الفصل الثاني

قاعة

المشهد الأول

(الأميرة – تاسو)
تاسو :
خطواتي تتبعك مترددة يا أميرتي،
وأفكار بلا قيد ولا نظام تضطرب في روحي.
يبدو لي كأني أرى الوحدة تُشير إليَّ
وتهمس قائلة في صوت حنون.
تعالَ أُخلصك من هذه الشكوك التي تثور في صدرك.
غير أني حين أنظر إليك،
وتسمع أذني المتلهفة كلمة واحدة من شفتَيك
يتجلَّى لي نهارٌ جديد
وتتكسَّر عني الأغلال.
أريد أن أعترفَ لك
بأن الرجل الذي جاءنا على غير انتظار،
قد أيقظني بلا رحمة من حلم جميل؛
إن وجوده وكلماته قد صدمتني على نحو غريب،
حتى لأشعر كأنني نفسان تتصارعان في كياني،
وأنني بدأتُ أرتبكُ وأتنازع مع ذاتي.
الأميرة :
من المستحيل على صديق قديم
طالت غيبتُه وعاش حياة غريبة
أن يعود في اللحظة نفسها، التي يرانا فيها
الصديق نفسه الذي عرفناه من قبل.
إنه في صميم قلبه لم يزل كما كان؛
انتظر حتى نقضيَ معه أيامًا قليلة،
وسوف تتناغم الأوتار هنا وهناك،
ويؤلِّف بينها الانسجام السعيد.
فإذا تمَّ له كذلك أن يتعرف
على العمل الذي حققته في هذه الفترة،
فلن يتردد في أن يضعك إلى جانب الشاعر
الذي يعارضك به الآن ويصوره في صورة العملاق.
تاسو :
آه يا أميرتي! إن ثناءه على أريوست
لم يُسيء إليَّ بل أسعدني.
ذلك أن عزاءنا نحن الشعراء،
أن نجد الناس يمتدحون الرجل،
الذي نعدُّه المثل العظيم.
هنالك يهمس الواحد منَّا لنفسه في الخفاء.
إن استطعت أن تدرك نصيبًا من قيمته
فلا شك أنك ستنال نصيبًا من مجده.
لا. إن ما أثار قلبي من الأعماق،
ولا يزال يملأ نفسي كلها،
هي أشباح ذلك العالم المهول،
التي تلتفُّ حول رجل عظيم بالغ الذكاء
يرسم لها المسار كأنه نصف إله.
لقد استمعت في لهفة واستمتاع
إلى الكلمات الرصينة، تخرج من فم الرجل الحكيم،
ولكن آه! لقد كنت كلما أمعنت في الانتباه
أسقط شيئًا فشيئًا في نظر نفسي،
حتى خشيتُ أن أتلاشى كالصدى على الصخور،
وأن أضيع كالرنين أو كالعدم وأفقد ذاتي.
الأميرة :
وكنت قبل ذلك بقليل تحس إحساسًا صافيًا
بأن البطل والشاعر متلازمان،
وأن البطل والشاعر يبحث أحدُهما عن الآخر،
ومن المستحيل أن يحسد أحدهما صاحبه.
حقًّا إن الفعل الذي تحتفل به الأغنية
شيءٌ رائع وعظيم، غير أنه لا يقلُّ عن ذلك جمالًا
أن تحملَ الأغنيةُ للأجيال القادمة،
روعةَ الأعمال الكبار.
حاول وأنت تعيش في مملكة صغيرة ترعاك،
أن تقنعَ بالنظر إلى العالم المضطرب
نظرةَ المتأمل الذي يقف على الشاطئ.
تاسو :
ألم أفتح عيني هنا لأول مرة في دهشة
لأرى كيف يكافئون الرجل الشجاع مكافأة رائعة؟
أتيت إلى هنا كصبي غرير،
في وقت كانت فيه الاحتفالات والأعياد
تكاد تجعل من «فرارا» مركز الشرف والأمجاد.
يا لذلك المشهد البديع! حول الميدان المتسع،
الذي ستدور عليه ألعابُ الفروسية الرائعة،
كانت هناك دائرة يصعب أن تُشرق الشمس على مثلها مرتين.
هنالك أجمل النساء كن يجلسن متراصَّات،
وكان يجلس أفضل الرجال في هذا الزمان.
راحت النظرة المدهوشة تستعرض الجمع النبيل،
وهتفت الأصوات: «هؤلاء جميعًا أرسلهم الوطن
إلى هنا، أرسلتهم الأرض الواحدة الضيقة،
التي تحيط بها البحار.»
إنهم جميعًا يؤلفون أروع محكمة،
فصلت في الشرف، والحق، والفضيلة.
إن تأملتهم واحدًا واحدًا لم تجد
من يحتاج أن يخجل من جاره!
ثم فتحت الحواجز، فدقت أرجل الخيول،
ولمعت الخوذات والدروع،
واندفع الفرسان، ودوت الطبول،
وتطاير الشرر وصلصلت السهام،
حين ارتطمت بالخوذات والدروع،
وثارت دوامات الغبار
فغطَّت مجد المنتصر وعار المهزوم.
آه! دعيني أُسدل ستارًا على هذا المشهد الناصع
حتى لا أشعرَ في هذه اللحظة الجميلة
بفداحة الإحساس بهواني.
الأميرة :
إن كانت تلك الجماعة النبيلة وتلك الأمجاد،
قد أشعلت في نفسك لهيبَ الطموح والاجتهاد،
فقد كان في استطاعتي، يا صديقي الشاب،
أن أعلمك في ذلك الحين درسًا صامتًا في الصبر
والاحتمال.
هذه الأعياد التي تُثني عليها،
والتي لم تنقطع مئات الألسنة في ذلك الحين عن امتداحها لي،
لم أرَها قط. كنت أرقد في مكان منعزل،
حيث تضيعُ آخر أصداء الفرح البعيد دون أن يُعكِّرها شيء
أعاني آلام المرض وتضنيني الأفكار الحزينة.
كان الموت يتمثل أمامي ناشرًا جناحَيه،
ويُخفي العالمَ الجديد إلى الأبد عن عيني.
ثم بدأ يبتعد في بطء، لأرى ألوان الحياة الزاهية،
شاحبة لا تزال وإن كانت رقيقة،
وكأني أراها من خلال قناع.
رأيت الصور الحية تتحرك ناعمة من جديد.
كنت أغادر غرفة المرض لأول مرة، مستندة على وصيفاتي،
حين أقبلتْ لوكريتسيا في بهجة الشباب
وهي تسحبك من يدك.
كنت في حياتي الجديدة
أول وجه مجهول يلاقيني.
هنالك رجوت الكثير من أجلك ومن أجلي،
وإلى هذه اللحظة لم يخب الرجاء.
تاسو :
وأنا، أنا الذي أعياني الزحامُ المختلط،
وأعشى عيني بريقُ المجد، واضطربت في نفسي الأحاسيس.
كنت أسير صامتًا إلى جانب شقيقتك في طرقات القصر الهادئة.
حتى دخلت الحجرة التي طلعت علينا فيها،
مستندة على وصيفاتك،
يا لها من لحظة في حياتي! آه فلتغفري لي!
فكما ينعم القرب من الآلهة بالشفاء
على المفتون بالوهم والخيال،
كذلك شفتني نظرةٌ في عينيك،
من كل أوهام الخيال وزيف الطموح والاشتهاء.
من قبل كانت أشواقي الغريرة
موزعة بين آلاف الأشياء
فثبت خجلًا إلى نفسي،
وتعلمت أن أحب ما يستحق الحب.
كذلك يبحث الإنسان عبثًا عن لؤلؤة
في رمال البحر المترامية، بينما هي مستكنة في جوف محارة.
الأميرة :
بدأنا نعيش أيامًا سعيدة،
ولولا أن أمير أوربينو حرمنا من شقيقتي
لقضينا السنوات في سعادة حلوة صافية.
وها نحن وا أسفاه نفتقد الكثير؛
نفتقد الروح المرحة، والقلب الممتلئ بالشباب والحياة،
والخيال الخصب، بعد أن ذهبت عنَّا السيدة الحبية.
تاسو :
أعرف أن إنسانًا لم يستطع
أن يُعوضك عن تلك البهجة الصافية
منذ ذلك اليوم الذي رحلت فيه.
كم مزَّق هذا فؤادي!
كم شكوت للغابة الصامتة ما أقاسيه من أجلك!
كم هتفت صائحًا: هل من حق هذه الأخت وحدها
أن تشغل قلبها الخالي؟!
أمَا من قلبٍ آخر يستحق أن تثق فيه؟
أمَا من روحٍ أخرى تشعر معها بالانسجام؟
هل انطفأ العقل وخمد الخيال؟
ومهما يكن حظُّ هذه السيدة من الكمال،
فهل كانت هي وحدها كلَّ شيء؟
غفرانك يا أميرتي! فقد كنت أحيانًا أفكر في نفسي،
وأتمنى أن أصبح شيئًا بالنسبة إليك.
شيئًا قليلًا بالطبع، ولكنه شيء أحققه بالفعل لا بالكلام.
وتبين حياتي كيف وهب لك قلبي نفسه في صمت.
غير أنني لم أنجح في هذا،
فكثيرًا ما دفعني الخطأ إلى ارتكاب ما يؤلمك،
وكثيرًا ما أهنت الرجل الذي أوليته رعايتك،
وأشعت بغبائي التعقيد والاضطراب
فيما أردت له التبسيط والنظام،
وفي كل لحظة حاولت أن أقترب فيها منك
أحسست بأنني أبتعد عنك وأزداد ابتعادًا.
الأميرة :
أنا ما أسأت فهم نيَّتك أبدًا يا تاسو،
بل أعلم كيف تسعى إلى إيذاء نفسك بنفسك.
وبينما عرفت أختي كيف تحيا مع الناس وتأخذهم على علَّاتهم،
فما زلت في حاجة إلى سنين عديدة، حتى تفتح
قلبك لصديق واحد.
تاسو :
عاتبيني كما تشائين. ولكن خبِّريني
أين هو الرجل، أين هي المرأة،
التي أجرؤ على أن أفتح لها صدري
وأتكلم معها في حرية كما أفعل معك؟
الأميرة :
عليك أن تضع ثقتك في أخي.
تاسو :
إنه أميري! ولكن لا تظني
أن الرغبة العارمة في الحرية تُنسيني نفسي.
إن الإنسان لم يولد ليكون حرًّا،
وما من شيء يمكن أن يُسعد النبيل
كما يُسعده أن يخدم الأمير الذي يُجلُّه.
إن ألفونس سيدي، وأنا أشعر
بكل ما في هذه الكلمة الكبيرة من معنًى.
إن عليَّ أن أتعلم كيف أسكت حين يتكلم،
وكيف أُطيع حين يأمر،
مهما عارضه عقلي وقلبي.
الأميرة :
إن أخي يختلف عن ذلك تمامًا
ولكن ما دام أنطونيو قد رجع إلينا
فستجد فيه الصديق العاقل الذي تطمئن إليه.
تاسو :
كنت أطمع في هذا من قبل، أما الآن فقد كدت أيأس.
كم كنت أرجو أن أتعلَّم من صحبته،
وأنتفع بمشورته في ألف شيء!
أستطيع أن أقول إن لديه كلَّ ما ينقصني
ومع ذلك فإن كانت الآلهة كلها قد أقبلت
لتقدم الهدايا إلى مهده
فقد تخلَّفت، ويا للأسف، ربات المحبة،
ومن أعوزته عطاياها فربما استطاع
أن يملك الكثير ويهب الكثير،
ولكنه لن يجد أحدًا يستريح على صدره.١
الأميرة :
ولكنه سيجد من يثق فيه، وليس هذا بالقليل.
أتريد أن تطلب كل شيء من رجل واحد؟
إن أنطونيو ينجز ما يعدُك به.
وما هو إلا أن يُعلن صداقته لك،
حتى يتولَّى من شئونك ما أخطأت أو جهلت.
عليكما أن تتحدَا. وسوف أغبط نفسي،
إذا استطعت أن أحقق هذا الهدف الجميل عما قريب.
ولكن حذار أن تُعاند كما تعودت أن تفعل!
ها هي ليونورا تُقيم عندنا منذ وقت طويل،
وما أرقَّها وألطفها، وما أسهل أن يحيا معها الإنسان،
غير أنك لم تفكِّر أبدًا
في أن تكسب ودَّها كما كانت تنتظر.
تاسو :
أنت أمرت فخضعت لأمرك،
ولولا هذا لفررت منها بدلًا من التقرب إليها.
بالرغم من مظهرها الرقيق، فلست أدري
لماذا كان يصعب عليَّ أن أفتح لها صدري،
وعندما كنت أشعر بأنها تقصد أن تتلطف إلى أصدقائها
فقد كان الشعور بالقصد يعكر عليَّ صفوي.
الأميرة :
لو سلكنا هذا الطريق يا تاسو
فلن نعثر أبدًا على صديق!
إن هذا الدرب يُضلنا،
ويجعلنا نتوه في الغابات الوحيدة والوديان الساكنة؛
وشيئًا فشيئًا يرضى الوجدان عن نفسه
ويحاول عبثًا أن يخلق في داخله
ذلك العهد الذهبي٢ الذي لم يجده في الخارج.
تاسو :
أي كلمة تنطق بها أميرتي!
أين إذن هرب هذا العهد الذهبي،
الذي تتلهف عليه القلوب بغير طائل؟
عندما كان الناس ينتشرون على الأرض الحرة؛٣
كالقطعان السعيدة الراضية؛
عندما كانت الشجرة العريقة المزهرة
تمدُّ ظلالها للراعي والراعية؛
وعندما كانت الأيكة الناضرة تلفُّ غصونها الميادة
لتضمَّ الحبيبَين الملهوفَين؛
والنهر الرقيق ينسكب في هدوء وصفاء
على الرمل النقي ويعانق حورية الماء،
والحية المذعورة تتوه في العشب دون أن تؤذيَ أحدًا،
والحيوان الجسور يلوذ بالفرار
بعد أن نال العقاب من فتًى شجاع،
وكل طائر يخفق حرًّا في الهواء،
وكل حيوان يهيم في الجبال والوديان
يكلم الإنسان فيقول: كلُّ ما يرضيك فهو مباح!
الأميرة :
انقضى العهد الذهبي يا صديقي،
وليس غير الأخيار من يُحيِّيه من جديد.
هل أصارحك بما يدور في خاطري؟
أحسب أن هذا العهد الذهبي الذي يتغنَّى به الشعراء،
هذا العهد الجميل لم يعرفه الناس قديمًا
إلا كما نعرفه نحن اليوم،
وحتى لو كان قد وجد في يوم من الأيام،
ففي وسع كلٍّ منَّا أن يعثر عليه من جديد.
ما برحت القلوب المتحابة تتلاقى،
وما برحت تستمتع بهذا العالم الجميل،
وإنما تتغير يا صديقي في الشعار،
كلمة واحدة: كل ما يليق فهو مباح!
تاسو :
ليت أن محكمة عامة تجتمع
من الطيبين والنبلاء،
كي تقررَ ما يليق وما لا يليق!
بدلًا من أن يعتقد كل إنسان
أن ما يصح ويجوز هو ما يعود عليه بالمنفعة.
إننا نرى كيف أن الجبار والداهية
لا يضيره شيءٌ ويستبيح لنفسه كل شيء.
الأميرة :
إن أردت أن تعلم ما يليق،
فعليك أن تسأل النساء النبيلات
ذلك؛ لأن أكثر ما يهمُّهن
ألا يحدث في الحياة إلا ما يليق.
إن الذوق يحيط كالسور
بهذا الجنس الحساس الرقيق
حيث تحكم الفضيلة يحكمن،
وحيث تغلب الوقاحة لا تعثر لهن على أثر.
فإن سألت الجنسين وجدت
أن الرجل يسعى إلى الحرية،
والمرأة تسعى إلى الفضيلة.
تاسو :
هل ترين أننا غلاظ شرسون،
مجردون من كل عاطفة؟
الأميرة :
لا! ولكنكم تطمحون دائمًا إلى الأغراض البعيدة
وطموحكم لا يخلو أبدًا من العنف.
إنكم تخاطرون حين تعملون من أجل الخلود،
بينما لا نطمع نحن من خيرات هذه الأرض
إلا في شيء متواضع قريب، نتمنى ألا يزول.
نحن لا نضمن قلب أحد من الرجال،
مهما بلغ صدقه في يوم من الأيام
الجمال الذي يبدو أنكم لا تجلون سواه، يفنَى ويزول،
ما يبقى منه لا يجذب أحدًا، وما لا يجذب فلا أثرَ فيه للحياة.
لو أن الرجال عرفوا كيف يقدِّرون قلب المرأة،
لو تبينوا أيَّ كنز نقي من الحب والوفاء،
يمكن أن يضمَّه صدرُ امرأة.
لو أن ذكرى الساعات الجميلة النادرة
بقيت حية في نفوسكم،
لو أن نظرتكم النفاذة بطبعها
استطاعت كذلك أن تنفذ خلال القناع
الذي تلقيه الشيخوخة أو المرض علينا.
لو أن التملك، الذي كان ينبغي أن يكون مصدرًا للسلام،
لم يوقظ فيكم التعطش إلى المجهول البعيد.
إذن لأشرق علينا يوم جميل
ولاحتفلنا بعصرنا الذهبي.
تاسو :
كلماتك أيقظت فجأة
همومًا كادت تهجع في قلبي.
الأميرة :
ماذا تقصد يا تاسو؟ تكلَّم معي بحرية.
تاسو :
سمعتُ أكثر من مرة، وأسمعُ في هذه الأيام
— ولو لم أسمع عن ذلك شيئًا، لوجب عليَّ أن أتصورَه —
أن بعض الأمراء النبلاء يسعَون إلى طلب يدكِ!
هذا الذي كان ينبغي أن نتوقعَه
أصبحنا الآن نخشاه حتى يكاد اليأس يصيبنا.
سوف تتركيننا، هذه مشيئة الطبيعة،
لكنني لا أدري كيف سنحتمل هذا الفراق؟!
الأميرة :
لا تحمل الآن همًّا!
بل أكاد أقول: لا تحمل أبدًا أيَّ همٍّ!
إنني أحب الحياة هنا، وأحب أن أبقى في هذا المكان.
لست أعرف إلى الآن أن هناك صلة يمكن أن تغريني.
وإذا كنتم تريدون أن تستبقوني معكم
فأثبتوا لي ذلك بالتآلف بينكم،
وتعلموا أن تسعدوا أنفسكم لكي أسعد بكم.
تاسو :
آه، علميني أن أفعل ما أستطيع!
إن أيامي كلها ملك يديك
حين يزدهر قلبي بثنائك وشكرك،
أحسُّ بأصفى سعادة يمكن أن يحسَّها بشرٌ.
حقيقة الألوهية السامية لم أعرفها إلا فيك.
كذلك تتميز آلهة هذه الأرض عن بقية البشر،
كما يتميز القدر الأعلى عن مشورة أحكم الناس وإرادتهم
إنهم يتركون أشياء كثيرة، هي في حسباننا أمواج عالية صاخبة،
تمرُّ كالموجات الخفيفة تحت أقدامهم بغير أن يلحظوها،
إنهم لا يسمعون العاصفة التي تدوي حول رءوسنا وتدحرنا،
لا يكادون يحسون شكوانا ويتركوننا،
نحن الأطفال الضعفاء المساكين،
نملأ الهواء بالتنهد والصياح.
أنت قد تحملتني كثيرًا، يا أيتها الصديقة الإلهية،
وكالشمس جفَّفتْ نظرتُك الندى من أجفاني.
الأميرة :
تنصف النساء إذ تعاملك معاملة رقيقة،
فأغانيك تترنَّم بالمرأة بمختلف الألحان.
وسواء كن رقيقات أو جريئات،
فقد استطعت دائمًا أن تصورهن
في صورة محبوبة ونبيلة
وإذا كانت «أرميد» تبدو في أول الأمر كريهة٤
فسرعان ما نسلم السلاح أمام فتنتها وحبِّها.
تاسو :
مهما تنوعت الأنغام في قصائدي
فأنا أدين بها جميعًا لواحدة، لامرأة واحدة!
ليست صورة مثالية غامضة، تلك التي تطوف أمام عيني،
وتقترب مرة لتبهر روحي بضيائها وتختفيَ مرة أخرى.
لقد رأيتها بعيني، نموذج كل فضيلة ومثال كل جمال.
كل ما أبدعته على صورتها سوف يُبقي
حب تانكريد البطولي لكلورند،٥
وفاء أرمينيا الهادئ الذي لا يلفت أحدًا،٦
عظمة سوفرونيا وتعاسة أولنده،٧
ليست هذه أشباحًا ولدها الخيال،
فأنا أعلم أنها خالدة، لأنها كائنة.
وهل يحقُّ لشيء أن يعبر القرون،
ويواصل النمو والإشعاع في سكون
كما يحق لسر حب نبيل
لم يثق إلا في أغنية عذبة؟
الأميرة :
هل أحدثك أيضًا عن فضيلة أخرى،
تجعل هذه الأغنية تتسلل إلى قلوبنا؟
إنها تسحرنا وتغوينا، فنسمع ونسمع،
ونظن أننا فهمناها
وما فهمناه منها لا نملك أن نعيبَه،
وهكذا تغزو هذه الأغنية أفئدتنا.
تاسو :
أي سماء، يا أميرتي، تفتحين أبوابها لي!
إن لم يعمَّني هذا البريق،
فسوف أرى، أنا الذي يئست من كل شيء،
سعادة خالدة تهبط إليَّ على أشعة ذهبية.
الأميرة :
لا تتمادَ يا تاسو! هناك أشياء كثيرة
ينبغي علينا أن نتشبث بها بعنف،
غير أن هناك أشياء أخرى يمكن بالاعتدال
وبالحرمان أن تصبح ملك أيدينا،
هكذا يريد الحب، كما يقولون، وتريد الفضيلة
التي هي شقيقته. فتذكَّر ذلك جيدًا!

المشهد الثاني

تاسو (وحده) :
أمن حقك أن تفتح عينيك؟
أتجرؤ أن تتلفت حولك؟
أنت هنا وحدك!
هل سمعت هذه الأعمدة ما قالته؟
وهؤلاء الشهود، هؤلاء الشهود الخرس،
على سعادتك الرائعة، هل تشك فيهم؟
ها هي الشمس تشرق على يوم جديد في حياتي
لا يمكن أن تُقاس به الأيام الخالية.
الآلهة تهبط إلى الأرض وترفع البشر الفاني إليها.
يا للأفق الجديد الذي يتفتح لعيني، يا للمملكة الجديدة!
وأي مكافأة حلوة يُجزى بها الشوق الحار!
كنت أحلم بأنني أقترب من السعادة السامية
فإذا بهذه السعادة تفوق كل الأحلام!
تفكَّر من ولد أعمى في النور وفي الألوان كما يشاء
حتى إذا تجلَّى له النهار الجديد، وُلد له فكر جديد!
ها أنا ذا أسير على هذا الدرب، مفعمًا بمشاعر الأمل والرجاء،
نشوان أتمايل من الفرحة.
أنتِ تمنحينني الكثير، كما تمنحنا الأرض والسماء
فتفيض علينا بكفَّين غنيتين،
وكل ما تطلبينه الآن مني
حقٌّ تقتضيه عطاياك.
على أن أتعلم الحرمان وأُظهر الاعتدال
لكي أستحقَّ أن تثق بي.
ماذا فعلت إذن حتى تختارني؟
ماذا عليَّ أن أفعل حتى أكون بها جديرًا؟
لقد وثقت بك، وبذلك جعلتك محلًّا للثقة.
أجل يا أميرتي! فلأهب روحي إلى الأبد
لأجل كلماتك ونظراتك!
أجل! اطلبي ما تشائين، فأنا ملك يديك.
لترسلني إلى البلاد البعيدة بحثًا عن المجد والمتاعب والأخطار،
ولتمد إليَّ يدها في الغابة الساكنة بالقيثارة الذهبية،
ولأنشد من أجلها أناشيد الراحة الهنيئة.
أنا ملكها، فلتخلقني من جديد لأكون لها.
قلبي احتفظ بكنوزه من أجلها.
لو أن ربًّا وهبني أن أتكلم بألف صوت
ما استطعت أن أعبر عن تقديسي لها.
لو أن لي فرشاة الرسام وشفة الشاعر،
أحلى ما ذاق عسل الصيف من شفاه!
لا، لن يهيم تاسو بعد الآن
وحيدًا بين الأشجار وبين الناس
ضائعًا وضعيفًا ومحزونًا!
لم يَعُد وحيدًا، إنه الآن معك.
آه لو أن أنبل الأعمال تمثَّل الآن أمامي
محاطًا بأبشع الأخطار!
إذن لأقدمت وخاطرت بهذه الحياة
التي تلقيتها من يديك،
ولدعوت أفضل الناس أن يكونوا من أصحابي،
ولسرنا في موكب نبيل، كي نحققَ المستحيل
بإشارة صغيرة من يديها.
أيها الملهوف، لمَ لم تكتم شفتاك ما أحسست به
حتى تجد نفسك جديرًا بالسجود عند قدميها؟
كانت تلك هي نيتك، وكانت هي رغبتك الحكيمة،
ومع ذلك فليكن ما يكون! فأجمل بكثير
أن تتلقَّى هذه الهدية الصافية التي لم تستحقَّها
على أن تتوهم أنها كانت من حقك!
كن سعيدًا! فما أروع الأفق الذي يمتدُّ أمامك؟
وما أعظمه! وها هو الشباب المفعم بالآمال
يغريك بالمستقبل المضيء المجهول.
ترنَّم يا قلبي! ويا سماء الحظ،
باركي هذه النبتة التي تشرئب إليك!
إنها تتطلع إلى السماء آلاف الأفرع.
تبزغ منها وتتفتح زهرات.
آهٍ، فلتعطنا الثمار، ولتعطنا الأفراح!
حتى تمتدَّ يد حبيبة فتقطف الحلية الذهبية
من أغصانها الخصبة الناضرة!

المشهد الثالث

(تاسو – أنطونيو)
تاسو :
مرحبًا بك، يا من أراه اليوم لأول مرة!
ومن لم أكن أتوقع أفضل منه. مرحبًا بك!
أنا الآن أعرفك وأعرف قدرك،
وبغير ما تردد أقدِّم لك قلبي ويدي،
وأطمع بدوري ألا تستصغر شأني.
أنطونيو :
أنت تَحبوني بهداياك الجميلة
التي أعرف قدرها كما ينبغي،
ولكن دعني أتردد قبل أن أمدَّ إليها يدي؛
فلست أدري إن كنت أستطيع أن أردَّ عليك بمثلها.
لست أحبُّ أن أبدوَ متعجلًا أو جاحدًا،
فاسمح لي أن أكون حكيمًا وحريصًا من أجلنا معًا.
تاسو :
مَن ذا الذي يلوم هذه الحكمة؟
إن كل خطوة في الحياة تقنعنا بضرورتها.
ولكن الأجمل من ذلك أن تحدِّثنا النفس
بأن في استطاعتنا أن نستغنيَ عن الحرص.
أنطونيو :
ليرجع كلُّ إنسان في هذا إلى إحساسه
لأن عليه أن يتحمل بنفسه وزر خطئه.
تاسو :
ليكن الأمر كذلك. لقد قمتُ بواجبي،
واحترمت كلمة الأميرة التي تريد أن نكون أصدقاء،
وسعيت بنفسي إليك.
لم يكن في وسعي أن أتراجع يا أنطونيو؛
ولكنني لا أنوي أن أفرض نفسي عليك.
ليبقَ الأمر على ما هو عليه. فربما جاء اليوم
الذي نزداد فيه ألفة، فتحتفي بهديتي
التي ترفضها الآن في برود وتكاد تحتقرها.
أنطونيو :
كثيرًا ما يبدو الرجل المعتدل باردًا
بالنسبة لمن يعتقدون أنهم أدفأ من غيرهم إحساسًا؛
لأن حرارة الحمى قد تمكنت منهم.
تاسو :
أنت تلوم ما ألومه وأتحاشاه.
وأنا، وإن كنت لا أزال شابًّا،
أعلم تمام العلم أن الاتزان خيرٌ من الاندفاع.
أنطونيو :
تلك هي الحكمة بعينها! فلتبقَ دائمًا على هذا الرأي.
تاسو :
من حقك أن تُسديَ إليَّ النصح وتحذرني؛
لأن التجربة تقف إلى جانبك كالصديقة الوفية.
ولكن صدقني: إن هناك قلبًا هادئًا،
ينصت إلى الدرس الذي يلقيه كل يوم وكل ساعة عليه،
ويجتهد في الخفاء أن يصل إلى ذلك الخير،
الذي تعتقد بقسوتك أنك تستطيع أن تعلِّمنا فيه درسًا جديدًا.
أنطونيو :
من الممتع حقًّا أن يشغل الإنسان بنفسه
إذا كان في ذلك بعض الفائدة.
إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف حقيقة نفسه بالتأمل
في نفسه؛ ذلك لأنه يحتكم إلى مقياسه وحده،
فيستصغر نفسه أو يضخمها للأسف في أغلب الأحيان.
إن الإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال الإنسان،
والحياة وحدها هي التي تعرف كل امرئ بحقيقته.
تاسو :
إنني أسمعك في احترام وأرحب بكل ما تقول.
أنطونيو :
ومع ذلك فربما فهمت من هذه الكلمات
شيئًا، يختلف عما أريده كلَّ الاختلاف.
تاسو :
إذا سرنا على هذا الطريق فلن نقترب من بعضنا.
ليس من الحكمة ولا من الخير أن نتعمد إساءة الظن بإنسان أيًّا كان.
إن دعوة الأميرة لم يكن لها داعٍ؛ فقد عرفت من زمن بعيد،
أي إنسان أنت. أعلم أنك تريد الخير وتفعله.
إن قدرك لا يهمك. ولهذا تفكر في غيرك وتقف إلى جانبه،
ويظلُّ قلبك ثابتًا على أمواج الحياة المتقلبة.
هكذا أراك. وماذا يكون شأني إن لم أسعَ إليك؟
ألم أتلهف على نصيب من الكنز الذي تضنُّ به؟
أعلم أنك لن تندم إذا فتحت لي صدرك،
وأعلم أنك ستصادقني إذا عرفتني على حقيقتي،
وقد كنت من زمن طويل في حاجة إلى مثل هذا الصديق.
إنني لا أخجل من قلة تجربتي ولا من شبابي.
لم تزل سحابة المستقبل الذهبية ترف حول جبهتي.
آه فلتأخذني، يا أيها النبيل، على صدرك،
ولتعلمني، وأنا الطائش الجاهل،
سرَّ الاعتدال في الحياة.
أنطونيو :
إنك تطلب في لحظة واحدة
ما لا يكفله الزمنُ إلا بالحكمة والروية.
تاسو :
إن الحب يكفل في لحظة واحدة
ما لا يدركه الجهدُ في زمن طويل.
لست أرجوك وإنما أطالبك.
إنني أدعوك باسم الفضيلة
التي تجاهد في الربط بين القلوب النبيلة.
وهل أسمِّي لك اسمًا؟
إن الأميرة هي التي تأمل هذا، هي التي تريده.
اليونورا هي التي تريد أن تُقرِّبني منك، وتُقرِّبك مني.
فلا تجعلنا نرفض رغبتها!
دعنا نتقدم إلى الربة متحدين،
لنهبها صلاتنا ونمنحها روحنا،
ولنحقق معًا ما يليق بها.
مرة أخرى. هذه يدي! فصافحها!
لا تتراجع أيها النبيل ولا تتأبَّ
ولتتحْ لي أجمل متعة يتذوقها الفضلاء،
الذين يهبون أنفسهم للأفضل في ثقة وبغير تحفُّظ.
أنطونيو :
أراك تبحر بملء شراعك!
فقد تعودت فيما يبدو على أن تنتصر في كل معركة،
وأن تجد الطرق ممهدة أمامك والأبواب مفتوحة.
إنني أرضى لك بالفضل والسعادة عن طيب خاطر.
غير أنني أرى بوضوح أن كلينا ما زال بعيدًا كل البعد عن صاحبه.
تاسو :
ربما فرَّقت بيننا السنون والتجارب،
أما الشجاعة والإرادة الطيبة
فلست أقلَّ فيهما عن أحد.
أنطونيو :
الإرادة لا تكفي للإتيان بجلائل الأعمال؛
والشجاعة تصور الطرق أقصر من حقيقتها.
من يصل إلى الهدف يوضَع التاج على رأسه،
وكثيرًا ما يُحرم منه من هو أولى به.
إن التيجان اليسيرة موجودة، ومتعددة الأنواع،
وكثيرًا ما ينالها مَن يتنزَّه بغير مجهود.
تاسو :
إن ما تمنحه يدُ الرب لهذا أو تمنعه باختيارها عن ذاك،
ليس شيئًا يمكن أن يدركه كلُّ من أحب أو شاء.
أنطونيو :
أرجعْ هذا إلى الحظ دون غيره من الأرباب،
بذلك أوافقُك لأنه أعمى عن الاختيار.
تاسو :
العدالة أيضًا معصوبة العينين،
تُغمض البصر عن كل بريق خدَّاع.
أنطونيو :
هل يمجِّد الحظ إلا المحظوظ؟!
إنه يجعل له ألف عين ترى فضله،
ويمتدح اختياره الصائب وعنايته الشديدة.
وسواء سماه «مينرفا» أو ما شاء من أسماء،
فهو يعدُّ المنحة مكافأة،
والحلية التي خلعتها عليه المصادفة
زينة نالها عن جدارة واستحقاق.
تاسو :
لستُ في حاجة إلى أن تكون أوضح من هذا.
كفى! إنني أنظر في أعماق قلبك وأعرفك مدى الحياة.
آهٍ، لو أن أميرتي أيضًا عرفتك على حقيقتك!
لا تبذر في سهام عينيك ولسانك!
لقد حاولت عبثًا أن توجهها إلى هذا التاج،
هذا التاج الذي لن يذبل على جبيني.
كن كبير القلب ولا تحسدني عليه؛
فقد تستطيع عندئذٍ أن تنازعني إياه.
إنه عندي أقدس وأسمى ما أملك.
أرني مع ذلك الرجل الذي نال ما أطمح إليه،
أرني البطل الذي لم أسمع عنه إلا من حكايات التاريخ؛
دلَّني على الشاعر الذي يستطيع أن يقرن نفسه بهوميروس أو فرجيل،
لا بل إنني لأطلب منك أن تدلَّني
على رجل استحق هذه الهدية ثلاث مرات،
وأخجله هذا التاج أكثر مما أخجلني ثلاث مرات.
إن فعلت هذا، فستراني أركع على قدمي
أمام الربة التي أسبغت عليَّ هذه النعمة؛
ولن أنهض عندئذٍ قبل أن تمدَّ يديها
وتخلع هذه الزينة من على جبيني لتضعها على جبينه.
أنطونيو :
إلى أن يتمَّ ذلك، فسوف تظل بالطبع جديرًا بها.
تاسو :
لأُوضع موضع الاختبار، فلست أعترض على هذا،
أما الاحتقار فلم أفعل ما يجعلني أستحقه.
إن التاج الذي كرمني به أميري،
وضفرته أميرتي بيديها،
لا يستطيع أحدٌ أن يُنكرَه عليَّ أو يسخر به.
أنطونيو :
هذه اللهجة المتعالية، وهذا الغضب الملتهب،
لا يصحُّ أن توجههما إليَّ، ولا يليقان بك في هذا المكان.
تاسو :
إن ما تسمح به هنا لنفسك، يليق أيضًا بي
هل نفيت الحقيقة من هذا المكان؟
هل سجنت الروح الحرة في هذا القصر؟
وهل يتحتم على النفس النبيلة أن تتحمل الاضطهاد؟
أعتقد أن النبل وسموَّ الروح هنا في مكانهما الصحيح.
أحرام عليها أن تسعدَ بالقرب من عظماء هذه الأرض؟
بل إن في استطاعتها ومن واجبها أن تفعل.
إننا لا نقترب من الأمير
إلا بالنبالة التي ورثناها عن الآباء؛
فلماذا لا نقترب منه بالوجدان العظيم،
الذي لم تشأ الطبيعة أن تعطيَه لكل إنسان
كما لم تشأ أن تمنح الجميع سلسلة من الأسلاف العظام؟
لا يشعر بالرعب هنا إلا الصغار،
وإلا الحسد الذي يكشف عن عاره؛
كذلك لا يصح لنسيج عنكبوت قذر
أن يعلق بهذه الجدران المرمرية.
أنطونيو :
أنت تعطيني بنفسك الحق في امتهانك!
أيريد الصبي المتهور أن يغتصب ثقة الرجل وصداقته؟
أتظن نفسك خيِّرًا وأنت عديم الأخلاق؟
تاسو :
خيرٌ لي أن أوصف بما تسميه عدم الأخلاق
من أن أوصف بما يمكن أن أسميَه بالانحطاط.
أنطونيو :
ما زلت صغيرًا إلى الحد الذي تستطيع معه التربية
الصحيحة، أن تعلمَك السير على طريق أفضل.
تاسو :
لست صغيرًا إلى حد أن أركع أمام الأصنام،
بل كبير إلى الحد الذي يجعلني أواجه التحدي بالتحدي.
أنطونيو :
حيثما تكون الكلمة للشفاه والأوتار،
فأنت البطل والمنتصر بلا جدال.
تاسو :
ربما كان من الجرأة أن أفتخر بيميني؛
فهي لم تفعل شيئًا، ومع ذلك فإنني أعتمد عليها.
أنطونيو :
إنما تعتمد على التسامح الذي دلَّلك كثيرًا
في حين تابع حظك طريقه الوقح.
تاسو :
الآن أشعر أنني تجاوزت الطفولة.
كنتَ آخر من يمكن أن أجرب معه لعبة السلاح،
لكنك تزيد النار اشتعالًا؛ النخاع يغلي،
والشهوة الأثيمة إلى الانتقام تفور في صدري.
إن كانت لديك الرجولة التي تتباهى بها فهيَّا إلى النزال.
أنطونيو :
أنت تجهل من أنت كما تجهل مكانك.
تاسو :
ما من قداسة تدعونا إلى احتمال الهوان.
أنت الذي تكفر وتدنِّس هذا المكان،
لا أنا الذي جئت أقدِّم لك أجمل قربان
من الثقة والمحبة والتكريم.
إن روحك هي التي تلوث هذا الفردوس،
وكلماتك تلوث هذه القاعة النقية،
لا الإحساس الذي يثور في قلبي ويفور.
ويأبى أن يلطخَه أدنى عار.
أنطونيو :
أي روح عظيم في قلب ضيق!
تاسو :
لا يزال فيه متسع للتنفيس عن الصدر.
أنطونيو :
العامة تنفس أيضًا عن غضبها بالكلام.
تاسو :
إن كنت نبيلًا مثلي فاثبت ذلك.
أنطونيو :
إنني كذلك بالفعل، ولكني أعرف مكاني.
تاسو :
تعالَ معي إذن إلى حيث يحكم السلاح.
أنطونيو :
كما لم يكن لك أن تطلبني للنزال، فكذلك لن أتبعك.
تاسو :
بمثل هذه العقبة يرحب الجبن.
أنطونيو :
الجبان لا يتوعد إلا حين يشعر بالأمان.
تاسو :
يمكنني أن أزهد في هذه الحماية عن طيب خاطر.
أنطونيو :
اغفر إن شئت ما أذنبته في حق نفسك،
ولكن لا تغفر ما أذنبت به في حق هذا المكان.
تاسو :
فليغفر لي المكان أنني احتملت هذا.

(يجرد سيفه.)

جرِّد سلاحك أو اتبعني،
إلا إذا كنت تريد،
أن أحتقرك إلى الأبد كما أكرهك!

المشهد الرابع

(ألفونس – السابقون)
ألفونس :
ماذا أرى؟ أي نزاع لم أكن أتوقعه؟
أنطونيو :
أنت تراني، يا أمير، أقف في اتزان
أمام انسان تملَّكه الغضب.
تاسو :
أتوسل إليك كما أتوسل لإله
أن تُمسك زمامي بنظرة واحدة منك.
ألفونس :
قل لي يا أنطونيو، وأنت يا تاسو،
كيف نفذ الشقاق إلى بيتي؟
كيف استولى عليكما، كيف استطاع
أن ينتزع حكيمين مثلكما
عن سبيل الشرائع والأخلاق؟!
إنني في عجب من الأمر.
تاسو :
أعتقد أنك لا تعرفنا حقَّ المعرفة.
هذا الرجل، المشهور بالحكمة والخلق الطيب،
عاملني معاملة فظَّة لئيمة
كما يفعل مخلوق لا حظَّ له من الأدب أو النبل.
سعيت إليه راجيًا فصدَّني،
لم أيأس، فظللت أتقرب منه
لكنه احتدَّ في مرارة فلم يسترح
حتى أحال أصفى قطرة في دمي إلى علقم.
معذرة! لقد وجدتني أجنُّ من الغضب.
ولكن إذا كنت قد أخطأت، فهذا هو المسئول.
لقد أشعل نار الغضب التي استولت عليَّ وجرحتني وجرحته.
أنطونيو :
إن حماس الشعراء قد ذهب به بعيدًا!
لقد بدأت، يا أمير، بتوجيه السؤال إليَّ،
فأْذن لي الآن، بعد هذا الحديث المندفع، بالكلام.
تاسو :
أجل، اروِ ما حدث، اروه كلمة كلمة!
وحاول إن استطعت أن تصفَ
كلَّ مقطع وكل إشارة أمام هذا القاضي!
أهن نفسك مرة أخرى، واشهد على نفسك!
أما أنا فلن أنكر نفَسًا ولا نبضة قلب.
أنطونيو :
إن كان لديك ما تقوله فتكلَّم،
وإلا فاسكت ولا تقاطعني.
إن كنت أنا، يا أميري، الذي بدأت النزاع،
أو كان هذا الرأس المندفع هو الذي بدأ به،
ومن منَّا الذي يتحمل الخطأ؟
فتلك أسئلة طويلة لا ضرورة الآن للإجابة عنها.
تاسو :
كيف هذا؟! إن السؤال الأول في رأيي
هو مَن المخطئ فينا ومن المصيب؟
أنطونيو :
ليس هذا صحيحًا، كما قد يخيل لعقل أفلت منه الزمام.
ألفونس :
أنطونيو!
أنطونيو :
مولاي! إنني أخضع لإشارتك، ولكن مُرْه بأن يلزم الصمت.
فإذا فرغت من كلامي، أمكنه أن يستطرد الحديث،
وسوف تُقرِّر الأمر بنفسك.
هذا هو ما أريد أن أقول:
إنني لا أستطيع أن أجادله،
كما لا أستطيع أن أتَّهمه أو أدافع عن نفسي،
ولا أن أحاول الآن أن أسترضيَه؛
ذلك لأنه الآن لم يعد إنسانًا حرًّا.
إن قانونًا ثقيلَ العبء يرزح فوق رأسه.
ولن يخفف منه سوى عفوك ورحمتك.
لقد هددني في هذا المكان، وطلب مني النزال؛
ولم يكد يُخفي أمامك السيف العاري.
ولو لم تتدخل بيننا يا مولاي
لرأيتني أقف الآن خجلًا أمامك،
وقد نسيت واجبي وشاركته في إثمه.
ألفونس (لتاسو) :
لم تُحسن التصرف.
تاسو :
إن قلبي يُبرئني يا مولاي،
ولا شك أيضًا أن قلبك يبرئني.
لقد هددت حقًّا، وطلبت النزال، وجردت سيفي.
ولكنك لن تتصور كيف راح لسانه اللئيم
ينتقي الكلمات الجارحة،
ولا كيف راح نابه السريع الحاد
يسكب السمَّ الرهيف في دمي،
ولا كيف مضى يشعل نار الحمى ويزيدها اشتعالًا،
لقد ظل يثيرني في هدوء وبرود ويخرجني عن طوري.
آهٍ! إنك لا تعرفه! لا تعرفه ولن تعرفه أبدًا!
حملت إليه من القلب أجمل صداقة،
فألقى عطاياي عند قدميه؛
ولو لم تشتعل نفسي غضبًا،
لما كانت أبدًا جديرة بنعمتك،
ولا استحقتْ أن تكون في خدمتك.
إن كنت نسيت القانون
وحرمة هذا المكان فاغفر لي.
لا يصح أن أحتقر في أي مكان،
ولا يصح في أي مكان أن أحتمل الهوان.
وإذا حدث لهذا القلب، أينما كان،
أن يقصر في حقك وفي حق نفسه،
فعاقبني واطردني،
ولا تجعل عينك تقع مرة أخرى على وجهي.
أنطونيو :
ما أخفف ما يحمل الشاب الأعباء الثقال!
وما أيسر أن ينفض الأخطاء عن ثوبه كما ينفض الغبار!
لو كنا نعرف سحر الشعر الذي يهوى العبث مع المستحيل،
أقل مما نعرفه، لكان في هذا ما يبعث على العجب.
ولا أكاد أصدق يا أميري،
أنك ستستهين بهذا الفعل،
أو يستهين به أحدٌ من خدمك.
إن الجلالة تُظلُّ بحمايتها
كلَّ من يدنو منها ومن مسكنها الحرام،
كما يدنو من إله.
وكل عاطفة تكبح جماحها
حين تلامس عتبتها،
كأنها تقترب من مذبح مقدس.
هناك لا يلمع سيف، ولا يتوعد صوت،
ولا تصرخ الإهانة نفسها مطالبة بالثأر.
أما وراء ذلك، ففي الميدان متسع
للغضب والحقد والصراع.
هناك لا يهدد الجبان، ولا يهرب الشجاع.
هذه الأسوار قد أقامها آباؤك
على قاعدة من الطمأنينة والأمان،
وشادوا لعزَّتهم قدسًا حصينًا،
وحافظوا في جد وذكاء
بالجزاء الرادع على هذا السلام،
وأخذوا المذنب بالنفي والطرد والموت.
لم يكن هناك اعتبار للأشخاص
ولم توقف الرأفة ذراع العدالة،
وأحس المستهتر نفسه بالفزع.
وها نحن بعد السلام الجميل الممدود
نرى الغضب المجنون يعود إلى حمى الأخلاق.
احسم يا مولاي وعاقبْ؛
ألا يستحق من يلتزم بحدود الواجب
أن يتمتع بحماية القانون ونصرة الأمير؟
ألفونس :
إن ضميري المحايد ليستمع
إلى أكثر مما تقولان أو يمكنكما أن تقولاه.
ليتكما أحسنتما أداء الواجب،
ولم تُلجئاني إلى النطق بهذا الحكم.
ذلك لأن العدل والظلم هنا متقاربان.
إذا كان أنطونيو قد أساء إليك،
فإن من واجبه بطريقة أو بأخرى
أن يقدم لك التعويض الذي تشاء.
وسوف يسرني أن تجعلاني حكمًا بينكما.
إن خطأك يا تاسو يجعل منك سجينًا.
إنني أعفو عنك، وأخفف القانون من أجلك.
اتركنا يا تاسو، والزم حجرتك،
واجعل من نفسك حارسًا على نفسك.
تاسو :
أهذا هو الحكم الذي تقضي به يا أمير؟
أنطونيو :
ألا تتبين فيه رأفة الأب الحنون؟
تاسو (لأنطونيو) :
لم يعد لي من الآن معك حديث.
(لألفونس): إن كلمتك الصارمة يا أمير
تُسلمني، وأنا الحر، للسجن
لتكن مشيئتك. ما دمت تعتقد أنها الحق.
ها أنا ذا أحترم أمرك المقدس.
وأُسكت الصوت الذي يصرخ في أعماق قلبي.
إن الأمر جديد عليَّ، جديد إلى الحد الذي لا أملك معه
أن أتعرف عليك أو على نفسي أو على هذا المكان الجميل.
أما هذا الرجل فإنني الآن أعرفه.
سأطيع أمرك، وإن بقي الكثير
مما أستطيع وما ينبغي عليَّ أن أقول.
إن الصمت يخرس شفتي. أكانت جريمة؟
إنها على الأقل تبدو كذلك، فإنني أُعَدُّ الآن مجرمًا.
وسواء ما يقوله لي قلبي، فأنا الآن سجين.
ألفونس :
أنت تهول الأمر يا تاسو أكثر مما يستحق.
تاسو :
إن الأمر يبدو لي لغزًا،
أو لعله ليس لغزًا، فأنا لم أعد طفلًا.
وأكاد أقول لا بد أن أفهمه.
إنني ألمح نورًا على حين فجأة
وفي لحظة أراه قد خمد.
لا أسمع غير الحكم عليَّ، فأنحني له.
أقول لنفسي: لقد تكلمت كثيرًا بغير طائل
فتعوَّد من الآن أن تخضع.
أيها العاجز! لقد نسيت مكانك،
وظننت أن قاعة الآلهة على الأرض،
وها هي السقطة المباغتة تفاجئك.
ارضَ بالخضوع، فخليق بالرجل
أن يفعل ما يكرهه عن طيب خاطر.
خذ أولًا هذا السيف الذي أعطيتَه لي
عندما تبِعتَ الكاردينال إلى فرنسا،
لقد حملته فلم أكسب به مجدًا،
ولم أجرِ يومًا على نفسي العار.
ولا فعلت ذلك اليوم.
هذه الهدية التي علقت عليها الآمال
أتنازل عنها بقلب متأثر كسير.
ألفونس :
أنت لا تدري بشعوري نحوك.
تاسو :
كُتب عليَّ أن أطيع لا أن أفكر!
كما أراد القدر، للأسف مني،
أن أزهد في هدية أروع.
إن التاج لا يناسب السجين،
ولذلك أنزع بنفسي الزينة،
التي حسبت أنها خلعت على جبهتي إلى الأبد.
لقد نعمت بالسعادة الفائقة في أول الصبا،
غير أنها سرعان ما سلبت مني
وكأنني تبطرت عليها.
إنك تنزع عن نفسك ما لا يستطيع أحدٌ أن ينزعَه عنك،
وما لا يهبه إله للمرة الثانية.
إننا نحن، البشر، نمتحن امتحانًا عجيبًا،
وما كان لنا أن نصبر أو نحتمل،
لو لم ترزقنا الطبيعة بالاستخفاف البريء.
تُعلمنا الشدة كيف نُبدد
في النعم التي لا تقدر،
ونفتح أكفَّنا بإرادتنا
لتفلت منها النعمة إلى غير رجعة.
مع هذه القبلة أذرف دمعة
تهبك للزوال! إنها من حقنا،
هذه العلامة الرقيقة على ضعفنا.
من الذي لا يبكي حين يرى
أن الخلود نفسه لا يأمن الدمار؟
الحق الآن بهذا السيف، الذي لم يكسب من أجلك شيئًا!
اقترب منه وارقد على قبر سعادتي وأملي،
كما ترقد على تابوت الشجعان!
ها أنا ذا أضعهما طائعًا عند قدميك،
فمن ذا الذي يملك سلاحًا أمام غضبك؟
ومَن يتزيَّن، يا مولاي، إن أنت أهملته؟
إنني أمضي سجينًا، وأنتظر حكمك.

(يشير الأمير فيرفع أحد الخدم السيف والإكليل ويحملهما بعيدًا.)

المشهد الخامس

(ألفونس – أنطونيو)
أنطونيو :
إلى أين يهيم الغلام؟ بأي الألوان
يرسم قيمته وقدره؟
إن الشباب، بجهله وقصوره،
يتوهَّم نفسه شيئًا فريدًا مختارًا،
ويستبيح لنفسه كلَّ شيء عن كل إنسان.
فليشعر بأنه معاقب، فالعقاب يحسن إلى الفتى
الذي سيشكرنا عليه حين يصبح رجلًا.
ألفونس :
لقد لقيَ عقابه، وأخشى أن يكون قد زاد عليه العقاب.
أنطونيو :
إن شئتَ أن ترْأف به
فأَعدْ إليه حريته يا أمير،
وليحسم السيف ما بيننا من خلاف.
ألفونس :
إن اتفقت الآراءُ على هذا فليكن لك ما تريد.
ومع ذلك قل لي، كيف أثَرْت غضبه؟
أنطونيو :
لا أستطيع تفسير ما حدث.
ربما أسأت إليه كإنسان،
غير أنني ما أهنت فيه الرجل النبيل.
إنه في قمة غضبه لم تفلت من شفتَيه كلمة نابية.
ألفونس :
هكذا بدا لي ما وقع بينكما من خلاف.
وحديثك يؤيد ما خطر لأول مرة على بالي.
عندما يتنازع رجلان فالعقل يميل
إلى إلقاء الذنب على أكثرهما حكمة.
لم يكن ينبغي عليك أن تُثيرَ غضبه،
بل كان الأولى بك أن تُرشدَه وتهديَه.
ما زال في الوقت متسع،
وليس في الأمر ما يضطركما إلى الخلاف.
وما دام السلام يرفرف على بلادي،
فإنني أحب أن أتمتع به في بيتي.
أعد الطمأنينة إليه — إن هذا أمر يسير عليك.
لتبدأ ليونورا سانفيتاله ولتحاول
أن تهدئَه بكلماتها الرقيقة.
ولتذهب إليه بعد ذلك، كي تعيد
إليه حريته الكاملة على لساني،
ولتكسب ثقته بالكلام الصادق النبيل
أنجز هذا الأمر بأسرع ما تستطيع،
وليكن حديثُك معه حديثَ الوالد والصديق.
أريد أن أطمئن إلى عودة السلام قبل الرحيل،
وما من شيء يستحيل عليك، ما دمت تريد.
لنمدَّ إقامتنا ساعة أخرى،
وبعد ذلك فلنترك للنساء
أن يُتممنَ في حنان ما بدأت؛
فإذا رجعنا لم نجد
أثرًا لهذا الحادث السريع.
يبدو يا أنطونيو أنك لا تريد
أن تخليَ يديك من العمل. فلم تكد تفرغ من مهمة،
حتى رجعت تبحث عن أخرى،
أرجو أن تُكلل فيها بالنجاح.
أنطونيو :
لقد أخجلتَني وجعلتْني كلماتُك
أرى خطئي كما لو كنت أنظر في مِرآة صافية!
ما أسهل أن يطيع المرء سيدًا نبيلًا
يقنعنا، حين يُلقي علينا أوامره!
١  وصفٌ دقيق لشخصية أنطونيو التي تنزع إلى السيادة والتحكم، فتبتعد عن أعماق الحياة، وتجافيها أرواح الحب والفن والجمال. ومع أن في هذه الصورة شيئًا غير قليل من الظلم، فإن أنطونيو لا ينكرها على نفسه (راجع المشهد الثاني من الفصل الرابع).
٢  العهد الذهبي فكرة قديمة تشير إلى العصر السعيد الذي مضى ولن يعود. ولكن جوته يغير هنا من معناها القديم حين يشير بها إلى عصر يمكن أن يتحقق في المستقبل، كما تدل على ذلك كلمات الأميرة فيما بعد.
٣  يلاحظ النقاد في الأبيات التالية بعض الصور والأفكار المستمدة من قصيدة تاسو «أمينتا» ومن «الراعي المخلص» للشاعر جواريتي المنافس لتاسو.
٤  في هذا الموضع والمواضع التالية إشارات عديدة إلى شخصيات وأحداث ترد في ملحمة تاسو «أورشليم المحررة». وهنا إشارة إلى حب الساحرة أرميد لرينالدو. فهي تشعر أنه يمتهنها فتحاول أن تقتل نفسها، ولكن رينالدو يمنعها من ذلك ويتصالحان.
٥  يتبارز تانكريد وكلورنده بغير أن يعرف أحدُهما الآخر، ولا يكتشف تانكريد حبيبته إلا بعد أن يجرحها جرحًا مميتًا.
٦  إشارة إلى رغبة أرمينيا في شفاء تانكريد بطريقة خارقة.
٧  وإلى رغبة سوفرونيا في التضحية بنفسها في سبيل المسيحيين، مما يعذب أولنده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠