الليل والجبل

الشخصيات

  • المقهوي العجوز.
  • زوجته.
  • تاجر.
  • فتًى: يبحث عن أبيه في صنعاء.
  • زوج: عائد إلى زوجته وبيته في صنعاء.
  • طفلة: ابنة التاجر.
  • عروس: تقوم بدور ابنة المقهوي.
  • شاب: مُغنٍّ جوَّال.
  • أبوه الضرير: ضارب على الدف.
  • الفتى والزوج والطفلة والعروس: ضيوف ينزلون في الفندق أو النُّزُل الليلي «السمسرة» ويُشارِكون في التمثيل.

الليل والجبل

(مقهاية في وادي الحوبان، تمر بها القوافل الصاعدة إلى صنعاء والهابطة منها، تربض بجوار عين ماءٍ بُنيَتْ عليها قُبةٌ لضريح أحد الأولياء، وأمامها بِرْكةٌ تُروى منها الدوابُّ يُسمِّيها المسافرون «سبيل المزحل»، ترتفع بجانب المقهاية شجرةُ «طولق» عجوز، مدَّت فروعها عليها وعلى السبيل، وبجوارها «سمسرة» تُؤْوي الجِمالَ والدوابَّ. الوقت بعد الغروب، خمدَت الحياة على سطح الجبل الأشَم الذي يبدو من بعيد، وسكَنَت حتى فروع الأشجار المُطلَّة من على الصخور الجهمة العالية، فلا يُسمَع إلا صفير الحشرات الصغيرة يقطعه نعيق البوم ونُباحُ كلابٍ في القرى المجاورة. عُواءٌ كالفحيح المحموم يُدوِّي بين حين وحين في أحشاء الجبل والوحشة ويَتردَّد صداه طوال المسرحية «فيتجلمش»١ المسافرون النائمون على الوسائد والحشايا في مدخل المقهاية المتسع، ويخمَد الصفير، ويسكُن النباح والنعيق وتجفل الدواب، والخيول يرتفع صهيلها خوفًا ورعبًا. خلف المدخل الذي تكوَّم فيه عددٌ قليل من المسافرين الذين فَرغُوا من مَضْغ «القات» وشُرب القهوة، دَرَجٌ صغير تُؤدِّي سلالمه الخشبية إلى أعلى المقهاية، حيث يسكن المقهوي العجوز وزوجته، ويُعِدَّان للزبائن ما يحتاجون إليه من الزاد والشراب. في هذا المكان المرتفع عددٌ من الأرائك والموائد والكراسي، ربما تكون مخصصة للضيوف الممتازين أو لمجالس السمر النادرة. وفي الجانب الأيسر نافذةٌ كبيرة تفتح على شُرفةٍ يمكن أن نرى منها ضوء القمر الفضي الذي بزغ فوق قمم الجبال منذ قليل. السكون شِبهُ تام، يتخلَّله شخير النائمين وأصداء النُّباح والعُواء وضربات أقدام الخيل والجمال والدوابِّ في السمسرة المجاورة. يدخل المقهوي، وهو «شيبة»٢ نحيل، مَحنِي الظهر، له وجهٌ صغير ذو ذَقَنٍ مُدبَّبة متناثرة بالشعر الأبيض كوجه الجَدْي الحزين، يُقلِّب في صندوقٍ خشبي طويل ويستخرج منه حُزمةً كبيرة من الثياب والأمتعة، وقبل أن يفُكَّها تظهر زوجته مسرعةً إليه، وهي كذلك امرأة رسم عليها الزمن نقوش الشيخوخة، وإن كان في سرعة حركاتها وحِدَّة صوتها وإشاراتِ يدَيها وملامح وجهها ما يُكذِّب صحة هذه النقوش.)
المرأة : بنَّدتَ٣ الباب؟

(المقهوي لا يرُدُّ. يحتضن حزمة الثياب التي يحاول إخفاءها.)

المرأة : دائمًا تنسى. آه يا ربي! أعليَّ أن أُذكِّركَ كل ليلة؟

(المقهوي صامت، كأنه طفلٌ مُذنِب، يُطرِق برأسه إلى الأرض، تُواصِل كلامها المندفع.)

المرأة : رحمتكَ يا رب. تعبٌ من الفجر، وعندما يحل الظلام أطفئ المسرجة بنفسي، أطمئن على الباب، أُتمِّم على الضيوف وأُمسِّيهم بالخير، لماذا لا نُغلِقها ونستريح؟ أستريح يومًا واحدًا.

(المقهوي لا يرُدُّ، يشرع أذنَيه كمن يتَسمَّع أصواتًا بعيدة.)

المرأة : ألا تسمعُني يا رجل؟
المقهوي : ألا تسمعين أنتِ؟ (أصواتٌ مختلطة تتردَّد من بعيد.)
المرأة : أَسمَع؟ وإذا تصنَّتُّ مثلَك فمن يعمل؟
المقهوي : حاولي أن تُغلِقي فمكِ وتسمعيه.
المرأة : أسمع، أسمع، عُواء وصفير، صهيل وزفير، نفس الشيء كل يوم وليلة، نفس الأصوات طول العمر.
المقهوي : إنه صوته. اسكتي قليلًا وسوف تسمعين.
المرأة : ولماذا أسكُت أو أَسمَع؟ أهو شيءٌ جديد علينا؟
المقهوي : إنه هو، في كل مرةٍ يرنُّ بصوتٍ جديد، فزعٍ جديد ورعبٍ جديد.
المرأة : تعوَّدنا عليه من سنين، نُصبِح عليه ونبيتُ عليه. أيُّ جديدٍ في هذا؟ (يُسمَع صوت فحيحٍ مكتوم يزداد ارتفاعًا كلما أَوغَل الليل.)
المقهوي : تَعرفِين ما بيني وبينه، حتى الضيوف يُحسُّونه أكثر منكِ.
المرأة : دعهم في حالهم، لم يجفَّ عرقُهم بعدُ، أتُريد أن تُقلِقَهم؟
المقهوي (يتقدَّم نحو الحاجز الخشبي ويُطِل على النائمين) : ها هم يتمَلمَلون.
المرأة : قلتُ دعهم في حالهم. أحلام المُتعَبين من الشمس والصخور والرياح. لم أُصدِّق أنهم ناموا لكي يَكْفوني شَرَّهم.
المقهوي (مشيرًا إليهم) : الطفلة فَتحَت عينَيها ثم تكوَّمَت على نفسها، التاجر تقلَّب على جنبه الأيمن وضَمَّ ابنتَه إلى صَدره، الفتى الباحثُ عن أبيه أفاق وتَحسَّس جَنبيَّته.٤ الزوج العائد لزوجتِه في صنعاءَ هزَّ رأسه ووضع كفَّه على أُذنِه. انظري للشفاه التي تُتمتِم والشفاه التي تتحرك، حتى العروس المهاجرة.
المرأة : لن أنظُر شيئًا، سأذهب لأُطفِئ المِسْرجَة وأُغلِق الباب.
المقهوي : وإذا صَحَوا من نومِهِم فَزعِين؟
المرأة : لن يصحُوَ أحد. اسهَرْ أنتَ مع فزعكَ (صوت فحيحٍ مكتوم).
المقهوي : يا الله! ألا تسمعينَ يا امرأة؟ (تسقُط منه حُزمَة الثياب.)
المرأة : نعم أَسمَع. رَجَعنا لما فات؟
المقهوي : لم نرجع، ولم يفُت. أنتِ تعرفين.
المرأة : مُعزِّية بعد شهرين. مُذكِّرة كل الأحزان؟ ألم نَتفِق على إخفائها في الصندوق؟ (تَهجُم على الحُزمَة وتقبِض عليها.)
المقهوي : لم نتفِق على شيء. هاتِها يا امرأة.
المرأة : تشتهي٥ مأتمًا تنوح فيه؟
المقهوي : قلتُ لكِ هاتِها. ألم تسمعيه؟
المرأة : أَسمَعه كل ليلة، لم ينقطع أبدًا، كلما مات واحدٌ وُلِد عشرة. تَعلَم هذا من زمان.
المقهوي : ولهذا أخرجتُها من الصندوق.
المرأة : لتُقلِّب فيها وتَتذكَّر.
المقهوي : لَمْ أنسَ حتى أتذكَّر. إنما الليلة …
المرأة : تُريد أن تُعلِّقها على الحائط لتُعذِّبني وتُعذِّب المسافرين المساكين. هل تنتظر ابن ذي يزن؟
المقهوي (أخذ منها حزمة الثياب وبدأ يفكُّها ويُقلِّب محتوياتها) : ولماذا لا أنتظِره؟ ألم أقل لكِ إنه سيأتي حتمًا، الليلة.
المرأة : انتَظِر كما تشاء. أما أنا فأشقى، أشقى ليلَ نهارَ حتى أسقط. (تهبط الدرَجَ وتنشغل بترتيب بعض المساند المتناثرة، وجمعِ أوراقِ القاتِ وأغصانه المُلقاةِ على الأرض. تذهب إلى الباب وتُحكِم إغلاقه بالمزلاج. يتقلَّب بعض المسافرين ويفتحون عيونهم ثم يُغمِضونها. تفتَح الطفلة عينَيها وتَتأوَّه. يُطِلُّ عليها المقهوي من فوق الدرَج ويُناجيها ثم ينكَبُّ على أشيائه ويتلمَّسُها كأنها كُنوزُ عروسٍ في ليلةِ زِفاف.)
المقهوي : نامي يا حبيبتي، لا تخافي. إنه جبان، يفح في المزجل وبين الأشجار والمستنقعات، جبان وغدَّار، لكنه لا يقترب، النور عدوه وعندنا نور، لا يهاجم غير المسافر الوحيد، جبان وغدَّار، جبان وغدَّار (يبدأ في استخراج محتويات اللِّفافة ويناجيها) العمامة. وصل إليها الدم أيضًا، والسيف المكسورُ انكسَر مرتَين، مَرةً على الصخر ومَرةً بين أنيابه. والجلباب الأسود، ما زالت آثار الفم الكريه تُلطِّخه، حتى الكيس الجلدي لم يسلَم من عضَّته، كأنه ينتقِم من الرسائل أيضًا، يلوكها في فكِّه ليكشف أسرارها — كما لاك جَسده وجرَّدَه من ثيابه — آه يا ولدي! حذَّرتُكَ فما استمَعتَ. نبَّهتُكَ للخطر الأسود ففتَحتَ له ذراعيكَ. يا جنون الشباب! تحتضن الموت كأنك تحتضن عروسكَ. هل تذكَّرتَ أباك؟ لعنني ولعن آبائي، ثم اشتعلَت فيه النار وأكلَت حطب الشيخوخة والأيام، وانطلقَ زئير الأسد الغاضب من جوف الشيخ الصالح، ما زالت جَنبيَّتُكَ تَنزُّ دمًا، دمه أم دمكَ؟ قتلَكَ وقتَلْتَه، واجتمع الأشبال عليك، ما تركوا إلا العظم، واختلَط ترابُكَ بترابه (يُخرج قطعة ثيابٍ ملوَّثة ويضَعُها على عينَيه ويجهش بالبكاء، يمُد يدَه المعروقة إلى أشياءَ أخرى؛ عقد وأسورتَين وملابس نوم، يَشمُّها ويَسندُها على صدره ووجهه وعينَيه. يَهمِس لنفسه آه يا ابنتي، يا حبيبتي! يبكي، تُعالِجُه زَمجرةُ المرأة من أسفل).
المرأة : يا رجل، يا رجل، ألا تَسمعُ الكلام أبدًا؟
المقهوي : وأنتِ، ألا تسمعينه؟ (يتردَّد صوت صفيرٍ مخيف مكتوم.)
المرأة : ولكني لا أنبُش القبور. دَعْني الليلة أَستريح.
المقهوي : الليلة، نعم. الليلة (يبدأ في تعليق قطع الثياب على مسامير في الحائط، كأنها مخلَّفاتٌ أثرية لمغامرةٍ قديمة. يضع كل قطعة في مكانها بحب وعناية، ومع الدموع تنسكب دندنةٌ من فمه الخالي من الأسنان. المرأة فرغَت من ترتيب «المقيل»٦ في المدخل وصعدَت الدرَج ووقفَت تنظُر إليها. تَزفُر يائسة):
المرأة : الليلةَ أشتهي أن أستريح.
المقهوي : الليلة، إحساسي لا يخيب.
المرأة : فضَّ مأتمكَ أو اجلس فيه وحدك.
المقهوي : تشتهين الراحة. اذهبي بسلامة الله (يواصل تعليق القطع والهمهمة بأغنيةٍ لا نتبيَّن حروفها).
المرأة : وأتركُ البومة تنعق وحدَها؟
المقهوي : لن أكون وحدي.
المرأة (وهي تنصرف) : رحمتك يا رب، رحمتك يا الله.

(تَرفَع يدَها مُحذِّرة.)

المقهوي : أفهم ما تقصدين، سأهتم بالمُعزِّين.
المرأة : ولكن حَذارِ أن تُوقظني، القهوة عندكَ والقات، وإذا اشتهَوا طعامًا فلينتظروا الفطور (يُسمَع صوتُ غناءٍ خافتٍ من بعيد، يشرع أذنَيه ويتلفَّت نحو النافذة).
المقهوي : سَمعتِ؟ إنهم قادمون.
المرأة : قادمون أو ذاهبون. أُريد أن أنام (يقترب الصوت، يتجه إلى النافذة) شيبة ومجنون. رحمتك يا رب، رحمتك يا الله (تختفي وهي تُدمدِم. بعد قليلٍ يتضح الصوت. يخرج العجوز من الشرفة وهو يتمتم عن ساكني صنعا، عن ساكني صنعا حديثكَ هات. يقترب الغناء ويعلو شيئًا فشيئًا ليطغى على دمدمة الرياح وصفير الحشرات وعُواء الكلاب، صوت شيءٍ يشبه صوت حادي القافلة يُصاحِبه طَرقٌ على دفٍّ مخنوق، يقترب الصوت أكثر فنُميِّز أصداءً من الأغنية المشهورة، تنبعِث من حنجرةٍ حزينة على طَرقاتِ الدفِّ ونَغماتِ أنين القيثار):
عن ساكني صنعا
حديثكَ هاتِ وا فوج النسيم
وخفِّف المَسعَى
وقِفْ كي يفهمَ القلبُ الكليم
هل عهدَنا يرعى؟
المقهوي (مُردِّدًا) : وما يرعى العهود إلا الكريم (يُطِل من النافذة، ثم يهبط الدرَج وهو لا يزال يُردِّد الأغنية، طرق على الباب: يا مقهوي، يا مقهوي. يشد المزلاج فيصر الباب، يفتَحه ويُطالِعه وجه شابٍّ عليه آثار السفَر والتراب. تَستقبِلُه نغماتُ الأغنية بصوتٍ يُوشِكُ أن يُوقِظ النائمين: وما يرعَى العهود إلا الكريم).
المقهوي : حيَّا الله، حيَّا الله.
الشاب : حيَّا الله. عِطاشٌ وجائعون.
المقهوي : تفضَّلوا، عندنا الطعام والشراب، تفضَّلوا.
الشاب (وهو يَسحَبُ رَبَابتَه) : مساء الخير، مساء الخير، كريم والله يا مقهوي.
المقهوي (يُحاوِل أن يُنبِّهه إلى النائمين) : وبقيَّة القافلة؟
الشاب (ضاحكًا) : قافلة، ليس معي إلا أبي، ادخل يا أبتاه (يدخُل شيخٌ أعمى، تسبقه ذراعاه اللتان تتحسَّسان الباب).
المقهوي (لا يُخفي خيبةَ أمله) : تفضَّلوا، تفضَّلوا، يدكَ يا والدي.
الأعمى : حياكم الله، حياكم الله.

(المقهوي يجلسه على حَشيَّةٍ في المقيل. يسمع أنفاس النائمين ويقول):

الأعمى : لا تَعتِب عليه يا رجَّال،٧ هكذا حال الشباب. مُشتاقٌ إلى صنعاء.
المقهوي : ومن لا يشتاق إليها؟ يا مرحبًا، يا مرحبًا.
الشاب (يُغنِّي) : وسِرُّنا مكتوم، لديهم أم مُعرَّض للظهور؟
الأعمى : يا ولدي، الصبر جميل.
المقهوي : زينَ ما قلتَ يا والدي، الصبر جميل.
الشاب (رافعًا صوته) : من عشق صبر، وإلا فما جَهدُه واحتيالُه؟
الأعمى : يا ولدي بالله عليكَ، غدًا يظهر سِرُّكَ. غدًا والصبر جميل.
الشاب : غدًا غدًا، من الليلة يا والدي.
المقهوي (سارحًا ببصره) : الليلة؟
الشاب : نعم الليلة، الليلة يظهر السر والمستور (يرفع صوته):
نسيمة لما بي حَرَّكَت لي شَجَن
كادت تُحدِّثني بِسرِّي علَن
فقلتُ ما بِكَ يا نسيمَ اليمن
ما حالُ نازحٍ وسطَ قلبي سكَن٨

(الأعمى يصاحبه بطَرقاتٍ خفيفة على الدُّف، يتوقَّف، يُحِسُّ تردُّد أنفاس النائمين وتُقلِّبهم على الفراش، تَفتَح الطفلة عينَيها وتجلسُ وتُنادي على أبيها، يصحو.)

(الأب مُستنكِرًا ثم تتبعه أصواتٌ غاضبة في البداية ثم مندهشة.)

صوت : نامي يا ابنتي، نامي.
صوت : زمَّار وطبَّال.
صوت : طلع الفجر يا مسلمين؟
صوت : القمر في السما طالع، الحمد لله.
صوت : الحمد لله، الحمد لله، كاد يخنُقُني ويكتُم أنفاسي.
الشاب (يلمح العروس تجلس في فراشها متيقِّظة وهي تتأمَّله بإعجابٍ فيُطلِق صوته) : نسيمة لما بي حركَت لي شجن.
المقهوي (منتشيًا) : كادت تُحدثني بسري علَن.
الشاب (مُصفِّقًا بيديه) : الليلة، نَكشِف سِرَّكَ يا مقهوي، هيه، هيه. (ثم ناظرًا للفتاة) الليلة نَسمُر ونُغنِّي، نَسمُر ونُغنِّي حتى الفجر.
الأعمى : يا ولدي، الناس جاءت لتنام.
الشاب : بل لتَصحُو وترجِّع معنا يا أبي:
يا ربة الصوت الرخيم رجِّعي
وافشي هواكِ قبلي وذيعي
صوت (من أحد النائمين) : ويا حمامات الغصون أسجعي.
المقهوي : وطارحيني في سجوعي.
الشاب : ويا غُصون البان نوِّحي معي.
المقهوي (مُوشِكًا على البكاء) : وشاركيني في ولوعي.
الأعمى : يا ولدي.
الشاب : اسكُت يا شيبة! نجونا منه بأعجوبة.
الأعمى : يا ولدي، الناس نيام.
الشاب : نجونا منه ونجاهم ربي، هل أخطأتُ يا إخوان؟ (أصواتٌ مختلطة، صحا الجميع الآن وبدءوا يتابعون الغناء والضجيج، يتساءلون ويردُّون في نفسٍ واحد ويُصفِّقون ويُدندِنون ويُثرثِرون.)
صوت : أنتم أيضًا؟ الحمد لله.
أصوات : الحمد لله، الحمد لله.
الشاب : لولا الوالد لوقعنا في فخه.
صوت (ضاحكًا) : لا بُد أنه رآه قبلكَ.
الشاب : قلتَها بنفسكَ، ظل فحيحه يُطارِدنا وأنا أُطارِده بأُغنيتي، حتى بَرزَ وجهه الأَسْود من خلف الصخرة وكِدتُ أشمُّ أنفاسه.
الأعمى : وجذَبتُه من ثوبه وصِحتُ: ابتعِد عن المزحل.
الشاب : شرعتُ رَبَابتي لأضعَها في فكِّه، شدَّني أبي وهو يصيح.
الأعمى : يا ولدي، هذا وَحشٌ يبتلع السيف.
الشاب : معي ربابتي يا أبي.
الأعمى : لو معكَ سيوف الأرض جميعًا، سيَبتلِعُها يا ولدي.
الشاب : ستُخيفه أُغنيتي.
الأعمى : مغرورٌ مجنون، أتُخيف أغنيتُك من لا يخاف الله؟
الشاب : سيظُن أنها قافلة، وهو جبانٌ لا يُهاجِم إلا المسافر الوحيد.
الأعمى : لكنه غدَّار يا ولدي، هيا نبتعد عن المزحل.
الشاب : وتخفَّينا خَلْف صخرة، صخرةٍ عالية ملساءَ لا تتسلقها حتى النملة، ورفعتُ صوتي.
الأعمى : وأنا أُحذِّركَ وأتوسَّل إليكَ.
الشاب : وأنا أُغنِّي ألف أغنية وأُصدِر من فمي وربابتي ودُفِّي ألف صوت.
صوت (أحد المسافرين) : حتى صدق.
الشاب : ورأيتُه يبتعد ويجري بين المنحنيات.
صوت : لا بُد أنه لجأ لعرينه، ألم تسمعوا فحيحه بعد ذلك؟
الشاب : أسودُ مسمومٌ كفحيح الريح المجنونة في ليلٍ ممطر.
صوت : نجَّاكم ربي، نجَّاكم.
صوت : لولا القافلة لضِعنا.
صوت : ولكنتُ الآن ببطنه أو في بطن عياله.
صوت : أولاده يَرعَون معه، يُخرجهم معه ويُدرِّبهم كل ليلة.
المقهوي : كل ليلة، كل ليلة.
صوت : لطَف الله بنا.
صوت : أكرمني لأجمع مالي من فم وحشٍ آخر.
صوت : لأجد عيالي. ابن أو بنت. العلم عند الله.
صوت : كي ألقى وجه أبي، هاجر منذ سنين.
صوت (الطفلة) : الله كريم، كي أحضن أمي والمولود.
صوت : ويُزف عروسانِ الليلة.
المقهوي : الليلة.
الشاب : الليلة، نحتفل ونَسمُر.
المقهوي (لنفسه) : أَحتفِل، وآخذ ناري.
الشاب (مُصفِّقًا ومُغنِّيًا) : عواقب الصبر الجميل تُحمَد، فيها المُنَى (أصوات تصفيق وترجيع) تُحمَد فيها المُنى.
الشاب (للمقهوي) : هيا يا صاحبي.
المقهوي : جمنة٩ قهوة؟
الأعمى : ومدَّاعة.١٠
أصوات : وقات.
أصوات : قات على حسابي.
أصوات : قات على حسابتي.
الشاب (رافعًا صوته بالغناء. أبوه يُوقِّع على الدف) :
إنَّ صاحبي مثل روحي،
وإلا فلا كان صاحب.
والصاحب الجيِّد وسلة.١١
أصوات (تُردِّد) : لحين تبدي البوادي١٢
الشاب : وحينما تحتضي له.
أصوات : يشرِّفكَ في البوادي.

(المقهوي والأعمى تخالطهما أصواتٌ أخرى):

على ولد زايد١٣
وفي السنين المحيلة.
(الجميع يستعدون للسمر. الطفلة تضحك وتُقبِّل وجه أبيها. الفتاة تغالب خجلها وتداعب شرشفها١٤ بينما يتفرَّس فيها المغنِّي بإعجاب، التاجر يُقلِّب جرابه باحثًا عن شيء ثم يخرج يدَيه فارغتَين ويتَنهَّد، الأب يناوله سيجارة، يشكره ويُحيِّيه، تتردَّد أصوات: حيَّا الله، حيَّا الله، مساء الخير يا جماعة، مساء الخير يا جماعة، يغتنم الشاب فرصة غياب المقهوي ويتَجوَّل في المقيل، يلمح الدرَج فيتجه نحوه ويلاحظ الثياب المعلقة على الجدران، يتأمَّلها ويُناجي نفسه، يعود المقهوي حاملًا «جمنة» قهوة و«مداعتَين» كبيرتَين، تصحو زوجته على الأصوات والضجيج وتندفع داخله، تُلاحِظ جو السرور المُتفشِّي بين المسافرين الذين كانوا نائمين قبل لحظات فتَكتُم صياحها.)
المرأة : قهوة، وقات؟
صوت : طاب السهر يا حاجَّة.
صوت : نشكُر الله الذي نجَّانا.
صوت : والفضل لله وللمقهوي.
صوت : وللمُغنِّي على الربابة.
صوت الأعمى : والشيبة صاحب الدُّفِّ لا تنساه.
صوت : تفضلي يا حاجَّة، لا يحلى السهر من غيرك.
المرأة (بغضب لزوجها) : الديب ما يأكل الشاة، إلا إذا الراعي أهيس١٥.
المقهوي : اسكُتي يا امرأة.
المرأة : سأسكُت، الثور لا يتعلم أبدًا.
المقهوي : قلتُ اسكُتي.
المرأة : تَدورُ في الساقية، وتفرح بالنُّواح.
المقهوي : تعرفين ما أُريد، اجلسي إذا شئتِ أو اذهبي.
المرأة : سأجلس، وستعرف في النهاية عواقب السهر والسمر.
المغنِّي (هابطًا الدرَج. يُلاحِظ ما بين المقهوي وزوجته. يرفع صوتَه بالغناء) :
لو تشتغل بالله يا قلب إن كان مستريح،
وخَلِّ خلق الله على الله إن يكن دينك صحيح.
مساء الخير يا حاجة.
المرأة : مساء الخير.
المُغنِّي :
أسأل من الله المعطي السميع،
أن يصبح الشمل بك جميع.
الأعمى (على دُفِّه) :
بالمصطفى الشافع النفيع،
محمد الغوث في القيامة.
المُغنِّي (مواصلًا) :
للناسِ إن ضاقت الخنوق،
صلاة ربي عليه مدامة،
والآل ما لاحتِ البروق.
أصوات : عليه الصلاة والسلام.
المُغنِّي : اسمع يا مقهوي الخير.
المقهوي : نعم يا صاحب الصوت الرخيم.
المُغنِّي : الليلة تطيب الأسمار، وتُروَى الأشعار.
المقهوي : حرفتك يا جار، والجار يخطي علينا، وليس نخطي على الجار.
المُغنِّي : إن كنتُ أنا الراوي، فأنت كاشف الأسرار.
المقهوي : ماذا تَقصِد؟
المُغنِّي : يا صاحبي أنتَ صاحب هذه الدار، والدار بها أسرار (يشير إلى الثياب والأشياء المعلَّقة على الجدران، يلتفِت الحاضرون إليها ويَتعجَّبون).
أصوات : في الدار أسرار، ومن فمك يا جار، يحلو لنا التذكار.
المقهوي : حتى ولو فيه ألم، والكاس مُر مَرار؟
المُغنِّي : الكاس علينا تدور، مهما يكون ابن آدم، لا بد ما المقدور.
(تُسمَع صيحات الطاهش١٦ من بعيد، تَتخلَّل الحوار التالي كأنها حدُّ السيف المعلَّق فوق الرءوس.)
المقهوي : سمعتم؟
صوت : وحش غدَّار، نجانا منه الله.
المقهوي : غيركم لم ينجُ منه، هل تريدون …؟
المغني : نعم نُريد، باسم الحاضرين والغائبين.
المقهوي : الحكاية تطول.
المغني : أنا الحكواتي، وأفهم في التمثيل.
المقهوي : نبدأ بذكر الله المعطي السميع.
المغني : والمصطفى الشافع النفيع.

(المقهوي يتجه إلى الدرَج ويصعَد عليه، يجمع قِطَع الثياب وبقية الأشياء مِن على الجدران، يكون الجميع قد تحلَّقوا في دائرةٍ فيضعها أمامهم. تتردَّد صيحة الطاهش من بعيد. تجفل الدوابُّ في السمسرة ويُسمَع صهيل الخيل.)

المقهوي : سمعتم صوته يا إخوان، وهذه ضحاياه (ينثُر الثياب والأشياء أمامهم).
المغنِّي : العمامة عليها دم.
صوت : والجلباب الأسود.
الطفلة : الله، سيفٌ مكسور، سآخذه يا أبي.
أبوها : اسكُتي يا بنت.
صوت : وكيس عليه دم.
المقهوي : ورسائل لم تصل لأصحابها.
صوت : وثوب امرأة.
المرأة : يا حسرتي يا ابنتي، دمكِ على رأس أبيكِ.
المقهوي : الله بيني وبينك، وستحكُمون يا إخوان.
المغني : سنَعرِف البريء والمُدان، ونحكم بالعدل والميزان.
المرأة : الحُكم يا ولدي لله (تبكي).
المُغنِّي : آمنَّا بالله، هيَّا يا مقهوي.
أصوات : هيَّا، هيَّا.
المرأة : حرام نَبْش القبور.
المقهوي : ليتهم استراحوا في القبور (يُسمَع فحيحٌ بعيد).
أصوات : من هم يا مقهوي؟ بالله اكشِف لنا المستور.
المقهوي : أرواحُهُم تهيم حولكُم وتدور.
المغني : أقرأ لنا الكتاب، ليسمع الأحباب، نادي على من غاب، يا صاحب الجلباب، اطرق علينا الباب.
المقهوي : رأيتُه قبل أن يطرق الباب، كانت ليلة كهذه الليلة، نام المسافرون في هذا المكان كما تنامون، وخيَّم السكون على الجبال والأشجار والظلال، وعلى ضوء القمر رأيتُ شبحه يسابق الريح ويطارده الفحيح، اقترب من ينبوع الماء وشرب حتى ارتوى، تبيَّنتُ شبحه على الضوء الفضي، شابٌّ في مقتبل العمر، حافي القدمَين يلبس السواد وحول خصره جَنبِيَّةٌ وسيفٌ يتدلى من حزامه، تنحنحتُ ففزع من صوتي والتفَّت نحوي.
المغني (مشيرًا إلى الفتى الجالس في الحلقة) : هيَّا أيها الشاب.
الفتى : لكن.
المُغنِّي : تكلَّم معه قبل أن تطرق الباب.
الفتى (يتلجلج قليلًا ثم يسأل) : مَن؟ مَن هناك؟!
المقهوي : أنا المقهوي.
الفتى : هل لديكَ قهوةٌ ساخنة؟
المغني (هامسًا للشاب) : وعَشاء، أنتَ جائع ولا تنسَ العَشاء.
المقهوي : نعم وفِراشٌ وثير.
المغني : أنت مُتعجِّل وتريد أن تُوصِّل البريد للملكة قبل طلوع النهار.
المقهوي : جزاكَ الله يا مُغنِّي، تعرف الدار وأهل الدار.
المغني : وأفهمُ لغات العيون والطيور والأشجار.
الفتى : لا حاجة بي لفِراشكَ الوثير، انزل وافتح الباب.
المقهوي : وفتَحتُ الباب، تفضَّل يا ولدي، البرد شديد، اقضِ الليلة معنا، عندنا ما تُريد.
الفتى : لا أستطيع؛ فالطريق بعيد.
المقهوي : الليل مُخيفٌ وأنتَ وحيد.
الفتى : لا بُد من السفر الليلة، معي بريد.
المقهوي : اطرح حملكَ يا ولدي وانتظر الفجر.
الفتى : حملي لن يَبرَح ظهري، لا بُد من وصوله قبل الفجر.
المقهوي : طيش شباب وحماس. قلتُ لنفسي ربما يعبُر الطريق لأول مرة ولا يدري شيئًا عن أخطاره، لا تنفع معه الحُجة واللين، فلْآمر بعشاءٍ ساخن، لعله يتدفأ ويسترخي حتى الفجر، يا امرأة، يا فاطمة.
المغني (مشيرًا إلى زوجة المقهوي) : وتُجيبين: نعم، نعم، عندنا ضيوف.
المرأة : بل أقوم من نومي صارخة: ضيوفٌ في هذه الساعة، أَعِدَّ له القهوة بنفسِكَ.
المقهوي : بعد أن تُعِدِّي له الفرخة والخبز في الحال.
المغني (مشيرًا إلى الفتاة) : وتصحين من نومكِ على صياح أمكِ وأبيكِ.
المقهوي : وتُحضِرين المصباح الزيتي وتقولين مساء الخير.
المرأة : لم تقل شيئًا، جاءت تَتعثَّر في أطياف نومها وخجلها، وعيناها مغمضتان.
المغني : أما أنتَ فتفتح عينَيكَ.
الفتى : بل أفتح قلبي للنور.
الفتاة (ضاحكةً للمغني) : وأنا أيضًا لم أُغمِض عَينيَّ.
المغني : السنا لاح، والشذا فاح.
المقهوي : انتظر يا مُغنِّي، جلسنا في انتظار العَشاء.
المغني : قبل أن نسمع ما تمَّ بينكم وما دار، نتركُ الأشعار، وعزف الأوتار، تنطق بما كان بين العيون من حوار:
ساقني القدَر مضى زماني في شَرَكِ حباله،

إيش ذا الحوار وإيش هذا السحر في نباله.
الفتى (للفتاة) :
صدقتَ والله يا مغني
النار شبَّت بقلبي فانشد بحبي وزدني.
المغني :
جنانية مثل القمر حورية
تزري بحور العين فردوسية
بحسنها لي ملهية مسبية
إن همت فيها ما عليَّ جناح
الفتى :
غزال تلحظني بألحاظ ريم
رفَّت معانيها كمثل النسيم
لها كلام يطرب ونغمة رخيم
يهزني مثل اهتزاز الرماح
المغني :
في صدرها الفضي تفاحتين
وجيدها السامي ككأس اللجين
والسحر ينفث به من المقلتين
وفي لماها البرق لألأ ولاح
الفتى :
ناديت حين لاحت بداجي الشعر
موردة أو جانها بالخفر
من ألِّف الماء في الخدود والشرر
ومن جمع بين المسا والصباح
الفتاة (ضاحكة) : أحقًّا هذا ما صار؟
الفتى (بإعجاب) : وكُلُّ ما تقوله أشعاري شرارةٌ واحدة من ناري.
المقهوي : انتظروا، انتظر يا مُغنِّي الأشعار، جلسنا ننتظر العَشاء، ونتكلم عن الدنيا وعجائب الأحوال والأنباء، لا أُخفي عنكم أنني شَعرتُ بما دار بينه وبين ابنتي من حوار.
الفتاة : أنا لم أتكلَّم حتى الآن.
المقهوي : قلبُ الأم والأب يا ابنتي.
الفتى : ولم تكوني وَحدكِ ابنته.
المقهوي : أخذتُ أنظر إليه وأُكلِّمه كأنه ابنٌ غائب عاد من الأسفار، وجاءت فاطمة بالعَشاء فظل ينظر إليها ويَغرِف من عينَيها الزاد والماء، أشرتُ لابنتي فانسحبَت في حياء (تنسحب الفتاة) سألْتُه: من أنت يا بُني وما شأنُك؟ قال: هل تعرف ساعي بريد الملكة أروى؟ قلت: الحاج صالح؟ قال: نعم. قلت: الرجل الطيب الذي يزورنا كل شهر؟ قال: نعم، نعم. قلتُ: وماذا يُجبِركَ على السفر وحيدًا بالليل؟ قال: أبي مريض، والبريد عاجل لا بُد من وصوله قبل الفجر. سمعنا الصوت المخيف يُفزع الليل والجبل والنجوم. قلتُ: ألم يُحذِّركَ من الأخطار؟ قال: معي سيفي البتَّار. قلتُ: يا ولدي، ألم يُخبِركَ عن الطاهشِ الجبَّار؟ قال: لا، القبيلي لا يخاف، ومن معه سيفه لا يُضار. ربَّتُّ على ظهره وقلتُ: يحميكَ الله يا ولدي، لكنه وحشٌ غدَّار. ألم تسمع صَوْته المسموم؟ فما بالُكَ بوجهه المشئوم؟ ليتكَ سافرتَ مع قافلة؛ فهو لا يُهاجم إلا المسافر الوحيد. جاءت ابنتي ووضعَت جمنة القهوة أمامه (الفتاة تفعل هذا) نظر إليها واحمرَّ وجهه وقال: ليس وحيدًا من سَحَره هذا الجمال. أطرقتُ برأسي إلى الأرض وأشرتُ إلى ابنتي فتراجَعَت في هدوء (تتراجع الفتاة). يا ولدي بالله عليك. قاطعني: أرجوك اجعلني ابنَك. قلتُ: أنت في مقام ابني الذي يطلب العلم في زبيد. مَدَّ إليَّ يده وقال: إذن فاجعلني أخاه. لم أفهم قصده. اندفع يقول: جئتُ إليك وحيدًا حُرًّا ولا أريد أن أخرج من عندك إلا ويداي ورجلي في القيود! ماذا تقصد يا ولدي؟ قال: عِدْني أن أُصبح منذ الساعة ابنكَ. أخطبُ منك ابنتكَ فقل وافقت وباسم الله. وحين أعود ستجد أبي يخطبها منك. أمي ماتت منذ سنين. قلتُ: يرحمها الله. لكن الأمر … وقَف وقال: لا وقتَ لديَّ، وسأذهب من فوري الآن. قلتُ: تمهَّل يا ولدي. أتوسلُ بالله وأستحلفكَ بحق نبيه. ابقَ الليلة لا تُهلِك نفسَك.
المرأة (باكية) : وتضَرَّعَت إليه: ارحم زهرة عُمركَ يا ولدي، ارحم شيخوختنا، ابقَ الليلة معنا والفجر قريب، اسمَع نُصحَ أبيكَ وأمك.
المقهوي : لن نغتفر لأنفسنا هذا الذنب، لن يغفره الله ولن يغفره والدك الطيب. ضَحِك وقال:
الفتى : إني قَبليٌّ ومعي سيفي.
المقهوي : الوحش مخيفٌ يا ولدي.
الفتى : إن خفتُ فهل تغفر فاطمة خوفي؟
المقهوي : ناديتُ على ابنتي: يا فاطمة يا فاطمة (تحضُر الفتاة).
الفتاة : أمركَ يا أبي.
المقهوي : هذا الفتى خَطبكِ مني يا ابنتي. لكنه يريد أن يرحل الآن ولا يعود.
الفتى : بل أعود بعد أيامٍ ومعي أبي.
المرأة : وهل يعود من يقابل الطاهش؟ نمِ الليلةَ هنا في أمان.
الفتى : لا آمن غضَب الملكة.
المرأة : غضَبُ الطاهش أدهى وأشد، ارحم يا ولدي دمعة شيخَين، ارحم دمع عروسِكَ.
الفتاة : أنا لم أبكِ يا أمي، لم تدمع عيني.
صوت : لم تدمع عينُكِ؟ ألم تُحذِّريه؟
الفتاة : نظرتُ إليه ونظر إليَّ. هل ظهرت الدموع في عيني؟ لا أدري، ضمَّنا عناقٌ في ومضة كالبرق، رأيتُني أضع رأسي على جناحه، نُحلِّق فوق قمم الجبال ونَسبَح بين النجوم ونحيا قبل الميلاد وبعد الموت.
المغني :
عقد الهوى مبروم،
أكيد ما ينقضه مَرُّ الدهور.
الفتى :
ساقَني القدر.
مضى زماني في شرك حباله.
وأطبق عليك الجفون،
حتى لا يراك دوني،
وإن شاكلتك عينيا،
قلعت السواد منهم.
الأعمى :
امشي بحال الأعمى
حتى خبيك عنهم
المقهوي : دوَّت صيحة الطاهش.
الطفلة : هو يصيح الآن، أبي.
أبوها : اسكُتي يا بنت.
الطفلة : أخاف يا أبي.
أبوها : الطاهش هناك في الجبل البعيد، نحن هنا في أمان.
الفتاة : انتفض كنسرٍ مجروح، سقطتُ ورفرف قلبي المذبوح، هل يبكي الحمام؟ ربما طَفرتِ الدموع وأنا أراه يُحلِّق ويرتفع، يتحسَّس خنجره ويستلُّ سيفه من جرابه ويصيح صيحة الحرب في جنون.

(الفتى يصيح صيحة الحرب ويشرع سيفه في يدٍ وخنجره في يدٍ.)

المقهوي : نبكي، نتوسل.
المرأة : إن لم ترحم نفسك، فارحم شيخوختنا.
المقهوي : وارحم دمعَ عروسِكَ.
الفتى (للفتاة) : من أجلِكَ أذهب.
الفتاة (للفتى) : وتعود.
الفتى : وأُقدِّم مهري وهدية.
الفتاة : أي هدية؟
الفتى : أشبال الطاهش مشوية!
الفتاة (تضحك بافتخار) : أقبلها منكَ بلا دية.
الفتى : جِنِّيٌّ يُهدي جنِّية.
المقهوي وامرأته (للفتاة) : أتضحكين؟
الفتى : وأدعوكم أن تضحكوا معنا حتى تسيل الدموع.
المقهوي : لم نضحك ولكن سالتِ الدموع، شرع سيفه وأخذ يُلوِّح به في وجه عدوه. ناديت: يا ولدي، لا تضرب إلا أن تتمكن منه.
الفتى : لا تخفْ فقد صرعتُ طاهشًا من قبلُ.
المرأة : يموت طاهش ويُولد طاهشٌ جديد، عُد يا ولدي.

(ينصرف الفتى.)

المقهوي : عُد يا ولدي، عُد يا ولدي، يئستُ ورحتُ أتابعه بعيني وهو يختفي مسرعًا كما جاء. أردتُ أن أُغلق باب الشرفة فلاحظتُ ابنتي تُحدِّق في الظلام وتتمتم. كان يشعُّ من عينيها بريق كأنه سراج الأمل يهديه على الطريق، غاب في منحنيات المزحل. وغاب القمر الفضي وراء الجبال. بعد قليل سمعنا طرقعة الحصى تحت أقدام الوحش ودوَّت صيحة الحرب في جنون. ما هي إلا لحظات وانفجَرتْ فرقعة السيف.
الفتاة : عرسي الليلة، عرس الدم.
المرأة : ادعي له يا ابنتي، نجِّه يا رب.
المقهوي : يا رب، خمدَت كل الأصوات، إلا صوتًا يرتطم على الصخر كما تسقط شجرة، سَطعَت في عين ابنتي المسكينة شعلة نار، وتوهَّج برق وانطفأ شهاب.
المرأة : وا حسرتا عليكِ يا ابنتي!
الفتاة : لم أبكِ ولم أذرفْ دمعة.
المقهوي : بل أخذَتْها حُمَّى الضحك المجنون.
الفتاة (تضحك بجنون) : عرسي الليلة، عرس الدم.
المرأة : طوَّقتُ جسدها وضممتُها إلى صدري.
المقهوي : أسرعتُ إليها وبكيت، هل لامستم جسدًا يتحول جمرًا؟
المرأة : الحُمَّى يا حبيبتي.
المقهوي : دوَّى صوت الطاهش، صوتٌ أسودُ محموم، جُحر أفاعٍ وذئاب وضباع.
أب الطفلة : والفتى؟ ألم تهبط إليه؟
المقهوي : أهبط إليه؟ في الليل الموحش يغلي الوحش كبركان، تتحول كل الأشياء الراقدة وحوشًا تتربص بالإنسان. الجبل القانت والليل الصامت والقمر الشامت والظل الخافت والوديان. والطاهش وحشٌ يزأر في السجن الواسع، في الليل يسحب ضحيته إلى عرينه، بعد أن ينطحها ويفصل رأسها عن جسدها ويُجرِّدَها من ثيابها. عريانةً تقع بين أنيابه ومخالب أشباله. ماذا يفعل شيخ مثلي وعجوز؟
التاجر : والجلباب والعمامة؟
المقهوي : والكيس والسيف المكسور.
الطفلة (باكية) : أريد السيف يا أبي، السيف يا أبي.
أبوها : اسكُتي يا بنت، اتركيه في مكانه.
المقهوي : لما طلَع الفجر جررتُ خطاي على الدرب الوعر. اختفى الفتى في ليلة عرسه. شدَّه الوحش إلى عرينه، أما آثار العرس فما زالت فوق ثيابه، بقع الدم اللزجة دافئة فوق الجلباب، مُتخثِّرة في حد السيف المكسور، متناثرة فوق بريد الملكة، وعلى الجنبيَّة لُطَخ سوداء (يُقلِّب في القِطع التي أمامه وكأنه يعرضها على الحاضرين).
صوت : دم الطاهش.
المقهوي : لا يعلم إلا الله من القاتل والمقتول!
أصوات : نجانا الله، نجانا الله.
المقهوي : الطاهش فكٌّ مفتوح.
التاجر : قبرٌ جوعان.
المرأة (باكية) : لا تنبُشوا القبور، حلَّفتكم بالله لا تنبُشوا القبور.
المغني (يقترب من المقهوي ويضع يده على ظهره ويبدأ الغناء) :
سبح ذا البقا،
إن غايبك لا يعود،
قد زار القبور واللحود.
المقهوي (مسترسلًا في البكاء) :
قد كان في الكتاب مسطور،
حِرْمانهم حتى من القبور،
يبقى الله ويفنى البشر،
ما للعبد من مَفَر.
أصوات : حيَّاك الله يا مُغنِّي، حيَّاك الله يا والدي.
أصوات : يا مقهوي صبرٌ جميل.
المغني : عواقب الصبر الجميل تُحمَد فيها المُنَى.
أبوه الأعمى :
يقول على ولد زايد: لا بد من داعي الموت.
ما يأمن الدهر عاقل،
ولو سَبر واستوى له.١٧
المقهوي : آه! لا هو سَبَر، ولا استوى له.
المرأة : والفكُّ جوعان ونابه حادَّةٌ وقوية.
المقهوي : والقبر مفتوح وله في كل ليلةٍ ضَحيَّة.
الفتى : ورجعت بالسيف وبالجلباب والجنبيَّة.
صوت (ضاحكًا) : إن كنتَ أنتَ الطاهش فأين هي الضحية؟
أصوات : سبحانه جل علاه، له معجزاتٌ في البريَّة.

(يضحكون ثم يغرقون في الصمت.)

المقهوي (يحاول أن يضحك. يزمُّ شفتَيه ويمسح دموعه من على ذقنه ويُواصِل حديثه) : رجعتُ بالثياب والحزام والجنبية، وحملتُ الكيس الجلدي على ظهري. زوجتي كانت تنتظر في الشرفة، وابنتي في جحيم الحُمَّى لاهثة مرتجفة. وضعتُ الأشياء في الصندوق، صندوق عرسي القديم الذي ترونه وراءكم. بعد أيام وليالٍ تقلَّبتُ فيها على الجمر أخرجتُها وعلَّقتُها على السقف والجدار. قلتُ ربما يتعرف عليها أحد المسافرين، ربما يظهر أبوه أو قريبه أو صاحبه أو جاره. ومرت الأيام ولم يظهر أحد، ومرت العيون على الثياب والآثار فلم يطرف جفن. قلتُ: لا بد أن أباه قد مات. ألم يقل الفتى إنه على فراش المرض؟ الرجل الصالح شيبة مثلي. لا يعرف سر الأعمار إلا واهب الأقدار.
الفتى : لكنه شُفي من مرضه وعاد يحمل بريد الملكة. مرت أيام وأسابيع وشهور. لم أعُد من الغربة فسلَّم أمره لله.
المقهوي : وليلة كهذه الليلة كنتُ أجلس في الشرفة كعادتي أُدخِّن المداعة وأنظر للقمر والنجوم. السكون خيمةٌ سوداءُ تلُف الجبال والسحب والصخور والأشجار الباسقة على رءوس الصخور والوادي الموحش والمقهاية والمسافرين النائمين بعد شرب القهوة ومضغ القات. سمعتُ طرقعة الحصى على صخور المزحل السوداء التي تعكس بريق القمر، دقَّقتُ النظر فرأيت شبحًا أسود يهبط الدرجات الصخرية مسرعًا. اقترب الشبح: الأقدام الحافية، الجلباب الأسود، الكيس الكبير على الظهر، الجنبيَّة يلمع مقبضها العاجي من الحزام. هل ترجع أرواح الموتى؟ أم نجح الشاب في قتل الطاهش وسلَّم البريد للملكة وعاد؟ زاد الوهم يقينًا حين اتجه الشبح إلى ينبوع الماء، انحنى على الفجوة ومد يدَيه وشرب، ثم وقف ومسح بكفَّيه ضريح الوليِّ ورفعهما بالدعاء، واقترب من الباب فتنحنحتُ، فزع قليلًا حتى كدت أُحِس بأنفاسه، ثم رفع صوته: المقهوي؟
المغني (مشيرًا إلى التاجر العجوز الذي يضع مِسبَحتَه في جيب جلبابه وينهض) : سألته قائلًا: المقهوي؟
التاجر (مرتبكًا) : أنا؟
المغني : نعم، وبعد قليل تسأل عن القهوة والعَشاء.
المقهوي : لا لم يطلب عَشاءً، اكتفى بالقهوة.
المغني : وتطرُق الباب وتدخُل وتتكلَّم وتسأل عن ابنك، هيا.
التاجر : يا مقهوي.
المقهوي : من؟ هذا صوت الحاج صالح؟
التاجر (ضاحكًا) : صوته وجسمه أيضًا.
المقهوي : الرجل الطيب الصالح، ساعي البريد والخير، من شهور لم نَرَكَ، يا مرحبًا، حيَّا الله.
المغني : وينزل ليفتح لك الباب، وتُسلِّم سلامًا يمنيَّا ويطول السلام.

(التاجر يندفع إلى المقهوي ويُسلِّم عليه على الطريقة اليمنية.)

المغني : وتدخُل وتُسلِّم على أهل الدار.
التاجر : يا الله.
المغني (مشيرًا إلى المرأة والفتاة) : هيَّا، هيَّا.
المرأة والفتاة (تُسلِّمان ويتحلَّق الثلاثة حول التاجر الذي يقوم بدور الحاج صالح) : يا مرحبًا يا حاج، شفاك الله وعافاك.
المقهوي (ينظر إلى زوجته مُحذِّرًا) : العَشاء والقهوة يا حاجَّة.

(تنهض المرأة. الفتاة تُسلِّم وتنسحب.)

التاجر : لا، لا داعي للعَشاء، عندي أمر بتسليم البريد.
المقهوي : إلى الملكة قبل الفجر.
التاجر : بارك الله، ولأُصلِّي معها في الجامع الكبير.
المقهوي (لنفسه) : يا الله، لولا الشيبة وضُمور الوجه، لو يسألني عن ابنه، ماذا أفعل؟
المغني : نسيتُ أنكَ جمعتَ الثياب والأشياء بسرعة من السقف والجدران.
المقهوي : نعم، نعم، ووضعتُها في الصندوق.
التاجر : لم يمُر من هنا فتًى منذ شهر؟
المقهوي : حيَّا الله، حيَّا الله.
المغني : وتُحاوِل أن تصرفه عنه، أما أنتَ، فلا تنسى، ستُسلِّمه رسالةً من ابنه.
التاجر : قبل أن أنسى، معي رسالةٌ من ابنكَ في زبيد.
المقهوي : بارك الله فيك وفيه.
التاجر (يُقلِّب في كيس الرسائل ويُخرجها) : ها هي ذي.
المقهوي (يرفعها إلى وجهه ويُقبِّلها) : لكنكَ تعرف.
التاجر : أقرؤها لكَ، بعد التحيات لكم وللأم العزيزة والأخت.
المغني : تتلكَّأ وتتلفَّت حولكَ وتقول: الجميلة، نعم والله جميلة!
المقهوي : ابنتُكَ يا حاج.
التاجر : لم ترُدَّ عليَّ، ألم يمُر من هنا شاب؟
المقهوي : ننتهي من رسالة ولدنا.
التاجر : نعم، زبيد مدينةٌ جميلة وتهديكم السلام، الأحوال مستقرة والجميع بايعوا الملكة وأنا سعيد فيها أطلب العلم في مساجدها ومدارسها الفقهية، وأخبركم يا والدي …
المغني : تأتي الآن إلى خبر زواجه.
التاجر : أُخبركُم أنني نويتُ بإذن الله على الزواج بعد أن أُصبح فقيهًا.
المقهوي : ألم يكتب عن عروسه؟
التاجر : يخبركم فيما بعدُ.
المقهوي : ابحث يا حاج.
التاجر : هكذا الأبناء يا مقهوي، في الغربة يَنسَون.
المقهوي : الأبناء، نعم نعم (يمسح دموعه).
التاجر : ولماذا البكاء؟ ابنك يتزوج وتبكي؟
المقهوي : لا أبكي لهذا يا حاج، إنما …
التاجر : تكلَّم يا مقهوي.
المقهوي : لا أستطيع.
التاجر : هل تُخفي شيئًا؟
المقهوي : سِرٌّ كتمتُه عنكَ.
التاجر : سِرٌّ؟
المقهوي : لم أعُد أستطيع.
التاجر : هل مرَّ من هنا؟
المقهوي : نعم، قبل شهرَين.
التاجر : وتسكُت حتى الآن؟ وكان معه البريد؟
المقهوي : لولا أن الكيس الجلدي عندي لقلت إنه نفس الكيس.
التاجر : لم يُسلِّمه إذن، هل بات هنا؟
المقهوي : لا.
التاجر (غاضبًا) : وترَكتَه يذهب في الليل (تُسمع صيحة الطاهش من بعيد، زئيرٌ أَسْود مكتوم).
المقهوي (مع زوجته التي تدخل بالقهوة) : فعلنا المستحيل يا حاج.
التاجر (يشتد غضبه وهياجه) : الله يلعنُك، كيف تركتَه يخرج في الليل؟
المقهوي : اهدأ يا حاج، قلتُ لك فعلنا المستحيل، حذَّرناه بلا فائدة.
التاجر : يا ولدي.
المقهوي : واسترحمناه بحق شبابه، بضعف شيخوختنا، بالله ونبيه الكريم.
التاجر (يضع وجهه بين يدَيه) : يا ولدي.
المقهوي : امتَشَقَ سيفه وقال: القبيلي لا يخاف ومعه سيفه.
التاجر (في صوتٍ رهيب) : وأين ثيابه؟
المقهوي : موجودة يا حاج، في هذا الصندوق.
التاجر : هاتِها، أَخرِجوها واتركوني.

(المقهوي يضع الثياب أمامه ويخرج هو وزوجته.)

(التاجر يتحسَّس الثياب، يَلْثم بُقَع الدم، يَشمُّها ويضعها على عينَيه ويجهش بالبكاء، بعد قليل يتماسك ويُغالِب دموعه، يخلع جلبابه ويرتدي جلباب ابنه ويتحزم بجنبيَّته ويقبض على سيفه المكسور، يشعُّ من عينَيه بريقٌ مجنون.)

المغني (للفتاة) : وتدخُلين في نفس اللحظة.
الفتاة (مرتبكة) : وماذا أقول؟
المغني : ماذا تقولين؟ ما تقوله عروس.
الفتاة : فهمتُ فهمتُ، حيَّا الله يا حاج.
التاجر : مَن؟ ابنه المقهوي (ينظر ويُثبِّت عينَيه عليها).
الفتاة : وعروس ابنِكَ.
التاجر : عروسُ ابني؟
الفتاة : نعم، خطبني من أبي، وَعَد أن يُسلِّم البريد ويرجع معك.
التاجر : ورجَعتُ بدونه.

(الفتاة تنتبه إلى أنه قد ارتدى ثياب ابنه، تَتفرَّس في عينَيه ووجهه والسيف المكسور المشرع في يده.)

التاجر : نعم يا ابنتي (يتردَّد صوت الطاهش، ويعلو فحيحه المجنون).
الفتاة (في تصميمٍ مفاجئ) : هل مَعكَ سيفُكَ؟
التاجر : نعم يا ابنتي، القَبيليُّ لا يتركُ سيفه.
الفتاة : أعطني هذا السيف.
التاجر : ستُحافظين عليه؟
الفتاة : وسأذهَب مَعكَ.
التاجر : تذهبين معي؟ أتعرفين إلى أين؟
الفتاة : نعم.
التاجر : وأنني قد لا أعود؟
الفتاة (ساهمةً) : لا نعود.
التاجر : وقد يسيل دمي.
الفتاة : ودمي.
التاجر : وقد تكون آخر ليلةٍ في عمري.
الفتاة : بل ليلة زفافي (تبرقُ عيناها بوميضٍ مخيف).
التاجر : زفافُكِ؟
الفتاة : الليلة يسيل دمي أو دمه، ستُباركنا بنفسك يا عمي، فوق الصخر الأسود نتعانق، أغرز سيفي، سيف حبيبي، في نحره، أو يغرز في صدري نابه، أقتحم عليه عرينه، أو يسحبني عاريةً لعرينه. هناك أُزفُّ إليه، في نفس البطن الجائع، نفس الجوف ونفس القبر.
التاجر : مهلًا يا ابنتي. أجِّلي الأمر.
الفتاة : حفل زفافي لا يُؤجَّل.
التاجر : وأبوكِ، ألم تفكري فيه؟
المرأة : وأمكِ (تبكي).
الفتاة : فكرتُ طويلًا، وعزمتُ.
التاجر : يا ابنتي، أنا آخذ ثأري منه.
الفتاة : وثأري؟
التاجر : أرجوكِ يا ابنتي.
الفتاة : هيَّا، هيَّا، هذا وقت الثأر، لا وقت الفكر.
المقهوي : ونُفاجأ أنا وهذه العجوز بالشيخ والفتاة يخرجان من الباب، لم أعرفه في البداية، لم أعرف ابنتي، الجنون يشرع سيفًا، الغضب يمتطي فرس النار والريح، ماذا يُجدي الدمع؟ ودعائي وصلاتي ماذا تُجدي؟
المرأة : يا ابنتي، ليس لي غيرُكِ.
الفتاة : وأنا ليس لي غيره.
المقهوي : أنتِ نخلتنا الوحيدة.
المرأة : غرسناكِ في شبابنا.
المقهوي : لنستظل بكِ في شيخوختنا.
الفتاة : وأنا آوي الآن إلى ظله.
المقهوي : ويُدوِّي صوت الطاهش فنبكي ونُحذِّر، وتهبُّ علينا أنفاسه فنشمُّ رائحة الموت، يا ابنتي، يا ابنتي.
الفتاة : لا فائدة يا أبي.
المقهوي : تعقَّل يا حاجُّ، أرجعها أنتَ إلى العقل.
المرأة : فكر في شيخوختنا (يُسمع صوت الطاهش).
الفتاة : إنه يدعوني يا أبي، يناديني.
المقهوي : مَن يا ابنتي؟
الفتاة : أتكره أن أُزفَّ إليه؟
المرأة : إنه الوحش يا ابنتي.
الفتاة : وهو ينتظرني ويفتح ذراعَيه.
المقهوي : جذبتُها بقوة من ثوبها، ركعَت العجوز وقبَّلَت ساقها، مدت السيف نحوي وصَرخَت في جنون، زفافي الليلة، الليلة سأُزف إليه، اتركاني، اتركاني.
المغني : جرت ولسانُ حالها يقول: لبَّيكَ، لبيك.

(ينشد):

حبيبي لو أنك
جعلتك سواد عيني
وأطبق عليك الجفون
حتى لا يراك دوني
أبوه الأعمى (يواصل ضاربًا على الدُّف) :
وإن شاكلتك عينيا
قلعت السواد منهم
امشي بحال الأعمى
حتى خبِّيك عنهم
المقهوي : لم تَرَ سواه ولم تسمع إلا صوته، جريتُ أنا وأمها نَتعثَّر في ضعفنا، وننكفئ على الصخور، يا ابنتي، يا ابنتي، ارجع يا حاج، أرجعها يا حاج، صوت الطاهش سحرٌ أسود يجذب جسدَيهما المسرعَين على درجات المزحل، زئيره سد يأجوج يمنع تقدُّمنا. كان الحاج قد سبقَها بقليل وكمن خلف صخرةٍ عالية، أطلقَت صيحة الحرب الجنونية ولحقَت به، هل رأيتم الكابوس؟ هل جثَم على لحمكم وأنفاسكم حتى بعد اليقظة من النوم؟ ارتفع عُواء الطاهش وزئيره، وعلى ضوء القمر مدَدنا الأبصار فلم نتبين غير الأشباح، أشباح تثب وتتوقف، تزحف تتراجع، تصرخ وتئن، وصياح الحرب المجنون يصارع حشرجة الطاهش وزئيره، وأنا وامرأتي شيخان عجوزان، تنهار سماءُ العالم فوقهما وهما مشلولان، حتى يسقط شيء كالحجر فتختنق الأرض، يختنق سكون الليل، تختنق الأنفاس وتسقط (يسقط المقهوي. يدركه التاجر وتُسرع إليه الفتاة ويُنشِد المغنِّي).
المغني :
لا حول يا مالك الموت،
ذي ما نجي منك هارب.
الأعمى :
سبح ذا البقا،
إن غايبك لا يعود،
قد زار القبور واللحود.
المرأة (باكية) : قلتُ لكم لا تنبُشُوا القبور، لا تنبُشُوا القبور.
الفتاة : يا ليتَ لي قبرًا، يا ليتَ لي لحدًا.
المغني :
ما كان في الكتاب مُستطَر،١٨
لا يُؤخَّر
عن وقته إذا ما حضَر.
الأعمى :
والمقدَّر،
ما للعبد من مفر،
يبقى الله ويفنى البشر.
المغني (ينحني على المقهوي ويُحاوِل أن يُفيقه) : وعندما فتحتَ عينَيكَ كان الفجر قد طلع.
الفتاة : وصعِدتَ على المزحل تجرُّ حُطام شجرتِكَ.
التاجر : وتُفتِّش عما بقي من الكابوس (يُدوِّي صوتُ الطاهش كالكابوس).
الفتاة : وعثَرتُ على ثوبي.
المغني : في ليلة عُرسكِ مصبوغًا بالدم.
التاجر : ووجدتُ الكيس الجلدي.
المغني : ورسائل لم تقرأها الملكة لطَّخَها الدم (الصوت كنهرٍ أَسْود يتدفَّق في الآذان).
التاجر : والسيف المكسور.
المغني : إلى نصفَين (يرفع السيف ويُريه للجميع).
الطفلة (فجأة) : أريدُ السيف يا أبي (تَتسمَّع للصوت).
أبوها : اسكُتي يا بنت، اسكُتي.
التاجر : وتَحسَّر على السيف المكسور.
المغني : سيف ابن ذي يزن المشهور، وعلى الكنز المستور. (الصوت يعلو ويُدمدِم كحشرجةِ شياطينَ في الجحيم يقترب من المقهوي، يُربِّت على ظهره وتسقيه امرأته كوب ماء، يفتح عينَيه قليلًا.) لمَّا طلع الفجر رجَعْتَ، رجَعتَ كقافلة الموت.
المقهوي (متطلعًا إلى الحاضرين) : لأستَقبِل القادمين وأُودِّع الذاهبين.
المرأة : ولا تتوب أبدًا.
المغني : تحكي، تروي، تَعرِض قطع ثيابك، تُنذِر وتقول.
المقهوي : آه! اروي يا ولَدي عني.
المغني : الطاهش في كل مكانٍ وحش، غول أو بركان، ليل، صاعقة، طاعون يفتك بالإنسان، لن ينجو أحد يا إخوان؛ فالكل مدين ومُدان، الكل مدين ومدان.
(يُسمَع صوت الطاهش وكأنه يحوم حول المقهاية.)
المقهوي : وتمُر قوافلُ بعد قوافل، والركبان، تَروي تَروي عن سِحر الإنس أو الجان.
المغني : والطاهش ينمو، يتناسل، يزحف كالتنين، ويمد إلينا ألف ذراع وذراع، في كل ذراعٍ سِكِّين، كان قديمًا يثب على الأعزل وهو ضعيفٌ مسكين، ويجر ضحيته لعرينٍ في جوف الجبل دفين، واليوم له في السهل وفي الجبل النائم ألف عرين وعرين، لن تنجو القرية والسوق ولن تصمُد أسوار الطين، ويَظل الطاهش يطلُب قربان الدم وسيفك في دارك صدئٌ مدفون، سيفك يا سيف كسيرٌ مطعون (يُسمَح فحيح الطاهش).
الطفلة (فجأة) : السيف يا أبي، السيف يا أبي.
المغني : وتُقيم الليلة بعد الليلة، تَروي، تَحكي، تَدمَع عيناك وفي الصدر جنون، وتقول لمن مضغ القات ونام.
المقهوي (يتطلَّع للحاضرين) : سيفٌ صدئ مدفون، سيفٌ مطعون.
المغني : ويقول التاجر:
التاجر : للعاصمة سأذهب وأُحصِّل منه ديوني.
المغني : والابن الباحث عن ظل أبيه.
الابن (الباحث عن أبيه) : هاجَر عنَّا منذ سنين، تَركَ الأبناء يتامى، تَركَ الأم وتَركَ الأمل بقلب الجَدِّ المحزون.
المغني : وتقول عروس، تنتظر الفجر.
الفتاة : سأُزفُّ ويفرح قلبي وعيوني.
المقهوي : وأستقبل القادمين وأُودِّع المسافرين، وأقيم الليلة بعد اللية أَروِي عنه.
المرأة (نائحة) :
تنبُش القبور ولا تتوب،
مُعزيةً بعد سنين،
مُذكِّرة كلَّ الأحزان.
المغني : وتظل تُخاطب سيفكَ فوق الجدران، يا سيف ابن اليزن تكلَّم أين الفتيان؟ سيفي مكسور منذ زمان، سيفي مكسور منذ زمان (يعلو صوت الطاهش بينما تصرخ الطفلة فجأة).
الطفلة : السيف المكسور.
أبوها : قلتُ اسكُتي يا بنت.

(الطفلة تُلقي بنفسها فوق السيف. تلتقطه وتلوح به في كل اتجاه، تحاول أن تجري نحو الباب فيسرع إليها الأب والمغني.)

الأب : تعالَي يا ابنتي.
الطفلة : اتركني يا أبي، إنه يناديني.
المغني : خذي ربابتي وهاتي السيف.
الطفلة (غاضبة تُوجِّه السيف إلى صدره) : تعالَ وحارب معي.
المغني : الربابة ليست سيفًا يا حبيبتي.
الأب (يلتقط منها السيف فتبكي) : قلتُ لكِ اسكُتي.
المغني : غدًا سنَذهَب معًا يا صغيرتي.
المقهوي : غدًا في الليل يا حبيبتي.
الطفلة : وستَحكي وتَروي.
المقهوي : كما فعلتُ الليلة.
المغني : وسأُغنِّي كثيرًا حتى تضحكي.
الطفلة : غدًا، غدًا، غدًا، ألا تسمعون؟
المغني : بالطبع يا حبيبتي، نسمع ونتكلَّم ونسمُر ونُغنِّي.
الطفلة : وماذا تنتظرون؟
الأب : قلتُ اسكتي يا بنت، والله …
المغني : دعها يا أخي، حقًّا. ماذا تنتظرون؟
المقهوي : ماذا تنتظرون؟
أصوات : ننتظر الفجر.
أصوات : انظروا، طلَع الفجر.
صوت : وانتهتِ الليلة.
صوت : وانفض السمر (يتراجع فحيح الطاهش).
صوت : طلع الفجر.
صوت : طلَع الفجر.
المغني :
ما كان في الكتاب مستطر،
لا يُؤخَّر،
عن وقته إذا ما حضر.
المقهوي : انتهتِ الليلة.
الطفلة : هل طلَع الفجر؟
المغني : والجميع يذهبون؛ أنتِ لتُقبِّلي المولود، وأنتَ لتأخذ دينكَ، أنتِ لليلة عرسك، أنتَ لتحصيل ديونك.
المقهوي : وأنتَ يا مُغنِّي.
أصوات : وأنتَ يا مغني، وأنتَ يا مغني.
المغني : وأنا، هيا يا أبي (يساعد أباه على النهوض، بينما يجمع المسافرون أغراضهم ويتجهون إلى الدوابِّ والخيل والجمال التي يُسمَع وقعُ حوافرها في السمسرة).
الأب : هيَّا يا ابنتي.
الطفلة (للمغني) : وأنتَ؟
المغني (وهو يتجه مع أبيه إلى الباب) : سأُغنِّي يا حبيبتي.
الطفلة : حتى مطلع الفجر.
المغني : حتى يطلُع الفجر (ينصرف الجميع. يجذب الأب يد ابنته ويختفيان. يجمع المقهوي وزوجته الثياب والأشياء، يُسمَع من بعيدٍ صوتُ المُغنِّي):
عن ساكني صنعا،
حديثك هات وا فوج النسيم،
وخفِّف المسعى،
وقف كي يفهم القلبُ الكليم.

(المقهوي يمسح دموعه وهو يجمع حاجياته ويتجه إلى الدرج فيصعد عليه في خطواتٍ بطيئة ويُعلِّق الثياب والأشياء على الجدران.)

هل عهدنا يرعى؟
وما يرعى العهود إلا الكريم.
المرأة (تُدندِن في نُواح) :
تبدَّلوا عنا وقالوا
عندنا منهم بديل
والله ما حُلنا
ولا مِلنا عن العهد الأصيل.
المقهوي (من فوق الدرَج) :
ما بُعدُهم عنا يغيِّرنا
ولو طال الطويل.

(وبينما تهبط الستار شيئًا فشيئًا يُسمَع صَدَى رحيل القافلة ووَقْع حوافر الدواب ونداءاتِ المسافرين وغناءٍ بعيد):

هل عهدنا يرعى
وما يرعى العهود إلا الكريم.
١٩٨٢م
١  ينكمشون ويتدفَّئون.
٢  هو الكهل أو الشيخ الهرم وخَطَ الشيبُ شعره.
٣  أي غلَّقتَه.
٤  خنجَر بمقبضٍ مُطعَّم بالصدَف والعاج أو الفضة، يُوضَع في جرابٍ جلدي ويتَمنطَق به الرجال في اليمن وعمان، زينةً للرجولة وعلامةً على الفروسية ووفاءً للتقاليد.
٥  يجري الفعل على ألسنة أهل اليمن بمعنى «أترغب أو تريد».
٦  مكان «تخزين» القات وقت القيلولة وبعدها.
٧  أيْ رجل.
٨  الأبيات المتناثرة من أغنياتٍ شعبية لبعض شعراء العامية اليمنية ومن أهمهم وأعذبهم صوتًا عبد الرحمن الآنسي ومحمد عبد الله شرف الدين وأحمد حسين القارة.
٩  هي «كنكة» أو إبريق صغير للقهوة.
١٠  شيشة أو نارجيلة تنتقل بين شفاه الحاضرين في المقيل أو مجلس القات.
١١  أي ذخيرة تُدخَّر للزمان.
١٢  أي لأوقات الشدائد والملمات.
١٣  حكيم الريف اليمني وشاعره الشعبي المعروف (هزيود اليمني).
١٤  خمار أو حجابٌ أسود تضعه النساء على وجوههن ويُغطِّي الوجه كله أو يكشف عن العينَين وحدهما.
١٥  أهمل وغفَل عن رعاية غنمه.
١٦  وحشٌ مسخ أو مزيج من السبع أو الذئب وأنثى الضبع أو الأتان، يرمز به أهل القرى الجبلية في اليمن لقوى البطش التي تُهدِّد حياة الإنسان وتتربَّص بحاضره ومستقبله.
١٧  ولو عَرف حقيقتَه وأَمِن شَرَّه واطمأنَّ له.
١٨  أي مسطور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤