الفصل الحادي عشر

  • حرب جديدة بين الترك والمصريين.

  • فوز إبراهيم باشا.

  • المصير الأخير.

***

لمَّا نَظَّم إبراهيم باشا سوريا، أُتيح للأجانب ولقناصل الدول أن يكونوا أحرارًا في تلك البلاد، وأن يَتَّجِروا بلا عائق ولا مانع مع أن تجارتهم كانت محصورة ببعض الموانئ، ولكن القناصل الذين اتخذوا الامتيازات تكأة لهم ألَّفوا من أنفسهم دولة في الدولة، وكانوا يعطون الحماية لمن أرادوا. وبما أن متاجر الأجانب كانت تدفع ٣ بالمائة ومتاجر الرعاية كانت تدفع ٢٠ بالمائة، فقد أخذ القناصل أكثر التجار تحت حمايتهم ليعفوا من زيادة الرسوم الجمركية، وكان هَمُّ الإنكليز على وجه التخصيص أن يُنقصوا دَخْل الحكومة المصرية حتى لا تستطيع الإنفاق على جيشها وأسطولها فتضعف، فاتهمت محمد علي بأنه يحتكر الحاصلات، واستصدرت من الباب العالي أمرًا بمنع الاحتكار. وكان بعض القناصل الذين لم يدخلوا سوريا قبل الحكومة المصرية يدسون الدسائس السياسية لهذه الحكومة، كالقنصل الإنكليزي فارين في دمشق وزميله فري في حلب، معتمدين في ذلك على الموظفين الترك الذين عُزلوا من الخدمة، وعلى قبائل البدو التي كانت تتناول قبل الحكم المصري الحوة من الحضر والقرى القريبة من البادية، ومن قوافل التجار التي تمر بالبادية، ومن النصارى واليهود.

وفي سنة ١٨٣٤ أرسل سفير إنكلترا في الآستانة إلى سوريا ترجمان السفارة ريتشردوود، لإثارة الأهالي ضد الحكومة المصرية، فلمَّا وصل إلى لبنان اتخذ الخوري أرسانيوس الفاخوري أستاذًا له ليلقنه اللغة العربية، وكان ذلك الخوري (القسيس) من علمائهم المشهورين. واتخذ كسروان في وسط لبنان مركزًا لعمله، فصرف هناك سنتين كاملتين في تلقي اللغة العربية في الظاهر وفي دس الدسائس في الباطن. وتربة لبنان كانت معدة لذلك؛ لأن إبراهيم لم يَفِ بوعده للبنانيين باحترام استقلالهم، فضرب عليهم الضرائب ونزع سلاحهم، فغضبوا لاستقلالهم القديم. ولما هيأ الأفكار انتقل إلى جهة أخرى للغرض ذاته، ولكن هاله توطيد مركز حكومة محمد علي في سوريا، فكتب إلى حكومته يقول: «إن كل يوم ينقضي يزيد في قوة محمد علي، فلا مندوحة عن الإسراع في العمل لإضعافه وهدم سلطته.» ولكن محمد علي كان بعد إخماد فتن سوريا مصممًا على إعلان استقلاله؛ لأنه «لا يفهم كيف يكون التابع أقوى من متبوعه ويظل خاضعًا لإرادته؟ أو كيف يقبل أن يؤلف ملكًا عامرًا ثم يتركه لأحد الولاة يأتي من إستامبول بعد مدة فيهدمه.» وكان محمد علي قد تعهد بأن يدفع للباب العالي عن الأملاك التي يملكها ٣٢ ألف كيس، ولكنه لم يدفع شيئًا من هذه الجزية، فسافر إلى السودان فقالوا إنه فعل ذلك ليتهرب من دفع الجزية وليبحث عن معادن الذهب، فلما عاد من السودان قالوا إنه وعد الباب العالي بدفع ثلاثة ملايين جنيه إذا هو اعترف باستقلاله. وكانت فرنسا تقول معه بهذا الاستقلال وأن يكون الحكم وراثيًّا في بيت محمد علي.

ولكن إنكلترا اقترحت على الدول — فرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا — أن تتفق كلمتُها جميعًا، على أن تمنع محمد علي عن أي عمل يُقْدِم عليه ضد سلطة السلطان محمود. ولما أنذَرَتْه الدول قال إنه يُقْصِر طلبه على أن يكون الحكم وراثيًّا في أسرته، ولكن الباب العالي الذي كان يستند إلى ذراع إنكلترا اقترح على الدول أن يُعين لمحمد علي معاشًا كبيرًا مدى الحياة، وأن يعطيه قَصْرًا للسُّكنى على ضفاف البوسفور.

ولكي تُتم إنكلترا تطويق قوات محمد علي بعد إنذاره بألا يمس بلاد الحبش، وبألا يتفق مع والي طرابلس الذي عصا الباب العالي، احتلت في ١٩ يناير سنة ١٨٣٩ فرضة عدن؛ لتكون هي في الشمال وتركيا في الجنوب، وتبعده عن بلاد وسواحل البحر الأحمر. وعَدَّ الفرنساويون هذا الاحتلال بمثابة المقدمة لاحتلال مصر عندما يحين الوقت، وفي ذلك الحين عرضت إنكلترا على الباب العالي إبرام معاهدة ينص فيها على أن إنكلترا تنضم إلى الباب العالي إذا كان محمد علي أو أحد خلفائه يُقْدم على إعلان استقلاله أو يقوم بعمل عدائي ضد الباب العالي.

وبينما كانت السياسة الأوروبية في شغل شاغل لمَنْع الحرب والقتال، كان الباب العالي يحشد قوته منذ سنة ١٨٣٤ في جهة سيواس.

وكان يتولى تدريب هذا الجيش الجديد الضباط البروسيون: ملباخ، وفيشر، وفون، ونك، والبارون فون مولتك، وآخرون، ويتولى القيادة العليا محمد رشيد باشا الذي قهره إبراهيم في قونيه وأخَذَه أسيرًا. أما إبراهيم فإنه — كما قلنا — جعل أكثر قواته على الحدود لِيَرْقب القوات التركية. وحدث أن الكُرد ثاروا على الترك، فنهض رشيد باشا بقِسْم من جيشه لإخضاعهم، فتوفي بحمى التهاب النخاع الشوكي، فخلفه في قيادة الجيش التركي حافظ باشا الذي أخضع الثوار، ولكن الباب العالي ظل يُرسل الإمداد تباعًا، فأدرك إبراهيم ومحمد علي موطنَ الخطر، فأخذ محمد علي يرسل الإمداد لولده ويعد الأموال اللازمة للإنفاق، حتى إنه حَوَّلَ إلى نفقات الجيش المال الذي أعده لإنشاء مصرف زراعي.

وبدأ حافظ باشا يتحكك بإبراهيم بمنعه القوافل من اجتياز خط الامتياز — أي الحدود — وتحريم المعاملات التجارية مع سوريا. وفي ٢٣ أبريل اجتازت ثلاثة آلايات تركية نهر الفرات إلى بيره، وأخذت تحفر الخنادق في بيره وهي على مسيرة بضع ساعات من خط الامتياز، فأرسل إبراهيم الخبر إلى والده، وأرسل إلى الأمير بشير بأن يتولى حفظ الأمن وخطوط المواصلات في جهة حمص، وأرسل قوة إلى عينتاب لرقابة الترك، وأرسل محمد علي وزير جهاديته أحمد المنيكلي باشا مع الأمداد اللازمة لإبراهيم، ولما ألَحَّ القناصل على محمد علي بأن يحافظ على السلم ويدفع الجزية المتأخرة للسلطان ويظل في طاعته، ردَّ عليهم بأنه يجيب الطلب ويعيد ابنه إبراهيم إلى دمشق إذا انسحبت عساكر حافظ باشا من بيره، وتقهقر جيشُ هذا القائد إلى ما وراء ملطية، وضمنتْ له الدول السلم، وساعدته على أن يكون الحكم وراثيًّا في سلالته؛ بعد أن تجيب الدول هذه المطالب يسحب ٨٠ ألفًا من جيشه المعسكر في سوريا. ولكن المسعى لم يجدِ نفعًا، فإن حافظ باشا زحف بجيشه على الأراضي السورية، وعبر الفرات في ١٧ مايو سنة ١٨٣٩، وعسكر في ضواحي نصيبين، ثم أرسل قوة من الفرسان احتلت بعض القرى السورية، وتقدم القائد العثماني الثاني سليمان باشا واحتل قرى عينتاب حول القلعة المعسكرة فيها الحامية المصرية، ثم أخذ القواد العثمانيون يحرضون السوريين على الثورة ضد إبراهيم، ويوزعون عليهم السلاح والذخائر والمال.

واجتاز الترك نهر الساجور، وهاجموا ٥٠٠ فارس من عرب الهنادي المصريين بقيادة معجون محمد، فانهزم فرسان الهنادي تاركين بيد الترك ٧٠ أسيرًا ما عدا القتلى، فنهض إبراهيم من جانب ومعه سبعُ فِرَقٍ من الخيالة و١٢ بطارية سيارة، وأرسل إلى سليمان باشا الفرنساوي بأن يلحق به مع جيشه، وهو ١٣ فرقة من المشاة و١٥ بطارية.

وفي ٣ يونيو وصل إبراهيم إلى قبالة القرى التي احتلها الترك من الأراضي السورية، فأَخْلَوْها بلا قتال، فكتب إبراهيم باشا في ٨ يونيو سنة ١٨٣٩ إلى حافظ باشا قائد الجيوش التركية كتابًا قال فيه:

إذا كنتم يا صاحب السعادة تلقيتم الأمر بإعلان الحرب، فما فائدة الاسترسال في بث الدسائس وتحريك الفتن؟ وإذا كنتم تودون القتال، فهَلُمُّوا إلى ميدانه بصراحة وإقدام، وأملي أن لا يفوتكم في هذه الحالة أن تعرفوا أنكم تقاتلون أبطالًا لا يَعرف الخوفُ سبيلًا إلى قلوبهم. أما الدسائس التي تمضون في تدبيرها، فإنها ليست مما يُطاق احتماله طويلًا.

فرد حافظ باشا على هذا الكتاب بعبارات مُنَمَّقة، ولكنه حاذر أن يبدي رأيًا صريحًا.

أما محمد علي، فإنه كتب إلى ولده إبراهيم في ٩ يونيو يأمره بأن يسارع إلى طرد الجنود التركية من الأراضي السورية، وألا يتردد في مُنازلة جيشهم الكبير، حتى إذا ما انتصر عليه يواصل الزحف إلى ملطية وخربوط وأورفا وديار بكر. وبعد وصول هذا الكتاب إلى إبراهيم أصدر أمره إلى سليمان باشا بأن يسرع للحاق به، وكان سليمان باشا على ٢٤ ميلًا من حلب، فجَدَّتْ قوته بالسير حتى لحقت بإبراهيم باشا على مجرى نهر الساجور.

أما قوتا الجيشين فكانتا متقاربتين؛ لأن جيش حافظ باشا كان مؤلفًا من ١٧ فرقة من المشاة، وجيش إبراهيم باشا من ١٤ فرقة. وفي جيش حافظ باشا ٩ فرق من الفرسان، وفي جيش إبراهيم ٨ فرق. وفي مدفعية حافظ باشا ٣٠٠ رجل، وفي مدفعية إبراهيم باشا أربع فرق. ومدافع حافظ باشا ١٤٠، ومدافع إبراهيم ١٦٠. وفي جيش حافظ باشا ٦٠٠٠ من المتطوعة، وفي جيش إبراهيم باشا ٢٠٠٠. على أن حافظ باشا صرف شهرًا كاملًا في حفر الخنادق وإقامة المعاقل والحصون، ومَرَّنَ جيشه على الدفاع والهجوم في تلك المنطقة، وشتان بين مَن يقف للدفاع ومن يكلف الهجوم. ولكن جيش إبراهيم باشا كان أتم نظامًا وأكثر ممارسة للقتال. وكان إبراهيم باشا ورئيس أركان حربه سليمان باشا على رأي واحد، أما حافظ باشا ورئيس أركان حربه مولتك فقد كانا على رأيين متباينين. وكان ضباط إبراهيم باشا يحترمونه ويهابونه، وجميعهم قد نالوا رُتَبهم عن جدارة واستحقاق، أما ضباط جيش الترك فإن أكثرهم كان من صنائع الحكام والوزراء في إستامبول.

وإذا كانوا قد قَدَّروا عدد جيش حافظ باشا بضِعفي عدد جيش إبراهيم باشا فلأن الترك كانوا ينشرون جيشهم على خط طويل ليهاجم سوريا من كل جهة. أما القوتان اللتان تنازلتا في ميدان نصيبين وحده فهما ما ذكرنا. ومن الحكايات التي تعطي صورة صحيحة عن هذين الجيشين، أن حافظ باشا سأل أسيرًا من جيش إبراهيم رأيه في المعسكرين، فقال له الأسير المصري بعد أن أعطاه حافظ باشا الأمان: «إن معسكر إبراهيم باشا معسكر جنود، أما معسكركم فهو كمضارب الحجاج. ففي معسكر إبراهيم لا ترى سوى الجنود بسلاحها وإلى جانب خيولها ومدافعها، أما في معسكركم فقد رأيت اليهود والتجار والعلماء والفقهاء، فرأيت البعض منهمكًا بالبيع والشراء والآخر مشتغلًا بالتسبيح والدعاء، وهذا الذي يجعل معسكركم أشبه بمضارب الحج.»

وصل خبر احتكاك الترك والمصريين إلى أوروبا بعد اجتياز الترك نهر الفرات إلى الأراضي السورية وبعد احتلالهم عينتاب، وتأهب إبراهيم باشا لصَدِّ غارتهم، فأوفدت فرنسا رسولًا إلى الباب العالي وآخر إلى محمد علي للوقوف عن القتال، فوصل كايه إلى مصر وقابل محمد علي وأخد منه كتابًا إلى إبراهيم ليقف موقف الدفاع. ووصل فولتز إلى إستامبول فلم يعطِ جواز السفر إلى الأناضول، ولم يشأ سفير إنكلترا أن يؤيد زميله سفير فرنسا في مسعاه لإيقاف القتال، بل أظهر له أنه إذا هو تلقى أمرًا من حكومته في ذلك فإنه يخالف ذلك الأمر ويعمل على الضد. ولم يصل كايه بكتاب محمد علي إلى إبراهيم باشا إلا بعد المعركة وانتصار إبراهيم على جيش الترك. وإليك البلاغات الرسمية عن تلك المعركة الأخيرة التي استند فيها الترك على ذراع الإنكليز والنمساويين، الذين حرضوهم ووعدوهم بأنهم لا يخسرون شيئًا في حالة الانكسار، ويربحون كل شيء في حالة الانتصار.

خلاصة تقارير إبراهيم باشا إلى والده عن تلك المعركة

التقرير الأول (٢٠ مايو سنة ١٨٣٩): كان الجيشان في هذا اليوم في عينتاب على مقربة من بعضهما، وكانت الجنود المخالفة تحتل المدينة بقيادة سليمان باشا والي مرعش، وكانت جواسيس حافظ باشا وأعوانه يحرضون الأهالي على الثورة والعصيان، وجنوده لا تكف عن العدوان، فكان الجيشان في حالة حرب، ولكنا اتبعنا أوامركم وآراء قناصل الدول فلم نقابل القوة بالقوة ضابطين نفوسنا مخالفين ميولنا بالوقوف بلا عمل تلقاء ما يبديه المخالف (العدو) من الاعتداء والغطرسة.

وفي ٢٢ مايو غادرت توزل مع فصيلة من الفرسان وبعض بطاريات خفيفة وأربع أورط مشاة لمداهمة قوة العدو بالقرب من مزار على نهر الفرات، وعند وصولنا حمل الفرسان على العدو وألزموه الفرار، فغنمنا أربعة عشر مدفعًا وخزانة المال وفيها خمسون ألف قرش، وأسَرْنا ٧٥٠، ثم التقينا فيما بين مزار ونسبي بفرقة من المخالفين، فأكرهناها على التراجع إلى مقر جيش حافظ باشا.

وفي ٢٤ رتبنا جيشنا في صفوف القتال تجاه الجيش العثماني في ضواحي قرية نصيبين بالأراضي التابعة لبلاد الشام وعلى مسافة بضعة فراسخ من الفرات، وكان جيشنا مؤلفًا من ثلاثين ألف جندي نظامي، وكان جيش العدو مؤلفًا من ٩٠ ألف نظامي وغير نظامي.

وارتكب المخالفون خطأ كبيرًا جدًّا؛ لأنهم لم يوجهوا إلينا في الصدمة الأولى سوى الفرسان، فقصروا مُهمتهم على مهاجمة المصريين في كل مكان وعلى طول الخطوط، فلم تلبث طلقات البنادق أن فَرَّقَتْهم وأكرهتهم على التقهقر نحو صفوف المشاة، فأوقعوا الخلل في تلك الصفوف، وأدرك الفرسان المصريون ذلك فقاموا بمناورة موفقة، وتحرك في الوقت ذاته الجناح الأيمن من المشاة، فلم يسع الصف الأول من مشاتهم إلا أن يلقوا السلاح ويتفرقوا في كل ناحية وصَوْبٍ، وحينئذ وقع الهلع في المعسكر كله، فلم يُسمع إلا صوت المناداة بطلب النجاة، وترك المخالفون جميع مهماتهم. ولم تحِن الساعة التاسعة حتى كنا متحكمين في معسكر العدو، وقد عثرنا في خيمة حافظ باشا على الفرمان السلطاني الذي يقلَّد فيه ولاية مصر.

واقتفى فرساننا أثر الهاربين، فأسروا أورطًا بأكملها، وسلم كثير من الضباط وسبعة باشوات. والمقدر أن حافظ باشا ذاته لا ينجو من أيدي الفرسان.

والذين أخذناهم أسرى في ساحة القتال خمسة آلاف، ومنهم سليمان باشا والي مرعش وجيشه بأكمله، فخيرناهم بين الرجوع إلى وطنهم وبين الانخراط في سلك جيشنا، فقَبِل خمسة آلاف دخولَ جيشنا، فسيرناهم في الحال إلى الإسكندرية، واتجه شطر من الجيش المخالف الفار إلى نهر الفرات. وقد فات حافظ باشا أن يمد القناطر على مجرى ذلك النهر، فمات ١٢ ألفًا غَرَقًا وهم يعبرونه سباحة. واعتصم قسم كبير من هذا الجيش في جبال عينتاب، فقتلهم البدو والكرد والتركمان. أما جيشنا، فإنه سار متجهًا نحو مرعش وملطية وديار بكر.

من خيمة حافظ باشا: أكتب هذه الأسطر وأنا في خيمة حافظ باشا التي لم ينقل العدو منها شيئًا، وقد استولينا على الأمتعة والمدافع والخزانة، وأسرنا عددًا عظيمًا من العساكر. وإني أود أن أقتفي أثر الأعداء، ولكني لا أجد أمامي أحدًا منهم؛ لأن تفرُّق هذا الجيش كان تامًّا وسريعًا بعد معركة دامت ساعتين. وكان هجومنا عليه من كل ناحية في وقت واحد، وكان على قيادة الميمنة أحمد باشا، وعلى الميسرة سليمان باشا، أما أنا فإني كنت أتولى قيادة القلب. وقد أعاد إليَّ هذا النصر السريع الكامل ما كنت عليه — وأنا في العشرين من عمري — من الانشراح والقوة وسأوافيكم بالتفصيل.
تقرير سليمان باشا: يعد العسكريون معركة نصيبين من أكبر المعارك الفنية، يدل عليها التقرير الذي أرسله إبراهيم باشا إلى محمد علي بقلم الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)، هذا ملخصه:

في ١٨ يونيو خرجنا من معسكر دوببك، فوصلنا بعد يومين إلى مرار الواقعة على مسيرة ساعتين من معسكر الجيش العثماني، وكان زحفنا مواجهة على خمسة صفوف متطاولة من المشاة وصفين من الفرسان. وفي ٢١ قمنا باستكشاف موقعة في ١٥٠٠ فارس من البدو وأربعة آلاف من الفرسان وبطاريتين من المدافع السريعة، فثبت لنا أن موقعه في منتهى المناعة فلا يمكن الهجوم عليه لا مواجهةً ولا مُجابهةً. وكانت تحمي واجهته من الخلف آكام محصنة وعلى قممها المدافع وأمامها ثلاثة معاقل كبيرة، وميمنته تستند إلى ربوة عالية وضعت فيها أورطة من المشاة وفيها معقل، وفي أسفل هذا المعقل بطارية مدافع، وميسرته تستند إلى ربوة باستدارة الثدي وعرة المنحدرات، فكان الهجوم في هذه الحالة من الواجهة وعلى الجناحين عملًا محفوفًا بالمصاعب ولا مندوحة معه من خسارة كبيرة بدون نتيجة مرضية. فرأينا في الحال القيام بحركة التفاف بالعدو من ميسرته وبالزحف عليه زحفًا جانبيًّا.

وفي صباح ٢٢ زحف الجيش زحفًا جانبيًّا بصفوف متطاولة. فبعد مسيرة عشر ساعات وصلنا إلى قنطرة هركون، وكان الترك قد أرسلوا بعض الأورط والمدفعية نحو ميسرتنا، واحتلت ربوة مستديرة على ميمنة جنودنا، وأرسلت آلايًا من المشاة وآخر من الفرسان إلى ميسرة الزحف الجانبي، فاتخذوا موقفهما في اتجاه جانبَي الفيلق التركي، فلم يسَع هذا الفيلق إلا الانسحاب، فاستأنف الجيش المصري الزحف بسكون واطمئنان، إلى أن اتخذ موقفه في قنطرة هركون.

وانقضى يوم ٢٣ يوينو في إعداد معدات القتال، وقبيل منتصف ليل ٢٤ جاء العدو ببطاريتين من مدافع القنابل المستطيلة فألقى على معسكرنا من ٢٥٠ إلى ٣٠٠ قنبلة، فأوقعت بعض الخلل وقُتل جواد الميرالاي محمد بك (أحد ياوران سليمان باشا). والظاهر أن العدو تمكن من معرفة خيمة سليمان باشا، فصب في اتجاهها نارًا حامية، فذهب سليمان باشا إلى النقط الأمامية وأمرها بإطلاق نارها، فانسحب الترك بعدما مُنيوا بخسارة فادحة.

وعند الصباح استأنف الجيش سيره الجانبي منفصلة أورطُه وفِرَقُه بعضها عن بعض. فارتد الترك إلى الوراء وانتشروا على الآكام والروابي خلف معسكرهم القديم، ثم اتجه المصريون إلى ربوة على ميمنتهم وغيروا اتجاه الصفوف، ولكنهم فُوجئوا بنصب بطارية كبيرة على الأكمة التي كانت عندنا مفتاح القتال، وحينئذ بدأ المصريون بالهجوم على جميع الخطوط بكل قواهم، وأخذت مدافعهم تطلق النار الدائمة مع الزحف المتواصل إلى الأمام، فانسحب الترك إلى معسكرهم القديم، فلَحِق بهم المصريون واحتلت مدفعياتهم الروابي، فكانت هزيمة العثمانيين تامة. وغَنِمنا ١٤٤ مدفعًا وصناديق ذخائرها، و٣٥ مدفعًا في حصون بيره جك، وجميع الخيام من خيمة حافظ باشا إلى خيمة أصغر جندي، ومن ١٨ ألفًا إلى ٢٠ ألف بندقية، وأخذنا من ١٢ ألفًا إلى ١٥ ألف أسير. ا.ﻫ.

وأبدى الحرس السلطاني مقاومة عجيبة. ولمَّا دُعي لإلقاء سلاحه والتسليم، أجاب قائده: «إن الحرس السلطاني لا يلقي سلاحه أمام الموت.»

وقد كان سرور إبراهيم باشا بهذا الفوز عظيمًا حتى ضَمَّ سليمان باشا إلى صدره وقبَّله، وكان سليمان باشا ليلة المعركة يَحُضُّ الضباط ويقول لهم: أيها الإخوان الضباط، إني منذ الآن أعين لكم موعد الملتقى غدًا، فعند ساعة الزوال يكون مُلتقانا تحت خيمة حافظ باشا لتناول القهوة معًا. ولم يخطئ سليمان باشا في ضرب هذا الموعد لضباط الجيش المصري.

وأرسل إبراهيم باشا إلى كل والٍ من الولاة بشرى انتصاره، وأمَرَهم بإقامة الأفراح مدة أسبوع، وأخبرهم أنه زاحف على قونيه، وقال سليمان باشا للضباط: «أما في المرة الآتية، فإما أن نذهب نحن إلى إستامبول أو يأتي الترك إلى القاهرة.»

وبعد يومين من المعركة وجيش إبراهيم باشا زاحف إلى ما وراء جبال طوروس، وصل إلى معسكره المسيو كايه مندوب وزير خارجية فرنسا وهو يحمل إليه كتاب والده الذي يأمره بالوقوف، فأطاع الأمر ولم يزد على احتلال مرعش وأورفا.

وفي ٣٠ يونيو؛ أي بعد ستة أيام من معركة نصيبين، توفي السلطان محمود، وكان ضعيف البنية مصابًا بالعلة الصدرية، ونودي بابنه عبد المجيد سلطانًا فأبقى عبد المجيد خسرو باشا في منصب الصدارة. وكان السلطان محمود قد أمر فوزي باشا بالخروج بالأسطول لمعاونة جيش حافظ باشا على القتال، فلما بلغه خبر وفاة السلطان وإبقاء خسرو باشا في منصب الصدارة، وأيقن بأن خسرو باشا هو الذي يحكم لا السلطان الشاب — وخسرو باشا هو عدوه اللدود، فلا يعدم وسيلة للانتقام منه — فَرَّ بأسطوله إلى الإسكندرية وانضم إلى محمد علي باشا.

وهكذا أضاع السلطان محمود حياته وجيوشه وأسطوله في محاربة مصر.

ولما رجع حافظ باشا إلى إستامبول عقدوا مجلسًا لمحاكمته؛ لأنه شرع بالهجوم قبل أن يصل إليه الأمر بذلك، فأبرز حافظ باشا كتابًا من السلطان بخط يده يأمره فيه بالهجوم. وهكذا كان السلطان محمود يخدع السفراء بالتظاهر بالسلم، في حين كان يصدر أوامره السرية بالحرب.

•••

تقدم إبراهيم باشا بعد معركة نصيبين في ٢٤ يونيو ١٨٣٩، فاحتل أورفا ومرعش وعينتاب، وأرسل أعيان الأناضول يهنئونه ويُعربون له عن ولائهم، ولكنه وقف هناك بأمر والده الذي حمله إليه كايه مندوب فرنسا كما كان قد حمل إليه مندوب فرنسا الأمر للوقوف في سنة ١٨٣٣ في قونيه وكوتاهيه.

وفي ٥ يوليو أرسل السلطان عبد المجيد إلى محمد علي يعرض عليه ولاية مصر بالوراثة، فطلب محمد علي هذا الحكم بالتوارث في بيته على جميع البلاد التي كان يتولاها يومئذ. ولكن الدول تفرقت في ذلك آراؤها؛ فروسيا ارتاحت إلى أن يتفق محمد علي والباب العالي، وإنكلترا رأت أن تتفق الدول على نزع سوريا من ولاية محمد على، وهي التي منعته حتى لا يمد يده إلى بلاد الحبشة وطرابلس الغرب، ووضعت يدها على عدن لتقف بوجهه في اليمن، وأبرمت اتفاقًا مع إمام اليمن لهذا الغرض، وآخر مع أمراء الخليج الفارسي لتحول دون امتداد سلطانه على بلاد العربية بعدما وصل عماله إلى البحرين، وهي التي حالت دون اتفاقه مع شاه إيران الذي كان يريد محالفته، وهي التي أعلنت بعد ذلك أن تحصر نفوذه في الأرض الأفريقية، وهي التي اقترحت على فرنسا أَخْذَ الأسطول التركي من محمد علي بالإكراه والقوة بعدما سلم هذا الأسطول نفسه في ١٤ يوليو. ورأت فرنسا أن تضع الدول الاتفاق بين محمد علي والباب العالي ليكون اتفاقًا مضمونًا.

وأنذرت النمسا الباب العالي بألا يبرم اتفاقًا مع محمد علي دون مشاورة الدول الخمس. وكان الباب العالي قد قرر إرسال وفد إلى محمد علي يحمل إليه جوابه على مطالبه، وهذا كتاب الصدر الأعظم الذي كان قد أرسله إلى محمد علي:

إن عظمة مولانا السلطان الممتلئ حكمة وعدلًا — من فضل الله عليه — قال عندما رقي عرش آبائه العظام: «إن باشا مصر محمد علي كان قد ارتكب أعمالًا مُكدرة نحو ساكن الجنان والدي المعظم، فوقعت بعد ذلك وقائع عديدة، حتى إنهم من عهد قريب أخذوا بإعداد معدات العداء، ولكني لا أودُّ تكدير صفو رعيتي وإراقة دماء المسلمين؛ فأنا إذن أنسى الماضي وأغض عنه على شرط أن يقوم محمد علي بواجبات العبودية والتابعية نحوي لينال عفوي السامي. وإني أخوله النشان العالي الشأن الذي يحمله وزرائي الكرام، وأخوله أن تكون ولاية مصر في سلالته.»

وكان الباب العالي يميل إلى إعطاء محمد علي:
  • (١)

    ولاية مصر بالتوارث.

  • (٢)

    ولاية سوريا لإبراهيم باشا.

  • (٣)

    ولاية مصر لإبراهيم بعد وفاة محمد علي، وحينئذ تعود ولاية سوريا للباب العالي.

وقد كان بالإمكان الوصول إلى الاتفاق لولا أغلاط السياسة الفرنساوية التي أرادت إخراج الباب العالي من كنف روسيا، فاضطرت هذه الدولة إلى الانضمام لإنكلترا والنمسا عدوتي محمد علي، حتى انتهى الأمر بأن وضعت الدول الخمس مذكرةً قدَّمها السفراء إلى الباب العالي في ٢٧ يوليو باسم إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، هذا نصها:

إن سفراء الدول موقِّعي هذا يتشرفون بأن يُبلغوا الباب العالي أنهم تلقَّوْا صباح اليوم من حكوماتهم بأن الاتفاق على المسأله الشرقية تامٌّ بينها، فهم يطلبون منه أن يوقف كل قرار قاطع دون مساعدتها؛ نظرًا لما يكون له من المنافع التي يرونها.

فهذه المذكرة — يقول سفير إنكلترا — شجعت الباب العالي وأمَدَّتْه بالقوة لمقاومة محمد علي والدفاع عن مصلحة السلطان، وفَتْح الباب للحكومة الإنكليزية لتعمل ما تراه مفيدًا وصالحًا.

وانقضى شهر أغسطس بالمناقشة والجدل بين الدول، وكانت فرنسا تطلب لمحمد علي ولاية سوريا، فرد اللورد بالمرستون: «إنا لا نتوصل إلى تأمين السلطنة العثمانية إلا بفصل مصر عن تركيا بالصحراء، فليظل محمد علي واليًا على مصر بالتوارث.

وهذا كل ما كان يطلبه، ولكن فلنباعد بينه وبين أملاك السلطنة حتى لا يكون احتكاكٌ بين هاتين القوتين، وأما إذا ظلت ولاية سوريا في بيت محمد علي فكيف تستطيع أوروبا أن تقول إنه لا يقع بعد ذلك حادث يقطع هذا الخيط الضعيف الذي ربط تلك الولايات بتركيا؟»

وأرسل بعد ذلك سفير فرنسا في لندن إلى وزير خارجيته عن سياسة إنكلترا مع محمد علي يقول: «إنها تريد اتِّباع سياسة الإكراه نحو محمد علي، إما ليرجع الأسطول التركي الذي انضم إلى أسطوله، وإما لحمله على قبول ولاية مصر وحدها بالتوارث. وإن قاعدة سياسة بالمرستون التي يُكررها بلا انقطاع أنه يجب اتخاذ الوسائل التي تجعل محمد علي عاجزًا عن الإضرار، وعن أن يجعل ضرباته قاضية على تركيا.»

وظلت المفاوضات دائرة بين الدول بهذا الصدد حتى شهر أكتوبر، ولكنهم لم يصلوا إلى نتيجة، وحينئذ رأى بالمرستون أن يقرِّب بين نظريته ونظرية فرنسا، فاقترح على فرنسا في ٣ أكتوبر أن تضاف إلى ولاية مصر بالتوارث باشاوية عكا، ما عدا قلعة عكا التي تظل تحت حكم الباب العالي؛ لأنها مفتاح سوريا، وأن تبتدئ الحدود من جبل الكرمل المشرف على خليج عكا إلى طبريا، ومن هناك تنحني إلى خليج العقبة إلخ، حتى تظل طريق الحج في يد السلطان، أو بالأحرى في يد الخليفة. ولكن الحكومة الفرنساوية التي كان عليها أن تَقْبل هذا التساهل لم تستطع قبوله في نظر الوزير فرسينه، متابعة للرأي العام الفرنساوي الذي بات وهو لا يقبل قولًا في مؤازرته لمحمد علي؛ لأن انتصارات إبراهيم السريعة ملكت عليه مشاعره، وأصبح اسم سوريا لا يقبل في نظر الرأي العام الفرنساوي انفصالًا عن اسم إبراهيم. فكان يرى أن من الظلم الفاحش حرمانه من فتوحاته، وكانوا فوق هذا كله يقدرون قوته الحربية فوق ما هي في الحقيقة، فلم يحسبوا لضعف خصمه حسابًا في القتال؛ لذلك كان الفرنساويون يعتقدون بأنه مع القليل من المساعدة يلقاها من فرنسا يستطيع الوقوف في وجه أوروبا.

ويقول لنا سفير فرنسا في لندن، الجنرال سبستياني، إنه عندما أعرب للورد بالمرستون عن هذه الآراء، أجابه الوزير بقوله: «وأنا أستطيع أن أُصَرِّح لك — باسم مجلس الوزراء — أن التساهل الذي أبديناه بإعطاء محمد علي قطعة من باشاوية عكا قد قررنا سحبه.» ولما أراد السفير مواصلة البحث والمناقشة قابله الوزير الإنكليزي بالصمت والإعراض. وظنت حكومة فرنسا أن تغيير سفيرها في لندرة بآخر أكثر ميلًا إلى محمد علي، قد يستطيع التأثير على اللورد بالمرستون ويجد الحجة المقنعة، فأوفدت في هذه المهمة المسيو غيزو الذي دافع عن محمد علي من على منبر مجلس النواب، فيكون الرأي العام راضيًا عن تعيينه واثقًا به. فلما قابل الوزير الإنكليزي المقابلة الأولى قال له بالمرستون «إنه سيجعل في دائرة تفكيره جهد ما تصل إليه طاقته، من التساهل مع محمد علي إرضاءً لفرنسا، وليحملها على قبول مبادئ الاتفاق الذي يوضع بهذا الصدد، وأنه لا يقرر شيئًا تقريرًا نهائيًّا قبل اطلاعه عليه.»

وفي أول مارس سقطت وزارة المارشال سولت وقامت وزارة تيرس، ولم يكن أقل ميلًا إلى محمد علي من خلفه، فحاول السفير أن يحمل اللورد بالمرستون على التساهل، واستعان بزميله سفير روسيا وسفير النمسا؛ لأنهما كانا أقل صلابة من اللورد بالمرستون. إلى أن كان ٥ مايو، فاقترح برأي حكومته أن تقسم سوريا بين محمد علي والسلطان، وأن يعطى محمد علي باشاوية عكا حتى حدود باشاوية دمشق وطرابلس. ولما قابل سفير النمسا اللورد بالمرستون، قال له اللورد إنه يسلم باقتراح النمسا لتنضم فرنسا إلى الدول، فإذا أبى محمد علي قبول ذلك، فإن النمسا تنضم إلى إنكلترا وروسيا لاستخدام وسائل الإكراه. ولكن المسيو تيرس أجاب في ١١ مايو أن محمد علي — على ما نعرف من ميوله — لا يسلم بذلك.

وفي الحقيقة إن محمد علي كان يقول لقناصل الدول إنه لا يقبل الشروط التي يقترحونها، وإنه لا يتردد في مجابهة الدول؛ فيسلم بلاد العرب لشريف مكة، ويزيد جيشه مائة ألف، ويصدر الأمر إلى إبراهيم بالزحف على قونيه. ولما أصدر الأمر إلى إبراهيم في ذلك، رد إبراهيم باشا على والده في ٤ سبتمبر أنه لا يوجد وجه لمعاندة الدول الآن؛ لأنه لا يستطيع الاعتماد على جيش الحجاز لما تولاه من التعب. وكيف يكون بالإمكان نقله إذا حصرت إنكلترا السواحل، فضلًا عن وجود عناصر الفوضى والفتن في سوريا. فإذا ظهرت مراكب الدول ضد المصريين في سواحل سوريا، قطعت المواصلات عن جيشه في الأناضول.

وتلا ذلك تقارير الولاة عن أن الرسل الأجانب يملئون سوريا، وأنهم يحرضون الأهالي ويبذرون الأموال على أصحاب النفوذ بغير حساب، ويهربون لهم السلاح.

وفي إبان ذلك كله، كان محمد علي قد طلب عزل خسرو باشا من الصدارة؛ لأنه عدوه الذي يحول دون مصالحته مع الباب العالي، وقال: «إن خسرو باشا لو لم يكن موجودًا لذَهَب هو ذاته إلى إستامبول واتفق مع رجالها على وجوه إصلاح الدولة والنهوض بها.»

فلما عُزل خسرو باشا ارتاحت فرنسا إلى ذلك، وظنت أن مصالحة محمد علي مع الباب العالي باتت سهلة؛ لأن محمد علي رضي بأن يعيد الأسطول للسلطان. فإذا تم هذا تفادت الدول عن عقد مؤتمر في لندن، ولكن إنكلترا لم تنظر إلى ذلك بعين الرضا، بحجة أن فرنسا تلعب دورها في الخفاء وتتجاوز عن الدول الأخرى، وبذلك تكون فرنسا قد قضت على مذكرة الدول بتاريخ ٢٧ يوليو سنة ١٨٣٩، وقد نالت وحدها الفوز في الإسكندرية والآستانة دون الاتفاق مع إنكلترا والدول الأخرى.

وهذه الأسباب كلها دعت اللورد بالمرستون إلى أن يُعجل بالعمل الحاسم. فبعد الاتفاق مع زملائه الوزراء ومع سفراء الدول الأربع، استدعى إليه سفير فرنسا في ١٧ يوليو وسَلَّمه مذكرة مكتوبة، وقال له عند تسليمها إنه لم يشأ أن يقول له ما ورد في هذه المذكرة مخافةَ أن تبدر كلمة تخالف رأيه وفكره. وهذا نص المذكرة:

إن الحكومة الإنكليزية تَلَقَّتْ أثناء جميع المفاوضات التي دارت في خريف العام الماضي أصدَقَ الأدلة وأوضحها وأقطعها؛ ليس فقط على رغبة بلاط النمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا على حب الوصول إلى اتفاق مع الحكومة الفرنساوية على التسوية اللازمة لتسكين الشرق، بل على رغبتها — فوق ما تقدم — في إظهار الأهمية التي تُعلقها هذه الدول على النتيجة الأدبية التي تنجم عن هذا الاتحاد والتعاون بين الدول الخمس في مسألة ذات خطر عظيم، وهي متصلة كل الاتصال بالسلام الأوروبي.

ولكن الدول الأربع رأت — مع الأسف الشديد — أن جميع مجهوداتها للوصول إلى هذا الغرض كانت عقيمة، مع أنها اقترحت مؤخرًا على فرنسا أن تَتَّحِد معها لعرض مقترحات التسوية على السلطان ومحمد علي، وهذه التسوية مؤسسة على الآراء التي أبداها سفير فرنسا في لندن في آخر العام الماضي، ومع ذلك لم ترَ الحكومة الفرنساوية الاشتراكَ للوصول إلى هذا الاتفاق، وعَلَّقت معاونتها مع الدول الأخرى على الظروف التي رأت هذه الدول أنها لا تتفق مع صيانة استقلال الدولة العثمانية وبقائها، ومع راحة أوروبا في المستقبل.

فلم يبقَ أمام هذه الدول إلا أن تَدَع لحكم المستقبل الشئون الهامة التي تَعَهَّدَتْ بتسويتها، وأن تُقر بعجزها وتَدَع سلام أوروبا عُرضة للأخطار التي تتزايد، أو تخطو إلى الأمام دون فرنسا، وأن تصل بوسائلها الخاصة إلى حل مسائل الشرق طبقًا للوعود التي قَطَعَتْها مع السلطان وهي تكفل السلام.

وبين هذين الموقفين، واعتقاد الدول بضرورة الحل السريع لِتَعَلُّقه بالمرافق المتعلقه عليه؛ رأت الدول الأربع اختيار الموقف الثاني، وقد أبرمت مع السلطان اتفاقًا لحل المشاكل القائمة الآن في الشرق.

وعندما وَقَّعَت الدول الأربع الاتفاق، شعرتْ بالأسف الشديد؛ لانفصالها مؤقتًا عن فرنسا في مسألة أوروبية بحتة. والذي يُخفف من الأسف أن فرنسا كَرَّرت تصريحاتها بأنها لا تعترض على التسوية التي تُقِرُّها الدول الأربع، وتَحمل محمد علي على قبولها إذا هو ارتضاها، ولا تعترض على الوسائل التي تتخذها الدول بالاتفاق مع السلطان لإكراه محمد علي باشا مصر على القبول، وأن السبب الوحيد الذي منع فرنسا عن الاتحاد هو اعتماد الدول على الوسائل الإكراهيه ضد محمد علي.

ثم أعربت المذكرة عن الأمل بأن تستخدم فرنسا نفوذها لدى محمد علي ليقبل ما سيعرضه عليه السلطان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١