رابعًا: المنطق الصوري (ابن سينا)

المنطق الصوري هو منطق ابن سينا في موسوعاته الأربع: «الشفاء»، و«النجاة»، و«الإشارات والتنبيهات»، و«عيون الحكمة». وهو الذي أصبح نموذجًا لمنطق الفلاسفة. وهو بناء صوري محكم، النفل فيه أكثر من الإبداع، والتحليل الصوري فيه أكثر من التحليل المادي أو تحليل الشعور. وهو الذي في حاجة إلى إعادة بناء وتغيير مستوى التحليل من المستوى الصوري المجرد الخالص إلى المستوى المادي الشعوري، وتحويله من منطق للقضايا والتراكيب المصطنعة إلى منطق للاستعمال.

(١) منطق «الشفاء»

وهو المنطق النموذجي للمنطق الصوري المتكامل. لا تتساوى أجزاؤه من حيث المؤشرات والدلالات. فهناك أجزاءٌ أكثر دلالة من غيرها؛ مثل «العبارة»، و«القياس»، و«البرهان»، و«الجدل»، و«الشعر». هو حائط مصمت، لا يمكن النفاذ إليه، باب مغلق لا يمكن الدخول إليه. يحدث عند القارئ ردُّ فعلٍ طبيعي ضد الصورية، ويُحيله إلى مادة الفكر وإلى منطق الاستعمال ومناهج البحث. فالمنطق وسيلة وليس غاية، أداة وليس علمًا. وإذا كانت الأداة غيرَ قابلة للاستعمال فإنها تُصبح غاية في ذاتها، تتحجر، وتتيبس مما يدفع المنطقي إلى التحول كليةً من الصورة إلى المادة، ومن أشكال القضايا إلى مضمون الفكر.

كان هدف ابن سينا هو عرض الوافد عرضًا نسقيًّا دون سياق وافد أو موروث، ودون غاية أو هدف، وكأن علوم الوسائل غايات في ذاتها، مجرد تغطية الواقع بمعلومات كما هو الحال في هذا العصر مع الثقافة الوافدة من الغرب. ولابن سينا رؤية كلية للموضوع بالرغم من عرضه لأجزاء المنطق جزءًا جزءًا. ويعود إلى الفرض الأول حين الإحساس بالتطويل. والسؤال هو كيف عرف ابنُ سينا ذلك كلَّه، فَهِمه وتمثَّله ووعاه وأعاد بناءَه؟ هل يستطيع ذهنٌ واحد أن يعيَ كلَّ ذلك؟ جمع ابنُ سينا معرفةً ثابتة غير متحركة، لا فرق بين رياضة وفلك وهندسة حساب، ومنطق وطبيعيات وإلهيات. هل ساعده آخرون كما يفعل بعضُ الباحثين المعاصرين غربًا وشرقًا في ترك المساعدين تجميع المادة لهم.١
ولا يهمُّ اكتشافُ هذا أو ذلك من الأشكال الصورية أو التحليلات المنطقية، بل ما يهمُّ هو الموقف الحضاري. فالإبداع لا يأتي على مستوى الغير بل على مستوى الذات. قد يكون هناك إبداعٌ جزئي مستور، ويكون إبداعًا فرديًّا وليس إبداعًا حضاريًّا، تهميشًا فرديًّا وليس موقفًا حضاريًّا مبدئيًّا. ليست القضية ماذا أضاف لأرسطو، ولكن القضية هي تمثلُ الوافد، وإعادةُ عرضِه عرضًا نسقيًّا دون شرحٍ أو تعليق أو توجُّه نحو غاية، ودون حاجة إلى أصول أو فروع، مجرد تمثُّل وإخراج. ليس المهم الاكتشافات الصغيرة والإضافات الجزئية حتى لا يدورَ الإبداع في كنف الآخر. الموقف الحضاري الكلي شرطُ الإبداع الذاتي. لا يهمُّ الموضوع بل الموقف الحضاري. فالموضوع كاشف له ومرآة تعكس ما وراء الموضوع. لذلك يُدرس «الشفاء» لمعرفة مواطن الإبداع فيه وتجميعها من الإضافات الجزئية والقراءات الشعورية أو اللاشعورية.٢
ولابن سينا مهمةٌ إصلاحية في المنطق يقوم بدور التنبيه والتقويم له ويُحيل إليه. يُخلِّصه من انحرافاته ومما لا جدوى منه بالرغم من تكرارها حسب العادة.٣أحيانًا يعرض ابن سينا طبقًا للعادة وأحيانًا يخرج عليها. والنزول حسب العادة يدل على إحساس بالنقد دون أن يحدث، ولغاية تعليمية.٤ العرض قبل النقد، والعلم قبل التطوير، والتحصيل قبل الإكمال. في حين يتميز الفقهاء؛ كابن تيمية بالحس النقدي أولًا دون ما حاجة إلى عرض أو تعليم. وإذا ما احتاج؛ كابن حزم والغزالي، فإنه يستعمل الموروث أداةً لعرض الوافد، وكأن الوافدَ خارجٌ من الموروث. لا يقوم ابن سينا بالشرح والتلخيص والتعليق فهذا دور الشراح والمفسرين. إنما يقوم بالمراجعة والتحقق من صدق القول. ويدعو إلى التجربة الذاتية.٥ ويبحث عن الأصول التي يستند إليها العرض ويضرب له المثل. وإذا ما اكتشف الحقيقة بنفسه فإنه يقوم بنقد الشراح وبعض أخطائهم. ويستدل بأقوال الشعراء، مادة جديدة أقرب إلى الفطرة والبديهة لعرض المنطق وإعادة بنائه. ويمكن مقارنة منطق «الشفاء» بمنطق أرسطو لمعرفة كيفية التحول من النقل إلى الإبداع، ماذا أخذ ابن سينا وماذا ترك، كيف قرأ وأعاد بناء الوافد طبقًا لحاجات الموروث وتصوراته.
و«الشفاء» أقرب إلى الأمالي، أي الخطاب الشفاهي على عكس «النجاة»، و«الإشارات والتنبيهات»، القراءة وليست الكتابة، المقروء وليس المكتوب، الشفاهي وليس المدوَّن، الإملاء وليس التأليف في حضارة تقوم على التراث الشفاهي. ويعترف ابن سينا ببعض مصادره المدوَّنة وينقدها. ويدل نقدُه على فهمٍ وإحاطة وعمق. كان يراجع ما ألَّف. فقد تمت مراجعة القياس بعد حوالي عشرين عامًا من صيغته الأولى، وإضافة شروح أخرى عليه بعد التحقق من صحتها ومراجعتها على أصل القياس. ويُدرك ابن سينا قضيةَ الانتحال، ليس عن طريق النقد التاريخي للروايات والمصادر بل عن طريق نقد النص ذاته، وإلى أيِّ حدٍّ يعبر عن الأصل أو منحرف عنه، غامض، تفريع على الأصل دون مبالغة ودون انحراف عن القصد. وينقد أوجه الفساد في القضايا وقياساتها وأدلة الإنتاج والعقم فيها، وتعديد ضروب أشكالها. وينصح بعدم تعليمها لأنها زيغ وضلال. ويقدِّم نقدًا مفصَّلًا لهذا الكتاب المنحول بأنه لم يُعرِّف الإيجاب والسلب في الشرطيات، وكيف تكون الكلية والجزئية والإهمال، وكيف تتضاد الشرطيات وتتداخل وتتناقض. وأضاف هذا كلَّه إلى المفصلات. واشتغل بعكس الشرطي بنوع واحد. ولم يُعرف جميع الاقترانات. كما اقتصر على اقترانات بين المتصلات والمنفصلات ولم يستوفِها جميعَها. وكثَّرها فوق العدد الواجب؛ لأن عدد الأشياء الداخلة تحت الحكم واحدٌ وكأنها ذات أحكام مختلفة. كان يكفيه أن يردَّ الحكم الكلي دون تكثير أصنافها بحسب تعدُّدِ إبدالات المقدم أو الكمية أو الكيفية التي لا يتغير بتغيرها حكمٌ. وظن بالعقيم أنه منتجٌ، وأن الإنتاج لا يحتاج إلى كمال القياس. وظن بالمنتج أنه عقيمٌ، ولم يبيِّن المنتج. وظن أن المنفصل يتميز فيه التالي عن المقدم. وعدَّ التأليفات مرة في شكل ومرة في آخر، مقدِّمًا المشترك مرة ومؤخرًا له مرة أخرى. وظنَّ أن في كثير من الاقترانات التي لا يوجد فيها الأوسط شيئًا بعينه أنه قياس بسيط وهو في حكم المركب. هذه هي وجوه الزيف فيه.٦ فهل صحيح اعترفَ ابنُ سينا أنه غاب عنه أم حفظه ولخَّصه واعتمد عليه واستيعابه من الذاكرة؟ وهو اعتراف في منتصف كتاب القياس وليس في أوله أو آخره. وهل هو صادق الاعتراف؟
ولما كان «الشفاء» عرضًا نسقيًّا للوافد فإن ابن سينا يبدأ المنطق بعرض كتبِه كتابًا كتابًا ابتداءً من العبارة بعد إيساغوجي والمقولات مع كثرة الدلالات في العبارة والقياس والبرهان والجدل والشعر. ومن حيث الكم يتصدر القياسُ كلَّ أجزاء المنطق ثم يأتي بعد ذلك الجدل ثم البرهان ثم العبارة ثم الشعر.٧ والاختصار أفضل من التطويل قراءةً وتركيزًا ووضوحًا وغاية. ومن ثَم فالشعر أفضل من حيث الهدف من القياس، وأقرب إلى الإبداع منه إلى النقل في حين أن القياس أقرب إلى النقل منه إلى الإبداع. والقياس أضخم من البرهان مع أنه أقل أهمية.

(أ) العبارة

تحتوي العبارة على مجرد مقالَين. الأول مقسَّم إلى ثلاثة أقسام، والثاني إلى خمسة.٨ وهو أضخم جزء في منطق القضايا. والعبارة قول جازم لإثبات أمر أو نفيه، أو يحتمل الصدق والكذب. فلا يدخل فيه الاستفهام والطلب والتمني. هو القول الخبري وليس القولَ الإنشائي. وبالرغم مما يبدو عليه من نقل إلا أن ابن سينا أدخل عليه بعضَ التعديلات قبل أن يحاول الإبداع الخالص في «منطق المشرقيِّين» بالرغم من غلبة النقل عليه بعد إعلان النوايا في المقدمة عن ضرورة إبداع منطق خاص بالمشرقيِّين على خلاف منطق اليونان. أولًا: توسَّع ابن سينا في القضايا والأقيسة الشرطية. ثانيًا: فصل بين المنطق كعلم وبين الجوانب الإنشائية فيه. فالإثباتُ سابقٌ على النفي منطقيًّا، وليس لأن الإيجاب أشرف من السلب، «فهذا نوع من العلم لا أفهمه ولا أميل إلى فهمه». كما يُفرِّق ابن سينا بين المحصلة والمعدولة (التي لا يكون النفي فيها للمحمول)، كما فعل المشاءون المتأخرون. ثالثًا: أهمل العرب القضايا ذوات الجهة، وهي الوجوب والإمكان والامتناع؛ لأنها أفضل في الميتافيزيقا. عرضها ابن سينا في «النجاة» و«الإشارات والتنبيهات». وهي تُعادل أحكامَ العقل الثلاثة في علم أصول الدين. رابعًا: أضاف ابن سينا في تقابل القضايا حصر أنواع القضايا وجعلها أربعة: التناقض، والتضاد، والتداخل تحت التضاد، والمتداخل مع التركيز على الأول؛ لأنه أوضحها وأقواها. وقد اعتنى أرسطو بالأول والثاني، واعتبر الثالث لفظيًّا لا منطقيًّا، وأهمل الرابع تمامًا. ولم يُشِر أرسطو إلى العكس كثيرًا إلا في كتاب القياس. والعكس هو جعل المحمول موضوعًا، والموضوع محمولًا مع بقاء السلب والإيجاب، والصدق والكذب. ويتناوله ابن سينا في القضايا ذوات الجهة زيادة على أرسطو، وينتهي إلى أنواع العكس الثلاثة، وهي:
  • (أ)

    الكلية السالبة والجزئية الموجبة تنعكسان عكسًا بسيطًا.

  • (ب)

    الكلية الموجبة تنعكس بالعرض.

  • (جـ)
    الجزئية السالبة عكس النقيض.٩
ويرفض ابنُ سينا إدخالَ فكرة الكم في المحمول لأنها تُخرجه عن طبيعته، وتتنافى مع فكرة الحمل الأرسطية. كما أن القضايا التي يسور محمولها منحرفات عن أرسطو ومن وضع الشراح. يدافع ابن سينا عن أرسطو ولا يتبعه. وأراد التحرر منه والاستقلال عنه في الرأي في ميدان تابَع فيه الفلاسفةُ المعلمَ الأول، وهو المنطق.١٠ وقد يكون كتاب العبارة أكثرَ أجزاء الشفاء دلالة؛ لما به من روح الفارابي المنطقي وإبداعاته الجزئية المتناثرة داخل النسق المنطقي.

ومع ذلك، يدل إعادةُ عرض ابن سينا في كتاب «العبارة» على توجُّهٍ من المعنى نحو اللفظ، وجعل المنطق تحليلًا في اللفظ وليس تحليلًا للمعنى، وكأنه أقرب إلى أبي سعيد السيرافي منه إلى متَّى بن يونس في المناظرة الشهيرة بين النحو والمنطق التي يرويها أبو حيان. يُحول ابن سينا المنطق إلى نحو كما فعل الفارابي من قبل، ويقرأ منطق أرسطو قراءة لغوية، ويكتشف أن أرسطو لم يُدخل الأداة. فالكلام اسم وفعل وحرف، وكأن الوافد المنطقي الصوري يعاد تركيبه على الموروث في علم أصول الفقه. وإن لم يكن ابن سينا قد عرف اليونانية إلا أنه يقوم بمقارنات لغوية معتمدًا على معرفته بالعربية والفارسية. كما قارن بين الجملة اليونانية والجملة العربية، والتخلي عن بنية الجملة الوافدة وتبني بناء الجملة الموروثة حتى إنه ليبتعد عن أرسطو. فليس الالتصاق بأرسطو هو المقياس؛ لأن كتاب «العبارة» ليس شرحًا أو تلخيصًا أو جامعًا، بل هو عرض أو تأليف في الوافد من أجل إيجاد نسق متكامل له لنقده أو إعادة بنائه.

ويكتشف ابنُ سينا غيابَ الرابطة في اللغة العربية في القضية الحملية وكما نبَّه على ذلك الفارابي من قبل دون الإشارة إليه نظرًا لصمت ابن سينا عن مصادره.١١وقد ذُكرت صراحةً في اللغتين اليونانية والفارسية؛ لأن فعل الكينونة فيهما يتجرد عن الزمان في حين أن القضية الشرطية في اللغة العربية تذكر فيها الرابطة مثل اللغة اليونانية. لم يُحلل أرسطو الرابطة واقتصر في ذلك على الحملية.
والقضية التي شغلت مبحث العبارة، هي: هل اللغة توقيفٌ أم اصطلاح؟ ويميل ابن سينا إلى الاصطلاح، ليس تبعيةً لأرسطو ولكن كموقف مضاد للأصوليين، ونظرًا لحاجة التوقيف إلى الاصطلاح، وأن الاصطلاح أقرب إلى العلم، والعلم حكمة، في حين أن التوقيف أقرب إلى الدين. وهي مشكلة أصولية وليست مشكلةً أرسطية. تظهر في بداية تحليل اللغة والبحث عن نشأتها في أول مباحث الألفاظ عند الأصوليين. وهي في الكتابة في تفسير نشأة الكتابة وليست في المنطق. فالأعلام اثنان، نطق وكتابة، بالرغم من تعوُّد المفسرين تفسير وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا بالنطق أكثر من الكتابة. الإعلام الأول بالنطق، والإعلام الثاني بالكتابة لإعلام الغائبين. والكتابة بداية من الله وبإلهام منه.١٢

فابنُ سينا أقربُ إلى الاصطلاح من عدم رفض التوقيف. يبيِّن عدمَ كفاية التوقيف دون الاصطلاح، والدين دون الحكمة، والنقل دون العقل. وحتى لو كان التوقيف صحيحًا فإنه لا يكفي دون أن يصرح ابن سينا بعدم كفاية الاصطلاح. إذا كان التوقيف افتراضًا فإن الاصطلاح واقع. التوقيف احتمالات، والوضع احتمال واحد. إذا كان اللفظ توقيفًا على الاحتمال فإن الحرف اصطلاح على اليقين. التوقيف بداية ميتافيزيقية، والاصطلاح مشاهدة عيانية. التوقيف في الماضي، والاصطلاح في الحاضر. يتغير التوقيف، ولا يضمن الاستمرار إلا الاصطلاح. بل قد يضيع التوقيف، ولا يبقى إلا الاصطلاح. والتراضي بين الأفراد في الاصطلاح غير ضروري بعد تحوُّل الأمر إلى ظاهرة اجتماعية عليَّة لا مشخصة. عيبُ التوقيف أنه مشخصٌ. المعلم الأول في التوقيف هو الله، وليس أرسطو، معلم واحد، والتوقيف متعدد طبقًا للمجتمعات. وعلى هذا النحو ينتقل ابن سينا بحساسية سديدة من الدين إلى العلم، ومن الله إلى الإنسان، ومن النقل إلى العقل.

هناك إذن ثلاثةُ أشياء: اللفظ، والمعنى في النفس، والحرف أول الكتابة. يتحول المعنى النفسي إلى لفظٍ دالٍّ على معنًى. ثم يتحول إلى حروف مكتوبة دالة على معنى. وهو أدخل في علم صناعة اللغة والكتابة، ولا يتناوله المنطقيُّ إلا عرضًا. وظيفةُ المنطقيِّ معرفةُ حال اللفظ من جهة دلالته على المعاني المفردة والمؤلفة ليتوصل بها إلى حال المعاني أنفسها من حيث يتألف منها شيءٌ يُفيد علمًا بمجهول.

ويظهر البُعد النفسي في كتاب «العبارة» تحويلًا للمنطق من المستوى الصوري إلى المستوى النفسي كما فعل إخوان الصفا من قبل. وابن سينا يجعل هذا التحول في علمٍ آخرَ غير المنطق، يتناول كيف تتصور النفسُ صورَ الأمور، وكيف يحصل فيها ذلك، وما الذي يعرضُ للصور وهي في النفس وهي خارج النفس، وما الفاعل سبب إخراج قوة التصور إلى الفعل. ويعني بذلك علمَ النفس. فالمنطق الصوري يُردُّ إلى المنطق النفسي.

ومما لا شك فيه أن منطق ابن سينا يتسم بالإسهاب والغموض في آنٍ واحد، على عكس منطق الفارابي الذي يتسم بالتركيز والوضوح. أسلوبُه صوريٌّ خالص، يفقد سماتِ الأسلوب العربي الموجز الواضح الذي يؤثر في النفس، ويعتمد على التصوير الفني. وتتحول احتمالات الفكر وكأنها ألاعيبُ الكراسي الموسيقية في أشكال العبارات بحيث يُصبح الفكر مقلوبًا على نفسه، وكأن تحليل صورة الفكر غايةٌ في ذاتها، وليس متوجهًا نحو الواقع أو المخاطب للتأثير فيه كما هو الحال في منطق الوحي.١٣ وتتحول القضايا وكأنها أبيات شعر، دون تجربة شعرية، ودون أصل الشعر ومادته.١٤ ويشعر ابن سينا نفسه بذلك حين يُخرج المنطق من كونه منطقًا ليصبح أشبهَ بالمماحكات الجدلية. ويتبع ابنُ سينا في ذلك ما جرت عليه العادة.١٥

(ب) القياس

ونظرًا لاتباع ابن سينا منهجَ العرض فإنه يكاد يلتقي مع أرسطو في كتاب القياس خطوة خطوة. إلا أنه أغزر مادة، وأكثر تفصيلًا بعد أن ضمَّ إليه بعض شروح المتقدمين والمتأخرين. فاختلطت الأرسطية بالمشائية كما هو الحال في العصرَين الهللينستي والمسيحي في العصور الوسطى المتقدمة والمتأخرة. حاول ابنُ سينا عرضَ قياس أرسطو عرضًا دقيقًا. وأحيانًا يأخذ عبارته بنفسها.

وابن سينا ليس مؤرخًا يفصل بين ما لأرسطو وما للشراح، ويميز بين ما لأرسطو والشراح من ناحية وبين قراءته هو لهما وإضافته عليهما من ناحية أخرى. هذا التمييز بين الموضوعي والذاتي لا وجود له في القراءة، إعادة بناء الآخر من منظور الأنا، وإعادة تركيب الوافد على الموروث. ومن ثَم قد يُعزَى لأرسطوطاليس ما ليس له. وقد يعزو لنفسه ما لأرسطو. ليست مهمة الحكيم التاريخ بل البنية. ولا يهمُّ إذا كانت معلومات ابن سينا التاريخية محدودة أو خاطئة أحيانًا، مثل أن أرشميدس لم يعرف المنطق في زمانه مع أنه أتى بعد أرسطو بمائة عام؛ لأن مهمة ابن سينا ليس التاريخ بل البنية.١٦ لذلك يصعب التمييز بين ما للمعروض وما للعارض، ما للموضوع وما للذات، ما لأرسطو وما لابن سينا طبقًا لعلم القراءة بما في ذلك ضرب الأمثلة إلا إذا كانت واضحة متميزة، يونانية أم عربية. لا يتعامل ابن سينا مع أشخاص بل مع نصوص. ولا يتناول مؤلفين بل أعمالًا. فيذكر كتاب «الأصول» في الهندسة دون إقليدس.١٧ وقد يصل التعميم والإخفاء إلى أقصى درجة. تجاوز قول فلان وفلان من ناحية الألفاظ وتوجَّه مباشرة إلى بنية الخطاب.١٨
وإذا كان القياس إما اقترانيًّا أو استثنائيًّا، وكان الاقتراني إما حمليًّا أو شرطيًّا، وكان الشرطي إما متصلًا وإما منفصلًا؛ فإن أرسطو لم يفصل في الشرطيات. وقد تدارك ذلك ثاوفرسطس والرواقيون. وأخذ عنهم ابن سينا مع بعض التعديل. وآثر الشرطيات لأنها أقرب إلى الاستعمال، وأشد علوقًا بالطبع. فالفطرة أحد موجهات ابن سينا في القياس. ويُشير ابن سينا إلى أنه وقع في يده كتابٌ في الشرطيات يُعزَى إلى الإسكندر الأفروديسي أو فاضل المتأخرين. ويلاحظ أنه غير واضح، مملوء بالأخطاء، ويرجِّح أنه منحول. وينتقص ابن سينا القياس الاستثنائي. وهو جانب هام في المنطق الرواقي. لا يعرض ابن سينا إذن القياس على نحوٍ «محايد»، بل يوجهه طبقًا لأهدافه وبواعثه واهتماماته وربما طبقًا لسياقه الحضاري.١٩
ولا يقبل ابنُ سينا إلا الأشكال الثلاثة للقياس، والأول أكملها. ويرفض الثاني وهو الرابع؛ لأنه بعيد عن الطبع، ولا تكاد تسبق قياسيته إلى الذهن، وفي إثبات مجيئه كلفة وصنعة. والأخيران أقل وضوحًا من الأول. فالطبع أي الفطرة مقاييس الحكم على أرسطو. كما ابتعد ابن سينا عن أرسطو، وحاول حصر أشكال القياس على أساس مدى انطباق الحد الأوسط على الطرفين، وبالتالي لا توجد إلا أشكالٌ ثلاثة. وقد وضع جالينوس فاضل الأطباء الشكل الرابع خروجًا على أرسطو. وتوسَّع فيه ثاوفرسطس. عرفه أرسطو ولكنه لم يعترف به. ومن ثَم يأخذ ابن سينا صفَّ أرسطو ضد الشراح. ويعتبر أن نظريته في القياس كاملة لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان، ومطابقة للعقل والفطرة، وهما مقياسَا الوحي. وأحيانًا يتبع ابن سينا الشراح السابقين خاصة ثاوفرسطس والرواقيين، ويعزو أقوالهم لأرسطو؛ لأن المعلم الأول أعظم من أن ينسى شيئًا. وإن تعارض أرسطو مع الشراح يرجح أرسطو طبقًا لقواعد التعارض والتراجيح في علم الأصول إذا ما تعارض القرآن والسنة وترجيح القرآن. ويعيب ابن سينا على جالينوس أنه خطَّأ أرسطو في مقال ورد في كتاب «النفس». فجالينوس له سبقٌ في الطب، ونكوص في المنطق، مثل ما فعل الفارابي في الرد على جالينوس في نقده لأرسطو. وفي القياس يبدأ ابن سينا والمناطقة العرب بالصغرى ثم بالكبرى ليس أثرًا من أمثلة أرسطو في الشكل الأول ولكن تبعًا لأصول الفقه والقياس التمثيلي، حكم الجزء على الجزء. لذلك عقد ابن سينا فصلًا للقياسات الفقهية مبيِّنًا الصلة بينها وبين التمثيل المنطقي وإلى حدٍّ يكون التمثيل أوفَى طرق البرهنة.٢٠

ويُحيل ابن سينا في كتاب القياس إلى الجدل والسفسطة وكأنهما أسبقُ وجودًا. فترتيبُ المنطق إذن ليس هو ترتيبَ التأليف، والبنية غير التاريخ. فنقيض القياس هو الجدل مما يدل على وحدة أجزاء المنطق، منطق اليقين ومنطق الظن. والقياس الكلي قبل الأقيسة الخاصة البرهانية والجدلية والسوفسطائية والخطابية والشعرية. ويضع ابنُ سينا نظريةً ممكنة في تصنيف القياس بناء على مقدماته، وينتهي إلى وجوه خمسة ذات فائدة في الحياة العامة ومصالح المدينة تُعادل لا شعوريًّا أحكامَ التكليف الخمسة، ومستمدة من أبي حيان دون ذكره وهي:

ويدل هذا التصنيف على إمكانية تركيب الوافد على الموروث وقياسات المنطق في أحكام التكليف. وهو إبداع شعوري أو لا شعوري من ابن سينا. وأحيانًا يصنف ابنُ سينا كتبَ المنطق إلى ثلاثي: المقولات، والعبارة، والقياس، وإلى خماسي: البرهان، والجدل، والسفسطة، والخطابة، والشعر. الثلاثي مقدمة، والخماسي نتيجة كما هو الحال عند الفارابي ودون ذكره. كما يقال الممكن عند العامة على معنى هو مطابق لمعنى غير الممتنع، وعند الخاصة على معنى آخر مطابق لمعنى غير الضروري. هناك مستويات عدة للمنطق طبقًا للعامة أو الخاصة. وهي قسمة إسلامية في علم أصول الدين وعلوم الحكمة والتصوف. وهناك وحدة في فكر ابن سينا تتخلل أعمالَه كلَّها بالإضافة إلى طابعها الموسوعي. ففي القياس يُحال أيضًا إلى حي بن يقظان.٢١
ويغلب على القياس الطابعُ الصوري الرياضي العام، حتى إن المنطق لم يَعُد فكرًا، بل أصبح رياضةً خالصة مجرد معادلات رياضية في تلازم المقدمات الشرطية وتقابلها. لذلك يبدو ابن سينا منطقيًّا لنفسه وليس مفكرًا للآخرين. المعركة غير واضحة، مَن ضدُّ مَن، وبأية وسيلة، ولأية غاية؟ وذلك على عكس علم الكلام وصراع الفرق.٢٢ كما يبدو مسار الفكر وراء هذا الكمِّ الهائل من التجميع لمواد مصمتة لا غاية فيها ولا اتجاه. فقد بيَّن ماهية القياس وضروبه، والفرق بين البسيط منه والمركب، والفرق بين الصحيح وغير الصحيح حتى يتم الانتفاع به واكتسابه وتطبيقه. والطريقة المسهبة التي اتبعها ابنُ سينا في أشكال القياس لا يقدر المتعلم على تعلُّمِها أولًا ثم تطبيقها والاستفادة منها في حياته العملية ثانيًا.٢٣ وأحيانًا يبدو مسار الفكر جريًا وراء العادة، نقلًا لا إبداعًا.٢٤ ويخلو كتاب القياس من أيِّ إطار بيئي موروث أو سياق حضاري إسلامي وكأنه مجردُ اجترار للوافد له باستثناء الفصل الحادي والعشرين عن القياسات الفقهية والتعقلية.
واتباعُ ابنِ سينا طريقةَ القسمة ليس من أرسطو أو أفلاطون، بل هو أحد طرق العلم في الموروث كما وضح عند إخوان الصفا. استعملها أرسطو كما استعملها أفلاطون. وينظر ابن سينا إلى الحد الأوسط من ناحية المفهوم والماصدق معًا للجمع بين الأجزاء في منظور كلي واحد كما جمع الفارابي بين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس الحكيم.٢٥ وظل فصلُ الاستقراء في القياس صغيرًا للغاية ما دام «الشفاء» عرضًا للوافد. فهكذا حجمه في منطق أرسطو.٢٦ والإضافة ليست في علوم الحكمة، بل في علم الأصول وعند الفقهاء الذين نقدوا صورية المنطق الأرسطي، ووضعوا منطقًا حسيًّا استقرائيًّا جديدًا كما فعل ابن تيمية. وربما لم تكن لدى ابن سينا مادة استقرائية واحدة كما كان لديه في القياس من جالينوس والإسكندر وثامسطيوس وأوديموس وغيرهم.
ويظهر البُعد النفسي على استحياء، انتقالًا من المنطق الرياضي إلى المنطق النفسي بالإحالة إلى أفلاطون ونظريته في أن التعلم تذكر، وقسمة المعرفة إلى عامية وخاصة، بالقوة وبالفعل، بالكلي والجزئي، ودور الوهم والظن. ويدخل ابن سينا مادة حية في أشكال القياس من أفلاطون أيضًا. كما يختار أمثلة من علاقة الحبيب بالحبيب والعذرية والجسدية للتخفيف من حدة صورية الأقيسة وأفعال المحبة بلا جماع آثر في المحبة من الجماع، والأفضل هو الكمال مما يضع سؤالًا عن أشكال القياس وسلم القيم بين المنطق والأخلاق.٢٧
وتبدو آليات الإبداع المحدود في طريقة الربط بين الفقرات، الإعلان عما تم في السابق، وعما يتم حاليًّا وعما سيتم في المستقبل. وقد يتم الجمع بين الماضي والحاضر أو بين الماضي والمستقبل أو بين الحاضر والمستقبل.٢٨ ويُؤخذ الموضوع ثم يُترك ثم يُعاد إليه بعيدًا عن التطويل والاستطراد.٢٩ كما تظهر بعض الفقرات إعلانًا عن بداية أو نهاية. وكلُّها ربط مفتعل بين فقرات أغلبها تجميع. ويظهر أسلوب المسلمين في تخيُّل الاعتراض سلفًا والرد عليه سلفًا.٣٠ وتظهر فقرات رابطة أخرى للبيان والكشف والتوضيح والشرح في الماضي والحاضر والمستقبل.٣١ وتظهر فقرات لمخاطبة القارئ؛ فالكتابة رسالة له كي يتحقق مع المؤلف من صدْق القول.٣٢

ويظل كتاب «القياس» في النهاية بغير ذي دلالة كبيرة إلا بعد فحصٍ وتعمُّق واستقصاء؛ لأنه لأول وهلة يخلو من موروث صريح: آية، أو حديث، أو علَم إسلامي. ولو كان «الشفاء» قد كُتب بناء على طلب في التأليف في الوافد، فهل يمكن ذلك دون إطار الموروث لإمكانية التعريف بالوافد في بيئة مغايرة؟ وبالتالي يظل إخوان الصفا هم الذين قاموا بذلك على أفضل وجه، صبُّ الوافد في الموروث، ووضعُ الخارج في الداخل، ووضع العقل في النقل بالرغم من اختيار الإخوان تيارًا واحدًا من الموروث لصبِّ الوافد فيه، وهو التيار الإشراقي الصوفي، النفسي الإلهي.

(ﺟ) البرهان

وكتاب «البرهان» مقسم إلى أربعة مقالات متساوية تقريبًا. يخلو من عناوين فرعية مما يدل على غياب التصورات والموضوعات٣٣ وكان من الكتب الممنوعة قراءتها لأنه عقل صرف، قد يمثل خطورة على النقل. وقد اعترف الفارابي، معلم ابن سينا بذلك، أنه قد تعلم إلى آخر كتاب البرهان. وكان الجزء الذي لا يُقرأ بعد الأشكال الوجودية عند النصارى ثم قرأه المسلمون ابتداء من الأشكال الوجودية.٣٤ وقد تناوله ابن سينا في باقي موسوعاته بالإضافة إلى الحكمة العروضية، «والحكمة العلائية» (بالفارسية) وفي «القصيدة المزدوجة» في المنطق وفي «منطق المشرقيين».
و«البرهان» يحاذي قولَ المعلم الأول كأنه يُفسِّره أو يُلخِّصه. وفي نفس الوقت يستطرد في بعض المواضع لإكمالِه ودفعِه إلى أقصى حدوده ونتائجه القصوى. أرسطو نقطة البداية وليس نقطةَ النهاية. هو ليس تفسيرًا؛ لأنه لا يتابع النص جملة جملة، ولا يتعرض للمسائل اللغوية، ولا ينقل من النص المعروف. وهو ليس تلخيصًا مثل ملخصات ابن رشد؛ لأنه أكبر من النص الأصلي بمقدار الضِّعف. لم يتقيد بترتيب الأصل بل يتبع طريقة أكثر منطقية، ويُضيف أشياء من تفكيره الخاص. ويُطلق لنفسه العنان اعتمادًا على تفاسير اليونان أو شرح الفارابي.٣٥
ومصادر البرهان معروفة أكثر من مصادر القياس، نص أرسطو، بعض الشراح اليونان؛ مثل: ثامسطيوس، وبعض نصارى العرب؛ مثل: يحيى النحوي، وأبو يحيى بن إبراهيم المروزي، وابن الخمار، وأبو بشر متَّى بن يونس، وقويري، وبعض الشراح المسلمين مثل الكِنْدي والرازي والفارابي بالرغم من أن ابن سينا لم يذكر اسمَ شرح أو شارح. كان في عراك مع شراح أرسطو العرب، من بغداد مدينة السلام لضعف هؤلاء البغدادية، وتقصيرهم وجهلهم وسهو المفسرين باستثناء الفارابي والشراح اليونان.٣٦ وابن سينا على وعيٍ تامٍّ بتطور المنطق من المتقدمين إلى المتأخرين. فقد غفل المتأخرون ما وصل إليه المتقدمون، وأساءوا تأويلَ أقوالهم طبقًا للتصور الموروث اللاشعوري عند ابن سينا، أن السلف خير من الخلف، وهو سبب اختلاف ابن سينا مع المفسرين، مع أنه أيضًا من الخلف.

ويبدو أن ابن سينا كان على قُرب من النص المترجم نظرًا لظهور مصطلحات النقل كما كانت تبدو عند الكِنْدي، مثل برهان اللم والهلية بالرغم من بُعْد المسافة الزمنية بين مرحلة النقل ومرحلة التأليف. فالأشكال الأدبية أنماط حضارية بصرف النظر عن الزمان. ومع ذلك يظل السؤال: ما الجديد في «البرهان»؟

يشهد تلميذه البوزجاني أن منطق «الشفاء» بدأ من أرسطو ولكنه لم ينتهِ إليه. بل نقده حتى طال المنطق على عكس كتاب «الحيوان» الذي كان فيه أقرب إلى أرسطو.٣٧ لم يلتزم بمحاذاة أرسطو. أحيانًا يقتبس منه نصًّا ثم يدمجه خلال كلامه دون تمييز بينهما كما هو الحال في «الشرح الأوسط» أو «التلخيص» عند ابن رشد. وأحيانًا أخرى، وهو الأغلب، يعرض لمسائل أرسطو وموضوعاته دون التقيد بنص الموضوع. ويورد شواهد إما من المعلم الأول أو بالاستعارة من علم الطب. وأحيانًا تأتي الشواهد من الطبيعيات والآثار العلوية ربما سبق إليها الرازي، فقد قام بذلك من قبل منتهيًا إلى أن مقتضيات البرهان كما عرضها أرسطو لا تصلح لتحصيل الحقائق العلمية بل تقف دون تقدُّم العلم. ومن الضروري أخذُ مقياسٍ آخر أقل صلابة لتحقيق البرهان العلمي، فالعلم لا يعتمد على برهان العقل وحده بل أيضًا على التجربة، وأحيانًا يكون الواقع أكثر غنًى وثراءً من العقل، وأحيانًا تكون النسخ الموجودة من الأصل عند ابن سينا هي المسئولة عن سوء الفهم لألفاظها، أي أن ابن سينا يضع احتمال الصحة التاريخية للنص، فتوهم ألفاظ نسخة بما لا توهم به ألفاظ نسخة أخرى.٣٨ ربما أراد ابن سينا كتابةَ نصٍّ جديد كما أراد في «منطق المشرقيين» ولكنه لم يُغيِّر إلا بعض الشواهد.

ويرتب ابن سينا في «البرهان» أجزاء المنطق إلى ثلاثي وخماسي جاعلًا البرهان ذروة المنطقي، الثلاثي مقدمة له، والرباعي بعد البرهان تطبيقات متعددة للانتفاع به في بعض الأحوال المدنية، أي السياسية كمادة للبرهان. ويصرح بأنه لا يصح الالتفات إلى مَن يقول إن البرهان لا يُستعمل إلا في الضروريات والممكنات الأكثرية؛ لأنه إذا أراد إنتاج صدق ممكن داخلي استعمل الممكن الداخلي، أي استعمال في كل باب ما يليق به. والقوة التي يوجد بها البرهان إما أن تكون كالغاية له أو تكون أشرفها، وقد يظن بقوة الحدود أنها أشرف ولكن في العلم الطبيعي وحده، أما في المنطق فالبرهان ثلاثة أنواع: برهان الوجود، وبرهان السبب، والبرهان المطلق الذي يُعطي الوجود والسبب، وهو أشرف أنواع البراهين.

وبالرغم من هده الدلات الجزئية في البرهان يبدو الكتاب غريبًا على السياق الحضاري الإسلامي، يخلو من أمثلة مباشرة من الشرع، ومن ثَم يكون الموقف الحضاري للفقهاء أفضل كما فعل ابن حزم في «التقريب لحد المنطق والمدخل إليه»، عرض الوافد من خلال الموروث.

(د) الجدل

ويتكون كتاب «الجدل» من سبع مقالات بلا عناوين، في حين أنها عند أرسطو ثمان. ولكلٍّ منها فصول. لا يوجد فيها أي عنوان موروث باستثناء المقالة السابعة في وصايا السائل والمجيب التي تُشبه أحكام السؤال والجواب في علم أصول الفقه. وهو جزء من الخماسي طبقًا لقسمة الفارابي وابن سينا لأجزاء المنطق الثمانية إلى ثلاثي وخماسي وليس إلى رباعي ورباعي حسب التقسيم المشهور.

وكما هو الحال في القياس والبرهان، الجدل مملوء بالقواعد النظرية التي يصعب الاختيار بينها من أجل تطبيقها، فهو في حاجة إلى اختصار، ويُثير من جديد قضيةَ المصادر، تجميع أم إبداع، مصادر مدوَّنة أم من الذاكرة. لقد حاول ابن سينا الاعتماد على الكليات الخمس لتجميع التفصيلات ولكنها أتت حشدًا ممزقًا لا نسقَ فيها.٣٩
والجدل قياس مؤلف من مقدمات مشهورة، والمشهورات متقابلة مختلفة في القوة والضعف في حين أن الحق والصدق واحد. قد تكون الدعوة حقًّا ولكنها تحتاج إلى نصرة من مشهور وربما إلى حيلة. الجدل منهج وليس موضوعًا، طريقة في الإثبات وليس دعوى يتم التحقق من صدقها. الجدل قياس من مشهورات يحتاج إلى غلبة وإلزام وترجيح مشهور على آخر. وهو بهذا المعنى عند ابن سينا يلحق بالحوار السقراطي والجدل الأفلاطوني أكثر مما يتصل بالجدل الأرسطي الذي هو أحد أشكال الأقيسة مثل البرهان. وله منافع ثلاث: الارتياض والدربة على الجدل مع الخصوم، والقدرة على المباحث (المناظرة)، والنفع في العلوم (الفلسفة).٤٠

وجدل ابن سينا ليس ترجمةً لجدل أرسطو أو تفسيرًا أو شرحًا له. يعرض جدل أرسطو ويزيد عليه بعض التفصيلات والجزئيات خاصة فيما يتعلق ببعض المناقشات الإسلامية، مثل النقاش حول القرآن. وقد استبدل ابنُ سينا لفظَ المواضع الذي ترجم به اللفظ اليوناني «طوبيقا» لفظ الجدل، ترجمة للمعنى وليس تقريبًا للفظ، والتحول من الموضع إلى الجدل، أي من الموضوع إلى المنهج.

وإذا كان الجدل يتكون من ثلاثة عناصر: الطريق، والاستدلال من المشهورات، وعدم التناقض عند الجواب يتفق ابن سينا مع أرسطو في العنصرين الأخيرين، ويختلف معه في الثالث. فهو عند أرسطو طريقٌ أو منهج وعند ابن سينا صناعة. عند أرسطو هو جزء من علم المنطق، وعند ابن سينا هو فنٌّ وليس علمًا. والقضية هي: هل كان ابن سينا على وعيٍ بكل هذه الفروق بينه وبين أرسطو أم كان يقوم بعملية التمثل والإخراج كقصد حضاري وليس كتطابق أو خلاف جزئي أو كلي؟ هل كان ابن سينا على وعيٍ بكل ذلك أم أنها تحليلات عرضية تجميعية؟٤١
والعجيب أن ابن سينا لا يُحيل إلى الموروث خاصة وأن لفظ الجدل مذكور في القرآن.٤٢ كما يستعمل القرآن أساليب الحوار والجدل والمخاطبة مثل إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ في استواء الضررين أو قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ واكتشاف قياس الأولى كما فعل الكِنْدي وابن حزم وابن تيمية. وهناك علمٌ بأكمله هو علمُ الكلام يقوم على الجدل. ولم يُشِر إلى الفارابي، وهو الذي حاول أيضًا تأسيسَ المنطق على نحوٍ إنساني لغوي اجتماعي تاريخي. ومعظم الأمثلة المستعملة مستقاة من الطبيعيات مع أن الموضوع ليس جدلَ الطبيعة. معظم الأمثلة طبيعية لغوية مثل الهواء وتعريف اللفظ والعشق الحسي اللغوي وتاليس الأخلاقي مع أن البيئة العربية الإسلامية مملوءةٌ بأمثلة الجدل وطرق الحوار وأساليب المناظرة، كما يغيب التحليل الاجتماعي للجدل إلا فيما ندر مثل تحليل معاني الألفاظ طبقًا للخاصة أو الجمهور، واختلاف دلالتها طبقًا للطبقات الاجتماعية.٤٣

وتظهر أحكام القيمة في كتاب الجدل، تسعة موضوعات من تسعة عشر موضوعًا. ويفرق بين منطق الرجحان ومنطق اليقين، بين منطق الجدل ومنطق البرهان، بين منطق الإنشاء ومنطق الخبر، بين منطق الذات ومنطق الموضوع، منطق ما ينبغي أن يكون ومنطق ما هو كائن. وهما مقولتان إسلاميتان، الظن واليقين إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. فإذا كان الرجحان في المباحث الإنسانية واليقين في المباحث الطبيعية فلماذا تظل الإنسانيات منطقًا للظن والرجحان؟

وهل منطق البرهان في العلوم الطبيعية يقين تمامًا أم به نسبة من الظن والرجحان؟ يبدأ ابن سينا كتاب الجدل بهذه التفرقة بين منطق الجدل ومنطق البرهان على نحو متقابل. الجدل في الإنسانيات والبرهان في الطبيعيات. مقدمات الأول مشهورة أو متسلمة من أهل الصنعة أو من الجمهور، ومقدمات الثاني بحسب الطبيعة والحق. يعتمد الجدل على المشهورات وأحكام الوهم خارج العقل وعلى التسليم المشترك في حين يعتمد البرهان على العقل ومبادئه. الجدل نفعي يخاطب الغير، والبرهان يقيني لكل الناس يخاطب به الإنسان نفسه. الجدل نفعه للنفس بالذات للغير بالعرض، والبرهان نفعه للنفس بالعرض وللغير بالذات. الجدل يقوم على التغليب، أي الرجحان والاستحسان لمشهور على مشهور في حين أن البرهان معرفة المجهول من المعلوم. الجدل صدقُه من الخارج بما يقدمه من نفع وأهمية في المنطق، وحقيقة في الأمور المشتركة، والمدينة في السياسة، والمجتمع في الدين والأخلاق. والبرهان صدقه من ذاته والشهرة من الخارج، من المصالح المشتركة بين الناس بما في ذلك العقائد والتقاليد.٤٤
وبعد هذا التقابل الحاد بين الجدل والبرهان يتم التقارب بينهما. الجدل في حاجة إلى برهان للإقناع. وهو أحد أنواع الأقيسة. والبرهان في حاجة إلى جدل لما كان الإنسان في مجتمع وليس عقلًا خالصًا وكان كل مجتمع في حاجة إلى رئيس أو حاكم أو إمام أو مدبر للمدينة يسوس الناس بتأكيد العقائد النافعة بالحجج المقبولة؛ مثل إثبات الصانع والرسالة الإلهية والمعاد، أي الله والنبوة والمعاد. الأول من العقليات والثاني والثالث من السمعيات مع غياب أصل العدل، وتحول الإيمان والعمل والإمامة إلى علم مدني خالص. فالقياس هو نقطة الالتقاء بين الجدل والبرهان، ويتميز بالطابع الإنساني، ويتضمن فلسفة إنسانية خالصة. موضوعه ليس في الطبيعة بل حكمُه حكمُ قيمة.٤٥
والجدل مقصور على المحاورة والمخاطبة. والمخاطبات ثمانية أنواع يُطلق على الأربعة الأولى معنى الجدل، في حين يُطلق على الأربعة الثانية تجاوزًا، وهي:
  • (١)

    التعليم وقد يتم بلا مشاركة.

  • (٢)

    المجاراة ولا بد فيها من مشاركة.

  • (٣)

    المناظرة، من النظر والاعتبار، وتلحق بالتعليم. ولا تدل على غلبة مثل الجدل.

  • (٤)

    المعاندة لإظهار تقصِّي مَن يدَّعي الكمال؛ لذلك يسمى قياس المعاندة.

  • (٥)

    الاختبار أو الامتحان للتعرف على قوة المخاطب. ليس الغرض منه الإقناع. ويسمى قياس الامتحان.

  • (٦)

    المجادلة وهي مخالفة تبغي إلزام الخصوم بطريق مقبول ومحمود عند الجمهور، فهي منازعة.

  • (٧)

    الخطابة أي إقناع الناس في الأمور الجزئية المدنية لا الرياضية أو الطبيعية، وهو غير الخطابة بمعنى البلاغة في القول.

  • (٨)

    الإنشاء وهو الشعر الذي يقصد به التخييل وليس إيقاع اعتقاد أو تصديق.

والجدل منطق مثل البرهان. يتطلب خطابًا بين شخصين، سائل ومجيب. لا بد فيه من غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم. كان الناس في الزمان القديم، زمان سقراط وأفلاطون أحرص على الحق منهم على المراءاة. أما في أيام ابن سينا أصبح الجدليون حريصين على الغلبة وأخذ المقدمات من الخصوم. والمقدمة في العلم تسمى مطلوبًا، وفي الجدل تسمى وضعًا. لذلك ترجمت الطوبيقا بالمواضع. وإن قرن بها استفهام تسمى مسألة. وأضاف ابن سينا مفهوم الدعوى. ويعني المفهوم من الوضع. الدعوى قضية يراد إثباتها أو إبطالها، ويشترط فيها أن تكون محلَّ خلاف دون حجة تؤيدها، والموضع حكم متفرد تتشعب منه أحكام كثيرة كلُّ واحد منها جزء قياس، حكم مشهور أو مبادئ منطقية عامة، يفسره ابن سينا بأنه جهة، قصد الذهن، ووضع أمن أو خوف أو نظر أو انتفاع أو اعتبار أو حفظ، نوع من القصد العقلي نحو موضوع شعوري.٤٦ وهو يشمل تحليل الخطاب عند الأصوليين إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار.٤٧
الجدل منطق إنشائي. وهو منطق شائع لإيثار الناس له، تتفاضل فيه المشهورات، وتتغير بتغير الأمم والأزمان، تمثل شريعة عامة غير مكتوبة، تعبر عن روحها، وتفصح عن مزاجها، وتوجه سلوك الناس مثل الأمثال العامية والسِّيَر والحِكَم والمواعظ التي كانت بديلًا عن الدين والوحي قبل النزول. وتضم الفنون والشعر والسياسة وقواعد الحكم، وكل ما يتعلق بحكمة الشعوب وثقافة الجماعة التي تحافظ على وجودها في التاريخ. هنا يظهر العقل العملي وليس العقل النظري لتوجيه البشر. وأرسطو في كتاباته الأولى في محاورات في عقائد الأمم والملل والنحل وشعائر الدين والعادات الجارية لم يُنكر ما تنطوي عليه من أدلة لإثبات وجود الله، وخلود النفس حتى ولو أعوزتها الدقة العلمية، حتى بعد أن انفصل أرسطو عن الأكاديمية لم يترك الحكمة المشهورة محاولًا الجمع بين الحكمة العقلية والتجربة الإنسانية؛ كالدين والفن والأخلاق والسياسة. لذلك كان الجدل من مباحث القيمة، ولم يكن القدماء يفرقون بين الوجود والقيمة منطقيًّا وميتافيزيقيًّا. فلسفة أفلاطون فلسفة قيمة لا وجود، والقيمة عند سقراط معنى كلي أخلاقي، وهي من مباحث الأخلاق والسياسة عند أرسطو، وكذلك لم يفرق المسلمون بينهما كما هو واضح عند الفارابي.٤٨
والمقدمات عند ابن سينا إما منطقية تتعلق بالإيثار والتفضيل، ويسمي ابن سينا الجانبَ الموضوعي الأفضلَ والجانبَ الذاتي الشخصي الآثرَ، ويحلل ألفاظ القيمة؛ مثل «أفضل»، «أولى»، «آثر». أحكام الوجود تقوم على التقرير، وأحكام القيمة تقوم على النسبة، وهو الفرق بين منطق اليقين ومنطق الرجحان، وتدل ألفاظ أخرى غيرها على «الأخلاقية»؛ مثل: الأَولى، الأحرى، الأشد، الأضعف، الأخير، الأزيد، الأنقص، الأكثر، الأقل، الأنفع، الأجمل، الأحق. ويقال الأفضل على ثلاثة وجوه: الزيادة والنقصان، الشدة والضعف، تساوي الفضيلتين مع زيادة طرف، كما يقال الأَولى على وجهين: الأفضل، والوسيلة التي تؤدي إلى غاية. فالعلة الموجبة إما بحسب الوقوع أو بحسب الجميل، إما طبقًا لما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون، والآثر هو الفاضل بين غايتين، إحداهما بعيدة والأخرى قريبة؛ فالأمر الذي يخص الله آثر مما يخص الإنسان. والاختيار بين أمرين له قواعد تفضيل وليس مجرد مزاج أو هوى أو اختيار عشوائي. وقد يكون التفضيل من جهة الشخص، الأديب أو الفقيه أو العالم، أو من جهة الموضوع، الصناعات والفنون، مثل أن الفلسفة أفضل من الموسيقى، أو من جهة العموم والإطلاق وعند جميع الناس وفي جميع الأحوال. والمرجح للإيثار إما اللذيذ أو النافع أو الجميل، وإما الأشد أو الأكثر أو الأدوم زمنًا.٤٩
وبالرغم من صورية الجدل الغالبة إلا أن البعد النفسي يظهر بوضوح فيه؛ لأنه يقوم على الإقناع المتبادل والتأثير في الآخرين، وتطبيق البرهان في أمور العقائد، فهو بطبيعته قد تجاوز الصورية إلى المادية، والنظرية إلى التطبيق. تعتمد القسمة، وهي إحدى طرق العلم، على أسس نفسية نظرًا لتفاوت الناس في مداركهم بعيدًا عن أرسطو، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وصناعة الجدل ملكة نفسانية يقدر بها صاحبها على استعمال موضوعات نحو غرض بالإرادة صادرة عن بصيرة. الجدل نفس وإرادة وذهن، يقوم على استعدادات نفسية، هو ملكة يصدر عنها تأليف القياس أو الاستقراء الجدلي بغية الإقناع والإلزام، وتتفاوت الناس فيها بالفطرة بالإضافة إلى الحاجة إلى الارتياض. ولصناعة الجدل وممارسته شروط خمسة: الفطرة أو الاستعداد الفردي، التجارب من الممارسة واستعمال الجزئيات، القوانين الكلية، عدم مقاومة المادة، الأدلة المستخدمة. وتتدخل عوامل نفسية واجتماعية في الجدل، منها شخصية الجدلي، حسن بيانه وصفاته، وانجذاب الناس إليه، واستقراؤه المصلحة العامة، أي المشاكلة في الحق.٥٠
ويعتبر ابن سينا أن كتاب «السفسطة لأرسطو لم يَزِد عليه أحدٌ شيئًا».٥١ وكان أرسطو يعدُّ الجدل مع السفسطة كتابًا واحدًا؛ لأنه أشار إلى السفسطة مرتين بعنوان الجدل. وربما كان كتاب السفسطة ملحقًا للجدل (المقال التاسع والأخير). والترتيب ليس منه. وقد أخطأ المفسرون لأرسطو في جعلهم الجدل استمرارًا للقياس البرهاني. ورفض ابن سينا تقديمَ الجدل على البرهان. وقد ظن المسلمون أن ترتيب كتب المنطق من أرسطو وليس من أندرونيقوس.٥٢ والمغالطة تمويه ليخيل أن ما يقوله حق، وتسمَّى سوفسطائية لو تشبَّه بالفيلسوف، ومشاغبيَّة لو تشبَّه بالجدلي.٥٣

(ﻫ) الشعر

كتاب «الشعر» جزء من «الشفاء» بالرغم من شك بعض المؤرخين. تنقصه الكوميديا كما يلاحظ المؤرخ، وربما حذف عن قصد حرصًا على العرض النسقي، ولا يهم وضعه في الغرب فهذا مسار حضاري للآخر وليس للأنا. ما يهم هو كتاب «الشعر» في الموروث مند لحظة النفل إلى لحظة الإبداع مرورًا بمراحل الشرح والتلخيص والجوامع ثم العرض والتأليف والتراكم وليس تتبع آثاره في الثقافة العربية التي لا يتغير وجهها بكتاب واحد طبقًا لمنهج الأثر والتأثر. فتلك روية استشراقية غربية توحِّد بين مسار الغرب ومسار العالم. بل وتفرض على ابن سينا ماذا كان يجب عليه أن يفعل وكأنه مستشرق أوروبي يبحث عن عظمة أصله اليوناني. وإذا كان الفارابي قد أبدع أقسامًا للشعر لم يذكرها أرسطو فإن إبداع ابن سينا استمده من ثامسطيوس وباقي الشراح، فالموروث لا يبدع، وإنما الإبداع حكر على الوافد وحده.٥٤

لقد تجاوز ابن سينا التلخيص إلى الاجتهاد وتحوَّل من النقل إلى الإبداع، وأعطى شواهد من الشعر العربي دون أن يبلغ منزلة ابن رشد؛ فقد أورد ابن رشد وجوهَ الشبه بين الشعر اليوناني والشعر العربي، وأكثرَ من الشواهد سواء كانت مطابقة أو غير مطابقة دون ادعاء بالتجديد، شواهد ابن سينا أقل، وفي المقدمة وحدها، واستمدها من الخطابة والبلاعة العربية في عصره، واستشهد في المحاكاة بصور أصحاب ماني، أي أنه عرف فنَّ التصوير، ولم يرَ حرجًا في الاستشهاد به في حضارة سمعية تحرم التصوير والنحت وكل الفنون التشكيلية؛ لأنها كانت حديثةَ عهد بالوثنية وعبادة الأصنام. ويُعلن ابن سينا صراحة أن كتاب الشعر لأرسطو ينطبق على الشعر اليوناني وليس على الشعر العربي.

ومصادر ابن سينا في كتاب الشعر هي أولًا: كتاب الشعر لأرسطو، وثانيًا: مقالة في قوانين صناعة الشعر للفارابي دون أن يذكره ابن سينا كعادة صمتِه عن مصادره، وإيثارًا للنسق العقلي المستقل. أجاد تصوير المعاني الرئيسية في كتاب الشعر وحسن فهمه لموضوعاته ودقة فهم المحاكاة، محاكاة التراجيديا للأفعال وليس للمعاني الكلية مثل الفضائل والملكات، واستبقاء الألفاظ المعربة مثل «التراجيديا» دون ترجمتها غير الدقيقة بالمدح. وقد يكون في اللاشعور أن الشريعة لا مجاز فيها ولا محاكاة، إنما المجاز في العقيدة وحدها نظرًا لضرورة التصوير الفني قياسًا للغائب على الشاهد. ويعتمد ابن سينا في عرضه على القسمة، وهي إحدى طرق العلم في الموروث، مثل الفرق بين التخييل والتصديق، بين المنطق والشعر، بين الخطابة والشعر، تهدف الخطابة إلى التصديق، والتصديقُ متناهٍ، في حين يهدف الشعر إلى التخييل، والتخييلُ لا متناهٍ. الخطابة قريبة، والشعر غريب، وكذلك قسمة حيل الإبداع إلى لفظ ومعنى، وقسمة النسبة بين الأجزاء إلى مشاكلة ومخالفة، وقسمة كلٍّ منهما إلى ناقصة وتامة.

وابن سينا شاعر قادر على الحكم على أرسطو، بقيت من شعره شذرات، بعضها ملامح قصيرة، وبعضها مراثي ومقاطع غنائية. لم يُنبِّه ابن سينا على هذه الأنواع الشعرية، تكفيه القصيدةُ العينية في النفس.

ويضع ابن سينا تقابلًا بين خصائص الشعر اليوناني وخصائص الشعر العربي مما يدل على التمايز بين الشعرَين، وبالتالي بين الحضارتَين، يبحث الشعر اليوناني في الأفعال والأخلاق، ويدور الشعر العربي حول وصْف الموضوعات والانفعالات. يُحاكي الشعر اليوناني الأفعالَ والأحوال، ويحاكي الشعر العربي الذوات. الشعر اليوناني مثالي الطابع والشعر العربي طبيعي المنحى. يعبِّر اليوناني عن العقل وما يجب أن يكون، ويعبر العربي عن الفطرة وما هو كائن، والكمال فيها وليس خارجها. وبلغة الموروث: الشعر اليوناني أقرب إلى التأويل، والشعر العربي أقرب إلى التنزيل. ويكرر ابن سينا هذا الفرق باستمرار خلال صفحات كتاب الشعر. لم يطوِّر هذا الحدس ولم يعطِ أمثلة عليه. والسؤال الآن: إلى أيِّ حدٍّ يعتبر هذا التقابلُ صحيحًا؟ ألَا يصفُ الشعر العربي أيضًا الأخلاق والأفعال كما يصف الشعر اليوناني الموضوعات والانفعالات؟ إن العرب تقول الشعر لوجهين، للعجب أو للتأثير في النفس. واليونانيون يقولون الشعر ليحثوا بالقول على فعل أو ردع عن فعل. الشعر العربي عاطفي انفعالي، والشعر اليوناني إرادي عملي. وماذا عن القرآن الكريم باعتباره الإعجاز الأدبي للعرب؟ هل هو أقرب إلى خاصية الشعر اليوناني أم إلى خاصية الشعر العربي أم يجمع بينهما؟

ويختم ابن سينا كتاب الشعر بفقرة شهيرة تُحيل إلى التحول من النقل إلى الإبداع. فإذا كان تلخيصًا لكتاب الشعر لأرسطو طبقًا لما هو متوافر لديه من نصوص فإنه أيضًا إعادة بناء له في عصر مختلف بعد ما يزيد على خمسة عشر قرنًا. بقيَ منه جزءٌ صالح، وانتهى منه جزءٌ طالح. مهمة ابن سينا الاجتهاد من أجل عمل نظرية في الشعر طبقًا لعادة أهل الزمان، أي في الشعر العربي أكثر تفصيلًا عن طريق التنظير المباشر للشعر العربي دون المرور بأرسطو، ثم نظرية في الشعر المطلق الذي يتجاوز اليوناني والعربي، الشعر من حيث هو شعر.٥٥
وليس عيبًا أن ابن سينا لم يُحقق ما أعلنه من إنشاء نظرية في الشعر العربي، وإنشاء علم الشعر المطلق.٥٦ فقد أعلن نفس الشيء بالنسبة لمنطق المشرقيين المخالف للمنطق اليوناني. إعلان النوايا يكشف عن المقاصد، وهي الموضوعات الحضارية بصرف النظر عن تحقيقها، إنما هي مهمة عدة أجيال وليست جيلًا واحدًا. لقد فتح ابن سينا البابَ ولم يدخل فيه فأوصدَ. وفُتِح بابٌ آخر من الغرب فعمَّ التقليد، وازدوجت الثقافة في ثقافتَين متفاعلتَين ثم متجاورتَين ثم متصارعتَين. ليس خطأ ابن سينا دعوته إلى التجديد ثم جريانه على عادة أهل الزمان كما فعل في «منطق المشرقيين»، بل هو شرط الربط بين القديم والجديد. لا يعني ذلك عجز ابن سينا ولكنها دعوة مفتوحة للأجيال القادمة.٥٧

(٢) منطق «النجاة»، و«الإشارات والتنبيهات»، و«عيون الحكمة»، و«القصيدة المزدوجة»

ومنطق النجاة لا يُضيف جديدًا إلى منطق «الشفاء»، بل هو مجرد تلخيص له وإبراز لبعض جوانبه وكأن الغاية منه تعليم المبتدئين؛ لذلك يحيل إلى منطق «الشفاء» وإلى كتاب «اللواحق»، وهو تقليدي للغاية إلا في أقل القليل، واضحٌ جدًّا خالٍ من الإشكالات، الحجج والحجج المضادة. المنطق صناعة، أقرب إلى الفن والآلة والتطبيق منه إلى العلم النظري، ويتميز عن غيره من العلوم، وهو آلة تعصم الذهن من الخطأ في التصور والتصديق الموصلَين إلى الاعتقاد بالحق؛ وذلك بإعطاء أسبابه ونهج سبله. المنطق آلة وطريق، يحدد سبيل الذات ونهجها لمعرفة الحقيقة. ينقسم إلى تصور وتصديق من أجل الوصول إلى حقيقة مستقلة عنه، يقوم بوظيفة الوحي، عصمة الذهن الخطأ، وعصمة الحياة من الزلل. المنطق للذهن، والوحي للحياة، المنطق عصمة للخاصة، والوحي عصمة للعامة، المنطق للعصمة النظرية، والوحي للعصمة العملية.

ويُعقد فصلٌ في الأعيان والأوهام والألفاظ والكتابات عن وجود الشيء، عينًا أو صورةً أو لفظًا أو كتابًا، غير موجود في «الإشارات والتنبيهات». وأحيانًا يخرج الفصل عن عنوانه. ففي فصل «في منفعة المنطق» يتناول ابن سينا الفرقَ بين الحد والرسم وأنواع الأقيسة الجدلية والخطابية والمغالطية والشعرية، وتظهر بعض القضايا الرياضية والرمزية على مستوى صوري خالص دون نقله إلى المستوى النفسي الشعوري مما يصعب فهمه أو نقله إلى مستوى آخر نفسي أو طبيعي أو شرعي.٥٨ وأحيانًا تبدو قسمة الموضوعات غير دالة، عقيمة غير منتجة، تغطي الموضوع ولا تكشفه، باستثناء ظهور مفهوم العامة والخاصة كما ظهر في منطق «الشفاء» تفهم العامة من الممكن ما تفهمه الخاصة، هو عند العامة ما ليس يمتنع إنكارًا للممكن كواسطة، وعند الخاصة ليس بواجب ولا ممتنع إدراكًا للواسطة.٥٩
وقد كتب موسوعة «الإشارات والتنبيهات» بعد «الشفاء» سواء كانت قبل «النجاة» أو بعده، والأرجح بعده، وهو تأليف أوضح من «الشفاء» وأكثر عبارته وصياغته من «النجاة». هو في منزلة بين المنزلتين، كما أنه وسط بين الإسهاب والاختصار، بين الإطالة والتركيز. نادرًا ما يحال إلى أسماء الأعلام فيه حرصًا على الطابع التركيبي البنيوي الخالص.٦٠يكفي صاحب المنطق أو صاحب إيساغوجي على نحو غير مشخص. يضع حقائق موضوعية، لا بداية لها ولا قصد، لا افتراض فيها ولا إشكال، وكأنه كتاب مدرسي في المنطق على طريقة الكليات الخمس، وتخلو العبارات من الرموز الرياضية الموجودة في «الشفاء» إلا القليل.٦١ وتؤخذ بعض الأمثلة من الطب مثل السقمونيا وغيرها.٦٢
ليس بها أثرٌ أفلاطوني، بل جمع بين الفلسفة والتصوف في الفلسفة الإشراقية. ومصطلحاته نفسها تدل على المنحى الإشراقي الذي لا يظهر في المنطق، وكأن إعلان النوايا شيء وتحقيقها شيء آخر كما هو الحال في «منطق المشرقيين». «الإشارة» و«التنبيه» مصطلحان صوفيان أو على الأقل لهما دلالات صوفية كما هو الحال في «الحكمة المتعالية» لصدر الدين الشيرازي، مثل لفظَي «نهج» و«تذنيب». النهج هو الطريق، والتذنيب هو السانحة أو اللائحة أو اللامعة التي تأتي في آخر الموضوع قبل أن ينتهيَ. ويتضمن عشرة «نهج» متفاوتة كمًّا.٦٣ كما تتضمن الطبيعيات وما بعد الطبيعة كلٌّ منها عشرة أنماط، وكل نهج له عنوان تقليدي لا إبداع فيه.
وتظهر بعض الدلالات الموروثة مثل استعمال لفظ التركيب الخبري وهو اصطلاح أصولي، والإشارة إلى الطبع كمقياس سلامة القياس، ووضوحه دون كُلفة ومشقة ربما بتوجيه لا شعوري من الفطرة. ويستطيع كل إنسان أن يسيرَ عليها ويهتديَ بها. «الإشارات والتنبيهات» مجرد علامات على الطريق.٦٤ ويدخل تصنيف العلوم في المنطق دون الإشارة إلى الفارابي.٦٥
ومع ذلك هناك نظرة تصحيحية تقويمية كالعادة في المنطق؛ فابن سينا يراجع ويتحقق من صحة ما يعرض، ويطالب بعدم الالتفات إلى الخطأ، ويوضح بعض الاشتباهات، ويرفع بعض الأغاليط والتناقضات، وعادة ما يُفضِّل المتأخرين على المتقدمين؛ فالسلف خير من الخلف في نمط لا شعوري موروث.٦٦ وتظهر وحدة الخطاب، كما يظهر مسار الفكر في عبارات الربط التي تُحيل الحاضر إلى الماضي أو إلى المستقبل مما يدل على وجود قصد فكري وراء الصياغات اللفظية والعبارات.٦٧
أما المنطق في «عيون الحكمة» الذي ألَّفه ابنُ سينا في العشر سنوات الأخيرة من عمرِه فإنه موجز لا يتضمن إلا المعانيَ العامة دون التفصيلات، ولا يتطرق إلى خلافات الآراء والمذاهب والحجاج بينها وكأنه مجرد قاموس مصطلحات. لا يذكر فيه أسماء أعلام يونانية وعربية. وهو واضح وسهل للتعليم، مجرد معلومات منطقية لا ابتكار فيها ولا دلالة مما يُشير إلى ضرورة استئناف المنطق في لحظة حضارية ثانية مع الحضارات المجاورة.٦٨
وقد وضع ابن سينا «القصيدة المزدوجة» في المنطق ليسهل حفظه. وكان وضْعُ العلم في صيغة شعرية أسلوبًا للمتكلمين والحكماء والصوفية للتعبير عن العلوم في أسلوب الثقافة العربية وهو الشعر.٦٩ وفي التراث الشعبي سأل ذو القرنين أرسطو ذلك حتى يسهل تعلُّم المنطق كميزان للعقل يأمن من الزيغ.٧٠ والمنطق آلة لكل العلوم. وتظهر أحيانًا بعض الألفاظ الموروثة مثل الخبر مع القضية.٧١ كما حكم على الفطرة أنها غير كافية لتبرير المنطق وهو ما يعارض ما قيل عن إنفاق المنطق والفطرة.٧٢

والسؤال الآن: لماذا تسمَّى مزدوجة؟ هل الازدواج صورة شعرية، أي ذات الشطرين أو البيتين أم أن الازدواج يتعلق بالمضمون؛ لأنها ليست في المنطق وحده، بل أيضًا في النفس والأخلاق؛ مثل الشيب والحكمة والزهد وفلسفة العمر وطريق الحياة والحب والحياة والكرم، مع تكرار بعض الموضوعات مثل النفس والحكمة؟ وتبدأ كالقصيدة العربية في الشكوى وبيان حساده وشكوى الزمان والخمريات. وتبدأ بداية دينية عن الله والنفس مما قد يرجح معنى الإشراق للفظ المشرقين.

١  ابن سينا في الفلسفة أشبه بهيجل، ومثل ابن عربي في التصوف. على الأقل عرف هيجل ذلك من أجل اكتشاف قوانين الحركة والجدل والروح. وإذا كان له أثرٌ سيِّئٌ فهو من تسرُّب الفلسفة الإشراقية الممتزجة بالتصوف عبر الغزالي، وليس كأثر هيجل في اليسار الهيجلي خاصة ماركس الشاب.
٢  يذكر الناشر تواريخ الميلاد والوفاة بالتاريخ الميلادي على طريقة المستشرقين وليس بالتاريخ الهجري على طريقة الباحثين الوطنيين.
٣  «وهذه الأشياء إذا أُهملت في القضايا عرض منها مغالطات كثيرة في القياسات على نحو ما ستذكر من تعليمنا تبكيت المغالطين»، العبارة، ص٤٤. «بل لهم أن ينحرفوا عن هذا إلى طريقة لهم قريبة من هذا في هذا الباب»، القياس، ص١٣٤. «وهذا الرأي سخيف مختل»، القياس، ص٢٩. «وهذا أيضًا من غفلانه» العبارة، ص٦٢.
٤  الشفاء، القياس، ص٤٤، ١٣٤؛ العبارة، ص٥٨.
٥  وجرب أنت بنفسك، العبارة، ص٦١. ونحتاج الآن أن نقوم لتحقيق ما يجب من التحقيق من هذا الباب أصولًا، ص٧٩. «فأما الحق فبيِّنٌ من مثال نمثِّله»، ص٨١.
٦  «فقد أدَّينا ما وضحناه من الكلام المختصر في القضايا الشرطية وقياساتها. وقد كنَّا علمنا في هذا الباب في بلادنا كتابًا كبيرًا مشروحًا غاب عنَّا في أسفارنا ومفارقتنا لأسبابنا وكان موجودًا في البلاد التي كنا بها. وبعد أن كنا قد استخرجنا هذا الجزء من العلم بقريب من ثماني عشرة سنة، ووقع إلينا كتابٌ في الشرطيات منسوبٌ إلى فاضل المتأخرين كأنه منحول عليه، فإنه غير واضح ولا معتمد ولا مبالغ فيه ولا مبلوغ به الغرض، فإنه فاسد في تعريف حال القضايا الشرطية أنفسها، وفى كثير مما يستصحبه من القياسات، وفى وجوه الدلائل على الإنتاج والعقم، وفى تعديد الضروب والأشكال؛ لأن مصنفه لم يُعرِّف بالإيجاب والسلب في الشرطيات، والكلية والجزئية والإهمال كيف يكون وكيف تتضاد الشرطيات، وكيف تتناقض، وكيف تتداخل، بل أضاف هذا كلَّه إلى أجزاء المتصلات واشتغل من عكس الشرطي بنوع واحد. ولم يُعرِّف جميع الاقترانات بل اقتصر على اقترانات بين متصلات ومنفصلات. ولم يستوفِ جميعَها، وكثَّرها فوق العدد الواجب؛ لأنه عدَّد أشياء داخلة تحت حكم واحد كأشياء ذات أحكام مختلفة. وإنما يجب أن يورد الحكم الكلي فيها فيكفيه تكثيرُ أصنافها بحسب تعديد إبدالات المقدم أو نال باختلاف الكمية والكيفية لا يتغير بتغيرها حكم. ثم ظنَّ بكثير من العقم أنه منتجٌ وخصوصًا أول ما بعده في الكتاب. ثم ظن بكثير من هذه العقم بأنها ظاهرة الإنتاج لا تحتاج إلى بيان لكمال قياساتها. ثم ظن في كثير من المنتجات أنها عقم. ثم لم يُصِب في إبانة كثير من المنتجات المحتاجة إلى بيان بل سلك سبيلًا غير سديد. ثم ظن أن المنفصل يتحيز فيه تالٍ عن مقدم حتى عدَّ التأليفات منه مرة في شكل ومرة في شكل آخر لأنه في أحدهما قدَّم المشترك فيه وفى الآخرة آخره. ثم ظن في كثير من الاقترانات التي ليس الأوسط فيها شيئًا بعينه أنه قياس بسيط لأنه يلزم منه شيء بقوة وسط واحد بعينه، وذلك في حكم القياس المركب لأن القياس البسيط وسطه واحد بعينه بلا اختلاف. فهذه وأشباهها وجوه زينة في ذلك الكتاب»، القياس، ص٣٥٦-٣٥٧.
٧  القياس، تسع مقالات، (ص٥٨٠)؛ الجدل، سبع مقالات، (ص٢٩٥)؛ البرهان أربع مقالات، (ص٢٦٠)؛ العبارة مقالان، (١٣١)؛ الشعر ثمانية فصول، (٥٣).
٨  الأول، ص٧٥، والثاني، ص٥٦.
٩  الشفاء، العبارة، ص«ك–ن».
١٠  ولم يشتغل بها المعلم الأول بل الواردون من بعده، المحبون للتكثير، الموجبون على غيرهم الشروعَ فيما لا يعني اضطرارًا إلى الموافقة، العبارة ص س.
١١  وهو ما أبرزه عثمان أمين في عصرنا وجعله خاصيةً للغة العربية ضمن سمات الجوانية. انظر «الجوانية»، ص١٤٩–١٨٤؛ وأيضًا فلسفة اللغة العربية، ص٢١–٥٦.
١٢  «وقد وقع الاضطرار إلى الإعلام الثاني للغائبين في المستقبل كتابةً بتدوين ما علَّم شِفاهًا من قبل، وإضافة ما يُعلِّم في المستقبل فتكمل المصلحة والحكمة الإنسانية بالاشتراك. فإن أكثر الصنائع تتم بالتواصل بين اللاحق والسابق، واستنباط المتأخر من المتقدم كي ينتفع به الآتون من بعد. لذلك اختُرعت الكتابة بهداية وإلهام إلهي لإخراج الصوت عما يدل على ما في النفس من آثار. والتي في النفس معانٍ ومقاصد كما أن الآثارَ قياسًا على الألفاظ معانٍ. تدل الكتابة على اللفظ في تركيبٍ واحد محاذٍ توخِّيًا للسهولة. وسواء كان اللفظ بوحي وإلهام من عند الله عن طريقٍ والبعض من طريق آخر، فالكل قائم على التواطؤ، أي موافقة اللاحق السابق دون إلزام من فرد أو جماعة بصرف النظر عن طريقة معلم أول. فدلالة الألفاظ إنما تمت بالتعارف بسبب تراضي المتخاطبين ليست ضرورية سواء كان ضروريًّا من عند الله بحسب المعلم الأول أو من جهة أخرى لأنها دلالة اصطلاحية، قبول الثاني من الأول وهو معنى التوقيف والمواطأة دون إلزام بذلك. فقد تختلف الألفاظ بتغير التوقيف والمواطأة»، الشفاء، العبارة، ص٣-٤.
١٣  مثل:
الإنسان يوجد عادلًا
الإنسان ليس يوجد عادلًا
الإنسان يوجد لا عادلًا
الإنسان يوجد لا عادلًا
الإنسان يوجد جائرًا
الإنسان ليس يوجد جائرًا
العبارة، ص٨٥     
١٤  مثل:
كلُّ إنسانٍ يوجد، عادلٌ
لا واحدَ من الناس يوجد عادلًا
لا واحدَ من الناس يوجد جائرًا
كلُّ إنسان يوجد جائرًا
لا واحدَ من الناس يوجد لا عادلًا
كلُّ إنسان يوجد لا عادلًا
السابق، ص٩١     
١٥  «وقد اعتيد أن يختتم هذا الفن من المنطق بشيء ليس للمنطقي من حيث هو منطقي إليه حاجة، وهو أشبه بالمباحثات الجدلية»، السابق، ص١٢٤.
١٦  المعية الزمانية Synchronism، التتالي الزماني Diachronism وهو ما أفعله أنا أيضًا ترجيحًا للبنية على التاريخ مما يدل على بداية تحوُّل فكرِنا المعاصر من مرحلة النقل إلى مرحلة الإبداع.
١٧  الشفاء، القياس، ص٤٣٣.
١٨  وما علينا أن نناقشَ في الألفاظ ونُصرَّ على أن قائلًا قال عن كذا دون كذا، السابق، ص١١٤.
١٩  السابق، ص٨.
٢٠  وقد بدأ المناطقة في العصر الوسيط والمناطقة المحدثون بالكبرى قبل الصغرى مثل أرسطو.
٢١  السابق، ص٤٥٣، ١٦٢، ٢١٨.
٢٢  فصل في القياسات المؤلفة من الحملية والشرطية في الشكل الأول والحملية مكان الكبرى في الأشكال الثلاثة، الشفاء، القياس ص٣٢٥–٣٣٦. وأيضًا في القياسات المؤلفة من الحملية والشرطية والحملي فيها مشارك للمقدم في الأشكال الثلاثة، ص٣٣٧–٣٤٨، والمعادلات الرياضية، ص٣٦٣–٣٧٢، وأيضًا في المقدمات الشرطية المنفصلة، وتقابل بعضها ببعض، وبالمتصلات، وحال التلازم فيها، معادلات رياضية، ص٣٧٣–٣٧٦، وكذلك تحول الفكر إلى معادلات رياضية في عكس القياس، ص٥١٣–٥١٦.
٢٣  «وقد اشتغلنا إلى هذا الحد بتبيين أن القياس ما هو، وكم ضروبه، وما الفرق بين بسيطِه ومركبِه. وليس يكمل انتفاعنا بأن تعلم القياس الصحيح من غير الصحيح إذا لم تعلم كيف نكتسبه ونحصِّله؛ وذلك لأننا إذا احتجنا إلى معرفة شيء بالقياس لم يكفِنا أن نعلم أن القياس ما هو. ويكون مثَلُنا كمَثلِ مَن يعلم أن الدواء النافع لعلةٍ ما هو. وهذا لا يكفيه في شفاء العلة ما لم يكن يعلم من ذلك وجهَ طلبِه وتحصيله واتخاذه. فإنه إن اتفق أن صادفه معمولًا محصلًا انتفع به، وإن لم يتفق ذلك بقيَ متميزًا لا ينفعه علمُه بماهيته وكيفيته في حاجته السانحة، فحريٌّ بنا أن نشتغل بتعريف كيفية اكتساب القياس اشتغالًا على وجهٍ كليٍّ»، السابق، ص٤٤٦.
٢٤  «لكن العادة جرت في استعمال الخلف وذلك في القليل والكثير، والغالب ما قلناه»، السابق، ص٤١٠.
٢٥  وذلك على عكس الصراع بين أنصار المفهوم وأنصار الماصدق في الغرب بناء على العقلية التجزيئية، مقدمة في علم الاستغراب، ص٦٤٢–٦٦٤.
٢٦  الشفاء، القياس، ص٥٦١–٥٦٧.
٢٧  السابق، ص٥٤٥–٥٤٨.
٢٨  السابق، ص٣٢٥، ٣٩٧، ١٩٧، ٣٢٠، ٣٧٣، ١٨١، ١٩٦، ٢١٧، ٢٧٠،  ٢٧٢، ١٣٤.
٢٩  السابق، ص٣٧٦، ٣٨٩، ٢٦٠، ١٧١، ٢٨٣.
٣٠  السابق، ص٣٩٥، ٢٨، ١٥٠، ١٨٦، ٢٠٧، ٢٧٨، ٢٣٣،  ٢٦٥.
٣١  السابق، ص٤٧٨، ٢٦، ١٧١، ٢٧.
٣٢  السابق، ص٤٠٧، ٤١٦، ٢١٧.
٣٣  لم يحاول الناشر في مقدمته وضْعَ كتاب البرهان في سياقه الحضاري. واكتفى بالعرض والتكرار للموضوع من الخارج بدايةً من أرسطو وليس من ابن سينا، من الوافد وليس من الموروث، من الفرع وليس من الأصل؛ لإثبات الحكم الشائع في الاستشراق، تبعية ابن سينا لأرسطو، لجمهور استشراقي، وكأن الناشر مستشرقٌ أو باحث غربي يستشهد بالشراح الغربيين، ويُثبت براعته وقدرته على فهْم حضارتَين: حضارة الأنا، الغرب، وحضارة الآخر، الغرب أيضًا. وقد وضح أيضًا هذا الموقف الحضاري في «أرسطو عند العرب»، أرسطو هو الأصل، والعرب أو المسلمون هم الفرع، ص٢٨. انظر دراستنا: الفيلسوف الشامل، مسار حياة وبنية عمل، حوار الأجيال ص٢٩٧–٣٩١.
٣٤  الشفاء، البرهان، ص٣٢.
٣٥  السابق، مقدمة، ص٣٦، ٤٠.
٣٦  «وأما أبو نصر الفارابي فيجب أن يُعظَّم فيه الاعتقاد، ولا يجري مع القوم في ميدان فيكاد يكون أفضلَ مَن سلَف من السلف»، السابق، ص٤١.
٣٧  «تمكن من الكتب فعرض من ذلك أن حاذاها، وجرى على ترتيب القوم فيها، وتكلم على ما استنكره من أقوالهم، فطال المنطق وتم بأصبهان» الشفاء، الجدل، مقدمة، ص٤٠–٤٤، ١٠٦.
٣٨  «وأما لفظ الكتاب في نسختنا فيوهم … فيشبه أن يكون هذا معنى ظاهر النسخة التي عندنا، والأولى ما كتبناه أولًا.» السابق، ص١٥٢.
٣٩  الشفاء، الجدل، تصدير إبراهيم بيومي مدكور، ص١–٥.
٤٠  السابق، ص٢٣–٢٧، ٣٣–٣٦.
٤١  مقدمة الأهواني تحليلية مبتكرة متعاطفة مع افتراض الإبداع لا النقل عكس مقدمة بدوي للبرهان الاستشراقية التي تقوم على افتراض النقل.
٤٢  ذكرُ الجدل في القرآن (٢٩)، بمعنى سلبي (٢٦) وإيجابي (٣)، مع الرسول، ومن الرسول، ومع أهل الكتاب.
٤٣  الشفاء، الجدل، ص١١٢، ٢١٠-٢١١.
٤٤  السابق، ص١٧–٢١.
٤٥  هذا هو رأي أحمد فؤاد الأهواني في حين يرى إبراهيم بيومي مدكور أن ابن سينا أخضع كليهما لمنطق القياس، وأن التفرقة بين المنطقَين من الرواقية، والاستقراء هو الكامل، ويردُّ إلى الشكل الأول للقياس. ومقارنات الأهواني وجيهة بالرغم من نقد مدكور له.
٤٦  وذلك مثل القصد العقلي عند توما الأكويني أو الشعوري عند هوسرل وبرجسون في الفلسفة الغربية.
٤٧  الشفاء، الجدل، ص٢٣-٢٤، ٢٧–٢٩، ٣٦–٣٨، ٤٠-٤١.
٤٨  السابق، ص٣٩-٤٠، ٤٢-٤٣.
٤٩  السابق، ص٤٣–٥٠، ٥٣–٥٥. وقد حاول بنتام عمل قياس للذة من حيث الكم (الأكثر والأقل)، والكيف (الأشد والأضعف) في الفلسفة الغربية.
٥٠  السابق، ص٢٤–٢٧، ٢٩–٣٢.
٥١  «تأملوا ما قاله هذا العظيم … وهل نبَغَ مِن بعده مَن زاد عليه في هذا الفن زيادة؟ كلَّا، بل ما عمله هو التمام الكامل.» الشفاء، السفسطة، ص١٦.
٥٢  الشفاء، الجدل، مقدمة الأهواني، ص٧–٥٥.
٥٣  السابق، ص٢٣.
٥٤  ابن سينا، كتاب الشعر، مقدمة عبد الرحمن بدوي، ص٣–١٨.
٥٥  «هذا هو تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول. وقد بقيَ منه شطر صالح، ولا يبعد أن نجتهد نحن فنُبدع في علم الشعر المطلق وفى علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان كلامًا شديدَ التحصيل والتفصيل. وأما ها هنا فلنقتصر على هذا المبلغ.» السابق، ص٧٥.
٥٦  والعجيب هجوم عبد الرحمن بدوي على ابن سينا لأنه لم يفِ بما وعد به، السابق، ص٣.
٥٧  «من العقيدة إلى الثورة» كتابٌ في علم أصول على عادة أهل الزمان، نسق العقائد التقليدي ولكن بروح جديدة تهز النسق من داخله وتغير المضمون وإن بقي الشكل.
٥٨  النجاة، ص٣–٥، ١١، ١٨، ٢٤–٣١، ٤٧، ٩٠، ٩٣.
٥٩  والعجب من الرياضيين والمناطقة الصوريين الذين يعيشون بالفعل مع مادتهم العلمية دون عواطف وانفعالات ولغة وصور فنية وواقع اجتماعي وسياسي؛ لذلك جمَع بعضُ الرياضيين بين الرياضة والموسيقى أو الرياضة والتصوف مثل برجسون في الفلسفة الغربية.
٦٠  ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج١، ص١٠٣، ١٠٨، ١٣٤، ١٣٨،  ١٤٦-١٤٧، ٢٥٨–٢٦٠.
٦١  يُحيل ابن سينا إلى الشفاء (٢)، البرهان (١)، السابق.
٦٢  أكبرها السابع (ص٥٠)، الخامس (٤٨)، الرابع (٣٤). الثالث (٢٢)، الأول (٢١)، العاشر (١٠).
٦٣  الإشارات والتنبيهات، ج١، ١٩٧.
٦٤  مثل: (١) في غرض المنطق (٢) في الخمسة المفردة والحد والرسم (٣) في التركيب الخبري (٤) في مواد القضايا وجهاتها (٥) في تنافض القضايا وعكسها (٦) ليس له عنوان (٧) وفيه الشروع في التركيب الثاني للحجج (٨) في القياسات الشرطية وفى توابع القياس (٩) في بيان قليل للعلوم البرهانية (١٠) في القياسات المغالطية.
٦٥  «أيها الحريص على تحقق الحق، إني مهدٍ إليك في هذه الإشارات والتنبيهات أصولًا وجُمَلًا من الحكمة، إنْ أخذت الفطنة بيدك سهل عليك تفريعها وتفصيلها.» السابق، ص٢١.
٦٦  الإشارات والتنبيهات، ج١، ٢١٦، ٢٦٣، ٢٨١.
٦٧  السابق، ص٢٧٥، ٢٤٣، ٣٥، ٢٤، ٢٣٠، ١٤١. لا يعرف الناشر، وهو سليمان دنيا أصول النشر العلمي؛ فيضع النصوص الطويلة والقراءات المختلفة في صلب الصفحة لزيادة الهوامش وربما لأسباب تجارية خالصة لتضخيم الكتاب وزيادة الربح مع التشدق بأنها أفضل من طبعتَي مصر وليدن، الإشارات والتنبيهات، ج١/ ٤ مع اقتباس مقدمة «منطق المشرقيين» كلها، والإحالة إلى الغزالي بلا مناسبة.
٦٨  وقد شرحه الفخر الرازي (٦٠٦ﻫ) مما زاد حجمه مائة مرة، كما شرح «الإشارات»، ثم اختصره نجم الدين الحكيم محمد بن عبدان بن اللبودي (٦٦١ﻫ).
٦٩  وضعَها ابنُ سينا إجابةً على سؤال لأبي الحسن سهل بن محمد السهيلي في كركابخ، ونصح أخيه عليٍّ بحفظها.
أن أُودعَ المنطق نظْم الشعر
حتى يكون ثابتًا في الذكر
٧٠ 
ميراثُ «ذي القرنين» لمَّا سألا
وزيرَه العالِم حتى يعملا
لمن يريد النظر الميزانا
يأمَن فيه زيغه أمانا
فعمل الحكيم ما قد سألهْ
لكنَّ ما بيَّنه وفصلهْ
٧١ 
وإنما الأول فيه النظرُ
ذاك اسمه قضيةٌ أو خبرُ
٧٢ 
وفطرة الإنسان غير كافية
في أن ينال الحق كالعلانيةْ
وهذه الآلة «علم المنطق»
منه إلى جُلِّ العلوم يرتقي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤