سابعًا: نظرية القِدَم

إذا كان الكِنْدي فيلسوف الخلق، وإخوان الصفا والفارابي وابن سينا فلاسفة الفيض، فإن الرازي الطبيب هو فيلسوف القِدَم. أما ابن رشد فإنه يضعه مجرد احتمال اختاره بعض الفلاسفة تفاديًا لعيوب الخلق مثل احتمال الخلق وعلى محلٍّ جدلي بحجج عقلية ونقلية مشهورة دفاعًا عن الفلسفة ضد هجوم الغزالي عليها.

لم يَقُل ابن رشد إذن بقِدَم العالم إلا على ثلاثة أنحاء. الأول بيان أنه احتمال وارد في علم العقائد، وأن الخلق بالمعنى الأشعري ليس هو الاحتمال الوحيد، وأنه يمكن إيجاد براهين عقلية ونقلية على القِدَم. يقول ابن رشد هنا بقِدَم العالم كقول جدلي في مقابل قول جدلي آخر وليس قولًا برهانيًّا. والثاني دفاعًا عن الفلاسفة ضد الغزالي، وأن القول بالقِدَم ليس أقل احتمالًا من القول بالحدوث، وأن القول بالحدوث ليس أقل عرضة للنقد من القول بالقِدَم. وهو أيضًا قول جدلي وليس قولًا برهانيًّا. والثالث دفاعًا عن أرسطو؛ لأن القول بأزلية العالم كان مجرد مثل يُضرب في المنطق بالنسبة للمقدمات المشهورة والذائعة، وقسمة المقدمات إلى خلقية وطبيعية ومنطقية، والطبيعية مثل قولنا هل العالم أزلي أم لا. وهو ما لاحظه الفارابي من قبل في «الجمع بين رأيَي الحكيمَين».

ويقوم هذا الاختيار على التصور الواحدي للعالم، أننا أمام عالم واحد طبيعي إلهي أو إلهي طبيعي. وهو نفس اختيار أصحاب الطبائع من المعتزلة، معمر وثمامة والجاحظ والنظام وهو نفس اختيار الصوفية القائلين بوحدة الوجود «سبحان الذي خلق الأشياء وهو عينها» كما قال ابن عربي في توحيده بين الحق والخلق. وربما هو المغزى من الرواية المنقولة عن المقابلة العرضية بين ابن رشد حين قال عن ابن عربي «إنه يشاهد ما أعلم» وقول ابن عربي عن ابن رشد «إنه يعلم ما أشاهد».

(١) القدماء الخمسة

أبو بكر الرازي هو القائل بالقدماء الخمسة طبقًا للروايات المنقولة عنه. وكتاب «العلم الإلهي» للرازي مقتطفات من كتب الآخرين يعرض فيه الرازي آراء القدماء ونسبتها إليهم مثل سقراط وأفلاطون. وينسب قِدَم العالم إلى المذاهب القديمة بشمال البادية مثل الحرانيِّين والصابئة. وقد كانت تهمةُ كلِّ معارضيه جذرية على مدى العصور إلا أنها أفكار مستوردة من الخارج وليست نابعة من الداخل، من الوافد وليست من الموروث. كما ينسب البيروني قولَ الرازي بقِدَم العالم إلى المذاهب الثنوية في فارس مثل المانوية والإحالة إلى كتاب ماني «سفر الأسرار» أو إلى حواره مع تلميذه سيسن والرد على الثنوية.١ كما اتهمه ابن حزم في «الفصل» بالأفكار المستوردة في موضوع النفس والجسد. فالقدماء الخمسة شرك من الثنوية وإبطال النبوات باسم العقل من البراهمة والتناسخ في النفس من عوام الصابئة. ويضعه مع الملحدين والمخالفين القائلين إنه ليس في العالم خلاء ولا ملاء، والمدة بعد أن أحدث الله الفلك بما فيه من الأجسام الساكنة والمتحركة وأعراضها.٢
ولم تصل آراء الرازي كلها. إنما ورد البعض منها على أفواه الخصوم والردود عليه. فقد ردَّ عليه البلخي العكبي رئيس معتزلة بغداد. كما ردَّ عليه الفارابي، وابن الهيثم، وابن حزم، وابن رضوان الطبيب، وناصر خسرو، وموسى بن ميمون، ثم رد الرازي على الكعبي البلخي. لم تكن الفلسفة إذن مجرد خطابات متجاورة أو متلاحقة بل كانت متحاورة ومتراكمة. فقد كان الحوار في الداخل والخارج على حدٍّ سواء.٣ ساهم الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء والحكماء والعلماء والأطباء سُنَّة وشيعة، مسلمين ويهود في الرد عليه.
وقد ذكر كتاب «في العلم الإلهي» في السيرة الفلسفية. ويحتوي على عدة مقالات يبسط فيها الرازي مذهبه في القدماء الخمسة. وقد تناول الرازي أهم بابَين في علم أصول الدين: الإلهيات والنبوات. في الإلهيات قال بالقدماء الخمسة وفي النبوات قال بالعقل ناقلًا الكلام إلى الفلسفة كما حاول الكِنْدي قبله. وربما أتى ذلك من أثر الطب على الإلهيات، والفكر العلمي على الفكر الديني؛ إذ يقوم العلم على وحدة الظواهر الطبيعية وتفسيرها بذاتها، عِللًا ومعلولات في تصور دائري لعلاقة العلة بالمعلول، في حين يقوم الدين على ثنائية الرؤية بين الطبيعة وما بعد الطبيعة وتفسير الطبيعة بخارجها عِللًا ومعلولات في تصور طولي لعلاقة العلة بالمعلول وصولًا إلى العلة الأولى.٤
ويشعر الرازي بالتراكم الفلسفي قبله. فيعتمد على الكِنْدي فيما يُنسب إليه من القول بأن حركة الفلك واحدة وبالزمان متناهٍ من البداية ولكنه غير متناهٍ من النهاية، متناهٍ بالفعل، ولا متناهٍ بالقوة إلى مدة معلومة حتى تنتهيَ المدة يوم البعث والنشور. ولا يقبل الرازي هذا الحلَّ الوسط من الكِنْدي بين الحدوث في البداية والقِدَم في النهاية الذي يؤدي في النهاية إلى الحل الفقهي الأشعري والقول بحدوث العالم.٥ وهي حجة واهية بأننا موجودون في زمان بطليموس لأننا نتصور الزمان منقسمًا وأنه عدد الحركة.

هذه القدماء الخمسة هي: الباري، النفس الكلية، الهيولى الأولى، المكان والزمان المطلقان. وهو تنويع على نظرية الفيض ومراتبها الأربعة بعد إسقاط العقل وزيادة المكان والزمان. وهي اضطرارية؛ لأن القِدَم والضرورة متلازمان. ويعني الاضطرار هنا اضطرار الفيض؛ فالقِدَم قراءة توحيدية له. ويظل السؤال كيف يكون الله والنفس اضطرارَين لو كانت الهيولى والمكان والزمان اضطرارية؟ أليست أفعال الله والنفس أفعالًا حرة؟

وهناك تمييز في القدماء الأربعة باستثناء الله بين المطلق والنسبي، النفس الكلية والنفس الجزئية، الهيولى الأولى والهيولى الثنائية، المكان والزمان المطلقان في مقابل الزمان والمكان النسبيَّين. المطلق قديم والنسبي محدث. وهو حلٌّ أصولي يقوم على التمييز بين العام والخاص.

والفرق بين القِدَم والفيض أن القِدَم يضع القدماء الخمسة على نفس المستوى، الله والنفس والهيولى والمكان والزمان في حين أنها في الفيض على التوالي، الله ثم العقل ثم النفس ثم المادة.

وتتبع النفس الله لأنها من كيفية واحدة. ويتبع المكان والزمان الهيولى؛ لأن الهيولى متصورة بالتركيب. ولما كانت متمكنة فهي في حاجة إلى مكان. واختلاف الأحوال عليها يقتضي الزمان. فالزمان هنا آخر يقين في القدماء الخمسة، المتأخر والمتقدم، الأحدث والأقدم. وأحيانًا يكون الترتيب على نحو تصاعدي: الهيولى، والزمان، والمكان، والنفس، والباري. النفس والعقل من مستلزمات الوجود الحسي. فهل تُشبه النفس الكلية العقل في الفيض أو العقل الكلي عند ابن رشد؟ وكيف يأتي المكان قبل الزمان، والزمان له أولوية على المكان وأقرب إلى النفس؟

ونظرًا لقرب الرازي من الكِنْدي فقد تشابهت القدماء الخمسة عندهما. إلا أن الكِنْدي يتفرد بالصورة والحركة، والرازي يتفرد بالباري والنفس.٦
والهيولى المطلقة لا تتجزأ. والدليل على قِدَمها أن شيئًا لا يكون من لا شيء.٧ والجواهر هيولى مطلقة وخلاء. والعناصر الأربعة الأخرى هي اجتماع الهيولى مع الخلاء. فإن كانت نسبة الخلاء أكثر تكون النار أو أقل يكون الهواء والماء والأرض. ولجأ الرازي إلى عدة حجج عقلية لإثبات المكان والزمان اعتمادًا على بداهة العوام دون النفاذ إلى آراء المتكلمين ومنازعاتهم. فعند العامة تدل العقول على وجود خارج هذا العالم، امتداد أو فضاء يحيط به. ولو ارتفع الفلك ولم يوجد دورانه مرَّ بنا شيء هو الزمان.٨ فالزمان جوهر يجري. والمكان هو الأقطار، والأقطار هو المكان لأنها محيطة به. والمكان مطلق أو مضاف. المطلق وعاء للأجسام. إن رفعت الأجسام بقي الوعاء، مع أن رفع الأفلاك عن الوهم لا يرفع الوهم. المكان المضاف هو المتمكن كالجوهر بالنسبة للعرض. وهذا كله من عمل الوهم.٩ والفرق بين الزمان والمدة وقوع العدد على الثانية؛ لأن العدو متناهٍ والمدة لها أول وآخر، الدهر لا أول له ولا آخر. هناك زمان مطلق هو المدة، والدهر قديم متحرك غير ثابت، وزمان محصور بحركات الأفلاك.١٠ فالعالم عبر الزمان المطلق لا ينقضي ولا يفنَى مثل حركة الدهر. والحركة على أنواع طبيعية وقسرية وخلقية. والحركة الثالثة إضافة من الرازي على أرسطو.

(٢) هل العالم قديم؟

وفي نفس الوقت الذي يُروَى فيه عن الرازي القول بالقدماء الخمسة يظهر نقدُ الرازي لقِدَم العالم. وتبدو حججُه على حدوثه أشبه بأدلة المتكلمين على دلالة الصنع على الصانع، والإتقان على الحكمة والتدبير والعلم، وكأن الرازي يجمع، لو صحت الرواية، بين القِدَم والعناية، ويُنكر فقط الخلق من عدم. وهو احتمال لا يستبعده ابن رشد ويجده متفقًا مع العقل والنقل. كما يرفض الرازي أدلةَ قِدَم العالم عند أرسطو، قِدَم الحركة بإثبات قِدَم المحرك الأول؛ لأن الجسم والمحرك حادثان. العالم يصدر عن صانع حكيم إما بالطبع أو بالإرادة. وعند الفلاسفة الطبع أكثر تنزيهًا من الإرادة التي غلبت. كان قصد الرازي مخالفة أرسطو كما لاحظ ابن سينا وابن رشد. كما يقول بتناهي الحركات وحدوث الزمان والأجسام وتناهي العالم وحدوثه. ويردُّ على مَن قال بقِدَمها ولا تناهيها. وقِدَم الهيولى لا ينفي الخلق بل هو أحد تصورات الإبداع دفعة واحدة لا بالتركيب الواقع، أن العالم تركيبٌ من تلك الأمهات التي هي الهيولى المطلقة. فقد ركب الباري العناصر الخمسة منها (الأربعة والأفلاك). كما أن قِدَم النفس الكلية واشتياقها إلى الهيولى وهبوطها فيها وتشبُّثها برهانٌ قاطع على حدوث العالم. فالعالم نتيجة تعلُّق النفس بالهيولى وتصورها فيها. القِدَم يضاف إلى الاشتياق، العلم مضاف إليه التصوف.

وقد حفظ التاريخ للرازي أقواله في نقد قِدَم العالم أكثر مما حفظ أقواله التي تناقلتْها الفِرَق أو الخصوم في قِدَم العالم. كما حفظ الردود على الرازي أكثر مما حفظ أقواله. كان الرازي مثل الكِنْدي أحد المتكلمين قبل أن يكون فيلسوفًا يستعمل حججَهم لإثبات حدوث العالم ونفْي قِدَمِه. وقد ردَّ أبو حاتم الرازي عليه إثباتًا للتصور الديني التقليدي الذي يقوم على معرفة الحقيقة مسبقًا، ويعتبر كلَّ فكر رجسًا يعاذ بالله منه. ويدافع عن علم الله وقدرته وليس عن علم الإنسان وقدرته، ونسبة كل فعل لله، اعتمادًا على الدين الشعبي، أن الله وليس سواه خالق كل شيء.١١

لم يَعِش التصور الواحدي للعالم طويلًا، واستبعد منذ البداية سواء في علم أصول الدين أو في علوم الحكمة. لذلك لم يحفظ التاريخ مؤلفات أصحاب الطبائع من المعتزلة، معمر وثمامة والجاحظ والنظام، وابن الراوندي والرازي. ولم تبقَ إلا الردود عليهم. فالدولة أقوى من خصومها. ومؤرخو السلطان لا يُدوِّنون التاريخ إلا تدعيمًا للصراع السياسي، ودفاعًا عن النُّظم السياسية وإضفاء الشرعية عليها.

يبدو الرازي أحيانًا من أنصار التصور الثنائي للعالم بالرغم مما نُقل عنه من القول بالقدماء الخمسة. يرفض الرازي أن يكون الدليل على وجود الطبيعة أفعالها وقواها المنبثقة في العالم الموجبة للأفعال. ووضع دليلًا بديلًا يُثبت به حدوث العالم عن طريق العناية الإلهية والتدبير الإلهي كما هو الحال عند ابن رشد. ويعطي الرازي أدلة تُثبت أن الطبيعة لها مدبر، مثل: كيف تؤدي الطبيعة إلى فعلين متضادَّين، حركة وسكون في آنٍ واحد؟ وإذا كانت الطبيعة لا تخترع الأجسام لأنه غير معقول يكون الله قادرًا على ذلك وهو الحي القادر. إذن العالم يصدر عن صانع حكيم إما بالطبع أو بالإرادة، وعند الفلاسفة الطبع أكثر تنزيهًا من الإرادة التي غلب عليها التصور الأشعري، فالله صانع قادر رحيم بالطبع مما يؤدي في النهاية إلى التمايز عن نظرية الخلق المادة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

فلماذا أنكر الفلاسفة القائلون بأفعال الطبيعة أن يكون الله هو الموجب بذاته لسائر أفعالها وقواها لطبائعها؟ لماذا إنكار أن الله خالق الطبيعة وقد وصفت بصفات الله؟ فهي جوهر لم يزل، ليس بجسم، لا تستحيل ولا تتغير ولا يعتريها كون أو فساد، تدبر الكل، وكل أفعالها حكمة وصواب. يبدو أن الرازي يحاجج أصحاب الطبائع الذين يقولون بأن الطبيعة تخترع أجسامها مع أن وجود أجسام في الطبيعة لا تخلقها الطبيعة أكبر دليل على خلق الله لها. ويدحض أن تكون الطبيعة جوهرًا غير قائم بذاته على غير عادة الفكر الديني في اعتبارها غير قائمة بذاتها؛ لأن الله خالقها والمدبر لها، وأن الجوهر لديه لا يعني أكثر من الجسمية. وهذا لا ينفي الحدوث.١٢

القول بالجواهر الخمسة القديمة حتى ولو صحَّت الرواية عند الرازي لا يعني قِدَم العالم. هي قديمة والعالم محدث، ولا تعارض بين الاثنين.

الله الباري أي الخالق المعتني بالعالم. وضم الرازي النفس مع الله من أجل إثبات حدوث العالم. ويحدث العالم بسبب شهوة النفس لإيجاد عالم، وعدم قدرتها على النظام فأعانها الله. الله معين للنفس، ومحقق لرغباتها ومساعد لها على النظام. والعالم مخلوق طبقًا لرغبة النفس ولأجلها وليس لأجل الله. الله مثل التربوي، يحترم رغبات النفس ويجعلها تتعلم من نفسها. وهذا أكبر ردٍّ على الدهرية وقِدَم العالم الذي يجعل النفس بلا عالم مخلوق لها. الله مرشد ومربٍّ للنفس. أحيانًا يتركها لتتعلم بنفسها كما يترك الوالد الصبي الذي يشتهي البستان الذي فيه شوك وهوام دون كبته ومنعه حتى لدغتْه العقرب حتى يمتنع من نفسه، ويستعمل الرازي فعل «تجبل» للنفس. فالنفس تتجبل في العالم. وهو غير فعل «يفيض». فالفيض كرم، والتجبل طبيعة. والتجبل لا ينقص من القدرة الإلهية بل إنه أتم للحكمة، وأبلغ في الرحمة.١٣
ويرفض الرازي تشخيص الطبيعة ووصفها بما يوصف به المختار العالم الحكيم. كما يُنكر الغائية في الطبيعة لأنها تتضمن القصد وهو من صفات الكائن الحي. ويعطي الرازي مجموعة من الحجج في صيغة تساؤلات، مثل: كيف تكون الطبيعة وهي موات غير حية ولا حاسة ولا قادرة ولا مختارة ولا عالمة حية ومختارة وحكيمة؟ ولماذا لا تستكمل صفات الكائن الحي مثل النطق؟ هل الغضب والرضى والكراهية والإرادة والحب والفيض أفعال النفس أم أفعال الطبيعة؟ ولماذا لا تفعل الأعراض نفس المقاصد والغايات التي تفعلها الجواهر؟ هل تستطيع الطبيعة أن تبني دارًا كما يفعل الإنسان؟ هل يمكن للطبيعة أن تكون نفسًا نامية وناطقة وحية كما يمكن للنفس أن تكون طبيعية؟ هل تخترع الطبيعة أجسامًا؟ هل فساد الإنسان يؤدي إلى فساد الطبيعة لأنه فساد الأسطقسات التي منها تتكون الطبيعة؟ ويجمع الرازي بين التساؤل والسخرية. ويرفض بناء الخطاف لوكْرِه والزنابير لبيوتها بناء على حكمة وقصد؛ لأن فعل الحيوان ليس بالطبع، إنما الطبع في الجماد.١٤

يبدو أن الرازي يرفض المفهومَين المتعارضَين للطبيعة: الأول أن لها حكمةً وغاية لإفساح المجال لإثبات وجود الله كائنًا حيًّا مريدًا عاقلًا. والثاني أنها غير حكيمة ولا قصد لها؛ لأن ذلك ضد الحكمة الإلهية. كما يرفض أن تكون الطبيعة فوق الفلك أو دونه. كما يرفض القول بأن العالم واحد، عنصر لا نهاية له لغياب العلة، وحجة الفلاسفة أنه لا تثبت سنبلة في صحراء واسعة تقوم على عدم التمايز بين الأشياء، وتفترض أن العالم واحد. وما المانع في وجود عوالم لا نهاية لها وراء الخلاء؟

مقال ما بعد الطبيعة إذن أكبر محاجة على حدوث العالم ورفض قِدَمه. يبدأ بالطبيعة وينتهي إلى ما بعد الطبيعة. كل فقرة تبدأ بالطبيعة. فالإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى، والطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل. ولا يمكن الحديث عن الله دون الحديث عن الطبيعة كما هو الحال في علم أصول الدين في نظرية الوجود (الجوهر والأعراض) في المقدمات النظرية، وإثبات حدوث العالم، وبالتالي إثبات أن الله قديم.١٥

ولكن هل يمكن تجاوز نظرية القِدَم؟ يمكن للعالم الطبيعي والفيلسوف الطبيعي أن ينتهيَا إلى أن قِدَم العالم يقضي على كل ثنائيات الخلق المتقطعة، وثنائيات الفيض المتواصلة إلى وحدة العالم الطبيعي والقضاء على كل مظاهر الاغتراب فيه ومنه. فالعالم عالم واحد، يبحث العالم الطبيعي فيه لمعرفة قوانينه. والعمل فيه اعتمادًا على الذات، والخلود فيه بالذكرى والعمل الصالح دون ما حاجة إلى ازدواجية الفكر والسلوك والتي تؤدي إلى النفاق والرياء.

يمكن تطوير نظرية القِدَم، ونقل القدماء الخمسة من الطبيعة الكونية إلى العلوم الاجتماعية. فالهيولى الأولى تصبح الشعب أو الأمة، والزمان هو التاريخ، والمكان الأرض والحركة التقدم، والنفس الوعي، والباري الثقافة. وبالتالي تتحول الطبيعيات الإلهية أو الإلهيات الطبيعية إلى إنسانيات صريحة بعيدًا عن التكلس والتحجر، عودًا إلى علم العقائد القديم.

كما يمكن تجاوز نظرية القِدَم والتحول كلية من المستوى الطبيعي الإلهي الذي ما زالت تعمل فيه نظريات الخلق والفيض والقِدَم إلى المستوى الإنساني الخالص. فالعالم ينشأ في الشعور بمجرد الوعي به والعمل فيه، نجاحًا أو إخفاقًا. ومن ثَم لا يوجد إلا النفس والعالم، الذات والموضوع. والله في النفس مثل أعلى للتحقق، وفكرة محددة تحمي من القطعية، وتدفع إلى المفارقة المستمرة. والزمان والمكان بُعْدَا الفعل في العالم. وبالتالي تتحول ثنائية الخلق، الله والعالم إلى ثنائية النفس والعالم، وتتحول ثنائيات الفيض المتتالية رأسيًّا، نزولًا في الفيض وصعودًا في الإشراق إلى إيحاء أفقي متبادل بين الذات والموضوع، النفس والعالم. ويتحول قِدَم العالم من شعر الطبيعة إلى شعر الطبيعة والنفس، وحدة الطبيعة والروح. «إنها تمطر في السماء كما تمطر في قلبي».١٦
١  الرازي، الرسائل، ص٨١.
٢  السابق، ص١٧٠-١٧١.
٣  وصلت من الردود:
  • (أ)

    الكعبي رئيس معتزلة بغداد (٣١٩ﻫ).

  • (ب)

    الفارابي (٣٣٩ﻫ): كتاب الرد على الرازي في العلم الإلهي.

  • (جـ)

    ابن الهيثم (٤٣٠ﻫ) نقض على أبي بكر الرازي المتطبب رأيه في الإلهيات والنبوات.

  • (د)

    ابن حزم (٤٥٦ﻫ) كتاب التحقيق في نقض كتاب العلم الإلهي لمحمد بن زكريا الطبيب.

  • (هـ)

    ابن رضوان الطبيب المصري (٤٦٠ﻫ): الرد على الرازي في العلم الإلهي وإثبات الرب.

  • (و)

    ناصر خسرو (٤٨١ﻫ) رد عليه في «زاد المسافر» و«بستان العقل».

  • (ز)

    ابن ميمون (٦٠١ﻫ) نقد الرازي في أحد فصول «دلالة الحائرين»، وأشار إليه في رسالة إلى شموئيل بن يهوذا بن طيفون مترجم الكتاب إلى العبرية. «وضاع الأصل العربي وبقيت الترجمة العبرية وبها عبارة من كتاب العلم الإلهي الذي ألفه الرازي هو له، إلا أنه عديم الفائدة؛ لأن الرازي كان طبيبًا فقط».

٤  ذكره أيضًا البيروني وابن أبي أصيبعة وصاعد وابن حزم، وأشار إليه ابن ميمون بعنوان «الإلهيات». وذكره ابن النديم والقفطي بعنوان «الصغير في العلم الإلهي». وسماه البيروني «الإلهي الصغير على رأي سقراط». وربما هو الذي ذكره ابن أبي أصيبعة بعنوان «في العلم الإلهي على رأي أفلاطون». كما نسب ابن النديم إلى الرازي رسالةً لطيفة «في العلم الإلهي». وذكر كتاب «الحاصل في العلم الإلهي» الذي سماه البيروني «المحصل». وقال ابن أبي أصيبعة إن غرضه فيه ما يحصل من العلم الإلهي عن طريق الأخذ بالحرص وطريق البرهان.
٥  «وحُكي عن أبي يوسف بن إسحاق الكندي أنه كان يزعم أن حركة الفلك واحدة والزمان واحد لم يزل، وأن غدًا موجود غدًا، معدوم اليوم، وأن اليوم موجود اليوم معدوم غدًا، وأنهما غير منفصلين في وجود ولا وهم» (الرازي: ما بعد الطبيعة، الرسائل، ص١٣١).
٧  السابق، ص٣٢٠–٣٢٨.
٨  السابق، ص٣٠٦-٣٠٧.
٩  السابق، ص٢٦٤، ٢٦٧–٢٦٩.
١٠  السابق، ص٣١١–٣١٣، والحركة الثالثة مثل الصراط.
١١  السابق، ص٣٠٨–٣١١.
١٢  الرازي، مقال فيما بعد الطبيعة، مقدمة، ص١١٣–١١٥، النص، ص١١٦–١٣٤.
١٣  «إنما أقول إن الخمسة قديمة، وإن العالم محدث … وليست لنا على الدهرية أوكد من هذه وإن لم يكن هكذا فلا حجة لنا عليهم بتة بتة؛ لأنَّا لا نجد لإحداث العالم علة تثبت بحجة ولا برهان» (السابق، ص٣٠٨–٣١٠).
١٤  السابق، ص١١٧-١١٨، ١٢٤، ١٣٤.
١٥  وهو يُشبه الدليل الكوني أو الفيزيقي في العصر الوسيط، قبولًا عند توما الأكويني ورفضًا له عند كانط.
١٦  وقد أخذ هوسرل هذا الموقف في كتابة Ursprung der Welt والمثل الأخير بيت شعر لفرلين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤