مُحرِّكَة، وأمَّا أن تُتصوَّر المادةُ مولِّدةً للحركة، فيَعني أن تَتَصوَّر بجلاءٍ معلولًا بلا علة، ويعني هذا ألَّا تَتَصوَّر شيئًا على الإطلاق.

وليس أكثرَ إمكانًا لديَّ أن أتصوَّر كيف تُحرِّك إرادتي جسمي من أن أتصوَّر كيف تؤثِّرُ إحساساتي في نفسي، حتى إنني لا أعْرِف السبب في كون أحد هذين السِّرَّين أهلًا للإيضاح أكثرَ من الآخر. وأمَّا أنا فتبدو لي وسيلةُ اتحاد العنصرين أمرًا لا يُدرَك مطلقًا، سواءٌ عليَّ أكنت فاعلًا أم منفعلًا. ومن الغرابة بمكان أن يُمضَى من تعذُّر الإدراك هذا ليُخْلَط بين العنصرين كأنَّ أفعالًا من طبيعةٍ مختلفةٍ ذلك الاختلاف تَكون أصلح للإيضاح ضِمْنَ موضوعٍ واحدٍ مما ضِمْنَ موضوعين.

أجلْ، إن العقيدة التي أُقرِّرُها غامضة، غير أنها تُلقي معنًى في نهاية الأمر، وهي لا تنطوي على شيءٍ يأباه العقل وتأباه الملاحظة. وهل يُقال عن المادية ذاك المقدار؟ أليس من الواضح أن الحركة إذا كانت أمرًا جوهريًّا للمادة تَعَذَّر انفصالها عنها، وكانت على ذات الدرجة فيها دائمًا، وكانت بذات المقدار في كلِّ قسمٍ من المادة دائمًا، وكانت غيرَ قابلة للانتقال، فلا تقبَل الزيادة والنقصان، حتى إنه لا يُمكِن تصوُّرُ المادة في سكون؟ وإذا ما قيلَ لي إن الحركة ليست أمرًا جوهريًّا للمادة، بل ضرورية، فإنه يُراد خَدْعي بألفاظٍ يسهُل دحضُها إذا كانت أكثرَ معنًى نوعًا ما؛ وذلك لأن حركة المادة إمَّا أن تأتيها من المادة نفسها، وحينئذٍ تكون أمرًا جوهريًّا لها، وإمَّا أن تأتيها من عِلَّةٍ خارجية، وحينئذٍ لا تكون ضروريةً للمادة إلا بدوام تأثير العلة المحرِّكة فيها، وبذلك نعود إلى المُعضِلة الأُولى.

وتُعَدُّ الأفكارُ العامة المجرَّدة مصدرَ أعظمِ خطأ في النَّاس، وما كانت رطانةُ ما بعد الطبيعة لتَكشِفَ أية حقيقة كانت، وقد ملأت هذه العُجْمَةُ الفلسفةَ بالسخافات التي يُخْجَلُ منها عند تجريدها من ألفاظها الفَخْمة، وقُل لي يا صديقي إنك إذا ما حُدِّثْت عن قوةٍ عمياءَ منتشرةٍ في جميع الطبيعة، فهل يُحْمل إلى ذهنك فكرٌ حقيقي؟ أجل، يُعتَقَدُ أنه يُقال شيءٌ بكلمات «القوة العامة، والحركة الواجبة»، ولكنه لا يُقال شيءٌ مطلَقًا. وليست فكرة الحركة غيرَ فكرة الانتقال من مكانٍ إلى آخر، ولا تُوجَدُ حركةٌ بلا اتجاهٍ مطلقًا؛ وذلك لأن الموجود الفرديَّ لا يستطيع الحركة نحوَ جميع الجهات دفعةً واحدة، وإلى أية جهة تتحرك المادة حتمًا؟ وهل جميعُ المادة في الجسم ذو حركةٍ نمطيَّةٍ أو تكون لكلِّ ذرةٍ حركَتُها الخاصة؟ تذهب الفكرة الأُولى إلى وجوب تكوين الكون بأسره كتلةً متينةً لا تتجزأ، وتذهب الفكرة الثانية إلى وجوب عدم تكوين الكون غيرَ سائلٍ مُفرَّقٍ فاقدِ الرِّباط، فلا يُمكن أن تتحد بذلك ذرتان مطلقًا، وما يكون اتجاه هذه الحركة المشتركة بين جميع المادة؟ أتكون على خطٍّ مستقيمٍ أم إلى الأعلى أم إلى الأسفل أم إلى اليمين أم إلى الشمال؟ وإذا كان لكلِّ ذرةٍ في المادة اتجاهها الخاص، فما تكون عِلَلُ جميع هذه الاتجاهات وجميعِ هذه الاختلافات؟ وإذا كانت كلُّ ذرةٍ في المادة لا تَصنَع غيرَ دورانها حولَ مركزها الخاص، فإنه لا شيءَ يترك مكانه ولا تُوجَدُ حركةٌ متحولةٌ مطلقًا، حتى إنه في هذه الحالة يجب أن تتجه هذه الحركة الدَّوريَّة نحوَ جهةٍ ما، ويَعني مَنْحُ المادة حركةً بالتجريد قَوْلَ كلماتٍ لا مَعنَى لها، ويَعني منحها حركةً مُعيَّنَةً افتراضَ عِلَّةٍ مُعيِّنَةٍ لها، وكلَّما كُثِّرَت القُوى الخاصةُ كان لديَّ من العلل الجديدة ما أُوضِحه من غير أن أجِدَ فاعلًا مشتركًا مُوجِّهًا لها، وأجِدُني بعيدًا من إمكان تصوُّري أيَّ نظام ضِمنَ تزاحم العناصر العرَضي، فلا أستطيع حتى تصَوُّرَ اعتراكها، ويَبدو لي اختلاطُ عناصرِ الكَوْنِ أمرًا لا يُدرَك أكثرَ من تعذُّر إدراك انسجامه، وأُدرِكُ أن من الممكن ألَّا يُدرِكَ ذِهْنُ الإنسان جهازَ العالَم، ولكن الإنسان إذا ما أخذ في إيضاحه وجب أن يقول أمورًا يَفهَمُها النَّاس.

وإذا كانت المادة المتحركة تدلُّني على إرادةٍ فإن المادة المتحركة تدلُّني على عقلٍ وَفْقَ بعض النواميس، وهذه هي المادة الثانية من عقيدتي، ويكون العمل والمقارنة والاختيار أفعالَ كائنٍ فاعلٍ عاقلٍ. وهذا الكائنُ موجودٌ إذَنْ، وأين ترونه موجودًا؟ وهذا ما تقولون لي، إنه ليس في السموات التي تدور والنجم الذي ينيرنا فقط، وليس في أنفسنا فقط، بل أيضًا في الشاة التي تَرعى والطائرِ الذي يطير والحجرِ الذي يسقُط والورقةِ التي تَذْرُوها الريح.

وأَقضي في نظام العالَم وإن كنتُ أجهلُ غايته؛ وذلك لأنه يكفيني للحكم في هذا النظام أن أقابل بين الأقسام، وأن أدرُس سِبَاقها وعلائقها، وأن ألاحظَ توافقَها. وأجهلُ سببَ وجود العالَم، ولكنني لا أنفكُّ أرى كيف تحوَّل، ولا يُعْوِزُني أن أُبصِرَ ذاك التوافق الوثيق الذي تتعاون به الموجوداتُ المؤلَّفُ منها تعاونًا متقابِلًا، وأراني مِثْلَ الرجلِ الذي يرى ساعةً مفتوحةً للمرة الأُولى، ولا يفتأُ يُعجَبُ بصُنْعها وإن كان لم يَعْرِف استعمال الآلة ولم يَرَ وجهها قَط، ويقول إنني لا أعلَمُ ما نفعُ جميعها، وإنما أرى أن كلَّ جزء منها قد صُنِعَ من أجل الأجزاء الأخرى. وأعجبُ بالصانع في تفاصيل صُنعه، وأجدُني موقنًا بأن جميعَ هذه الدواليب لا تسير متفقةً على هذا الوجه إلا من أجلِ غايةٍ مشتركةٍ يتعذَّرُ عليَّ إدراكُها.

ولنقابِلْ بين الغايات الخاصة والوسائل والعلائق المُنظَّمة لكلِّ نوع، ولنستمع إلى الشعور الباطني، فأيُّ ذهنٍ صحيحٍ يستطيع أن يَرْفِضَ شهادته؟ وأيةُ عيون غير متأثِّرَةٍ بالمُبْتَسَرات لا يُنبِئُها نظام الكون المحسوس بعقلٍ عالٍ؟ وأية سفسطات يجبُ أن تُرْكَمَ لإنكار انسجام الموجودات وتعاون كلِّ جزءٍ على حفظ الأجزاء الأخرى؟ وحَدِّثوني ما شئتم عن التركيبات والمصادفات، فما نفعُكم من حَمْلي على السكون إذا كنتم غير قادرين على إقناعي؟ وكيف تَنزِعون منِّي شعورًا غير إراديٍّ يُكذِّبُكم على الرغم منِّي دائمًا؟ وإذا كانت الأجسام العُضوية قد تَرَكَّبت عَرَضًا على ألف وجهٍ قبل اتخاذها أشكالًا ثابتة، فتكونت في البُداءة مِعَدٌ بلا أفواه وأرجلٌ بلا رءوس وأيدٍ بلا ذُرعانٍ وأعضاءٌ ناقصة مُنوَّعة، وانقرضت عن عدم قدرةٍ على البقاء، فلِمَ عاد كلُّ واحدٍ من هذه التجارِب الناقصة لا يقِفُ نظرنا؟ ولِمَ فَرضَت الطبيعةُ في نهاية الأمر سُنَنًا لم تخضعْ لها في البُداءة؟ ولا ينبغي أن أُدْهَشَ مطلقًا من أمرٍ يقعُ إذا كان ممكنًا، ومن التعويض بمقدار التجارِب من صعوبة الحادث، وأوافق على هذا، ومع ذلك فإنه إذا ما قيلَ لي إن حروفَ المطبعة المطروحة اتِّفاقًا أسفرت عن الإنِئِيِد كاملةَ الترتيب، فإنني لا أتنازل أن أقوم بخُطوةٍ لتحقيق الكِذْبَة. وسيُقال لي: إنك تنسى كثيرًا من التجارِب. ولكن ما مقدار التجارِب التي يجب أن أفترض لجعل التركيب أمرًا محتملًا؟ وأمَّا أنا الذي لا يرى غيرَ تجرِبةٍ واحدةٍ فلديَّ ما أُراهِنُ بما لا حَدَّ له تجاه واحدٍ على أن حاصلها ليس نتيجةَ المصادفة مطلقًا، وإلى هذا أضيفوا أن التركيبات والاتفاقات لا تؤدي إلى غير مُنتَجَاتٍ من طبيعة العناصر المركَّبة، وأن التَّعْضِيَة والحياة لا تَصْدُران عن تجرِبةِ ذرات، وأن الكيماويَّ إذ يُعِدُّ المُركَّباتِ يفعَلُ ما لا يُشْعَرُ بها معه، ولا يُفكَّر فيها معه، داخلَ مِذْوَبة.٢٣

وقد قرأتُ نيوفِنْتِي حائرًا مُعَيَّرًا تقريبًا، وكيف استطاع هذا الرجل أن يعزِم على وضْعِ كتابٍ عن عجائب الطبيعة الدالة على حكمة صانعها؟ ويكون كتابه ضخمًا ضخامةَ العالَم قبل أن يستنفد موضوعَه. وعند ما أردنا الدخولَ في التفصيلات فاتتنا أعظمُ العجائب؛ أي انسجامُ الكلِّ وتوافُقه. ويُعَدُّ تناسلُ الأجسام الحية العضوية وحدَه هُوَّةَ الذهن البشري، ويَدُلُّ السَّدُّ المنيعُ الذي وضعته الطبيعة بين مختلف الأنواع لكيلا تختلطَ على نيَّاتها بأوضح برهان. ولم تكتفِ الطبيعة بإقامة النظام، بل اتخذت من التدابير الثابتة ما لا يستطيع شيءٌ أن يُكدِّره.

ولا يوجد في الكون موجودٌ لا يُمكِنُ أن يُعَدَّ من بعض الوجوه مركزًا مشتركًا بين جميع الموجودات الأخرى، فتنتظم كلُّها حَوْلَه، وتكون كلُّها غاياتٍ ووسائلَ مُبادَلَةً، ويضطرِب الذهنُ ويَتِيهُ في هذه العلاقات التي لا تُحصى والتي لا تضطرب واحدةٌ منها، ولا تتيهُ في الجمع. ويا للافتراضات المُحالة لاستنتاجِ جميعِ هذا الانسجام من الجهاز الأعمى للمادة المتحركة عَرَضًا! ومن العبث أن يستُرَ أولئك المنكرون لوحدة المَقصد، التي تتجلَّى في علاقات جميع أجزاء هذا المجموع الكبير، بَلْبَلَتَهم في التجريدات والتنسيقات والمبادئ العامة والتعابير الرمزية. ومهما يكن ما يصنعون، فإنه يتعذَّر عليَّ أن أتصوَّر نظامًا للموجودات بالغًا ذلك المقدار من الترتيب الثابت من غير أن أتصوَّر عقلًا ناظمًا له، ولا أقدِر أن أعتقد أن المادة المنفعلة الميتة استطاعت أن تُنْتِج موجوداتٍ حيَّةً شاعرة، وأن قدَرًا أعمَى استطاع أن يُنتِج موجوداتٍ عاقلةً، وأن الذي لا يُفكِّرُ مطلقًا استطاع أن يُنتِجَ موجوداتٍ تُفكِّر.

ولذا فإنني أعتقد أن العالَم تسيطر عليه إرادةٌ قادرةٌ حكيمة، وأُبصِرُ هذا، وإن شئت فقُل إنني أُحسُّ هذا، ويهمُّني أن أعْرِف هذا. ولكن هل هذا العالمُ أزليٌّ أو مخلوق؟ وهل يُوجَدُ للأشياء أصلٌ واحد؟ وهل يُوجَدُ لها أصلان أو أكثر؟ وما طبيعتُها؟ لا أعْرِف ذلك، وما اهتمامي بذلك؟ كلَّما صارت هذه المعارفُ مُمتِعةً لديَّ لم أُقَصِّرْ في اكتسابها، وأعْدِلُ، حتى أنالَ ذلك، عن الأسئلة اللاغية التي يُمكِن أن تُقِضَّ مضاجعي، والتي لا فائدةَ منها في سَيْرِي، والتي هي أعلى من عقلي.

واذكُروا دائمًا أنني لا أُعَلِّمُ حِسِّي مطلقًا، بل أَعْرِضُه، وسواءٌ أكانت المادةُ أزليَّةً أم مخلوقة، وسواء أكان أصلُها منفعلًا أم لا، يُعَدُّ من الثابت دائمًا كَوْنُ الكلِّ واحدًا، وأنه يُنبئُ بعقلٍ فريد؛ وذلك لأنني لا أرى شيئًا ليس منتظمًا في ذات النظام، ولا يساعد على ذات الغاية؛ أي بقاءِ الكل في النظام القائم. واللهَ أُسمِّي هذا الموجودَ المُريدَ القادر، هذا الموجودَ الفعَّالَ بنفسه، هذا الموجودَ مهما كان الذي يُسَيِّرُ الكونَ ويُدبِّرُ جميعَ الأمور، وأضُمُّ إلى هذا الاسم مبادئ العقل والقدرة والإرادة مضافةً إلى مبدأ اللطف الذي هو نتيجةٌ لازمةٌ لها، ولكنني لستُ أحسنَ معرفةً من ذلك للموجود الذي أُسنِدُها إليه؛ فهو خافٍ عن حواسِّي وإدراكي، وكلَّما فكَّرتُ فيه زدتُ ارتباكًا، وأعرِف كلَّ المعرفة أنه موجود، وأنه موجودٌ بذاته، وأعْرِفُ أن وجودي تابعٌ لوجوده، وأن هذه هي أيضًا حالُ جميع الأشياء المعروفة عندي على الإطلاق، وأرى الله في أفعاله في كل مكان، وأشعُر به في نفسي، وأُبصِرُه حَوْلي، ولكنني عندما أُريد أن أنْظُرَ إليه بذاته، وعندما أريد أن أجِدَ مكانه، وأعرِفَ مَن هو وما كُنْهُه يُفلِتُ منِّي، وتعودُ نفسي المضطربةُ لا تَرى شيئًا.

وأراني قانعًا بعجزي، فلا أُبَرْهِنُ حَولَ كُنْهِ الله، ما لم أُحمَل على ذلك بشعورٍ يساورني عن علائقه بي، وجميعُ هذه البراهين مجازِفةٌ دائمًا، وما كان للعاقل أن يُكِبَّ عليها إلا مرتجِفًا عالمًا أنه لم يُخلَق ليتعمَّق فيها؛ وذلك لأن أكثرَ ما ينطوي على جَنَفٍ في الإله أن يُساء التفكيرُ فيه، لا ألَّا يُفكَّرَ فيه مطلقًا.

وإني أعود إلى نفسي بعد اكتشافي من صفاته ما أتصوَّرُ معه وجودَه، فأبحث عن المرتبة التي أشغَلُها في نظام الأمور الذي يسيطر عليه، فأستطيع أن أفحصَه. ولا جَرَم أنني أجد نفسي في المرتبة الأُولى بنَوْعي؛ وذلك لأنني بإرادتي وبوسائلِ تنفيذها التي في متناولي حائزٌ قوةً أعمَلُ بها في جميع الأجسام التي تحيط بي، انتفاعًا بفعلها أو دفعًا لأثرِها كما يروقني، أعظمَ مما عند أيِّها من حيث تأثيرُها فيَّ عن باعثٍ فزيويٍّ فقط على الرغم منِّي؛ وذلك لأنني بذكائي أكونُ الوحيدَ الذي يملِك رَقابةً على الكلِّ. وأيُّ موجودٍ غير الإنسان يستطيع في هذه الدنيا أن يرْقُب غيره وأن يقيس حركاته مع نتائجها وأن يَحسُبَها وأن يُدرِكَها قبل وقوعها؛ ومِنْ ثَمَّ أن يُضيفَ إحساسَ الوجودِ العامَّ إلى إحساس وجوده الفردي؟ وأيُّ شيءٍ أدعى إلى السُّخرية من التفكير في أن كلَّ شيء قد صُنِعَ من أجلي إذا كنتُ الوحيدَ الذي يَعْرِفُ أن يَرُدَّ كلَّ شيءٍ إليه؟

ومن الصحيح إذن أن يكون الإنسانُ مَلِكَ الأرض التي يسكُنُها؛ وذلك لأنه لا يُرَوِّض جميعَ الحيوانات فقط، ولأنه لا يتصرَّف في العناصر ببراعته فقط، بل لأنه الوحيدُ الذي يَعْرِف في الأرض أن يتصرف فيها، والذي يختصُّ متأمِّلًا، حتى بالكواكب التي لا يستطيع أن يدنو منها، ولأُطْلَع على حيوانٍ في الأرض قادرٍ على استعمال النار عارفٍ أن يُعجَب بالشمس، ماذا! أستطيع أن ألاحظ الموجودات مع علائقها وأن أعْرِفها، وأستطيع أن أشعُر بالنظام والجمال والفضيلة، وأستطيع أن أُنعِمَ النظر في العالَم، وأن أرتقي إلى اليد التي تُديرُه، وأستطيع أن أُحِبَّ الخيرَ وأصنعه، ثُمَّ أُشبِّه نفسي بالبهائم! ويا أيتها النفس الحقيرة، إن فلسفتك الكئيبة هي التي تجعلك مشابهةً للبهائم، أو إن من الأجدرِ أن يُقال إنكِ تُريدين أن تَهُوني عَبَثًا؛ فذكاؤك يُكذِّب مبادئَكِ وقلبُكِ المِنْعامُ يُكَذِّبُ مذهبَك، حتى إن سوء استعمال أهلياتكِ يُثبِتُ فَضْلكِ على الرغم منك.

وأمَّا أنا الذي ليس لديه مذهبٌ يؤيده، وأمَّا أنا، أي الرجلُ البسيطُ الذي لا ينساق مع أيِّ روحٍ حزبيٍّ، والذي لا يَبغِي أن يتشرَّف برئاسةِ مذهب، والذي هو راضٍ عن المكان الذي وضعه فيه الله؛ فإني لا أرى شيئًا بعد الله أفضلَ من نوعي. ولو كان لي حقُّ اختيار مكاني في نظام الموجودات فما أختار أكثرَ من أن أكون إنسانًا؟

وهذا التأمُّلُ أقلُّ نَفْخًا لي من مَسِّه لي؛ وذلك لأن هذه الحال ليست من خِياري مطلقًا، وهي لم تكن مدينةً لمَزِيَّةِ موجودٍ لم يُوجَدْ بَعْد، وهل أستطيع أن أرى نفسي ممتازةً على هذا الوجه من غير أن أُهنئ نفسي بشَغْل هذا المقام الكريم، ومن غير أن أحمَدَ اليد التي وضعتني فيه؟ وينشأ عن رُجعَى بَصَري إليَّ شعورُ شكرانٍ في فؤادي وإحساسِ حَمْدٍ في قلبي لصانع نوعي، ويستوجب هذا الإحساسُ والشعورُ تقديمَ ولائي الأوَّل إلى الرَّبِّ المَنَّان، وأعبُدُ القديرَ العليَّ، وألِينُ ثناءً على إحسانه، ولا أحتاجُ إلى مَنْ يُعلِّمُني هذه العبادة؛ فقد أَمْلَتها الطبيعةُ نفسُها عليَّ، أَوَليس من النتائج الطبيعية لحبِّ الذات أن يُبَجَّل ذاك الذي يُجيرُنا، وأن يُحَبَّ ذاك الذي يريد الخيرَ لنا؟

ولكنني إذا ما أردت فيما بعدُ أن أعرِف مكانيَ الفرديَّ في نوعي، فنظرت إلى مختلف المراتب وإلى الرجال الذين يشغَلُونها فما أكون؟ يا له من منظر! أين النظام الذي كنت قد شاهدته؟ لا تعرِضُ صورةُ الطبيعة عليَّ غير الانسجام والنِّسَب، ولا تَعْرِضُ صورةُ الجنس البشري عليَّ غير الاضطراب والارتباك! ويسودُ الاتفاق بين العناصر، ويكون النَّاس في بلبلةٍ والتباسٍ! والبهائمُ سعيدة، ومَلِكُها وحدَه هو الشقيُّ! أيتها الحكمة، أين القوانين؟ أيتها العناية الرَّبَّانية، أهكذا تسيطرين على العالَم؟ أيها الربُّ الكريم، أين قُدْرتك؟ أرى الشرَّ على الأرض.

أَوَتعتقد يا صديقي العزيز أن هذه التأمُّلات الكئيبة، وهذه المتناقضات الظاهرة تؤلِّف في نفسي أسمَى المبادئ عن النفس، هذه المبادئ التي لم تُسفِر عنها مباحثي قَطُّ حتى الآن؟ بَيْنا أُنْعِمُ النظرَ في طبيعة الإنسان أراني مكتشفًا لمبدأين مختلفين، يُرتقى بأحدهما إلى البحث عن الحقائق الأزلية، وإلى حُبِّ العدلِ والخُلُقِ القويم، وإلى مناطق عالَم الفكر التي يؤدي تأمُّلُها إلى سعادة الحكيم، ويَرُدُّه الآخر إلى نفسه نُزُولًا، ويُخضِعُه لسلطان الحواسِّ وللأهواء التي هي وسائلُ لها، ويعارِضُ بها كلَّ ما يوحي إليه بالمَيل الأوَّل. وإني إذ أشْعُر بأني مجذوبٌ مُحارَبٌ بهاتَين الحركتَين المتناقضتَين، أقول في نفسي: كلَّا، إن الإنسان ليس واحدًا مطلقًا. فأُريد ولا أُريد، وأشعُرُ بأني عبدٌ وحُرٌّ معًا، وأرى الخير وأحبُّه وأصنع الشَّر، وأكون فاعلًا عندما أُصغي إلى العقل، وأكون منفعلًا عندما تسوقني أهوائي، ويكون شعوري بأنني كنت أستطيع المقاومة أسوأَ غمٍّ يلازمني حين أُغلَب.

واستمِعْ إليَّ، أيها الفتى مطمئنًّا، فسأتذرَّع بحسن النية دائمًا، وإذا كان الضميرُ من عَمَلِ المُبْتَسَرات كنتُ على خطأ لا ريب، ولم تُوجَد أخلاقٌ قائمةٌ على البرهان مطلقًا، ولكن إذا كان فَوَاقُ الجميعِ مَيلًا طبيعيًّا لدى الإنسان، وإذا كان حِسُّ العدل مع ذلك غريزيًّا في فؤاد الإنسان، فَدَعِ الذين يجعلون من الإنسان موجودًا بسيطًا يُزيلون هذه المتناقضات، وهنالك أعودُ غيرَ عارِفٍ بغيرِ عنصرٍ واحدٍ.

وستلاحظون أنني بكلمة «عنصر» أقصِد على العموم موجودًا متَّصِفًا ببعض الصفات الابتدائية مُجرَّدةً من كلِّ تبديلٍ خاص، أو تحويلٍ ثانوي، وإذا كانت جميعُ الصفات الابتدائية المعروفة لدينا تستطيع أن تتجمَّع في عين الموجود إذن وجب عدمُ القولِ بغيرِ عنصرٍ واحد، ولكن إذا وُجِدَ من الصفات ما يتنافى مَبادَلةً وُجِدَ من العناصر المختلفة بذاك المقدار ما يُمْكِن أن ينشأ عن مِثْلِ ذاك التنافي، وستُنعِمون النظر في ذلك. وأمَّا أنا، فمهما قال لوك، لا أحتاج في معرفتي المادةَ إلى غير كونها اتِّساعًا وقابليةً للانقسام حتى أطمئنَّ إلى عدم قدرتها على التفكير، فإذا ما جاء فيلسوفٌ ليقول إن الأشجار تَشعُر وإن الصَّخر تُفكِّر٢٤ كان من العبث رَبْكُه إياي ببراهينه الدقيقة، وذلك أنني لا يُمكنني أن أرى فيه غيرَ سَفسَطيٍّ سيئ النية يُفضِّلُ أن يمنح الحجارة شعورًا على منح الإنسان روحًا.

ولنفترضْ أن أحدَ الصُّمِّ يُنكِرُ وجودَ الأصوات لأنها لم تَقْرَع أُذُنَه قَط، وأضع تحت عينيه آلةً ذاتَ وتَر، وأجعلُها تَرِنُّ مع الإيقاع بفعلِ آلةٍ أخرى خافيةٍ عنه، ويرى الأصمُّ اهتزازَ الوتر، وأقول له: «إن الصوت هو الذي يفعلُ هذا.» ويقول مجيبًا: «كلَّا، إن الوتر نفسه هو علة اهتزازه، وإن الاهتزاز على هذا الوجه صفةٌ مشتركة في جميع الأجسام.» وأرُدُّ عليه بقولي: «أرِني هذا الاهتزاز في الأجسام الأخرى، أو علَّته في هذا الوتر على الأقل.» ويقول الأصمُّ مُعقِّبًا: «لا أقدِرُ على هذا، ولكن بما أنني لا أتصور كيف يهتزُّ هذا الوتر، فلِمَ أُوضِحُه بأصواتكم التي لا يوجد لديَّ أيةُ فكرةٍ عنها؟ إن هذا إيضاحٌ لأمرٍ غامضٍ بعلةٍ أشدَّ غموضًا، وعليكم أن تجعلوا لي أصواتكم محسوسة، أو إنني أقول إنها غيرُ موجودة.»

وكلَّما أنعمتُ النظر في الفكر وفي طبيعة روح الإنسان وجدتُ أن برهان الماديين يشابه برهان ذلك الأصم، والحقُّ أنهم صُمٌّ تجاه الصوت الباطنيِّ الذي يناديهم بنغمةٍ يَصعُب إنكارُها، ولا تُفكِّرُ الآلة مطلقًا، ولا توجد حركةٌ ولا صورةٌ تُحدِثُ تأمُّلًا، وفي نفسك شيءٌ يحاول أن يَكْسِرَ الروابط التي تضغطُها، وليس الفضاء مقياسَك، وليس العالَم من الاتساع ما يناسبك، فلمشاعرك ورغائبك وهلعك وكبريائك أيضًا مبدأٌ آخرُ غير هذا الجسم الضيق الذي تشعُرُ بأنك مقيدٌ فيه.

ولا تَرى موجودًا ماديًّا فاعلًا بنفسه، وأمَّا أنا ففاعل، ومن العبث أن تجادلوني في هذا؛ فأنا أُحِسُّه، وهذا الإحساس الذي يخاطبني أقوى من العقل الذي يجادِل فيه، ولديَّ جسمٌ تؤثِّرُ فيه الأجسام الأخرى، وهو يؤثِّر فيها، ولا رَيْبَ في هذا العمل المتبادَل، غير أن إرادتي مستقلةٌ عن حواسِّي، وأوافق أو أقاوم، وأُغلَبُ أو أَغْلِب، وأشعُرُ بنفسي تمامًا عندما أفعل ما أريدُ أن أفعل، أو عندما لا أُذْعن لغير أهوائي، ولديَّ قدرةٌ على الإرادة تمامًا، لا قدرةٌ على التنفيذ، ومتى أسلمتُ نفسي إلى المُغريات سِرْتُ وَفْقَ دافع الأمور الخارجية، ومتى لُمْتُ نفسي على هذا الضَّعف لم أستمع لغير إرادتي؛ فأنا عبدٌ بمعايبي وحُرٌّ بمَنَادِمي. ولا يزول إحساسُ حريتي فيَّ إلا بفسادي، وعند منعي صوتَ روحي من الارتفاع ضدَّ سلطان البدن.

ولا أعرِفُ الإرادةَ إلا بإحساس إرادتي، ولست أَحسَنَ معرفةً بالإدراك من ذاك، وعندما أُسأل عن العلَّة التي تُجبِرُ إرادتي أسأل بدوري عن العلة التي تجبِرُ حُكمي؛ وذلك لأن من الواضح كونَ هاتَين العلتَين ليستا سوى عِلَّةٍ واحدة، وإذا ما فُهِمَ جيِّدًا أن الإنسان فاعلٌ في أحكامه وأن إدراكَه ليس سوى القدرة على المقارنة والحُكْم، رُئيَ أن زهوه ليس غيرَ قدرةٍ مماثلةٍ أو مشتقةٍ من تلك، وهو يختار بين الخير والشر وَفْقَ حكمه في الصدق والكَذِب. وما العلة التي تُجبِرُ إرادته إذن؟ هي حُكْمُه. وما العلة التي تُجبِرُ حُكمَه؟ هي صفتُه العاقلة، هي قدْرَته على الحكم. وتقع العلة التي تُجبِرُ فيه، فإذا عدوتُ هذا عُدتُ لا أدرك شيئًا.

ولا رَيْبَ في أنني لست مختارًا في عدم إرادتي خيري الخاص، وفي أنني لست مختارًا في إرادة شرِّي، بَيْدَ أن اختياري يقوم على الأمر القائل إنني لا أستطيع إرادةَ غيرِ ما يلائمني، أو الذي أُقَدِّرُ أن يلائمني، وذلك من غير أن يُوجَدُ شيءٌ غريبٌ عني يُجبِرُني. وهل يُستنتَجُ من ذلك كوني لستُ سيدَ نفسي لأنني لستُ سيِّدًا في كوني غيرَ ما أنا عليه؟

ومبدأُ كلِّ فِعْلٍ هو في إرادةِ موجودٍ مختار، ولا يُمكِن الذهابُ إلى ما هو أبعدُ من هذا، وليست كلمةُ الاختيار هي التي لا تَعني شيئًا، بل كلمةُ الضرورة، ويَعني افتراضُ فعلٍ ما؛ أي افتراضُ معلولٍ ما لا يُشتَقُّ من أصلٍ فاعل، وقوعًا ضِمْنَ دَوْرٍ مُتسَلْسِل، والأمر هو إمَّا ألَّا يُوجَد دافعٌ أوَّلُ مطلقًا، وإمَّا ألَّا يكون لكلِّ دافعٍ أوَّلَ أيةُ عِلةٍ سابقة، فلا إرادةَ حقيقيةً بلا اختيار؛ ولذا فإن الإنسان مختارٌ في أفعاله، والإنسان هكذا يكون حيًّا بعنصرٍ غيرِ مادي، وهذه هي مادة إيماني الثالثة، ويسهُل عليكم أن تستنبِطوا من هذه الثلاث الأُولى جميعَ الأخرى من غير أن أستمرَّ على عَدِّها.

وإذا كان الإنسان فاعلًا مختارًا، فإنه يَعمَل من تلقاء نفسه، ولا يَدْخُل جميعُ ما يصنع ضِمْنَ النظام الذي رتَّبَته العنايةُ الإلهية، ولا يُمكن أن يُنسَب إليها؛ فهي لا تريد الشرَّ الذي يفعله الإنسان بإساءته استعمالَ الاختيارِ الذي تُعطيه إياه، ولكنها لا تمنعه من فِعْلِه، وذلك إمَّا لأن صدورَ هذا الشرِّ عن موجودٍ بالغِ الضعف أمرٌ لا يؤبه له في نظرها، وإمَّا لأنها لا تستطيع أن تمنعه من غير أن تَعُوق اختيارَه، فتأتي شَرًّا أعظَمَ من ذاك بحطِّ طبيعته، وهي قد جعلته حُرًّا لكيلا يَصْنَعَ الشَّر، بل ليصنَع الخيرَ عن خيار، وهي قد وضعته في حالٍ يَفْعَلُ فيها هذا الخيارَ باستعماله كثيرًا من الخصائص التي أنعمت بها عليه، ولكنها بلغت من تحديد قُواه ما لا يُكَدِّر النظامَ العامَّ معه سوءُ استعمال الحرية التي تَدَعها له، وما يأتيه الإنسان من شَرٍّ فيقع عليه من غير أن يُغيِّرَ شيئًا من نظام العالم، ومن غير أن يَحُولَ دون بقاء النوع البشريِّ على الرغم منه. وينطوي كلُّ تذمُّرٍ من أن الله لا يَحُول دون فِعْل الشر على تذمُّرٍ من أنه خَلَق ذلك النوعَ من طبيعةٍ رائعة، ومن أنه وَسَمَ أفعالَه بأدبٍ يُشرِّفها، ومن أنه جعل له حقًّا في الفضيلة. ويتجلَّى أرفعُ إمتاعٍ في رضا النفس، ونحن لكي نستحق هذا الرِّضا جُعِلنا على الأرض وجُمِّلنا بالاختيار، وأُغوينا بالأهواء ورُدِعنا بالضمير. وماذا كانت القدرة الصمدانية تصنَع أكثرَ من ذلك نفعًا لنا؟ أمَا كانت تجعلُ تناقضًا في طبيعتنا فتمنَح مَن هو عاجزٌ عن صُنع الشرِّ جائزةً على صُنع الخير؟ ماذا! هل كان من الواجب قَصْرُ الإنسان على الغريزة وجعله من البهائم منعًا له من أن يكون شَريرًا؟ كلَّا، رَبَّ نفسي، لن ألومَك مطلقًا على أنك خلقته على مثالك ليُمكِنَني أن أكون حُرًّا صالحًا سعيدًا مِثْلَك.

وسوءُ استعمال مواهبنا هو الذي يَجْعَلنا تُعساءَ أشرارًا، وتَصدُر عنَّا كُرُوبنا وهمومنا وآلامنا. ولا جدالَ في أن الشرَّ الخُلُقيَّ من عملنا، وفي أن مَرَضنا البدني لا يكون شيئًا لولا عيوبنا التي تجعلنا عُرضةً له، ألم تجعلنا الطبيعةُ شاعرين باحتياجاتنا حِرْصًا على بقائنا؟ أليس ألَمُ الجسم دليلًا على اختلال الآلة وتنبيهًا إلى تلافيه؟ والموتُ، ألَا يُسمِّمُ الأشرارُ حياتَهم وحياتَنا؟ ومَن ذا الذي يريد أن يعيش مُخلَّدًا؟ إن الموت علاجٌ للشرور التي توجبونها على أنفسكم؛ فالطبيعة لم تُرِدْ أن تألموا دائمًا، وما أقلَّ الآلام التي يكونُ الإنسانُ الحيُّ عُرْضَةً لها في البساطة الابتدائية! وهو يعيش بلا أمراضٍ تقريبًا كما يعيش بلا أهواء، وهو لا يُبصِرُ الموت ولا يَشعُر به، وهو إذا ما أحسَّه رَغَّبَتْه فيه أبؤُسُه؛ ولذا عاد لا يكون شَرًّا عنده، وإذا ما كُنَّا راضين بالحال التي نحن عليها لم نرِث طالعنا مطلقًا، ولكننا نَجْلبُ لأنفسنا ألفَ شرٍّ حقيقيٍّ في سبيل البحث عن سعادةٍ خياليةٍ. ومَن لم يَعْرِف احتمالَ قليلِ ألمٍ وجب أن يتوقَّع كثيرَ وَجَع، ومَن يُفسِد بُنيَتَه بحياةٍ داعرةٍ يُرِدْ إصلاحَها بعلاجات، فيُضافُ إلى المرض الذي يُحَسُّ مَرَضٌ يُخشى، وما يَقَعُ من حَذَرِ الموت يجعله كريهًا ويُعَجِّلُه، وكلَّما أُريد الفِرارُ منه شُعِرَ به، ويُصابُ الإنسان بالموت عن خوْفه إياه مدى حياته، وذلك بما يتبرَّم به ضِدَّ الطبيعة عن شرورٍ صنعَها لنفسه بإساءته إلى الطبيعة.

فيا أيها الإنسان، لا تبحثْ عن فاعلِ الشرِّ أكثرَ مما بحثتَ؛ فأنت ذاك الفاعل، ولا يوجد شرٌّ آخرُ غير الذي تَصنع أو الذي منه تَتوجَّع، ومن نفسك يأتيك هذا وذاك، ولا يُمكِنُ الشرَّ العامَّ أن يكون في غيرِ عدم النظام، وأرى في نظام العالَم انتظامًا لا يناقِض نفسه مطلقًا، ولا يكون الشرُّ الخاصُّ في غيرِ شعور الموجود الذي يألَم، ولم يتلقَّ الإنسانُ هذا الشعور من الطبيعة، بل الإنسانُ هو الذي صنعه لنفسه، وليس للألم غيرُ سلطانٍ قليلٍ على قليلِ التأمُّل، فلا تكون لديه ذكرى ولا حَذَر، وانزِعوا تقدُّمَنا المشئوم، وأزيلوا خطأنا وعيوبَنا، وامحوا عملَ الإنسان، يَغْدُ كلُّ أمرٍ خيرًا.

ولا جَوْرَ حيث كلُّ أمرٍ خير، ولا انفصالَ للعدل عن الجُود، والواقع أن الجود نتيجةٌ ضروريةٌ لقدرةٍ لا حَدَّ لها ولحُبِّ النفس الجوهريِّ لكلِّ موجودٍ ذي إحساس، ومَن هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ يَبْسُط وجوده لهذا السبب على وجود المخلوقات، والإنتاج والبقاء من عمل القدرة الدائم، ولا يدور الأمر حَوْلَ ما هو غيرُ موجودٍ مُطلَقًا، وليس الإلهُ إلهَ الأموات، ولا يُمكِن أن يكون هادمًا شَرِيرًا من غير أن يسيء نفسه، ومن يقدِر على كلِّ شيءٍ لا يُمكِن أن يريد غيرَ الخير،٢٥ ولذا فإن من الواجب أن يكون الكائنُ الذي هو كامل الجُود لأنه كامل القدرة، كاملَ العدل أيضًا، وإلا فإنه يناقض نفسه؛ وذلك لأن حُبَّ النظام الذي يوجبه يُدْعَى جُودًا، ولأن حُبَّ النظام الذي يحافظ عليه يُدعى عدلًا.

ويُقال لا ينبغي للرَّبِّ أن يكون مَدينًا لمخلوقاته بشيء، وأظنُّ أنه مَدينٌ لهم بكلِّ ما وَعَدَهم به حينما أنعم عليهم بالوجود، والواقعُ أنه وعدَهم بالخير إذ مَنَحَهَم فكرةً وأشعَرَهم بالاحتياج إليه، وكلَّما خَلَوْتُ إلى نفسي فكَّرْتُ وقدَّرتُ وقرأت هذه الكلمات المكتوبة في روحي، وهي: «كُنْ عادلًا تكن سعيدًا.» ومع ذلك، فإن الأمر يبدو غير ذلك عند النظر إلى حال الأشياء في الوقت الحاضر؛ فالشَّرِير يزدهر والصالح يظلُّ مظلومًا، وكذلك انظروا أيُّ غيظٍ يشتعل فينا عند خَيبة هذا الانتظار! ويثور الضمير ويتذمَّر من بارئه، ويدعوه مرتجفًا قائلًا: «لقد خدعتني.»

«خَدَعْتُك أيها المتهوِّر! مَن قال لك هذا؟ هل مُحيَ رُوحُك؟ هل انقطع وجُودُك؟ أيْ بُروتُوس! أيْ بُنيَّ! لا تُدنِّسْ حياتَك الكريمةَ بإنهائها مطلقًا، ولا تَدَعْ أمَلَكَ ومجْدَكَ مع بَدنِك لحقولِ فِليبِّي، ولِمَ تقول «ليست الفضيلةُ شيئًا»، عندما كِدتَ تتمتَّعُ بجائزةِ فضيلتِك؟ تَرَى أنك تَموت! كلَّا، إنك تحيا، وهنالك أكونُ قد قُمتُ بما وعدتُك به.»

ويُقال عند النظرِ إلى تَذمُّر فاقدي الصبر من النَّاس إن الربَّ مَدينٌ لهم بالجائزة قبل استحقاقها، وإنه ملزَمٌ بدفع بَدَل الفضيلة سلفًا. وَيْ! لِنكنْ صالحين أوَّلًا، ثُمَّ نكون سعداء، ولا نطالبْ بالجائزة قبل الفوز، ولا بالأجرة قبل العمل. قال بلوتارك: «لا يتمُّ في الملعب تتويجُ الفائزين في ألعابنا المقدسة، بل يتمُّ بعد أن يقوموا بمباراتهم.»

وإذا كانت الروحُ غيرَ ماديةٍ أمكن أن تَبقى حيةً بعد البَدَن، وهي إذا ما بَقيَت حَيَّة بعده سُوِّغَت العنايةُ الربانية، ولو لم يكن لديَّ دليلٌ آخرُ على لا مادِّيَّةِ الروحِ غيرُ فوزِ الشَّرِير واضطهادِ الصالح في هذا العالم لكفى هذا وحدَه لمنعي من الشكِّ في ذلك. وتَنافرٌ كثيرُ الأذى كهذا في انسجام العالَم يَدفعني إلى محاولة حَلِّه، فأقول في نفسي: «لا ينتهي كلُّ شيءٍ مع الحياة عندنا؛ فكلٌّ يَجدُ مكانه بالموت.» والحقُّ أنني أُحَمِّلُ نفسي غَوْلَ السؤال عن مكان الإنسان بعد زوال كلِّ ما كان لديه من أمرٍ محسوس، وعاد هذا السؤال لا ينطوي على صعوبةٍ لديَّ ما اعترفتُ بعنصرين. ومن البساطة البالغة ألَّا أُدرِكَ شيئًا بغير حواسِّي في أثناء حياتي البدنية فيفوتني ما لا يخضَعُ لها مطلقًا؛ فمتى زال اتحاد البدن والروح أدركتُ إمكانَ انحلال أحدهما وبقاء الآخر. ولِمَ يؤدِّي زوال أحدهما إلى زوال الآخر؟ وعلى العكس، كانا في حالِ شِدَّةٍ باتحادهما لاختلاف طبيعتهما؛ فمتى زال هذا الاتحاد عادا كلاهما إلى حالهما الطبيعية؛ أي إن العنصرَ الفاعل الحيَّ يستردُّ جميعَ القوة التي كان يستعملها في تحريك العنصر المنفعل الميت. وا حسرتاه! إنني أُحِسُّ كثيرًا بمعايبي كونَ الإنسان لا يعيش غيرَ نصف عيشٍ في أثناء حياته، وأن حياةَ الروح لا تبدأ إلا بموْت البدن.

ولكن ما هذه الحياة؟ وهل الروحُ خالدٌ بطبيعته؟ لا يتصور إدراكي المحدود شيئًا غيرَ محدود، ويفوتني كلُّ ما يُدْعَى لا حَدَّ له، وما أستطيع أن أنكر وأُوَكِّد؟ وأيُّ برهانٍ يمكنني أن أقيم حوْل ما لا أقدِر أن أُدرِك؟ أعتقد أن الرُّوح تبقى حيةً بعد البدن لحفظ النظام، ومَن يَعْرِفُ أن هذا يكفي لخلودها أبدًا؟ ومهما يكن من أمرٍ فإنني أُدرك كيف يَبْلَى البدنُ ويَفنَى بتفرُّق الأجزاء، ولكنني لا أستطيع أن أدرك مثلَ هذا الفَناء للموجود المفكِّر، وإني إذ لا أتصوَّر كيف يُمكِن أن يموت أفترض أنه لا يموت، وبما أن هذا الافتراض يفرِّج غمِّي ولا ينطوي على شيءٍ مخالفٍ للصواب، فلِمَ أخشى أن أُسَلِّمَ به؟

وأشعرُ بروحي، وأعرِفه بالشعور وبالفكر، وأعلم أنه موجود من غيرِ أن أعلم ما جوهرُه، ولا أقدِر أن أُبَرْهِن حَوْل أفكارٍ ليست لديَّ. والذي أعْرِف جيِّدًا كونُ ذاتي لا تمتدُّ بغير الذاكرة، وأنني لكي أكون إيَّايَ في الحقيقة يجب أن أذكر أنني كُنْت. والواقع أنني لا أستطيع أن أذكُر بعد مماتي ما كنت في أثناء حياتي ما لم أذْكُرْ ما كنتُ أُحِس؛ ومِنْ ثَمَّ ما كنتُ أعمل، ولا رَيْب عندي مُطلَقًا في كَوْن هذا الذِّكر يكون ذات يومٍ مدار سعادة الأبرار وعذاب الأشرار. وتجِدُ في هذه الدنيا ألفَ هَوًى حارٍّ يستغرِق الشعور الباطني، ويخادِع وخزَ الضمير، وما تَجْلُبهُ ممارسة الفضائل من هَوانٍ وفَقْدِ حُظوةٍ يَحُول دون الشعور بفُتُونها كاملة. ولكن متى نجونا من الأوهام التي يوجبُها الجسم والحواسُّ فينا، فتمتَّعْنا بتأمُّلِ الكائن الأعلى وبالحقائق الخالدة الذي هو أصلها، ومتى قَرَعَ جمالُ النظام جميعَ قُوَى رُوحنا فشُغِلنا فقط بالمقابلة بين ما صنعنا وما كان يجبُ أن نصنع، استردَّ صوتُ الضمير قُوَّتَه وسلطانه هنالك، ومَيَّزَتِ اللذَّةُ الخالصةُ عن رضا النفس والندامة الأليمة عن تَدَنٍّ، بمشاعرَ لا تَنضُب، ما أَعَدَّه كلُّ واحدٍ لنفسه من مصير. ولا تسألني يا صديقي العزيز مُطلَقًا عن وجودِ منابعَ أخرى للسعادة والآلام؛ فهذا أمرٌ أجهلُه، وإنما أجِدُ في المنابع التي أتخيَّلُ ما يكفي لتسليتي في هذه الحياة، ولأرْجوَ حياةً أخرى. ولا أقول مطلقًا إن الصالحين سيُكافَئون، فما الخير الآخرُ الذي يُمكِن أن ينتظره موجودٌ مَجيدٌ إن لم يكن وجودُه وَفْقَ طبيعته؟ بَيْدَ أنني أقول إنهم سيكونون سعداء؛ وذلك لأن بارئهم، الذي هو فاعلُ كلِّ عدل، إذ خَلَقهم ذوي إحساس، لم يصنعهم للألم؛ وذلك لأنهم إذ لم يسيئوا استعمالَ اختيارهم في الأرض لم يخونوا مصيرهم بذَنْبهم؛ أي إنهم أَلِموا في هذه الحياة، فيُعوَّضون في حياةٍ أخرى إذن. وهذا الشعورُ أقلُّ استنادًا إلى استحقاق الإنسان مما إلى مبدأ الصلاح الذي يلوح لي أنه تعذُّرُ انفصاله عن الكُنْه الإلهي. ولا أصنع غيرَ افتراضِ سُنَن النظام الملاحَظة، واللهُ قائمٌ بذاته.٢٦

وكذلك لا تسألوني عن كَونِ الأشرار خالدين في العذاب أبدًا؛ فأنا أجهلُ هذا أيضًا، وليس لديَّ من الفضول الفارغ ما أُوضِحُ به هذه المسائل غير المُجدية، وما أَرَبي في مصير الأشرار؟ إنني قليل الاكتراث لما يصيرون إليه، ومع ذلك فإنه يصعُب عليَّ أن أعتقد أنهم محكومٌ عليهم بعذابٍ لا نهايةَ له. فإذا كان العدلُ الأعلى ينتقم، فإنه ينتقم في هذه الحياة. وأنتم أيها الأقوام، مع ضلالاتكم، وكلاءُ له، وهو يستعمل الشرورَ التي تأتون للعقابِ على الجرائم التي اجتذبتها، وذلك أن الأهواء المُنتَقِمة تجازي على مُنكراتكم في أفئدتكم الشَّرهة التي أكلها الحسدُ والبخل والطمع، وفي صميم يُسْرِكم الزائف. وهل من حاجةٍ إلى البحث عن النار في الحياة الأخرى؟ فالنارُ هنا في قلب الأشرار.

ويجب أن تنقطع أهواؤنا وجرائمنا حيث تنتهي احتياجاتُنا الزائلة ورغباتنا غير الصائبة، وأيُّ فُسوقٍ تكون النفوس النقيةُ مستعدَّةً له؟ وهي إذ ليست محتاجةً إلى شيءٍ فلِمَ تكون شَرِيرة؟ وهي إذ تكون في مَنجًى من حواسِّنا الغليظة فإن سعادتها تكون في تأمُّل الموجودات، ولا تستطيع أن تريد غيرَ الخير. وهل يكون خبيثًا إلى الأبد مَن ينقطع عن الشَّر؟ كلَّا، وهذا ما أميل إلى اعتقاده، وإن لم أُكلِّفْ نفسي عناءَ اتخاذ قرارٍ في هذا. فيا أيها الرب الرحيم الكريم، إنني أعبُد قضاءك مهما كان، وإذا كنتَ تجازي الأشرار جزاءً أبديًّا، فإنني أُلغي عقلي الضعيف أمام عدْلِك؟ ولكن إذا كان نَدَمُ هؤلاء التُّعساء ينطفئ مع الزَّمن، وإذا كانت آلامهم تنتهي، وإذا كان السلام عينه ينتظرنا كلَّنا على السواء ذات يوم، فلك منِّي الثناء من أجل هذا. أَوَليس الشَّرِيرُ أخًا لي؟ وما أكثرَ ما أُغريتُ بمشابهته! وليَزُلْ سوءُه الملازِمُ له بخلاصه من شقائه، وليكُن سعيدًا مثلي، فلا تؤدي سعادته إلى غير زيادة سعادتي، وذلك مع استبعاد إثارة غَيرتي بذلك.

وهكذا، فإنني إذ أنظُرُ إلى الله في أعماله، وإذ أبحث عنه بصفاته التي يُهمُّني أن أعرِفها، أنتهي إلى توسيعي وزيادتي بالتدريج فكرَتي الناقصةَ المحدودةَ في البُداءة، عن هذا الكائن العظيم، ولكن إذا كانت هذه الفكرة قد تحوَّلت إلى ما هو أنبلُ وأكبر، فإنها كذلك أقلُّ تناسبًا مع العقل البشري. وكلَّما دنوتُ بالروح من النور الأزلي بَهَرَني سناؤه وحيَّرني، فأضطرُّ إلى ترْك جميع المفاهيم الدنيوية التي كانت تساعدني على تصُّوره، فيعود الربُّ غير جسميٍّ وغير حِسِّي، ويعود العقل الأعلى الذي يهيمن على العالم لا يكون عينَ العالَم، وأرفَعُ ذهني وأُتعبُه لإدراكِ كُنْهه على غير جدْوَى. ومتى فَكَّرْتُ في أنه هو الذي يُنْعِمُ بالحياة والفاعلية على العنصر الحيِّ الفعال المسيطر على الأجسام الحية، ومتى سمعتُ قولًا عن كون نفسي روحانيةً وعن كون الربِّ روحًا، ساورني غيظٌ من تَدنِّي الكُنه الإلهي كما لو كان الربُّ وروحي من طبيعة واحدة، وكما لو كان الربُّ وحدَه ليس المُطلَق الفاعل الشاعر العاقل المُريد بذاته حَقًّا، فنقتبس منه العقل والشعور والفاعلية والإرادة والاختيار والكِيان! ونحن لسنا مُخيَّرين إلا لأنه أراد أن نكون هكذا، ويُعَدُّ كُنهه خافيًا على أرواحنا خفاءَ أرواحنا على أجسامنا. ولا أعْرِف شيئًا عن خلقه المادةَ والأجسامَ والأرواحَ والعالم، وتَربُكُني فكرةُ الخلقِ وتُجاوِزُ مُتناوَلي، وأعتقدها بمقدارِ ما أستطيع تمثُّلَها، ولكني أعرِف أنه صَوَّر الكونَ وكلَّ موجود، وأنه صَنع كلَّ شيءٍ ونظَّمَ كلَّ شيء، والله أبديٌّ لا رَيْب. ولكن هل يستطيع ذهني أن يستوعبَ فكرةَ الأبدية؟ ولِمَ أُقْنِعُ نفسي بكلماتٍ لا معنَى لها؟ وكلُّ ما أتصورُ هو أنه كان قبلَ الأشياء، وأنه يكون ما بَقِيَت، وأن يكون بعدها، أي إذا ما انتهى أمرُها ذات يومٍ. وليس من الغموض وتعذُّر الإدراك أن يُنعِمَ الموجود الذي لا أدرِك بالحياة على الموجودات الأخرى، ولكنَّ تَحوُّلَ كلٍّ من الوجود والعدم إلى الآخر بنفسهما ينطوي على تناقضٍ جلي، وهو مُحالٌ واضح.

والله عاقل، ولكنْ كيف يكونه؟ والإنسانُ عاقلٌ عندما يُبَرْهن، ولا يحتاج العقل الأعلى إلى البرهنة، ولا توجد له مُقدِّماتٌ ولا نتائج، حتى إنه لا يُوجَدُ له قضية، وهو عِيانيٌّ محضًا، وهو يرى على السواء ما هو كائنٌ وما يُمكن أن يكون. وليست جميعُ الحقائق عنده سوى فكرةٍ واحدة، كما أن جميع الأمكنة عنده ليست سوى نقطةٍ واحدة، وكما أن جميع الأزمنة عنده ليست سوى هُنَيْهَةٍ واحدة، وتعملُ قدرة الإنسان بالوسائل، وتَعْمَلُ قدرةُ الله بذاتها، والله يَقْدِرُ لأنه يُريد، وإرادته قدرتُه. والله جوَّاد، ولا شيءَ أوضحُ من هذا، غير أن جودَ الإنسان قائمٌ على حُبِّ أمثاله، وجُودَ الله قائمٌ على حُبِّ النظام؛ وذلك لأنه يُمسِك بالنظام ما هو موجود، فيَرْبطُ كلَّ جزءٍ بالكل. والله عادل، وأعتقد هذا، وهذا نتيجةُ جُوده، وظلمُ النَّاس من عملهم، لا من عمله، وليس ما يُدلي به الفلاسفة من فسادٍ أدبيٍّ ضدَّ العناية الربانية غيرَ دليل على ذلك العدل في نظري، بَيْدَ أن عدلَ الإنسان يقوم على إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وأن عدل الله يقوم على مطالبة كلِّ واحدٍ بأن يُقَدِّم حسابًا عما أعطاه إياه.

وإذا كنتُ قد وُفِّقْتُ لاكتشافي بالتَّعاقب هذه الصفات التي ليس لديَّ أيةُ فكرةٍ مطلقةٍ عنها، فذاك باعتمادي على نتائجَ ضرورية، وذاك عن حُسْنِ استعمال عقلي. غير أنني أؤيِّدُ وجودها من غير أن أدركها، وليس هذا تأييدًا من حيث الأساس، ومن العبث أن أقول إن الله هو هكذا، أي إنني شاعرٌ به مختبرٌ له، وما كنت لأتمثَّلَ ما هو أفضلُ من هذا في إمكان كَوْن الربِّ هكذا.

وحاصلُ القول أنني كلَّما سَعيتُ في تأمُّل كُنهِه الذي لا حدَّ له قلَّ إدراكي له، ولكنه موجود، وهذا يكفيني، وكلَّما قلَّ إدراكي له كثُرَت عبادتي له، وأخشَعُ وأقول له: «أيْ ربَّ كلِّ موجود، أنا موجودٌ لأنك موجود، ويعني تأمُّلُك دائمًا ارتقائي إلى منبعي، ويَكُون أفضلُ استعمالٍ لعقلي في تذلُّلِه كليًّا أمامك، وهذا هو سَلْبُ قلبي وفُتونُ ضعفي، وهذا شعوري بأني مشمولٌ بعظمتك.»

وإني بعد أن استنبطتُ الحقائقَ الرئيسةَ التي يُهِمُّني معرفتُها، وذلك من انطباعِ الأشياءِ المحسوسةِ ومن الشعورِ الباطنيِّ الذي يَحمِلُني على الحُكْمِ في العللِ وَفْقَ براهيني الطبيعية، بقيَ عليَّ أن أبحثَ عن أيِّ المبادئ التي يجِبُ أن أستخرجَ منها سلوكي، وعن أيِّ القواعدِ التي يجِبُ أن أُلزِمَ بها نفسي قيامًا بمُقْتَضى مصيري في الأرض وفْقَ مَقْصِدِ الذي جعلني فيها. أجلْ، إنني باتِّباعي منهاجي دائمًا لا أستنبطُ هذه القواعدَ من مبادئ الفلسفة العليا مطلقًا، وإنما أجِدُها مسطورةً في صميم فؤادي من قِبَلِ الطبيعة بحروفٍ لا تُمحَى. وليس عليَّ أن أشاورَ غيرَ نفسي حوْل ما أُريد أن أصنع، وكلُّ ما أشعرُ بأنه خيرٌ هو خير، وكلُّ ما أشعرُ بأنه شرٌّ هو شر، والضميرُ أَفْضلُ حلَّالٍ للمشاكل، ولا يُصارُ إلى دقائقِ البرهانِ إلا عند مساومته. وواجبُ الإنسان نحوَ نفسهِ هو أوَّلُ الواجبات، ومع ذلك فما أكثرَ ما يقول لنا صوتُ الباطنِ إننا نَصنع الشرَّ بصنعنا خيرَنا على حسابِ الآخرين! ونحن نعتقدُ أننا نتَّبِعُ دافعَ الطبيعةِ ونحن نقاومه، ونحن إذ نستمعُ إلى ما تخاطِبُ الطبيعةُ به حواسَّنا نَزدَري ما تخاطبُ به قلوبَنا؛ فالموجودُ الفاعلُ يُطيع، والموجودُ المنفعل يَصطنِع. والضميرُ صوتُ الروح، والأهواءُ صوتُ البَدَن. وهل من العجيبِ أن يتناقضَ هذان اللسانان في الغالب؟ وهنالك أيُّ اللسانين يجبُ أن يُنصَت له؟ والعقلُ يخادعُنا في الغالب، ولنا كلُّ الحقِّ في رفْضه، ولكن الضمير لا يخدعُ مطلقًا، وهو دليلُ الإنسان الصادق، وهو بالنسبة إلى النفسِ كنسبةِ الغريزةِ إلى البدن،٢٧ ومَن يتَّبِعْه يُطِعِ الطبيعة ولا يَخشَ أن يَضِلَّ أبدًا. وهذه النقطة مهمة، وإني إذ أتتبع المُنعِم عليَّ وأُبصِرُ أنني أنقطع عنه، أقول: دعوني أقف قليلًا لإيضاحها.

ويقوم كلُّ أدبٍ في أفعالنا على الحكم الذي نحمِلُه عنها، وإذا كان من الصحيح أن الخير خيرٌ وجب أن يكون هكذا في صميم قلوبنا كما في أفعالنا، وتكون جائزةُ العدلِ الأُولى في شعورنا بأننا نقيمه، وإذا كان الصلاح الخُلُقيُّ مطابقًا للطبيعة فإن الإنسان لا يكون سليمَ الروح والجسم إلا بصلاحه، وإذا لم يَكُن الأمر هكذا وكان الإنسان شَرِيرًا طبيعةً فإنه لا يستطيع أن ينقطع عن هذا الوضع من غير أن يَفسُد، ولا يكون الصلاح فيه سوى عيبٍ ضد الطبيعة، وإذا ما صُنِع الإنسانُ لإيذاء أمثاله كان كالذئب الذي يذبح فريسته، وبدا الإنسانُ البشريُّ حيوانًا فاسدًا كالذئب الرحيم، والفضيلةُ وحدَها هي التي تَدَعُ فينا وخزًا للضمير.

ولنَعُدْ إلى أنفسنا يا صديقي الشاب! ولنطرحْ كلَّ مصلحةٍ شخصيةٍ جانبًا، ولنبحثْ عن المدى الذي تحْمِلُنا إليه ميولنا، وأيُّ منظرٍ يفتننا أكثرَ من غيره، أمنظر آلام الآخرين أم منظر سعادتهم؟ وأيُّ الأمرين أحلى لنا أن نصنعه فيترُك فينا أثرًا أكثرَ لطافةً بَعْدَ فِعْله، أَعَمَلُ الخير أم عملُ الشر؟ وما الذي يعنيكم في مسارحكم؟ أتجدون لذةً بالجرائم؟ أتَسكبون دموعًا من أجل فاعليها المأخوذين بها؟ هم يقولون لا يوجدُ في جميع ذلك ما نكترث له خارج مسرحنا. وعلى العكس، نجِدُ بحلاوة الصداقة والإنسانية سُلوانًا في آلامنا، حتى إننا نكون في ملاذِّنا وحيدين بائسين كثيرًا إذا لم نَجِدْ مَن يقاسمنا إياها. وإذا لم يوجد شيءٌ من الأخلاق في قلب الإنسان، فمن أين يأتيه إذن هذا التهلُّل من أجل أعمال البطولة وهذا الجذَلُ حُبًّا لذوي النفوس الكبيرة؟ وما علاقة هذه الحماسة للفضيلة بمصلحتنا الخاصة؟ ولِمَ أُفَضِّلُ أن أكون كاتُون الذي يُمزِّق أحشاءه على أن أكون قيصرَ الظافر؟ إذا ما نزعتم من قلوبنا حُبَّ الجمال أزلتم كلَّ فتونٍ في الحياة، وإن الذي خَنَق ساقِطُ الأهواء في نفسِه هذه المشاعرَ اللطيفة، وإن الذي حَصَرَ أفكارَه في شخصه فصار لا يُحِبُّ غيرَ نفسه، عاد لا يكون صاحبَ حميةٍ وعاد فؤاده الجامدُ لا يخفِقُ سرورًا، وعاد لا يُخْضِلُ عينيه حنانٌ خُلْوٌ، وعاد لا يتمتع بشيء، وعاد التَّعِس لا يُحِسُّ ولا يعيش؛ فهو قد مات.

ولكنْ مهما يكن عددُ الأشرار في الأرض، فإن من القليل أن تَجِد أناسًا من ذوي النفوس الجيفيَّة التي أصبحت لا تشعُر خارجَ مصلحتها بكلِّ ما هو عادلٌ صالح. ولا يَروقنا الجورُ إلا بمقدار ما يفيدنا، فإذا عَدوت هذا وجدْتنا نريد حمايةَ البريء، وإذا ما رُئِيَ في شارعٍ أو طريقٍ قسوةٌ وظلمٌ لم تلبثْ أن تَثورَ حركةُ غضبٍ وسخطٍ في صميم القلب حالًا، فتحْمِلَنا على التزام جانب الدفاع عن المظلوم. غير أن واجبًا أقوى من ذاك يُمسِكنا، وتَنزِعُ القوانين مِنَّا حقَّ حماية البراءة، وعلى العكس إذا حدث أن وقف نظرنا عملُ رحمةٍ أو كرم، فما أكثرَ ما يوحى إلينا من إعجاب ومحبة! ومَن ذا الذي لا يقول في نفسه: «يا ليتني صنعت مثل هذا»؟ ولا ريبَ في أن مما نبالي به قليلًا كَوْنَ هذا الرجل أو ذاك شَرِيرًا أو عادلًا منذ ألفي سنة، ومع ذلك فإن ذات الغَرَض يساورنا في التَّارِيخ القديم كما لو كان جميعُ هذا قد حَدَثَ في أيامنا. وما عمل جرائم كاتيلينا فيَّ؟ أأخْشى أن أكون ضحيته؟ ولِمَ أحمِلُ له إذنْ ذاتَ المقْت كما لو كان معاصِرًا لي؟ ونحن لا نُبْغِض الأشرار لأنهم يؤذوننا فقط، بل لأنهم أشرار، ولا نريد أن نكون سعداء فقط، بل نريد سعادة الآخرين، وإذا كانت هذه السعادة لا تُكلِّفُ سعادتنا شيئًا زادتها. والخلاصة أن الإنسان يَرِقُّ للتعساء على الرغم منه، وهو يألم إذا رآهم يألَمون، وما كان أكثرُ النَّاس فسادًا ليفقِدوا هذا العطف تمامًا، وهذا ما يجعلهم يناقضون أنفسهم. ويكسو اللصُّ الذي يسلُبُ السابلةَ الفقيرَ العاري، ويساعد أشدُّ النَّاس سفكًا للدماء مَن يرى سقوطهم إغماء.

ويُحدَّث عن صوتِ النَّدم الذي يجازي سِرًّا عن الجرائم الخفية، والذي يُظهِرُها غالبًا. وا حَسْرَتاه! مَن مِنَّا لا يسمعُ هذا الصوت المزعج؟ نحن نتكلم عن تجرِبة، ونُريدُ خَنْقَ هذا الشعور الجائر الذي يُورثنا ألمًا كبيرًا، ولْنُطِع الطبيعة، وسنعلم بأيِّ رِفقٍ تهيمن، وأيُّ فُتونٍ ينطوي عليه الضميرُ الصالحُ جوابًا عن صوتها بعد أن يستمع إليه. والشَّرِير يخاف الطبيعة ويفِرُّ منها، وهو يُسَرُّ إذا ما رَمى بنفسه خارجَ نفسه، وهو يُديرُ حوله عيونًا هَلوعًا، وهو يبحث عن شيءٍ يُلهيه، ولولا الأهاجيُّ اللاذعة والسخرية المؤذية لكان مكروبًا دائمًا. وتقوم لذَّته الوحيدة على ضَحِكه الساخر. وعلى العكس، يكون صفاء الصالح باطنيًّا، ولا يكون ضَحِكه عن خُبْث، بل عن حُبور، وهو يحمِلُ منبع هذا الحُبور في نفسه، وهو يكون مسرورًا وحيدًا أو بين جمْعٍ على السواء، وهو لا يقتبس رِضاه ممن يَدْنون منه، وهو يُشرِكهم فيه.

وألْقُوا عيونَكم على جميع أمم العالم، وتصفَّحوا جميعَ التواريخ، وتَجِدُون بين كثيرٍ من الأديان الجافية، وبين هذا الاختلافِ الغريبِ في الطبائع والأخلاق، عَينَ الأفكارِ عن العدل والصلاح في كلِّ مكان، وعَينَ المبادئ عن الخير والشر في كلِّ مكان. أجلْ، أوجَدَتِ الوثنية القديمة آلهةً قِباحًا لو وُجِدوا في هذه الدنيا لعُوقِبوا مثل المجرمين، وقد كانوا لا يَعرِضون عن السعادة العليا منظرًا غيرَ فواحش تُقتَرَف وغيرَ أهواءٍ تَقَعُ موقعَ الرِّضا، بَيْدَ أن المُنكَر المُسلَّح بسلطانٍ مُقدَّسٍ كان ينزِل من مقامه الأبدي على غير جدوَى؛ فقد كانت الغريزة الخُلُقية تطرُده من قلوب الآدميين، وبينما كانت الشعائر تُقامُ لدعارات جوبيتَر كان يُعجَبُ بعفاف إكزِينُوقراطس، وكان العفيفُ لوكريسُ يعبد فينوس، وكان الرومانيُّ الجريءُ يُقدِّم القرابين إلى الخوف، وكان يَضرعُ إلى الإله الذي بَترَ أباه، ويموت بيدِ أبيه من غير تبرُّم، وكان أعاظمُ الرجال يخدِمون أحقر الآلهة، وكان صوت الطبيعة المقدَّس الذي هو أقوى من صوت الآلهة يُحتَرَم في الأرض، فيَلُوحُ أنه يُقصي الجريمةَ إلى السماء مع المجرمين.

ولذا يُوجَدُ في أعماق النفوس مبدأٌ غريزيٌّ عن العدل والفضيلة نستَنِدُ إليه على الرغم من مبادئنا الخاصة في الحُكم في أفعالنا وأفعال الآخرين على أنها صالحةٌ أو طالحة، وهذا المبدأ هو الذي أُطلِقُ عليه اسم الضمير.

غير أنني أسمع من كلِّ جانبٍ ارتفاعَ صُراخِ الحكماء المزعومين، وهم يرفعون عقيرتهم قائلين بالإجماع: أغاليطُ الصِّبا، مُبْتَسَرات التَّربية! لا يوجد في الروح البشريِّ شيءٌ غيرُ الذي يدخُلُ فيه بفعل التجرِبة، نحن لا نحكم في شيء إلا عن أفكارٍ مكتسبة، وهم يذهبون إلى ما هو أبعد من هذا، فيجرءون على إنكار ذاك الاتفاق الواضح العام بين جميع الأمم. وهم يعاكسون ما أجمع عليه النَّاس من حُكمٍ منسجمٍ ساطع، فيبحثون في الظلام عن بعض الأمثلة المبهمة التي لا يَعْرِفها غيرُهم، وذلك كأن جميع ميول الطبيعة قد زالت بفساد إحدى الأمم، وكأن النوع يعود شيئًا غير مذكور عند وجود أُناسٍ سيِّئي الأخلاق. ولكنْ ما فائدةُ المرتاب مُونتين من عذابٍ فرضَه على نفسه للعثور في زاويةٍ من العالم على عادةٍ مخالفة لمبادئ العدل؟ وما فائدته من منحه أكثرَ السياح محلًّا للطَّعْن من الثقة ما يحبِسُه عن أبعد الكُتَّاب صِيتًا؟ وهل من شأن بعض العادات الغريبة المشكوك فيها والقائمة على بعض العوامل المحلية التي نجهلها أن تهدِمَ الاستقراء العام المستنبَط من تسابُق جميع الأمم المختلفة في كلِّ شيءٍ عدا ذلك الأمر؟ فيا مُونتين! يا مونتين الذي يتبجَّح بالصدق والحق، كُن مخلِصًا أمينًا إذا أمكن الفيلسوفَ أن يكون هكذا، وحدِّثني عن وجودِ بلدٍ في العالم يكون من الجناية فيه أن يُنجِزَ الإنسانُ وعْدَه وأن يكون رحيمًا محسنًا كريمًا، وعن وجود بلدٍ يُزدَرَى فيه رجل الخير ويُكرَمُ فيه الغادر.

ويُقال إن كلَّ واحدٍ لا يساعد على الخير العام إلا في سبيل مصلحته، ولكنْ من أين يأتي، إذن، كَوْنُ الصالح يساعد على ذلك ضرًّا بنفسه؟ وهل يذهب الإنسانُ إلى الموت في سبيل مصلحته؟ أجلْ، لا أحدَ يسيرُ في أمرٍ إلا من أجلِ خيرِ نفسه، ولكن إذا وُجِدَ خيرٌ خُلُقيٌّ يجب أن يُحسَب له حسابٌ فإنه لن يُفسَّر بالمصلحة الخاصة غيرُ أعمال الأشرار، حتى إنه يُعتَقَدُ أنه لا يحاول الذهاب إلى ما هو أبعدُ من ذلك مطلقًا، وتكون فلسفةً ممقوتةً تلك التي تَضيقُ بالأعمال الصالحة ذَرْعًا، والتي لا يُتخَلَّصُ فيها من ورطةٍ إلا بأن تُلَفَّقَ لتلك الأعمال نِيَّاتٌ ساقطةٌ وأسبابٌ من الفضيلة عاطلة، والتي يُلزَم فيها بإهانة سُقرَاط وسبِّ ريغولوس. ولو قُيِّضَ لمثل هذه المذاهب أن تَنبُت بيننا ما انفكَّ صوتُ الطبيعة وصوت العقل يرتفعان ضدها، وما تَرَكا لأحدٍ من أنصارها اعتذارًا بصدور ذلك عن حسن نية.

وليس من مقاصدي أن أدخُل هنا في مجادلاتٍ خاصَّةٍ بما بعد الطبيعة تُجاوِز متناوَلي ومتناوَلكم، ولا تؤدي إلى شيءٍ من حيثُ الأساس، وكنت قد قلت لكم إنني لا أريد أن أتفلسف معكم، وإنما أريد أن أساعدكم على مشاورة قلبكم، فإذا ما أثبتَ جميعُ الفلاسفة أنني مخطئ، وإذا ما شعرتم أنني على حق، لم أُرِدْ أكثرَ من هذا.

ولا يتطلب ذلك أكثرَ من أن تُفرِّقوا بين أفكارنا المكتسبة ومشاعرنا الطبيعية؛ وذلك لأننا نشعُرُ قبل أن نَعْرِف، وكما أننا لا نتعلَّم إرادة خيرنا والفرار من شَرِّنا، وإنما ننال هذه الإرادةَ من الطبيعة، يكون حُبُّنا للصالح ومقتُنا للطالح من الأمور الطبيعية كحُبِّنا لأنفسنا. وليست أعمال الضمير أحكامًا، بل مشاعر، ومع إتيان جميع أفكارنا من الخارج تجد المشاعرَ التي تَزِنُها في باطننا، وبهذه المشاعر وحدَها نعرِف الموافقة أو عدم الموافقة التي بيننا وبين ما يَجِب احترامه أو اجتنابه من الأشياء.

والوجود عندنا هو الإحساس، ولا مِراءَ في أن حسَّاسيَّتنا أقدمُ من عقلنا، وأن لدينا أحاسيسَ قبل أن تكون لدينا أفكار،٢٨ ومهما تكن علةُ وجودنا فإنها دَبَّرَت أمرَ بقائنا بمنْحها إيانا أحاسيسَ ملائمةً لطبيعتنا. ولا يستطيع أحدٌ أن يُنكِرَ أن هذه غريزيةٌ على الأقل. وإذا نُظِرَ إلى هذه الأحاسيس من حيث الفردُ وُجِدَ أنها عبارةٌ عن حُبِّ النفس والخوفِ من الألم ومقتِ الموت والرغبةِ في الرفاهة، ولكِنْ إذا كان الإنسان اجتماعيًّا بطبيعته، ولا ريبَ في هذا، أو إنه خُلِقَ ليصير هكذا على الأقل، فإنه لا يمكن أن يكون هكذا بغير مشاعرَ غريزيةٍ أخرى مناسبةٍ لنوعه؛ وذلك لأنه عند عدم النظر إلى غير احتياجه الجُثمانيِّ يُرى أن هذا الاحتياج يوجب تَفرُّقَ النَّاس بدَلًا من التقريب بينهم. والواقع أن الدافع الوجداني ينشأ عن النظام الخُلُقيِّ المؤلَّف من علاقة الإنسان بنفسه وبأمثاله، ولا تَعني معرفةُ الخير حُبَّه؛ أي إن هذه المعرفة ليست غريزيةً في الإنسان، ولكن ضميره يحمِله على حُبِّه عندما يُعَرِّفه عقله إياه، وهذا الإحساسُ هو الغريزي.

ولذا فلا أعتقد يا صديقي أن من المتعذَّر أن يُوضَح بنتائج طبيعتنا مبدأُ الضمير المباشرُ مستقلًّا عن العقل ذاته، حتى إن هذا لو كان متعذَّرًا لظَهَر غيرَ ضروري، وذلك أن أولئك الذين يُنكِرون هذا المبدأَ المُسلَّمَ به والمعترفَ به من قِبَل الجنس البشريِّ لا يُثبِتُون عدمَ وجوده مطلقًا، وإنما يكتفون بالتوكيد. ونحن إذا ما وَكَّدنا وجودَه كُنَّا على أساسٍ أحسنَ من أساسهم؛ وذلك لما لدينا، زيادةً على التوكيد، من شهادةِ الباطنِ وصوتِ الضميرِ الذي يشهَدُ لنفسه. وإذا كان وميضُ الحُكمِ الأوَّلُ يَبْهَرُنا ويَخلِط بين الأمور في نظرنا في البُداءة، فلننتظر انفتاحَ عيونِنا ثانيةً واشتدادَها، وهنالك لا نلبثُ أن نرى تلك الأمورَ نفسَها على نورِ العقل، وكما أطلعتْنا عليها الطبيعةُ في بدءِ الأمر. وإن شئتَ فدعْنا نكونُ أكثرَ بساطةً وأقلَّ بُطْلًا، ودَعْنا نقتصِرُ على المشاعرِ الأُولى التي نَجِدُها في أنفسنا ما دام البحثُ يَرُدُّنا إليها دائمًا عندما لا يُضَلِّلُنا مُطلَقًا.

أيها الضمير، أيها الضمير، أيتها الغريزة الربَّانية والصوت الخالد السماوي، أيها الدليل الوطيد لموجودٍ جاهلٍ محدود، ولكن مع العقل والاختيار، أيْ قاضيَ الخير والشر المعصومَ من الضلال والذي يجعل الإنسانَ على مثالِ الرَّب، أنت الذي تقوم عليه روعَةُ طبيعته وأدبُ أفعاله، لولا أنت ما شعرتُ بشيءٍ في نفسي يَرفعني فوق البهائم، لولا أنت ما شعرتُ بغير امتيازٍ كئيبٍ في الضلال بين خطأ وخطأ مستعينًا بإدراكٍ لا قاعدةَ له، وبعقلٍ لا مبدأ له.

حمْدًا لله، ها نحن أولاء قد نَجَونا من جهاز الفلسفة المخيف، فنستطيع أن نكون رجالًا من غير أن نكون علماء، وها نحن أولاء قد أُعفينا من قضاء حياتنا في دراسة الأخلاق، فنَملِكُ بأقلِّ ثمنٍ دليلًا أكثرَ وثاقةً في هذا التِّيه الواسع لآراء الإنسان، ولكنْ لا يكفي أن يكون هذا الدليل موجودًا، فيجب أن يُعرَف وأن يُتَّبَع، وإذا كان يخاطِب جميعَ القلوب، فلِمَ لا يُوجَدُ غيرُ أناسٍ قليلين يستمعون له. والآن، إن لسان الطبيعة هو الذي يخاطبنا به، وكلُّ شيءٍ يَسُوقنا إلى نسيانه. والضميرُ وَجِلٌ يُحِبُّ الانزواء والهدوء، ويُفزِعه الضجيجُ والنَّاس، وتُعَدُّ المُبْتَسَرات التي جُعِلَ صادرًا عنها أشدَّ أعدائه، ويَفِرُّ أمامها أو يَسْكُت، ويَخنُق صوتُها الصاخب صوتَه، ويمنعه من أن يُسمَع، ويَجرُؤ التعصب على تقليد صوته ويُملي الإجرامَ باسمه، وتَخمُد همَّتُه عن سوء معاملة، ويَعودُ غيرَ مخاطِبٍ لنا، ويعودُ غيرَ مجيبٍ لنا، وهو بعدَ كثيرِ ازدراءٍ له يصعُب ذكرُه صعوبةَ سابقِ إبعادِه.

وما أكثرَ ما تَعِبْتُ في أثناء مباحثي من الفتور الذي كنتُ أُحِسُّ في نفسي! وما أكثرَ ما صبَّ الكرْبُ والسَّأمُ سمومَهما في تأملاتي، فيجعلانها أمرًا لا يُطاق عندي! كان قلبي الجديبُ لا يَمنَح حبَّ الحقيقة غيرَ غَيْرَةٍ ذاويةٍ فاترة، فأقول في نفسي: لِمَ أُعَذِّب نفسي في البحث عما هو غيرُ موجود؟ ليس الخيرُ الخُلُقيُّ سوى وهم، ولا يوجَدُ شيءٌ حَسَنٌ سوى ملاذِّ الحواسِّ. وَيْ! ما أصعبَ استردادَ ذوق ملاذِّ الروح إذا ما فُقِدَ مَرَّةً! وأيُّ شيءٍ أصعبُ من تناول الإنسان له عند عدم حيازته إياه سابِقًا! إذا وُجِدَ إنسانٌ بَلَغَ من الشقاء ما لا يَذْكُرُ معه أنه صنع في جميع حياته ما تجعله ذكراه راضيًا عن نفسه مسرورًا بسابق عيشه، فإن هذا الإنسان يكون عاجزًا عن معرفة نفسه مُطلَقًا، وهو إذ يُعْوِزُه كلُّ شعورٍ بما يلائم طبيعتَه من صلاح، يَظَلُّ شَرِيرًا قَسْرًا ويبقى شقيًّا إلى الأبد، ولكنْ أتعتقدون أنه يُوجَدُ في العالم بأسره إنسانٌ واحدٌ بَلَغ من الفساد ما لا يُسْلِم معه فؤاده إلى إغواء فعل الخير؟ إن هذا الإغواء هو من شدة الطلاوة وموافقة الطبيعة ما يتعذَّر معه أن يقاومه دائمًا، ويكفي ما يوجبه هذا الإغواء من لذَّةٍ مرَّةً لاستدعائه بلا انقطاع. ومن المؤسف أن يكون قضاؤه شاقًّا في البُداءة، ويُوجَدُ ألفُ سببٍ لامتناع الإنسان عن اتِّباع مَيْل فؤاده؛ فالحَذَرُ الزائفُ يَحصُر هذا القلب ضمن حدود الذاتية الإنسانية، ولا بُدَّ من بَذْلِ ألفِ جُهْدٍ في الشجاعة حتى يُجرَأ على مجاوزتها، وما يَجِدُ الإنسان من لذةٍ في صُنْعِ الخير هو جائزةُ ما صَنَع من خير، ولا ينال الإنسان هذه الجائزة إلا بعد استحقاقه لها. ولا شيءَ أحلى من الفضيلة، ولكنه يجب أن تُجرَّب لتُعرَف هكذا. وإذا ما أُريد اعتناقها بَدَت على ألف شكلٍ مُخيفٍ في البُداءة، كالإله برُوتِه الذي وَرَد ذكرُه في الأساطير، وهي لا تبدو على شكلها الحقيقيِّ في نهاية الأمر إلا لمن لم يَعِفُّوا عن انتحالها مطلقًا.

وإذ كافحتني، بلا انقطاع، مشاعري الطبيعيةُ التي تكلمتْ في سبيل المصلحة العامة، وعقلي الذي رَدَّ كلَّ شيءٍ إليَّ، تَرَجَّحْتُ في جميع حياتي بين هذا التناوب الدائم، صانعًا للشرِّ ومُحِبًّا للخير، ومُضادًّا نفسي لو لم تُنِرْ فؤادي بصائرُ جديدة، ولم تُوَطِّد الحقيقةُ، التي ثَبَّتَتْ آرائي، سَيْرِي وجعلتني مسالمًا لنفسي، ومن العبث أن أُرِيدَتْ إقامةُ الفضيلة بالعقل وحدَه، وأيُّ أساسٍ متينٍ يُمكِن أن تُعطَى؟ ويقولون إن الفضيلة هي حُبُّ النظام. ولكن أيُمكِنُ إذَن، أيجِبُ إذَن أن يتمَّ الفوزُ لهذا الحبِّ على حُبِّ رفاهتي؟ دَعْهُم يُعطونني سببًا واضحًا كافيًا لهذا التفضيل. ولو نظرتَ إلى الأساس لوجدتَ أن مبدأهم المزعوم تلاعبٌ بالكلام؛ وذلك لأنني أقول كذلك إن الإثم حُبٌّ للنظام بمعنًى آخَر، ويُوجَد نظامٌ خُلُقِيٌّ حيث يوجد عقلٌ وإحساس، والفرقُ في أن الصالح ينتظم بالنسبة إلى الكل، وفي أن الشَّرِير يَنظِم الكلَّ بالنسبة إلى نفسه، ويجعَل الشَّرِيرُ من نفسه مركزًا لكلِّ شيء، ويقيسُ ذلك شُعاعَه ويبقى ضِمْن الدائرة، وهنالك ينتظم بالنسبة إلى المركز العامِّ الذي هو الرَّب، وبالنسبة إلى جميع الدوائر ذوات المركز الواحد التي هي مخلوقات الرب. ولو كان الرب غير موجودٍ لم يُوجَد غير الشَّرِير من يَعقِل، ولم يكن الصالحُ غيرَ مجنون.

أي بُنيَّ، قد تُحِسُّ ذاتَ يومٍ أيُّ حِمْلٍ أُزِيح، وذلك أنك بعد أن تستوعب بُطْلَ الآراء البشرية وتَذُوقَ مرارةَ الهواء، تَجِدُ قريبًا منك كثيرًا، في نهاية الأمر، طريقَ الحكمة، وثوابَ الأعمال في هذه الحياة، ومنبعَ السعادة التي يَئسْتَ منها! وذلك أن جميع واجبات القانون الطبيعيِّ التي مُحِيَت من قلبي بظُلم النَّاس تُرسَمُ ثانيةً هناك باسم العدل الأزليِّ الذي يَفْرِضها عليَّ والذي يراني أقُوم بها، وعُدْتُ لا أشعُرُ في نفسي بغير كَوْني صُنْعَ الموجودِ العظيمِ وأداتَه، هذا الموجودَ العظيمَ الذي يريد الخيرَ ويفعله، والذي يصنعه لي بتضافر عزائمي وعزائمه وبحسن استعمال اختياري، وأرْضى بالنظام الذي يُقيم، مطمئنًّا إلى أنني أتمتَّع بهذا النظام ذاتَ يومٍ مُلاقيًا فيه سعادتي. وأيُّ سعادةٍ أحلى من شعور الإنسان بأنه قد انتَظَمَ ضِمْنَ نظامٍ يكون فيه كلُّ شيءٍ حسنًا؟ وأحتَمِلُ الألم صابِرًا إذ يُواثِبُني ذاكرًا أنه عابرٌ آتٍ من جسمٍ غير جسمي، وإذا صنعتُ عملًا صالحًا لا شاهدَ عليه عَلِمْتُ أنه قد رُئي، وأنني أُسجِّلُ سَيْري في هذه الحياة من أجلِ الحياة الأخرى، وإذا ما عانيتُ ظلمًا قلتُ في نفسي: إن الكائنَ العادلَ المهيمنَ على كلِّ شيءٍ سيُعوِّضني، وإن من شأن احتياجات جسمي وأبْؤسِ حياتي أن يَجعَلَ فكرةَ الموت عندي أكثرَ احتمالًا، وبذلك تكون القيود التي تُقطَع قليلةً عندما يجب تَرْكُ كلِّ شيء.

ولِمَ يَخْضَعُ روحي لحواسِّي ويُقيَّدُ بهذا الجسم الذي يُعبِّدُه ويضايقه؟ لا أعرِف من ذلك شيئًا، وهل دخلتُ ضِمْن أوامر الرِّب؟ ولكنني أستطيع من غيرِ تَهَوُّرٍ أن آتي بافتراضاتٍ متواضِعة، وأقولُ في نفسي: إذا كان روح الإنسان قد بَقِيَ طليقًا نقيًّا، فأيةُ مَزِيَّةٍ تَكُون له في حُبِّ النظام الذي يراه قائمًا، وفي اتِّباع هذا النظام الذي لا تكون له أيةُ مصلحةٍ في الإخلال به؟ أجلْ، إنه يكون سعيدًا، ولكنَّ سعادتَه يُعْوِزُها أعلى الدرجات، وهو مجدُ الفضيلة وحُسْنُ الشهادة بنفسه، وهو لا يَكون إلا كالملائكة. ولا مِراءَ في أن الإنسان الصالح يزيدُ عليهم، وإذ يتَّحِد الروح في الجسم الفاني بروابطَ ليست أقلَّ قوةً من كَوْنِها غيرَ مُدْرَكة، فإن العناية بحفظ هذا الجسم تَحْمِلُ الروح على رَدِّ كلِّ شيءٍ إليه، وعلى منْحه مصلحةً مخالفةً للنظام العام، فيستطيع أن يَرى ويُحِب، وهنالك يتحول حُسنُ استعمال اختياره إلى استحقاقٍ وأجر، ويُعِدُّ نفسه لسعادةٍ ثابتةٍ بمكافحته أهواءه الدنيوية وببقائه ضمن إرادته الأُولى.

وإذا كانت جميعُ ميولنا الأُولى شرعيةً حتى في حال الخفْض حيث نحن في هذه الحياة، وإذا كانت جميعُ عيوبنا تأتينا من أنفسنا، فلِمَ نَشْكو من سيطرتها علينا؟ ولِمَ نَلُوم خالقَ الأشياء على الشرور التي نَصْنَع، وعلى الأعداء الذين نُسَلِّحُ ضِدَّ أنفسنا؟ آه! دَعْنَا لا نُفسِدُ الإنسانَ مطلقًا؛ فهو سيكون صالحًا بلا عناءٍ دائمًا، وهو سيكون سعيدًا بلا نَدَمٍ دائمًا، ويكون المجرمون الذين يَدَّعون أنهم اضطُرُّوا إلى الجريمة أشرارًا كاذبين. وكيف لا يَرون مطلقًا أن الضَّعْف الذي يَشكون منه هو من عملهم الخاص، وأن فسادهم الأوَّل يأتيهم من إرادتهم، وأنهم إذ أرادوا الإذعانَ لميولهم فاسترسَلوا معها أذعنوا لها على الرغم منهم في آخرِ الأمرِ وجعلوها أمرًا لا يُقَاوَم؟ أجلْ، عاد لا يتوقَّف عليهم ألَّا يكونوا أشرارًا ضعفاء، بَيْدَ أنه تَوقَّف عليهم سابقًا ألَّا يصبحوا هكذا. وَيْ! ما أسهلَ بقاءنا قابضين على عِنان أنفسنا وأهوائنا، حتى في أثناء هذه الحياة، لو كُنَّا حين عدم اكتسابنا لعاداتنا بَعْدُ، وحين أَخْذِ أنفسِنا في التفتُّح قد عرفنا أن نشغَلها بأمورٍ يجب أن تعْرِفها تقديرًا لما لا تَعرِف، ولو كُنَّا قد أردنا بإخلاصٍ أن ننير أنفسنا، لا لنلْمع في نظر الآخرين، بل لنكون حكماء صالحين وَفْقَ طبيعتنا، ولنكونَ سعداء بممارسة واجباتنا! وتبدو لنا هذه الدراسةُ شاقَّة مملَّة؛ وذلك لأننا لم نُفكِّر فيها إلا بعد أن فَسَدنا بالعيب وأسْلَمْنا أنفسنا إلى أهوائنا، ونحن نُقرِّرُ أحكامَنا وتقديرَنا قبل أن نَعْرِف الخيرَ والشَّر، ثُمَّ نَرُدُّ كلَّ شيءٍ إلى هذا القياس الفاسد فلا نُعْطي شيئًا قيمتَه الصحيحة.

ويأتي دَوْرٌ من العُمُر يكون القلبُ فيه طليقًا بعْدُ، ولكن مع نشاطٍ وقَلَقٍ وطمعٍ في سعادةٍ لا يَعْرِفها، فيَنشُدها، ولكن مع تَقَلُّبٍ ذي فضول. وتخدعه الحواس، ويستقرُّ أخيرًا عند منظرها الفارغ فيعتقد أنه وَجَدَها حيث لا تُوجَدُ مطلقًا. وقد لازمتني هذه الأوهامُ زمنًا طويلًا، ومن دواعي الأسف أن عَرَفْتُها مؤخَّرًا، ولم أقدِر على تبديدها تمامًا، وهي ستبقى ما بَقيَ هذا البدنُ الفاني الذي يُحْدِثُها. وقد صار من العبث على الأقل إغواؤها لي؛ فهي لا تَغُرُّني، وأعرِف ما تسعى إليه، وأزدريها حين أتَّبِعُها، وأرى فيه عائِقًا لسعادتي بدلًا من أن أجدَ فيها هدفًا لها، وأتوقُ إلى الوقت الذي أتخَلَّصُ فيه من قيود البدن، فأكون «أنا» بلا تناقضٍ وغيرَ منقسمٍ إلى قِسمين، ومن غير احتياجٍ إلى غير نفسي لأكون سعيدًا، وإني إذ أنتظر ذلك أجِدُني سعيدًا حتى في هذه الحياة لقلة التفاتي إلى شرورها، ولأنني أعُدُّها غريبةً عن وجودي، ولأنه يتوقَّف عليَّ كلُّ خير يمكنني استخلاصُه منها.

وأتَمَرَّنُ على أعلى التأمُّلات رَفْعًا لنفسي مُقدَّمًا إلى هذه الحال من السعادة، من القوة والحرية، ما أمكن، وأتأمَّل في نظام الكَوْن، لا لتفسيره بمناهجَ فارغة، بل للإعجاب به دائمًا، ولعبادة الصانع الحكيم الذي يُشعِرُ بنفسه فيه، وأُخاطبه، وأُنْعِم النظرَ بما أُوتيتُ من قوةٍ في جوهره الرَّبَّاني، وأَلِينُ بنِعَمِه، وأحمَدُه وأشكُر له ما أعطى. ولكنني لا أدعوه، وما أسأله؟ أأطلُب منه أن يُغيِّر مجرى الأمور من أجلي، أي أن يَصْنَع معجزاتٍ نَفْعًا لي؟ وإذ يَقْضي الواجبُ بأن أُحِبَّ عدا ذلك جميعَ النظام القائمِ بحكمته والثابت بقدرته، فهل أُريدُ أن يَختَلَّ هذا النظام من أجلي؟ كلا؛ فهذا الدعاء الجريءُ يستحقُّ أن يُعاقَب عليه أكثرَ من أن يُستجاب. وكذلك لا ألتمس منه قدرةً على فعل الخير، ولِمَ أطلب منه ما أعطاني؟ ألم يُنْعِمْ عليَّ بشعورٍ أُحِبُّ به الخير، وبعقلٍ أعرِفه به وبخيارٍ أختاره معه؟ إنني إذا ما فعلتُ الشَّرَّ لم أَكُ معذورًا مطلقًا؛ فأنا أفْعله لأنني أريده؛ وذلك لأن طلبي منه تغييرَ إرادتي يعْني طلبي منه ما يَطلُبُ منِّي، وذلك يَعْني أن يقوم بعملي وأن أنال أجرَه، ويَعْني عدمُ رضايَ عن حالي عدمَ إرادتي أن أبقى إنسانًا، أيْ أن أريدَ أمرًا آخَر غيرَ ما هو قائم، أيْ أن أريدَ الاضطرابَ والشَّر؛ أيْ مصدَرَ العدلِ والحق. أيها الربُّ الرحيم الكريم، أتوكَّلُ عليك، وأقول إن أقصى ما أرجو هو أن يَتِمَّ ما تريد، فإذا ما أَضَفْتُ إرادتي إلى هذا أكونُ قد فعلتُ ما فَعَلْت، وأرضى بِجُودك، وأعتقد أنني أتمتَّع سَلَفًا بالسعادة العليا التي هي ثواب ذلك.

والشيء الوحيد الذي ألتمسه منه، عند عدم اعتمادي على نفسي عن حَق، أو الشيء الوحيد الذي أنتظر من عدله على الأصح، هو أن يُقوِّمَ خِطْئي إذا ما زَلَلت، وإذا ما كان هذا الضلال خَطِرًا عليَّ. ويَقضي حسنُ النية بألَّا أعتقدَني معصومًا من الخطأ، وقد تكون آرائي التي تَلُوح لي أكثرَ ما يكون صِدْقًا كاذبةً بهذا المقدار، وإلا فأيُّ إنسانٍ لا يتمسك بآرائه؟ وما عَدَدُ النَّاس الذين يتفقون على كلِّ شيء؟ وقد يأتيني الوَهمُ الذي يَخدَعني من نفسي، واللهُ وحدَه هو القادر على شفائي منه. أجلْ، لقد صنعتُ كلَّ ما أستطيع صُنْعَه لأصِلَ إلى الحَق، غير أن مصدره بالغُ الارتفاع عني، ومتى أَعْوَزَتْني القُوى في الإمعان بُعْدًا، فما ذَنْبي؟ إن على الحقِّ أن يدنوَ منِّي.»

•••

لقد تكلَّم القَسُّ الصالحُ بحماسة، وقد كان هائجًا، وقد كنت مِثْلَه هياجًا، وكان يُخيَّلُ إليَّ أنني أسمع الرَّبَّانيَّ أُورْفُوسَ وهو يُرَتِّلُ الأناشيد الأُولى ويُعلِّمُ النَّاسَ عبادة الآلهة، ومع ذلك فقد كنتُ أُبصِرُ عددًا كبيرًا من الاعتراضات يُوَجَّهُ إليه، ولم أُبْدِ واحدًا منها؛ وذلك لأنها كانت أقربَ إلى التشويش منها إلى الجِد، ولأنني كنت أميلُ إلى الاقتناع. وكان كلَّما تقدَّم في الكلام وَفْقَ ضميره لاح ضميري مُثبِّتًا إيَّايَ على ما يَكون قد قال لي.

وأقول له: «إن ما عَرَضْتُم عليَّ من مشاعرَ يَلُوح لي أكثرَ جِدَّةً بما تعترفون أنكم تَجْهَلون مما بما تَقولون إنكم تعتقدون، وفي ذلك أرى، تقريبًا، اعتقادًا بوحدانية الله أو الدِّين الطبيعي، أي الدين الذي يَظْهَرُ أن النصارى يَخلِطون بينه وبين الإلحاد أو الكُفْر الذي هو مذهبٌ مباينٌ لذلك رأسًا، ولكنني في الحال الحاضر من إيماني أميلُ إلى الصعود أكثرَ مما إلى الهبوط اعتناقًا لآرائكم، وأجِدُ من الصعب أن أبقى حيث أنتم ضبْطًا ما لم أكن مِثْلَكم حكمة، وأُريد أن أشاورَ نفسي حتى يكُونَ لي ذاك الإخلاصُ على الأقل، والشعور الباطنيُّ هو الذي يجب أن يَقُودَني إلى مثالكم، وقد علَّمتموني بأنفسكم أنَّ تَذَكُّرَه ليس عملَ ساعةٍ بعد أن فُرِض السُّكوت عليه زمنًا طويلًا. وأمضي بكلامكم في فؤادي، ولا بدَّ لي من تأمُّلِه. وإذا ما كنتُ مثلما أنتم عليه قناعةً بعد أن أُشاوِر نفسي جيِّدًا كنتم آخرَ رسولٍ لي، وصِرت مهتديًا بكم حتى الموت، ومع ذلك فداوموا على تعليمي، فلَمْ تقولوا لي غيرَ نصف ما يجب أن أعْرِف، فحدِّثوا عن الوحي والكتب المقدسة، وعن تلك العقائد الغامضة التي تُهْتُ فيها منذ صبايَ من غير أن أستطيع إدراكها أو اعتقادَها، ومن غير أن أعتنقها أو أن أنْبِذَها.»

ويقول معانقًا إيَّاي: «أجلْ يا بنيَّ، سأقول لك كلَّ ما أفكِّرُ فيه، ولا أُريد أن أفتح لك نصفَ قلبي مطلقًا، ولكن ما تُبْدي لي من رغبةٍ كان ضروريًّا ليَدْفَعني إلى عدمِ اتخاذِ أيِّ تَحفُّظٍ نحوك. ولم أقُل لك حتى الآن شيئًا لم أعتقدِ إمكانَ فائدته لك ولم أكن قانعًا به قلبيًّا، وما بَقيَ عليَّ أن أقومَ به من بحثٍ مُختلفٌ جِدًّا، ولا أُبْصِرُ فيه غيرَ الارتباك والغموض والالتباس، ولا أَحمِلُ إليه غيرَ الشكِّ والارتياب، ولا أُقدِم عليه إلا مرتجفًا، وأقول لك رِيَبي أكثرَ من أن أقول لك آرائي، ولو كانت آراؤك أكثرَ ثباتًا لترددتُ في عرض آرائي عليك. ولكنك في الحال التي أنت عليها لك كَسْبٌ في التفكير مثلي،٢٩ ثُمَّ لا تَمنحْ كلامي غيرَ سلطان البرهان؛ فأنا أجهل كوني على خطأ، ومن الصعب عند الجدال ألَّا تُتَّخَذَ لهجةٌ جازمةٌ أحيانًا، ولكن اذكُرْ أن جميع توكيداتي هنا ليست غيرَ أسبابٍ داعيةٍ إلى الشك، وابحثْ عن الحقيقة بنفسك، وأمَّا أنا فلا أَعِدُك بغير حُسن النية.

أنتم لا تَرون في بياني غيرَ الدِّين الطبيعي، ومن الغريب جِدًّا أن يُحتاج إلى غيره، وبأية وسيلةٍ أعرِفُ هذه الحاجة؟ وبأيِّ شيءٍ أُعَدُّ مُذنِبًا إذا ما عَبَدْتُ الرَّبَّ على حَسَبِ البصائر التي يُنْعِمُ بها على نَفسي ووَفْق المشاعر التي يوحِي بها إلى قلبي؟ وأيُّ صفاءٍ خُلُقي، وأيُّ اعتقادٍ نافع، يُمكنني استنباطُه من مذهبٍ وضعي، فلا أستطيع أن أستنبِطه من حُسن استعمال مواهبي؟ أرُوني ما يُمكن إضافتُه في سبيل مَجْدِ الرب، وفي سبيلِ خيرِ المجتمع، وفي سبيلِ مصلحتي الخاصة، إلى واجبات الناموس الطبيعي، وأيُّ فضيلةٍ يمكنكم أن تُنبِتوا من دِينٍ جديدٍ لا تكون نتيجةً لديني؛ فأعظمُ الأفكارِ عن الرَّبِّ تنشأ عن العقل وحدَه. وانظروا إلى منظر الطبيعة، وأنصِتوا لصوت الباطن، أَفَلَمْ يَقُل الله كلَّ شيءٍ لأعيننا ولضميرنا وحُكْمنا؟ وما يقول لنا النَّاس زيادةً على ذلك؟ لا يَصْنَعُ وحْيُهم غيرَ تنزيل مقام الرب بإسباغ أهواء النَّاس عليه، وأرى أن العقائد الخاصة تُعقِّدُ مبادئَ الكائن الأعلى بدلًا من إلقاء نُورٍ عليها، وأرى العقائدَ الخاصة تَحُطُّها بدلًا من أن ترْفعَها، وأنها تُضِيفُ متناقِضاتٍ مُحالَةً إلى الأسرار الخفية التي لا يُمكن تصورُها، وأنها تجعل الإنسانَ مُختالًا مُتعصِّبًا قاسيًا، وأنها تَحمِلُ الحديدَ والنارَ إلى الأرض بدَلًا من إقرار السلام فيها. وأسأل نفسي عن فائدة جميع هذا من غير أن أعْرِف كيف أُجيب، ولا أرى في ذلك غيرَ جرائمِ النَّاس وبؤس الجنس البشريِّ.

ويُقال لي إنه لا بدَّ من الوحي لتعليم النَّاس كيف يعبدون الله كما يُريد، ويُساقُ كدليلٍ على ذلك اختلافُ ما أقامه النَّاس من عباداتٍ غريبةٍ متنوعة، ولم يُرَ أن هذا التنوُّعَ ناشئٌ عن هَوَى الوحْي؛ فالشعوب منذ عَنَّ لها أن تجْعَل الربَّ يتكلم جعله كلُّ واحدٍ منها يتكلَّم وَفْقَ ذوقه، وحمله على قول ما يُريد، ولو اسْتُمِع إلى ما قال الرَّبُّ لقلبِ الإنسان ما وُجِدَ غيرُ دينٍ واحدٍ على الأرض.

ووَجَبَ وجودُ عبادةٍ واحدة، وأريد هذا، ولكن هل كان هذا الأمر من الأهمية البالغة، إذن، ما اقتضى معه جميعَ جهازِ القدرة الإلهية لإقامته؟ ولا نَخْلِط بين الدِّين وطقوسه مُطلَقًا؛ فالعبادة التي يطلُبها الرب هي عبادة القلب، وتكون هذه على نَمَطٍ واحدٍ دائمًا عند إخلاصها، ومن الزهو الأخبَل أن يُتصوَّر أن الله يُبالي كثيرًا بشكل حُلَّة القِسِّيس وبنظام الكلمات التي يَنطِقُ بها وبالحركات التي يأتيها عند المحراب وبجميع رَكَعاته. آه! انتصِبْ يا صديقي، تَبْقَ قريبًا من الأرض دائمًا، والله يُريد أن يُعبَد بالروح والصِّدق، وهذا الواجبُ ملائمٌ لجميع الأديان وجميع البلدان ولكلِّ إنسان. وأمَّا العبادة الخارجية، فإذا ما وجب أن تكون على نَمَطٍ واحدٍ لحُسْن النظام كان هذا عملَ شُرْطةٍ محضًا، ولا يستلزم هذا وحيًا مُطلَقًا.

ولا أبدأ بجميع هذه الأفكار، وبما أنني مَسوقٌ بمُبْتَسَرات التَّربية وبالأنانية الخَطِرة التي تَهدِف دائمًا إلى حمْل الإنسان فوقَ نِطاقه، وبما أنني لا أستطيع رفع مداركي الضعيفة إلى الموجود الأعظم، فإنني أحاول خفضَه إلى حيث أنا، وأُقَرِّب بين العلائق البعيدة إلى الغاية التي وَضَعَها بين طبيعته وطبيعتي، وأُريدُ صِلاتٍ أكثرَ مباشرةً ومعلوماتٍ أكثرَ خصوصية. وبما أنه لا يُرضيني أن أجْعَل الرَّبَّ مشابهًا للإنسان حتى أكون ممتازًا بين أمثالي، فإنني أُريدُ معارفَ خارقةً للعادة، وأُريدُ عبادةً خاصة، أريد إلهًا يخاطبني بما لم يُخاطِب به الآخرين، أو بما لم يُدركه الآخرون كما أُدرِك.

وإني إذ أَعُدُّ النقطةَ التي انتهيتُ إليها نقطةً مشتركةً ينطلِقُ منها جميعُ المؤمنين وصولًا إلى شكلٍ من الدِّين أكثرَ نورًا، لا أجِدُ في عقائد الدِّين الطبيعيِّ غيرَ عناصرِ جميعِ الأديان، وأنظر إلى هذا الاختلاف بين النِّحَل السائدة للأرض والتي تتَّهِمُ كلُّ واحدةٍ ما سواها بالكَذِب والضلال، فأسأل: «أيُّها على الحق؟» ويُجيبُ كلُّ واحدٍ عن هذا بقوله: «نِحْلَتي.» ويقول كلُّ واحدٍ: «أُفكِّرُ أنا وجميع أتباعي تفكيرًا صادقًا، وأمَّا الآخرون فكلُّهم على ضلال.» وأسأل: «كيف تعرفون أن نِحلَتكم هي التي على الحقِّ؟» وأُجابُ عن هذا بكلمةٍ: «ذلك لأن الله قال هذا.»٣٠ وأسأل: «ومَن يقول لكم إن الله قال هذا؟» ويُقال لي: «هو قِسِّيسُنا الذي يَعْرِف ذلك جيِّدًا، وهو يقول لنا أنْ نؤمنَ هكذا فنؤمن، وهو يقول مُوَكِّدًا إن جميع الذين يقولون غير هذا يكذِبون، فلا نستمع إليهم.»

ماذا! وهل أَظُنُّ أن الحقيقة ليست واحدة؟ وهل يكون ما أراه حقيقةً باطلًا عندكم؟ وإذا كان منهاجُ الذي يَتَّبِع الطريقَ الصالح ومنهاجُ الذي يَضِلُّ واحدًا، فأيُّ مَزِيَّةٍ أو أيُّ خطأ يكون بجانب الواحد أكثرَ مما بجانب الآخر؟ إن خيارهما نتيجةُ المصادفة، وينطوي عَزْوُها إليهما على جَوْر، وهو يعني مجازاتَهما أو مكافأتهما لِولادتهما في هذا البلد أو ذاك، وتُعَدُّ الجُرْأةُ على القول بأن الرَّبَّ يَحْكُم فينا هكذا طَعْنًا في عدله.

وجميعُ الأديان إمَّا أن تكون صالحةً مقبولةً لدى الله، وإمَّا أن يكون الله قد أمر النَّاس باتِّباع واحدٍ منها فيجازي مَن يُنكِرُه، باتِّباع واحدٍ منها مَنَحَه علائمَ ثابتةً واضحةً ليُمازَ بها ويُعرَفَ على أنه الحقُّ وحدَه، علائمَ متماثلةً في كلِّ زمانٍ ومكان، واضحةً لدى كلِّ إنسان، كبيرًا كان هذا الإنسانُ أو صغيرًا، عالمًا أو جاهلًا، أوروبيًّا أو هنديًّا أو أفريقيًّا أو همجيًّا. فإذا ما وُجِد على الأرض دِينٌ لا يكون غير العذابِ الأبدي خارجَ نطاقه، وإذا لم يُوجَد في بُقعةٍ ما من العالم غيرُ إنسانٍ واحدٍ لم يؤمِن ببرهان هذا الدين عن حُسن نية، كان إله هذا الدين أظلمَ الطغاة وأشدَّهم قسوة.

أَوَنبحَثُ عن الحقيقة بإخلاص؟ دَعْنا لا نمنح حقَّ النَّسب وسلطان الآباء والقسِّيسين شيئًا، ولكن لِندْعُ إلى امتحان الضمير والعقل جميعَ ما علَّمونا إياه منذ صِبانا، ومن العبث قولهم بصوتٍ عالٍ: «اقهَرْ عقلك»؛ فهذا مبلغُ ما يستطيع أن يقوله مخادع، ولا بُدَّ من وجودِ أسبابٍ لديَّ حتى أقهَرَ عقلي.

ويقتصر جميعُ علم اللاهوت الذي يُمكِنني اكتسابُه من تلقاء نفسي، بملاحظة الكَوْن وبحُسنِ استعمال مواهبي، على ما أوضحتُه لكم سابقًا، ولا بُدَّ من الالتجاء إلى وسائلَ خارقةٍ للعادة لمعرفة ما هو أكثرُ من ذلك، ولا تقوم هذه الوسائل على سلطان النَّاس، وذلك بما أنه لا إنسانَ يكون من غير نوعي، فإن كلَّ شيءٍ يَعْرِفه الإنسان طبيعةً أستطيع أن أَعْرِفه أيضًا، ويُمكِنُ إنسانًا آخرَ أن يُخدَع كما أُخدَع، ومتى اعتقدت ما يقول لم يَكُنْ هذا لأنه قاله، بل لأنه أَثْبته. وليست شهادةُ النَّاس من حيث الأساس إذنْ غيرَ شهادة عقلي ذاتِه، وهي لا تزيد شيئًا على الوسائل الطبيعية التي أنعم الله بها عليَّ لأعْرِف الحقيقة.

ويا رسولَ الحقيقة، ما عليكم أن تقولوا لي إذن غيرَ ما لا أكون قاضيَه؟ قد قال الله بذاته: استمعوا لوحيه، ذاك أمرٌ آخرُ، وقد قال الله! تلك كلمةٌ عظيمةٌ حقًّا، ومَن كلَّم اللهُ؟ لقد كلَّم النَّاسَ، ولِمَ لمْ أسمعْ من ذلك شيئًا؟ لقَدْ عَهِدَ إلى أُناسٍ آخرين في تبليغ كلامه إليكم، وأُدْرِكُ! يقول أناسٌ لي ما قال الله، وأُفضِّلُ أن أسمع اللهَ ذاتَه، وهذا لا يُكلِّفُه كثيرًا، وسأكون في مأمنٍ من الإغواء، وهو يحفَظُكم منه بإعلان بِعثةِ مُرسَليه. وكيف يكون هذا؟ بالمعجزات، وأين هذه المعجزات؟ في الكتب، ومَن وضع هذه الكتب؟ النَّاس، ومَن رأى هذه المعجزات؟ النَّاسُ الذين شهدوها، ماذا! شهاداتٌ بشريةٌ دائمًا، أُناسٌ يَقُصُّون عليَّ ما رواه أُناسٌ آخرون! وما أكثرَ مَن هم بيني وبين الرب! دعنا ننظُر مع ذلك، دعنا نَفْحص ونقابل ونحقِّق. آه! إذا ما تَفضَّل الربُّ بإعفائي من جميع هذا العمل، أفلا أَعْبُدُه بكلِّ فؤادي؟

وانظُرْ يا صديقي، أيُّ جِدالٍ هائلٍ شُغِلْتُ به الآن، وأيُّ معرفةٍ واسعةٍ أحتاج إليها لأرجعَ إلى أبعدِ القرون القديمة، فأبحثَ في النبوءات والوحي والوقائع وجميع آثار الدِّين المعروضة في جميع بلاد العالم، وأزِنَها، وأُقابِلَ بينها تعيينًا للأزمنة والأمكنة والفاعلين والعوامل! وما أعظمَ ما يُعْوِزُني من إصابةِ نقدٍ لأمِيزَ المستندات الصحيحة من المستندات المُزوَّرة، ولأقابلَ بين الاعتراضات والجوابات والترجمات والأصول، وللحكم في عدالة الشهود وحُسْنِ بصيرتهم وفي معارفهم، ولأعْرِفَ هل حُذِف شيءٌ وأُضيفَ وحُرِّفَ وبُدِّلَ وزُوِّر، ولأُزيلَ ما يَبقى من المتناقضات، ولأحكمَ فيما يجب أن يُعارَ من أهميةٍ حول سكوت الخصوم عن الوقائع الواردة ضِدَّهم، وللحُكْم في هل هذه البراهينُ كانت معروفةً عندهم، وهل أقاموا لها من الوزن ما يَتنازَلون معه إلى الجواب عنها، وهل كانت الكُتُبُ من الشيوع ما تتصلُ معه كُتُبُنا بها، وهل نحن من حُسن النية ما نَدَعُ كُتُبَهم معه تَسيرُ بيننا وما نترُك معه أقوى اعتراضاتهم باقيةً كما وضَعُوها؟

ومتى قُبِلَت جميعُ هذه الوثائق على أنها تَقبَلُ الجدل وجب الانتقالُ إلى أدلةِ بِعثة واضعيها، فوجبت معرفة نواميس الخطوط والاحتمالات للحُكْم في أية نبوءةٍ يُمكِن قيامُها بلا معجزة، ووجبت معرفةُ روح اللغات الأصلية لتمييز ما هو نبوءةٌ في هذه اللغات، وما هو غيرُ شكلٍ خطابي، ووجبت معرفةُ أي الأشياء في نظام الطبيعة وأيُّ الأمورِ الأخرى ليس فيها، فيُحدَّث عن الحدِّ الذي يستطيع رجلٌ ماهرٌ أن يَسْحَرَ به عيونَ البُسَطاء ويُلقي الحَيرة في نفوس المثقَّفين، ووَجَبَ أن يُبحَثَ عن نوع المعجزة وعما يَلزَمُ وجودُه فيها من صِدْقٍ لا لِتُعْتَقَدَ فقط، بل ليُعاقَبَ على الشكِّ فيها، ووَجَبَ أن يُقابَلَ بين أدلة المعجزات الصادقة والمعجزات الكاذبة، فيُعثَرَ على قواعدَ ثابتةٍ للتفريق بينها. ثُمَّ لِمَ يختارُ الربُّ لإثبات كلامه وسائلَ تحتاج احتياجًا كبيرًا إلى إثبات، كما لو كان يلاعب سرعةَ التصديق في النَّاس مجتنبًا عَمْدًا وسائلَ إقناعهم الحقيقية؟

ولنفترضْ أن الجلالة الإلهية تفضَّلت فتنازلت بما فيه الكفاية لتجعل أحدَ النَّاس واسطةَ عزائمها المقدَّسة، فهل من العقل والعدل أن يُطالَب جميعُ الجنس البشري بتلبية نداء هذا الواعظ من غير أن يُجْعَل معروفًا هكذا؟ وهل من الإنصافِ ألَّا يُعطَى من أوراق الاعتماد غيرُ إشاراتٍ خاصَّةٍ تتمُّ أمام قليلٍ من ذوي النفوس الغامضة، على حين لا تَعرِف بقيةُ النَّاس من ذلك غيرَ ما تعْلَم سَمَاعًا؟ وإذا ما عُدَّ من الحقائق في جميع بلاد العالم جميعُ العجائب التي يقول العوامُّ والبسطاء إنهم رأوها كانت كلُّ نحلةٍ صالحة، ووُجِدَ من العجائب ما يزيد على الحادثات الطبيعية، وكانت أعظمُ المعجزات في الأمكنة التي يُوجَدُ فيها متعصبون مضطهدون من غيرِ أن تُوجَدَ فيها معجزاتٌ مُطلقًا. ونظام الطبيعة الثابت هو أحسنُ ما يَدُلُّ على اليد الحكيمة التي تديره، فإذا ما وُجِدَ شواذُّ كثيرةٌ لهذا كِدْتُ لا أعْرِف فيما أُفكِّر. وأمَّا أنا فقد بلغتُ من شدة الإيمان بالله ما لا أُومن معه بمعجزاتٍ كثيرةٍ غيرِ حَرِيَّةٍ به.

ولْيأتِ رجلٌ وليقُل لنا بهذه اللهجة: أيها النَّاس! أُخبِرُكم بمشيئة الرب الأعلى، واعْرِفوا في ندائي نداءَ الذي أرسلني؛ فأنا آمُرُ الشمسَ بتغيير مجراها، والنجومَ باتخاذ نظامٍ آخرَ لها، والجبالَ بأن تُسوَّى، والأمواجَ بأن ترتفع، والأرضَ بأن تُغيِّرَ منظرَها، ومَن ذا الذي لا يَعْرِف سيد الطبيعة بهذه المعجزات من فَوْره؟ والطبيعةُ لا تطيع المُخادعين مطلقًا، وتقع معجزات هؤلاء في المَفارِق والبراري والحُجُرات حيث تَروج بضاعتهم لدى عددٍ قليلٍ من الحُضور المستعدين لاعتقاد كلِّ شيء. ومَن ذا الذي يجرؤ على بيانه لي مقدارَ شهود العِيان الذين لا بدَّ منهم لجعلِ المعجزة أمرًا جديرًا بأن يؤمَن به؟ وإذا كانت معجزاتُكم التي صُنِعَت لإثبات مذهبكم محتاجةً إلى إثبات، فما يكون نفعُها؟ لا فَرْقَ بين الإتيانِ بها وعدمِهِ فائدةً.

وأخيرًا، تبقى ضرورةُ القيامِ بأهمِّ تمحيصٍ في ذاك المذهب، وذلك بما أن الذين يقولون إن الربَّ يأتي بمعجزاتٍ في هذه الدنيا يَزعُمون أن الشيطان يُقلِّدُها أحيانًا، فإننا لا نكون قد تقدَّمنا أكثرَ مما في السابق بأحسنِ ما شُوهِدَ من المعجزات. وذلك بما أن سَحَرَة فرعون قد أقدموا أمام موسى نفسِه على إتيان عينِ الآيات التي أتاها بأمرٍ صريحٍ من الرَّب، فلِمَ لا يَدَّعون بعين القدرة في غيابه مع ذات العُنوان؟ وهكذا يجِبُ إذن إثبات المُعجِزة بالمذهب بعد أن أُثْبِتَ المذهبُ بالمعجزة،٣١ وذلك خشيةَ عَدِّ عمل الشيطان من عملِّ الرب، فما قولكم عن هذا الافتراض فيما يُطلَب برهانه وإثباتُه؟

ولو كان هذا المذهب صادرًا عن الرَّبِّ لوجب أن يَحمِلَ طابَعَ الألوهية المقدَّس، وذلك أنه لا يكفي أن يُوضِح لنا مُختلط الأفكار التي يَرْسُمها البرهان في ذهننا، بل يجب أيضًا أن يَعْرِض هذا المذهبُ علينا عبادةً وأدبًا ومبادئَ ملائمةً للصفات التي نتمَثَّلُ بها وحدَها كُنْهَ الرَّب، وإذا كان لا يُعلِّمُنا إذن غيرَ أمورٍ مستحيلةٍ مُخالفةٍ للصواب، وإذا كان لا يُوحى إلينا بغيرِ مشاعرِ الكراهية لأمثالنا وبغيرِ ذُعْرٍ لأنفسنا، وإذا كان لا يُصوِّرُ لنا غير رَبٍّ غضوبٍ مِغيارٍ مئثارٍ مُغْرِضٍ مُبْغِضٍ للبشر، رَبٍّ للحرب والمعارك متأهِّبٍ للتخريب والتدمير، مُحدِّثٍ دائمًا عن العذاب والنَّكال، مُباهٍ بمعاقبة الأبرياء أيضًا، فإن فؤادي لا ينجذب إلى هذا الإله الهائل محترزًا من ترك الدِّين الطبيعي اعتناقًا لذاك المذهب؛ وذلك لأنه لا بُدَّ من الاختيار عن ضرورةٍ كما ترون. وأقول لأتباعه ليس إلهُكم إلهَنا، وليس الذي يبدأ باختيارِ شعبٍ واحدٍ فقط، طاردًا بقيةَ الجنس البشري من حمايته أبًا عامًّا للناس، وليس الذي يُعِدُّ مُعظَمَ مخلوقاته للعذاب الأبديِّ ذاك الإله الرحيم الكريم الذي دَلَّني عليه عقلي.

والعقلُ من حيث العقائد يقول لي إنه يجب أن تكون واضحةً ساطعةً تَقِفُ الأبصارَ بجلائها، وإذا كان الدِّينُ الطبيعيُّ ناقصًا فذاك للغُموض الذي يَترُكه في الحقائق الكُبْرى التي يُعلِّمُنا إياها، فعلى الوحي أن يُعلِّمَنا هذه الحقائق على وجهٍ يُدْرِكها به ذهنُ الإنسان، وأن يضعها في متناوله، وأن يجعله في حالٍ يتمثَّلُها معه حتى يؤمنَ بها، ويتأيَّد الإيمان بالفَهْم ويشتد، ولا مِراءَ في أن أحسنَ الأديان أوضحُها، وأمَّا الدِّين الذي يَشْحَنُ ما يَعِظُني به من العبادةِ بالأسرارِ والمتناقضات فإنه يُعلِّمُني الحذَرَ منه لهذا السبب، وليس الإلهُ الذي أعبُدُ إلهَ الظلام، وهو لم يُنعِمْ عليَّ بإدراكٍ ليمنعني من الانتفاعِ بهذا الإدراك، وينطوي كلُّ قولٍ لي بأن أقهرَ عقلي على إهانةِ صانعِه، ولا يَجُور وليُّ الحقِّ على عقلي، بل يُنيرُه.

وقد طَرَحْنا كلَّ سلطانٍ بشريٍّ جانبًا، وما كان لِيُمكِنَني أن أرى بغير هذا السلطان كيف يستطيع الإنسانُ أن يُقنِعَ إنسانًا آخرَ بوعظِه بمذهبٍ مخالفٍ للصواب، ولْنَدَعْ هذين الإنسانَين يتخاصمان ساعةً من نهار، ولنبحثْ عما يمكن أن يقولا في عُنفِ اللهجة المعتادة لديهما:

المُلْهَم : يُعلِّمُنا العقلُ أن الكلَّ أعظمُ من جُزئه، وأمَّا أنا فأخبِرُك باسم الرب أن الجزءَ أعظمُ من الكل.
المُبَرهِن : ومَن أنت حتى تجرؤَ على القول لي إن الربَّ يناقضُ نفسه؟ وأيُّكما أُفضِّلُ أن أُصَدِّقَ: هو الذي يُعلِّمُني بطريق العقل كَوْنَ الحقائق أزليَّة، أو أنت الذي يُخبِرني مستحيلًا باسمه؟
المُلْهَم : صدِّقني؛ وذلك لأن تعليمي أكثرُ إيجابيَّة، وسأُثبت لك بما لا يترك للشكِّ مجالًا أنه هو الذي أرسلني.
المُبَرْهِن : كيف؟ أنت ستُثبتُ لي أن الربَّ أرسلك لتشهد ضِدَّه؟ ومِن أيِّ جنسٍ ستكون براهينُك لإقناعي أنَّ الرَّبَّ يخاطبني بفَمِك أكثرَ مما بالإدراك الذي أنعم به عليَّ؟
المُلْهَم : الإدراك الذي أنعم به عليك! يا لك من إنسانٍ صغير مغرور! كأنك أوَّلُ مُلحِدٍ يَضِلُّ بعقله الذي أفسدته الخطيئة!
المُبَرْهِن : أيها القدِّيس، وكذلك أنت لا تكون أوَّلَ خادعٍ يتخذ انتفاخَه دليلًا على رسالته.
المُلْهَم : ماذا! حتى الفلاسفةُ ينطقون بالإهانات!
المُبَرْهِن : أحيانًا، عندما يجعَل القديسون من أنفسهم قُدوَة.
المُلْهَم : وَيْ! أنا يَحقُّ لي أن أقول ذلك؛ فأنا أتكلم باسم الرب.
المُبَرْهِن : الأفضل أن تُبرِزَ حُجَجَك قبل أن تستعمل امتيازاتِك.
المُلْهَم : إن حُجَجي صحيحة، وتشهدُ الأرض والسموات لي، فاتَّبِع براهيني كما أطلب منك.
المُبَرْهِن : براهينك! أنت لا تُفكِّر فيها، ألَا يَعني تعليمي أن عقلي يُخادعني رفضًا لكلِّ ما يقول لي من أجْلك؟ وعلى كلِّ مَن يُريد رَدَّ العقل أن يُقنِعَ من غير أن ينتفع به، وذلك لنفترِضْ أنك أقنعتني بالبرهنة، فكيف أعرِف أن عقلي الفاسد بالخطيئة هو الذي يجعلني أوافقُ على ما تقول لي؟ ثُمَّ أيُّ دليلٍ وأيُّ برهانٍ يمكنك استعماله يكون أوضحَ من الأمر البَدَهيِّ الذي يجب عليه أن يَنْقُضَه؟ وكذلك إن مما يُمكِنُ تصديقُه أن يكون القياسُ المنطقيُّ الحسنُ أكثرَ كَذِبًا من كون الجزء أعظمَ من الكل.
المُلْهَم : يا للفَرْق! إن براهيني بلا جواب، وهي من نظامٍ خارق للطبيعة.
المُبَرْهِن : خارقٌ للطبيعة! ما معنى هذه الكلمة؟ لا أُدرِكه.
المُلْهَم : تغييرات في نظام الطبيعة، نبوءات، معجزات، عجائب من كلِّ نوع.
المُبَرْهِن : معجزات! عجائب! لم أرَ قَطُّ شيئًا من جميع هذا.
المُلْهَم : لقد رآه آخرون نيابةً عنك، جموعٌ من الشهود، شهادة أقوام.
المُبَرْهِن : هل شهادة الأقوام من النظام الخارق للطبيعة؟
المُلْهَم : كلَّا، وإنما تكون أمرًا لا مِرَاء فيه عندما تكون مُجمَعًا عليها.
المُبَرْهِن : لا شيء يكون أمرًا لا جِدَالَ فيه أكثرُ من مبادئ العقل، ولا يُمكِنُ قبولُ شيءٍ مُحالٍ بناءً على شهادة آدميين. ثُمَّ لنَرَ أدلَّتك الخارقة للطبيعة؛ وذلك لأن شهادة الجنس البشري ليست من هذه الأدلة.
المُلْهَم : أيها القلبُ القاسي، لا تخاطبك النعمة مطلقًا.
المُبَرْهِن : ليس هذا ذَنْبي؛ وذلك لأنك ترى أنه لا بُدَّ من سابق نَيْلٍ للنعمة حتى يُعْرَف طَلَبُها؛ ولذا فابدأ بمخاطبتي بدلًا منها.
المُلْهَم : آه! هذا ما أصنع، وأنت لا تستمع إليَّ، ولكن ما تقول عن النبوءات؟
المُبَرْهِن : إنَّ أوَّلَ ما أقولُ هو أنني لم أسمعْ عن النبوءات أكثرَ مما أبصرتُ عن المعجزات، ثُمَّ أقول إنه لا نبيَّ يستطيع أن يكون حجةً عليَّ.
المُلْهَم : أيْ عَونَ الشيطان! لِمَ لا تكون النبوءات حجةً عليك؟
المُبَرْهِن : ذلك لأن اتفاق تلك الحجةِ لها يستلزم ثلاثةَ أمورٍ يستحيل توافقُها، وهي أن أكون شاهدَ النبوءة، وأن أكون شاهدَ الحادثة، وأن يُثبَتَ لي أن هذه الحادثة لا تُطابق النبوءة عَرَضًا، وذلك أن النبوءة حتى عند كَونْها أكثرَ دقةً ووضوحًا وجلاءً من بَدَهيات الهندسة، لا يجعَل هذا الوضوحُ تمامَ النبوءة القائمة على المصادفة أمرًا مستحيلًا؛ فلا يُثبِتُ هذا التمامُ لدى وقوعِه شيئًا لمن تنبَّأ به حصرًا.

ورَوْا إذن إلى أيِّ شيءٍ تنتهي براهينُكم الخارقةُ للطبيعة المزعومة ومعجزاتكم ونبوءاتكم، إنها تنتهي إلى اعتقاد الجميع هذا استنادًا إلى إيمان الآخرين، وإخضاع سلطان الرب إذ يخاطب عقلي لسلطان النَّاس. وإذا أمكن الحقائقَ الأزليةَ التي يتمثَّلُها ذهني أن تُعاني عَنَتًا عاد لا يكون لديَّ أيُّ نوعٍ من اليقين، حتى إنني مع البُعدِ من الاطمئنان إلى أنكم تخاطبونني من ناحية الرب، لا أكون مطمئنًّا إلى وجوده.

وهذه مشاكلُ كثيرةٌ يا بُني، وليس هذا كلَّ شيء، ويوجَد بين كثيرٍ من مختلف الأديان، التي تَتهادَر وتَتهادم مبادلةً، دِينٌ واحدٌ طيِّبٌ عند وجود مثل هذا الدِّين، ولا يكفي لمعرفة هذا الدِّين أن يُدْرَسَ دينٌ واحد، بل أن تُدرَس جميعُ الأديان، ولا يجوز العِقابُ بلا سماعٍ في أيِّ موضوعٍ كان،٣٢ فيجبُ أن يُقابَل بين الاعتراضات والبيِّنات، ويَجِبُ أن يُعرَف ما يعترض به كلُّ واحدٍ على الآخرين، ويجب أن يُعرف الجواب، وكلَّما ظهر لنا ثبوتُ رأيٍ وَجَبَ أن نبحث عما يستند إليه كثيرٌ من النَّاس لكيلا يَرَوْه كما هو، ويَجِبُ أن يكون الإنسان بسيطًا ليعتقد كفايةَ سَماعِ علماء فريقه حتى يَكونَ على بيِّنَةٍ من براهين الفريق الآخر. وأين هم علماءُ اللاهوت الذين يُباهون بخُلُوص النية؟ وأين هم علماء اللاهوت الذين لا يَبدَءون بإضعاف براهين خصومهم رفضًا لها؟ وكلٌّ يَسْطَعُ في فريقه، ولكنَّ الذي يزهو بين فريقه ببراهينه يُعَدُّ بالغَ الغباوة بهذه البراهين بين رجال الفريق الآخر. وإذا أردتم أن تستقصوا في الكتب فما أكثرَ ما يجِبُ اكتسابُه من علمٍ! وما أكثرَ ما يجب تعلُّمه من لغات! وما أكثرَ ما يَجِبُ أن يُطالَع من مكتبات! وما أوْسعَ ما يجب القيام به من قراءة! ومَنْ يكون دليلًا لي في الاختيار؟ إنَّ من الصعب أن يوجَد في بلدٍ أحسنُ كتبِ الفريق المعاكس، وأصعبُ من ذلك وجودُ كتبِ جميع الأفْرِقاء، وهي إذا ما وُجِدَت رُدَّت من فَوْرها. ويُعَدُّ الغائب مخطئًا دائمًا، وتمحو البراهينُ السيئة التي تُقال مع التوكيد حَسَنَ البراهين مَحْوًا سهلًا مقرونًا بالاحتقار، وهذا إلى أنه لا شيءَ أكثرُ تضليلًا من الكتب في الغاب، فلا تُعبِّرُ هذه الكتب عن آراء مؤلِّفيها إلا نادرًا. وإذا أردتم أن تحْكُمُوا في المذهب الكاثوليكيِّ مستندين إلى كتاب بُوسُويه وجدْتم أنفسكم على خطأ بعد أن تعيشوا بيننا، وقد رأيتم أن المذهبَ الذي يُجَابُ به البُروتِستان ليس المذهبَ الذي يُلقَى على عامَّة النَّاس، وأن كتاب بُوسُويه لا يشابه دروس الوعظ مطلقًا، ولا ينبغي أن يُدْرَس الدِّين في كتب أتباعه لحُسن الحُكم فيه، وإنما يجب أن يُعْرَف عند هؤلاء الأتباع حيث يختلف عن ذاك كثيرًا، ولكلٍّ تقاليدُه وشعوره وعاداته ومُبْتَسَراته التي يتألَّف منها اعتقادُه، فيجب أن تُضاف إلى ذلك للحكم في ذلك.

وما أكثرَ الأممَ الكبرى التي لا تَطبَعُ كُتُبًا مطلقًا ولا تقرأ كُتُبَنا! وكيف تحكُم في آرائنا؟ وكيف نَحكُم في آرائها؟ ونحن نَضحك منها، وهي تزدرينا. وإذا كان سُيَّاحُنا يَسخرون منها، فإنها لا تحتاج لردِّ السخرية إلى غير السياحة بيننا. وأيُّ بلادٍ لا يوجد فيها أُناسٌ عقلاءُ مخلصون صالحون مُحِبُّون للحقيقة، فلا يحاولون معرفة الحقيقة ليجهروا بها؟ ومع ذلك فإن كلَّ واحدٍ يراها في دِينه ويَجِدُ أديانَ الأمم الأخرى مخالفةً للصواب؛ ولذا فإن هذه الأديانَ الأجنبية ليست من البُطلان بمقدارِ ظهورها لنا، أو إن ما نَجِدُ في أدياننا من برهانٍ لا يُثبِتُ شيئًا.

ولدينا ثلاثة أديانٍ مهمة في أوروبة؛ فأحدُها يقول بوحيٍ واحد، والثاني يقول بوحيَيْن، والثالث يقول بثلاثة، وكلٌّ منها يزدري الآخرَيْن ويلعنُهما ويتهمُها بالعَمَى والقسوة والعناد والكَذِب. وأيُّ إنسانٍ منصفٍ يَجرؤ على الحُكم بينها إذا لم يَزِنْ في أوَّل الأمر أدِلَّتها ويَسْمَعْ براهينها؟ والدِّين الذي لا يقول بغير وحيٍ واحدٍ هو أقدمُها، ويلوح أنه أكثرُها رُسوخًا، والدِّينُ الذي يقول بثلاثة هو أحدثُها، ويلوح أنه أكثرها منطقًا، وقد يكون الدِّين الذي يقول بوحيَيْن ويرفِض الثالثَ أحسنَها، ولكنه يُعارَض بجميع المُبْتَسَرات، فيبدو خُلوُّه من المنطق لكلِّ ذي عينَين.

والكتبُ المقدسة في التنازيل الثلاثة مسطورةٌ بلغاتٍ لا تَعْرِفُها الأمم التي تتَّبِعها؛ فعاد اليهودُ لا يفهَمون العِبرية، ولا يَفْهَمُ النصارى العبريةَ ولا اليونانية، ولا يفهم التركُ والفرسُ العربيةَ مطلقًا، حتى إن العرب المعاصرين أنفسَهم لا يتكلمون بلغةِ محمَّدٍ مُطلَقًا! أَوَليس من الغباوة أن يُعلَّمَ النَّاس ويُخاطَبوا دائمًا بلغةٍ لا يفقهونها مطلقًا؟ سيُقال إن هذه الكتبَ تُتَرْجَم، فيا له من جواب! فمَن الذي يُوَكِّدُ لي أن هذه الكتبَ تُرجِمَت بإخلاص، وأن من الممكن أن تُتَرْجم تَرْجَمةً صحيحة؟ وإذا كان الرَّبُّ قد تنازل إلى مخاطبة النَّاس، فلِمَ يحتاج إلى تُرْجمان؟

وما كنتُ لأتَصَوَّر مُطلَقًا كَوْنَ ما يُلزَم كلُّ إنسانٍ بمعرفته مَحجوزًا في كُتُب، وكونَ الذي لا يَصِلُ إلى هذه الكتب، ولا ينتهي إلى أُناسٍ يَفْهَمونها، يُعاقَبُ على جَهْلٍ غير اختياري، كتبٌ دائمًا. يا له من هَوَس! يَعُدُّ الأوروبيون الكتبَ أمرًا ضروريًّا لأن أوروبة مملوءةٌ بالكتب، وذلك من غير تفكيرٍ في أن ثلاثة أرباع العالم لم تَرَ كُتُبًا قَط. ألم تُكتَب الكتبُ كلُّها من قِبَل آدميين؟ وكيف يحتاج الإنسان إلى كُتُبٍ إذنْ حتى يَعْرف واجباته؟ وما الوسائل التي كان يَعْرِف بها هذه الواجبات قَبْلَ وَضْع هذه الكتب؟ إمَّا أن يكون قد تعلَّم واجباته من تلقاء نفسه، وإمَّا أن يكون قد أُعفيَ من تَعَلُّمها.

ويُحدِث الكاثوليك عندنا ضَجَّةً كبيرةً حَوْل سلطان الكنيسة، ولكن ما يَكسِبون من هذا إذا احتاجوا إلى جهازٍ عظيمٍ من البراهين لإقامة هذا السلطان احتياجَ النِّحَلِ الأخرى لإقامة مذهبها رأسًا؟ تحْكُم الكنيسة بأن لها حَقَّ الحُكْم، وهل أُثبِتَ هذا السلطان جيِّدًا؟ اخْرُجوا من هذا تَدْخُلُوا جميع مجادلاتنا.

أَوَتعرفون كثيرًا من النصارى كابَدوا مشقةَ البحث بعنايةٍ فيما أوْرَدَ اليهود من براهينَ ضِدَّهم؟ إذا حَدَث أن بعضَهم اطَّلَع على شيءٍ من ذلك كان ذلك في كتب النصارى، فيا لصلاح الأسلوب في تَعَلُّم براهين الخصم! ولكنْ كيف العمل؟ إذا حَدَثَ أن أَقْدَمَ بعضُهم على نشرِ كُتُبٍ تَسْتَحْسن اليهودية بيننا جَهْرًا عاقبْنا المؤلفَ والطابعَ والكُتُبيَّ٣٣ على ذلك؛ فهذه الضابطةُ ملائمةٌ وطيدةٌ لحيازة الحقِّ دائمًا، ومما تَقَرُّ به العينُ أن يُرْفض مَن لا يَجْرءون على الكلام.

وليس أحسنَ من ذلك مُطلَقًا حالُ الذين أُتيحت لهم من بيننا فرصةُ محادثة اليهود؛ فهؤلاء التعساء يَشْعُرون بأنهم تابعون لسلطاننا، وما يُمارَسُ نحوهم من طغيانٍ يجعلهم خائفين، وهم يَعْرِفون مَبْلَغَ عدمِ اكتراث البرِّ النصرانيِّ للظلم والقسوة، وما يُقْدِمون على قوله من غير أن يُعَرِّضوا أنفسهم لتُهمَة التجديف؟ وما نحن عليه من الطمع يوحي إلينا بالغَيرة، وما هم عليه من الثراء يجعلهم مذنبين. ويبدو أكثرُهم علمًا وثقافةً أكثرَهم تحفُّظًا. وأنتم تُحوِّلون بعض البائسين عن دينهم، وأنتم تدفعون إليهم من المال ما يَفتَرون في مقابله عن مِلَّتهم، وأنتم تَحْمِلون على الكلام بعضَ الساقطين الأدْنياء الذين يُذْعنون نِفاقًا لكم، وأنتم تفوزون على جهالتهم ونذالتهم، وذلك على حين يتبسَّم علماؤهم صامتِين من بلاهتكم. ولكنْ أتظنون أن من السهل أن تُصيبوا منهم نَيْلًا في الأماكن التي يشعُرون فيها بأنهم في أمان؟ ومن الجليِّ في السوربون أن نبوءات المسيح ترجع إلى يسوع، ومن الجليِّ عند رَبَّانِّيي أمستردام أن هذه النبوءات لا ترجع إليه مطلقًا، ولا أظُنُّني استمعت إلى براهين اليهود الذين لا تُوجَدُ لهم دولةٌ حُرَّة ولا مدارسُ وجامعاتٌ يستطيعون أن يتكلموا فيها ويناقِشوا بلا خَطَر، وهنالك فقط يُمكِنُنا أن نعرف ما لديهم أن يقولوا.

ويُدلي التُّركُ بأدلَّتهم في الآستانة، ولكن من غير أن نجرؤ على الإدلاء بما لدينا؛ فهناك دورنا في التمسكُن. وإذا كان الترك يطالبوننا بأن نحترم مُحَمَّدًا الذي لا نؤمن به مطلقًا، كما نطالب اليهودَ بأن يحترموا يَسوعَ المسيحَ الذي لا يؤمنون به أيضًا، فهل يُعَدُّون مُخطئين؟ وهل الحقُّ بجانبنا، وإلى أيِّ مبدأ عادلٍ نستند في حلِّ هذه المسألة؟

وليس ثُلُثَا الجنس البشريِّ يهودًا ولا مسلمين ولا نصارى، وما أكثرَ ملايينَ الآدميين الذين لم يَسْمَعوا باسم موسى وعيسى ومحمد! وهم يُنكِرون ذلك، ومما يُقرَّرُ كونُ مُبشِّرينا يذهبون إلى كلِّ مكان، وهذا ما يُقال حالًا، ولكن هل يذهبون إلى أواسط أفريقية التي لا تزالُ مجهولة، والتي لم يَرُدْها أيُّ أوروبيٍّ حتى الآن؟ وهل يذهبون إلى أواسط بلاد التتر مُتتَبِّعين على ظهور الخيل قبائلَ لا يدنو منها أجنبيٌّ مطلقًا، قبائلَ لا تكاد تَعْرف كاهنَها الأكبر، فضلًا عن سماعها باسم البابا؟ وهل يذهَبون إلى قارات أمريكة الواسعة المشتملة على أقوامٍ بكاملهم لا يزالون يجهلون وجودَ أُممٍ من العالم الآخر قد وطِئتْ عالَمهم؟ وهل يَذْهبون إلى بلاد اليابان التي أسفرت دسائسُهم عن طردهم منها إلى الأبد، والتي لم يُعْرَف أسلافُهم فيها من قِبَلِ أجيالٍ تنشأ إلا حاكَةَ مكايدَ أتَوْا حاملين غيرةً ذات رِئاء للاستيلاء على الإمبراطورية برفق؟ وهل يذهبون إلى دوائر الحريم لدى أمراء آسية لتبشير ألوف العبيد المساكين بالإنجيل؟ وما صنع نساء ذلك القِسْم من العالَم حتى لا يستطيعَ أيُّ مُبشِّرٍ أن يَعِظهن بالإيمان؟ أَوَيذهبْن جميعًا إلى جهنم لِما كان من عَزْلِهِن؟

وإذا ما ثَبَتَ تبليغُ الإنجيل في جميعِ العالَم، فما يكون كَسْبُ ذلك؟ إن مما يَحدُث عشيَّةَ وصول أوَّل مُبَشِّرٍ إلى بلدٍ موتَ إنسانٍ فيه لم يتمَكَّن من سماعه لا رَيب، فقولوا لي ما نفعل بهذا الإنسانِ الآن؟ إذا لم يُوجَد في جميع العالَم غيرُ إنسانُ واحدٍ لم يُبَشَّر بيسوع المسيح كانت قوةُ الاعتراض من حيث هذا الإنسان وحدَه كقوة الاعتراض من حيث ربعُ الجنس البشري.

وإذا ما سَمَّعَ المبشِّرون بالإنجيل أنفسَهم للأمم البعيدة، فما يقولون لهم من قولٍ يُمكِن قبوله كما يَجِبُ استنادًا إلى كلامٍ منهم لا يتطلَّبُ أدقَّ تحقيق؟ وأنتم تُنبِئوني بإلهٍ وُلِد ومات منذ ألفَي سنةٍ في الطَّرَف الآخر من العالَم، في مدينةٍ صغيرةٍ ما لا أعرِفها، وأنتم تقولون لي إنه سيُحكَم بالهلاك الأبدي على كلِّ مَن لا يؤمن بهذا السرِّ الخفي؛ فهذه أمورٌ غريبةٌ لا يُبادر إلى اعتقادها استنادًا إلى روايةِ رجلٍ لا أعْرِفه مطلقًا! ولِمَ أحدَثَ إلَهُكم، على ذلك البُعد منِّي، أُمورًا أراد إلزامي بأن أكون عارفًا بها؟ وهل من الإجرام أنْ أجْهل ما يقعُ في الناحية المقابلة من الكرة الأرضية؟ وهل أستطيع أن أتنبَّأ بوجودِ شعبٍ عِبْريٍّ وبمدينةٍ تُدْعى أورشليمَ في النصف الآخر من الكرة الأرضية؟ يَعدِل هذا إجباري على معرفةِ ما يَقَعُ في القمر! تقولون إنكم آتون لتعليمي إياه، ولكن لِمَ لمْ تأتوا لتعليم أبي إياه؟ أوْ لِمَ تحكُمُون بالهلاك الأبديِّ على هذا الشيخ الصالح لعدم معرفته شيئًا عن ذلك مطلقًا؟ وهل يجبُ أن يُعاقَبَ عِقابًا أبديًّا من أجل كسلكم مع أنه كان بالغ الصلاح كثير الإحسان، فلا يَبْحَثُ عن غير الحقيقة؟ تَذَرَّعوا بحُسن النية، ثُمَّ ضعُوا نفسَكم في مكاني، ورَوْا: هل أنا ملزمٌ، استنادًا إلى شهادتكم وحدَها، بأن أعتقد جميعَ ما تقولون لي من أمورٍ لا تُصدَّق، وبأن أوَفِّق بين كثيرٍ من المظالمِ وبين الربِّ العادل الذي تُخبِرونني به؟ تفضَّلوا بتركي أذهَبُ لأرى ذلك البلد البعيد الذي يقَعُ فيه كثيرٌ من العجائب لا عهدَ لهذا البلد بها، ولأعلمَ السببَ في كونِ أهلِ أورشَليمَ عاملوا الرب مثلَ قُطَّاع الطرق، وأنتم تقولون لي إنهم لم يعترفوا بأنه إله، وما أصنع إذن أنا الذي لم يسمع حديثًا عنه بغير واسطتكم؟ وأنتم تقولون لي إنهم عُوقِبوا، ومُزِّقوا كُلَّ ممزَّق، واضطُهِدوا، وعُبِّدوا، فلا يستطيع أحدٌ منهم أن يدنوَ من تلك المدينة. أجلْ، إنهم استحقُّوا جميعَ هذا، ولكن ما يقول أهلوها اليومَ عن قتل إله أسلافهم المتجسِّد؟ إنهم يُنكِرونه، إنهم لا يعترفون بالربِّ ربًّا، إنهم ليسوا إذنْ خيرًا من أبناء السكان الأصليين.

ماذا! في تلك المدينة نفسها؛ حيث مات الرب، لم يعترف القدماءُ ولا المعاصرون بهذا الرب قَط، ثُمَّ تريدون أن أعترف به أنا الذي وُلِد بعده بألفي عامٍ وعلى بُعد ألفي فرسخٍ من هناك! ألَا ترون أنه يجب عليَّ قبل تصديق هذا الكتاب الذي تُسمُّونه مُقدَّسًا، والذي لا أفقه منه شيئًا، أن أعْرِف مِن غيركم متى وُضِع، ومَن وضَعَه، وكيف حُفِظ، وكيف انتهى إليكم، وما يقولون عنه في البلاد التي ترفِضه، وما أسباب رفضهم إياه، وإن كانوا يَعْرِفون مثلما تَعْرِفون جميعَ الذي تُلقِّنونني إياه؟ أنتم تشعرون جيِّدًا بأن الضرورة تقضي بأن أذهب إلى أوروبة وآسية وفلسطين لفحص كلِّ شيءٍ بنفسي؛ فمن الحماقة أن أستمع إليكم قبل ذاك الحين.

ولا يبدو لي هذا المقالُ معقولًا فقط، وإنما أذهبُ إلى أن كلَّ إنسانٍ عاقلٍ مُكلَّفٌ في مثل هذه الحال بأن يتكلم هكذا، وبأن يُقصي المُبشِّرَ الذي يريد قبل تمحيص الأدلة، تعليمَه وتعميدَه، وأذهبُ كما هو الواقع إلى أنه لا يُوجَدُ وحيٌ لا يُوجَّهُ إليه من الاعتراضات الشديدة نفسِها كما يُوجَّه إلى النصرانية؛ ومِنْ ثَمَّ يُرَى أنه إذا كان لا يُوجَدُ غيرُ دينٍ حقيقيٍّ واحد، وأن كلَّ إنسانٍ مُلزَمٌ باتِّباعه خَلَاصًا من الهلاك الأبدي، فإنه يجب عليه أن يقضي حياتَه في دراسة جميع تلك الأديان والتعمُّق فيها والمقابلة بينها، وفي جَوْب البلاد التي قامت فيها. ولا أحدَ مُعفًى من واجبِ الإنسانِ الأوَّل، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يعتمد على حُكْم الآخرين، ويجب على الصانع الذي لا يعيش من غير عمله، والحارثِ الذي لا يَعْرِف القراءة، والفتاة الغيداء الهيُوب، والعليلِ الذي لا يكاد يقدِر على مغادرة فراشه؛ يجب على هؤلاء جميعًا، يجب على هؤلاء بلا استثناءٍ أن يدرُسوا ويُفكِّروا ويجادلوا ويسافروا ويطوفوا في العالم، فيعودُ لا يوجدُ من الأمم ما هو مستقرٌّ ثابت، ولا تُصبحُ الأرضُ غيرَ مستورة بالحجيج الذاهبين بنفقاتٍ عظيمةٍ والمحتملين متاعبَ طويلةً للتحقيق والمقابلة والبحث فيما يَجِدُون من مختلف الأديان. وهنالك قُل على المِهَن والفنون والعلوم الإنسانية وجميعِ الأشاغيل المدنية العَفَاء، وهنالك لا يُمكِنُ أن يكون من الدراسات غيرُ دراسة الدِّين، وهنالك يصعُب جِدًّا على الذي يتمتَّع بأحسنِ صحة، ويكون خيرَ مَن يستَعمل وقتَه وأفضلَ مَنْ يستخدم عقلَه ويُعمِّرُ أكثرَ من غيره، أن يَعْرِف أين هو في مَشيبه، فيكونُ من دواعي الحيرة أن يَعلَم قَبْلَ موته أيُّ الأديان كان يجب أن يعيش عليه.

وهل تريدون أن تُلطِّفوا هذا المنهاج فتوجبوا قليلَ سلطانٍ للناس؟ وهنالك تَرُدُّون إليه كلَّ شيء. وإذا كان ابن النصرانيِّ يصنعَ خيرًا حين يتَّبِعُ دينَ أبيه بلا درسٍ عميقٍ خالٍ من الغرض، فَلِمَ يَصنَع ابن التركي سوءًا حين يتَّبع دينَ أبيه أيضًا؟ أتحدَّى جميع المتعصبين بأن يجيبوا عن هذا بشيءٍ يَرضَى عنه الرجل العاقل.

وتَثقُلُ وطأةُ هذه البراهين، فيُفضِّلُ بعضُ النَّاس جعلَ الربِّ جائرًا يجازي الأبرياء من أجلِ ذنبٍ اقترفَه أبوهم على الارتداد عن عقيدتهم الجافية، ويَخرُجُ آخرون من الوَرطة بأن يُرسِلوا بمعروفٍ مَلَكًا يُعَلِّم مَن عاشوا حَسَني الأخلاق مع جَهْلٍ مُطبِقٍ. فيا لروعةِ إبداعِ هذا الملك! إنهم لم يَكتَفُوا بتعبيدنا لآلاتهم، فجعلوا الربَّ نفسه يستعملها عن وُجوبٍ.

وانْظُرْ، يا بنيَّ، أيُّ مُحالٍ يؤدِّي إليه الزَّهْوُ والتعصُّبُ حينما يُريدُ كلُّ واحدٍ أن يكون النَّاسُ على رأيه، وحينما يَظُنُّ أنه ذو حقٍّ على بقية الجنس البشريِّ حَصْرًا، وأتَّخذ رَبَّ السلامِ الذي أعبُدُ وأبشِّرُكم به شاهدًا على إخلاصي في جميع مباحثي، ولكنني إذ أراها كانت — وتكون دائمًا — بلا توفيق، ولكني إذ أراني أَغْرقُ في بحرٍ محيطٍ لا حَدَّ له، فإنني أرْجع القهقرَى وأحْصُرُ إيماني ضمنَ مبادئي الابتدائية. ولم أستطِع قَطُّ أن أعتقدَ أن الربَّ أمرني أن أكونَ حائزًا مثلَ ذاك العلم، جاعلًا جهنَّمَ جزاءَ مخالفتي؛ ولذا فقد أغلقتُ جميعَ الكتب، ولم يَبْقَ منها غيرُ واحدٍ مُفَتَّحٍ لجميع العيون، وهو كتابُ الطبيعة؛ ففي هذا الكتاب العظيم الرفيع أتعلَّمُ عبادةَ صانعهِ الإلهي والقيامَ بشعائره، ولا يُعذَر أحدٌ على عدمِ القراءة فيه؛ وذلك لأنه يخاطب النَّاسَ بلغةٍ تفهَمُها جميعُ الأذهان. وإذا ما وُلِدتُ في جزيرةٍ قفر، وإذا لم يقع نظري قَطُّ على إنسانٍ آخرَ غيري، وإذا لم أعْلَم قَطُّ ما حدثَ قديمًا في زاويةٍ ما من العالم، وإذا ما أعملتُ عقلي، وإذا ما تعهدتُه، وإذا ما أحسنتُ استعمالَ المواهب المباشرة التي أنعمَ الربُّ بها عليَّ، تعلَّمتُ من تلقاء نفسي أن أعرِفَه، وأن أُحبَّه، وأن أحبَّ أعماله، وأن أريدَ الخيرَ الذي يريد، وأن أقومَ بجميع واجباتي في الأرضِ نَيْلًا لرضاه، وما يُمكن جميعَ عِلْمِ النَّاس أن يُعلِّمَني أكثرَ من ذاك؟

وأمَّا من ناحيةِ الوحي، فإذا ما كنتُ أَحْسنَ برهنةً وأصلحَ معرفة، فمن المحتملِ أن أشعرَ بحقيقته، وبنفعه لمن كُتِبَت لهم سعادةُ قبوله. ولكني إذا ما أبصرتُ أدلَّةً ملائمةً له لا أستطيع مكافحتها، فإنني أرى ضدَّه أيضًا اعتراضاتٍ لا أستطيع حلَّها، وتوجد براهينُ متينةٌ موافقةٌ ومخالفةٌ لا أعْرِف إلى أيِّها أنحاز، فلا أعترفُ به ولا أرفِضُه. ولكنَّ الذي أرفِضُ هو الإلزام بقبوله؛ وذلك لأن هذا الإلزام المزعوم منافٍ لعدل الرب، بعيدٌ من رفع موانع النجاة، مُكَثِّرٌ لها، جاعلٌ إياها منيعةً لدى معظمِ الجنس البشري، وإذا عدوتَ هذا وجدْتَني مرتابًا ارتيابَ توقيرٍ عند هذه النقطة، وليس لديَّ من الخُيَلاء ما أظنُّني معه معصومًا من الخطأ، وقد أمكن أُناسًا آخرين أن يُقرِّروا ما يَظهر لي أنه غيرُ مُقرَّر؛ فأنا أُبرهِنُ من أجلِ نفسي، لا من أجلهم، ولا ألُومُهم، ولا أقلِّدُهم، وقد يكون حُكْمهم أفضلَ من حُكْمي، ولكنْ لا يَقَعُ الذَّنب عليَّ في عدمِ موافقة حكمي لحكُمِهم.

وأعترفُ لكم أيضًا بأنني أَعْجَبُ بجَلالِ الكُتُب المقدَّسة، وبأن قداسةَ الإنجيلِ تخاطبُ فؤادي. وانظروا إلى كتب الفلاسفة مع جميع فخامتها تَرَوا مقدارَ تصاغُرها بجانبِ ذاك. أَوَليس من الممكن أن يكون أحدُ الكتبِ رفيعًا بسيطًا معًا، وأن يكونَ مِن وضْعِ النَّاس؟ أَوَليس من الممكن أن يكون ذاك الذي يشتمل على قصَّته هذا الكتابُ بشرًا؟ وهل تلك اللهجةُ لهجةُ مُتحَمِّسٍ أو متعصِّبٍ طَمُوح؟ يا للرفْقِ والنقاءِ في أخلاقه! ويا للطلاوةِ المؤثِّرةِ في تعاليمه! ويا للسُّموِّ في أمثاله! ويا للحكمةِ البالغةِ في أقواله! ويا لثباتِ الجَنانِ والرقةِ والسدادِ في أجوبته! ويا لسلطانِه على أهوائه! وأين الرجل، وأين الحكيم، الذي يَعْرِف أن يسيرَ ويألَمَ ويموتَ من غير ضَعفٍ ولا افتخار؟ عندما وَصف أفلاطونُ رَجُلَه الصالحَ الخياليَّ الذي غُمِرَ بكلِّ ما في الجنايةِ من عارٍ، والذي هو أهلٌ لكل جائزةٍ عن الفضيلة، وَصَف يسوعَ وصفًا دقيقًا، وقد بلغ وجهُ الشبهِ بينهما ما شَعَرَ به جميعُ آباء الكنيسة، وما يتعذَّر على الإنسان أن يُخدَع معه. وأيُّ مُبتَسَر، وأيُّ عمًى، لا يكون حتمًا في الإقدام على المقارنةِ بين ابنِ سُفْرُونِسْكا وابنِ مريم؟ ويا لَبُعدِ ما بينهما! لقد سَهُل على سُقْراطَ أن يحافظ على جلاله حتى النهاية، فمات بلا ألمٍ ولا عارٍ. ولو لم يُشَرِّف هذا الموتُ الهَيِّنُ حياتَه لساورت النفوسَ ظُنونٌ بأن سقرطَ ليس غيرَ سُوفِسْطائيٍّ مع ما كان عليه من عقل. ويُروى أنه واضعُ علمِ الأخلاق، وعلمُ الأخلاقِ ما طَبَّقه آخرون قبله؛ فهو لم يَصنعْ غيرَ قولِ ما كانوا قد فعلوا، وهو لم يصنعْ غيرَ صَوْغِ أمثلتِهم في دروس. وقد كان أرِيستيدُ عادلًا قبل أن يُحدِّث سقراطُ عن العدل، وقد مات لِئُونِيدَاسُ في سبيل بلده قبلَ أن يجعل سُقْراطُ من حُبِّ الوطن واجبًا. وقد كانت إسبارطة قانعةً قبل أن يُثنيَ سقراطُ على القناعة، وقد كانت بلاد اليونان زاخرةً بذوي الفضل قبل أن يُعَرِّف سقراطُ الفضيلة. ولكنْ أين تَلقَّى يسوعُ عند ذويه تلك الأخلاقَ النقيةَ العاليةَ التي ألقى وحدَه دروسَها ومَثَلَها؟٣٤ وتُسمِعُ أرفعُ الحكمةِ نفسَها في سواءِ التعصُّب الصائل وتُمجِّدُ بساطةُ أقربِ الفضائلِ إلى البطولةِ أحقرَ النَّاسِ كلِّهم. ويُعَدُّ موتُ سقراطَ وهو يتفلسفُ هادئًا بين أصدقائه ألطفَ ما يُمكن أن يُرغَب فيه، ويُعَدُّ موتُ يسوعَ وهو يقضي أجلَه في الآلام بين الإهانة والسخرية واللعنة من قِبَل جميعِ الشعبِ أفظعَ ما يُمكِن أن يُخشى. وتناول سقراطُ كأسَ السُّمِّ شاكرًا لمن قدَّمها إليه وهو يبكي، ودعا يسوعُ لجلَّاديه الضواري بين نَكالٍ هائلٍ. أجلْ، إذا كان مَحْيَا سقراطَ ومماتُه جديرَيْن بحكيم، فإنَّ حياةَ يسوعَ وموتَه خَليقان بإله، وهل نقول إنَّ قصة الإنجيل مِن صُنْعِ الخيال؟ أيْ صديقي، لا يقع الاختلاقُ هكذا، وقد كانت أعمالُ سقراطَ التي لا يَشُكُّ فيها أحدٌ أقلَّ من أعمال يسوعَ المسيح مشاهدةً من قِبَل النَّاس، وفي الأساس يعني هذا تأخيرًا للمشكلة من غير هَدْمٍ لها، ويكون اتفاقُ أُناسٍ كثير على اختلاق ذلك الكتاب أكثرَ عدمَ تصوُّرٍ مِن أن يُزَوِّدَ موضوعَه رجلٌ واحد، وما كان مؤلفو اليهود ليقدِروا على إيجاد مثل تلك اللهجة ولا ذلك الأدب. ويتصف الإنجيل بصفاتٍ بالغةٍ من الحقيقة ووقفِ النظر وتَعَذُّرِ التقليد ما يكون معه مُختَلِقُه أدعى إلى العجب من بَطَلِه، ومع ذلك فإن هذا الإنجيلَ نفسَه مملوءٌ بأمورٍ لا تُصدَّق، بأمورٍ يرفِضُها العقلُ فيستحيل على كلِّ ذي عقلٍ أن يتصوَّرها وأن يقبلها. وما يُعْمَلُ بين جميع هذه المتناقضات؟ أن يكون الإنسانُ دائمًا معتدلًا مُحترزًا يا بني، فيحترمَ صامتًا ما لا يستطيعُ رفضَه ولا فهْمَه، وأن يتواضع أمام الموجود الأعظم الذي يَعْرِف الحقيقة وحدَه.

وذلك هو الشكُّ غير الاختياري الذي بقيتُ عنده، بَيْدَ أن هذا الشك لم يكن شاقًّا عليَّ قَط، وذلك لعدم امتداده إلى نِقَاط العمل الجوهرية، ولأنني قضيتُ في أمر المبادئ حَوْل جميع واجباتي. وأعبُدُ الله ببساطة قلبي، ولا أحاول معرفةَ غيرِ ما يُهِمُّ سلوكي. وأمَّا العقائدُ التي لا تؤثِّرُ في الأعمال ولا في الأخلاق، والتي تُقلِقُ بالَ كثيرٍ من النَّاس، فلا أُبالي بها مطلقًا، وأَعُدُّ جميعَ الأديان الخاصة نُظُمًا نافعةً تأمر في كلِّ بلدٍ بطرازٍ نمطيٍّ واحدٍ في تمجيد الربِّ بعبادةٍ عامة. ويُمكِن أن تكون لها أسبابُها في الإقليم أو الحكومة أو عبقرية القوم أو في عاملٍ محليٍّ آخرَ يجعل أحدَها أوْلَى من الآخر على حسب الأزمنة والأمكنة، وأعتقد أنها كلَّها صالحةً إذا ما عُبِدَ الله بها عبادةً لائقة. وعبادةُ القلب هي العبادة الجوهرية، وما كان الله ليرفِضَ طاعةً مهمَا كان الشكلُ الذي تُقدَّم به إذا ما كانت خالصة. وإذا ما دُعيت إلى تعبُّد الكنيسة وَفْقَ الدِّين الذي أُعلِن، فإنني أُتِمُّ فيها ما أُمِرتُ به من عنايةٍ بكلِّ ما يُمكن من إتقان، ويؤنِّبني ضميري إذا ما قَصَّرْتُ في أيِّ شيءٍ من ذلك قصدًا. وقد نِلْت، كما تعلم، بحُظوةٍ لَدُنْ مسيو دومِلَّاريد، وبعد منعٍ كَنَسِيٍّ طويل، إجازةً باسترداد وظائفي مساعدةً لي على العيش، وقديمًا كنت أقوم بالقُدَّاسِ برشاقةٍ يُنتَفعُ بها مع الوقت في الأمور المهمة إذا ما كُرِّرَت غالبًا، وما فتئتُ منذ مبادئي الجديدة أقُومُ به مع أعظم تكريم. وقد أُشبِعْتُ من جلال الكائن الأعلى ومن وجوده، ومن نَقْص الذهن البشري الذي هو قليل الإدراك لما يتعلَّق بصانعه. وإني إذ أراني حاملًا له أدعية النَّاس على شكلٍ مُقرَّر، أتَّبعُ جميعَ الطقوس بعناية، وأرتِّل بانتباه، وأسعى في عدمِ إهمالِ أقلِّ كلمةٍ ولا إغفالِ أيٍّ من الشعائر، ومتى حان وقتُ التقديس جمعتُ حواسِّي لأقوم به وَفْقَ جميع مراسيم الكنيسة وعظمة التقديس، فأسعى في إلغاء عقلي أمام العقل الأعلى، وأقول في نفسي: مَن أنت حتى تقيسَ القدرةَ التي لا حدَّ لها؟ وأنطقُ مع الاحترام بكلمات السرِّ المُقدَّس، وأُعيرُ عملها كلَّ ما يُمكِن منحُه من اعتماد. ومهما يكن من أمرِ هذا السرِّ الذي لا يُدرَك، فإنني لا أخشى أن أُجازى يوم الحساب على أنني امتهنته في فؤادي.

وقد شُرِّفْتُ بالكَهنوت، وإن كان ذلك في المرتبة الأخيرة، فلا أفعل شيئًا ولا أقول شيئًا يُمكن أن يجعلني غيرَ أهلٍ للقيام بواجباته العالية، وسأعِظُ النَّاسَ بالفضيلة دائمًا، وسأحرِّضهم على فعل الخير دائمًا، وسأجعل نفسي قُدوةً لهم في ذلك ما استطعت، وليس من شأني أن أجعل الدِّين محبوبًا لديهم، وليس من شأني أن أُثَبِّتَ إيمانهم في العقائد النافعة حقًّا، والتي يُلزَم كلُّ إنسانٍ باعتقادها. ولكنْ معاذَ الله أن أعِظَهم بعقيدة التعصُّب الجافية، ولكنْ معاذ الله أن أَحمِلَهم على ازدراء جارهم، وأن أقول للآخرين: سيُحكم عليكم بالهلاك الأبدي، ولا نجاةَ خارجَ الكنيسة.٣٥ ولو كنتُ في مرتبةٍ أكثرَ امتيازًا لأمكَن هذا التحفُّظَ أن يجذِبَ إليَّ أمورًا، ولكنني من صِغَر الشأنِ ما لا يُوجَد معه ما أخشاه كثيرًا، ولا يمكن أن أَسقُطَ إلى أسفلَ ممَّا أنا عليه مطلقًا، ومهمَا يَحدُث فإنني لن أُجَدِّف على العدل الإلهي، ولن أفتريَ على الروح القُدُس.

وقد رغبتُ زمنًا طويلًا في أن أنالَ شرفَ نَصْبي خُوريًّا، ولا أزال راغبًا في ذلك، ولكنني عُدْتُ لا آمُلُ ذلك. ولا أجِد، يا صديقي العزيز، ما هو أجمَلُ من مَنصِب الخورِي؛ فالخوريُّ الصالحُ هو وكيلُ الحِلْم كما أن الحاكم الصالح وكيلُ العدل، وليس لدى الخوريِّ من شرٍّ يَصْنَع، وإذا كان لا يستطيع أن يَصْنَع الخيرَ بنفسه دائمًا فإن التماسَه له يكون في محلِّه، وهو يفوز به غالبًا متى عَرَف أن يُحتَرَم. آه! لو كنتُ في جبالنا صاحبًا لِخَوْرَنِيَّةٍ أخْدِمُ رجالَها الصالحين لكنتُ سعيدًا إذن؛ وذلك لأنني أكون كما يلوح لي سببَ سعادة ساكنيها. أجلْ، إنني لا أجعلهم أغنياء، ولكنني أشاطرهم فقرهم، وأنْزِع منهم العيبَ والازدراءَ اللذين هما أشدُّ وطْأً من العَوَز، وأُحبِّبُ إليهم الاتفاقَ والمساواةَ اللذين يَطْرُدان البؤسَ غالبًا، ويجْعلانه أمرًا محتملًا دائمًا، ومتى رأَوْا أنني لا أكون أحسن حالًا منهما في شيء، وأنني أعيشُ قَنُوعًا مع ذلك، تعلَّموا أن يَتعزَّوْا عن نصيبهم وأن يعيشوا قُنُعًا مِثْلي، وأكونُ في تعاليمي أقلَّ ارتباطًا في روح الكنيسة مما في روح الإنجيل حيث العقيدةُ بسيطةٌ والأدبُ رفيع، وحيث تَقِلُّ الطقوسُ الدينية وتَكثُر أعمالُ التقوى، وأبذُل جُهدي في القيام بما يَجِبُ أن يُعمَل قبل أن أُعَلِّمَهم إياه، وذلك ليرَوا جيِّدًا أنني أُفكِّر في جميع ما أقول لهم. ولو وُجِد في جِواري أو في خَورَنِيَّتي بروتستانٌ ما مِزْتُهم من سكانِها مطلقًا، وذلك في كلِّ ما يتعلق بالبِرِّ النصراني، وأحمِلُهم كذلك على التحابِّ وعلى عَدِّ أنفسهم إخوة، وعلى احترام جميع الأديان وعلى عيشِ كلِّ واحدٍ منهم مطمئنًّا في دينه. وأرى أن ترغيبَ الواحد في ترْك الدِّين الذي وُلِدَ فيه ينطوي على ترغيبه في الإساءة؛ ومِنْ ثَمَّ في إساءة نفسه. ولنحافظْ على النظام العام منتظرين بصائرَ أعظمَ مما اتَّفَق، ولنحترمِ القوانين في كلِّ بلد، ولا نُكدِّرْ صفوَ العبادة التي تأمُر بها، ولا نَحمل المواطنين على العِصيان مطلقًا؛ وذلك لأننا لا نعلم علمَ اليقين هل من الخير لهم أن يَتركوا آراءهم مُتحَوِّلين إلى غيرها، كما أننا نَعْرِف أن من المُحقَّق وجودَ شرٍّ في التمرُّد على القوانين.

والآن يا صديقي الشاب قد سَرَدْتُ لك مجاهرًا عقيدتي كما يَقْرؤها الربُّ في قلبي، وأنت أوَّلُ مَن صنعتُ له ذلك، وقد تكون الوحيدَ الذي أصنَع له ذلك. ومما لا يجوزُ مطلقًا، ما بقيَ اعتقادٌ حسنٌ بيننا، أن يُعكَّرَ ذوو النفوس الهادئة، وأن يُكدَّرَ إيمانُ البسطاء بمشاكلَ لا يستطيعون حلَّها، فتُقلِقُ بالَهم من غير أن تُنِيرَهم، ولكن إذا ما ارتجَّ كلُّ شيءٍ مرَّةً وجبَ حِفْظُ الساق على حساب الأغصان، ولا غَرْو؛ فإن الضمائرَ المضطربة القَلِقة الخامدة تقريبًا في الحال التي وَجَدْتُ عليها ضميرَك تحتاج إلى تقويةٍ وإيقاظ، ويجِبُ لإعادة قيامها على أساس الحقائق الخالدة أن يَتِمَّ خَلْعُ الأركانِ المذبذبةِ التي لا تزال تَرى الاستمساكَ بها.

وأنت في الدَّوْر الخَطِر من العُمُر حيث تتفتَّحُ الروح لليقين، وحيث يأخذ القلب شكله وطابعه، وحيث يُقرَّرُ لِمَدَى الحياة سُلوكُ سبيلِ الخيرِ أو سبيلِ الشَّر، ثُمَّ يتصلَّب العنصرُ وتعودُ السمات الجديدة لا تؤثِّر أبدًا. فيا أيها الفتى، تلقَّ في نَفْسِك المَرِنة بَعْدُ طابعَ الحقيقة، ولو كنتُ أكثرَ ثقةً بنفسي لاتخذتُ معك طَوْرًا اعتقاديًّا حازمًا، ولكني رجلٌ غافلٌ عُرْضةٌ للخطأ. وما أستطيع أن أصنع؟ لقد فتحتُ لك قلبي بلا تحفُّظ، وحدَّثْتُك عمَّا أراه صحيحًا كما هو، وأعربتُ لك عن شكوكي كشُكوك، وأعربتُ لك عن آرائي كآراء، وبيَّنتُ لك أسبابَ شكِّي واعتقادي، والآن عليك أن تحكم؛ فقد استمهلتني، وكان هذا احترازًا حكيمًا جعلني أفكِّر فيك وأبدأ بوضع ضميرِك في حالٍ يُريدُ معها أن يُنوَّر، وكُن مخلِصًا نحوَ نفسك، وانتحِل من آرائي ما يُقْنِعُك واطرح البقية. ولم تَبلُغْ من الفساد بالعيب بَعْدُ ما تقعُ معه في خَطَرِ سوء الاختيار، وأقترح أن نتحادثَ في ذلك بيننا، ولكن إذا ما وَقَعَ الجدلُ حَمِيَ الوطيسُ ومازَجَ الزهوُ والعنادُ ذلك، وعاد حُسْنُ النية لا يكون. ولا تُجادِل، يا صديقي، مُطلَقًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يُنيرُ نفسه ولا غيره بالجدال، وأمَّا أنا فلم أعزِم إلا بعد تفكيرِ سنينَ كثيرة، وأقِفُ هناك مستريحَ الضمير هادئَ البال. ولو أردتُ أن أستأنف البحثَ في مشاعري ما انتهيتُ إلى حُبٍّ للحقيقة أكثرَ صفاء، ويكون ذهني الذي غدَا أقلَّ نشاطًا دون الحال الذي يَعرِفُها فيه، وأبقى كما أنا عليه، وذلك خشيةَ أن يؤدي ذوقُ التأمُّل، إذ يَصِيرُ هَوًى عاطلًا، إلى فُتوري في ممارسة واجباتي، وخشيةَ الوقوع ثانيةً في شكِّي الأوَّل من غير أن أجِدَ قدرةً على الخروج منه، وقد مَضَى أكثرُ من نصف حياتي، وعاد لا يكون لديَّ غيرُ ما يَجِبُ من وقتٍ للانتفاع ببقية حياتي، ولأمحوَ خطيئاتي بفضائلي، وإذا ما خُدِعْتُ كان هذا على الرغم منِّي. ومَن يقرأ ما في صميم فؤادي يعلمْ جيِّدًا أنني لا أُحبُّ عَمَاي، والحياةُ الصالحةُ هي الوسيلةُ الوحيدةُ التي بقيتْ لي للخروج من العَمَى عند العجز عن الخلاص منه ببصائري الخاصة. وإذا كان الرَّبُّ قادرًا على إخراج أولادٍ لإبراهيمَ حتى من الحجارة حُقَّ لكلِّ إنسانٍ أن يَرْجُوَ إنارتَه عندما يجعل نفسَه أهلًا لها.

وإذا ما ساقتك تأمُّلاتي إلى التفكير كما أُفكِّر، وإذا كنتَ تشاطرني مشاعري، وإذا كان كلٌّ مِنَّا يَجْهَرُ بذات العقيدة، فإليك نصيحتي: لا تُعَرِّض حياتك بَعدُ لمَنَازِعِ البؤسِ واليأس، ولا تَقْضِها بَعْدُ في العارِ تحت رحمة الغرباء، وامتنع عن أكلِ خبز الصدقة الحقير، وارجعْ إلى وطنك، وعُدْ إلى دِينِ آبائك، واتَّبِعْه بقلبٍ مُخْلص، ولا ترتدَّ عنه أبدًا؛ فهو بسيطٌ جِدًّا، وهو مُقَدَّسٌ جِدًّا، ولا أرى بين أديان الأرض ما هو أنقى منه أدبًا، ولا ما هو لدى العقل أكثرُ منه قبولًا، وأمَّا نفقاتُ السفر فلا تُفكِّرْ فيها، فستُدبَّر. وكذلك لا تخشَ حياءً زائفًا من عَوْدٍ مُزْرٍ، فيجب أن يُخجَل من اقترافِ ذَنْبٍ، لا من إصلاحه، وأنت لا تزال في دَورٍ من العُمُر يُغفَرُ فيه كلُّ شيء، ولكن مع العقاب على كلِّ ما يُرتَكَبُ فيه. وإذا ما أردتَ أن تُنصتَ لضميرك زال ألفٌ من الموانع الباطلة عند صوته، وستشعُر في دَور الشكِّ الذي نحن فيه بأن من الافتراض الذي لا يُغتَفَر أن يُجْهَرَ بدِينٍ آخَر غيرَ الذي يُولَد المرء فيه، وبأن من البهتان ألَّا يُمارِس المرءُ بإخلاصٍ دِينًا يُجْهَرُ به، وهو إذا ما كانت له معذرةٌ كبيرةٌ أمام محكمة القاضي العلي، أفلا يعفو هذا القاضي عن سيئةٍ وُلِدَ معها الإنسانُ أكثرَ من عفوه عن سيئةٍ جَرُؤَ على اختيارها؟

واجعلْ نفسك، يا بني، في حالٍ تبتغي فيها دائمًا وجودَ رَبٍّ واحد، فلا تَشُكَّ فيه أبدًا، ثُمَّ مهما يكن من قرارٍ يُمكنُك أن تتخذَ اذْكُرْ أن واجبات الدِّين الحقيقية مستقلةٌ عن تعاليم النَّاس، وأن القلبَ الصادق هو هيكلُ الربِّ الحقيقي، وأن محبةَ الله تفضيلًا على كلِّ شيء، ومحبةَ القريب كمحبة النفس، هما خُلاصةُ الشريعة في كلِّ بلدٍ ونِحْلَة، وأنه لا يُوجَد دِينٌ يُعفِي من الواجبات الأدبية، وأنه لا يُوجَد غيرُ هذه الواجبات، وما هو جوهريٌّ حقًّا، وأن العبادة الباطنية هي أُولَى هذه الواجبات، وأنه لا فضيلة حقيقيةً بلا إيمان.

واجتَنِبْ أولئك الذين يتذَرَّعون بإيضاح الطبيعة، فيبذُرون في قلوب النَّاس مذاهبَ مُكَدِّرة، يَبْذُرون مذاهبَ يُعَدُّ شكُّها الظاهرُ إيجابيًّا اعتقاديًّا أكثرَ من لهجةِ خصومهم الجازمة، وهم إذ يتمسَّكون بذريعةٍ قائمةٍ على الغطْرَسة قائلةٍ إنهم وحدَهم ذوو بصائرَ وحقٍّ وحُسْنِ نية، فإنهم يُخضعوننا لأحكامهم القاطعة بصَلَف، ويزعمون أنهم يمنحوننا، كمبادئَ حقيقيةٍ عن الأشياء، نُظُمًا لا تُفهَمُ أقاموها في خيالهم، ومع ذلك فإنهم إذ يقلِبون جميعَ ما يحترم النَّاسُ رأسًا على عَقِب ويُقوِّضونه ويدوسونه، فإنهم يَنْزِعون من المَكْرُوبين آخرَ سُلوانٍ عن بؤسهم، ومن الأقوياء والأغنياء زاجرَ أهوائهم الوحيد، ويستأصلون من القلوب نَدمَها على الإجرام وأملَها في الفضيلة، ثُمَّ يفاخرون بأنهم محسنون للجنس البشري، وهم يقولون إن الحقيقة غيرُ ضارَّةٍ بالنَّاس مطلقًا، وأعتقد هذا كما يعتقدون، وأرى أن هذا دليلٌ كبيرٌ على أن الحقيقة ليست ما يُعلِّمون.٣٦

ويا أيها الفتى الصالح، كُن مخلصًا صادقًا خاليًا من الخُيَلاء، واعرِفْ كيف تكون غافِلًا؛ أي لا تُخادعْ نفسك ولا الآخرين. وإذا كانت مواهبُك من الثَّقافة ما تخاطب معه النَّاسَ، فلا تُكلِّمهم إلا وَفْقَ ضميرك ومن غيرِ التفاتٍ إلى هُتافهم لك. ويؤدي سوء استعمال المعرفة إلى عدم الاعتقاد، ويزدري كلُّ عالمٍ رأيَ العوام، ويُريد كلُّ عالمٍ أن يكون ذا رأيٍ خاص، وتسوقُ الفلسفةُ المتعاظمة إلى التعصُّب. واجتنبْ هذه الحدود النهائية، والزمْ طريقَ الحقيقة دائمًا، أوْ ما يبدو لك هكذا ضِمْنَ بساطة قلبك، وذلك من غيرِ أن تتحوَّل عن ذلك عن زَهوٍ أو ضَعْفٍ مُطلَقًا، واجْهَرْ بالإيمان بالله أمام الفلاسفة، واجْهَرْ بوعظِ المتعصِّبين بالإنسانية. ومن المحتمل أن تَبْقَى وحدَك، ولكنك ستَحمِل في نفسك شاهدًا يُغْنِيك عن شهود النَّاس، وليس من المهمِّ أن يُحِبُّوك أو يَكرَهوك، وأن يقرءوا ما تكتب أو يَزْدروه. وقُل الحقَّ وافعَل الخير؛ فالذي يُهِمُّ الإنسانَ هو أن يقوم بواجباته في العالم. والإنسانُ إذا ما نَسَى نفسه عمل في سبيل نفسه، والمصلحة الخاصة تَخْدَعنا يا بُني، وأَمَلُ الصالحِ وحدَه هو الذي لا يَخْدَع مُطلَقًا».»

•••

لقد نقلتُ تلك الوثيقة لا كقاعدةٍ عن المشاعر التي يَجِبُ اتِّباعُها في موضوع الدِّين، بل كمثالٍ عن الموضوع الذي يُمكن البرهنةُ حولَه مع تلميذي، لكيلا أبتعدَ عن المنهاج الذي حاولتُ إقامتَه، ولا تستطيع بصائرُ العقل أن تأتي بنا ضِمْن نظام الطبيعة إلى ما هو أبعدُ من الدِّين الطبيعيِّ ما دام لم يُذْعَنْ بشيءٍ لسلطان النَّاس ولا لمُبْتَسَرات البلد الذي يُولَد فيه، وهذا ما أقتصِرُ عليه مع إميل. وإذا ما وجب اعتناقُه دِينًا آخَرَ عُدْتُ غيرَ ذي حَقٍّ في أن أكون دليلًا له في ذلك، فعليه وحدَه أن يختاره.

ونَعْمَل متفقين مع الطبيعة، وبَيْنا تُكَوِّن الطبيعةُ الرجلَ الطبيعيَّ نحاوِلُ تكوينَ الإنسانِ الأدبي، بَيْدَ أن تقدُّمنا ليس واحدًا، وذلك أن الجسم أصبح عُصْلُبيًّا قويًّا على حينِ لا يزال الروحُ واهنًا ضعيفًا، ومهما يستطِع الفنُّ البشريُّ أن يَصْنَع، فإن المِزاج يسبِقُ العقلَ دائمًا، وقد بَذَلْنا جميعَ جهودنا حتى الآن في ضبْط أحدهما وتنشيط الآخر وصولًا إلى جَعْل الإنسان واحدًا ما أمكن. ونحن حين أنْمَيْنا الجِبِلِّيَّ ضَبَطْنا حَسَّاسيتَه الناشئة ونظَّمْناها بتعَهُّدِنا العقل، وكانت أمورُ العقل تُعدِّل انطباعَ أمورِ الإحساس، ونظَّمْناها بتعهُّدِنا العقل، وكانت أمورُ العقل تُعَدِّل انطباعَ أمور الإحساس، ونحن إذ رَجَعْنا إلى أصل الأشياء أنْقَذْناه من سلطان الحواس؛ فكان من السَّهْلِ أن يُرْفَعَ من دراسة الطبيعة إلى البحث عن صانعها.

ويا للسُّبُل الجديدة التي تكون لنا على تلميذنا، ويا للوسائل الحديثة التي نُخاطِبُ بها فؤاده، عندما ننتهي إلى هنالك! وهنالك فقط يَجِدُ مصلحته الحقيقية في صلاحه وفي عمل الخير بعيدًا من أنظار النَّاس ومن غير أن تُكْرِهَه عليه القوانين، وفي كونه بارًّا بين الله ونفسه، وفي قيامه بواجبه حتى على حساب حياته، وفي حمْله الفضيلةَ في قلبه. ليس فقط عن حُبِّ النظام الذي يُفضِّلُ عليه كلُّ واحدٍ حُبَّ نفسه دائمًا، بل عن حُبِّ صانعِ وجوده، عن هذا الحبِّ الذي يختلط بحبِّ النفس ذاك، وذلك للتمتُّع أخيرًا بالسعادة الدائمة التي تَعِدُه بها راحةُ الضمير والتأمُّل في ذلك الموجود الأعلى، وذلك في الحياة الأخرى، بعد أن يكون قد استنفد هذه الحياة تمامًا. وإذا عدوتَ ذاك عُدْتُ لا أرى غيرَ الجَوْر والرِّئاء والكَذِب بين النَّاس، وتُعَلِّمُ المصلحة الخاصة التي تَفُوزُ عند المزاحمة على كلِّ ما سواها بحُكْم الضرورة، كلَّ واحدٍ منهم أن يُلْبِسَ الرذيلةَ قِناعَ الفضيلة، ولْيَصْنَعْ مَن سواي من النَّاس ما فيه خَيْري على حساب منفعتهم، ولْيُسَلَّمْ زِمامُ كلِّ أمرٍ إليَّ وحدي، ولْيهلِكْ جميعُ الجنس البشري ألمًا وبؤسًا عند الاقتضاء حِفْظًا لي من الألم والجوع ساعة؛ فهذا هو اللسان الباطنيُّ عند كلِّ مُلحِدٍ يأتي بالبراهين. أجلْ، إنني سأَعُدُّ من الكاذبين أو المجانين ما دمتُ حيًّا كلَّ مَن يقول في قلبه «لا يوجَدُ إلهٌ مُطلَقًا»، على حين يَجْهَرُ بغير هذا.

ويا أيها القارئ، عبثًا أحاول؛ فمما أشعُر به جيِّدًا أننا — أنا وأنت — لن نرى إميلَ متَّصِفًا بذات الخصائص؛ فأنت تتمثَّلُ إميلَ مماثِلًا لفِتيانك دائمًا، أنت تتمثَّله على الدوام طائشًا أَشِرًا قَلُوبًا تائهًا بين حفلةٍ وأخرى، وبين لَهْوٍ وآخرَ، عاجزًا عن الاستقرار على حالٍ مطلَقًا. وستضحك إذ تَراني أجْعَلُ متأمِّلًا فيلسوفًا ولاهوتيًّا حقيقيًّا من شابٍّ أَجُوجٍ نَزِقٍ غَضْوبٍ هائجٍ في أشدِّ أدوار الحياة غليانًا. وستقولون إن هذا الحالِمَ يَتَّبِعُ وهْمَه دائمًا، وإنه إذ يعطينا تلميذًا على شاكلته لا يُنشِّئُه فقط، بل يَخلُقه ويُخرجه من دماغه، وإنه إذ يعتقد اتِّباعَه الطبيعةَ دائمًا، يبتعد عنها في كلِّ دقيقة. وأمَّا أنا، فإني إذ أُقابل بين تلميذي وتلاميذكم، لا أكاد أجِدُ ما يمكن أن يكون مشتركًا بينهما، وإذ نُشِّئ تلميذي على خلاف ما نُشِّئوا فإن من المعجزة أن يشابههما في بعض الأمور. وبما أنه قَضَى صِباه في مثل الحرية التي يتخذونها في شبابهم، فإنه يَبدأ في شبابه باتخاذ القاعدة التي حُمِلُوا على الخضوع لها وهم أولاد، وتُصبح هذه القاعدةُ بلاءهم، ويَعُدُّونها موضعَ مَقْتٍ لهم، ولا يَرَون فيها غيرَ طغيانٍ للسادة مَديدٍ، ويظُنُّون أنهم لا يخرجون من دَور الصبا إلا بإلقاء كلِّ نيرٍ عنهم،٣٧ وهنالك يُعوِّضون أنفسَهم من الضغط الطويل الذي أُمْسِكُوا فيه، وذلك كالسجين الذي يَنْجُو من القيود فيَمُدُّ أعضاءه ويُحرِّكُها ويَثنيها.

وعلى العكس، يفتخر إميلُ بأن يصير رجلًا، وبأن يُخضِع نفسَه لنِير العقل الناشئ، وقد عاد بَدَنُه الذي تَكَوَّن لا يحتاج إلى عين الحركات؛ فأخذ يَقِفُ من تلقاء نفسه على حين يحاول روحُه نصفُ النامي أن يَنْهَض بدَوْره. وهكذا ليست سِنُّ العقل لدى أُناسٍ غيرَ سنِّ الإباحة، وهي تكون سنَّ التعقُّل لدى الآخر.

وهل تريدون أن تَعْرِفوا أيُّ الفريقين أقربُ إلى نظام الطبيعة؟ انْظُرُوا إلى الفروق بين أولئك الذين هم بعيدون منها بعضَ البُعد، ولاحِظوا الفِتيانَ عند القَرَويِّين، ورَوْا هل هم بَطِرُون كفِتيانكم. قال مسيو لُوبُو: «يُرَى الهَمَجُ دائمي النشاط في دَوْر الصِّبا، مباشرين بلا انقطاعٍ ألعابًا مختلفةً تُحرِّك أبدانَهم، ولكنهم لا يكادون يَبْلُغون سِنَّ المراهقة حتى يَغْدُوا هادئين حالمين. ثُمَّ يعودون لا يتعاطون غيرَ الألعاب الجِدِّيَّة أو القمار.»٣٨ وبما أن إميلَ قد نُشِّئ بكلِّ ما عند فِتيان الفلاحين وفِتيان الهمج من حرية، فإنه يجب أن يُغيِّرَ ويَقِفَ مثلَهم إذا ما كَبِر، وكلُّ الفرْق في أنه بدلًا من أن يسيرَ من أجلِ اللعب ومن أجلِ الغذاء حصرًا، تعلَّمَ التفكير في أعماله وفي ألعابه. وأما وقد انتهى إلى هذا الحد من هذا الطريق إذن وَجَدَ نفسَه مستعِدًّا كلَّ الاستعداد لما أُدْخِلُه إليه، وما أعْرِضُ عليه من موضوعاتِ تأمُّلٍ يُثيرُ فضولَه، وذلك لروعة هذه الموضوعات بنفسها، ولكاملِ جِدَّتها بالنسبة إليه، ولأنه في حالٍ يستطيع أن يُدرِكها معه. وأمَّا تلاميذُكم فهم على العكس؛ إذ كانوا مَلُولين مُثقلين بدروسكم التافهة وبعلوم أخلاقكم المطوَّلة، وبتعاليمكم النصرانية الدائمة، فكيف لا يأبَوْن أن يُعيروا ذهنَهم الذي جُعِلَ كئيبًا من المبادئ الثقيلة التي ما انفكُّوا يُرْهَقون بها ومن التأمُّلات حَوْلَ صانعِ وجودِهم الذي جُعِلَ منه عدوُّ مَلاذِّهم؟ ولمْ يُوحِ إليهم جميعُ هذا غيرَ النفور والكَرَاهية والسَّأم، وقد صدَّهم القَسْرُ عنه، ولِمَ يُكرِّسون أنفَسهم له في وقتٍ يأخذون في الاختيار لها؟ لا بُدَّ من جديدٍ لهم حتى يُمْكِنَ الوقوعُ عندهم موقعَ الرِّضا، وعاد لا ينبغي أن يُكرَّر لهم ما يُقال للأولاد. والأمر هكذا نحو تلميذي الذي إذا ما صار رجلًا كلَّمتُه مثلَ رجل، ولم أقُل له غيرَ أشياءَ جديدة، نحو تلميذي الذي يجب أن يَجِدها ملائمةً لذوقه عن كونها تورِثُ الآخرين مَلالًا.

ومِنْ ثَمَّ ترى كيف أكسبْتُه وقتًا مضاعَفًا بتأخيري تَقدُّمَ الطبيعة نفعًا للعقل، ولكن هل أخَّرْتُ هذا التقدُّمَ بالحقيقة؟ كلَّا، وإنما حُلْتُ فقط دون تعجيل الخيال للطبيعة، ووازنت بدروسٍ من طرازٍ آخرَ دروسًا مُعجَّلَة يتلقَّاها الفِتيانُ في أماكنَ أخرى. وبينا يَجُرُّه سيلُ مناهجنا القائمة يُجْذَب إلى الجهة المقابلة بمناهجَ أخرى، فيعني هذا إمساكَه في موْضعه، لا إخراجَه منه.

ثُمَّ تَحِينُ ساعةُ الطبيعةِ الحقيقية، ويجب أن تَحين، وبما أنه لا بُدَّ من موت الإنسان وجب أن يتناسل ليبْقى النوعُ وليُحْفَظ نظامُ العالم. ومتى شعرْتم بحلول ساعة الخطَر بالعلائم التي تكلمتُ عنها فاترُكوا أسلوبَكم القديمَ إلى الأبد من فَوْرِكم؛ فهو لا يزال مُرِيدًا لكم، وهو يعود غيرَ تلميذٍ لكم، وهو يكون صديقًا لكم، وهو يكون رجلًا، فعاملوه هكذا بعد الآن.

ماذا! أأتخلَّى عن سلطاني عندما أغدو أشدَّ ما أكونُ احتياجًا إليه؟ وهل يجب أن أُلقيَ حبلَ المراهقِ على غارِبه حينما يصير أقلَّ ما يستطيع سَيرًا وأكثرَ ما يكون إتيانًا لأعظم الانحرافات؟ وهل أتنزَّل عن حقوقي عندما يُصبِح أكثرَ ما يكون اضطرارًا إلى ممارستي لها؟ حقوقكم! مَنْ يقول لكم أن تتنزَّلوا عنها؟ تبدأ الآن في سبيله فقط، ولم تنالوا منها شيئًا بغير القوة والحيلة حتى الآن، وقد كان السلطانُ وقانونُ الواجب مجهولَيْن لديه؛ فكان لا بُدَّ من إخافته أو مخادعته حَمْلًا له على إطاعتكم، ولكنكم تَرَوْن مقدارَ القيود التي أحَطْتُم بها فؤاده. ويخاطبه العقل والصداقة وعرفان الجميل وألفٌ من العواطف بلهجةٍ لا يستطيع أن يُنكِرَها، ولمْ يجعلْه العيبُ أصمَّ تجاه صوتها. ولا يزال يتأثَّرُ بأهواء الطبيعة فقط، ويُسلِمُه إليكم حُبُّ النفس الذي هو أوَّلُها جميعًا، وتُسْلِمُه العادةُ إليكم أيضًا. وإذا ما نُزِع منكم بفَوْرَةِ ساعةٍ فإن الندم يُعيده إليكم حالًا، والشعورُ الذي يَرْبِطه بكم هو الدائم وحدَه. وأمَّا المشاعر الأخرى فتمضي وتمَّحِي مبادَلَة، ولا تدعوه يَفسُد مطلقًا، فسيكون طَيِّعًا دائمًا، وهو لا يأخذ في التمرُّد إلا بعد أن يكون الفسادُ قد دَبَّ فيه.

وأعترف بأنكم إذا ما جَبَهْتُم رغائبَه الناشئةَ فكنتم من الغباوة ما تَعُدُّون معه من الجرائم ما يَتَمَخَّضُ فيه من الاحتياجات الجديدة، لم يُصْغِ إليكم زمنًا طويلًا، ولكنكم إذا ما تركتم مِنْهاجي عُدْتُ غيرَ مسئول عن النتائج نحوكم. واذكُرُوا دائمًا أنكم وكلاءُ الطبيعة، ولن تكونوا عَدُوًّا لها مُطلَقًا.

ولكنْ أيُّ قرارٍ يُتَّخَذ؟ لا يُنتَظَرُ من الخِيار هنا غيرُ استحسانِ مُيولهِ أو مكافحتِها، غيرُ كونِكم طاغيتَه أو مُلاطِفين له، ولكلٍّ من الأمرَيْن من النتائج البالغة الخَطَر ما لا بُدَّ معه من التردُّد بينهما كثيرًا عند الاختيار.

وأوَّل وسيلةٍ تخطُر على البال لحلِّ هذه المشكلة هو أن يُزوَّج سريعًا، ولا جدال في أن هذه الطريقة أضمنُ الطُّرق وأقربُها إلى الطبيعة، ومع ذلك فإنني أشكُّ في كونها أحسنَ الطُّرق وأكثرها فائدة، وسأُبيِّنُ براهيني فيما بعد، وريثما أصنعُ هذا أوافق على زواج الفِتيان في سِنِّ البلوغ، غير أن هذه السِّنَّ تأتي قبل الأوان، ونحن الذين يُعجِّلونها، فيجب إطالتُها حتى سِنِّ الرُّشد.

ولو وَجَبَ ألَّا يُستَمَعَ لغير المُيول وألَّا يُتَّبَعَ غيرُ العلائم لَقُضي الأمرُ سريعًا، ولكن يوجدُ بين حقوق الطبيعة وقوانيننا الاجتماعية من التناقض الكثير ما لا بدَّ معه من الالتواء والتردُّد بلا انقطاعٍ للتوفيق بينهما، ولا بدَّ من استعمالِ كثيرٍ من الحِذْق لِمنْع الإنسان الاجتماعي من أن يكون مصنوعًا.

وأستندُ إلى الأسباب المعروضة آنفًا، فأُقدِّرُ أنَّ من الممكن بالوسائل التي أَعطَيْتُ وبما ماثَلَها، تمديدَ الدَّور الذي تُجْهَلُ فيه مُيولُ الحواسِّ ويُحفَظُ فيه نقاؤها حتى العشرين من العُمُر على الأقل، وهذا هو من الصحة ما يَبْقى معه الفتى الجرمانيُّ مفضوحًا إذا ما أضاع طُهْرَه قبل هذه السِّن، ومن الصواب عزو المؤلفين قوةَ البِنية لدى الجِرمان وكثرة أولادهم إلى عفاف هؤلاء القوم في دَوْر شبابهم.

حتى إن من الممكن إطالةَ ذاك الدَّور كثيرًا، ولا شيءَ كان أكثرَ شيوعًا من هذا في فرنسة نفسِها منذ قرونٍ قليلة. ومن بينِ كثيرٍ من الأمثلة المعروفة نذكُر مثالَ أبي مُونْتين الذي لم يكن قويًّا حَسن البِنية أكثرَ منه مُتحَسِّبًا صادقًا، فأَقسمَ أن يتزوَّج طاهرًا في الخامسة والثلاثين من سِنيه بعد خدمةٍ طويلةٍ في حروبِ إيطالية، ومما يُرى فيما كتب الابنُ أيُّ قوةٍ ومَرَحٍ حافظ عليهما الأب بعد مجاوزته الستين من عُمُره. ولا جَرَمَ أن الرأي المعاكس يتوقَّف على طِباعنا ومُبْتَسراتنا أكثرَ مما على عِرْفان النوع على العموم.

ولذا فإن من الممكن أن أطرح جانبًا مثالَ شبابنا؛ فهو لا يُثْبِتُ شيئًا تجاه مَن لم يُنشَّأْ مِثْلَه، وإني بعد النظرِ إلى أن الطبيعةَ لم تَضَعْ حدًّا يتعذَّر تقديمُه أو تأخيره، أعتقد أنني أستطيع من غيرِ مجاوزةٍ لناموسها أن أفترض بقاء إميلَ حتى ذلك الحين ضِمْنَ طُهْرِه الابتدائي نتيجةً لما بذلتُ من عناية، وإني أُبْصِرُ قُرْبَ نهايةِ هذا الدَّور السعيد، وهو إذ يُحَاطُ بأخطارٍ مُطَّرِدةٍ زيادة، يَتَفَلَّت منِّي عند أوَّل فرصةٍ على الرغم من جهودي، ولن يتأخر وقوعُ هذه الفرصة، وهو سيتَّبِع غريزة الحواس العمياء، ويوجد رِهانُ ألفٍ في مقابل واحدٍ على ضَياعه. وقد أنعمتُ النظر كثيرًا في طبائع النَّاس لكيلا أرى نفوذ هذا الدَّور الأوَّل الذي لا يُقْهَر في بقية حياته، وهو إذا ما كتمتُ وأظهرتُ أنني لا أرى شيئًا تغلَّب عليَّ ضَعفي، وهو إذا ما اعتقد أنه يخادعني استخفَّ بي وصِرْتُ شريكًا في ضَياعه، وإذا ما حاولتُ ردَّه كان هذا بعد الأوان، وعاد لا يُصغِي إليَّ، وصار يَعُدُّني مُزْعِجًا ممقوتًا ثقيلًا، فلا يتأخر عن التخلُّص منِّي؛ ولذا عاد لا يكون لديَّ غيرُ سبيلٍ معقولٍ أسلُكه، وهو أن أجعله مسئولًا عن أعماله نحو نفسه، وأن أحفظه من مباغتات الخطأ على الأقل، وأن أدُلَّه بلا مُوارَبةٍ على المخاطر التي تحيط به، وقد وقفتُه بجهله حتى الآن، والآن يجب أن أقِفَه بالمعارف.

وهذه المعارفُ الجديدةُ مهمة، ومن الملائم تناولُ الأمور من الأعلى، وهذه هي ساعةُ تقديم حساباتي إليه، فأدُلُّه على استعمال وقته ووقتي، وأُبيِّنُ له مَن هو ومَن أنا، وما فعل وما أفعل، وما كلٌّ مِنَّا مَدينٌ به للآخر، وجميعَ صِلاته الأدبية، وجميع ما عَقد من الالتزامات، وجميعَ ما عُقِد معه، ومقدار ما اتَّفَق لمواهبه من التقدُّم، وما الطريقُ التي بقيَ عليه أن يسلُكَها، وما سيجد فيها من المصاعب، وما الوسائلُ التي يقتحم بها هذه المصاعب، وما يُمكنني أن أساعده عليه بَعْدُ، وما يُمكنه أن يُعِينَ عليه نفسَه بنفسه بعد الآن، وما عليه من خطر، وما يحيط به من مخاطرَ جديدة، وجميعَ العوامل المتينة التي يجب أن تَحمِلَه على ملاحظة نفسه بدقةٍ قبل أن يُصغي إلى رغائبه الناشئة.

واذكروا أنه لا بُدَّ لقيادة المراهق من اتخاذكم جميعَ ما صنعتم لقيادة الولد، ولا تتردَّدوا مطلقًا في تعليمه هذه الأسرارَ الخطِرة التي كتمتموها عنه بعناية كبيرة زمنًا طويلًا، ومن المهمِّ ألَّا يعلمها مِن آخرَ ولا من نفسه، بل منكم وحدَكم، ويجب أن يَعرِف عدوَّه خشيةَ المباغتة ما دام مُلْزَمًا بالنضال فيما بعد.

وما كان الفِتيانُ الذين يُوجَدون عارفين بهذه الأمور، من غير أن يُعلَمَ كيف عَرَفوها، ليصبحوا ذلك بلا عِقاب. وبما أن هذا العرفانَ الطائش لا يُمكِن أن يكون ذا غَرَضٍ صالح، فإنه يُدَنِّس، على الأقل، خيالَ مَنْ يتلقَّون ويُعِدُّهم لرذائلِ مَن يُلقُونه. وليس هذا كلَّ ما في الأمر؛ فمِن الخَدَم مَن يَنسابون في ذهن الولد هكذا وينالون ثقتَه، ويُبدُون له مُربِّيَه رجلًا كئيبًا ثقيلًا، ويكون انتقاصُه من الموضوعات المفضَّلة في أحاديثهم السِّرية، فإذا ما صار التلميذُ في هذا الوضعِ استطاع أن ينزويَ لِما يَعودُ غيرَ قادرٍ على صُنْعِ ما هو صالح.

ولكنْ لِمَ يختارُ الولدُ أَنْجِيةً خاصِّين؟ ذلك دائمًا بسبب طغيان مَن يقومون برِقابته. ولِمَ يتوارى منهم إذا لم يَكُن مُضطرًّا إلى الاختفاء؟ ولِمَ يتوجَّع إذا لم يُوجَد ما يتوجَّعُ منه؟ إن من الطبيعي أن يكون هؤلاء الرُّقباء أوَّلَ الأنجية، ويُرى من الهمَّة التي يقول لهم بها ما يُفكِّرُ فيه اعتقاده أنه يبقى نصفَ مُفكِّرٍ فيه حتى يقولَه لهم. واعلموا أن الولدَ إذا لم يَخْشَ من ناحيتكم وعظًا ولا تعزيرًا قال لكم كلَّ شيءٍ دائمًا، وأنه لا أحدَ يجرُؤ على قولِ شيءٍ له يُخفيه عنكم؛ وذلك لأنه يُعلَم جيِّدًا أنه سيقول لكم كلَّ شيء.

والذي يجعلُني أكثرَ اعتمادًا على منهاجي هو أنني لا أرى، باتِّباعي مَناحِيَه بما يمكنني من الدقة، وَضْعًا في حياة تلميذي لا يَدَعُ لي صورةً مستحبَّةً عنه، حتى إنني لا أزال أجِدُه على بساطته الأُولى في حُمَيَّاه وهيجانه حين تسوقه صولات المِزاج، وحين يَتمَرَّد على اليد التي تَقِفُه، فينتفض ويأخذ في التملُّص منِّي. وليس فؤادُه النقيُّ نقاءَ بَدَنِه أعلمَ بالتَّسَتُّر مما بالمُنكر، ولمْ يَجعلْه التعزيرُ ولا الازدراءُ نَذْلًا قَطُّ، ولم يُعلِّمْه الخوفُ الدنيُّ أن يَتنكَّر مُطلَقًا، وهو يتصف بكلِّ ما في الطُّهْر من رصانة، وهو ساذجٌ بلا وَسْواس، وهو لم يَعْرِف بَعْدُ فائدةَ الخِداع، ولا يَقَعُ مَيلٌ في نفسه من غيرِ أن يَنِمَّ عليه لسانُه وعيناه، وأعْرِفُ ما يَشْعُر به من أحاسيسَ بأسرعَ مما يَعرِفُ غالبًا.

وليس عندي ما أخافُ ما داومَ على فَتْح قلبِه لي طليقًا، وعلى قوله لي ما يُحِسُّ مسرورًا. وليس الخَطَرُ بَعْدُ قريبًا، ولكنه إذا ما أصبح أكثرَ وَجَلًا وتحفُّظًا فأبصرتُ في محادثاته ارتباكَ الحياءِ الأوَّل دَلَّ هذا على نموٍّ في الغريزة وعلى أخذِ مبدأ السَّوْء يُضاف إليها، فعاد لا يكون لديَّ وقتٌ أُفَرِّطُ فيه، فإذا لم أبادرْ إلى تعليمه تَعَلَّم من فَوْره على الرغم منِّي.

وسيَرى أكثرُ مِن قارئ، حتى عند انتحال أفكاري، أن المسألةَ هنا لا تعدو حَدَّ محادثةٍ تَقَع مصادفةً مع الفتى، وأن الأمرَ كلَّه يُسوَّى بهذا. آه! لا يُهيمَنُ على قلبِ الإنسان هكذا! ما يُقال لا يَدُلُّ على شيء إذا لم يُهيَّأ وقتُ قَوْلِه، ولا بُدَّ من حَرْث الأرض قبل البَذْر، وينمو بَذْرُ الفضيلةِ بصعوبة، ولا بُدَّ من أُهُبَاتٍ طويلة حتى يُجْعَلَ له جَذْر. ومن الأمور التي تجعلُ المواعظَ أكثرَ ما يكون عدمَ فائدةٍ هو أنها تُعْرَض على جميع النَّاس بلا تمييز ومن غير تفريقٍ ولا اختيار. وكيف يُرى أن الوعظَ عَيْنَه يلائم كثيرًا من المستمعين الكثيري الاختلاف استعدادًا وذهنًا ومِزاجًا وسِنًّا وجنسًا وشأنًا ورأيًا؟ ومن المحتمل ألَّا يُوجَدَ اثنان يُناسِبُهما ما يُقال للجميع، وتكون جميعُ عواطفنا من قلةِ الثباتِ ما لا يُحتمَل معه وجودُ ساعتين في حياة كلِّ إنسان يتَّفِقُ فيهما لعينِ الكلام عينُ التأثير فيه. ورَوْا هل يكون الوقت الذي تلتهبُ فيه الحواس، فتخْبُلُ العقلَ وتُناكدُ الإرادةَ، هو الوقت الذي يُصغَى فيه إلى دروسِ الحكمة الرصينة؛ ولذا فلا تخاطِبوا الفِتيانَ بالعقل حتى في سنِّ العقل، ما لم تكونوا قد هيَّأتموهم لإدراكه في أوَّل الأمر. وتَجِدُ مُعظَم الخُطَبِ قد ذهبَ أدراجَ الرياح عن خَطَأِ الأساتيذ أكثرَ مما عن خطأ التلاميذ. أجلْ، يقول المتحذلق والمُعلِّم عينَ الأمورِ تقريبًا، غيرَ أن الأوَّل يقولها في كلِّ وقت، وأن الثاني لا يقولها إلا عند اطمئنانه إلى تأثيرها.

وإميلُ كالسائر في النوم التائهِ في رُقاده، فيمشي وهو وَسْنَانُ على أطراف هُوَّةٍ يَسْقُط فيها إذا ما أُوقِظَ بغتة. وهكذا فإن إميلَ وهو في رُقاد الجهل يتفلَّتُ من الأخطار التي لا يراها مطلَقًا، فإذا ما نَبَّهْتُه برجفةٍ هَلَك، فلنُحاوِل أن نُبعِدَه من الهُوَّة أوَّلًا، ثُمَّ ننبِّهُه لنُطلِعَه عليها من بعيد.

وتُعَدُّ المطالعةُ والعزلة والحياة الحضرية الناعمة ومخالطةُ النساء والغِلْمان سُبُلًا خَطِرَةً على مَنْ يكون في مثل عُمُره، فتجعله قريبًا من الهلاك دائمًا. وإني أُحَوِّل حواسَّه بأمورٍ حسيةٍ أخرى، وإني أرسُم مَجْرًى آخرَ لهواجسه، فأُحَوِّلها عن المجرى الذي أخذتْ تَسلُكه، وإني أُمَرِّن بَدَنه على أشغالٍ شاقة، فأقِفُ نشاط الخيال الذي يسوقه، ومتى اشتغلت الذُّرْعان استراح الخيال، ومتى تَعِب البدن لم يشتغل القلب قَط، ويكون أسرَعُ احترازٍ وأسهلُ تحفُّظٍ في نزعهِ من الخطر المحلي، وآتي به في البُداءة خارجَ المدن بعيدًا من الأمور التي تستطيع أن تُغْوِيَه، بَيْدَ أن هذا لا يكفي؛ ففي أيةِ بادية، وفي أيِّ ملجأ مهجورٍ سيتخلَّص من الصور التي تتعقَّبُه؟ ولا أُعَدُّ قد أقصيتُ الأشياءَ الخطِرة إذا لم أُقْصِ ذِكراها أيضًا، وإذا لم أجِدْ وسيلةً لفصْله عن كلِّ شيء، وإذا لم أُلهِه عن نفسه، كان من الجدير أن يُترك حيث كان.

ويَعْرف إميلُ صناعةً، ولكن هذه الصناعة ليست وسيلتَنا هنا، وهو يحبُّ الزراعة ويُدرِكها، ولكن الزراعة لا تكفينا، وتصير الأشاغيلُ التي يَعرِف نمطيَّة، وهو إذ يتعاطاها يُعَدُّ غيرَ فاعلٍ شيئًا، وهو يُفكِّرُ في أمرٍ آخَر، ويتحرَّك الرأسُ والذِّراعان على انفراد، ولا بدَّ له من أُشغولةٍ جديدةٍ تُوجِبُ التفاتَه بجدَّتها، أُشغولةٍ تستكِدُّه وتَرُوقُه، وتشغلُه وتُحرِّكُه، أُشغولةٍ يُولَعُ بها وينقطعُ إليها بكُلِّيَّته. والواقعُ أن الصيدَ هو الأشغولةُ التي يَلوحُ لي أنها جامعةٌ لجميع هذه الشروط، وإذا كان الصيدُ مُتعَةً سليمةً ملائمةً للإنسان، فإن الآنَ هو دَورُ الالتجاءِ إليه. وعند إميلَ كلُّ ما يلزم للنجاح في الصيد؛ فهو عُصْلُبيٌّ ماهرٌ صابرٌ لا يَتْعَب، ولا شكَّ في أنه سيرغب في هذه الرياضة، وهو سيَضع فيها جميعَ حرارة عُمُره، وهو سيُضِيعُ فيها لزمنٍ ما على الأقل، ما ينشأ عن التَّرفِ من ميولٍ خَطِرة، وذلك أن الصيدَ يُخشِّن القلبَ والبدنَ ويُعوِّدُ الإنسانَ منظرَ الدمِ والقسوة. وقد جُعِلَ من ديَانَا عدُوُّ الحب، والرمزُ صحيحٌ جِدًّا؛ فخدَرُ الحبِّ لا ينشأ عن غيرِ الراحة الحُلوة، والرياضة العنيفة تُخمِدُ الأحاسيسَ الناعمة، وفي الغابِ والحقول يكون العاشقُ والصائدُ من اختلافِ التأثُّر ما يحملان معه صُوَرًا بالغةَ الاختلاف عن عيْن الأشياء، وذلك أن الظلالَ الوارِفة والغابات الظليلةَ والمساكنَ اللينة لدى الأوَّل ليست لدى الآخر غيرَ مَرْتعٍ للوحوش وغيرَ حصونٍ ومَحاطَّ للعَجَل، فلا يسمعُ أحدُهما فيها غيرَ حَفيفِ الأشجار وتغريدِ الهَزَار وصُداحِ الأطيار، ولا يتمثَّل الآخرُ فيها غيرَ الأبواق ونُباح الكلاب، ولا يتصورُ أحدُهما فيها غيرَ عُلَّيْقٍ وحورِيَّات، ولا يَتخيَّل الآخرُ فيها غيرَ رُوَّاضٍ وخيلٍ وأسْرابِ كلابٍ. وطُوفوا في الأريافِ مع هذين الصِّنْفَين من النَّاس، لم تَلبثوا أن تَعْرِفوا من اختلاف اللهجة أنه لا يوجد للأرض منظرٌ مماثلٌ عندهما، وأن أوجهَ الرأي فيهما مختلفةٌ اختلافَهما في اختيار ملاذِّهما.

وأُدركُ كيف تَتَّحِدُ هذه الأذواق، وأُدْرِكُ كيف يُوجَد من الوقت لها جميعًا في آخرِ الأمر. بَيْدَ أن أهواء الشباب لا تَنقَسم على ذاك الوجه، فإذا منحتم الشبابَ أُشغولةً يُحِبُّها لم يلبَث أن يُنسَى ما سِواها، ويأني تَنَوُّع الرغائب من تَنوُّع المعارف، وأُولَى الرغائبِ التي تُعْرَف هي ما يُبحَثُ عنه وحدَه زمنًا طويلًا. ولا أريد أن ينقضي جميعُ فَتاءِ إميل في قتْل الحيوان، حتى إنني لا أدَّعي تسْويغَ هذا الهوى جُملَة، وإنما يكفيني أن يكون نافعًا بما فيه الكفاية لتأجيل هَوًى أشدَّ خطرًا كيما أُسْمَعُ إذا ما تكلمتُ عنه بهدوءٍ وكيما يكونُ لديَّ من الوقت ما أَصِفه فيه من غير أن أُثيرَه.

وتقع في حياة الإنسان أدوارٌ لا تُنسَى أبدًا، ومنها دَوْرُ التعليم الذي أتكلَّم عنه، والذي لا بدَّ من تأثيره في بقية حياته. ولنحاولْ أن ننقُشه في ذاكرته إذَن، فلا يُمحَى منها مطلَقًا. ومن أغاليط عصرنا استعمالُ العقلِ عاريًا تمامًا، كما لو كان النَّاس ذهنًا خالصًا. وإذا ما أُهمِلَت لغةُ الإشارات التي تخاطب الخيالَ فُقِدَ أمضَى الألسنة، ويكون تأثيرُ الكلام ضعيفًا دائمًا، ويُخاطَب الفؤادُ بالعيون أفضَلَ مما بالآذان. ونحن إذ منحْنا العقلَ كلَّ شيء، رجعْنا جميعَ تعاليمنا إلى أقوال، ولم نشتمل عليها بالأفعال. وليس العقلُ وحدَه فعَّالًا، وهو يَرْدَعُ أحيانًا، وهو يُحرِّك نادرًا، وهو لم يأتِ بعظيمٍ مطلقًا. ومن هوسِ النفوسِ الصغيرةِ أن يُلجأ إلى العقل دائمًا، وللنفوس القوية لسانٌ آخرُ، وبهذا اللسان يقعُ الإقناع، وبه يُسيَّرُ الإنسان.

وأُلاحِظُ في القرون الحديثة أن بعضَ النَّاس عاد لا يكون ذا سلطانٍ على بعضٍ بغير القوة والمصلحة، على حين كان القدماء يؤثِّرون بالإقناع القلبي وعواطف النفس أكثرَ من ذلك؛ وذلك لأنهم كانوا لا يُهْمِلون لغةَ الإشارات. وكانت جميعُ العهود تَتمُّ بمراسيمَ صَوْنًا لها من النقض، وكان الآلهةُ حُكَّامَ الجنس البشريِّ قبل قيام القوة، وكان النَّاس يَضَعُون أمامَ الآلهة معاهداتهم ومحالفاتهم ويَقْضُون بعقودهم، وكان وجهُ الأرض كتابًا تُحْفظ فيه الوثائق، وكانت الصَّخرُ والأشجارُ وأكوامُ الحجارةِ المُثْبَتة بهذه العهودِ والمحترمةُ لدى البرابرة أوراقًا لهذا الكتاب المفتوحِ أمام جميع العيون بلا انقطاع. أجلْ، كانت بئرُ الحِلْف وبئرُ الحيِّ الناظر وبَلُّوطةُ مَمْرَا القديمةُ والكوْمةُ الشاهدةُ آثارًا غليظة، ولكنها جليلةٌ عن قَدَاسة العقود، فما كان ليَجرُؤ أحدٌ على انتهاكِ حرمةِ هذه الآثار بيدٍ مُدَنِّسة، وكان عهدُ النَّاسِ أوثَقَ بضمان هؤلاء الشهود الصامتين مما بكلِّ صَرَامة القوانين في الوقت الحاضر.

وكان النَّاسُ في الحكومة يُرْهَبون بجهازِ السلطان الملكي، وكانت أشْعِرَةُ الشَّرفِ والعرشُ والصَّوْلجانُ والحُلَّةُ الأُرْجوانيةُ والتاجُ والعِصابةُ أشياءَ مقدَّسة، وكانت الإشاراتُ المُكَرَّمة وما توحي به من احترامٍ تَجلِبُ إجلالًا لمن يَزَّيَّنُ بها؛ فكان إذا ما قال أُطيع بلا جُندٍ ولا وعيد، والآن يُتظَاهَرُ بإبطال هذه الرموز،٣٩ فما ينشأ عن هذا الازدراء؟ وليَزُلْ جلالُ الملوك من جميع القلوب، ولْيَعُدِ الملوكُ لا يُطاعُون بغير قوة الجنود، ولْيَقُمِ احترامُ الرعايا على الخوف من العِقاب؛ فهنالك لا يكون على الملوك أن يُزْعِجوا أنفسَهم بلُبْسِ تاجهم ولا بحمْل سِمَات مقامهم، وإنما يحتاجون إلى مائة ألف ذِراعٍ دائمةِ الاستعداد لتنفيذ أوامرهم. ومهما يكن من احتمال ظهور هذا أكثرَ رَوْعةً في أعينهم، فإن من السهل أن يُبصَر أنهم لا يربحون من هذه الصفقة مع الزَّمن.

ومن العجائب ما اتفق للقدماء بالبلاغة، ولم تَقُمْ هذه البلاغةُ على حُسْنِ الكلام المُحْكَم النظام فقط، بل كانت تؤثِّر تأثيرًا بالغًا بالتزام الخطيب جانبَ الإيجاز، وما كان ليُعَبَّرَ بالكلمات عن أعظمِ ما يُمْكن تأثيرًا، بل بالإشارات، وكان لا يُنطَقُ به، بل يُدَلُّ عليه، وما يُعْرَض على العيون من شيءٍ يَهُزُّ الخيال، ويُحَرِّكُ الفُضُول، ويجعلُ الذهنَ منتظِرًا لِما يُقال. وفي الغالب يكون هذا الشيء قد قال كلَّ شيء، ألم يكن ترازِيبُول وتارْكِن بقَطْعهما رءوسَ الخَشْخاش، والإسكندرُ بوضعه طابِعَه على فَمِ نديمه، وذُيوجانِسُ بِسَيْرِه أمام زِنُون، قد تكلموا بأفصحَ من الخُطَب الطويلة؟ وأيُّ إسهابٍ في الكلام كان يُمكِن أن يُعرِب عن تلك الأفكارِ بمثْلِ ذلك الأداء؟ وبينما كان دارَا يُحارِب في سِيتْيةَ مع جيشه تَلَقَّى من مَلِكِ السِّيت طائرًا وضِفْدَعًا وفأرًا وخمسةَ نِبال، ويُسَلِّمُ السفيرُ الهديةَ ويعود من غيرِ أن ينطقَ بكلمة. ولو أتى هذا الرجل بذلك في أيامنا لعُدَّ مجنونًا. وتُفْهَمُ هذه الخُطبةُ الهائلة، ويَرْجِعُ دارَا إلى بلده بأقصى ما يُمكِن من السرعة. ولو وضعتم في مكان هذه الرموز كتابًا لوجدتم أن هذا الكتابَ كلما زاد وعيدًا قلَّ تخويفًا، وما كان ليُعَدَّ غيرَ حذلقةٍ يقابلها دارَا بالضَّحك.

ويا لاعتناء الرومان بلغة الرموز! ثيابٌ مختلفةٌ على حسب العُمُر، ووَفْق المقامات، حُلَلٌ وسُتَرٌ وأرديةٌ للأشراف، وحَوَاشٍ وأهداب، وكَرَاسٍ وضُبَّاطٌ وحُزَمٌ وفئوس، وأكاليلُ من ذهبٍ وأعشابٍ وأوراق، واستقبالُ غُزاةٍ ومواكبُ نصرٍ. وكان كلُّ شيءٍ عندهم يَنِمُّ على أبهةٍ وجاهٍ ومظهر، فيؤثِّر في قلوب المواطنين. ومما كان يُهِمُّ الدولةَ أن يجتمع الشعبُ في هذا المكان أكثرَ مما في ذاك، وأن يُشاهِد الكابيتولَ أو لا، وأن يتَّجِه نحو السِّنات أو لا، وأن يتشاور في هذا اليوم أو ذاك تفضيلًا. وكان المُتَّهَمون، والمُرشَّحون أيضًا، يُغيِّرون ثيابهم. وكان المجاهدون لا يفاخرون بمآثرهم، وإنما كانوا يُظهِرون جروحَهم، وأتصوَّر أن أحدَ خطبائنا وهو يريد تحريك الشعب عند موت قيصر قد استنفد جميعَ مظانِّ الفنِّ العامةِ ليَصِفَ جُرُوحَه ودَمَه وجُثَّتَه وصْفًا مؤثِّرًا، وأتصوَّرُ أنطونيوس وهو لا يقول شيئًا من هذا مع فصاحته مكتفيًا بعرض الجُثمان، فيا للبلاغة!

غير أن هذا الاستطراد يُخرِجني من نطاق موضوعي على وجهٍ غيرِ محسوس كما يَصنع آخرون كثيرون، واستطراداتي هي من الكثرة ما لا تُطَاقُ معه بلا أناةٍ وصَبْر؛ ولذا فإني أعود إلى الصَّدَد.

ولا تُبرْهنوا مع الشباب برهنةً جافَّة، وأَلْبِسوا البرهانَ بَدَنًا إذا ما أردتم جعْله محسوسًا، ودَعُوا لسانَ الذهن يَمُرُّ على القلب حتى يُفْهَم. وأقول مُكرِّرًا إن البراهينَ الفاترةَ يُمكِن أن تُعيِّن آراءنا، لا أفعالنا، وأن تَحْملنا على التفكير، لا على العمل؛ فالبرهان يكون حول ما يجب أن يُفكَّر فيه، لا حول ما يجب أن يُعمَل، وإذا ما صحَّ هذا من حيث جميعُ النَّاس، فإن من الأجدرِ أن يَصِحَّ هذا من حيث الفِتيانُ الذين لا يزالون مُشتَمِلين بحواسِّهم، فلا يُفكِّرون إلا إذا تخيَّلوا.

وأحترِزُ جيِّدًا إذن حتى بعد الإعدادات التي تكلمتُ عنها، من الذهاب إلى غرفة إميلَ بغتةً كيما أُلقِي عليه قولًا طويلًا عن الموضوع الذي أريد أن أُعَلِّمَه إياه، وأبدأ بإثارة خياله، وأختارُ الزمانَ والمكانَ وأكثرَ الأمورِ ملاءمةً لما أُريدُ من تأثير. ولذا فإنني أدعو جميعَ الطبيعةِ لتكون شاهدةً على محاوراتنا، وأُشهِدُ الكائن الأزليَّ والصانعَ للطبيعة على صحةِ أقوالي، وأجعلُه حَكَمًا بيني وبين إميل، وأُعَيِّن المكانَ الذي نحن فيه، كما أُعَيِّن الصخرَ والغابَ والجبالَ التي تحيط بنا، لتكون آثارًا تذكاريةً لعهودي وعهوده، وأضعُ في عينيَّ ولهجتي وحركتي ما أريد إلقاءه فيه من الحماسة والهِمَّة. وهنالك أُكلِّمه ويُصغي إليَّ، وأَلينُ ويهتز، وكلَّما تأثَّرتُ بقُدُس واجباتي جعلتُ واجباته أكثرَ جلالًا، وأُنعِشُ قوةَ البرهان بالصور والأشكال. ولن أكونَ مُسهِبًا مُطوِّلًا في المبادئ الباردة مطلقًا، ولكن غزيرًا في المشاعر الزاخرة، وسيكون عقلي رزينًا حكيمًا، ولكن مع عدم قول قلبي بما فيه الكفاية مطلقًا. وهنالك، حين أُطلِعُه على كلِّ ما صنعتُ من أجْله، أُطلِعُه عليه كأنه صُنِعَ في سبيلي، وسيُبصِرُ في عطفي الرقيق سببَ كلِّ رعايةٍ من قِبَلي. ويا للمفاجأة، ويا للهَزْهَزة التي أُورِثُه إياها بتغيير اللهجة بغتةً! وذلك بدلًا من تضييق روحه بمحادثته عن مصلحته دائمًا، ومصلحتي هي التي أكلِّمه عنها فيما بعد، فأزيدُ فيه تأثيرًا، فأُلهِبُ فؤادَه الفتيَّ بجميع ما أَنْبَتُّه من مشاعرِ الأُلفة والكرم ومعرفة الجميل التي يحلو تعهُّدُها، وأضمُّه إلى صدري ساكبًا عليه دموعَ الحنان قائلًا له: «أنت مالي وولدي وصُنْعي، ومن سعادتك أنتظر سعادتي، فإذا ما خابت بك آمالي كنتَ سالبًا لعشرين عامًا من عُمُري، وسببَ شقائي في أيامِ مشيبي.» فعلى هذا الوجه يُحمَل الفتى على الإصغاء، فتُنقَش في سوداء فؤاده ذكرى ما يُقال له.

وقد حاولتُ حتى الآن إعطاءَ أمثلةٍ عن الأسلوب الذي يجب أن يتخذَه المُعلِّم لتعليم تلميذه في الأحوال الصعبة، وقد حاولتُ أن آتيَ بكثيرٍ منها في الدَّور الحاضر، ولكنني أعدِل عنها بعد كثيرٍ من التجارِب قانعًا بأن اللغة الفرنسية هي من النَّفاسة البالغة ما لا تُطيقُ معه في كتابٍ مطلقًا سذاجةَ الدروس الأُولى حول بعض الموضوعات.

ويُقال إن اللغة الفرنسية أطهرُ اللغات، وأنا أعتقد أنها أكثرُ اللغات بذاءة؛ وذلك لأن طُهر اللغة كما يلوح لي لا يقوم على اجتناب التعابير القبيحة بعناية، بل على عدم وجودها فيها. والواقعُ أن اجتنابها يستلزم تفكيرًا فيها، ولا يوجدُ كالفرنسية لغةٌ يَصعُب الكلام فيها بصفاءٍ من كلِّ وجه. وبما أن القارئ يكون دائمًا أكثرَ حِذْقًا في كشْف المعاني البذيئة من المؤلِّف في إقصائها، فإنه يغتمُّ من كلِّ شيءٍ ويجفُلُ منه. وكيف يتجنَّبُ ما يَمُرُّ من آذانٍ قَذِرَةٍ بذاءتَها؟ وعلى العكس، ترى للشعب ذي الطِّباع الحسنة كلماتٍ خاصَّةً لكلِّ شيء، وتكون هذه الكلمات نزيهةً دائمًا لاستعمالها بنزاهةٍ دائمًا. ويتعذَّر أن تتصوَّر لغةً أكثرَ حِشْمةً من لغةِ التوراة لقولِ كلِّ شيءٍ فيها بسذاجة، يكفي أن تُتَرْجَم عينُ الأشياءِ إلى الفرنسية لجعْلها فاقدةَ الحشمة. وما يجبُ أن أقولَه لإميلَ لا ينطوي على غيرِ ما هو صالحٌ طاهرٌ يَقْرع سمعَه، ولكنَّ ظهوره هكذا عند المطالعة يقتضي حيازةَ قلبٍ نقيٍّ مثلَ قلْبه.

حتى إنني أرى أنه يُوجَد من التأمُّلات حَوْل نقاءةِ الكلامِ الحقيقيةِ وحول رقَّةِ المُنْكَر الزائفة ما يُمكِن أن يكون له مكانٌ نافعٌ في المحادثات الخُلُقية التي يَسُوق إليها هذا الموضوع؛ وذلك لأنه حين يتعلَّمُ لغةَ الصلاح يجب أن يتعلَّم لغةَ الحِشْمة أيضًا، كما أنه يجبُ أن يعلمَ السببَ في كونِ هاتين اللغتين مختلفتَين كثيرًا. ومهما يكن مِن أمرٍ فإنني أذهب إلى أنه بدلًا من التعاليم الفارغة التي تُقْرَع بها آذانُ الشباب قبل الأوان، والتي يَسْخَرُ الشبابُ منها عندما يبلُغ سِنَّ الانتفاعِ بها، وإلى أنه إذا ما انتُظِرَت الساعةُ التي يُستمَع فيها وأُعِدَّت هذه الساعة، وإلى أنه إذا ما أُطْلِعَ على سُنَنِ الطبيعة بكلِّ ما فيها من حقيقة، وإلى أنه إذا ما دُلَّ على مُؤَيِّدِ هذه السُّنن نفسِها في الأضرار المادية والأدبية التي تُصيبُ المذنبين نتيجةً لمخالفتها، وإلى أنه إذا ما حُدِّث عن سرِّ النسل الذي يتعذَّر إدراكُه فضُمَّت إلى فكرة الميل الذي أَنْعَم به صانعُ الطبيعة على ذاك الفعل فكرةُ الارتباطِ الحاجِبِ لما سواه والذي يجعل ذاك الفعلَ لذيذًا جِدًّا، وفكرة واجبات الوفاء والحياء التي تحيط به والتي تُضاعِفُ فُتُونَه بإتمامه غَرَضَه، وإلى أنه إذا ما وُصِف له الزواجُ على أنه أقدس العقود وأكثرُها حُرْمةً فضلًا عن كونه أحلى المعاشَرات، فقيلت له بقوةٍ جميعُ الأسباب التي تجعَلُ هذه العُقْدَةَ الكثيرةَ القُدُس محترمةً عند جميع النَّاس والتي تَغمُرُ بالمَقْت واللعنة كلَّ مَن يَجرُؤ على تدنيس قَدَاستها، وإلى أنه إذا ما رُسِمَتْ له لوْحةٌ بارزةٌ صادقةٌ عن قبائح الفُسوق وعن خَبَاله الأرْعن وعن المَيْل غيرِ المحسوس المؤدِّي إلى جميعِ الدَّعارات بالدَّعَرِ الأوَّل والذي يوجب خُسْران مَن يتعاطاها في نهاية الأمر، وإلى أنه إذا ما أُطلِعَ بوضوحٍ — كما أقول — على أن الصحةَ والقوة والشجاعة والفضائل، حتى الحُب، وجميعَ منافعِ الإنسان الحقيقية، أمورٌ تتوقَّف على الرغبة في الطُّهْر، أذهب إلى أنه يُجَعلُ له إذ ذاك ذلك الطُّهْرُ العزيزُ المنشود، وأنه يظهَرُ ذا ذهنٍ منقادٍ لِما يُعطاه من الوسائل حِفْظًا لذلك الطُّهْر، وذلك أنه كلَّما حُفِظَ احتُرِم، وهو لا يُزدَرَى إلا بعد ضَيَاعه.

ومن غيرِ الصحيح مطلقًا أن يكون المَيلُ إلى الشَّر أمرًا لا يُقْهَر، وأن الإنسان لا يكون قادرًا على قَهْره قبْل أن يتعوَّد الوقوعَ فيه، ويقول أُورِليوس فِكتور إن رجالًا كثيرًا أَفقدَهم الحُبُّ رشدَهم، فاشترَوا بحياتهم ليلةً من ليالي كليوباترة مختارين، وأن هذه التضحيةَ ليست من المُحال على ثَمَلِ الهَوَى، ولكنْ لنفْترِضْ أن أكثرَ النَّاسِ هياجًا وأقلَّهم سيطرةً على شهواته يَرَى جهازَ العِقاب موقِنًا بأنه سيَهْلِك به مع النَّكال بعد رُبع ساعة؛ فهذا الرجل يَصِيرُ أرفعَ من كلِّ إغواءٍ منذ هذه الدقيقة، حتى إنه لا يلاقي غيرَ قليلٍ في مقاومته، وذلك أن ما يلازم ذلك الإغواءَ من خيالٍ كريهٍ يَصْرِفه عنه من فوْره، وذلك أنه يعتري ذاك الإغواءَ الذي يُخْمَدُ دائمًا كَلَالٌ فلا يعاوده، وهذا هو فُتُورُ إرادتنا الوحيدُ الذي يُوجِبُ جميعَ ضَعْفِنا، ونحن من القوة دائمًا ما نصنع معه ما يُرَادُ بقُوَّةٍ «فلا شيء يصعُب على الإرادة القوية.» آه! لو كُنَّا نَزدري المُنكَر بمقدارِ ما نُحِبُّ الحياة، ونحن نمتَنِعُ عن اقتراف ذنبٍ لذيذٍ امتناعَنا عن تناول سُمٍّ قاتلٍ في طبقٍ لذيذٍ.

وكيف لا يُرَى أن جميعَ الدروس التي تُلقَى على الفتى إذا كانت غيرَ ناجحة، فذلك لعدم ملاءمتِها لسِنِّه، فيَكُونُ من المهمِّ في كلِّ دَورٍ من أدوار العُمُر أن يُكسَى العقلُ أشكالًا تجعَلُه محبوبًا، فخاطبوه باتِّزانٍ عند الاقتضاء. ولكنْ ليَكُنْ ما تقولون له من الجاذبية في كلِّ وقتٍ ما يَحْمِلُه على الإنصاتِ لكم، ولا تُكافِحوا ميولَه بجفاء، ولا تَخْنُقُوا خيالَه، وكونوا أدلَّاء لهذا الخيالِ خشيةَ أن يَلِدَ غِيلانًا. وحدِّثوه عن الحُبِّ والنساء والملاذِّ، واصنعوا ما يجدُ معه في حديثِكم فُتونًا يُدارَى به قلبُه الفتي، ولا تدَّخِروا وُسْعًا حتى تُصْبِحوا نَجيًّا له، وليس بغيرِ هذا ما تَغدُون سيِّدًا له حقًّا، وهنالك لا تخشَوا بَعْدُ أن تورِثَه أحاديثُكم سأمًا؛ فهو سيَحْمِلُكم على الكلام أكثرَ مما تريدون.

ولا أشكُّ ثانيةً في أنني إذا عَرَفْتُ اتخاذَ جميع التحفُّظات الضرورية حول هذه المبادئ، وخاطبتُ إميلَ بكلامٍ ملائمٍ لما يُفتَرَضُ انتهاؤه إليه بتقدُّم السِّنين، فإنه يأتي من تلقاء نفسه إلى النقطة التي أودُّ سَوْقَه إليها، فيضَع نفسَه تحت ظِلِّي بهِمَّةٍ ويُكلِّمُني بكلِّ ما عليه عُمُره من حرارةٍ متأثِّرًا بالأخطار التي يرى نفسه مُحاطًا بها، قائلًا: «أيْ صديقي وظهيري ومُعلِّمي، استَرِدَّ السلطان الذي تريد أن تتخلَّى عنه في الحين الذي يكون أكثرَ ما يُهِمُّني بقاؤه لك، وأنت لم تَحُزْه حتى الآن بغير ضَعفي، وستحوزُه الآن بإرادتي، وسيكون لديَّ أقدسَ ما يُمكن، واحفظْني من جميع الأعداء الذين يحيطون بي، ولا سيَّما الذين أَحمِلُ معي فيخونونني، واسهَرْ على مَنْ صنعتَ حتى يبقى جديرًا بك، وأريد إطاعةَ قوانينك، وأريد هذا دائمًا، وهذه إرادتي الثابتة، وإذا ما عصيتك كان هذا على الرغم منِّي، واجعَلني طليقًا بوقايتي من أهوائي التي تغصِبُني، وحُلْ دون كوني عبدًا لها، وألزِمني بأن أكون سيدَ نفسي بعصياني أهوائي، لا عقلي.»

وإذا ما جلبتم تلميذَكم إلى هذه النقطة (ويقعُ الذَّنْب عليكم إذا لم يأتِ إليها)، فاحترِزوا من الإسراع في مؤاخذته على الكلمة، وذلك خشيةَ أن يَظْهَرَ سلطانُكم له جافيًا جِدًّا فيرى من حقِّه أن يتخَلَّص منه متَّهِمًا إياكم بأنكم أخذتموه على حين غفلة، وذاك هو الوقت الذي يكون فيه التحفُّظ والوقَار في محلِّهما، وسيكون هذا الوضعُ أكثرَ ما يُمكِن تأثيرًا فيه إذا ما اتخذتموه نحوه أوَّل مرة.

ولِذا فستقولون له: «أنت تُلزم نفسك أيها الفتى إلزامًا خفيفًا بتعهُّداتٍ شاقَّة، ولا بدَّ من معرفتها قبْل أن يكون لك حَقُّ صَوْغها، وأنت لا تعرف بأية صَوْلةٍ تَسُوق الأهواءُ أمثالَك إلى هُوَّة المُنكَرات تحت جواذب اللذة، وأعْرِف جيِّدًا أنك لست صاحبَ نفْسٍ دنيئة، وأنك لن تنقُض عهدَك، ولكن ما أكثرَ ما يُمْكِن أن يكون من نَدَمِك على إعطائك إياه! وما أكثرَ ما ستلعنُ صديقَك الذي يَجِدُ أنه مضطرٌّ إلى كسرِ قلبك حِفظًا لك من الآثام التي تهُدِّدك! وستكون مثْلَ أُوليسَ الذي حَرَّكه غِناءُ سِيرِنَ فصاح بمُجَذِّفي قاربِه لفكِّ قيوده، فتريدُ كَسْرَ الأغلال التي تُضايقك عن إغواء جاذبية الملاذِّ لك. وستُزْعجني بعويلك، وستلومني على استبدادك حينما أكون أكثرَ ما يُمكِن اكتراثًا لك مع الرِّقة، وسأجلب مقتك إلى نفسي مع عدم تفكيري في غير سعادتك. ويا إميل، لن أطيقَ مطلقًا ألَمَ كوني مكروهًا لديك، حتى إن سعادتَك غاليةٌ كثيرًا بهذا الثَّمَن. أَوَلَا ترى أيها الفتى العزيز أنك إذا ما أكرهتَ نفسك على إطاعتي أكرهتني على قيادتك، وعلى نسيان نفسي وَقْفًا لها عليك، وعلى عدمِ الإنصاتِ لِتَوجُّعِك وتَذمُّرِك، وعلى مكافحةِ ميولك وميولي بلا انقطاع؟ وأنت تفرضُ عليَّ نِيرًا أقسى من نِيرك، فلْنَزِن قُوانا قبْل حَمْلِهما، وخُذْ فُرصةً للتفكير وأعطني مثلَها، واعلمْ أن أبطأَ ما يُوعَدُ هو أصدقُ ما يُنجَز.»

واعلَموا أيضًا أنكم كلَّما جعلتم العَهْدَ صعبًا سَهُلَ تنفيذُه، والمهمُّ في أن يَشْعُرَ الفتى بأنه يَعِدُ كثيرًا وبأنكم أكثرُ منه وعْدًا، ومتى حَلَّ الوقتُ وأمضى العقدَ فغيِّروا اللهجةَ وضَعُوا من الحِلْم في سلطانكم ما يَعْدِل الشِّدَّة التي أعلنتم، وقولوا له: «أيْ صديقي العزيز، تُعْوِزُك التجرِبة، ولكنني صنعتُ ما لا يُعْوِزُك العقلُ معه، وأنت في حالٍ تُبصِرُ بها سلوكي من كلِّ وَجه؛ ولذا فليس عليك غيرُ الانتظارِ هادئَ البال. وابدأْ بالطاعة دائمًا، ثُمَّ اطلبْ حسابًا عن أوامري، وسأكون مستعدًّا لتقديمه إليك عندما تكون مستعدًّا للإصغاء إليَّ، ولن أخشى اتخاذَك حَكَمًا بيني وبينك. وأنت تَعِدُ بأن تكونَ طائعًا، وأنا أعِدُ بألَّا أستعملَ هذه الطاعة إلا لأجعلك أسعدَ النَّاس، واتَّخِذِ النَّصيبَ الذي تمتَّعتَ به حتى الآن ضامنًا لوعدي، ودُلَّني على واحدٍ من لِدَاتك قَضى حياةً حُلوَةً مثلَ حياتك، ولا أَعِدُك بخيرٍ من هذا.»

وسيَكُونُ أوَّلُ ما أُعْنَى به بعد إقامةِ سلطاني هو أن أُبْعِدَ ضرورةَ استعمالي له، ولن أدَّخِرَ وُسْعًا بأن أكون محلَّ ثقته بالتدريج، وبأن أكون نَجيَّ فؤاده وحَكمَ ملاذِّه مقدارًا فمقدارًا، وسأتجنَّبُ مكافحةَ ميولِ سِنِّه مستطلعًا إياها كيما أُسيطرُ عليها، وسأنظر إلى الأمورِ من حيث وِجْهاتُ نظره حتى أُوَجِّهَها، ولن أبحث له عن سعادةٍ بعيدةٍ على حسابِ الحاضر، ولا أُريدُ أن يكون سعيدًا لمَرَّةٍ واحدةٍ مُطلَقًا، بل ليكون سعيدًا دائمًا إذا كان هذا ممكنًا.

ومن يَودُّ توجيهَ الشبابِ بحكمةٍ حِفْظًا له من أشراكِ الأهواءِ يَحْمِله على مقت الغرام، ويجْعل لِمَنْ في سنِّه جُرْمًا من التفكير فيه، كما لو كان الغرام قد صُنِع للشِّيب. وما كانت جميعُ هذه الدروس الخادعة التي يُكَذِّبُها القلبُ لِتُقْنِعَ مُطلَقًا. وفي السرِّ يَضْحَكُ الشابُّ المُسَيَّرُ بغريزةٍ أكثرَ صِدقًا من المبادئ الكئيبة التي يتظاهر بقبولها، ولا ينتظِرُ غيرَ الساعة التي ينبِذُها فيها. وكلُّ هذا مخالِفٌ للطبيعة، وأَبلُغُ عينَ الهدفِ على وجهٍ أكثرَ ضمانًا إذا ما سَلَكْتُ سبيلًا معاكسًا. ولن أخْشى مُطلَقًا أن أُداريَ فيه ما هو مُولَعٌ به من إحساسٍ حُلْو، وسأُصَوِّرُه له مِثلَ سعادةٍ للحياةِ ساميةٍ؛ وذلك لأنه هكذا بالحقيقة، وإني إذ أُصوِّره له أريد أن ينهمكَ فيه، وإني إذ أُشعِرُه بما يُضيفُ اتحاد القلوب من فتونٍ إلى جواذبِ الهوى، أُوحي إليه بالنُّفور من الفُجور، فأجْعلُه حكيمًا إذْ أجعلُه عاشقًا.

ويا لَمَا يجبُ أن يكون من ضِيقِ الذهنِ حتى لا يُبْصَر في الميول الناشئة للفتى غيرُ عوائقَ لدروسِ العقل! وأمَّا أنا، فأرى فيها وسيلةً صحيحةً لجعله منقادًا لهذه الدروسِ عينِها. ولا يُسَيْطَرُ على الأهواء بغير الأهواء، ويَجِبُ أن يُكافَحَ استبدادُ الأهواء بسلطان الأهواء، ويجب أن تُسْتَخْرَج الأدواتُ الصالحةُ لتنظيم الطبيعة من الطبيعة نفسها.

ولم يُصنَعْ إميلُ ليَبقى وحيدًا دائمًا، وهو عُضْوٌ في المجتمع، فيجب أن يقومَ بواجباته، وهو قد صُنِعَ ليعيش مع النَّاس، فيجب أن يَعرِفَهم، وهو يَعْرِفُ الإنسانَ على العموم، فبقيَ عليه أن يَعْرِف الأفراد، وهو يَعْرِفُ ما يُصنَعُ في العالَم، فبقي عليه أن يرى كيف يعيش النَّاسُ فيه. وقد أنى وقتُ إطلاعه على وجه هذا المسرحِ العظيم الذي عَرَفَ جميعَ ألعابه الخفيَّة، وقد عاد لا يَحْمِلُ إليه ما يَصدُرُ عن الفتى الطائش من إعجابٍ سخيف، بل يحمِلُ إليه إدراكَ ذهنٍ مستقيمٍ صائبٍ. ولا رَيْبَ في إمكانِ مخادعةِ أهوائه له. ومتى كانت هذه الأهواءُ لا تَخْدَع مَن ينقادون لها؟! ولكنه لا يُخْدَع مطلقًا بأهواء الآخرين على الأقل، وهو إذا ما أبصرهم أبصرهم بعينِ الحكيم، وذلك من غير أن يُجَرَّ بأمثلتهم، ومن غير أن يُغُوَى بمُبْتَسَراتهم.

وكما أنه يُوجَد عُمُرٌ صالحٌ لدراسة العلوم يوجدُ عُمُرٌ صالحٌ لإدراك عُرفِ العالَم، ومن يتعلَّم هذا العُرفَ في فَتَائه الباكر يَتَّبِعْه مدَى حياته بلا خِيارٍ ولا تأمُّل، ومن غير أن يَعْرِفَ جيِّدًا ما يفعل مطلَقًا، وإن كان مع الجدارة، ولكن الذي يَتعلَّمه ويرى أسبابَه يَتَّبِعُه بتمييزٍ أكثرَ من ذاك؛ ومِنْ ثَمَّ يتَّبِعه بسدادٍ وكِياسةٍ أكثرَ من ذاك. وأعطوني ولدًا في الثانية عشرة من سِنيه غيرَ عارفٍ شيئًا، فإذا ما بلغ الخامسَ عشرَ من عُمُره وَجَبَ عليَّ أن أُعيدَه إليكم عالمًا بمثلِ ما عليه الولد الذي علَّمتُموه منذ الدَّور الأوَّل من العُمُر، وذلك مع الفارق القائل إن معرفة ولدِكم لا تكون في غير ذاكرته ومعرفة ولدي تكون في تمييزه. وكذلك أدْخِلُوا إلى العالَم فَتًى ابنًا للعشرين من عُمُره، فإذا ما أُحْسِنَ تسييرُه كان في عامٍ واحدٍ أكثرَ أُنسًا وأعظمَ تهذيبًا مع الحصافة من ذاك الذي غُذِّيَ بذلك منذ صِباه؛ وذلك لأن الأوَّل إذ يكون قادرًا على الشعورِ بأسبابِ جميعِ الأساليب الخاصة بالعُمُر والحال والجنس، أي بالأمور التي تتألَّف منها تلك العادة، فإنه يستطيع أن يَرُدَّ هذه الأمورَ إلى مبادئَ، وأن يجعلها شاملةً لأحوالٍ غيرِ منتظرة، وذلك على خلاف الآخر الذي ليس عنده غيرُ رُتِينه٤٠ حولَ كلِّ قاعدةٍ فيرتبك فورَ خروجه منه.

ويُنشَّأ جميعُ الأوانسِ من الفرنسيات في الأديار حتى يُزوَّجْن، وهل يُرى أنهن يَجِدن إذ ذاك مشقَّةً في اتخاذ تلك الأوضاعِ التي يُبصِرْنَها بالغةَ الجِدَّة؟ وهل يُتَّهَمُ نساءُ باريسَ بعدم اللباقة وبالتردُّد وبجهلِ ما اصطَلَح عليه العالَمُ لأنهنَّ لم يتعلَّمْنَه منذ صِبَاهن؟ يأتي هذا المُبْتَسَر من رجال العالَم الذين لا يَعرِفون شيئًا أهمَّ من ذلك العلمِ التافه، فيُخيَّلُ إليهم زورًا أن من غيرِ الممكن تحصيلَه بسرعة.

والحقُّ أنه لا يجوز الانتظارُ طويلًا، ومن يَقْضِ جميعَ شبابه بعيدًا من العالَم الأكبر يَحمِلْ إليه في بقية حياته تردُّدًا واقتسارًا وقصدًا بلا داعٍ دائمًا وأوضاعًا ثقيلةً خُرْقًا، فيعودُ غيرَ قادرٍ على التخلُّص منها بعادة العيش في ذلك العالَم، ولا يَنال غيرَ مَظْهَرٍ جديدٍ من السخرية بما يبذُل من جُهْدٍ للخلاص منها. ولكلِّ نوعٍ من التعليم زمانُه الخاصُّ الذي يجب أن يُعرَف وأخطارُه التي يجب أن تُجْتَنب، وتتجمَّعُ الأخطارُ في هذا الدَّور من العُمُر على الخصوص، ولكنني لا أُعَرِّض لها تلميذي من غير احتياطٍ لوقايته منها.

ومتى أصاب منهاجي عَيْنَ الهدفِ من جميع الوجوه، ومتى دَفَعَ محذورًا فمَنَع من وقوع محذورٍ آخرَ، حكمتُ بأنه صالح، وبأنني على الحق، وهذا ما يَظْهَرُ أنني أُبصِرُه في الطريقة التي يوحي إليَّ بها هنا. وإذا أردت أن أكون صارمًا جافيًا مع تلميذي، أضعتُ ثقتَه، وتوارى عني من فوْره، وإذا أردتُ أن أكون ياسرًا سهْلًا أو متغاضيًا، فما يكون نفعُه من وجوده تحت حِراستي؟ لا أكون صانعًا غير إجازةِ فجوره وترويحِ ضميره على حساب ضميري. وإذا ما أدخلتُه إلى العالَم عازمًا على تعليمه فقط، فإنه يتعلَّمُ أكثرَ مما أريد، وإذا ما أبعدتُه عن العالَم حتى النهاية، فما يكون قد تعلَّم منِّي؟ كلَّ شيءٍ على ما يُحتمل، وذلك خلا ألزمَ فنٍّ للإنسان والمواطن؛ أي معرفةَ السلوك مع أمثاله. وإذا ما وَسَمْتُ هذه العنايات بفائدةٍ بعيدةٍ كثيرًا كانت هذه الفائدةُ هَباءً منثورًا؛ فالحاضر هو ما يلتفت إليه. وإذا ما اقتصرتُ على تزويده بالأُلْهُوَّات، فما الخير الذي أكون قد صنعتُ له؟ إنه يَخْنَثُ ولا يتعلَّمُ مُطلَقًا.

لا شيءَ من كلِّ ذلك، وطريقتي تتلافى جميعَ ذلك، وأقول للفتى: يحتاج فؤادُك إلى رفيقة، فدعْنا نَذْهَب للبحث عن التي تلائمك، ومن المحتمل ألَّا تَجِدَها بسهولة؛ فالمَزِيَّةُ الحَقَّةُ نادرةٌ دائمًا، ولكننا لا نستعجل ولا نخيبُ أبدًا. ولا مِراء في وجودِ واحدةٍ من هذا الطراز، وأننا سنجِدها في آخرِ الأمر، أو نجدُ واحدةً قريبةً منها كثيرًا على الأقل. فبهذا العَزْمِ المُدَالي له أُدخِلُه إلى العالَم، وما احتياجي إلى قولٍ أكثرَ من هذا؟ ألا ترون أنني قمتُ بكلِّ شيء؟

ويُمكنكم حين أصِفُ له الخليلة التي أُعِدُّها له أن تتصوَّروا هل أستطيع إسماعَ نفسي، وهل أستطيعُ جَعْلَ الصفاتِ التي يَجِبُ أن يُحِبَّ مقبولةً لديه عزيزةً عليه، وهل أستطيع أن أُهيِّئ جميعَ مشاعرهِ لِما يجب أن يَبحثَ عنه أو يَفِرَّ منه، وأُعَدُّ أخْرَق النَّاس إذا لم أجْعَلْه مولَعًا مُقدَّمًا من غير أن يَعْرِف مَنْ هي، وليس من المهم أن يكون الشخص الذي أصِفُ له خياليًّا؛ فيكفي أن ينَفِّرَه ممن يُمْكِن أن يُغوِيَه، ويكفي أن يُلاقيَ في كلِّ مكانٍ مقارَناتٍ تجْعَلُه يُفضِّلُ خيالَه على الأشخاص الحقيقيين الذينَ يَقِفون نظرَه. وما الغرام الحقيقيُّ إن لم يكن خيالًا ومَيْنًا ووَهْمًا؟ تُحَبُّ الصورةُ التي تُتخيَّلُ أكثرَ جِدًّا من الشخص الذي تُطَبَّقُ عليه. وإذا ما نُظِرَ إلى الشخص الذي يُحَبُّ كما هو عليه عاد لا يكون في الدنيا حُب، وإذا ما كُفَّ عن الحُبِّ بَقيَ الشخصُ الذي يُحَبُّ هو عينه كما كان سابقًا، ولكنه عاد لا يُرَى كما كان يُرى. والواقعُ أنني إذْ أُزَوِّدُ بالشخصِ الخياليِّ أكون مسيطرًا على المقارنات مانعًا بسهولةٍ من الوَهْم حَوْل الأشخاص الحقيقيين.

ولا أريدُ للوصول إلى هذا أن يُخادَع الفَتى بأن يُصوَّرَ له نَموذَجٌ من الكمال لا يُمكِن أن يُوجَد، ولكنني أبْلُغ من اختيار معايبِ خليلته ما يلائمُه وما يروقه فيَنفَع في إصلاح معايبه، وكذلك لا أُريد أن يُكْذَب عليه مُوَكِّدًا زورًا كَوْنَ الشخص الذي يُصوَّرُ له موجودًا. ولكن الصورة إذا ما طابتْ له لم يَلْبَثْ أن يتمنَّى لها أصلًا، ويَسْهُل قَطْعُ المسافة بين التمنِّي والافتراض، وهذا من عَمَلِ بعض الأوصاف اللبِقة التي تُسبِغُ على هذا الشخص الخياليِّ مَسْحَةً كبيرةً من الحقيقة تحت صفاتٍ أكثرَ وضوحًا، وأُبْعِدُ فأذهبُ إلى حَدِّ تسميته، فأقول ضاحكًا: دَعْنا نَدْعُ خليلتَك القادمةَ صُوفْيَة، وصوفيةُ اسمٌ ميمون، ولو كانت التي ستَختارُ غيرَ حاملة لهذا الاسم لكانت جديرةً بحمْله على الأقل؛ ولذا يُمكِننا أن نُكرِمَها به سَلَفًا. ولو كُنَّا بعد جميع هذه التفاصيل قد تفلَّتنا بأعذارٍ ومن غيرِ تصديقٍ ولا إنكارٍ لتحولتْ رِيَبُه إلى يقين، ولَاعْتَقدَ أنه يُنسَجُ له سِرٌّ حوْل الزوجةِ التي تُعَدُّ له وأنه سيراها متى أنَى له ذلك، وهو إذا ما انتهى إلى هذه النتيجةِ ذات مرة وأُحْسِن اختيارُ الأوصافِ التي يجب إطلاعُه عليها سَهُل كلُّ ما بَقي، فأمكَنَ عَرْضُه على العالَم بلا خطرٍ تقريبًا، وإنما صُونُوه من حِسِّيَّاته ليطمئنَّ قلبه.

ولكنْ، سواءٌ عليه أشَخَّصَ النموذجَ الذي استطعتُ أن أُحَبِّبَه إليه أم لم يُشَخِّصه، لا يِقِلُّ رَبطُ هذا النموذج إياه عند إتقان صُنْعه بكلِّ مَن يُشابِهه، ولا يقِلُّ إبعادُه إياه من كلِّ مَن لا يُشابهه، كما لو كان شخصًا حقيقيًّا. ويا للخير في وقاية قلبه من الأخطار التي يُعرَّضُ لها شَخْصُه، وفي زَجْر حِسِّيَّاته بخياله، وفي نزعه على الخصوص من هؤلاء الواهبات للتربية اللاتي يُقدِّمنها غاليةَ الثَّمن، واللاتي لا يُعَلِّمْن الفتى أدبًا إلا بِخَلْعِهِنَّ منه كلَّ عِذَار! ويا لحياءِ صُوفْيَةَ البالغ! فبأيِّ عَيْنٍ تَنظُرُ إلى ما يُقَدِّمْن؟ ويا لبساطةِ صوفْيةَ الكثيرة! فكيف تُحِبُّ ظواهرهن؟ إنهن بعيداتٌ من أفكاره وترصُّداته، فلا يَكُنَّ خَطِرَاتٍ عليه مُطلَقًا.

ويَتَّبِعُ جميعُ مَن يتكلَّمون عن حكومةِ الأولاد عَيْنَ المُبْتَسَرات وعيْنَ المبادئ، وذلك عن سوءِ رَقابة، وعن سوءِ تأمُّلٍ أيضًا، وبالرأي يبدأ ضلالُ الشباب، لا بالمِزاج ولا بالحِسِّيَّات. ولو بحثتُ هنا عن الفِتيان الذين يُنشَّئون في الكليات وعن الفتياتِ اللاتي يُنشَّأنَ في الأديار، لأظهرْتُ صحةَ ذلك حتى من ناحيتهم؛ وذلك لأن الدروسَ الأُولى التي يتلقَّاها أولئك وهؤلاء، وهي الدروسُ الوحيدة التي تُثمِر، هي دروسُ المُنكَر والقُدْوَة — لا الطبيعة — هي التي تُفسِدُهم، ولكن لنتركْ لتلاميذ الكليات والأديار أخلاقَهم الفاسدةَ لتعذُّرِ إصلاحِهم دائمًا، فلا أتكلم عن غير التَّربية المنزلية. وتناوَلوا فتًى نُشِّئَ تنشئةً حسنةً في بيتِ أبيه بالمُلحَقَات. وابحَثوا في أمره حين وصوله إلى باريسَ أو دَعُوه يَدْخُل المجتمع، تجِدوه مُفكِّرًا في أمورٍ صالحةٍ كثيرة، صاحبًا لعزمٍ سليمٍ وعقلٍ مستقيم، وتَرَوه مزدريًا للمنكَر كارهًا للفجور، وتُبصِروا في عينيه دليلَ الطُّهْر عند ذكرِ أية مُومِس، وأرى أنه لا يوُجَدُ فَتًى يُمكِنُ أن يَعْزِم على الدخول بمفرده منازلَ هؤلاء الشقيَّات الكئيبة، ولو كان عالمًا بعادتها شاعرًا بالحاجة إليها.

ثُمَّ ارجِعُوا البصرَ إلى الفتَى عينِه بعد ستة أشهر لترَوا أنكم عُدْتُم غيرَ عارفين إياه، وذلك أنَّ ما يكون من أحاديثه الجريئة ومبادئه العصرية وأوضاعه الطليقة يَحمِلُ على عَدِّه إنسانًا آخرَ، وذلك لولا أن فُكاهاتِه حَوْلَ بساطته الأُولى وما يعتريه من خَجَلٍ حين تذكيره بها تَدُلُّ على أنه هُوَ هُو، وعلى أنه يَسْتَحي من نفسه. وَيْ! ما أكثرَ ما تَحَوَّل في وقتٍ قليل! ومن أين يأتي هذا التغيُّر الكبير المفاجئ؟ يأتي من نشوء المِزاج، أَوَمَا كان يَتَّفِقُ لمزِاجه ذاتُ التقدُّم في المنزل الأبويِّ؟ لا ريبَ أنه ما كان ليتَّخِذَ ذاتَ الصِّبْغَة ولا ذاتَ المبادئ، أَمَلاذُّ الحواسِّ الأُولى؟ إنه إذا ما أُخِذَ على العكس في تعاطي ذلك اتُّصِفَ بالجَزَع والهَلَع، واجتُنِبَ النُّورُ والضوضاء. وتكون الشهواتُ الأُولى حافلةً بالأسرار دائمًا، ويُتَبِّلُها الحياءُ ويسترُها، ولا تَصْنَعُ الخليلة الأُولى ماجنًا، بل تصنع خجولًا. ويستغرقُ هذا الوضع التامُّ الجِدَّة جميعَ الفتى، فيَجْمَعُ حواسَّه ليتمتعَ به، فيرتجف دائمًا خشيةَ أن يُضِيعه، ولو كان صَخَّابًا ما كان شَهوَانيًّا ولا ناعمًا، ولا يُعَدُّ متمتِّعًا ما دام مُتبجِّحًا.

وللتفكير وجوهٌ أخرى نشأت هذه الفروقُ عنها وحدَها، ولا يزال فؤادُه كما هو، ولكنَّ آراءه تغيَّرت، وتفسُدُ أحاسيسُه بأبطأَ مِن فسادِ آرائه، وهي تَفْسُد بهذه الآراء في آخرِ الأمر، وهنالك فَقَطْ يكون فاسدًا حقًّا، وهو لا يكادُ يَدْخُل المجتمع حتى يتلقَّى فيه تربيةً ثانيةً مُبايِنةً للأُولى، فيتعلَّم بها ازدراءَ ما كان يُقَدِّر، ويُقَدِّرُ ما كان يزدري، أيْ إنه يَعُدُّ دروسَ والديه ومُعلِّميه رطانةَ حَذْلقة، ويَعُدُّ ما يَعِظونه به من واجباتٍ عِلْمًا صِبيَانيًّا في الأخلاق لا مَعْدِلَ له عن الاستهانة به بعد أن صار كبيرًا. وهو يعتقد اضطراره إلى تغيير سلوكِه عن شَرَف، فيغدو جريئًا مع النساء بلا رغبةٍ ومزْهُوًّا عن حياءٍ سيئ، وهو يهزأ بصالح الطبائع قبل أن يذوق فاسدَها، وهو يفاخر بالدَّعَر من غير أن يكون داعرًا. ولن أنسى اعترافَ ضابطٍ شابٍّ في الحرس السويسري، كان يتبرَّم كثيرًا من لهو رفقائه الصاخب، فلا يجرؤ على رفض الاشتراك فيه خَشْيةَ استهزائهم به، وقد قال: «إنني أتمَرَّن على هذا كما أتمرَّن على تعاطي التَّبْغ مع ما يساورني من نفور، ويأتي الذوق بالعادة، فلا يجب أن يبقى الإنسان صبيًّا دائمًا.»

وهكذا، فإنه يجب صَوْنُ الفتى الداخل في المجتمع من الزَّهو أكثرَ من الشهوَة؛ فالفتى يُذعِن لميول الآخرين أكثرَ من إذعانه لميول نفسه، ويصنَعُ حُبُّ النفس فُجَّارًا أكثرَ مما يَصنَعُ الغرام.

وأسألُ بعد بيانِ ذلك: هل يُوجَدُ في العالَم بأجمعه إنسانٌ كتلميذي، مُسَلَّحٌ تجاه كلِّ ما يُمكِن أن يُهاجِمَ أخلاقَه ومشاعرَه ومبادئَه، قادرٌ على مقاومة السَّيْل؟ وذلك تجاه أيِّ إغواءٍ لا يكون مدافعًا؟ فإذا كانت مُيوله تسوقه إلى الجنس الآخر لم يَجِدْ فيه مَن يَبْحَثُ عنها، ويُمسِكُه فؤادُه المهموم، وإذا كانت حواسُّه تُحَرِّكه وتُحَدِّثُ قَلْبَه، فأين يجِدَ ما يَقضي به وَطَرَها؟ يُقصيه مقته للزِّنى والفجور عن المومسات والمتزوِّجات على السواء، ويبدأ فِسْقُ الشباب مع أيٍّ من هذين الفريقين دائمًا. أجلْ، قد تكون الفتاةُ الصالحة للزواج مِغْناجًا، ولكنها لا تكون خالعةَ العِذَار، وهي لا تذهب إلى إلقاء رأسها على فَتًى يُمكِنُ أن يتزوجها إذا ما اعتقد حُسْنَ سلوكها، ثُمَّ إنها تَجِدُ مَن يقوم برَقابتها، وكذلك إميلُ لن يُوكَلَ إلى نفسه تمامًا، وسيجِدان في الخوف والحياء على الأقل رقيبَين ملازمَين للميول الأُولى، فلا ينتقلان إلى آخرِ الدَّلال بغتة، ولا يكون لديهما من الوقت ما يأتيانه بالتدريج من غير عَقَبَات، ولا بدَّ لسلوكه غيرَ هذا السبيل من أن يكون قد تَلَقَّى درسًا مع رفقائه فتعلَّم منهم أن يَسْخَرَ من زَجْرِ نفسه وأن يصير ماجنًا على غِرَارهم. ولكن أيُّ إنسانٍ في العالَم يَكُونُ أقلَّ من إميلَ تقليدًا؟ وأيُّ إنسانٍ يكونُ أقلَّ تأثُّرًا بالسُّخْرية من هذا الذي ليستْ لديه مُبْتَسَرات، ولا يستطيع أن يخضع لمُبْتَسَرات الآخرين؟ لقد عَمِلْتُ عشرين عامًا في تسليحه ضد المستهزئين، وهم يحتاجون إلى أكثرَ مِن يومٍ واحدٍ حتى يُغَرَّ بهم؛ وذلك لأنه يرى المَهْزأة في برهان الأغبياء، ولأنه لا شيءَ يجعل الإنسانَ غيرَ متأثِّرٍ بالسخرية سوى وجوده فوق المُبْتَسَر، وهو يحتاج إلى براهينَ بدلًا من الفكاهات. ولا أخشى أن ينزِعه الفِتيانُ المجانينُ منِّي ما وقف عند ذلك الحد؛ فالضمير والحقيقة هما ما أُبصر بجانبي، وإذا ما وَجَبَ تدَخُّلُ المُبتَسَر في الأمر كان تعلُّقُ عشرين عامًا شيئًا يُذكَرُ أيضًا؛ فلن يوجَدَ مَن يُقنِعُه بأنني أورثْتُه سأمًا بدروسٍ فارغةٍ. ومن شأن صوت الصديق المخلِص الصادق أن يمحو في القلب المستقيم الحساس كلَّ أثرٍ لأصوات عشرين من الغاوين. وبما أن الأمر يدورُ حصرًا حول إطلاعه على مخادعتِهم له، وعلى أنهم حين يتظاهرون بمعاملته مثلَ رجلٍ يعاملونه مِثلَ ولدٍ بالحقيقة، فإنني أتظاهر بالبساطة ولكن مع الاتزان والوضوح في براهيني، وذلك كيما يشعر بأني أنا الذي يعامله مثل رجل، فأقول له: «تَرَى أن مصلحتك الوحيدة التي هي مصلحتي هي التي تُملِي عليَّ كَلِمِي، ولا يُمكِنني أن أصنعَ غيرَ ذلك، ولكن لِمَ يُريدُ هؤلاء الفِتيان إقناعَك؟ ذلك لأنهم يريدون إغواءك، وهم لا يحبُّونك مُطلَقًا، وهم لا يُبالون بك مطلقًا، ويقوم داعيهم الوحيدُ على غيظهم الخفي من كونك أفضلَ منهم، فيودُّون لو يُنزِلونك إلى مستواهم الحقير، وهم لا يلومونك على خضوعك للرَقابة إلا ليسيطروا عليك بأنفسهم. وهل يُمْكِنُك أن تعتقد وجودَ كَسْبٍ لك في ذاك التحوُّل؟ وهل بَلَغُوا من سُموِّ الدراية ما بلغتُ إذن؟ وهل وَلَعُ يومٍ واحدٍ أقوى من وَلَعي؟ لا بُدَّ لهم من القدرة على إعطاء وزنٍ لسلطانهم حتى يُقام وَزْنٌ لسُخريتهم، وأيةُ تجرِبةٍ اتفقت لهم رفْعًا لمبادئهم فوق مبادئنا؟ هم لم يَصنَعُوا غيرَ تقليدِ طائشِين آخرِين، فتراهم يُريدون أن يُقلَّدُوا بدَورِهم، وهم يريدون أن يجعلوا أنفسهم فوق مُبْتَسَرات آبائهم، فتراهم يُخضِعون أنفسهم لمبتَسَراتِ رفقائهم. ولا أُبصِرُ ما يكسِبون من هذا مطلَقًا، ولكني أُبصِرُ أنهم يخسرون به فائدتَين عظيمتَين لا ريب، وهما: فائدة العطف الأبوي الذي يكون ما يَصدر عنه من نصائحَ ليِّنًا صادقًا، وفائدة التجرِبة التي تَحْمِلُ على الحكم في الأمور بما هو معروف؛ وذلك لأن الآباء كانوا أولادًا، ولم يكن الأولاد آباء.

ولكن أتظنُّ أنهم مخلصون في مبادئهم الحُمْقِ على الأقل؟ ولا هذا أيضًا يا إميل العزيز؛ فهُم يَخدَعون أنفسَهم ليخدعوك، وهم ليسوا على اتِّفاقٍ مع أنفسهم، ويُكذِّبهم فؤادهم دائمًا، ويناقضهم لسانهم غالبًا، ومنهم هذا الذي يُحوِّل إلى سُخريةٍ كلَّ ما هو صالحٌ مع اليأس من تفكير زوجته مثله، ومنهم ذاك الذي يَبلُغ من عدم الاكتراث للأخلاق ما يَجْعَله شاملًا لزوجته القادمة، أو إنه يَبلُغُ من الانغماس في العار ما لا يكترث معه لسلوك زوجته. ولكن تقدَّم إلى الأمام، وحدِّثه عن أمه، وانظُرْ هل يوافق أن يُعامَل ابنًا لزانيةٍ وامرأةٍ سيئة السلوك، فيحمِل اسمًا زائفًا لأسرةٍ ويسرِق تُراثَ وارثٍ شرعي؟ أيْ هل يُطيقُ أن يُعامَل مِثلَ نَغْل؟ ومَن منهم يُريد أن يَرُدَّ على ابنته عارًا غَمَرَ به بنتَ رجلٍ آخر؟ ولم يوجد واحدٌ منهم لم يعتَدِ حتى على حياتك إذا ما انتحلتَ معه في ميدان العمل جميعَ المبادئ التي يبذُل وُسْعَه في منحك إياها. وهكذا فإنهم يُبدُون تناقضَهم، فيُعلَم أن كلَّ واحدٍ منهم يقول ما لا يعتقد، وهذه براهينُ يا إميلُ العزيز، ففكِّر في براهينهم إذا كان عندهم برهان، ثُمَّ قارن بينها وبين براهيني، ولو أردتُ أن أستعين بالازدراء والهزوء كما يستعينون لرأيتهم يُسلِمون أنفسَهم إلى السخرية كما أُسْلِمُ أو أكثر، ولكنني لا أخشى الاستقصاء الجِدِّي؛ ففوز المستهزئين قصيرُ الأجل، وتبقى الحقيقة، ويزول ضَحِكُهُم المخالفُ للصواب.»

ولا تتصوَّرون كيف يُمكن إميلَ البالغَ من السِّنِّ عشرَ سنين أن يكون طائعًا، ويا للاختلاف في تفكيرنا! ولا أُدرِك كيف أمكنه أن يكون طائعًا ابنًا للعاشرة من سِنيه، وأيُّ سلطانٍ يكون لي عليه في ذاك العُمُر؟ لقد بذلتُ جهودَ خمسَ عشرةَ سنةً لوقاية هذا السلطان، ولم أُنشِّئه في ذلك الحين، بل كنت أُعِدُّه ليُنشَّأ، والآن بلغ من التنشئة ما يَكفي ليكون طائعًا، وهو يَعْرِف صوتَ الصداقة، وهو يَعْرِف أن يُذعن للعقل. أجلْ، إنني أترك له مظهر الاستقلال حقًّا، ولكنه لم يكن تابعًا لسلطاني أكثرَ مما في الوقت الحاضر؛ وذلك لأنه أراد أن يكون هكذا. وقد بقيتُ مسيطرًا على شخصه ما عجزتُ عن السيطرة على إرادته، فلا أتركه دقيقةً واحدة، والآن أكِلُه إلى نفسه أحيانًا؛ وذلك لأنني أهيمِنُ عليه دائمًا، وإذا ما تركته عانقته وقلت له بلهجة الواثق: «أدفعُك إلى صديقي لتكون وديعةً عنده، وأُسلِّمُك إلى قلبه الكريم، وهو الذي سيُجيبني عنك.»

ولا يتمُّ في ساعةٍ واحدةٍ إفسادُ المشاعرِ السليمة التي لم يَطْرَأ عليها أيُّ فسادٍ سابقًا، وزوال المبادئ المشتقة مباشرةً من أنوار العقل الأُولى. وإذا حدثَ تغييرٌ في أثناء غيابي، لم يكن على شيءٍ من الطول مُطلَقًا، وهو لا يُمكِن أن يُكتَم عني بما فيه الكفاية حتى لا أدركَ الخَطَرَ قبلَ الشَّر، ولا يكون لديَّ من الوقت ما أعالجه فيه. وكما أن الفساد لا يتمُّ دفعةً واحدة، فإن تعلُّمَ المخادعة لا يتمُّ دفعةً واحدة. وإذا ما وُجِدَ إنسانٌ غيرُ حاذقٍ في هذه الصناعة كان هذا الإنسانُ إميلَ الذي لم تُتَح له فرصةٌ واحدةٌ في حياته لمزاولتها.

وأعتقدني بهذه الجهود وما ماثلها قد بَلَغْتُ من ضمانه تجاه الأمور الخطِرة والمبادئ المبتذلة ما أُفضِّلُ أن أراه معه في وَسَطِ أكثرِ مجتمعاتِ باريسَ فسادًا، على أن أشاهده وحدَه في غرفته أو في روضةٍ مُوكَلًا إلى همِّ عُمُره. ومهما يكن من أمرٍ فإن الشابَّ نفسه هو أخطَرُ جميعِ الأعداء الذين يُمكِن أن يهاجموه، وهو الوحيدُ الذي لا يُمكِن إقصاؤه، ومع ذلك فإن هذا العدوَّ لا يكون خطِرًا إلا بخطأ يَصدُر عنَّا؛ وذلك لأن الحواسَّ تستيقظ بالخيالِ وحدَه كما قلتُ ذلك ألفَ مرة، وليست حاجتُها حاجةً بدَنيَّةً بحصرِ المعنى، وليس من الصحيح أن يكون هذا احتياجًا حقيقيًّا. ولو لم يقِف الموضوع الداعر نظرنا، ولو لم يدخُل الفكرُ الفاجرُ ذِهنَنا، لم يُشْعِر هذا الاحتياجُ المزعومُ بنفسه فينا على ما يُحتمل، ولبقينا أطهارًا خالِين من النَّزَغات والجهود والمَزِيَّة. ولا يُعرَف أيُّ فَوَرانٍ أصمَّ يُثيرُه بعضُ الأوضاع وبعضُ المناظر في دَمِ الشباب من غير أن يَعْرِف بنفسه تمييز علَّة هذا الهمِّ الأوَّل الذي لا يَسْهُل تسكينُه، والذي لا يَلْبَثُ أن يُبْعَث. وأمَّا أنا، فكلَّما تأمَّلت هذه الأزمَةَ المهمَّة، وأنعمت النظرَ في عللها القريبة والبعيدة، قَنِعتُ بأن المُعتَزِلَ الذي رُبِّيَ في بَرِّيَّة بلا كُتبٍ ولا تعليمٍ ولا نِسوَةٍ يَموت فيها بَتولًا مهما يَكُن العُمُر الذي يبلُغه.

ولكنْ ليس هنا موضوعُ بحثٍ عن وحشيٍّ من هذا الطراز، وليس من الممكن، ولا من الملائم أيضًا أن يُنشَّأ دائمًا ضِمْن هذه الجهالة الشافية، وشَرٌّ من هذا على الحِكْمة أن يكون نصفَ عارف، وتَتْبَعُنا في العُزْلة ذكرى الأمورِ التي وَقَفَت نظرَنا والأفكارُ التي اكتسبناها، وهي تَعْمُرُها على الرغم مِنَّا بصُوَرٍ أكثرَ إغواءً من الأشياء نفسِها، وهي تَجْعَلُ العزلةَ شؤمًا على الذي يَحمِلُها إليها بمقدار فائدتها للذي بَقيَ وحيدًا فيها دائمًا.

ولِذا فارقُبوا الشابَّ بدقة، وهو يستطيع أن يَقيَ نفسَه من البقية، ولكنْ يتوقَّف عليكم أن تَقُوه من نفسه، ولا تتركوه وحدَه ليلًا ولا نهارًا، وناموا في غرفته على الأقل، ولا تَدَعوه يدخُل الفِراش إلا تَعِبًا نُعَاسًا، فلا يَخْرُج منه إلى حين يُفيق، واحذَروا الغريزةَ عندما تعودُون غيرَ مقتصرين عليها، وهي تكون صالحةً ما سارت وحدَها، وهي تكون محلَّ ارتيابٍ ما اتصلت بمؤسَّساتِ النَّاس، ولا يجوز أن يُقضى عليها، بل يجب تنظيمُها، وقد يكون تنظيمُها أصعبَ من إزالتها، ومن الخطرِ البالغِ أن تُعلِّمَ الغريزةُ تلميذَكم مخادعةَ حواسِّه، وأن تُعَوِّض من فُرَصِ قضاءِ هذه الحواس، فإذا ما عرف تلميذُكم هذا العِوَضَ ضاع، وذلك أنه يكون هائجَ الجسم ثائرَ الفؤادِ منذ ذلك الحين دائمًا، وأنه يَحمِلُ حتى القبرِ نتائجَ هذه العادةِ الكئيبة، هذه العادةِ التي تُعَدُّ أشأمَ ما يُمكِن أن يُعبَّدَ لها شاب. ولا رَيْبَ في أن الأفضلَ … وإذا ما صارت صَوْلات المِزاجِ الأجُوجِ أمرًا لا يُقْهَر، يا إميلُ العزيز، فإني أرْثي لك، ولكنني لا أتردد ثانية، ولا أتساهل مُطلَقًا في أمرِ التملُّصِ من غَرَض الطبيعة. وإذا ما وَجَبَ أن يُخْضِعَك طاغية، فإنني أُسلِّمُك إلى هذا الذي أستطيع إنقاذك منه؛ أيْ مهما يكُن من أمرٍ فإنني أنزِعُك من النساء بأسهلَ مِن أن أنزِعَك من نفسك.

وينمو البدنُ حتى العشرين من السِّن، ويحتاج البدنُ إلى جميع جوهره، ويكون العَفَافُ من نظام الطبيعة حتى ذلك الحين، ولا يُنقَضُ هذا النظام على إلا حساب بُنيَانه، فإذا حَلَّ العشرون من العُمُر أصبح العفافُ واجبًا خُلُقيًّا، وغدا مُهِمًّا لتعلُّم ضبطِ النفس وبقاء الإنسان سيدَ شهواته. بَيْدَ أن للواجبات الخُلُقية تحوُّلاتِها واستثناءاتها وقواعدَها، وإذا ما اقتضى الضَّعفُ البشريُّ تناوبًا، وصار هذا التناوبُ أمرًا لا مفرَّ منه، وجب اختيارُ أخفِّ الضررين. ومهما يكن من أمر، فإن اقترافَ وِزْرٍ أهوَنُ من إيلاف مُنكَرٍ.

واذكُرُوا أنني عُدْتُ لا أتكلَّمُ عن تلميذي هنا، بل عن تلميذكم، وتُخضِعُكم أهواؤه التي تركتموها تثور، فاخضعُوا لها، إذَن، جَهْرًا ومن غير أن تُخفوا عنه فوزَه. وإذا ما استطعتم أن تُرُوه إياه على حقيقته ظَهَرَ به أقلَّ زَهْوًا منه خَجِلًا، وظَهَرَ لكم من الحقِّ ما تُرشِدونه به في أثناء ضلاله حَمْلًا له على اجتناب المصائب. ومن المهمِّ ألَّا يصنَع الطالبُ شيئًا لا يَعْرِفه المُعلِّم ولا يريده، ولو كان ذلك الشيء شرًّا، وأفضل مائة مرةٍ أن يوافق المُعلِّم على ذَنْبٍ مُموِّهًا على نفسه من أن يخادِعَه تلميذُه وأن يُقترَف الذَّنبُ من غير أن يَعرِف عنه شيئًا. ومن يظُنُّ وجوبَ الإغضاء عن أمرٍ لا يَلْبَث أن يَرى اضطراره إلى الإغماض عن جميع الأمور، ويؤدي أوَّلُ سوء استعمالٍ يُغَضُّ البصرُ عنه إلى سوء استعمالٍ آخرَ، ولا تنتهي هذه السلسلة إلى غيرِ انهيارِ كلِّ نظام وازدراء كلِّ قانون.

ويُوجَدُ خطأٌ آخرُ كنت قد ناهضته، ولكنْ مع عدم صدوره عن النفوس الصغيرة مُطلَقًا، وهو أن يُظهَرَ بمظهرِ وقارِ الحاكم دائمًا، وأن يُرادَ الدخولُ في ذهنِ التلميذ مثلَ رجلٍ كامل؛ فهذا المنهاج مخالفٌ للصواب، وكيف لا يَرَوْن أنهم يُقَوِّضون سلطانهم من حيث يَوَدُّون توطيدَه، وأنه لا بُدَّ لهم من وضْع أنفسهم في مكانِ مَن يُخاطَبون ليَحْمِلوا على سماع جميع ما يقولون، وأنه لا بُدَّ للواحد من أن يكون إنسانًا حتى يَعْرِفَ مخاطبةَ القلبِ الإنساني؟ لا يؤثِّر جميعُ هؤلاء الفُضَلاء ولا يُقْنِعون، ويُقال دائمًا: «يَسْهُل عليهم أن يناهضوا ما لا يشعُرون به من الأهواء.» فأطلِعوا تلميذَكم على ضَعفكم إذا ما أردتم شفاءه من ضَعفه، وليُبصِرْ فيكم عَيْنَ الكفاح الذي يُحِس، وليتعلَّمْ أن يقْهَرَ نفسَه على غِرارِكم، ولا تَدَعُوه يقول كما يقول الآخرون: «يُريدُ هؤلاء الشِّيبُ الذين يغيظُهم أنهم عادوا لا يكونون شُبَّانًا، أن يُعاملَ الشبابُ كما لو كانوا شِيبًا، فيجعلون من أهوائنا جُرْمًا لانطفاءِ أهوائهم.»

ويرْوي مونتينُ أنه سأل سِنيورَ لانْجِه ذات يومٍ عن عدد ما سَكِرَ بسبب خدمة الملك في أثناء مفاوضاته ألمانية، وأسألُ مُعلِّمَ أحد الشباب بطوعي عن عدد المرات التي دخل فيها أحد المواخير خِدْمةً لتلميذه؟ أنا مخطئ، فإذا لم تَنزِع المرةُ الأُولى من الداعر مَيْلَ العَوْدِ إليه، وإذا لم يَرْجع منه تائبًا خَجِلًا، وإذا لم يسكُب على صدركم سيولًا من الدموع، فَدَعوه من فوْره؛ فهو ليس سوى عُول، أو إنكم لستم من غير الأغبياء، فلن تكونوا نافعين له في شيءٍ مطلَقًا، ولكنْ لنتركْ هذه الطرائق المتناهية الكئيبة الخَطِرَة والتي لا تَمُتُّ إلى تربيتنا بصِلة.

ويا للاحتياطات التي تُتَّخَذُ تجاه شابٍّ أصيلٍ قَبْل تعريضه لأوضاع العصر الشائنة! إن هذه الاحتياطات شاقَّة، ولكنها ضرورية، والإهمالُ هو الذي يُضيع جميعَ الناشئة من هذه الناحية، ويَنْحَطُّ النَّاسُ بفُجُورِ الدَّور الأوَّل من العُمُر فيتحوَّلون إلى الحال التي يُرَون عليها اليوم. وهم إذ يَبدون أدنياءَ نُذَلاء حتى في معايبهم، فإنهم لا يكونون من غير أصحاب النفوس الحقيرة، وذلك لفسادهم باكرًا عن وَهْنٍ في أبدانهم، فلا يكاد يَبْقى لهم من الحياة ما يكفي للتحرُّك، وتَنِمُّ أفكارهم الدقيقة على أذهانٍ يُعْوِزُها الجوهر، وهم لا يَقْدِرون على الشعور بأمرٍ جليلٍ أو نبيلٍ. ولا يوجدُ عندهم نشاطٌ ولا بساطة. وبما أنهم نُذَلاءُ في كلِّ شيء، وبما أنهم أشرارٌ مع الدناءة، فإنهم ليسوا غير مُبْطِلين خُبَثاء مُرائين، حتى إنه ليس لديهم من الشجاعة ما يكونون معه فُجَّارًا ظاهرين، وهؤلاء هم الأذلاءُ الذين يُسفِرُ عنهم دَعَرُ الشباب، وإذا ما وُجِدَ بينهم واحدٌ يَعْرِف أن يكون معتدلًا وقورًا قادِرًا أن يَحفَظ بينهم فؤاده ودمَه وأخلاقَه، وذلك من عَدْوَى القُدوَة، سَحَق جميع هؤلاء الحشرات ابنًا للثلاثين من عُمُره، وصار سيدَهم بِجُهدٍ أقلَّ من الذي يبذُل ليظَلَّ سيدَ نفسه.

ومهما يكن من قلةِ ما عند إميلَ من نَسَبٍ ونَشَب، فإنه يصيرُ ذاك الإنسان الذي يُريدُ أن يكونَه، غير أنه يَبْلُغ من ازدرائه لهم ما لا يتنازل معه أن يستعبدَهم. والآن لننظرْ إليه بينهم وهو يدخُل المجتمع، لا لتكون له الصدارةُ فيه، بل ليَعْرِفَه وليجدَ فيه رفيقةً تناسبه.

وستكون بُداءتُه بسيطة، وبلا تصنُّع مهما كانت الطبقة التي وُلِدَ فيها والمجتمع الذي أُدخِلَ إليه. ومعاذَ الله أن يكون من الشقاء ما يَلمَعُ معه في ذاك المجتمع! فليست الصفاتُ التي تؤثِّرُ عند أوَّل نظرةٍ صفاتِه، وهو لم يَحُزْها ولا يُريدُ حيازتَها، وهو قليلُ الالتفات إلى رأي الآخرين في تقدير مُبْتَسَراتهم، ولا يكترث لتقدير النَّاس إياه، أو لعدم تقديرهم له قبلَ أن يَعْرِفوه. وليس الوجه الذي يظهر به متَّضِعًا ولا فارغًا، بل طبيعيٌّ وحقيقي، وهو لا يَعْرِف الانقباض ولا التنكُّر، ويكون في وَسَط الحلْقة مِثْلَه وحيدًا وبلا شاهد. وهل يكون بهذا فظًّا مُزدَريًا غيرَ مُبالٍ بأحد؟ والعكسُ هو الواقع، فإذا كان لا يأبهُ وحدَه للآخرين، فلِمَ لا يأبهُ لهم ما دام عائشًا بينهم؟ إنه لا يُفضِّلُهم على نفسه في أوضاعه؛ لأنه لا يفضِّلُهم على نفسه في فؤاده، بَيْدَ أنه لا يُريهم عدمَ اكتراثٍ يُعَدُّ بعيدًا من الشعور به. وهو إذا كان خاليًا من صِيَغ المجاملة، فإن له عنايةً بالإنسانية، وهو لا يُحِبُّ أن يرى إنسانًا يألَم، وهو لا يُقدِّم مكانه إلى آخرَ عن رئاء، وإنما يَترُكه له بطَوْعِه عن لطف، وذلك إذا ما رآه مُهمَلًا وقَدَّر أن هذا الإهمالَ يُذِلُّه؛ وذلك لأنه يجد غضاضةً في بقائه واقفًا طَوْعًا أقلَّ مما يَجِدُ في مشاهدته آخرَ يَبقى واقفًا كَرْهًا.

ومع أن إميلَ لا يعتَبِرُ النَّاس على العموم، فإنه لا يُظْهِرُ لهم ازدراءً مطلَقًا؛ وذلك لأنه يَتوَجَّع لهم ويَحِنُّ عليهم. وبما أنه لا يستطيع أن يَمنَحَهم ذوقَ الخيرِ الحقيقي، فإنه يَدَعَ لهم خيرَ الرأي الذي يُرضيهم، وذلك خشيةَ أن يجعَلَهم أكثرَ شقاءً من قَبْلُ بنزعِه هذا الخيرَ منهم؛ ولذا فهو ليس مِجدالًا ولا معارضًا، وليس ملاطفًا ولا مصانعًا، وهو يُبدي رأيه من غير أن يناهِض رأيَ أحد؛ وذلك لأنه يُحِبُّ الحريةَ فوقَ كلِّ شيء، ولأن الصراحةَ من أروع ما تنطوي عليه الحرية من حقوق.

وهو قليلُ الكلام؛ وذلك لأنه لا يَشْغل بالَه بأن يُكترَث له، وهو لا يُحدِّث عن غيرِ الأمور النافعة لهذا السبب، وإلا فأيُّ شيءٍ يَحمِلُه على الكلام؟ إن إميلَ من الاطِّلاع الكثير ما لا يكون معه ثَرْثارًا، ويصدُر الهذْرُ الكبيرُ بحكم الضرورة عن زعْمِ الذهن الذي سأتكلَّم عنه فيما بعد، أو عن القيمة التي تُعطاها التُّرَّهات، فنكون من السخافة ما نَظُنُّ معه أن الآخرين يعتبرونها مثلَ اعتبارنا لها. ولا يُكثِرُ من الكلام مُطلَقًا ذاك الذي يكون عنده من المعرفة ما يَكفي لإعطاء كلِّ شيءٍ قيمتَه الحقيقية؛ وذلك لأنه يَقْدِر أن يُقدِّرَ ما يُنتَبَه به إليه، وما يُمْكِن أن يُوجَد في كلامه من نَفْع. وعلى العموم تَرَى الذين يَعْرِفون قليلًا يتكلَّمون كثيرًا، وتَرى الذين يَعرِفون كثيرًا يتكلمون قليلًا. أجلْ، إن من الأمور البسيطة أن يَجِدَ الجاهلُ جميعَ ما يَعْرِف أمرًا مهمًّا، فيقوله لجميع النَّاس، غير أن الرجلَ المثقَّف لا يَعْرِض ما يَعْرف بسهولة؛ فلديه أمورٌ كثيرة يُحَدِّث عنها، ثُمَّ يرى أمورًا أكثرَ من تلك تُقال بعد ذلك، فيلتزم جانبَ الصمت.

ولا يَصْدِمُ إميلُ أوضاعَ الآخرين، وهو يلائمها طَوْعًا بما فيه الكفاية، لا ليَظْهَرَ عارفًا بالعادات، ولا ليَظْهَرَ مُهذَّبًا، بل خشيةَ أن يُمَاز، ولئلا يكون محلَّ نظر، ولا شيءَ يُريحه أكثرُ من عدم الانتباه إليه.

وهو، وإن كان يجهلُ أوضاعَ المجتمع جهلًا مُطلَقًا عند دخوله إليه، لا يكون وَجِلًا هَلوعًا لهذا السبب، وهو إذا كان يتوارى فليس هذا عن ارتباكٍ مطلقًا، بل لأنه يجب ألَّا يُرى الإنسان حتى يَرى جيِّدًا؛ وذلك لأن ما يُفكَّرُ في أمره لا يُقلِقُه مُطلَقًا، ولأنه لا يعتريه أدنى فَزَعٍ من الهُزُوء. وهو، إذ يهدأ دائمًا ويكون معتدلًا، لا يُزعَج بالخَجَل. وهو، سواءٌ أنُظِرَ إليه أم لم يُنظَر، يَصنعُ ما يصنَع مع ما يمكنه من إتقان، وبما أن عليه أن يلاحِظ الآخرين دائمًا، فإنه يُدرِك أوضاعَهم بسهولةٍ تتعذَّرُ على عبيد رأي الآخرين؛ ولذا يُمْكِن أن يُقال إنه ينتحل عُرْفَ المجتمع عن عدم اكتراثٍ له.

ومع ذلك، فلا تخْدَعوا أنفسَكم حَوْلَ وَضْعه، ولا تُقابِلوا بين هذا الوضع ووضع مُتظرِّفيكم؛ فهو رصينٌ غيرُ مُختال، وهو طليقُ الأطوارِ غيرُ مُزدَرٍ، ولا يَخُصُّ طَوْرُ البَطَر غيرَ العبيد، وليس في الاستقلال شيءٌ من التصنُّع. ولم أرَ قَطُّ إنسانًا ذا عُلوٍّ في النفس يُبديه في طَوْره، وأكثرُ ما يكون هذا التصنُّع خاصًّا بأصحاب النفوس الحقيرة المختالة التي لا تستطيع أن تَغُرَّ بغير ذلك. ومما قرأتُ في كتابٍ أنَّ أجنبيًّا دَخَلَ على مَرسِيلَ الشهيرِ في بَهوِه، فسأله هذا عن بلده، فأجابه الأجنبيُّ عن سؤاله بقوله: «إنني إنكليزي.» فقال له الراقصُ: «أنت إنكليزيٌّ! أنت من تلك الجزيرة التي يكون للمواطنين فيها نصيبٌ في الإدارة العامة، ويُعَدُّون جزءًا من السلطان ذي السيادة!٤١ كلَّا يا سيِّدي، إن هذا الجبينَ المُطرِقَ وهذا النظرَ الوَجِلَ وهذه المِشْيةَ الحائرةَ، أمورٌ لا تدلُّني على غيرِ عبدٍ مُلقَّبٍ بناخبٍ.»

ولا أعلمُ هل هذا الحكمُ يدلُّ على معرفةٍ واسعةٍ بالصلة الحقيقية بين خُلُق الإنسان وظاهره، وأمَّا أنا فلم يكن لي شرفُ مُعلِّمٍ في الرقص، فتراني أرى العكس، فأقول: «إن هذا الإنكليزيَّ ليس نديمًا، ولم أسمعْ قَطُّ أن الندماء ذوو جِباهٍ مُطرِقةٍ ومِشيةٍ حائرة، ومما لا ينبغي عند الراقص ألَّا يكون الرجلُ الخَجِلُ في مجلس العموم.» ولا مراءَ في أن مسيو مرسيلَ ذاك يَحْسَبُ مواطنيه ككثيرٍ من الرومان.

ومن يُحِبَّ يُرِدْ أن يُحَبَّ، وإميلُ يُحِبُّ النَّاس، فيُريدُ أن يقعَ عندهم موقعَ الرِّضا إذَن، وأكثرُ من هذا كوْنُه يُريد أن يَروقَ النساء، وما عليه من عُمُرٍ وخُلُقٍ وقصْدٍ يتضافر على تغذية هذه الرغبة فيه، وقد قلتُ أخلاقَه لِمَا لها من أثرٍ بالغٍ. وعُبَّاد النساء الحقيقيون هم الذين عندهم خُلُق. أجلْ، ليس لديهم ما عند الآخرين من رَطانة ساخرةٍ في المغازلة، غير أنه يوجدُ عندهم من المبادرة ما هو أكثرُ صدقًا وأعظمُ عطفًا، لصدوره عن القلب، ويُمكِنُني أن أَمِيزَ بجانبِ فتاةٍ رجُلًا ذا أخلاقٍ وضَبْطِ نفسٍ بين مائة ألف فاجر، واحْكُمُوا فيما يُمْكِنُ أن يَكُونه إميلُ صاحبًا لمِزاجٍ تامِّ الجِدَّة مع كثيرٍ من الأسباب للمقاومة! وأظُنُّ أنه سيكون بجانبهن خَجِلًا مرتبِكًا أحيانًا، ولكن هذا الارتباك لا يورِثُهنَّ غيظًا، ولا يَجِدُ أقلُّهنَّ غُنَاجًا من ذلك غيرَ وسيلةٍ للتمتُّع بذلك مع زيادته غالبًا. ثُمَّ إن مبادرته تتَّخِذ من الأشكال ما يختلف مع الأحوال، فيكون أكثرَ تواضُعًا وأعظمَ احترامًا للنساء وأشدَّ نشاطًا ولينًا تجاه البنات الصالحات للزواج. ولا يغيبُ غرضُ تَحرِّياته عن نظره، ويكون أكبرُ نصيبٍ من انتباهه مُوجَّهًا دائمًا إلى التي تُذكِّرُه بذلك.

ولا أحدَ يكون أكثرَ انتباهًا إلى جميع الاعتبارات القائمة على نظام الطبيعة، وعلى حُسْن نظام المجتمع أيضًا، غير أن الأُولى تُفضَّلُ على الأخرى دائمًا، وهو سيكون أكثرَ احترامًا لمن هو أسَنُّ منه مما لحاكمٍ من لِدَاته. وبما أنه يكون عادةً من أصغرِ مَنْ في المجتمعات التي يُوجَدُ فيها إذَن، فإنه يكون من أكثرهم تواضُعًا دائمًا، لا عن زَهْوِ الظهور هكذا، بل عن شعورٍ طبيعيٍّ قائمٍ على العقل. ولن يكون عنده مُطلَقًا ما لدى الشابِّ المختالِ من سلوكٍ ماجِن، من سلوكِ هذا الشابِّ الذي يَنْزِع إلى تسلية العُشَراء فيتكلَّم بصوتٍ أعلى من صوت الحكماء ويقْطَع كلامَ الشيوخ. وهو لن يسمح من ناحيته مُطلَقًا بمثلِ جوابِ السيد الشائبِ إلى لويسَ الخامسَ عشرَ الذي سأله عن أيِّ العصرَين يُفضِّل: عصرِه أو العصرِ الحاضر، والجواب هو: «لقد قضيتُ شبابي يا مولاي في احترام الشِّيب، فيجب أن أقضي مشيبي في احترام الأولاد.»

وبما أنه ذو نفْسٍ ليِّنةٍ حسَّاسة، ولكن مع عدمِ إقامةِ وزنٍ للرأي العام، وإن كان يَوَدُّ أن يَروق الآخرين، فإنه قليلُ المبالاة بأن يُعَدَّ من ذوي الاعتبار، ومن ثمَّ يَكون أكثرَ وِدًّا منه تأدُّبًا، ولا تبدو عليه ملامحُ الانتفاخ مُطلَقًا، ويتأثَّر بالملاطفة أكثرَ مما بألف ثناء، وهو لن يُهمِل أطوارَه ولا أوضاعَه لهذا السبب، حتى إنه سيُمكنُه أن يقومَ بشيءٍ من التحرِّي في أمرِ زُخْرُفه، لا ليظهر رَجُلَ ذوق، بل ليجعلَ وجْهَه مقبولًا، وهو لن يَلزْم الإطارَ المُذْهَبَ مطلقًا، وما كانت سِمَةُ الثَّرَاء لتلوِّثَ زَيْنَه أبدًا.

وتَرى أن جميع هذا لا يتطلَّب منِّي عَرْضًا للتعاليم؛ فهو ليس سوى نتيجةٍ لتربيته، ويُنسَجُ لنا سِرٌّ كبيرٌ عن عادة المجتمع، كأنَّ هذه العادةَ في دَور العُمُر الذي تُتَّخذُ فيه لا تُتَّخَذُ بحكم الطبيعة، وكأنه لا يجب أن يُبحَث في القلب الصالح عن قوانينها الأُولى! ويقوم التهذيبُ الحقيقيُّ على إظهار لُطْفٍ للناس، وهو يُشْعِرُ بنفسه بلا تَعَبٍ عند وجوده، ويُضْطَرُّ مَن يخلو من اللطف إلى تَكَلُّفٍ في المظاهر.

«وأسوأ نتيجةٍ للتهذيب المصنوع هو تعليمُ فنِّ ما يُقلِّدُه من فضائل، وإذا ما أوحت إلينا التَّربيةُ بالإنسانية والإحسان نكون ذوي تهذيب، أو إننا نعودُ غيرَ محتاجين إلى التهذيب.

وإذا لم يكن عندنا من التهذيب ما تَنِمُّ عليه الألطاف، فإنه يكون عندنا تهذيبٌ يَنِمُّ على الإنسان الصالح وعلى المواطن، فلا نحتاج إلى العوْذ بالرِّئاء.

ويكفي أن يكون الإنسانُ صالحًا ليروق، بدلًا من أن يكون متصنِّعًا، ويكفي أن يكون الإنسانُ متسامِحًا لمُداراة ضَعف الآخرين بدلًا من أن يكون منافِقًا.

ولن يكونَ مَن تُتَّخَذُ نحوهم مثلُ هذه الطُّرُق متكبِّرين ولا فاسدين، وإنما يكونون شاكرين، ويَظهرون أحسنَ حالًا.»

ويَلوحُ لي أن تربيةً ما إذا كانت تُسْفِرُ عن تهذيبٍ من هذا النوعِ الذي يتطلبه مسيو دُوكْلُو بدت هذه التَّربيةُ تلك التي وَضَعْتُ رَسْمَها حتى الآن.

ومع ذلك فإنني أوافق على أنَّ إميلَ لن يكونَ مطلقًا كبقية النَّاس بهذه المبادئ المختلفة جِدًّا، وأدعو الله أن يحفظَه من أن يكون هكذا، ولكنه لن يكونَ فيما يختلفُ به عن الآخرين مُكدِّرًا، ولا للهزوء مستحِقًّا، وسيكون الاختلافُ محسوسًا من غير أن يكون شاقًّا، وإن شئتَ فقُل إن إميلَ سيكونُ أجنبيًّا محبوبًا، وأوَّل ما يَحْدُث أن تُغفَر له غرابته بأن يُقال: «إنه سيتخرَّج»، ثُمَّ يحدُث فيما بعدُ ما تُتعَوَّد معه أوضاعُه، فيُصفَح عنه أيضًا حين يُرى أنه لم يُغيِّرها، فيُقال: «إنه تَكوَّنَ هكذا.»

أجلْ، إنه لن يُحتفَلَ به مثلَ رجلٍ محبوب، ولكنه سيُحَبُّ من غير أن يُعرَفَ السبب. أجلْ، إنه لن يَمدَحَ أحدٌ ذهنه، ولكنه سيُتَّخَذُ حَكَمًا بين رجال الذهن عن طَوْعٍ واختيار، وسيكون واضحَ الذهن محدودَه، وسيكون صادقَ الشعور سليمَ الحُكْم. وبما أنه لا يسعى وراء جديد الأفكار مطلقًا، فإنه لا يُمكِن أن يعتزَّ بذهنه، وقد أشعرتهُ بأن جميع الأفكار الشافية النافعة للناس حَقًّا هي أوَّلُ ما عُرِف، وبأنه يتألَّف منها وحدَها روابطُ المجتمع الحقيقية في كلِّ زمن، وبأنه لا يبقى على ذوي الذهن الطامح سوى الامتياز بالأفكار المؤذية المشئومة على الجنس البشري، وما كان هذا الطراز في إثارة العجب ليؤثِّرَ فيه مُطلَقًا، وهو يَعْرِف أين يجد سعادة حياته، وبِمَ يمكن أن يساعدَ على سعادة الآخرين، ولا يمتدُّ نطاق معارفه إلى أبعدَ مما هو نافع، وتَكون طريقه ضيِّقةً جَيِّدَةَ الحدود. وهو إذ لم يحاول أن يَخْرُج منها فإنه يَظَلُّ مختلِطًا بمن يتَّبِعونها، وهو لا يريد أن يَضِلَّ ولا أن يَلمَع، وإميلُ إنسانٌ مستقيمُ العقل، ولا يَوَدُّ أن يكون شيئًا آخرَ، ومن العبث أن يُرَاد إيذاؤه بهذا اللقب؛ فهو سيعتزُّ به دائمًا.

ومع أن رغبته في الرَّوَقان لا تدَعُه يكون على الإطلاق أكثرَ عدمَ اكتراثٍ لرأي الآخرين، فإنه لا يَعتَبِرُ من هذا الرأي غيرَ ما يتصل بشخصه مباشرة، وذلك من غير أن يُبالي بكلِّ تقديرٍ مُراديٍّ ليس له قانونٌ سوى المُوضة٤٢ أو المُبْتَسَرات. أجلْ، إنه سيكون لديه زَهْو العَزْم على إتقان كلِّ ما يصنع، حتى إرادةُ فِعْلِه بأحسنَ مما يَفْعَلُ الآخر، فيَودُّ أن يكونَ الأخفَّ في العَدْو، والأقوى في المصارعة، والأمهرَ في الشغل، والأبرعَ في الألعاب اليدوية، ولكنه قليلُ البحث عن الفوائدِ غيرِ الواضحة بنفسها والتي تحتاج إلى تقريرٍ بحُكْمِ الآخرين، ككونه أذكى من الآخر وأطلَقَ منه لسانًا وأكثرَ علمًا … إلخ. وأقلُّ من ذلك أيضًا بحثُه عن الفوائد التي لا تتعلَّق بشخصه مطلقًا، كأن يُعَدُّ عاليَ النَّسَب وافرَ الثراء كبيرَ الاعتماد عظيمَ الاعتبار مموِّهًا بالبَهْرَج.

وبما أنه يُحِبُّ النَّاسَ لأنهم أمثالُه فإنه سيُحِبُّ أكثرَهم مشابهةً له على الخصوص، وذلك لما يَجِدُ بذلك من حُسنِ الخُلُق؛ فإن مما يَسُرُّه أن يَقَعَ موقعَ الرِّضا، وهو لن يقولَ في نفسه ضبطًا: أُسَرُّ لأنني أُستَحْسَن، بل أُسَرُّ لِمَا يكون من استحسانِ حُسْنِ ما صنعت، وأُسرُّ لأن الذين يُكرِمونني أهلٌ للإكرام، ومن الجميل أن يُنال تقديرُهم ما كان حُكْمُهم سليمًا.

وبما أنه يَدْرُس النَّاس بسلوكهم في المجتمع، وبما أنه درسَ النَّاس سابقًا بأهوائهم في التَّارِيخ، فإنه سيُتاحُ له من الفرص في الغالب ما يتأمل معه فيما يُدارِي الفؤاد البشري أو يصدِمُه، وها هو ذا يتفلسفُ حول مبادئ الذوق، وهذا هو الدرس الذي يلائمه في هذا الدَّور.

وكلَّما أوْغَلْنا في البحثِ عن تعاريفِ الذوق ضلَلنا؛ فليس الذوقُ غيرَ قدرةٍ على الحُكم فيما يَرُوق، وما لا يَرُوق، أكبرَ عددٍ ممكن، واخرُجوا من هناك تَعودوا غيرَ عارفين ما الذوق، ولا يُستَخْرَج من ذاك وجودُ رِجالِ ذَوْقٍ أكثرَ من الآخرين؛ وذلك لأن الأكثرية، وإن كانت تَحكُم حُكمًا صحيحًا في كلِّ أمر، لا يوجد غيرُ قليلٍ من النَّاس مَن يَحكُمون مِثلَها في الجميع. ومع أنَّ تسابُقَ أعمِّ الأذواق يُسفِرُ عن الذوق الصالح، فإن رجال الذوق قليلون، وذلك كقلة وجودِ أشخاصٍ جميلين، وإن كان اجتماعُ أكثرِ الملامح شيوعًا يُسْفِرُ عن الجمال.

ومما تجب ملاحظته أننا لا نُعالِجُ هنا ما نُحِبُّ لأنه نافعٌ لنا، ولا ما نَكْرَه لأنه يَضُرُّنا؛ فالذوق لا يتناول غيرَ أمورٍ خَليَّةٍ أو ذاتَ غَرَضٍ في اللهو على الأكثر، لا أمورًا تتعلَّق باحتياجاتنا، أي إن الذوق ليس ضروريًّا للحكم في هذه؛ فالتشهِّي يكفي، وهذا ما يجعل أحكامَ الذوقِ الصِّرْفة بالغةَ الصعوبة، مراديةً جِدًّا كما يَلوح؛ وذلك لأنك إذا عَدَوت الغريزة التي تُعَيِّن الذوقَ عُدْتَ لا ترى أسبابَ هذه الأحكام، وكذلك يجب أن يُفرَّق بين قوانينه في الأمور الأدبية وقوانينه في الأمور المادية؛ ففي هذه يَظْهَرُ أن إيضاحَ مبادئ الذوق مُتعذِّرٌ على الإطلاق، غيرَ أن من المهمِّ أن يُلاحَظَ وجودُ عنصرٍ أدبيِّ في كلِّ ما ينطوي على تقليد،٤٣ وهكذا يُفسَّرُ الجمالُ الذي يكون ماديًّا ظاهِرًا ولا يكون كذلك حقيقة، وإلى هذا أُضيفُ وجودَ قواعدَ محليةٍ للذوق تَجْعَلُه في ألفِ أمرٍ تابِعًا للأقاليم والطبائع والحكومة وأمور النظام، ووجودَ قواعدَ أُخرى تتعلَّقُ بالعُمُر والجنس والسجية، فبهذا المعنى لا ينبغي أن يُجادَلَ حولَ الأذواق.

والذوقُ أمرٌ طبيعيٌّ لدى جميع النَّاس، ولكنه ليس على مقياسٍ واحدٍ عند كلِّ واحدٍ منهم، وهو لا ينمو في الجميع على درجةٍ واحدة، وهو في الجميع عُرْضةٌ للفسادِ بعللٍ مختلفة، ويتوقَّف قياسُ ما يُمكِنُ أن يكونَ من الذوق على درجةِ الإحساس الذي يُتقبَّل، ويتوقَّفُ تعهُّدُه وشكلُه على المجتمعات التي تتمُّ الحياةُ فيها؛ وذلك أوَّلًا: لا بُدَّ من العيش في مجتمعاتٍ كثيرةٍ للقيامِ بكثيرٍ من المقارنات. ثانيًا: لا بُدَّ من وجودِ مجتمعاتِ لهوٍ وفراغٍ كثيرة؛ وذلك لأن القاعدةَ في مجتمعات الأعمال هي المصلحةُ لا اللذة. ثالثًا: لا بُدَّ من وجودِ مجتمعاتٍ لا يكون التفاوتُ فيها كبيرًا جِدًّا، ويكون استبدادُ الرأي العامِّ فيها معتدِلًا، وتسود الشهوة فيها أكثرَ من الزهو، وإلا خنقت المُوضةُ الذوق، وصار يُبْحَثُ عما يَمِيزُ لا عما يَرُوق.

وفي هذه الحال الأخيرة عاد لا يُعَدُّ من الصحيح كَونُ الذوقِ الحَسنِ ذوقَ أكبرِ عدد، ولِمَ هذا؟ ذلك لأن الغرَضَ يَتغيَّر، وهنالك يعودُ الجمهورُ غيرَ ذي رأيٍ خاصٍّ به، وهنالك يعود الجمهور غيرَ تابعٍ لغير حُكْمِ مَن يرى أنهم أعظَمُ بصيرةً منه، فيستحسن ما يستحسنون، لا ما هو حَسَن، واجعلوا في كلِّ وقتٍ لكلِّ واحدٍ إحساسَه الخاص، فيصيرُ أكثرُ ما يروق في ذاته أكثرَ جَمْعًا للأصوات دائمًا.

والنَّاس في أشغالهم لا يصنَعون ما هو جميلٌ بغيرِ التقليد، وفي الطبيعةِ تكون جميعُ نماذجِ الذوقِ الصحيحة، وكلَّما ابتعدنا عن المُعلِّم بَدَت ألواحُنا مُشوَّهة، وهنالك نستنبطُ نماذجَنا من الأشياء التي نُحِب، فيعودُ جمالُ الخيالِ الذي هو عُرْضَةٌ للهوى والنفوذ، لا يكون غيرَ ما يرُوق الذين يقودوننا.

والمتفننون والكبراء والأغنياء هم الذين يقودوننا، وصالحُ هؤلاء أو زهوُهم هو الذي يقودهم، ويبغي هؤلاء عَرْضَ غِناهم ويَبغي الآخرون أن يستفيدوا منه، فيبحثون عن وسائلَ جديدةٍ للإنفاق، وبهذا يُقيُم التَّرَفُ الأكبرُ سُلطانَه ويُحبِّبُ ما هو صعبٌ غالٍ، وهنالك يَبعُدُ الجمالُ المزعومُ من تقليد الطبيعة، وهو لا يكون على ما هو عليه إلا بمخالفتها؛ ومِنْ ثَمَّ تَرى كيف أن الترَف والذوق الفاسد أمران لا يُمكِنُ فصلُ أحدهما عن الآخر، ويكون الذوق فاسدًا حيث يكون مُسرِفًا.

وبِتعاشُر الجنسين على الخصوص يكتسب الذوقُ شكلَه، سواءٌ أكان هذا الذوق حسنًا أم سيِّئًا. والواقع أن تعهُّدَ الذوقِ نتيجةٌ ضروريةٌ لغرض هذا المجتمع، ولكنْ إذا فَتَّرتْ سهولةُ التمتُّع حُبَّ الرَّوَقان فَسَدَ الذوقُ لا محالة، وهذا كما يلوح لي من أكثر الأسباب المحسوسة في كَوْنِ الذوقِ الحَسَنِ ينشأ عن حُسْنِ الطِّباع.

واستشيروا ذَوْقَ النساء في الأمور المادية التي تنشأ عن حكم الحواس، واستشيروا ذوقَ الرجالِ في الأمور الأدبية التي تَتعلَّقُ بقوة الإدراك؛ فمتى صار النساءُ كما يَجِبُ أن يَكُنَّ عليه فَاخَرْنَ بما يقعُ تحت اختصاصهن، وكان حُكمهُن حسنًا دائمًا، ولكنهن عُدْنَ لا يَعْرِفْن شيئًا منذ انتحلن صفةَ الحَكَم في الآداب وأخذْن يحكمن في الكتب ويضعن منها بما أُوتينَ من قوة، ويكون المؤلِّفون الذين يستشيرون العالِمات حوْل مؤلَّفاتهم على ثقةٍ بسوء ما يُشارُ به عليهم، ويكون الظرفاء الذين يستشيرونهن حوْل زينتهم لابسين ثيابًا تُثيرُ السخرية دائمًا، وستُتاح لي عمَّا قليلٍ فرصةُ الحديث عن مواهبِ هذا الجنس الحقيقية، وعن وجْهِ تَعَهُّدها، وعن الأمور التي يجب أن يُنصَتَ فيها لأحكامهن.

وتلك هي الاعتبارات الأوَّلية التي أضَعُها كمبادئَ حين بَرْهَنَتي مع إميلَ حولَ مسألةٍ ليست مما لا يُبالي به في الحال التي هو فيها، وفي الاستقصاء الذي يُشْغَل به، وتجاهَ مَنْ تكون مسألة لا يُبالَى بها؟ لا تكون معرفةُ ما يُمكِن أن يكون مقبولًا أو مكروهًا عند النَّاس أمرًا ضروريًّا لدى مَن هو محتاج إليهم، بل لدى مَن يريد أن يكون نافعًا لهم أيضًا، حتى إن من المهمِّ أن يَروقهم حتى يَخْدُمهم، وليس من اللغو فنُّ الكتابة إذا ما استُعْمِلَ لحَمْلِ النَّاسِ على السماع للحقيقة.

وإذا ما وجب عليَّ أن أتعهدَ ذَوْقَ تلميذي، فأختارَ بين البلاد التي يُولَد فيها هذا التعهُّد بَعْد، والبلادِ التي فَسَد فيها، فإنني أتَّبِعُ نظامَ الرجوع إلى الوراء، وأبدأ بطوافهِ من هذه الأخيرة، وأنتهي بالأُولى، وأستند في هذا الاختيار إلى أنَّ الذوقَ يَفسُد برقَّةٍ متناهية، تَجعَل بعضَ الأمور من الحسَّاسية ما لا يُدركه الغِلاظُ من النَّاس، وتَسُوقُ هذه الرِّقَّةُ إلى روح الجَدَل؛ وذلك لأن الأمور كلَّما رُقِّقَت كَثُرَت، فتَجْعَل هذه الرقةُ قوةَ الحِسِّ أكثرَ لطافةً وأقلَّ تناسُقًا، وهنالك يتكوَّنُ من الأذواق ما هو بعدد الرءوس، ويتسع نطاقُ الجدلِ حولَ الأفضلية والفلسفة والمعارف، وهكذا يُعلَّمُ التفكير، ولا يُمكِن أن يقوم بالملاحظات الدقيقة غيرُ أناسٍ كثيري الاختلاط بالمجتمع لوقْفِ هذه الملاحظاتِ نظرَنا بعد غيرها، ولأن مَن كان تعوُّدُهم للمجتمعات الكثيرة العدد قليلًا يستنفدون انتباهَهم هنالك حوْل أعظم الرسوم. ومن المحتمل أنك لا تجدُ في الدنيا مكانًا متمديِنًا يكون الذوق العام فيه أكثرَ فسادًا مما بباريس، ومع ذلك فإن الذوقَ الحسنَ يُتعهَّدُ في هذه العاصمة، ولا يظهَرُ في أوروبة غيرُ كتبٍ مُقدَّرَةٍ قليلةٍ لا يكون مؤلفوها قد تخرَّجوا في باريس. ومَن يَرَوا أن يكتفوا بمطالعة الكتب التي تُوضَعُ فيها يُخدَعوا؛ فبحديث المؤلفين يُتعَلَّمُ أكثرَ مما في كتبهم، وليس المؤلفون أنفسُهم أكثرَ مَن يُتعلَّمُ منهم. وروحُ المجتمعات هو الذي يُنمِي الرأسَ المفكِّر ويحمِلُ البصرَ إلى أبعد ما يُمكِنُ أن يَمْتَد، وإذا كان لديكم شيءٌ من تَوقُّدِ الذهنِ فاقضُوا سَنةً بباريس؛ حيث لا تلبثون أن تكونوا كلَّ ما يُمكِنكم أن تكونوا، أو لا تكونون شيئًا مُطلَقًا.

ويُمْكِنُ أن يُتعَلَّم التفكيرُ في الأماكنِ التي يَسودُها الذوقُ الفاسد، ولكن لا يَجوز أن يُفكَّر مِثْلَ تفكيرِ هؤلاء الذين لديهم هذا الذوقُ الفاسد. ومن الصعوبة ألَّا يحدُث هذا بعد البقاء معهم زمنًا طويلًا، ويجب أن تُكمَل آلةُ الحُكْم بجهودهم، وذلك باجتناب استعمالها مِثْلَهم. وأحترز من صَقْل حُكم إميلَ حتى درجةِ تشويهه، ومتى كان لديه من الحِسِّ الرقيق ما يُحِسُّ به مختلِفَ أذواقِ النَّاس، ويقارِنُ بينها، فإنني آتي به ليُوَطِّدَ ذوقَه حَوْل الأمور البسيطة.

وأُبْعِدُ في السيرِ فأحفظُ له ذوقًا سليمًا خالصًا، وأغتنم فرصةَ هَرْجِ الطيش فأنْفَحه بأحاديثَ نافعةٍ موَجِّهًا لها دائمًا حوْلَ أمورٍ تَروقه، جاعلًا لها مع الجهد مدارَ تسليةٍ له بمقدار ما هي ممتِعَة، وهذا دَور المطالعة والكتب المقبولة، وهذا دَور تعليمه تحليلَ الكَلِم وجعلهِ شاعرًا بكلِّ ما في البلاغة والإلقاء من جمال. وليس من المهمِّ تعلُّم اللغات لذاتها، وليست مزاولتُها من الأهمية بالمقدار الذي يُظَن. بَيْدَ أن دراسة اللغات تؤدي إلى دراسةِ النحوِ العام، ويجبُ تعلُّم اللاتينية لحُسْن معرفة الفرنسية، ويجب تعلُّم هذه وتلك والمقابلةُ بينهما لإدراكِ قواعدِ فنِّ الكلام.

ويوجَدُ، فضلًا عن ذلك، بساطةٌ في الذوق تَذْهَبُ إلى القلب، ولا توجَدُ في غير كتب القدماء، وسيجِدُها إميل في البلاغة والشعر وكلِّ نوعٍ من الآداب زاخرةً بأمورٍ زاهدةً في الحُكْم كما في التَّارِيخ. وعلى العكس، يقول مؤلفونا قليلًا وينطِقون كثيرًا، وليس إعطاؤنا حُكْمَهم بلا انقطاعٍ مِثْلَ قانونٍ وسيلةَ تكوين حُكمنا، ويُشْعِرُ الفرقُ بين ذوقين بنفسه في جميع الآثار، حتى على القبور، وتَرى آثارَنا مستورةً بالمدائح، ولا يُقرأ على آثار القدماء سوى الأفعال.

«قِفْ أيها المسافر، فبَطَلٌ هو الذي تَدُوس.»

وإذا ما وجدتُ القَبْرِيَّةَ على أثرٍ قديمٍ ظننتُ أنها حديثةٌ أوَّلَ وهلة؛ وذلك لأنه لا شيءَ أكثرُ شيوعًا من الأبطال بيننا. غير أن الأبطالَ نادرون عند القدماء؛ فالقدماء كانوا يقولون ما صَنَعَ الرجلُ ليكون بطلًا بدلًا من أن يقولوا إنه كان بطلًا. وقابلوا بين قَبْرِيَّة هذا البطل وقَبْرِيَّة المُخنَّث سَرْدَانابَال القائلة:

«أقَمْتُ طَرَسُوسَ وأنْكيَالة في يوم واحد، والآن أنا مَيِّت.»

فأيُّ القَبْرِيَّتَيْن أكثرُ قولًا على رأيكم؟ ليس أسلوبُنا الرُّخاميُّ مع بَهْرَجِه صالحًا لغير نَفْخ أقزام، وكان القدماء يُظْهِرون الرجالَ كما هم، فيُرى أنهم رجالٌ حقًّا، وقد بَجَّلَ إكْزِينُوفُونُ ذكرى بعض المجاهدين الذين قُتِلُوا غَدرًا في أثناء ارتداد الآلاف العشرة، فقال: «إنهم قُتِلوا مُبرَّئين من العيب في الحرب والموَدَّة.» وهذا كلُّ ما قال، لكن رَوْا في هذا الثناء الموجز البسيط مقدارَ ما كان في المؤلِّف من قلبٍ عامر، والوَيْلُ لمن لم يَجِدْ هذا فاتنًا!

ووُجِدَت الكلماتُ الآتية منقوشةً على رُخامٍ في التِّرْمُوبيل، وهي:

«اذْهَبْ أيها المار، وأخبِرْ إسبارطة بأننا قُتِلْنَا هنا طائعين لقوانينها المُقَدَّسة.»

ومن الواضح أن هذا ليس من تأليف أكاديمية الخطوط.

وأكون مُخطِئًا إذا كان تلميذي، الذي لا يُقيم غيرَ قليلِ وزنٍ للكلام، لا يُعيرُ انتباهَه الأوَّل من هذه الفروق فلا تؤثِّرُ في اختيار قراءاته، وهو سينساق مع فصاحة دِيمُوسْتِن الرُّجولية، فيقول: «هذا خطيب.» ولكنه إذا ما قرأ شِيشِرون قال: «هذا مُحامٍ.»

وعلى العموم سيتذوَّق إميلُ كُتُبَ القدماء أكثرَ من تذوُّقه كُتُبَنا، وبما أن القدماء هم الأوَّلون فإنهم أقربُ إلى الطبيعة، وإن عبقريتَهم أكثرُ بروزًا. ومهما يكن من قوْل لاموتَ ورئيسِ الدَّيرِ تِرَّاسونَ لا تَرَى تقدُّمًا حقيقيًّا في عقل النوع البشري؛ وذلك لأن ما يُكْسَبُ من ناحيةٍ يُخسَرُ من ناحيةٍ أخرى، ولأن جميع الأذهان تَنْطَلِق من ذات النقطة دائمًا، ولأن الوقت الذي يُستعمَل لمعرفة ما فَكَّرَ فيه الآخرون، إذ يضيعُ على تعلُّم التفكير الذاتي، فإنها تُنالُ معارفُ كثيرةٌ وقلةُ نشاطٍ في الذهن، وتُشَابِه أذهانُنا ذُرْعانَنا التي تُدَرَّبُ على صُنْع كلِّ شيءٍ بالآلات، والتي لا تصنَعُ كلَّ شيءٍ بنفسها. وكان فُونْتُنِل يقول إن هذا النزاع بين القدماء والمعاصرين يُرَدُّ إلى معرفتنا هل الأشجارُ في الماضي كانت أكبرَ منها في الوقت الحاضر، فلو كانت الزِّراعة قد تَغيَّرَت ما عُدَّ هذا السؤال من الوقاحة.

وإني، بعدَ أن سِرْتُ بإميلَ إلى منابعِ الآداب الصافية، أُطلِعُه أيضًا على مجاري الأحواض في المُصنِّفين المعاصرين، وذلك من جرائدَ وتَرْجَماتٍ ومعَاجم، فيُلقي نظرَةً على جميع هذا، ثُمَّ يَتْرُكه لكيلا يَعُودَ إليه مطلقًا، وأُسْمِعُه ثَرْثرَةَ الأكاديميات تسليةً له، وأدُلُّه على أن كلَّ واحدٍ ممن تتألَّف منهم أفضلُ بمفرده منه عُضْوًا في الهيئة، وهنالك يستنبِط بنفسه نتيجةَ فائدةِ جميع هذه المؤسَّسات الجميلة.

وآتي به إلى المسارح لدراسة الذوق، لا الأخلاق؛ وذلك لأن الذوقَ هنالك يتجلَّى لمن يَعْرِفون أن يتأمَّلوا، وأقول له: دَعْ تعاليمَ الأخلاق جانبًا، فلا ينبغي تعلُّمُها هنا، ولم يُصْنَع المسرَحُ للحقيقة، بل صُنِعَ لمداراة النَّاس وتسليتهم، ولا تَجِدُ مدرسةً يُتعلَّمُ فيها جيِّدًا فنُّ رَوَقان النَّاس واستهواء القلب البشري كما يُتعلَّم هنالك. وتؤدي دراسة التمثيل إلى دراسة الشعر، ولكلٍّ من الدراستَين عينُ الغَرَض تمامًا. وإذا كان لديه بصيصٌ من الذوْق في الشعر، فبأيِّ لذةٍ سيُكِبُّ على لغات الشعراء: اليونانية واللاتينية والإيطالية! وستكون له هذه الدراسات أُلْهُوَّاتٍ بلا قَسْر، ولا تكون أقلَّ نَفْعًا من هذا، وستكون لذيذةً له في سِنٍّ وأحوالٍ يُعْنَى الفؤادُ البشريُّ فيهما، مع كثيرِ فُتُون، بجميع أنواع الجمال التي أُبدِعت للتأثير فيه، وتَمثَّلوا إميلَ من ناحية، وتمثَّلوا طائشًا من المدرسةِ وهو يقرأ الإنئيدَ أو تِيبُولَ أو وليمةَ أفلاطون، فيا لَلفرْق! وما أكثرَ ما يُهَزُّ به فؤادُ إميلَ بما لا يُؤثَّرُ به في الآخر! ويا أيها الفتى العزيز! قِفْ، اقطَعْ قراءتَك، أراك هائجًا كثيرًا، أريدُ أن تروقَك لغةُ الغرام لا أن تُضِلَّك، وكُن إنسانًا حساسًا، ولكنْ كُن إنسانًا حكيمًا، فإذا لم تكن غيرَ واحدٍ من الاثنَين كُنْتَ عَدَمًا. ومع ذلك فإن من المهمِّ قليلًا أن يَتَوَفَّق أو لا يتوفَّقَ في اللغات الميتة وفي الآداب والشعر، ولا ضَيْرَ عليه إذا كان لا يَعْرِف من ذلك شيئًا، فلا تقوم تربيتُه على مثلِ هذه اللطائف مطلَقًا.

ويَقُوم غَرَضي الرئيس، إذ أُعَلِّمُه أن يُحِسَّ الجمالَ ويُحبَّه، على تركيز عواطفه وأذواقه، وعلى عدمِ فسادِ شهواته الطبيعية، وعلى عدمِ بحثِه في ثرائه ذات يومٍ عن وسائلِ سعادتِه التي يجب أن يَجِدَها أكثرَ قُرْبًا إليه. وقد قلتُ في مكانٍ آخرَ إن الذوق لم يكن غيرَ فنِّ الخبير في الأمور الصغيرة، وهذا صحيحٌ جِدًّا، ولكن بما أن لذَّة العيش تتوقَّف على نسيجٍ من الأمور الصغيرة، فإن مِثْلَ هذه الجهود لا تكون شيئًا صغيرًا، ونحن بها نتعلَّمُ القيامَ بما يكون في متناوَلنا من صالح، وذلك ضمن ما يُمكن أن يكون لها في نظرنا من حقيقةٍ كُليَّة، وهنا لا أقصِدُ صالحاتِ الخُلُقِ التي تتعلَّق بحُسْن تَصَرُّف النفس، وإنما أقصِدُ فقط ما هو من الحِسِّيَّة والشهوة الحقيقية بمعزِلٍ عن المُبْتَسَرات والرأي العام.

وليُؤذَنْ لي، لحُسنِ تفصيل رأيي، أن أدَعَ لوقتٍ قصيرٍ إميلَ الذي عادَ قلبُه النقيُّ السليمُ لا يصلُحُ قاعدةً لأحد، وأن أبحث في نفسي عن مثالٍ أكثرَ بُرُوزًا وأقربَ إلى طبائعِ القارئ.

ويُوجَد من المِهن ما يَلُوحُ تبديلُه للطبيعة وتغييرُه للرِّجال الذين يقومون بها، ويصيرُ الجبان شجاعًا بدخوله في كتيبة نَبَرَّة، وليس في الجيش وحدَه ما تُكتَسَب العصبية، وليس في الخيرِ وحدَه ما يُشْعَرُ بنتائجها دائمًا، وقد أبصرتُ مذعورًا مائة مرةٍ أنني لو كنتُ من الشقاءِ اليومَ ما أقومُ معه بمثل تلك الخدمة في بعض البلدان، لغَدَوْتُ في الغد، تقريبًا، حَتْمًا طاغيةً سارقًا لبيت المال، هادمًا للشعب ضارًّا بالأمير، عدوًّا محترفًا للإنسانية والإنصاف ولأنواع الفضيلة.

وكذلك لو كنتُ غنيًّا لفعلتُ كلَّ ما يجب لأَصِيرَه؛ ولذا فإنني أكون عاتيًا نَذْلًا، حَسَّاسًا سريعَ الانفعال في سبيل نفسي، فاقدَ الرحمةِ قاسيَ القلب تجاه جميع النَّاس، رقيبًا مزدريًا لبؤس الأراذل؛ وذلك لأنني لا أجِدُ اسمًا غيرَ هذا أُطلِقُه على المُعسِرين لإنساءِ كوني من طبقتهم فيما مضى، وأخيرًا سأجْعل من ثَرائي وسيلةً لملاذِّي التي سأُعْنَى بها حصرًا، سائرًا حتى ذلك على غِرارِ غيري.

ولكنني أعتقد اختلافي عنهم كلَّ الاختلاف في أمرٍ واحد، وذلك أنني سأكون حِسِّيًّا شهوانيًّا أكثرَ من أن أكون غِطْريسًا مغرورًا، وأنني سأكون منهمكًا في تَرَف العيش أكثرَ مما في تَرف الفخْر، حتى إنني سأستَحي بعضَ الحياء من عَرْضِ ثرائي كثيرًا، متمثِّلًا دائمًا أنني أُبْصر الحسودَ إذ أسْحَقه ببذْخي، يقول لجيرانه هَمْسًا: «هذا خبيثٌ يَخْشَى كثيرًا ألَّا يُعرَف هكذا.»

وسأبحث بين هذا الإسرافِ في الأطايب التي تَغْمُرُ الأرض، عن أكثرِ ما يكون مقبولًا عندي وأفضلِ ما أستطيع تمَلُّكَه؛ ولذا سيكون شراءُ الفراغ والحرية أوَّلَ ما ينْفَعُني به ثرائي، وإليهما أُضيفُ الصحةَ إذا كان لها ثَمَن، ولكنْ بما أنها لا تُشْتَرَى بغيرِ الاعتدال، وبما أنه لا تُوجَدُ لذةٌ حقيقيةٌ في الحياة غيرُ الصحة، فإنني أكون معتدِلًا في الحِسِّيَّة.

وسأبْقَى بجانب الطبيعة دائمًا ما أمكن، وذلك مصانَعَةً للحواسِّ التي نِلْتُها منها، واثقًا بأنها كلَّما وَضَعَتْ نصيبًا منها في مُتَعِي وَجَدْتُ نصيبًا من الحقيقة في هذه المُتَع، وسأتخذ الطبيعةَ نَموذَجًا دائمًا عند اختيار الأمور القائمة على التقليد، وسأُفَضِّلُ الطبيعةَ في شهواتي وسأستشير الطبيعةَ في أذواقي دائمًا، وسأُريد من الأطعمة دائمًا أحسنَ ما تُعِدُّ وأقلَّ ما يَمُرُّ من الأيدي وصولًا إلى موائدنا، وسأحولُ دون مخادعاتِ الغِش، وسأذهب لملاقاة اللذة، ولن يغتني رئيسُ الخَدَم من نَهَمي الطائش الغليظ، ولن يَبيعني مُطلَقًا سُمًّا بثِقَله ذَهَبًا على أنه سَمَك، ولن تكون مائدتي مستورةً مُطلَقًا بأجهزةٍ من الأقذار والجِيَف آتيةٍ من بعيد، وسأُنفِقُ مشَقَّتي قضاءً لحسيتي، ما دامتْ هذه المشقة، إذ ذاك، لذةً بنفسها تَزِيدُ على ما يُنتَظَر، وإذا أردتُ أكلَ طعامٍ يُؤتَى به من أقصى الدنيا ذَهَبْتُ، مِثْلَ أبِيسْيُوس، للبحث عنه هنالك مُفضِّلًا هذا على جَلْبِه من هنالك؛ وذلك لأنه يُعْوِز أفخرَ الأطعمةِ من التعليل دائمًا ما لا يُجْلَب معها، وما لا يستطيع أيُّ طاهٍ أن يمنَحَها إياه؛ فهواءُ الإقليم هو الذي أنتجها.

ولذات السبب لن أُقلِّدَ أولئك الذين لا يكونون في حالٍ حسنٍ إلا حيثُ لا يكونون مطلقًا، فيجعلون بعضَ الفصولِ مناقضًا لبعض دائمًا، ويجعلون الأقاليمَ مناقضةً للفصول، والذين يَبْحَثون عن الشتاء في الصيف وعن الصيف في الشتاء، فيذهبون إلى إيطالية طلبًا للبرد، وإلى الشمال طلبًا للحر، غير مُفكِّرين في أنهم حين يَرَوْن الفِرار من شِدَّة الفصول يَجِدون هذه الشدَّة في الأماكنِ التي لم يُتعَلَّم اتِّقاؤها فيها قَط، وسأبقى حيث أنا، أو إنني أسلُكُ السبيلَ العاكس، أي إنني أرغب في استخلاصي من الفصل كلَّ ما فيه من لذة، ومن الإقليم كلَّ ما فيه من خصائص، وسيكون لديَّ من تنوُّع الملاذِّ والعادات ما لا يتشابه مُطلَقًا، مع وجوده في الطبيعة دائمًا، فأذهبُ لقضاء الصيفِ في نابلْ، ولقضاء الشتاء في بُطْرُسْبُرْغ، فأستنشقُ تارةً نسيمًا لطيفًا وأنا نِصْفُ مُضطَجعٍ في مغاراتِ تارَنْتَ الرطيبة، وأتمتع تارةً بنورِ قصرٍ من جَمَدٍ وأنا ضَيِّقُ النفَس تَعِبٌ من ألطاف المَرْقَص.

وأريدُ في أدوات مائدتي وزينةِ منزلي أن أُقلِّدَ تنوُّعَ الفصول بزخارفَ بالغةِ البساطة، فأستخلِصُ من كُلِّ فصلٍ جميعَ مُتَعِه غيرَ سابقٍ لمُتَع الفصل الذي يَتْبَعُه. وهكذا تُوجَدُ مشقةٌ، لا ذوقٌ، في إقلاق نظام الطبيعة، وفي انتزع منتجاتٍ غير إرادية تُنعِمُ بها كَرْهًا ضِمن لعنتِها، فلا تستطيع هذه المنتجات تغذيةَ المَعِدةِ ولا مصانعةَ الحَلْق عن عدم وجود خاصيةٍ لها ولا طعم، ولا شيءَ أتفه من البواكير، وليس بغير نفقاتٍ كبيرةٍ ما يستطيع الغنيُّ الفلانيُّ بباريسَ مع أفرانِه ومِدْفآته، أن يُحضِرَ إلى مائدته في جميع السَّنة خُضَرًا سيئةً وفواكهَ رديئة. وإذا كنتُ حائزًا كَرَزًا أيامَ الجليد وشمَّامًا عَنْبريًّا في وَسَط الشتاء، فبأيةِ لذةٍ أذُوقُهما عندما يكون حلقِي غيرَ محتاجٍ إلى تطريةٍ ولا إلى ترطيب؟ وهل تَطيبُ لي الكستناءُ الثقيلة أيامَ الحرِّ الشديد؟ وهل أُفضِّلُها خارجةً من المَوْقِد على الكِشْمِش والتوت الفِرَنْجي والفواكه المُبَرَّدة تُقدَّم إليَّ فوق الأرض من غيرِ جُهدٍ كبير؟ ينطوي سَتْرُ الإنسان لمَوْقِده في شهر يناير بنباتات متصنَّعَة وأزهارٍ مُصْفَرَّةٍ خاليةٍ من الرائحة على عَطَلٍ من زينة الربيع أكثرَ مما تنطوي على تزيينٍ للشتاء؛ أيْ إنه ينطوي على حِرمانِ الإنسانِ لذةَ الذهاب إلى الغابِ للبحث عن البنفسجة الأُولى وتَرصُّد البُرعم الأوَّل، والهُتاف في نشوةٍ من البهجة بالكلمة: «أيها النَّاس، إنكم لم تُتْرَكوا، فلا تزال الطبيعةُ حَيَّة.»

وسيكون عندي قليلٌ من الأُجراء لأُخْدَمَ جيِّدًا، وهذا ما كان قد قيل، وهذا ما يصلُح قولُه أيضًا. وينال ابنُ الطبقةِ الوسطى من أجِيرهِ الوحيدِ خدمةً حقيقيةً أكثرَ مما ينالُ الدُّوكُ بعشرةٍ من السادةِ يحيطون به، ومما فكَّرْتُ فيه مائةَ مرةٍ أنني، حين وجودي حوْلَ المائدةِ والقَدَحُ بجانبي، أشربُ عندما أُريدُ بدلًا من وجودي حولَ مائدةٍ كبيرة، فيرتفع عشرون صوتًا لإحضار الشراب قبل أن أستطيعَ إطفاء عطشي؛ فكلُّ ما يُصنَع من أجلِ الآخرين يُصنَع سيئًا كما يُتَّخَذ. ولذا فلا أُرسِلُ أحدًا إلى الباعة، بل أذهَبُ بنفسي، وذلك خشيةَ أن يتفقَ خَدَمي مع الباعةِ قبل أن يتفقوا معي، وذلك لأطمئنَ أيضًا إلى الاختيار وأدفعَ أقلَّ ما يُمكن من الثَّمن. وأذهبُ للقيام برياضةٍ لذيذةٍ ولأشاهدَ بعضَ المشاهدة ما يَقَعُ خارجَ منزلي، وهذا يُسلِّي، وهذا يُهذِّب أحيانًا. وأخيرًا أذهب للنزهة، وهذا شيءٌ يُذكر دائمًا. ويبدأ السَّأمُ بالحياة الحضرية كثيرًا، ومتى كثُرت النزهة قلَّ المَلل. ويُعَدُّ البَوَّابُ والخَدَمُ من أسوأ التراجمة، فلا أريد مُطلَقًا أن يكون هؤلاء النَّاسُ بيني وبين بقية النَّاس دائمًا، كما أنني لا أُريدُ أن أسيرَ دائمًا مع قرقعةِ عَرَبةٍ كما لو كنتُ أخافُ أن يُقترَبَ منِّي. وتكون خيلُ مَن ينتَفِعُ بساقيه مستعِدةً دائمًا، فإذا ما تَعِبَتْ أو مَرِضَتْ عَرَفَ هذا قبْلَ غيره، وهو لا يخشى أن يُضْطَرَّ إلى التزام منزلهِ متعلِّلًا بهذه الذريعة إذا ما أراد حوذيُّه أن يتنزَّه، وما كان ألفُ عائقٍ في الطريق ليستنفد صبرَه، فلا يبقى في مكانه حينما يريد أن يُغِذَّ في السَّيْر. وأخيرًا، إذا كان لا يُوجَدُ مَن ينفعنا جيِّدًا كما ننفعُ أنفسنا، وَجَبَ علينا ألَّا نتلقَّى من الآخرين خِدَمًا غيرَ ما لا نستطيع إنجازَه بأنفسنا، ولو كُنَّا أقوى من الإسكندر وأغنى من قارون.

ولا أوَدُّ أن أكون صاحبَ قصرٍ للإقامة؛ وذلك لأنني لن أسكنَ غيرَ غرفةٍ واحدةٍ من هذا القصر، وكلُّ غرفةٍ مشتركةٍ ليست لأحدٍ. وتكون غرفةُ كلِّ واحدٍ من خَدَمي غريبةً عني كغرفة جاري. ومع أن الشرقيين كثيرو الشهوة، فإنهم بسيطو السَّكن والأثاث، وهم يَعُدُّون الحياةَ سَفَرًا ومنزلَهم فندُقًا. ومن القليل أن يتناولَ هذا السببُ أغنياءنا الذين يقصدون العيشَ مُخلَّدين، ولكن سيكون لديَّ سببٌ آخرُ يؤدي إلى عينِ النتيجة، فيلوحُ لي أن إقامتي بمكانٍ واحدٍ مع تلك الأُبَّهة يَعني إقصائي عن جميع الأماكن الأخرى، وحَبْسي في قصري هكذا، والعالَم قصرٌ جميلٌ بما فيه الكفاية. أَوَليس كلُّ شيءٍ للغنيِّ إذا ما أراد التمتُّع؟ وشعارُ الغنيِّ هو: «وطنُك حيث تكونُ بخير.» وآلهة البيت عنده هي الأمكنة التي يَقْدِرُ المالُ فيها على كل شيء، ويكون بلدُه كلَّ مكانٍ يُمكن انتقالُ خزينته إليه، شأنُ فليبَ الذي كان يَعُدُّ من أملاكه كلَّ حِصْنٍ يُمكن أن يدخله بغلٌ مُحمَّلٌ مالًا. ولِمَ ذهابُ الإنسان إذن ليَحْصُرَ نفسَه ضِمن جُدْرانٍ وأبوابٍ فلا يخرُج منها أبدًا؟ وإذا ما طردني وباءٌ أو حربٌ أو تمرُّدٌ من مكانٍ ذهبتُ إلى آخرَ ووجدتُ وصولَ فندقي إليه قبْلي. ولِمَ أُعْنَى بإقامة منزلٍ لنفسي وقد أُقيمت لي منازلُ في جميع العالم؟ ولِمَ أُعِدُّ لنفسي، وأنا الذي يستعجل الحياةَ كثيرًا، مُتَعًا من بعيد، مع أنه يُمكنني أن أجِدَها حيث أنا اليوم، وما كان الإنسان ليستطيع أن يجعلَ لنفسه مصيرًا مقبولًا إذا ما عارضَ نفسه بلا انقطاع، وهكذا كان أبِيذقليس يَلُوم الأَغْريجَنْتِيِّين على تكديسهم الملاذَّ كأنه لم يبقَ لهم غيرُ يومٍ يعيشون فيه وعلى البناء كأنهم لا يموتون أبدًا.

ثُمَّ ما فائدتي من منزلٍ بالغِ الاتساع ما قلَّ عندي مَن يَعمُرُه وما كان أقلَّ من ذلك ما يملؤه؟ سيكون أثاثي بسيطًا بساطةَ أذواقي، ولن يكون عندي رِواقٌ لعرضِ الصور ولا مكتبة، ولا سيَّما عند ولعي بالمطالعةِ ومعرفتي بالألواح، لِعلمي هنالك أن مجموعاتٍ كهذه لا تكون كاملةً مطلَقًا، ولأن نقصَ ما يُعوِزُها يورِثُ غمًّا أكثرَ من عدم حيازتها، وبهذا يُسفِرُ اليُسرُ عن عُسْر. ولا تجدُ صانعَ مجموعاتٍ لم يشعُر بهذا، وإذا كنتَ خبيرًا، فلا ينبغي لك أن تَضَعَ مجموعةً مُطلَقًا، ولا ينبغي لك أن تُطلِعَ الآخرين على مكتبك إذا كنتَ تَعْرِف الانتفاعَ به لنفسك.

وليس القِمارُ أُلْهُوَّةَ الرجلِ الغنيِّ مُطلَقًا، والقِمارُ وسيلةُ البَطَّال، وتمنحني ملاذِّي من الأعمال ما لا تَترك لي معه وقتًا أُسيءُ شَغْله بذاك المقدار، وإذا كنتُ معتزِلًا فقيرًا لم ألعبْ قَطُّ ما لم يكن هذا لَعِبَ الشِّطْرَنج، وهذا يوفي على الغاية، وإذا كنتُ غنيًّا كان لَعِبي أقلَّ من ذلك أيضًا، وكان لَعِبي صغيرًا جِدًّا، وذلك لئلا أرى أحدًا مُستاءً مُطلَقًا، ولكيلا أكونَ ساخِطًا. وبما أن فائدةَ اللعب يُعْوِزُها الباعثُ في اليُسر فإنها لا تتحوَّل إلى غيظٍ مُطلَقًا في غيرِ نفسٍ سيئةِ الوضع. وما يستطيع الرجل الغنيُّ أن ينالَ من فوائدَ في اللَّعِب يكون محسوسًا لديه دائمًا أقلَّ مما في الخسارة. وبما أن من شأن شكل الألعاب المعتدِلة، التي يُتمتَّعُ بفائدتها مع الزَّمن، أن تُوجِب خُسْرًا أكثرَ من أن تُورِثَ كسْبًا على العموم، فإن من غير الممكن عند حُسن الانتباه أن يُولَع كثيرًا بأُلْهُوَّةٍ تقع جميعُ أخطارها عليه. ويمكن الذي يُغذِّي زهوَه بمفضَّلاتِ الطالع أن يبحث عنها في أكثرِ الأمورِ تأثيرًا، ولا تتبيَّن هذه المفضَّلات في أصغر الألعاب أقلَّ مما في أكبرها. ولا يتناول ذوقُ القِمار، الذي هو ثمرةُ البخلِ والمَلَل، غيرَ النفوسِ الفارغة والقلوبِ الخالية، ويَلوح لي أنني أكُون من الشعور والمعارف الكافية ما أستغني به عن مِثْلِ هذه التكملة. ومن النادر أن يُسَرَّ المفكِّرون بالقمار الذي يُعطِّل عادةَ التفكير، أو يحوِّلها إلى تدابيرَ جديبة، وكذلك فإن إحدى المنافع التي نشأت عن تذوُّق العلوم، وربما كانت المنفعةَ الوحيدة، هي أن تُضْعِفَ بعض الضَّعف ذلك الولعَ الدَّنِس. والنَّاسُ يُفضِّلون كشفَ فائدة اللَّعِب على تعاطيه، وسأكافحه بين اللاعبين، وسيكون سروري بأن أَسخَرَ منهم إذ أراهم يخسَرون أعظمَ مما بكَسْبِ أموالهم منهم.

وسأكونُ على نَمَطٍ واحدٍ في حياتي الخاصة وفي معاشرتي للناس، وسأريدُ أن يَضَعَ نصيبي يُسْرًا في كلِّ مكان، وألَّا يُشعِرَ بتفاوتٍ مُطلَقًا. ويُعَدُّ بريقُ الزينة الخادعُ ثقيلًا من ألف ناحية، وأوَدُّ للاحتفاظ بين النَّاس بكلِّ ما يمكن من الحرية، أن أكون من المظهرِ ما أبدو به في مكاني عند جميع الطبقات، فلا أُمازُ في أيةِ واحدةٍ منها، فأستطيعُ أن أختلطَ من غير تَصَنُّعٍ أو تغيُّرٍ في شخصي بالجمهور في الحانة أو بالطبقة العليا في البالِهْ روَيَّال؛ ومِنْ ثَمَّ أجعلُ في متناولي دائمًا ملاذَّ جميعِ الطبقات لِمَا أكون أكثرَ سيطرةً على سلوكي. ويُقال إنه يوجد من النساء مَن يُوصِدْن أبوابَهن دون أكمام القمصان المطرَّزة، فلا يستقبلن أحدًا من غير مُخَرَّمات؛ ولذا فإنني أذهب لقضاء يومي في مكانٍ آخَرَ، ولكن إذا كان هؤلاء النسوةُ من الفتيات الغواني أمكنني أن ألْبَسَ في بعض الأحيان من المُخرَّمات ما أقضي معه هنالك ليلةً على الأكثر.

وستقومُ العلاقةُ الوحيدةُ في مصاحباتي على تبادلِ العواطف وتوافقِ الأخلاق، وسألزَمُها مثلَ رجلٍ لا مثلَ غني، ولن أُطيقَ تسميم فتونها بالمنفعة مطلَقًا. وإذا كان يُسري قد ترك لي شيئًا من الإنسانية، فإنني أُوسِّع مدى خِدَمي وإحساني إلى بعيد، ولكنني أريد أن يَكُون حولي مُجتمَعٌ لا بلاط، وأصدقاءُ لا مُحْتَمون. ولن أكون حاميًا لضيوفي مطلقًا، بل قارِيًا، وسيترُك الاستقلالُ والمساواةُ لصِلاتي كلَّ سلامةِ نيَّةٍ وحُسْنِ التفات، وستكون المسرَّةُ والصداقةُ وحدَهما قانونًا حيث لا يكون للواجب ولا للمنفعة مكان.

ولا يُشْتَرَى الصديقُ ولا الخليلة. أجلْ، إن من السهل حيازةَ نساءٍ بالمال، بَيْدَ أن المالَ وسيلةُ عدمِ كَوْنِ الواحدِ عاشقًا لأيةِ واحدةٍ منهن. ومع أن بيعَ الغرامِ أمرٌ مُستبعَدٌ فإن المالَ يقتله لا محالة، ومَن يدفعُ مالًا لا يُحَبُّ لزمنٍ طويلٍ بسبب دَفْعه ولو كان أحرى النَّاس بالحُب، وذلك أنه لا يلبثُ أن يدفعَ من أجلِ آخَر، وإن شئتَ فقُل إنه سيُدفَع إلى هذا الآخرِ من ماله، فتكُون المرأةُ الطامعةُ الخائنةُ الخبيثةُ في هذه العلاقة المضاعَفَةِ التي نُسِجَت من المنفعة والدَّعارة والخاليةِ من الحُبِّ والشرف واللذة الحقيقية، تكون هذه المرأةُ التي تُعامَل من قِبَل النذلِ المدفوعِ إليه مالٌ كما تُعامِل الغبيَّ الدافعَ إليها مالًا بريئةَ الذِّمة نحو الاثنَين على هذا الوجه. ومن أحْلى الأمورِ أن يكونَ الإنسانُ نديَّ الكفِّ تجاه مَن يحبُّ إذا لم يُؤدِّ هذا إلى مساومة، ولا أعْرِفُ غيرَ وسيلةٍ واحدةٍ يَروي الرجلُ بها هذا المَيلَ مع خليلته من غيرِ أن يُسمَّم الحُب، وهي أن يُعطيها كلَّ شيء، ثُمَّ أن تقوم بأمورِ عيشه، وقد بقيَ أن يُعرَف أين تكونُ المرأة التي يخلُو اتخاذُ هذه الطريقة معها من هَوَس.

ومَن قال: «إن لايِيسَ مُلْكي من غيرِ أن أكونَ مُلْكًا لها.» كان قولُه هذا خاليًا من المعنى؛ فليست الحيازةُ غيرُ المتبادَلة شيئًا مذكورًا، وذلك فضلًا عن كونها حيازةَ جنسٍ لا حيازةَ فردٍ. ولكن إذا كان أدبُ الحُبِّ غيرَ موجود، فلِمَ يُثارُ ضجيجٌ حول الباقي؟ لا شيءَ أسهلُ من أن يوجَد، ويكون البَغَّالُ أقربَ إلى السعادة من صاحب الملايين من هذه الناحية.

وَيْ! لو أمكَن التوسُّع في متناقضات الفسوق بما يكفي لُوجِدَ عند بلوغهِ غَرَضَه كثيرَ البُعدِ من حسابه! ولِمَ هذا الجشعُ الوحشيُّ في إفساد الطُّهْر، وفي جعلِ ضحيةٍ من الشابِّ الذي تَجِبُ وقايته، وفي هذه الخطوة الأُولى التي تَجُر، لا محالة، إلى هُوَّةٍ من البؤس لا يُخرَج منها إلا بالموت؟ غِلظَةٌ وغرورٌ وغباوةٌ وغَواية، ولا شيءَ أكثرُ من هذا، حتى إن هذه اللذَّة ليست من الطبيعة، وإنما هي من الرأي الدَّارج، من هذا الرأي الذي هو أسفلُ ما يكون لقيامه على ازدراء النفس. ومَنْ يشعُرُ بأنه آخرُ النَّاس يخشَ مقارنته بغيره، ويرغبْ أن يكون الأوَّلَ ليكون أقلَّ مقتًا عند الآخرين. ورَوْا هل يكون أكثرُ النَّاس طمعًا في هذا المُشَهِّي الخيالي من الشبان اللُّطفاء الذين هم أهلٌ لأن يَقَعُوا موقعَ الرِّضا، فيُعْذروا كثيرًا إذا ما بدَوا مستعصين؟ كلَّا، فلا يَخشى الذي يكونُ وسيمًا صاحبًا لمَزِيَّةٍ وعواطف، اختبارَ خليلته إلا قليلًا؛ فهو يقول لها مطمئنًّا: «لست أبالي أن تعرفي الملاذَّ؛ ففؤادي يخبِرُني عنك بأنك لم تعرفيها قَط.»

ولكنْ إليك شيخًا أُسطوريًّا من شيوخ الغاب، نهَكَهُ الفجورُ وخلا من الفُتُون والملاطفة والاعتبار ومن أنواع الحياء، وصار عَيًّا غيرَ جديرٍ بأن يَروقَ أيةَ امرأةٍ تُعاشر أهلَ الحُب، فيَرَى هذا الشيخُ أن يُعوَّض من هذا بفتاةٍ طاهرة، فيجعل المبادرةَ تَسبِقُ التجرِبة، ويُحرِّكُ حواسَّها للمرة الأُولى، ويقومُ آخِرُ أملٍ له على نَيلِ الحُظْوة بالطُّرْفة. أجلْ، إن هذا ينطوي على الباعثِ الخفيِّ لذلك الهوى، ولكنه مخطئ؛ فمَا يأتي من رِجسٍ ليس أقلَّ صدورًا عن الطبيعة من الميول التي يُريدُ تهييجها، وهو مخطئٌ أيضًا في أمله؛ فالطبيعة عينُها تُعنَى بادِّعاء حقوقها، وذلك أن كلَّ فتاةٍ تبيع نفسها هي غيرُ بكرٍ من زمن، وذلك أنها إذ تكون قد وَهبَت نفسها عن خِيارٍ تكون قد أتت ما يَخْشَى من مقارنة؛ ولذا فإنه يشتري لذةً خيالية، يشتري لذةً ليست أقلَّ إثارةً للمقت.

وأمَّا أنا، فتُوجَدُ نقطةٌ لا أتغيَّرُ عندها مُطلَقًا مهما بلغتُ من الغِنى، وإذا لم يَبْقَ عندي خُلُقٌ ولا فضيلةٌ بَقيَ عندي شيءٌ من الذوق والشعور والرِّقة على الأقل، وهذا يقيني من زللِ إنفاقِ ثروتي على الأوهام واستنفادِ كِيسي وحياتي حَمْلًا لأولادٍ على الاستهزاء بي وعلى خيانتي. ولو كنتُ فتًى لبحث عن ملاذِّ الشباب. وإني، إذ أطلُبُها بكلِّ ما تنطوي عليه من شهوة، لا أبحث عنها كرجلٍ غني، ولو بقيت كما أنا عليه الآن لكان الأمرُ شيئًا آخرَ؛ أيْ لاقتصرتُ على ملاذِّ سنِّي بحكمة، فأتخذ الأذواقَ التي أستطيع أن أتمتَّع بها وأخْنُقُ التي عادت لا تُورِثُني غيرَ الغم، ولن أُعَرِّضَ لحيتي الرمادية لازدراء الفتيات مطلقًا، ولن أُطيقَ مطلقًا أن أرى ملاطفاتي المستكْرَهة التي تخلَع منهن القلب، وأن أُعِدَّ لهن على حسابي أدعى الأحاديثِ إلى الهُزْء، وأن أتمثلَهن وهن يصِفن ملاذَّ القردِ الأشْمط، كأنهن ينتقِمن لأنفسهن من اصطبارهنَّ عليه. وإذا ما حَوَّلَتْ عاداتي التي أُسيءَ كفاحُها سابقَ ميولي إلى احتياجاتٍ، قضيتُ هذه الاحتياجات على ما يُحتمل، ولكن مع خجلٍ من نفسي. وأمِيزُ الهوى من الاحتياج، وأتوافق ما أمكنني، وأقتصر على ما اتفق لي، فأعودُ غيرَ مبالٍ بضَعفي، ولا أُريدُ أن يكون لي غيرُ شاهدٍ واحدٍ على ذلك خاصة. وللحياة البشرية ملاذُّ أخرى إذا ما أعْوَزتها تلك، وإذا ما سَعينا عبثًا وراء ما يَفِرُّ منها، حُرِمنا ما بقيَ لنا منها، فلنُغَيِّر أذواقنا مع السِّنين، ولا نحاول تبديلَ سنٍّ بسنٍّ أكثرَ من محاولتنا وَضْعَ فصلٍ مَوْضِعَ الفصول الأخرى. وهكذا يجب أن نكونَ على ما نحن عليه في جميع الأوقات، وألَّا نكافحَ الطبيعة؛ فمثلُ هذه الجهود تُبلي الحياة، وتَحُول دون انتفاعنا بها.

ولا يسأمُ الجمهورُ مطلقًا؛ فحياته فاعلة، وأُلْهُوَّاتُه نادرة، وإن لم تكن منوَّعة، وما يقضي من أيامِ تعبٍ كثيرةٍ يذيقه بضعةَ أيامِ عيدٍ مع النعيم، وما يكون من تناوبٍ بين الأشغال الطويلة والعُطَل القصيرة يقوم مقامَ التعليل في ملاذِّ طبقته. ويُعَدُّ السَّأم من أعظم المصائب التي يُصاب بها الأغنياء، ويُضنيهم السَّأمُ في سواءِ كثيرٍ من الأُلْهُوَّات التي تُنظَّمُ بنفقاتٍ باهظة، ويُضنيهم السَّأمُ بين كثيرٍ من النَّاس الذين يتسابقون إلى الوقوع عندهم موقعَ الرِّضا، فيقتُلهم وهم يقضُون حياتَهم في الفِرار منه وفي الإصابة به. وهم يُرْهَقون بأثقاله التي لا تُطاق، ويُفتَرَسُ النساءُ اللائي عُدْنَ لا يَعْرِفن اكتراثًا ولا لهوًا، باسم الأبخرة السوداوية على الخصوص، ويتحوَّل السَّأمُ لدى النساء إلى مَرَضٍ هائلٍ ينزِع عقولَهن ثُمَّ حياتهن أحيانًا. وأمَّا أنا، فلا أعْرِف مصيرًا أفظعَ من مصير الحسناء بباريس، مصيرِ هذه الحسناءِ التي يُولَعُ بها فتًى لطيفٌ فيغدو هذا الفتى مِثلَ امرأةٍ في البِطالة، ويبتعد عن رجولته تمامًا فيحتمل عن زهوٍ بأن يكون ذا نصيبٍ حسنٍ أسوأ ما يَمُرُّ على مخلوقٍ من عُبوسِ أكلحِ الأيام.

وتشتمل اللِّياقاتُ والمُوضَات، وما يُشتقُّ من التَّرف وحُسن الوضع من عادات، على مجرى الحياة في أعبسِ ما يكون من اطِّراد، وتُعَدُّ اللذةُ التي يُرادُ عرضُها على أعينِ الآخرين ضائعةً لدى جميع النَّاس؛ فنحن لا نتمتَّع بها، ولا نجْعَل الآخرين يتمتَّعون بها.٤٤ ويكون السُّخْرةُ،٤٥ الذي يخافُه الرأيُ العام في كلِّ أمر، بجانب الرأي العام دائمًا ليجورَ عليه ويجازيه. ولا يكون الإنسان سُخْرَةً بغير أشكالٍ مُعيَّنة. ومَن يَعْرِف تنويعَ أوضاعه وملاذِّه يَمْحُ اليومَ تأثيرَ الغد. أجلْ، إنه يُسترْذَل في نفوس النَّاس، ولكنه يتمتَّع؛ وذلك لأنه وَقْفٌ على كل ساعة وكل أمر، وذاك هو طَوري الثابت، وفي كل وضعٍ لا أبالي بأي وضعٍ آخرَ كان، وسأتخذ كلَّ يومٍ على حِدَةٍ مستقِلًّا عن الأمس والغد. وبما أنني أكون من الشعب ومع الشعب، فإنني أكون ريفيًّا في الحقول، فإذا ما تكلمتُ عن الزراعة لم يهزأ الفلاح بي، ولن أذهبَ لبناء مدينة لي في الأرياف ولوضعِ قصرٍ كالتِّوِيلُري أمام منزلي في الإقليم، وسيكونُ لي على مُنحدَرِ تلٍّ لطيفٍ ظليلٍ منزلٌ حقليٌّ صغيرٌ أبيضُ مع مصاريعَ خُضْرٍ. ومع أن الغِمَاء٤٦ يكونُ أحسنَ ما يُمكِن في كلِّ فصل، فإنني أُفَضِّلُ تفضيلًا بهيًّا أن يكون الغطاءُ من القِرْميد، لا من الأَرْدُواز الكئيب؛ وذلك لِمَا للقِرْميد الذي تُغَطَّى به منازلُ بلدي من منظرٍ أطهرَ وأبهرَ من الغِماء، ولِمَا يذكِّرُني القِرْميد بشيء من دَور شبابي السعيد. وستكون لي ساحةٌ كفِناءٍ للدَّواجن، وسيكون لي إصطبلٌ كمُراحٍ للبقر، نَيلًا للألبان التي أُحِبُّ كثيرًا، وسأكون صاحبًا لمَبْقلة، وصاحبًا لحديقةٍ مشابهةٍ للتي سأتكلم عنها فيما بعد، وستكون الفواكه تحت تصرُّف المتنزهين، فلا تُعَدُّ ولا تُقتَطَف من قِبَل بستانيَّ. وما يشوب كَرَمي من ضنٍّ لا يَعرِضُ على العيون مُطلَقًا صُفُوفَ أشجارِ الفواكهِ الرائعةَ المُسْنَدَةَ إلى الحيطان، والتي لا يكادُ يجرؤ أحدٌ على مسِّها. والواقع أن هذا التبذير الضئيل يكون غاليًا قليلًا، وذلك لاختياري مأوايَ في إقليمٍ بعيدٍ يُرى فيه قليلُ مالٍ وكثيرُ غِلالٍ ويسوده الوَفْرُ والفَقْر.

وهنالك أجْمعُ حولي عُصبَةً مختارةً أكثرَ منها وافرة، أجمعُ عُصبةً مؤلَّفةً من أصدقاءَ محبين للتَّسرية عارفين بها، ومن نساءٍ يَستطِعن مغادرةَ مقاعدِهن ذاتِ المساند، وتعاطيَ الألعاب الريفية، وتناولَ الصِّنَّارةِ والدِّبْقِ ومِشْطِ جامعي القُشَاش وسَلَّةِ قاطفي العِنب أحيانًا بدلًا من المَكُّوك وورق اللَّعِب. وهنالك تُنسى مظاهرُ المدن كلُّها، فنصيرُ قرويين في القرية، ونجد أنفسنا مُوكَلين إلى طائفةٍ من مختلف الأُلْهُوَّات التي لا تَحْبُونا في كلِّ مساءٍ بغيرِ هَمِّ الاختيار للغد، ويجعَلُ لنا التمرينُ والحياةُ الفعَّالةُ مَعِدَةً جديدةً وأذواقًا جديدة، وتكون جميعُ وَجَبَاتِنا ولائمَ حيث يروقُ الوَفْر أكثرَ من اللطافة، ويكون الجَذَلُ والأشغال الريفية والألعاب المرحة طُهَاةَ العالَم الأوَّلين، وتكون الأطعمة الفاخرة مثيرةً للسخرية عند مَن يَكُدُّون منذ طلوع الشمس، ولا يكون لطعامنا نظامٌ أكثرَ من أن تكون له نفاسة، وستكون غرفةُ طعامنا في كلِّ مكان، فتكون في الحديقة أو في السفينة أو تحت شجرة، كما تكون أحيانًا في مكانٍ بعيدٍ بالقرب من ينبوعٍ وعلى الكلأ الأخضر الرطيب، وتحت باقات الحَوَر وشجر البُندق، ويَحْمِل مَوْكِبٌ طويلٌ من المدعوِّين المَرِحين أُهْبَةَ الوليمة مع الغِناء، ويُتَّخَذُ العُشْب مائدةً ومَقْعدًا، وتُستعمل أطرافُ الحوض مَقْصَفًا، ويتدلَّى نقلُنا من الشجر، وتُقَدَّم الأطعمة بلا نظامٍ وتُغْني شهوةُ الطعام عن المجاملات، ويُفضِّلُ كلُّ واحدٍ نفسه على غيره جَهرًا فيجدُ من الحَسَن أن يسيرَ كلُّ واحدٍ على غِراره، فيُفضِّل نفسه عليه بدوره. فعن هذه الأُلفة القلبية المعتدلة ينشأ بلا غلظةٍ ولا رئاءٍ ولا قَسْرٍ اختلافٌ ضاحكٌ أكثرُ فُتُونًا من المجاملة مائةَ مرةٍ وأصلحُ منها لتأليف ما بين القلوب. ولا تَرى هناك خادمًا مزعِجًا يرْقُبُ كلامَنا، وينتقد أوضاعنا مُخافِتًا، ويَعُدُّ لُقَمَنا بعينٍ تَنِمُّ على الشَّرَه، ويتلهَّى بحمْلِنا على انتظار الشراب، ويتذمَّر من طول الغداء. وسنكون خَدَمَ أنفسنا لنكون سادةَ أنفسنا، وسيُخدَم كلُّ واحدٍ من قِبَل الجميع، ويمضي الوقت من غير أن يُعَد، وتكون الوليمةُ راحة، وتدوم ما دام حَرُّ النهار، وإذا ما مرَّ قريبًا مِنَّا فلَّاحٌ ما عائدًا إلى العمل حاملًا آلاته على كَتِفه سَرَّيْتُ عن فؤاده بكلامٍ طيِّبٍ وبقَدَحٍ أو قدحَين من الخمر الفاخرة؛ أيْ بأشياءَ تجعله يصبِرُ على بؤسه مسرورًا. وستكون لي مسَرَّةٌ أيضًا بأن أُحِسَّ اهتزازَ فؤادي وأن أقول في نفسي سِرًّا: «وأنا رجلٌ أيضًا.»

وإذا حدث أن أوجب احتفالٌ حقليٌّ اجتماعَ أهل الناحية، كنت مع عُصبتي في المُقدَّمة، وإذا ما احتُفِلَ بزواجاتٍ في جوارنا، يُباركها الربُّ أكثرَ مما يبارِك زواجات المدن، عُرِف أنني أحبُّ الفرحَ ودُعيتُ، فأحمِلُ إلى هؤلاء القوم الصالحين بعضَ الهدايا البسيطة مثلَهم، والتي تساعد على الفَرَح، فأجِدُ في مقابلها من المحاسن ما لا يُقَدَّر بثَمنٍ. أجِدُ من المحاسن التي تَقِلُّ معرفةُ أمثالي لها؛ أيْ أجِدُ الصراحةَ والسرورَ الحقيقي، وأتناول عشائي في طَرَف مائدتهم الطويلة مسرورًا، وأشترك في ترديد إحدى الأغاني الريفية، وأرقُص في نِبْرِهم٤٧ أطيبَ خاطرًا مما أصنعُ لو كنتُ في مَرقَصِ الأُبِرَا.

وسيُقال لي: «إن كلَّ شيءٍ يسير سيرًا حسنًا حتى الآن، ولكن ما أمر الصيد؟ وهل على الإنسان أن يتعاطاه في الأرياف؟» وأسمع، وقد كنت لا أريد غيرَ مزرعة، وقد كنت مخطئًا، وأفترضُ نفسي غنيًّا، ولا بُدَّ لي إذن من ملاذَّ حصرًا، من ملاذَّ مُدمِّرة، وهذا أمرٌ آخرُ تمامًا، ولا بُدَّ لي من أرَضين ومن غاباتٍ ومن حَرَسٍ وإجاراتٍ ومن حقوقٍ إقطاعية، ومن لُبانٍ وماءٍ مُقدَّسٍ.

حَسَنٌ جِدًّا، ولكن سيكون لهذه الأرض مجاورون حريصون على حقوقهم راغبون في اغتصاب حقوق الآخرين، وسيتشاجر خُفراؤنا، وربما السادة، وإليك منازعاتٍ ومخاصماتٍ وأحقادًا، وقضايا على الأقل، وليس هذا مستحبًّا كثيرًا، وليس مما يَسُرُّ المستأجرين منِّي أن يَرَوا أرانبي كادِحةً في بُرِّهم، وأن يَرَوا خنازيري جادَّةً في فُولهم. وبما أن كلَّ واحدٍ لا يجرؤ على قتلِ عدوِّه الذي يقضي على عمله، فإنه يريد طردَه من حقله؛ فهم بعد أن يَقْضُوا النهارَ في زراعة أَرَضِيهم لا بدَّ لهم من قضاء الليل في حراستها، وستكون عندهم كلابُ حراسةٍ وطُبولٌ وأبواقٌ وأجراس، وهم بهذا الضجيج يزعجونني في نومي، وأُفكِّرُ في بؤسِ هؤلاء الفقراء على الرغم منِّي، ولا أستطيع أن أمنعَ نفسي من لومها على ذلك، ولو شُرِّفتُ بأن أكون أميرًا ما أثَّرَ ذلك فيَّ مُطلَقًا. وأمَّا أنا الحديثُ النعمة، الحديثُ الغِنَى، فلا أزال أحمل قلبًا عاميًّا نوعًا ما.

وليس هذا كلَّ ما في الأمر؛ فكثرةُ الصيد تُغري الصائدين، وسيكون لديَّ عمَّا قريبٍ صائدون في أَرَضِي الآخرين بلا إذنٍ للعِقاب، وسأحتاجُ إلى سجونٍ وسجانين وقوَّاسين ومحكومٍ عليهم بالأشغال الشاقة، ويَلوح لي جميعُ هذا قاسيًا، وسيأتي نساءُ هؤلاء التعساء لِحصار بابي وإزعاجي بصُراخهن، فيجب أن يُطرَدْن أو أن يُهَنَّ، وسيأتي المساكينُ الذين لا يصطادون في أرض الآخرين بدون إذن، والذين تَرُود طريدتي حصادَهم، للشكوى من ناحيتهم، فيُجازَى بعضهم لقتلهم الطريدة، ويفتقر الآخرون لأنهم ترفَّقوا بها، ويا له مِن تناوبٍ كئيب! ولن أرى من كلِّ ناحيةٍ غيرَ أمورِ بؤس، ولن أسمعَ سوى الحسرات، ويظهر لي أن هذا يُكدِّر كثيرًا لذةَ ذبحِ جماعاتِ الحَجَل والأرانب تحت الأرجل، تقريبًا، بلا انزعاج.

وإذا أردتم أن تكون الملاذُّ خاليةً من الألمِ فلا تحتكروها، وكلَّما تركتموها شائعةً بين النَّاس ذُقتموها خالصةً دائمًا. ولا أصْنع مطلقًا إذنْ كلَّ ما قلت، ولكنني، من غير تغييرٍ للأذواق، أتَّبِعُ ما أفترضه منها أقلَّ نفقة، وسأُقيم منزلي في بلدٍ يكون الصيد فيه مُباحًا لجميع النَّاس، وحيث أستطيع أن أتلهَّى بلا عائق. أجلْ، ستكون الطرائدُ أكثرَ ندرة، ولكنه سيكون هنالك أعظمُ حِذْقٍ في البحث عنها، وأكبرُ لذةٍ في نَيلها. وأذكر دقاتِ قلبِ والدي عند طيران أوَّلِ حَجَل، ومقدارَ ما ساورَه من فَرَحٍ حين وَجَدَ الأرنبَ الذي طلبَه في نهاره كلِّه. نعم، إنني أصرِّح بأنه عاد وحدَه مساءً مع كلبه حاملًا بندقيتَه وقذائفه وجِرابه وصيده الصغير منهوكًا تَعَبًا ومُمزَّقًا بالعَوْسَج، وراضيًا عن يومه أكثرَ من جميعِ صيَّاديكم المعتادين الذين لا يفعلون، وهم راكبون خيلًا أصيلةً ومُتْبَعون بعشرين بندقيةً مُعَدَّة، غيرَ تناولِ البندقيةِ بعدَ البندقية مُطْلِقين القذائف، فيَقْتلون ما حولهم بلا فَنٍّ ولا فخر، وبلا ممارسةٍ تقريبًا؛ ولذا فلا تكون اللذةُ أقلَّ حدوثًا. ويزول المحذور عند عدمِ وجودِ أرضٍ تُحْرَس وعدمِ وجودِ صائدٍ في أرضِ غيرهِ يُجازَى، وعدمِ وجودِ بائسٍ يُؤذَى، وهذا سببٌ قويٌّ في التفضيل، ومهما تفعلوا فإنكم لا تستطيعون أن تؤذوا إلى الأبدِ أُناسًا من غيرِ أن تُعَانوا اضطرابًا، وما يُصَبُّ من لعنات الشعب يجعَلُ الطريدةَ مُرَّةً عاجلًا أو آجلًا.

وقُلْ، فضلًا عما تَقدَّم، إن احتكارَ اللذات يَقتُل اللذات، وتقوم الأُلْهُوَّاتُ الحقيقية على مشاطرة الشعب إياها، ومَنْ يُرِدْ حيازةَ لذَّاتٍ لنفسه وحدَها يَعُدْ غيرَ حائزٍ لها، وإذا كانت الجُدُر التي أُقيمُ حَوْل حديقتي تجعلُ لي من هذه الحديقة حبْسًا كئيبًا، فإنني لا أكون قد صنعتُ غيرَ نَزْعِي من نفسي لذةَ النُّزْهةِ بنفقاتٍ كبيرة؛ ولذا تَراني مضطرًّا إلى البحث عنها في مكانٍ بعيد، ويُفسِدُ شيطانُ التملُّكِ كلَّ ما يَمَسُّه. ويريد الغنيُّ أن يكون سيدًا في كلِّ مكان، وهو لا يَجِد نفسَه على خيرٍ إلا حيث لا يكون سيدًا، وهو يُضْطرُّ إلى الفِرار من نفسه دائمًا؛ ولذا فإنني أصنعُ في غِناي ما أصنعُ في فقري، والآن إذ أكونُ أكثرَ غِنًى بمالِ الآخرين مما بمالي، فإنني أقبِضُ على كلِّ ما يلائمني في جِواري، ولا يُوجَد غازٍ أكثرَ منِّي عزْمًا، حتى إنني أغتصبُ من الأمراء أنفسهم، فأستولي على جميع الأرَضين المكشوفة التي تروقني بلا تفريق، وأُطلِقُ أسماءً عليها، وأجْعلُ من إحداها حديقتي وأجعَلُ من الأخرى شُرْفتي، وأكون صاحبًا لهذه وتلك، فأتنزَّه هناك بلا عِقاب، وأعود إلى هناك غالبًا حفظًا لتصرُّفي، وأنتفع بالأرض ما أردتُ بقوةِ السَّير فيها، ولن أُقْنِعَ نفسي بأن الصاحبَ الاسميَّ للأرض التي أنتحِلُها ينتفع بالمال الذي يناله منها أكثرَ من انتفاعي بها. وليس من المهمِّ أن أُغاظَ بخنادقَ وسياجات، فسآخُذُ حديقتي على كتفيَّ، وأضَعُها في مكانٍ آخرَ؛ فليست الأمكنةُ قليلةً في الجِوار، وسيمضي وقتٌ طويلٌ على سَلبي لجيراني قبل أن يُعْوِزني الملجأ.

وهذه محاولةٌ للذوقِ الصحيحِ في اختيار العُطَل المستحبَّة، وهذه هي روح المَرَح، وكلُ ما عداها وهْمٌ وخيالٌ وزَهْوُ حماقة، ومَن يبتعدْ عن هذه القواعدِ يأكُلْ ذهبَه على دِمْنَة مهما كان غِناه، ولا يَعْرِف قيمةَ الحياة مطلَقًا.

ومما يُرَدُّ به عليَّ، لا ريبَ، كونُ هذه الأُلْهُوَّات في متناوَلِ جميعِ النَّاس، وأنه ليس من الضروريِّ أن يكون الإنسانُ غنيًّا ليتمتع بها، وهذا ما أردتُ الوصولَ إليه ضبطًا؛ فالإنسان يفوز باللذَّة إذا ما أرادَ حيازتها. وسَبْقُ الرأي وحدَه هو الذي يَجعَلُ كلَّ شيءٍ صعبًا، وهو الذي يَطرُد السعادة أمامنا. وكونُ الإنسان سعيدًا أسهلُ مائة مرةٍ من ظهوره هكذا، وذلك أنه لا حاجةَ لرجل الذوق واللذةِ حقًّا بالغِنى، فيكفيه أن يكون حُرًّا سيِّدًا لنفسه، ومَن يتمتَّع بالصحة ولا يُعْوِزْه الحاجِيُّ يُعَدُّ على شيءٍ من الغنى إذا ما نَزع من قلبه زادَ سَبْقِ الرأي، وهذا هو كَفَافُ هُوراس الميمون. فيا أصحاب صناديق المال، ابحَثوا عن توظيفٍ آخرَ لثروتكم إذن؛ فالثراءُ لا يصلُح لشيءٍ في حقل اللذة. ولن يَعْرِف إميلُ جميعَ هذا أحسنَ مما أعْرِف، ولكن بما أنه ذو قلبٍ أكثرَ صفاءً وسلامةً فإنه يكون أحسنَ شعورًا بذاك، ولا تؤدي جميعُ ملاحظاته في العالم إلى غير توكيد ذلك.

وبينما نقضي وقتنا هكذا نبحثُ عن صُوفْيَةَ دائمًا، وذلك من غير أن نَجِدَها مُطلَقًا. ومن المهمِّ كوْنُها لم تُوجَد بسرعة، وقد طلبناها في مكانٍ كنتُ واثقًا بأنها لم تكن فيه.٤٨

وأخيرًا يُلِحُّ الوقت، وقد حَلَّ وقتُ البحثِ عنها بجِدٍّ، وذلك خشيةَ أن يتَّخِذَ إميلُ امرأةً أخرى بدلًا منها فلا يَعْرف خطأَه إلا بعد الأوان. فوداعًا إذن يا باريسُ، هذه المدينة المشهورة، هذه المدينة ذات الضوضاء والدخان والوحل؛ حيث عاد النساء لا يؤمِنَّ بالشرف وبالرجل الصالح. وداعًا يا باريس؛ فنحن نبحثُ عن الحُبِّ والسعادة والعفاف، ولن نكون بعيدين منكِ بما فيه الكفايةُ مُطلَقًا.

١   السُّكَّان من السفينة الدفة.
٢  قال مسيو بوفون: «يصل الأولادُ الذين تعوَّدوا أغذيةً وافرةً عصاريةً إلى تلك الحال بأسرعِ ما يمكن في المدنِ ولدى المُوسرين. وأمَّا الأولادُ في الريفِ ولدى الفقراءِ فإنهم يبلغونها متأخِّرين عن قلةِ طعامٍ وسوءِ تغذية، فلا بدَّ من مرورِ عامَين أو ثلاثة أعوامٍ زيادةً على ذلك حتى ينتهوا إلى تلك الحال» (التاريخ الطبيعي، جزء ٤، صفحة ٢٣٨). وأقبل بالمشاهدة، لا بالإيضاح، ما دام سِن البلوغ في البلاد التي يتغذَّى القروي فيها كثيرًا ويأكل كثيرًا، كما في الفاله، وفي بعض المناطق الجبلية بإيطالية أيضًا كالفريول مثلًا، يتأخَّر في الجنسين على السواء أكثر من تأخُّره في صميم المدن؛ حيث يُراد إرواءُ الزهرِ فيقترُ في الطعام إلى الغاية غالبًا، وحيث يعمل معظمُ الناس بالمَثَل القائل: «ثوبٌ من مخمل وبطن خاوٍ.» ومن العجيب أن يُشاهَد في هذه الجبالِ فتيانٌ كِبارٌ أقوياءُ ذوو أصواتٍ حادةٍ وأذقانٍ بلا لِحًى، وفتياتٌ كبيراتٌ نامياتٌ كثيرًا بلا حَيْض، فيبدو ليَ أن المصدرَ الوحيدَ لهذا الفرْقِ هو أن خيالَ هؤلاء الناسِ البسطاءِ في طبائعهم يكون هادئًا ساكنًا لزمنٍ طويل، فيتأخرُ في إثارةِ دمهم، ويجعلُ مِزاجَهم أقلَّ نضجًا قبْل الأوان.
٣  يظهر أن هذا يتغيَّر قليلًا في الوقت الحاضر؛ فالذي يلوح أن الأحوال تصبح أكثرَ ثباتًا، وأن الناس يصيرون أكثرَ قسوة.
٤  قد يكون العطف بلا عوض، وليست الصداقة هكذا، وذلك أن الصداقة مبادلة، عقد كالعقود الأخرى، وإن كانت أقدسَ العقود. وليس لكلمة الصداقة غيرُ رابطة نفسها، ويكون كلُّ إنسانٍ غيرُ صديقٍ لصديقه مُداجيًا لا ريب؛ وذلك لأن الإنسان ينال الصداقة بإعطائها أو بإظهار إعطائها.
٥  لا تجد للمبدأ القائل بأن تُعامِل الناسَ كما تريد أن يعاملوك به أساسًا حقيقيًّا غير الإحساس والشعور، وإلا فأين السبب الصريح في المعاملة من حيث أنا كما لو كنت غيري، ولا سيَّما حينما أطمئن خلقيًّا إلى عدم وجودي في عين الحال؟ ومَن ذا الذي يجيبني عن سؤالي القائل إنني إذا ما اتبعت هذا المبدأ بإخلاصٍ فمَن يضمن اتِّباع الآخرين له نحوي بعين الإخلاص؟ إن الخبيث يستفيد من صلاح المنصف وعدم إنصاف نفسه، ومما يسُرُّه أن يكون جميع الناس صالحين خلا نفسه، وليست هذه الصفقة رابحةً للصالحين مهما قيل عنها، ولكن إذا ما وحَّدت نفسٌ توسعية بيني وبين نظيري فشعرت بأنني فيه، كان هذا لكيلا يألم حتى لا أتألم، وأكترث له حُبًّا بنفسي، وترى سبب المبدأ في ذات الطبيعة التي توحي إليَّ برغبةٍ في هناءتي حيث أشعر بوجودي؛ ومِنْ ثَمَّ تعلم أنه ليس من الصحيح كونُ مبادئ القانون الطبيعي قائمةً على العقل وحدَه؛ فلهذه المبادئ أساسٌ أكثرُ متانةً وأعظمُ ثباتًا، ويُعدُّ حب الناس المشتق من حب النفس مبدأ العدل الإنساني، وتجد خلاصة كل أخلاق في الإنجيل نتيجة هذا القانون.
٦  تقوم الروح العامة للقوانين في جميع البلدان على تأييد القوي ضد الضعيف دائمًا، وعلى تأييد المالك ضد غير المالك شيئًا، ولا مفرَّ من هذا الضرر الذي لا استثناء له.
٧  انظر إلى دافيلا وغويشيارديني وسترادا وسوليس ومكيافيلي، وإلى دوتو في بعض الأحيان، وفرتو وحدَه تقريبًا هو الذي كان يَعْرِف الوصف من غير أن يضع صورًا.
٨  أقدمَ أحد مؤرخينا دوكلو، الذي قلَّد تاسيت في الرسوم الكبرى، على تقليد سويتونيوس، وعلى استنساخ كومين أحيانًا في الرسوم الصغرى، ومع أن هذا أوجب زيادةَ قيمة كتابه فقد أدَّى إلى نقده بيننا.
٩  المُبْتَسَر هو الذي يثير صولَة الأهواء في قلوبنا دائمًا، ولا يُولَع مطلقًا مَن لا يرى غير ما هو كائن ولا يقدِّر غير ما يَعْرِف، ويؤدي خطأ أحكامنا إلى حرارة رغائبنا.
١٠  أعتقد إمكانَ إقدامي على عدِّ الصحة وحُسن البنية من المنافع التي اكتسبها بتربيته، وإن شئت فقُل من هبات الطبيعة التي حفظتْها له تربيته.
١١  وفضلًا عن ذلك، فإن تلميذنا يُغوى بهذا الشَّرَك قليلًا، وهو الذي يحيط به كثيرٌ من اللهو، وهو الذي لم يسأم في حياته، وهو الذي لا يكاد يَعْرِف استعمالَ النقود، وبما أن المصلحة والزهو هما العاملان اللذان يُقاد بهما الأولاد فإن هذَيْن العاملَيْن نافعان لبنات الهوى وللغششة في التغلُّب عليهم فيما بعد. وإذا ما أثرتم طمعَهم بالجوائز والمكافآت، وإذا ما رأيتم أنه يهتف لهم في العاشرة من سنيهم بالمدرسة من أجلِ عملٍ عام؛ أبصرتم كيف يُغرَون في العشرين من عُمُرهم بالتخلي عن كَيسهم في دار قمار أو دار دعارة. ويمكنكم أن تراهنوا دائمًا على أن أكثرَ الأولاد جِدًّا في غرفة درْسِه سيصبح أكبرَ مقامرٍ وداعر. والواقع أنه لا يكون للوسائل التي لا تُستَعمل في الصبا مطلقًا ذاتُ المحذور في الشباب، ولكن لا يغِب عن البالِ أن المبدأ الثابت الذي أتخذه هنا هو إظهار أسوأ ما في الأمر، ومنْع العيب هو أوَّل ما أحاول، ثُمَّ أفترضه لمعالجته.
١٢  أخطأت في ظني؛ فقد وجدتُ واحدًا، وهو مسيو فورمه.
١٣  يجب أن يُطبَّق هنا تصحيح مسيو فورمه أيضًا؛ فالزيز أوَّلًا ثُمَّ الغراب … إلخ.
١٤  ولكن ما يكون سلوكه إذا ما شاجره آخر؟ أجيب عن هذا بقولي إنه لن يكون عرضة لشجارٍ ما دام في وضْعٍ لا يعرض معه لشجار، ولكن يُعقَّب على هذا بأن يُسأل: من ذا الذي يكون في مأمنٍ من صفعةٍ أو إهانةٍ تصدُر عن فظٍّ أو سكِّيرٍ أو وغدٍ يبدأ بفضْح صاحبه حتى يتلذَّذ بقتله؟ هذا شيء آخرُ؛ فلا يجوز أن يكونَ شرفُ المواطنين ولا حياتُهم تحت رحمةِ فظٍّ أو سكِّيرٍ أو وغد، ولا يستطيع أحدٌ أن يحفظ نفسه من مثل هذا الحادث كما أنه لا يستطيع أن يحفظها من آجرة، وتُعَدُّ الصفعة أو الإهانة التي تنزل وتحتمل من النتائج المدنية التي لا تستطيع أيةُ حكمة أن تمنع وقوعها، ولا تستطيع أية محكمة أن تنتقم للمعتدَى عليه. ونقص القوانين يجعله في هذا مستقلًّا إذن؛ فهنالك يكون وحدَه حاكمًا وقاضيًا بينه وبين المعتدي، ويكون وحدَه مفسِّرًا ومديرًا للقانون الطبيعي، ويكون من الواجبِ عليه إقامةُ العدل، ويمكنه أن يقيمه وحدَه، ولا يوجد في الأرض حكومةٌ تبلغ من السخافة ما تجازيه على إقامته لنفسه في مثل هذه الحال. ولا أقول إنه يجب عليه أن يُقاتل؛ فهذه حماقة، وإنما أقول إنه مُلزَم بإقامة العدل لنفسه، وإنه وحدَه موزِّع له في ذلك. ولو كنت مَلَكًا لأعرضت عن المراسيم الكثيرة الفارغة حول المبارزات ولأجبت بأنه لا يكون هنالك صفعة ولا إهانة في مملكتي مطلقًا، وذلك بوسيلةٍ بالغةِ البساطة لا تتدخل المحاكم فيها أبدًا. ومهما يكن من أمرٍ فإن إميلَ في مثل هذه الحال يَعْرِف ما يجب عليه من عدلٍ لنفسه، كما يَعْرِف العِبْرة التي يأتي بها نفعًا لسلامة ذوي الشرف، ولا يتوقَّف على أثبت الرجال أن يحول دون الإهانة، وإنما يتوقَّف عليه أن يحول دون التفاخر طويلًا بما كان من إهانته.
١٥  بلوتارك: «رسالة في الحب»، ترجمة أميو. وذاك هو الذي تبدأ به مأساة ميناليبوس، غير أن صيحات أهل أثينة أكرهت أوريبيدس على تغيير ذاك البدء.
١٦  انظر إلى القسم الأوَّل من رسالة «أصل التفاوت» حولَ الحال الطبيعية للروح البشرية وحولَ بطء تقدُّمها.
١٧   يقصد المؤلِّف نفسَه فيها، والكلمة له؛ فهو يقصُّ فيها خبرَ إقامته بتورينو سنة ١٧٢٨، ومَن يرغب في تفصيل ذلك فليراجعِ الباب الثاني من «الاعترافات» للمؤلِّف. (المترجِم)
١٨  الصُّوَى: جمع صُوة، وهي الحجر الذي يكون دليلًا في الطريق.
١٩  تُحدِّثُنا رحلات مسيو دولا كوندامين عن شَعبٍ لا يَعْرِف تَعدادًا يزيد على ثلاثة، ومع ذلك فإن الناس الذين يتألَّف هذا الشعب منهم ذوو أيادٍ، فيرون أصابعَهم من غير أن يستطيعوا العد حتى الخمسة.
٢٠  وإن شئت فقُل إن هذا السكون أمرٌ نسبي، ولكن بما أننا نشاهد شيئًا ما في الحركة فإننا نتمثَّل بوضوحٍ أحدَ الحدَّيْن المتناهيَيْن، وهو السكون، ونحن نبلغ من تمثُّله ما نميل معه إلى عدِّ السكون أمرًا مطلقًا مع أنه نسبي، والواقع أن من غير الصحيح كونَ الحركة من جوهر المادة إذا ما أمكن تصوُّرها ساكنة.
٢١  يَعُدُّ الكيماويون عنصرَ الالتهاب — أي عنصر النار — أمرًا متفرِّقًا ساكنًا راقدًا في المركبات التي هو جزء منها، وذلك إلى أن تُطْلقه وتجمعه وتحرِّكه عللٌ غريبةٌ فتحوله إلى نار.
٢٢  بذلتُ جميعَ جهودي لأتمثل ذرة حية، فكان هذا على غير جدوَى، ويظهر لي أن فكرة المادة الشاعرة بلا حواسَّ أمرٌ مُتناقض لا يُدرَك، ولا بدَّ من البدء بإدراك هذه الفكرة لقبولها أو رفضها، فأعترف بأنني لم أنلْ هذه السعادة.
٢٣  وهل يُعتقَد عند عدم البرهانِ كونُ هذيان الإنسان يبلغ هذه النقطة؟ وقد زعم أماتوس لوزيتانوس أنه رأى قزمًا طوله بوصة محبوسًا في زجاجةٍ مصنوعًا من قِبَل يوليوس كاميلوس صُنعًا كيماويًّا، مثل بروميثوس. ويعلم باراسلس طريقة صُنْع هؤلاء الأقزام، ويدَّعي أن الزعانف والتنابيل والغيلان والحوريات من أعمال الكيمياء. والواقع أنني لا أرى بقاء شيءٍ كثيرٍ بعد الآن لإثبات إمكان هذه الأمور، ما لم يقع ادِّعاء بأن المادة العضوية تقاوم حرَّ النار، وبأن من الممكن أن تبقى ذراتها حية في فرنٍ حامٍ.
٢٤  يلوح لي أن الفلسفة الحديثة تبتعد عن القول بأن الصخر تفكِّر، وأنها — على العكس — قد اكتشفت عدم تفكير الناس مطلقًا، وعادت هذه الفلسفة لا تعترف بغير موجودات حساسة في الطبيعة، ويقوم كل فرق تجده بين الإنسان والحجر على كونِ الإنسان موجودًا حسَّاسًا ذا أحاسيس، وكونِ الحجر موجودًا حسَّاسًا خاليًا من الأحاسيس. ولكن إذا صح أن كلَّ مادةٍ تَحس، فأين أُدرِك الوحدة الحسية أو الذات الفردية؟ أهي في كلِّ ذرةٍ من المادة أم في الأجسام المؤلَّفة من ذَرَّات؟ وهل أضع هذه الوحدة في السوائل والجوامد وفي المركبات والعناصر؟ ولا يوجد غيرُ أفرادٍ في الطبيعة كما يُقال! ولكن مَن هم هؤلاء الأفراد؟ وهل هذا الحجر فرد أو مجموعة أفراد؟ وهل هو موجود حساس واحد أو إنه يشتمل على موجوداتٍ حساسة بمقدار حَب الرمل؟ وإذا كانت كل ذرة أوَّلية موجودًا حسَّاسًا، فكيف أتصوَّر هذا الاتصال الوثيق الذي تشعر به كل ذرة ضمن الأخرى، وذلك بحيث تختلط الذرتان في واحدة؟ أجل، قد تكون الجاذبية ناموسًا للطبيعة نجهل سرَّه، ولكننا ندرك على الأقل أن الجاذبية، إذ تؤثِّر وَفق الكتل، لا تنطوي على ما يناقض الاتساع وقابلية الانقسام. وهل تتصورون الإحساس على هذا الوجه؟ إن الأجزاء الحساسة اتساعات، ولكن الموجود الحساس واحد غير قابل للانقسام، وهو لا يتجزأ، وهو كلٌّ أو هو عَدم؛ ولذا فإن الموجود الحساس ليس جسمًا، ولا أعْرِف كيف يدركه ماديونا، ولكنه يلوح لي أن ذات المصاعب التي حملتهم على نبذ الفكر يجب أن تحملهم على طرح الإحساس أيضًا، ولا أرى بعد قيامهم بالخطوة الأُولى سببًا لعدم قيامهم بالخطوة الثانية أيضًا. وما يكلِّفهم هذا؟ وكيف يجرُءون على توكيد إحساسهم ما داموا يرون أنهم لا يفكرون؟
٢٥  كان القدماء على صواب كبير عندما كانوا يسمُّون الربَّ الأعلى «العليَّ الأعلى»، ولكنهم يكونون على صوابٍ أدقَّ من ذلك لو قالوا «الأعلى العلي»، ما دام جوده يأتي من قدرته، وهو جوَّاد لأنه عظيم.
٢٦  ليس لنا يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجدًا من أجْل رحمتك، من أجْل أمانتك (المزمور المائة والخامس عشر).
٢٧  لا تقول الفلسفة الحديثة التي لا تقبل غير ما تفسِّر، بالخاصية الغامضة المسمَّاة «غريزة»، والتي تسوق الحيوانات نحو الغرض من غيرِ معرفةٍ مكتسبة. وليست الغريزة عند «كوندياك» الذي هو من أحكم فلاسفتنا غيرَ عادة خاصة في التأمُّل، ولكن مع اكتسابها بالتأمُّل، ويجب أن يُستنتج من الوجه الذي يُوضَّح به هذا التقدُّمُ كونُ الأولادِ أكثرَ من الرجال تأمُّلًا، وهذا قولٌ غريب، وهو من الغرابة ما لا يستحق معه أن يُفحص، ولا أدخل هنا في هذا الجدل، وإنما أسأل عن الاسم الذي يجب أن أطلقه على ما يبديه كلبي من نشاطٍ في مقاتلة المَنَاجِذ التي لا يأكلها مطلقًا، وعلى ما يبديه من صبرِ ساعاتٍ بكاملها كامنًا لها، وعلى ما يبديه من براعةٍ في إمساكها وقذفها خارجَ أرضِها عند بروزها، وفي قتلها بعد ذلك لتركها هنالك من غيرِ أن يدرِّبه أحدٌ على هذا الصيد، ومن غير أن يعلم من أحدٍ وجودَ مَناجِذَ في ذاك المكان. وأسأل أيضًا — وسؤالي هذا أكثر أهمية — عن السبب في استلقاء هذا الكلب على الأرض مثني الأرجل متَّخِذًا وضعَ ضارعٍ مؤثِّرٍ فيَّ، متَّخِذًا هذا الوضع الذي كان يبقى عليه لو ضربته وهو في هذه الحال من غير أن يستجلب عطفي، ماذا! كلبي الصغير الذي وُلِدَ منذ وقتٍ قصير يكتسب مبادئَ خُلُقية! وهل كان يَعْرِف ما الرحمة والكرم؟ وما البصائر المكتَسَبة التي كان يرجو أن يسَكِّنني بها تاركًا نفسه تحت تصرُّفي على هذا الوجه؟ إن جميع كلاب العالم يأتون ذات الشيء في ذات الحال دائمًا، ولا أقول شيئًا عمَّا يمكن كلَّ واحد أن يحقق لنفسه. وليتفضل الفلاسفة الذين يرفضون الغريزة بازدراءٍ أن يوضِّحوا لنا هذا الأمر بالإحساسات والمعارف التي يفترضون اكتسابنا لها، وليوضِّحوا لنا ذلك على وجهٍ يقنع به كلُّ ذي عقل، وهنالك لا يبقى لي ما أقول، وهنالك لا أتكلم عن الغريزة مطلقًا.
 المَنَاجِذ: جمْع خُلْد من غير لفظها، والخُلْد نوعٌ من القواضم يعيش تحت الأرض، وهو ليس له عينان ولا أذنان.
٢٨  تكون الأفكار أحاسيس، وتكون الأحاسيسُ أفكارًا من بعض الوجوه، ويناسب الاسمان كلَّ إدراك يشغلنا بموضوعه وبنا نحن الذين يتأثَّرون به، ولا يوجد غير أمر هذا التأثير ما يعين الاسم الذي يلائمه، وإذا كان الموضوع أوَّل ما نُبالي به، فلا نفكِّر في أنفسنا بغير التأمُّل، كان هذا فِكرًا، وعلى العكس، إذا كان الانطباع الذي يتم يثير انتباهنا الأوَّل، فلا نفكر بغير التأمُّل في الموضوع الذي يوجبه، كان هذا إحساسًا.
٢٩  أعتقد أن هذا هو الذي يستطيع القسيس أن يخاطب به الجمهورَ في الوقت الحاضر.
٣٠  قال قسيسٌ صالح حكيم: «جميعُ الناس يقولون إنهم يحافظون عليه ويؤمنون به (وجميع الناس يستعملون عين الرطانة) على أنه من الله لا من الناس ولا من أي مخلوقٍ كان. ولكنني أقول الحقَّ، والحق أقول بلا مصانعة ولا مواربة، إنه لا شيء من هذا؛ فالأديان تُعرف بأيدٍ ووسائلَ بشرية، ودليلُ ذلك أوَّلًا طريقةُ تلقيها في العالَم من قِبَل الأفراد سابقًا ولاحقًا، وذلك أنها وليدةُ الشعب والبلد والمكان، وذلك أننا نُخْتن ونُعمَّد فنكون يهودًا ومسلمين ونصارى قبل أن نعرف أننا آدميون، وذلك أن الدِّين ليس أمرًا يقع تحت خيارنا وانتخابنا، وذلك لما يُرى من سوء توافق الحياة والطبائع مع الدِّين، وذلك لما يُشَاهد من مخالفة الإنسان لأحكام دينه عند أخف البواعث البشرية» (شارون، الحكمة، باب، فصل ٥، صفحة ٢٥٧، طبعة بوردو، سنة ١٦٠١).
ومن الواضح أن عقيدة لاهوتي كوندون لا تختلف كثيرًا عن عقيدة القسيس السافوائي.
٣١  هذا أمر صريح في ألفِ مكانٍ من الكتاب المقدَّس، ومن ذلك قولُ الفصل الثالث عشر من سِفْر تثنية الاشتراع، إنه إذا أخبر نبيٌّ عن آلهةٍ غريبةٍ فأيَّدَ كلامه بمعجزات، وحدث ما أنبأ به، وجب قتلُ هذا النبي من غير نظرٍ إلى ما وقع. فما حدث إذن من قتلِ الوثنيين للرسلِ الذين أخبروهم بإلهٍ غريبٍ مؤيدين رسالتهم بنبوءات ومعجزات، لا أرى أنه كان يمكن أن يُعترض عليهم من أجله اعتراضًا متينًا بما لا يمكن أن يوجِّهوه إلينا حالًا. وما الذي يُصنَع في مثل هذه الحال؟ يُصنَع أمرٌ واحد، وهو أن يُرجع إلى البرهان مع ترْك المعجزات حيث هي، والأفضل ألَّا يُلْجَأ إليها، وهذا من أبسط قواعد الذوق السليم الذي لا يعمى بغير البيانات التي هي على شيءٍ من الدقة البالغة، دقائق في النصرانية! ولكن يسوع المسيح كان مُخطِئًا إذن حين وعد البسطاء بملكوت السموات، ولكنه كان مُخطِئًا إذن حين بدأ أروع كلامه بتبشير فقراء الذهن، لو اقتضى وجود ذهن غزير لفهْم مذهبه وتعليم الإيمان به، ولو أثبتم لي أن الخضوع من واجباتي لصار كل شيءٍ حسنًا، ولكن إثبات هذا لي يتطلب وضع نفسكم على مستواي، واجعلوا براهينكم مطابقة لقابلية فقير في الذهن، وإلا عُدت لا أعْرِف فيكم تلميذًا حقيقيًّا لمُعلِّمكم، وعاد ما تخبرونني به لا يكون مذهبه.
٣٢  ذكر بلوتارك، فيما ذكر من الأقوال الغريبة، أن الرواقيين كانوا يذهبون في الحكم المتناقض، إلى أن من غير المفيد سماعَ الفريقين، وذلك أنهم كانوا يقولون إن الفريق الأوَّل إمَّا أن يكون قد أثبت قوله، وإمَّا ألَّا يكون قد أثبته، فإذا ما أثبته كان كلُّ شيءٍ قد قيل ووجب الحكم على الخصم، وإذا لم يثبته كان على غير حق ووجب ردُّ دعواه. وأجد أن منهاج جميع الذين يَقبَلون وحيًا دون سواه يُشابِه كثيرًا منهاج هؤلاء الرواقيين؛ فمتى زعم كلُّ خصم أن الحق بجانبه وحدَه وجب سماع جميع الخصوم لتمييز صاحب الحق منهم، وإلا وقع الظلم.
٣٣  إليك حادثة من ألف حادثةٍ لا تحتاج إلى تفسير، وذلك أن علماء اللاهوت من الكاثوليك قضَوا في القرن السادس عشر بإحراق جميع كُتُب اليهود بلا تفريق. فلما استُشير العالِم المشهور روكلين في هذا الأمر جلب إلى نفسه أهوالًا كادت تؤدي إلى هلاكه؛ إذ رأى إمكانَ الاحتفاظ من هذه الكتب بما ليس ضد النصرانية، وبما يعالج المسائلَ التي لا تهم الدِّين.
٣٤  انظر — في الموعظة التي ألقاها في الجبل — إلى المقابَلة التي وضَعَها بنفسه بين أدبهِ وأدبِ موسى (إنجيل متى، فصل ٥، فقرة ٢١ وما بعدها).
٣٥  لا يدخل واجبُ محبَّة الإنسان لدِينِ بلده واتِّباعه لهذا الدِّينِ نطاقَ العقائد المخالفة لحسن الأخلاق كعدم التسامح مثلًا، وهذه العقيدة الكريهة هي التي تسلِّح بعضَ الناس ضدَّ بعضٍ وتجعلهم كلَّهم أعداءً للجنس البشري، وكلُّ تفريق بين التسامح المدني والتسامح اللاهوتي صبياني باطل؛ فلا يمكن فصلُ أحد هذين التسامحَين عن الآخر، ولا يمكن قبولُ أحدهما دون الآخر، حتى إن الملائكة لا يمكن أن يعيشوا مسالمِين لأناسٍ يَعُدُّونهم أعداءً للرب.
٣٦  يبلغ الفريقان من التصاول بكثيرٍ من السفسطات ما يَصعُب معه كثيرًا معالجةُ جميع ما يذهبان إليه، وهيهات أن يُقيَّد بعضُ ذلك كلَّما ظهر، وما أكثرَ ما اعتاده الفريق المتفلسف أن يقابل بين قومٍ من الفلاسفة الصالحين كما يفترض وقومٍ من النصارى الطالحين، كأنَّ صُنْعَ قومٍ من الفلاسفة الصادقين أسهلُ من صُنْعِ قومٍ من النصارى الصادقين! ولا أدري هل يَسهُل عليك أن تجد بين الأفراد أحدَ الرجلين أكثرَ مما يَسهُل عليك أن تجد الرجلَ الآخر، وإنما أعْرِفُ جيِّدًا أنه يجب، عندما تكون الأقوامُ موضوعَ بحث، افتراضُ وجودِ مَن يسيئون استعمالَ الفلسفة بلا دِين، كما يسيء أهلونا استعمالَ الدِّين بلا فلسفة، وهذا ينطوي على تغييرٍ كبيرٍ في حال السؤال.
وقد أجاد بيل في إثباته أن التعصبَ أشدُّ ضررًا من الإلحاد بمراحل، وهذا أمرٌ لا جدالَ فيه، وإنما الذي لم يتفضَّل بقوله، مع أنه ليس أقلَّ حقيقة، هو أن التعصُّب، وإن كان سفَّاكًا للدماء طاغيًا، هوًى عظيمٌ قويٌّ مع ذلك، هوًى يرفع قلبَ الإنسان ويحمله على ازدراء الموت، هوًى محرِّكٌ عجيبٌ له، هوًى يجب حُسنُ توجيهه لاستخراجِ أعلى الفضائل منه، وذلك بدلًا مما ينشبه الإلحاد، والروح الفلسفي المبرهن على العموم في الحياة، فيُخنِّث النفوسَ ويحُطُّها، ويجمع جميعَ الأهواء ضمن نذالة المصلحة الخاصة، وفي دناءة الأنانية البشرية، وهكذا فإنه يقوِّض، مع قليلِ ضوضاء، دعائمَ كلِّ مجتمع، وذلك لأن ما بين المصالح الخاصة من اشتراك هو من الضآلة ما لا يوازن المصالح المقابلة.
وإذا كان الإلحاد لا يؤدي إلى سفك دماء الناس، فذلك عن عدمِ اكتراثٍ للخير أكثر مما عن حبٍّ للسلام، كما لو كان الحكيم المزعوم غيرَ مُبالٍ بما يقع على أن يبقى مستريحًا في غرفته. أجلْ، إن مبادئه لا تقتل الناس، ولكنها تَحُول دون ولادتهم بتقويضها الأخلاقَ التي تُوجِب تناسلهم، وبفصلهم عن نوعهم، وبردِّ جميع عواطفهم إلى أثرة خفية شؤم على الأهلين كشؤمها على الفضيلة، ويشابه عدم الاكتراث الفلسفي هدوءَ الدولة في عهد الاستبداد، وهو سكون الموت، وهو أكثر تخريبًا من الحرب نفسها.
وهكذا فإن التعصُّبَ، وإن كان أكثرَ شؤمًا بنتائجه المباشرة مما يُدعى اليوم بالروح الفلسفية، أقلُّ شؤمًا بنتائجه البعيدة، ثُمَّ إن من السهل عرضَ مبادئَ رائعةٍ في الكتب، ولكن المسألة تدور حول حسن ملاءمتها للمذهب، وحول صدورها عنه حتمًا، وهذا الذي لم يظهر واضحًا حتى الآن. وبقيَ علينا أن نعرف هل الفلسفة، وهي في يُسرِها وعلى عرشِها، مهيمنةٌ على زهو الإنسان وغرضه وطمعه وأهوائه الحقيرة، وهل تطبِّق تلك الإنسانية البالغة العذوبة التي تُباهي بها والقلم في اليد.
ولا تستطيع الفلسفة مبدأً أن تصنعَ أيَّ خيرٍ لا يصنعُ الدِّينُ ما هو أروع منه، ويصنع الدِّينُ من الخير ما هو أكثرُ مما تستطيع الفلسفة صُنْعه.
والأمر غير ذلك عملًا، ولكن لا بدَّ من التمحيص، ولا أحدَ يتبع دِينه في كل أمر عندما يكون له دِين واحد، وهذا صحيح، وليس لمعظم الناس دِينٌ مطلقًا، ولا يتبعون ما لديهم مطلقًا، وهذا صحيح أيضًا، ولكن يوجد لبعض الناس دِين، ويتبعونه بعض الاتِّباع على الأقل. ومما لا ريبَ فيه وجودُ بواعثَ للدِّين تمنع من فعل الشر غالبًا، وتظفر منهم بفضائلَ وأعمالٍ حميدة ما كانت لِتحدُث لولا هي.
ولْينكرْ راهبٌ إحدى الودائع، فما يَعقب ذلك غيرُ عَدِّ الذي أودعه إياها من المجانين؟ وإذا كان بسكال هو الذي أنكرها عُدَّ هذا دليلًا على أن بسكال من المداجين. ولكن الراهب! … وهل الذين يتاجرون بالدِّين عندهم دِينٌ إذن؟ إن جميع الجرائم التي تقع بين الإكليروس كما تقع عند غيرهم لا تُثبِت كون الدِّين غير نافعٍ مطلقًا، وإنما تُثبِت كون الذين هم أصحاب دِين قليلين.
ولا مِراءَ في أن حكوماتنا الحديثةَ مَدينةٌ للنصرانية بسلطانها المتين وقلة ثوراتها، وقد جعلتها النصرانيةُ أقلَّ سفكًا للدماء، ويَثْبُت هذا فعلًا عند المقابلة بينها وبين الحكومات القديمة؛ فالدين، إذ أُحسِنت معرفته، أقصى التعصُّبَ ومنح الأخلاقَ النصرانيةَ حُلمًا كبيرًا. وليس هذا التحوُّل وليدَ الآداب، وذلك كما تدل عليه قسوة الأثَنيِّين والمصريين وأباطرة الرومان والصينيين، ويا لأعمال الرحمة التي هي من فِعْلِ الإنجيل! وما أكثرَ ما يؤدي إليه الإنجيلُ من إصلاحٍ وتصحيحٍ واعترافٍ بين الكاثوليك! وما أكثرَ ما يؤدي إليه اقترابُ أوقاتِ تناولِ القربانِ من مصالحات وإعطاء صدقات! وما أكثرَ ما جعلت سنةُ الأبرارِ لدى العبريين فريقَ الغاصبين أقلَّ طمعًا! وما أكثرَ ما حالت دونه من بؤس! إن الإخاء الشرعي يوحِّد بين جميع القوم فلا يوجد عندهم متسول، وكذلك لا يوجد متسولون بين التُّرك حيث لا يُحصى ما عندهم من الأوقاف الخيرية، وهم مضاييف عن مبدأ ديني، حتى نحو أعداء دينهم.
وروى شاردان: «أن المسلمين يقولون إن جميع الأجسام بعد الحساب الذي يعقب البعثَ العامَّ تمر على جسرٍ يُسمَّى الصراطَ قائمٍ على النار الأبدية، على جسرٍ يمكن تسميتُه كما يقولون بالحساب الثالث والأخير وبالحساب الحقيقي النهائي؛ وذلك لأن عليه يُفصَل الأخيارُ من الأشرار … إلخ.»
ويقول شاردان مواصلًا: «والفرس مفتونون بهذا الجسر كثيرًا؛ فمتى لحقتْ بالواحد منهم إهانةٌ لا يستطيع غسْلَها بأيةِ وسيلةٍ كانت وفي أيِّ وقتٍ كان، وَجد آخِرَ عزاءٍ له بقوله: «حسنًا! والحيِّ القيوم، إنك ستدفع لي ثَمَن ذلك مضاعفًا يوم الحساب، ولن تمرَّ على الصراط قبل أن ترضيَني مقدَّمًا، وسأتعلَّق في طَرَفِ ثوبك وسأطرح نفسي على ساقَيْك.» وقد شاهدتُ وجهاءَ كثيرين من كل مهنةٍ يخشون أن يُصرَخ بهم حين مرورهم فوق هذا الجسر الهائل على هذا الوجه، فيلتمسون العفو ممن يتوجَّعون منهم. وقد لاقيت مثلَ هذا بنفسي مائة مرة، وذلك أن أُناسًا من ذوي المكانة كانوا إذا ما حملوني مع الإزعاج على القيامِ بأعمالٍ لا أريدها اقتربوا منِّي بعد مرورِ وقتٍ يكفي لزوال ألمي وقالوا لي: «دعْ هذا الأمر يكون شرعيًّا حقًّا.» حتى إن بعضهم قدَّم إليَّ هدايا وقام نحوي بخِدَم؛ وذلك لأعفوَ عنه معلنًا أن عفوي هذا وقعَ عن رضًا، وما يكون سبب هذا غير الاعتقاد بأن جسرَ جهنم لا يُجاوَز قبل أن يُدفع أقصى تعويض إلى المظلوم؟» (جزء ٧، صفحة ٥٠).
وهل أعتقد أن مبدأ هذا الجسر الذي يمحو كثيرًا من الآثام لا يمنع وقوعها؟ وإذا ما نُزع من الفرس هذا المبدأ بإقناعهم أنه لا يوجد صراطُ ولا ما يماثله حيث يُنتقم للمظلومين من ظالميهم بعد الموت، أفلا يكون من الواضح زوالُ مخاوفِ هؤلاء الظالمين بذلك مع خلاصٍ لهم من كل جهدٍ في تطبيب خواطر أولئك التعساء؟ ولذا فإن من الضلال أن يُقال إن هذا المبدأ ضارٌّ، ولو لم يكن صحيحًا.
أجلْ، إن قوانينك الخُلُقية رائعةٌ جِدًّا أيها الفيلسوف، ولكن تَفضَّل فدُلَّني على مؤيِّدٍ لها، وكُفَّ [لحظةً عن الهذيان، وأخبِرْني بماذا استبدل الجسر (الناشر)].
٣٧  لا تجد أحدًا ينظر إلى دَور الصبا بازدراءٍ كبيرٍ كالذين يخرجون منه، كما أنك لا تَجد بلدًا تُحْفظ فيه المراتبُ مع كثيرٍ من التكلُّف أشدَّ مما في البلاد التي لا يكون التفاوت فيها عظيمًا، والتي يخشى كلُّ واحدٍ فيها دائمًا أن يُخلَط بمَن هم أدنى منه.
٣٨  مغامرات مسيو لوبو، المحامي لدى البرلمان، جزء ٢، صفحة ٧٠.
٣٩  حافظَ الإكليروس الروماني عليها بمهارةٍ فائقة، وحذا حذوَهم بعضُ الجمهوريات كجمهورية البندقية، وهكذا فإن حكومة البندقية لا تزال تتمتَّع بكل محبة وعبادة من قِبَل الشعب نتيجةً لجهاز جلالها القديم. وعلى الرغم من سقوط الدولة، فلا تجد بعد البابا المُزَيَّن بتاجه، ملِكًا ولا عاهلًا، ولا أحدًا من رجال الدنيا يحترم، على ما يُحتمَل، كما يُحترَم رئيس جمهورية البندقية العاطل من القوة والسلطان، ولكن مع جعْله مقدَّسًا بأُبَّهته ومُزيَّنًا بعقيصةِ امرأةٍ تحت إكليله الدوكي، ويُثير الاحتفالُ بمركب البندقية المعروف بالبوسانتور ضَحِكَ كلِّ مجنون، مع أنه يجعل البندقيَّ يسفك دمه حفظًا لحكومته المستبِدة.
٤٠  La routine.
٤١  كأنه لا يوجد مواطنون أعضاء للمدينة لم يكونوا هكذا جزءًا من السلطان ذي السيادة! ولكن الفرنسيين، الذين رَأوا من المناسب اغتصاب اسم المواطنين المكرم المعدود من حقوق المدن الغولية، أفسدوا مبدأه إفسادًا جرَّده من كلِّ معنًى، ومما حدث أن رجُلًا كتب إليَّ تُرَّهاتٍ كثيرة ضد «إلويز الجديدة»، فزخرف إمضاءه بلقب «مواطن من بنبوف»، ظانًّا أنه يقوم نحوي بدعابة رائعة.
٤٢  La mode.
٤٣  أثبَتُّ هذا في «رسالة حول أصل اللغات» التي تجدها في مجموعة مؤلفاتي.
٤٤  انتحلت اثنتان من السيدات العصريات دستورًا لهما بألَّا تذهبا إلى الفِراش قبل الساعة الخامسة صباحًا للدَّلالة على أنهما التهتا كثيرًا، ويقضي خَدَمُهما أشد أوقات الشتاء في الشارع انتظارًا لهما ملاقين كلَّ شِدة لاتقاء الجمود. ومما حدث ذات ليلة، وإن شئتَ فقُل ذات صباح، أن وقع دخول المنزل الذي قضتا فيه لهوًا كبيرًا، فتركتا الساعات تمر من غير حساب، فوُجدتا وحدَهما نائمتَين على مقعدين ذوي مساند.
٤٥   السُّخْرة: مَن يُسْخر به.
٤٦   الغِمَاء: ما فوق سقف البيت من التراب وغيره.
٤٧   النِّبْر: بيت التاجر الذي تُنضد فيه الغلال والمتاع.
٤٨  ومَن يجد المرأة الفاضلة؟ هي بعيدة، فإذا ما أتت من أقصى الدنيا كانت موضعَ تقدير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠