الرسالة التاسعة

بعد تسليم غرناطة
حاصر الملك فرديناند الثاني غرناطة سبعة أشهر، حتى كاد الناس فيها يأكل بعضهم بعضًا، وآل أمر سلطانها أبي عبد الله بن عليٍّ إلى تسليمها إلى فرديناند وزوجته إيزابلا بشروط جملتها سبعة وستون شرطًا، أهمها: تأمين أهلها على أنفسهم ودينهم وأموالهم وأعراضهم وأملاكهم وحريتهم، وإقامة شريعتهم واحترام مساجدهم ومعابدهم وشعائرهم، وفك أسراهم وإجازة من يريد الهجرة منهم إلى العدوة، وإعفاؤهم من الضرائب والمغارم سنين معلومة. وهكذا من أمثال هذه الشروط التي لم يعمل الإسبان بشيء منها، وبعد استيلائهم على المدينة رتبوا حكامها من النصارى، فأخذوا ينتحلون الأسباب لمحاكمة المسلمين، وكانت نتيجة الحكم إما التنصر أو الإعدام، وقد تنصر كثير من الناس صورة أو حقيقة على حسب قوة يقينهم في دينهم؛ إتقاء لظلم الغالبين وعسفهم الذي لم يكن له من مسوِّغ غير تعصبهم الديني. نعم، كان تعصب الإسبانيين في منتهى حدوده، من ذلك أن ترتبت في إسبانيا من أول القرن الثاني عشر أنظمة كنسية لمحاربة المسلمين، منها: نظام فرسان الهيكل، ونظام قلعة رباح، ونظام ماري يعقوب، ونظام فرسان ماري جرجس، ونظام سيدات الفأس وكان خاصًّا بالنساء، وكان لكل نظام ملابس خاصة به مرسوم عليها الصليب بحال تُمَيِّزه عن غيره؛ لذلك كان تعصبهم الديني تعصبًا عنيفًا لا يتفق مع السماحة١ التي كان المسلمون يعاملون بها الإسبان وهم في ضعفهم، بل لا يتفق مع معاملة مسلمي الشرق للنصارى في حروبهم الصليبية.

وهذا التعصب وإن كان موجودًا في الإسبان بطبيعته، زاده اضطرامًا ما كان يصدره البابوات من المنشورات ضد المسلمين، وخاصة بعد استيلاء الأتراك على الأستانة عاصمة الدولة الرومانية الشرقية في سنة ٨٥٧ﻫ، وفي هذا الوقت كانت أوربا كلها محتدمة بفكرة التعصب الفظيع ضد المسلمين بصفة عامة، وعلى الأخص بعد أن وصلت فتوحاتهم في أوربا مدة السلطان سليمان الأول إلى أسوار فِييَنَّا، واستولت أساطيلهم تحت قيادة خير الدين باشا أمير البحر (بارباروس) على كثير من سواحل البحر الأبيض المتوسط من جهتيه الشمالية والجنوبية، وكان لهذا الأسطول يد بيضاء في إغاثة كثير من عرب الأندلس بعد سقوط بلادهم في يد الإسبان، وجوازهم إلى تونس والجزائر.

ولما أصبحت مظالم الإسبان ومغارمهم بحيث لا يحتملها إنسان، ثار جماعة من البيَّازين، وهم قوم من عرب الأندلس بغرناطة اشتهروا بعزتهم ونخوتهم، وفتكوا ببعض الحكام، وقد يكون هذا بدافع سياسي من عدوهم؛ هنالك قامت قيامة القسوس ونادوا بالثبور وعظائم الأمور، وأنشَئوا محاكم التفتيش، وهنا تَقْشَعِرُّ الأبدان وتهلع النفوس لذكرى تلك الشنائع والفظائع التي كانوا يوقعونها على أولئك الأبرياء، مما سجله عليهم التاريخ في صفحات الوحشية التي لم يكن لها مثيل في صحيفة من صحائف المظالم من يوم خلق الله الإنسان، فكم من نفوس قُتِلت، ورجال صُلِبت، وأعراض هُتِكت، وأموال نُهِبت، وكتبٍ أُحرِقت، وديار هُدِمت، وجسوم مُثِّل بها وهي على قيد الحياة!

ولما وصلت نكبة الإسبان للعرب (سواء أكانوا من المسلمين أم من اليهود، أم من الذين تنصروا منهم) إلى الحد الذي لا يُحتمَل، وصدر أمر الملك سنة ١٥٦٣ بأنهم يغيرون زيهم، ولا يتكلمون إلا الإسبانية، ثار أحد سلالة بني سراج واسمه فرج بن فرج، ولجأ إلى جبال البشرات، وتبعه عدد غير قليل من غرناطة، وكان منهم هادوناندو دوفلور وهو من نسل خلفاء قرطبة، فنادوا به ملكًا عليهم تحت اسم محمد بن أمية، وهناك عمت الثورة كل نواحي جبال البشرات، واستمرت هذه الفتنة سنتين وهي على منتهى شدتها، وأبلى فيها الفريقان بلاء عظيمًا، ومات منهما خلق كثير.

وقد خلع المسلمون ابن أمية لهوادته، وولوا أمرهم أحد الزعماء المشهورين ببسالتهم وشجاعتهم واسمه عبد الله بن أبيه، وما زالوا في كفاحهم حتى غلبتهم كثرة الإسبان، وشتتت جموعهم وأفنتهم بين تقتيل وتحريق وتنكيل، وبعد أن قتلوا رئيسهم عبد الله علقوا رأسه على أحد أبواب قرطبة، وبقي معلقًا عليه ثلاثين سنة، وأخذ الإسبان بعد هذه الواقعة يطردون العرب من بلادهم، وقد قدروا المطرودين منهم بعد سقوط غرناطة بثلاثة ملايين نفس، كلهم أهل نجدة وصناعة وتجارة وزراعة، وعلى أثر إبعادهم خربت غرناطة وضواحيها حتى أصبح مرجها قاعًا بلقعًا، بعد أن كان جنة الله في أرضه.

ومن ينظر إلى حالة الإسبان وهم في ضعفهم وقلتهم، يَرَ أنهم كانوا كبارًا في جهادهم لعدوهم مدة ثمانية قرون، كبارًا في دفاعهم عن حوزتهم، كبارًا في نضالهم عن حياتهم، كبارًا في نبذهم كل خلاف لهم تلقاء كل خطر يدهمهم، كبارًا في مثابرتهم على دفع ذلك الخصم القوي الذي كان يتغلب على بلادهم، حتى إذا تغلبوا عليه وانقلبت الحال بأن صار هو الضعيف بين أيديهم، لم يكونوا كبارًا معه في شيء، بل ضاعت كل محامدهم أمام التاريخ؛ للمثالب التي ارتكبوها مع العرب بعد استيلائهم على غرناطة، فقد أخفروا عهدهم ولم يوفوا لهم بذمتهم، وعاملوهم باسم النصرانية بما تبْرأ منه الإنسانية، ذلك بأن قرروا جمعهم بين مسلم ويهودي، واستصدروا أمرًا ملكيًّا بأن من لم يتنصر منهم فجزاؤه القتل!٢ ولما رأوا أن كثرة سفك الدماء تؤثر بطبيعتها في تهييج النفوس بما تخشى مغبته، شادوا محارق في كل عاصمة من عواصم الأندلس، وكانوا يأتون بمن بقي على دينه من العرب ويلقون به في أتون تلك الجحيم، فتصعد روحه صارخة إلى السماء، بعد أن يذهب جسمه بخارًا في الهواء.

وكان قد بقي من العرب في الأندلس عدد ممن تَنَصَّر أو تدجن، وكانوا يعاملونهم أسوأ معاملة.

والمدجنون هم المسلمون الذين بقوا في البلاد التي تغلَّب عليها الإسبان؛ بسبب ضعفهم أو عدم قدرتهم على الهجرة إلى بلاد إسلامية.

وقد وضع الإسبانيون لمن بقي منهم تحت حكمهم إشارة٣ في لباسهم تميِّزهم عن غيرهم، سواء منهم النساء والرجال، كما جعلوا لهم قوانين خاصة بهم، منها أنه لا يجوز لمسلم أو يهودي أن يستخدم مسيحيًّا مطلقًا، ومن خالف هذا يُستولى على أملاكه، وليس لهم أن يقبلوا دعوة مسيحي، أو أن يدخلوا بيته إلا إذا كان طبيبًا، وقد حظروا عليهم معاملة المسيحيين في أخذ أو في عطاء، وإن من يفر منهم إلى بلاد المسلمين يعد أسير حرب وتضبط جميع أملاكه، ويكون هو ملْكًا لمن يقبض عليه من الإسبانيين، ومن يعارض من المسلمين في تنصير ابنه يُحْكَم عليه بغرامة فادحة؛ ولذلك كان كثير من المسلمين يقتلون أولادهم خشية تَنَصُّرهم، ومن كان من المسلمين له دَين على إسباني بعقد، لا تكون له قيمة إن أنكره المدين، إلا إذا كان مسجلًا في محكمة إسبانية، وليس لرجالهم أو نسائهم أن يلبسوا الحلل الحريرية، ولا يتزينوا بحلي الذهب والفضة، وبالجملة قد كان محرَّمًا عليهم أن يركبوا الخيل، وأن يحملوا السلاح، وأن يظهروا بأي مظهر من مظاهر الدين الإسلامي، لا بالقول ولا بالفعل، كالجهر بالشهادة أو الصلاة مثلًا.

ولقد عقد القوم النية على ألا يبقى من العرب في البلاد مسحة من عمل أو أثر من طلل! فألقوا بمن بقي منهم إلى البحر، فغرق من غرق، ونجا من طال عمره إلى بلاد المغرب أشتاتًا في مناكبها، عمالًا يطلبون الحياة بعرق جبينهم، بعد أن كانوا سادة في مواطنهم، قادة في بلادهم. وقد ذكر بعض السياح أخيرًا أنه شاهَد بجوار (تمبوكتو) قبيلة اسمها (أندلوز)، ولا بد أن تكون من فلول عرب الأندلس.

ولقد سعدت بلاد المغرب بمن وصل إليها من الأندلسيين، وخاصة تونس التي فتحت أبوابها لهم، فنهضت زراعتها، وظهرت صناعتها، وبرز عمرانها، ونشطت حضارتها، من بنايات على الطراز الأندلسي، وعمارات على أحسن شكل هندسي، ممَّا لا يزالون يقيمونه في المعارض المختلفة إلى الآن، كما فقدت بهم إسبانيا رجالًا عاملين، وزُرَّاعًا متقنين، وصنَّاعًا فنانين، حتى أصبحت بلادهم قفرًا جرداء في كثير من جهاتها إلى الآن، ولولا أن صادف طردهم للعرب من ديارهم كشف كولمب لأمريكا،٤ وصارت لهم مصدر رزق جديد، لَهلكوا جوعًا. وبالجملة قد أجمع مؤرخو الإفرنج على أن إسبانيا لم تحلم إلى اليوم وإلى الغد بمدنية مثل مدنيتها مدة العرب، وسبحان من يرث الأرض ومن عليها.

وقد استبقى القوم بعض الفنانين من المسلمين واليهود عبيدًا لهم، وحبسوهم في الأديار لنحت التماثيل، وبناء الكنائس، وتجديد بعض الآثار الفنية العربية مما لا يمكن غيرهم عمله، وآثارهم كثيرة تملأ دور الآثار بإسبانيا من نحاس مكفت بالذهب والفضة، أو عاج منقوش، وغير ذلك مما يستدعي الإعجاب والإغراب بدقة هذه الصناعة الفخمة، وقتما كانت أوربا غارقة في بحار الهمجية والوحشية، ومع هذا كله إنهم كانوا يدعون هؤلاء الصناع بالعبيد، ويعاملونهم بأقسى المعاملات، وخاصة رجال الدين الذين هم أولى الناس بالشفقة والمرحمة، وأحق الخلق بالرفق والإحسان، وقد أشار الرندي إلى ذلك في قصيدته المشهورة، قال رحمه الله:

أعندكم نبأ من أهل أندلس
فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنو المستضعَفين وهم
أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم
واليوم هم في بلاد الكفر عِبْدَانُ
ولو رأيت بُكاهم عند بيعهم
لَهالَكَ الأمر واستهوتك أحزان

وقد يقول قائلهم: إن العرب كانوا أيضًا يستعبدون أسراهم. فنقول له: على رسلك، فليس الأمر في الحالين واحدًا؛ لأن أسير الحرب ينزل بطبيعته على حكم الذي أسره، وكانت هذه سُنَّةً سار عليها الناس من قديم الزمان، وقد ترى صور أسرى الحرب منقوشة على هياكل المصريين وخاصة الكرنك، وقد وُضِعت في أعناقهم السلاسل والأغلال، وقُدِّموا واحدًا واحدًا إلى الملك المنتصر ليقطع بسيفه رقابهم تشفِّيًا منهم أو إرهابًا لغيرهم، وتواريخ الرومان واليونان والفرس حافلة بذلك، حتى الفِرَق المذهبية من دين واحد إذا نشبت بينهم حروب كانت القسوة تكون متمثلة فيها كل التمثل، انظر إلى حروب اليعقوبية مع الأرثُذوكسية، والسنية مع الشيعة، والكاثوليكية مع البروتستانتية، تجدها كلها تنتهي بقسوة المنتصر، وترى هذه القسوة في الأحزاب السياسة لاختلافهم في رأي قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، أما هنا فليس الحال كذلك؛ لأن القوم سلموا بشروط، منها: حقن دمائهم، واحترام شرائعهم، وحفظ أموالهم وأملاكهم، والإبقاء عليهم في مواطنهم، وقد خالف الإسبان كل ذلك مع أنهم أمضوا عليه صلحهم.

ولو رجعت معي إلى حرب المسلمين لبلاد الفرس لرأيت غير ذلك، فقد كان العرب حاصروا مدينة جنديسابور من كل جهة، وكانوا يراسلون المحصورين من الجهة التي فيها القائد طمعًا بأنهم ينزلون على حكم الفاتح، وقد كاد يتم لهم ذلك لولا أن أحد العبيد — وكان على باب من أبواب المدينة — خاطبهم في تسليم البلد ولهم حريتهم في أنفسهم وأملاكهم، ففتحوا له الباب وطالبوا الفاتحين بشرطهم، فناكرهم المسلمون، وأرسلوا يستشيرون عمر رضي الله عنه، فأمضى عمر أمان العبد قائلًا: المسلمون متكافئون فيما بينهم، يجيز أدناهم على أعلاهم، وقد احترم عمر رأي عبد من العبيد لتضامنه مع بقية الجيش في كونه معهم، وفقد المسلمون بذلك ما كانوا يغنمونه من هذه المدينة، وهو شيء كثير. أما الملك فرديناند والملكة إيزابلا وكبار قومهما، فإنهم لم يرعوا لهم وعدًا، ولم يحترموا عهدًا مع أهل غرناطة.

وبقيت في البلاد بقية ممن تَنَصَّر من العرب (ويسمونهم مورسك)، اندمجوا فيهم وتكلموا لغتهم، ولكنهم حافظوا من جهة أخرى على لغتهم العربية، فكتبوها بالأحرف الإسبانية، ويسمونها الخميادو، ولا تزال فيها كتب كثيرة مكتوبة بالأحرف الإفرنجية، ولكن من يطَّلع عليها يجدها لغة أخرى غير العربية، لما صادفها من التحريف والتصحيف، ومن هذا أن اللغة القبطية القديمة كتبها أهلها مدة الدولة الرومانية بالأحرف اليونانية، وقد دخل عليها كثير من التحريف، فأصبحت لا مصرية ولا يونانية.

وهنا ذكرت ما بدا لإخواننا الأتراك من نبذ قواعد الكتابة التركية، وتغييرهم حروفها بالحروف اللاتينية، ولا بد أن يصادفهم ما صادف العرب من الخميادو، فتصبح اللغة التركية لا شرقية ولا غربية، وبذلك يقضون على مجدهم القديم، وتاريخهم الذي كله جلال وعظمة.

ولغة الإسبان الآن وإن كانت من اللغات اللاتينية، ترى فيها كثيرًا من الألفاظ العربية بتحريف يسير أو تصحيف قليل، وكثيرًا ما ترى الأسماء العربية منتشرة في القوم بشيء من هذا التحريف، مثل NASSARE نصار، RABADANE رمضان، CALAF خلف، وقد عقد الأستاذ العلَّامة أحمد زكي باشا بابًا كثير الأهمية في هذا الموضوع برحلته «السفر إلى المؤتمر».
وبالجملة كل كلمة عندهم مبتدَأة بأداة التعريف (ال) فهي عربية، مثل: القاضي “ALCALDE”، القائد، المنارة، الكرازة، الفارس، الوادي الكبير، الروضة، الأبيار “ALAVIARE”، المحراب، الإنبيق، الساقية، الربض، القصر “ALCASARE”، القنديل، الفندق، القصبة، المسجد، القميص، السروال.

ولقد كنت أود أن أُكثِر لك من هذه الأسماء، لولا أن ذلك يستدعي تحليلًا في لغة القوم، وأنا أجهلها، وجهلي بها حالَ بيني وبين معرفة كثير من شئون البلاد في حاضرها وغابرها، نعم كان معي دليل يعرف بعض الفرنسية، ولكن الأدِلَّاء هنا هم أشبه الناس في مهنتهم بهؤلاء الذين تراهم على أبواب شبرد والكونتيننتال بمصر، وعلى مدخل الكرنك وغيره من هياكل الصعيد، إلا أن الحكومة المصرية بدأت تهتم بشأن هذه الطائفة التي يسمونها تراجمة، وأذكر أنها قررت عمل امتحان لهم في مهنتهم الإرشادية إلى الآثار المصرية، وحسنًا فعلتْ، ولو أن دار الآثار تحفل بوضع كراسة صغيرة بالعربية عن آثارها بمصر، حتى يمكن أن ينتفع بها أبناؤها الذين لا يعرفون البحث في كتب الآثار التي باللغة الأجنبية لَكان لها فضل يُذكر بجانب هذه الفائدة الكبرى التي تعود على البلاد من وراء هذا العمل السهل المفيد.

وبهذه المناسبة أذكر أني كنت في زيارتي للكرنك في الشتاء الماضي، وكان به تلامذة صغار أتوا من بعض مديريات الصعيد لزيارته مع أستاذهم الذي كان يشرح لهم تاريخ هذه الآثار، وكان شرحه يدور حول كلمتين: «إعجابه من ضخامة الأحجار التي بُنِيت بها هذه الآثار!» واتفق وجود حسن بك الدجوي مدير أسوان، فأخذ يشرح للتلاميذ تلك الآثار شرحًا دقيقًا يتفق وسنهم. ولا شك أن هذا الأستاذ معذور؛ لأنه لو كان يعلم أكثر من ذلك لما ضن به على تلاميذه، وهذا نقص كبير في حكومتنا التي قد يذهب اهتمامها بالتافه من الأمور إلى الحد الأقصى، ويصل تقصيرها عن النافع منها إلى حد لا مثيل له في الحكومات الأخرى!

(١) للعبرة والتاريخ

وصل طارق بالفتح إلى منحدرات جبال البيرينات التي يسكنها قوم يسمونهم الباشكنس (الباسك)، واحتل العرب كل جهات الجزيرة إلا جزءًا يسيرًا في غربيها الشمالي قرب خليج غسقونية على نهر دافا، كان العرب يسمونه الصخرة، والإسبان يسمونه كوفادونجا، لجأ إليه فلول من القوط٥ وغيرهم، وانتخبوا للإمارة عليهم رجلًا من سلالة لذريق آخر ملوك القوط، اسمه بلايو، وكان أهلوه يعتصمون بما فيه من الحصون والمعاقل الطبيعية، ويستميتون فيها دفاعًا عن وجودهم وحياتهم.

وكان رأي طارق أن يطهِّر الجزيرة من سكانها الأصليين، وأن تكون جبال البيرينات جميعها في يد المسلمين، حتى يكونوا في أمن من هذه القلة التي كانت تسكن رأس البلاد، وهي أشبه شيء بالجراثيم الضارة التي إن أُهملت كثرت إلى الدرجة التي ينوء الجسم بحملها، ولكن جوازه إلى الشرق مع موسى بن نصير حال بينه وبين تنفيذ هذه الفكرة السديدة الثاقبة، وبقي القوم جاثمين في أغوارهم يُظْهِرون للعرب الطاعة والإخلاص غير مخلصين، وقد يرشدونهم إلى عورات الفرنجة فيما وراء (البيرينات) بل يساعدونهم عليهم، لا محبة في العرب، ولكن دفاعًا للفرنجة عن كيانهم من الشمال، كما كانوا يدفعون العرب عنه من جهة الجنوب، وما زال هذا شأنهم في سياستهم الحيوية حتى كوَّنوا لهم دولة سموها ليون، وأقاموا عليها ملِكًا منهم، ثم أخذت أطرافها تمتد إلى الجنوب الشرقي حتى تمخضت عن مولود جديد سموه قَشتالة، قام بتدبيره أمير منهم، ثم آل أمره إلى أن صار ملكًا، واستمرت أملاكهم تمتد إلى الشرق ببطء لا يظهر معه خطرهم، حتى ظهرت مملكة ثالثة سموها نافاريا، ثم انتهى الأمر بوجود مملكة رابعة في الشمال الشرقي للبلاد سموها أراغون، وكانت هذه الممالك تعمل على الدوام لحرب العرب بطريق مباشر أو غير مباشر؛ فكانوا إذا آنسوا من العرب قوتهم التي لا قِبَل لهم بها، أخذوا يدسون الدسائس بين ولاة الأطراف بكل وسيلة ممكنة، ويحتالون للوقيعة بينهم، فتدب البغضاء في قلوبهم، ويظهر الخلاف في دوائر حكمهم، وينتهي أمرهم بأن يشن كل قبيل حربه على الآخر لسبب تافه، وهنالك تضطر الإمارة العامة إلى التدخل بينهما لردع الفئة الباغية بسيفها، وفي هذه الأثناء قد تثور فئة ثالثة ضد رابعة، فتُسَيِّر الإمارة جيشًا آخر للفصل بينهما، وقد يكون تأثير هذه العوامل المفسدة في إشعال نار الثورات في القبائل ضد عرش البلاد لسبب قد لا يكون وجيهًا، فيشتغل الأمير أو الخليفة بالحرب في داخل بلاده، حتى إذا أخمد النار من جهة تأججت في جهة أخرى، وفي هذه الحالة قد ينهض الإسبانيون لشن غاراتهم عليه لاعتقادهم ضعفه، فإن كانت الغلبة لهم زادوا في دائرة حكمهم إلى الجنوب، وإن كانت عليهم أخذوا يتزلفون إلى الأمير بعبارات الأسف والتوبة بما يحسن عليه سكوته لتفضيله للسلم، حتى يتفرغ للنظر في شئون بلاده التي شغلته عنها كثرة الحروب. ولقد كان هذا حال المسلمين من منتصف القرن الثاني للهجرة إلى منتصف القرن الخامس، لم يهدأ لهم بال في حرب ولا في سلم من فعل ملوك قَشتالة وليون وأراغون، إلا في الأوقات التي كان فيها بأسهم فيما بينهم لخلافهم على الملك، وكثيرًا ما كانوا في زمن ضعفهم يؤدون الجزية لأمراء المسلمين وخلفائهم، وقد ظهرت تبعيتهم تامة واضحة لعبد الرحمن الناصر في النصف الثاني من حكمه، ولما وفد عليه سفراء ملوك الأستانة والفرنجة لتهنئته بالخلافة ولتوطيد دعائم التقرب والمحبة بينهم وبينه، وفد عليه ملوك الإسبان متقدمين بطاعتهم له وولائهم إليه، وبقوا على ذلك إلى أن تمزقت الدولة الأموية إلى ملوك الطوائف، فأخذوا يتسعون في ملكهم، ويضاعفون من قوتهم، ويرمون ملوك المسلمين بعضهم ببعض، وقد كانوا يأخذون الجزية من ضعفائهم، إلى أن انقطعت بحكم المرابطين ثم الموحدين، فلما ضعف سلطانهم، أخذ ملوك الإسبان يزحفون من الشرق والغرب على الأندلس، ويستولون من البلاد على أطرافها، حتى ألجَئوا العرب إلى الانحسار إلى غرناطة التي آل أمرها إلى أن كانت تدفع الجزية لملوك قَشتالة زمنًا طويلًا، وانتهى بها الحال بأن سلمت إليهم مفاتيح البلاد، بعد أن خارت عزيمتها وضعف أمرها أمام قوة هذه الفئة التي كانت في القرن الأول لحكم العرب صغيرة ضعيفة متشردة في سفح (البرينات) وساحل خليج غسقونية، بحيث لم يُعِرْهَا الفاتحون عناية ما، وما كان يخطر على بالهم أن هذا البُغاث سَيَسْتَنْسِرُ يومًا من الأيام، وذلك الرميس سيستأسد، وتلك القلة ستكثر إلى الحد الذي استكانت أمامه قوة الفاتحين، وانهار عرش سلطانهم تحت تأثير معاولها.

هوامش

(١) الأمثلة العملية على سماحة الدين الإسلامي كثيرة، منها أن علي بن أبي طالب — كرم الله وجهه — وقف وهو بمركزه من الدين والعصبية بجوار رجل يهودي أمام عمر بن الخطاب في قضية له عليه، فسأله عمر بكنيته، فطلب إليه عليٌّ العدل بينهما قائلًا: لا تكنني يا أمير المؤمنين وأنا بجانب خصمي.
وكان الخلفاء وهم في قوتهم وعصبيتهم الدينية يحترمون عقائد شعوبهم؛ ولذلك تشعبت في مدتهم المذاهب الدينية، وكانوا يحترمون المتدينين من أهل الذمة، سواء أكانوا من النصارى أم من اليهود، وكانوا يوظفونهم في حكومتهم، فكان منهم الأطباء والوزراء، وكان المتوكل العباسي على صلابته في دينه وتعصبه للسُّنِّيَّةِ يؤاخذ النصارى على عدم تمسكهم بدينهم، كما فعل مع طبيبه حنين، وكان بلَّغه أنه تفل على صورة السيدة العذراء، فحَدَّه وسجنه.
وفي أيام المعتضد بالله قامت العامة على رجل من النصارى واتهموه بأنه سب النبي، وأحضروه بين يدي الوزير القاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، ولكنه صرفه لتحققه عدم صحة دعواهم.
وقد صلب الخليفة الحكم بن الناصر أحد عماله؛ لأنه بلغه أنه ظلم أحد أهل الذمة.
وقد وصل كثيرون من أهل الذمة إلى مناصب الوزارة، كعيسى بن نسطورس النصراني، ومنشا اليهودي، وكانا من وزراء العزيز بالله الفاطمي، ومنهم إسماعيل بن نغزلة اليهودي الوزير بغرناطة.
بل إن الدول النصرانية كانت تلجأ إلى سماحة الإسلام وعدالته، فقد أرسلت حكومة المجر في سنة ١٦٠٥ مدة السلطان أحمد الأول سفيرًا إلى الأستانة يرجوه أن يجعل المجر تحت حمايته من ظلم النمسا المسيحية واسترقاقها للمجريين.
أما الأحاديث والأوامر الدينية التي توصي بأهل الذمة، فهي كثيرة جدًّا، ولكنَّا اقتصرنا على ذكر الوقائع العملية لتكون أمتن في الحجة على ما فعله الإسبان مع العرب من ظلم لا تسعه مغفرة التاريخ.
(٢) لما فتح المسلمون الجزيرة (العراق) هربت قبيلة إياد ودخلت بلاد الروم، فكتب عمر إلى هرقل بردها، فأخرجها هرقل من دياره، وكان على الجزيرة الوليد بن عقبة، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، فكتب إليه عمر: «دعهم على ألا يُنَصِّروا وليدًا، ولا يمنعوا أحدًا منهم من الإسلام.» ثم عزل الوليد عنهم لسطوته وشدته. فانظر الفرق بين المعاملتين!
وفي مدة السلطان إبراهيم الأول العثماني استولى الأسطول التركي سنة ١٦٤٥م على خانية عاصمة كريد، وكان نصارى الجزيرة يساعدون البنادقة الذين كانوا متسلطين على الجزيرة ضد جيوش الأتراك، وأحرقوا فعلًا مدينة بتراس وغيرها من الثغور، فأراد السلطان إزاء ذلك أن يقتل جميع النصارى بالجزيرة، ولكن المفتي أسعد زاده عارضه في هذا الأمر معارضة شديدة، قائلًا إنه مخالف للشرع الإسلامي، وبذلك لم يقع سلطان العثمانيين في مثل هذه الشناعة التي وقع فيها ملوك الإسبان أمام الله والتاريخ.
(٣) جاء في الجزء الأول من المقري وصف ابن سعيد المؤرِّخ للقاهرة عند زيارته لها في أوائل القرن السابع الهجري، وهو الوقت الذي كانت فيه الحروب الصليبية قائمة على ساقها بين نصارى الغرب الذين أشعلوا في عامة أوربا جذوة الحرب الدينية ضد مسلمي الشام ومصر: «والنصارى بالقاهرة يمتازون بالزنار في أوساطهم، واليهود بعمائم صفر ويركبون البغال ويلبسون الملابس الجليلة.» ومن هذا تعلم أن تلك الحرب — على شناعتها وصبغتها الدينية — لم تحرك حقد المسلمين في مصر والشام ولا في غيرهما ضد النصارى الذين كانوا يعيشون بين أظهرهم، ولم يكن تغايُرهم في زِيِّهم إلا لتمييزهم من غيرهم، كما ميزوا الأشراف بعمائم خضر سنة ٧٧٣ﻫ، زمن السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، وفي ذلك يقول ابن جابر الأندلسي نزيل مصر:
جعلوا لأولاد النبي علامة
إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في وسيم وجوههم
يُغْنِي الشريف عن الطراز الأخضر
وإذا كان قد صادف النصارى أو اليهود شيء من الاضطهاد في بعض الدول الإسلامية، يكون ذلك إما انتقامًا لأثر سيئ ظهر من جهتهم، ليس للتعصب الديني أثر فيه، أو استبدادًا من بعض الملوك الذين لم تقتصر نقمتهم على من خالفهم في دينهم وفي مذهبهم الديني فحسب، بل كثيرًا ما كان ينال ظلمهم كل طبقة من رعاياهم، لسبب أو لغير سبب، وخصوصًا في دول المماليك، ومن ذلك ما أمر به صلاح الدين بن محمد بن قلاوون في سنة ٧٢٤ﻫ، من أن الفلاحين بمصر لا يركبون الخيل ولا يحملون السلاحَ!
(٤) نقل بعضهم عن الإدريسي أنه خرج من أشبونة ثلاثة إخوة من العرب هائمين في بحر الظلمات، جادِّين في الوصول إلى بر وراءه، ويقال إنهم عثروا على جزيرة سكانها حمر، فإذا صح هذا كان العرب أول من استكشف أمريكا.
(٥) انتهت دولة القوط بموت لذريق آخر ملوكهم في حربه مع طارق، ومن بقي منهم اندمج في البشكنس وغيرهم ممن بقي من العناصر الإسبانية في شمال البلاد، كما اندمج كثير منهم في سواد الفاتحين. وكانوا لا يزالون يذكرون هذا اللفظ إلى ما بعد الدولة الأموية، ومن ذلك ابن القوطية، ذلك العالم المسلم الكبير الذي مات سنة ٣٦٧ﻫ، وقد سأل الحكم بن الناصر أبا علي القالي: مَن أنبل مَن رأيته في اللغة ببلدنا؟ فقال: محمد بن القوطية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤