خامسًا: المنطق الشعوري

ويعني المنطق الشعوري محاولةَ النزول من المنطق الصوري المجرد إلى المنطق الشعوري على مستوى النفس. حدث ذلك عند ابن سينا نفسه في «منطق المشرقيين»، على الأقل على مستوى إعلان النوايا وإن أخفق التحقيق وعند إخوان الصفا في الرياضيات.

(١) منطق المشرقيين (ابن سينا)

لقد خص ابن سينا دراسة خاصة مستقلة عن منطق الموسوعات الأربع باسم «منطق المشرقيين» دون الطبيعيات في «طبيعيات المشرقيين» ودون الإلهيات في «إلهيات المشرقيين» وهي أولى. هناك تعبير الحكمة المشرقية في حي بن يقظان بعد قراءة ابن طفيل للمسكوت عنه عند ابن سينا. ربما كتب ابن سينا «الشفاء» للعامة، و«منطق المشرقيين» أو «الحكمة المشرقية للخاصة». وهو عنوان مثير يُوحي بالتمايز بين المشرقيين والمغربيين، بين الموروث والوافد، بصرف النظر عن المضمون ومدى تحقيق إعلان النوايا. وربما أجمل ما في الكتاب العنوان، وإعلان النية، والتعبير عن القصد كما وضح في المقدمة. هل شعر ابن سينا أنه من المشرقيين لوجوده في فارس؟ وماذا لو كان في مصر أو الشام أو العراق أو الحجاز أو في الشمال الأفريقي؟ مما لا شك فيه أن «المغربيين» هم اليونان. واللفظ وارد عنده.١ والمغربيون باستمرار موضع نقد. وهو ليس أرسطو؛ لأن فيه يتوحد المشرقيون والمغربيون السلفيون. أما المغربيون الشراح فقد انحرفوا عن أرسطو الذي يحاول المشرقيون الدفاعَ عنه، وتصحيح مساره في التاريخ. وجد أرسطو أنصاره والمدافعين عنه عند المشرقين أكثر مما وجده عند المغربيين. وينقد ابن سينا المتعصبين للمنطق اليوناني أو المنحرفين عنه من الغربيين اليونان. يشعر أنه يعيش في عصر مغاير وليس فقط في مكان مختلف، «والناس لا يفرقون في زماننا» بين المطلقة الوجودية وما يكون المفهوم منه.٢

ولا يعني «منطق المشرقيين» منطق الإشراقيين. فاللفظان مختلفان: «مشرقيين، وإشراقيين» ولو أن الاشتقاق واحد. المشرقيون نسبة إلى جهة الشرق، والإشراقيون نسبة للمعرفة الإشراقية. ربما أراد ابن سينا هذا الاشتباه بين الجهة والمضمون، بين الجغرافيا والحكمة، بين الوجود والمعرفة، بين المشرقيين والإشراقيين، خاصة وأن أهم ما يميز منطق المشرقيين هو الإشراق، النبوة والوحي، عن منطق المغربيين. وقد يكون أحد معاني المشرقيين ما له اتجاه عملي في مقابل ما له اتجاه نظري دون الربط الضروري بين العملي والأخلاقي والديني وإن كان ذلك موجهًا لا شعوريًّا فيه.

ويتميز «منطق المشرقيين» بوضوح الرؤية دون إسهابها، مثل «النجاة»، و«الإشارات والتنبيهات». فهو منطق مختصر واضح ومركز، هو جزء من المنطق وليس لباقي الحكمتين الطبيعية والإلهية.٣ وهو علم اعتيادي، مواضعات واتفاقات من عادات الناس.٤ ومع ذلك فهو علم معياري، يضع القوانين بعد امتحانات تعصم الذهن من الخطأ، وهو علم بعيد عن الهوى والتعصب، هو قول معتدل يكشف عن بنية النقل وقدرته على رؤية موضوعه.٥

لم يستطع ابن سينا في مرحلة الإخراج التحرر من أرسطو مع أن الكِنْدي والفارابي استطاع ذلك في مرحلة التمثل. وما زالت فيه بعض الألفاظ المعربة مثل الأسطقسات، ومع ذلك استطاع بما لديه من قدرة على التجريد تخليص الموضوع من سياقه التاريخي وعدم الإحالة إلى أي أعلام. وربما كان الجديد فيه الترتيب؛ فهو مخالف للترتيب التقليدي، كما أنه أدخل تصنيفَ العلوم مع المنطق لتحديد الصلة بين المنطق وباقي العلوم خاصة علم النفس الطبيعي والإلهيات مما يدل على أن المنطق آلة موجهة نحو الطبيعة وما بعد الطبيعة عبر النفس، أي موطن المعرفة. البداية بتصنيف العلوم ليس من أرسطو بالضرورة بل قد يكون من أثر الفارابي أو حدس ابن سينا نفسه، وهنا تظهر القسمة الرباعية بإدخال الرياضي: طبيعي، رياضي، إلهي، كلي، وهي أقسام العلم النظري بعد أن يقوم الرياضي بدور المنطق، وإضافة علم رابع يتجاوز الحكمة الثلاثية، وهو العلم الكلي الذي هو أشبه بالميتافيزيقيا العامة أو الأنطولوجيا العامة.

ويسمِّي ابنُ سينا العلمَ الكلي العلمَ الآلي وهو المنطق؛ لأنه آلة العلوم هو علم سلوك الفكر. ولا فرق في هذه الحالة بين المنطق والميتافيزيقا، بين العقل والوجود. لذلك تشترك بعض المفاهيم بين المنطق والفلسفة وأصول الدين مثل الواجب والممكن.٦
والمنطق ليس مجردَ عرض، بل هو تحقق وتحصيل وإدراك. وهو مرتبط بالنفس ويحيل إليه. ويقوم ابن سينا بنقد اتجاهات منطقية عند الشراح، ويتهمهم بضعف النظر، وله مسار فكري، بداية ونهاية، وقصد وغرض، وليس مجرد تجميع. وتتم مخاطبة القارئ؛ فالفكر مشروع مشرك بين المؤلف والقارئ ويظهر الأسلوب الإسلامي في تخيل المعترض والرد عليه سلفًا.٧
ولم يُذكر شيء من الموروث على نحوٍ مباشر على الإطلاق، آيةً قرآنية أو حديثًا نبويًّا أو تراثًا منطقيًّا سابقًا من الفارابي الذي تعلَّم ابنُ سينا منه أو من غيره. ومع ذلك هناك أمثلة جديدة متنوعة، أحيانًا مادية من المحبة والعشق والجماع أو العدالة في الشهوة والغضب من أجل شرح المنطق على نحو غير صوري.٨ كما تظهر بعض الأمثلة من الطب الجسمي مما يكشف عن اهتمامات ابن سينا الشخصية والمدنية، وقد تأتي الأمثلة من خصائص الشعوب؛ مثل الزغبي ومقارنة بينه وبين الإنسان والحيوان في الضحك بسبب التعجب القائم على التمييز.٩

ويبدو قسم القضايا، القياس والبرهان، صغيرًا بالنسبة للألفاظ والعبارة بناء على توجُّه موروث في أهمية اللغة وتحليل اللغة كما وضح عند الفارابي وإخوان الصفا. ويعرض ابن سينا دلالة اللفظ على المعنى، المطابقة والتضمن والالتزام كما هو الحال في علم أصول الفقه، كما أن العموم والخصوص ألفاظ في الأصول. وكلما كان المنطق مختصرًا إبداعيًّا ظهر التطابق مع علم أصول الفقه؛ لذلك يسهل عرض القضايا المنطقية في صيغ لغوية، مثل الأمر والتمني والتساؤل، ويذكر الجنس والنوع والفصل دون الخاصة والعرض العام، ويغيب من منطق المشرقيين الجدل والسفسطة والخطابة والشعر، ربما لأنها أجزاء تطبيقية سلبًا لمنطق البرهان، وربما لأنها إسهاب يتجاوز حدَّ الاختصار والتركيز، وربما لأن المشرقيين عرفوها باقتدار وليسوا بحاجة إليها، وربما لأنها منطقُ ظنٍّ ورجحان وليست منطقَ يقين.

وأهم ما في الكتاب هي المقدمة التي يُعلن فيها ابنُ سينا عن نواياه لتأسيس منطق للمشرقيين.١٠ ومع ذلك لا يختلف منطقُ المشرقيين عن المنطق التقليدي في شيء في عمومياته أو في تفصيلاته إلا في العنوان، فهل تحقَّق مشروعه في تأسيس منطق خاص بالمشرقيين؟ هل تحقق تأسيس منطق خاص لسائر الأمم حتى تتنوع مصادر المنطق وأنواعه ولا يكون حكرًا على أمة واحدة، عبقرية زمانها، ووحيدة عصرها، والمتفردة بين سائر الأمم، والمختارة بين الشعوب؟
ويمكن لهدا الجيل، في مرحلة جديدة من تطور علوم الحكمة تحقيق نوايا ابن سينا بالانتقال من منطق المغربيين إلى منطق المشرقيين، والتحول من المنطق القديم إلى المنطق الجديد. كان المنطق القديم محاولة لتمثل المنطق المعاصر، اليوناني في ذلك الوقت، وتمثله وإخراجه، وإعادة بنائه حتى أصبح منطقًا لغويًّا حسيًّا شعوريًّا وإلهيًّا أحيانًا عند القدماء دون نقدِه أو رفضِه كما فعل الفقهاء وإن كانت الدوافع والبواعث بين الحكماء والفقهاء واحدة. لم يحاول الحكماء ولا الصوفية إيجاد منطق بديل بما في ذلك «حكمة الإشراق» للسهروردي، بل أعادوا بناء المنطق القديم على أسس جديدة.١١ واستطاع الفقهاء وحدهم بعد نقدِ المنطق القديم، كما فعل ابن تيمية، وضْع منطق جديد هو علم أصول الفقه.

والآن تغيَّر الظرف الحضاري. وتبدلت المرحلة التاريخية. ولم نَعُد في عصر ثقافة اليونان بل في ثقافة الغرب. وتم نقل أعمال منطقية حديثة، عرضًا وتأليفًا دون أن يحدث التراكم الكافي كي يتحولَ إلى إبداع خالص. أصبحت لدينا ثقافة منطقية حديثة شائعة تتحدث عن مناهج البحث، الاستنباط والاستقراء، والمنطق الرياضي الجديد، والمنطق الرمزي في ثنائيات متعارضة جديدة، العقل والحس، المعنى واللفظ، اللغة والرمز. لم تحدث حتى الآن محاولات إبداع منطق جديد، يتجاوز النقل والعرض والتأليف والتراكم، إلى الإبداع الخالص. ما زلنا في مرحلة النقل والتحول. وإنها مهمة المناطقة المحدثين القيام بهذا الدور التاريخي نقلًا لثقافتنا المعاصرة من النقل إلى الإبداع.

ويمكن القيام بعدة تحليلات منطقية بناء على وضع الإنسان في العالم على النحو التالي:
  • (أ)

    تحليل الشعور عن طريق مناهج الاستبطان، ودراسة الشعور لنفسه، عندما يتوجه العقل نحو موضوعه في الشعور بحيث لا يبدو الفرقُ كبيرًا بين المنطق وعلم النفس وكما وضح عند إخوان الصفا قديمًا وكما هو واضح في «الظاهريات» حديثًا.

  • (ب)

    تحليل التجارب الاجتماعية المشتركة، وتحول المنطق إلى مناهج بحث في العلوم الاجتماعية في علاقة الأنا بالآخر، الفرد أو الجماعة. فالإنسان عالم كبير كما لاحظ إخوان الصفا.

  • (جـ)

    تحليل علاقات الشعور بعالم الأشياء وتحوُّل المنطق إلى مناهج العلوم الطبيعية. ما العالم الخارجي، بناؤه وتركيبه؟ ما جوهر الأشياء، ثباتها وحركتها؟ فالعالم إنسانٌ صغير كما لاحظ أيضًا إخوان الصفا.

  • (د)

    تحليل الخطاب عندما يتحول المنطق الاستبطاني أو الإنساني أو الطبيعي إلى صياغات في عبارات لمعرفة معانيها وإلى أيِّ حدٍّ تُعبِّر عن معنى خبري أو مجرد خطاب إنشائي، وما هي طرق التحقق من صدقها كما هو الحال في تحليل اللغة في المنطق المعاصر أو تحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية المعاصرة.

(٢) الرياضيات النفسية (إخوان الصفا)

ينتقل الإخوان من الرياضيات الطبيعية إلى الرياضيات النفسية في القسم الرياضي من الجزء الأول؛ ففي الرسالة الأولى «في العدد»، الأعداد متحابة، وعلم العدد أساسه علم النفس، ويتم تحديد معاني الألفاظ الحسابية وفي الجبر والهندسة مثل الضرب والجذر والمكعبات.١٢ يتداخل الحساب واللغة والطبيعة والإلهيات والأقل الحساب، مثل إن الأصل هو الواحد وليس الصفر، والإشارة إليها بالحروف تأسيسًا للهندسة التحليلية.١٣ ثم تستقل اللغة عن الحروف، وتظهر مباحث اللغة مثل صلة اللفظ بالمعنى. ثم يتم نقل مستوى الحساب إلى الطبيعة بألفاظ معربة مثل أسطقسات أو منقولة مثل أركان. وأخيرًا يتم الانتقال من الحساب والطبيعيات إلى الإلهيات. وتظهر قضية الصلة بين الواحد الرياضي والواحد الإلهي كما هو الحال عند الكِنْدي، والانتقال من فلسفة الرياضة إلى فلسفة الدين. كل شيء يقوم على التناسق، النسبة في الأعداد، والتناسق في الطبيعة، ولا وجود للتنافر أو الصراع بالرغم من وجود الإخوان تحت الأرض مما يحتم أحيانًا الصراع بين الخير والشر، الحق والباطل، النور والظلام، الإسلام والجاهلية، الله والطاغوت.١٤
يُعيد الإخوان بناءَ الأعداد على أسس نفسية؛ فالأعداد المتحابة تشخيصٌ نفسي. وإذا كانت الرياضيات أول العلوم فإن العدد أولها؛ لأنه مركوز في النفس بالقوة. بالنفس مثال لكل معلوم يتم الوصول إليه بالتأمل بالقوة الفكرية. أما مثالاتها بالخطوط الحسية فإنما تكون للمبتدئين المتعلمين. علم النفس أساس العلوم. ومن ثَم لزمت معرفةُ جوهر النفس. ولما كان العدد وأعراضه قوامه بالنفس؛ فالنفس جوهر لأن العرض لا يقوم إلا بالجوهر.١٥
وقد نظر الحكماء إلى الرياضيات من خلال الطبيعيات من أجل الوصول منها إلى الإلهيات، الغاية القصوى لهم. ومعرفة النفس هو الطريق إلى معرفة الإلهيات، جوهرها مصدرها وتميزها عن البدن ومعادها وثوابها وعقابها. معرفة النفس طريق إلى معرفة الرب. النفس هي البؤرة التي فيها تهبط الرياضيات والطبيعيات قبل صعودها إلى الإلهيات. ومن ثَم وجبت معرفتها ومعرفة جوهرها وتهذيبها. المسار إذن من الرياضيات إلى الطبيعيات إلى الإلهيات، ومن الإلهيات إلى النفسانيات إلى الإلهيات مرة أخرى، من الصوري إلى المادي إلى الإلهي، ومن الصوري إلى النفسي إلى الإلهي. فالطبيعة والنفس كلتاهما مرآتان تعكسان الرياضيات وتحوِّلهما إلى إلهيات.١٦
والغاية من ذلك ليس فقط العلم بل الدهشة ثم الاستسلام، مثل نقد الغزالي للفلاسفة بأن منطقهم صحيحٌ حتى يستسلم الناس إلى الإلهيات. فالرياضيات صحيحة من أجل الاستسلام للإلهيات. وهي مقدمة عقلية تشغل الإنسان بعيدًا عن مجتمعه، وإغرائه بالأسرار وسلْب إرادته حتى يمكن بعد ذلك تجنيده للجماعة طبقًا لمنطق الإيحاء وأساليب الدعاة. مشروع الإخوان إذن تبسيط الفلسفة وتوضيحها بعد أن تمخضت وطالت بسبب ترجمتها ونقلها من لغة إلى لغة وإظهار علم النفس فيها المتفق مع علم النفس في الوحي. الحكمة نفسية، والوحي نفسي ومن ثَم وجبت إعادة بناء علوم الحكمة، الرياضيات والطبيعيات والإلهيات وعلوم الدين وهي علوم المعاد على أسس نفسية. وقد قام الحكماء بما قام به الأنبياء بتأسيس الحكمة على أسس نفسية.١٧ ومن ثَم يصبُّ علم العدد في الدين، ويتم نقل الوافد إلى الموروث، والحكمة على النبوة، تأويلًا للفلسفة بحيث تتفق مع الدين، وتأويلًا للدين بحيث يتفق مع الفلسفة، والالتقاء في بؤرة واحدة هو النفس أو الشعور.١٨

وقد تكلم الحكماء في علم النفس قبل نزول القرآن والإنجيل والتوراة بقرائحهم وعقولهم، وصنفوا الكتب الفلسفية. أحالوا الحديث ونقلوه من لغة إلى لغة ففحصت معانيها وأغراض مؤلفيها، وصعب على الباحثين معرفتها. مهمة الإخوان توضيحها. مشروع الإخوان إعادة بناء المعرفة الإنسانية قبل نزول الوحي بما يتفق مع ما أبرزه الوحي. الوحي تأكيد للعقل، والحكيم مقدمة للنبي. لم يقصد الإخوان بالحكماء السابقين على الوحي اليونان وحدهم. إن انطبق ذلك على الإنجيل فلا ينطبق على التوراة لأنها سابقة على اليونان.

وقد يبدو ذلك خروجًا على موضوع العدد، البداية بشيء والانتهاء بشيء آخر، البداية بالعدد ثم الهبوط إلى أسفل في الطبيعة ثم الدخول في النفس ثم الصعود إلى أعلى في الإلهيات من الرياضيات إلى الطبيعيات إلى النفسانيات إلى الإلهيات طبقًا للتوجه القرآني وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.

ومن ثَم يصبح الله هو مركز الكون. جعل الأمور الطبيعية أربعة تحت فلك القمر في العناصر، وفوق فلك القمر في الله والعقل الكلي، والنفس الكلية، والهيولى الأولى، أربع مراحل للفيض.١٩وهي ليست أجسامًا. ونسبة الله من الموجودات كنسبة الواحد من العدد، ونسبة العقل منها كنسبة الأربعة. الرياضيات البداية، والإلهيات النهاية كما هو الحال عند الكِنْدي في رسالته في الفلسفة الأولى. في الظاهر الرسالة في العدد، وفي الحقيقة في التوحيد، تركيبًا للخارج على الداخل، وللوافد على الموروث. خواص الأعداد تمرينات عقلية جيدة وتفصيلات من أجل الصعود.
والرسالة الثانية عن الهندسة يتبين ماهيتها، وتصف تكوينها من النقطة الماسة للبصر، بل تتحول الهندسة إلى علم اجتماعي يبيِّن حاجة الإنسان إلى التعاون وتطبيقاتها وثمرتها.٢٠يُعيد الإخوان تأسيس الهندسة العملية مباشرة دون المرور من الهندسة النظرية إلى الهندسة العملية مباشرة دون المرور بالنفس في دراسة هندسات الحيوان والعنكبوت والمساحة، انتقالًا من النظرية إلى التطبيق. ويتم التحول من العلم إلى العالم، ومن الهندسة إلى المهندس. فمن الناس مَن يستخرج صناعة بقريحة وذكاء نفسه. ومنهم مَن يأخذها توقيفًا وتعليمًا من الأستاذ. وهما نفس النظريتين في نشأة اللغة عند الأصوليين، الاصطلاح والتوقيف، الوضع والتعليم. ويدخل علم الهندسة في الصنائع كلها خاصة في المساحة التي يحتاج إليها العمال والكتاب والدهاقين، أصحاب الضياع والعقارات وجباية الخراج وحفر الأنهار، ويُعطي الإخوان معلومات عن مقاييس مسح الأراضي بالعراق، وهي خمسة: الأشل، والباب، والذراع، والقبضة، والإصبع. ولا تُعطى الصناعة إلا لأهلها. يحوِّل الإخوان الهندسة من الصوري إلى الحسي، ومن المجرد إلى المادي، ومن الفردي إلى الاجتماعي، ومن عالم الأذهان إلى عالم الأعيان دون المرور بالضرورة بالنفس، من الهندسة العقلية إلى الهندسة الحسية، ومن الهندسة النظرية إلى الهندسة التطبيقية، ومن علم الهندسة إلى فن الصنائع. وتظهر في رسالة الهندسة حاجةُ الإنسان إلى التعاون انتقالًا من الفرد إلى العمران، ومن النظر إلى العمل، ومن الحاوي إلى المحوي. فالعلم صنعة وليس مجرد معرفة، والسياسة صنعة وليست مجرد «أيديولوجية». وبعد ذلك يتم الانتقال من الدنيوي إلى الأخروي، ومن العمل في الدنيا إلى النجاة في الآخرة.

ولا توجد إحالة إلى فيثاغورس وإلى الدلالة الرمزية للأشكال الهندسية خاصة الشكل الذهبي أو الدائرة بالرغم من اكتشاف الإخوان القرابة بين العدد والمثلث. فأصل الحساب وأصل الهندسة واحد، الواحد والنقطة، والحدود المسطحة بالزوايا، والمقصرات والمحدبات كما هو الحال في الهندسة الوصفية. ومع ذلك رسالة الهندسة أقل توجهًا نحو الدين من رسالة العدد بالرغم من أن الحيوانات تمارس صناعة الهندسة العملية وكذلك الحشرات والنمل والعنكبوت، وهي صور قرآنية.

وتمثل هذه المعلومات الحد الأدنى لثقافة العصر. وقد تكون الغاية جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات النظرية والعملية لإبهار الجاهل بالعلم حتى يفقد عقله ويصاب بالدوار، ويستسلم للداعية. قد تكون الغاية ليس العلم بل الدين، وليس النظر بل العمل وليس المعرفة بل التوجيه، وليس المجرد بل المشخص. قد يكون المقصودُ جرَّ القارئ لغاية أبعد، هي الإشراقيات والأسرار، فالإخوان خبراء في علم النفس والتربية بالتبليغ والدعوة مثل مدرسة الدعاة، مثل غياب الدولة وانتظارها مدة للتشويق والخلاص عن طريق المهدي المنتظر.٢١
والرسالة الثالثة في علم الفلك يظهر فيها تجرد النفس واشتياقها إلى عالم الأفلاك وكيفية سعادات الكائنات ومحاسنها، وارتباط العالم العلوي بالعالم السفلي وسبب تأثير الكواكب في الكائنات الفاسدة دون فلك القمر، وعدم ادِّعاء المنجم علم الغيب فيما يخبر به من الكائنات؛ فالفلك إنساني، ليس المقصود دراسة الفلك كعلم رياضي بل كعلم إنساني.٢٢يُعيد الإخوان تأسيس علم الفلك على أسس نفسية، والانتقال من الفلك إلى العشق. فالنفس تتجرد وتشتاق إلى عالم الأفلاك، وتشتاق إلى الصعود إلى الفلك، والنظر إليه معاينة. ولا يمكن ذلك بالجسد الثقيل بل بالنفس بعد مفارقتها له. ولم يُعِقْها شيءٌ من سوء الأفعال أو فساد الآراء وتراكم الجهالات أو رداءة الأخلاق. فتصير إلى محبوبها في طرفة عين كما تطير نفسُ العاشق إلى المعشوق. وليس عشق الجسد لذاته وشهواته والذي يمنع من الصعود إلى عالم الأفلاك وفتح أبواب السماوات ودخول الجنة مع زمرة الملائكة. تبقى النفس الفلكية تحت فلك القمر ساجدة في الأجسام المستحيلة المتضادة، تارة من الكون إلى الفساد، وتارة من الفساد إلى الكون، وكل الحكايات والأخبار دليل على بقاء النفس بعد مفارقتها للجسد. واضح النزعة الصوفية عند الإخوان في تصورهم للعلوم الرياضية؛ فالمعرفة الحقة لا تقوم إلا على المعاينة، وهي لا تتم إلا بعد مفارقة النفس للبدن.٢٣
والرسالة الرابعة «في الجغرافيا» يظهر الحث على النظر في الأرض للاعتبار بناء على توجيه الوحي للشعور نحو الأرض.٢٤ينتقل الإخوان من الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا البشرية أو النفسية. كان من الطبيعي أن تأتيَ الجغرافيا بعد الفلك نظرًا لأثر الفلك في الجغرافيا، أي أثرها فوق فلك القمر على ما تحت فلك القمر، فالعلاقة بين الفلك والجغرافيا علاقة العلة بالمعلول. والجغرافيا بعد علم الفلك تطبيقٌ حسي للرياضيات، في الأرض بعد السماء. الهندسة عقلية في الفلك وحسيَّة في الجغرافيا. والجغرافيا علم إنساني لأن الأرض معمورة بالإنسان وميدان للعمران. الجغرافيا رؤية إنسانية للطبيعة، وتتحدد بموضع الإنسان في الأرض. وطبقًا لهذا الموضع تحدد رؤيته للسماء. ما ظهر له منها وما خفيَ عنه. وفي الأرض تتحدد طبائع العمران، المدن والقرى، والبراري والقفار.
كما أن الله خلق الجغرافيا والنفس والعمران نزولًا في الخلق؛ فإن الجغرافيا والنفس والعمران يعود كله إلى الله صعودًا في البعث. الجغرافيا هنا موصل إلى الله لأنها النظر في الموجودات من حيث بارئها انتقالًا من العلم إلى الدين، ومن العلوم الطبيعية إلى العلوم الشرعية.٢٥ والنظر في هذا العالم سببٌ لترقِّي النفوس إلى عالم الأفلاك مسكنِ الطين ومحل الروحانيين. وكثرة النظر في عالم الأفلاك سببُ انتباه النفوس من الغفلة والجهالة والانبعاث من عالم الكون والفساد إلى عالم الدوام والبقاء، والحث على الرحلة من عالم الأجساد وجوار الشياطين إلى عالم الأرواح وجوار الملائكة المقربين. وبالرغم من التحديد الجغرافي مثل بحر الصقالبة، والسند والهند، وكأن الإخوان يتصورون الخرائط إلا أن الانتقال من الأرض إلى السماء، ومن الجغرافيا الطبيعية إلى العلوم الإلهية دليلٌ على الاغتراب الديني.٢٦
وفي الرسالة الخامسة «في الموسيقى» تتحول الموسيقى من علم رياضي كما هو الحال عند الفارابي إلى علم نفسي في كيفية إدراك القوة السامعة للأصوات وامتزاج الأصوات وتنافرها وفي تأثيرها على الأمزجة وفي أصول الألحان، وفي قوانينها وطبقاتها. ثم تنتقل الموسيقى النفسية إلى موسيقى الكون ونغمات الأفلاك في حركاتها. ولأعضاء الإنسان أنغامها، وللأشكال الهندسية مثل المربعات ألحانها، وللكلام موسيقاه. والغرض منها هداية نفوس العقلاء إلى أسرار العلوم، ويدخل علم صناعة الآلات وإصلاحها ضمن علم الموسيقى وصناعتها ونوادرها عند الحكماء.٢٧
تتم دراسة الموسيقى وأثرها في النفس والطبيعة وكطريق إلى الله، فهي موسيقى شعورية أكثر منها رياضية كما كانت عند الفارابي، بالرغم مما يُحكى عنه عن قدرته على عزف الألحان التي تؤثر في النفوس للضحك والبكاء والنوم كما حدث في القصة المشهورة عنه في مجلس سيف الدولة. نظرًا للصلة بين الألحان والعواطف، بين المقامات والانفعالات. للموسيقى تأثيرات في النفوس. ومن الأنغام والأصوات ما يحرِّك النفوس نحو الأعمال الشاقة والصنائع المتعبة، يُنشطها ويقوي عزائمها على الأفعال الصعبة المتعبة للأبدان وكما هو معروف في ألحان الحرفيين، الحمالون والبناءون، وعلاج الزواريق وأصحاب المراكب.٢٨ ومن النغمات ما يسكن ثورة الغضب، ويحلُّ الأحقاد، ويُوقع الصلح، ويُكسب الألفة. ويستعمل قادة الحروب لحن المشجع لكسب النفوس شجاعة وإقدامًا. كما يستعمل لحنًا آخرَ في المارستانات لتخفيف الآلام وشفاء الأمراض. ويستعمل لحن ثالث للتخفيف عن المصائب والأحزان والغموم في المآتم لتعزية النفوس. ويستعمل لحن رابع لإدخال الفرح واللذة والسرور في النفوس في الأعراس والولائم. كما تستعمل النساء والأطفال ألحانًا لتسكين البكاء وجلب الناس.٢٩
وتؤثر الموسيقى في الحيوانات مثل حداء الإبل في الأسفار وفي ظلمة الليل لتنشيط الجمال في السير، ويخفف عنها ثقل الأحمال ويستعملها رعاةُ الغنم والبقر والخيل عند ورودها الماء. وتُستعمل ألحان أخرى لتهييجها للسفاد، وأخرى لحلب ألبانها. ويستعمل صائد الغزلان وغيرها من الحيوان والطير ألحانًا في ظلمة الليل لإيقاعها حتى تؤخذ باليد. كما تؤثر الموسيقى في الأبدان. فالأصوات الحادة حارة لتسخين مزاج أخلاط الكيموسات الغليظة. والأصوات الغليظة باردة ترطب مزاج أخلاط الكيموسات الحارة اليابسة. والأصوات المعتدلة تحفظ مزاج أخلاط الكيموسات المعتدلة وكيفيتها على حالها. والأصوات العظيمة الهائلة غير المتناسبة إذا وردت على السامع دفعة واحدة أفسدته المزاج، وأخرجته عن حدِّ الاعتدال، وقد تُحدث الموت. والأصوات المعتدلة المتزنة المتناسبة تعدل مزاج الأخلاط، وتُفرح الطباع، وتستلذ بها الأرواح، وتسربها النفوس.٣٠
وتُستعمل الموسيقى أيضًا عند الدعاء والتسبيح والقراءة.٣١ تسمَّى المحزن، وترقُّ لها القلوب، وتُبكي العيون، وتُكسب النفوس الندامة على سالف الذنوب، وتبعث على إخلاص السرائر وإصلاح الضمائر. للنغمات تأثيرات في النفوس الروحانية. ولكل صوت نغمة وصفية، وهيئة روحانية، وذلك تقديرًا للعزيز الحكيم الذي جعل السمع والأبصار والأفئدة. كما تستعمل في الهياكل وعند القرابين والصلوات. فالنغمات الغليظة الثقال كالأجساد، والنغمات الحادة الخفيفة كالأرواح. إذا امتزجت بعضها ببعض صارت ألحانًا وغناءً.

وهناك موسيقى الكون، نفحات مماثلة لحركات الأفلاك والكواكب ومناسبة لها حتى تتذكر النفوس الجزئية التي في عالم الكون والفساد وسرور عالم الأفلاك ولذات النفوس في أحسن الأصول وأدوم السرور نظرًا لصفاء النغمات وأطيب الألحان؛ لأن هذا العالم أحسن تركيبًا، وأصفى جوهرًا، وأحسن نظامًا، وأجود تأليفًا. تشتاق إليه النفوس إلى الصعود عن طريق اتساق الألحان، وتوافق النغمات.

وهناك موسيقى في الرياضة والأعداد. والأشكال الهندسية تقوم على التناسب والتناغم مثل فضيلة الثمانية. ويضع الإخوان الموسيقى داخل الأصوات عن طريق القسمة؛ إذ تنقسم الأصوات إلى غير حيوانية وحيوانية، وتنقسم غير الحيوانية إلى طبيعية وآلية، وتنقسم الحيوانية إلى غير منطقية ومنطقية، وتنقسم المنطقية إلى غير دالة كالضحك والبكاء ودالة مثل الكلام. وتقوم القسمة على نظرية في الدلالة قبل أن يتحول الصوت إلى تحليل طبيعي ثم إلى تأسيس نفسي قبل الصعود إلى الحكمة الإلهية.

ثم يتم الانتقال من الصوت إلى الغناء بإضافة الكلام ثم من الصوت والغناء إلى الرقص بإضافة الحركة. ولا يذكر الإخوان موسيقى الشعر أو موسيقى القرآن. الموسيقى عند كل الأمم والشعوب تنتقل من المستوى الطبيعي إلى المستوى النفسي إلى المستوى الإلهي.٣٢
وأحيانًا تكشف رسالة بأكملها عن هذا التحول من المستوى الصوري إلى المستوى الشعوري، مثل الرسالة السادسة في النسب العددية والهندسية في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق. وفيها يتوجه الصوري إلى النفسي والأخلاقي صراحة في العنوان، بناء الخارج على الداخل. فالعلوم الرياضية كلها تقوم على النسبة في العقل والنفس والجسد والطبيعة في الحساب والهندسة والموسيقى والفلك. والنسبة في إيجاد التوازن والتناسق والتأليف ربما كردِّ فعلٍ على الصراع والتناحر والتنافر والتبغُّض كما هو الحال عند الصوفية. هناك تقابل بين الألفاظ والأعداد، النسبة موضوع العلوم الرياضية التي تكشف في عالم الشعور. الذاتية محور العلم. تعشق الروح النسبة والتناغم والتناسق في الكون فتتجاوز العالم الحسي إلى العالم الروحي. ومن هنا يأتي شرف العلوم الرياضية وفي مقدمتها علم العدد لأنه أساس العلوم والصناعات. وهو مثل الرسالة الأولى «في العدد».٣٣

ثم تتحول الرياضية إلى الصنائع العملية من داخل النفس إلى خارجها، إلى المجتمع والمنافع العامة كما هو الحال في الرسالة السابعة «في الصنائع العملية والغرض منها». تبدأ بوصف مثنوية الإنسان وصفات الجسد والنفس، ومثنوية قنية الإنسان، ومثنوية الأعمال ثم العلم والعلوم والتعليم والعلم، وأوجه السؤال، وأجناس العلوم، ثم تنتهي بالعلوم الإلهية، فالمسار من الصوري إلى النفسي ثم من النفسي إلى الاجتماعي، ثم من الاجتماعي إلى الإلهي.

ويعود نفس الموضوع في الرسالة الثامنة بنفس العنوان لبيان حاجة الإنسان إلى الآلات والأدوات وحاجة كلِّ صناعة إلى الفكر والتعقل، وقابلية الإنسان إلى الصنعة، وشرف الصانع، والغرض من الملك، وعدم تحرك الجسم ذاته. والرسالة كلها تقوم على وصف العلة الغائية في النفس وفي المجتمع.

تدخل الصنائع العلمية والعملية مع الرياضيات مع التركيز على الجانب العملي كما يبدو في اسم الصنائع وليس العلوم، ففي الإنسان قابلية للصنعة. الصنائع تطبيق للرياضيات، كما أن علم العدد نظريٌّ في الحساب وتطبيقي في الهندسة. وتُكرر الصنائع العلمية بعضَ الأفكار في الرسائل الرياضية السابقة عن النسب العددية المادية ثم الانتقال بها إلى العالم الروحاني، نظرًا في المعرفة، وعملًا في الأخلاق. يجمع الإخوان إذن بين النظر والعمل، بين المعرفة والصنعة؛ إذ لا يعني الإشراق مجرد تأمل صوفي دون حرفة.

وقد تكون غاية إخوان الصفا تبسيط فهمِ الوافد بإدخاله في الموروث من أجل إعادة استخدامه. لا يهم العقل، ولا ضيرَ من الخرافة أن يكون العلم النظري في النفس والصنعة العملية من تأثير النفس الكلية بقوة تأييد العقل الكلي بأمر الله. فالله عند الإخوان يدخل في كل شيء حتى في موسى المزين٣٤ ويستعمل الإخوان لتوضيح ذلك الحكايات للاستدراج وإدهاش القارئ لتجنيده في جماعة الإخوان.
والعلم هو تصور المعلومات في نفس العالم. والتعليم تنبيه نفس المتعلم من نفس العالم. العلم النظري في النفس، والصنعة العملية من تأثير النفس الكلية بقوة تأييد العقل الكلي بأمر الله. العلم ارتسام صورة للمعلوم في النفس بالقوة، فإذا حدث صار المعلوم علمًا بالفعل. العلم إذن انتقال من القوة إلى الفعل، والأستاذ هو الدليل على الطريق. نفس الصبي عالمة بالقوة، ونفس المعلم عالمة بالفعل، والمعلوم هو المطلوب بالدليل، المدلول عليه، وكل نفس عالمة بالقوة إلى نفس عالم بالفعل؛ لذلك كان كل تلميذ في حاجة إلى أستاذ، وكل أستاذ في حاجة إلى أستاذ حتى الانتهاء إلى معلم البشر جميعًا الذي لا يحتاج إلى معلم. إما أنه ستخرجه من قوة نفسه وفكره ورؤيته واجتهاده كما يقول الفلاسفة، وإما من معلم غير بشري كما يقول الأنبياء. ولا أحدَ من الفلاسفة أو الأنبياء يُحيط بعلم إلا بما شاء الله. شاهد الحكماء مصنوعات الطبيعة، وقاسوا عليها، وتعلَّموا منها. والطبيعة ذاتها مؤيدة بالنفس الكلية، والنفس الكلية مؤيدة بالعقل الكلي، أول الموجودات من الله، والله هو المؤيد للكل كيف يشاء، صانع الأسباب، والمؤيد لذوي الألباب. علم الحكماء استقرائي صاعد من الطبيعة إلى الله، وعلم الأنبياء استنباطي نازل. علم الحكماء تأويل، وعلم الأنبياء تنزيل، ويستحيل الاستقراء من الأسباب دون الله. فالصعود هو في الحقيقة نزول، والنزول هو في الحقيقة صعود. التأويل تنزيل، والتنزيل تأويل، ولا يمكن معرفة شيء إن لم تكن قد تمت معرفته من قبل. المعرفة استدلًا، تحول من الحدس إلى البرهان.٣٥وطرق النفس في العلم ثلاثة: الفكر أو الروية والبرهان، والحواس. وهي قسمة غير واضحة، الأولان عقليان، والثالث حسي، فهي ترجع إلى قسمة ثنائية الحدس والبرهان، ويغيب الإيهام أو الوحي منهما ونظرية التعليم التي نقدها الغزالي وضرورة الإمام. العلم إذن هو العلم الشعوري، والتعليم عملية شعورية، من شعورٍ معطًى إلى شعور متلقًّى في العلاقة بين العالم والمتعلم، والعلاقة بين الذوات، الشيخ والمريد بطريقة الصوفية وليس العقل والواقع بطريقة الأصوليين.
والصنعة العملية أيضًا من تأثير النفس الكلية بقوة تأييد العقل الكلي بأمر الله، والمصنوعات بشرية أو طبيعية أو نفسانية أو إلهية، توسيعًا للفظ الصنائع ليشمل الإنسان والله.٣٦

وفي قسمة أخرى الصنائع على أربعة أنواع بشرية وطبيعية ونفسانية وعقلية. فالمصنوعات الإلهية هي المصنوعات العقلية. الله يصنع بالعقل، والعقل يصنع بالله.

وتحتاج الصنائع إلى ستة أشياء: الحركة، والآلة، والأداة، والزمان، والمكان، والهيولى. والسابع هو الصانع أو النفس في حين يحتاج الصانع الطبيعي إلى أربعة فقط: الحركة، والزمان، والمكان، والهيولى. ويحتاج الصانع النفساني إلى الحركة والهيولى فقط في حين يحتاج الصانع العقلي إلى صورة واحدة فقط، هو العقل الأول، أثر من مبدع البدائع.

أما الله فإنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك، وأنها كلها مخترعاته ومبتدعاته. لذلك توجد في كل صنعة سبع حركات، واحدة دورية، وست مستقيمة وذلك طبقًا للحكمة الإلهية: تحت (فوق وأسفل)، نشر (أمام وخلف)، وثقب (يمين ويسار).

والصناعة البشرية نوعان جسماني وروحاني (العلم والمنطق)، وموضوعات الصنائع البشرية سبعة. تنقسم إلى بسيط ومركب. البسيط أربعة: الأرض والنار والماء والهواء، والمركب ثلاثة: المعادن والنبات والحيوان. وتدخل النار في كل شيء. وكل صانع بشري له أداة إما باليد (البدن)، أو بالأداة (الفأس). وتختلف الصناعات في استعمال الأدوات.٣٧
والصناعات لها مراتب، إما بالقصد الأول مثل الحراثة، والحياكة (الغزل، والنسج، والحلج، والخياطة) والبناء، أو بالقصد التابع، تابع وخادم، متمم ومكمل، جمال وزينة، وهو ما يُشبه أصول الفقه في تقسيم المقاصد إلى ضروريات واجبات وتحسينات. والغاية منها كلها عمارة الدنيا. وتتفاضل الصناعات من وجوه خمسة:
  • (أ)

    ‌الهيولى مثل الصاغة والعطارين.

  • (ب)

    المصنوعات مثل آلات الرصد.

  • (جـ)

    الحاجة الضرورية مثل الحراسة والحياكة والبناء.

  • (د)

    المنفعة العامة مثل الحمامين.

  • (هـ)

    الصناعة نفسها مثل المشعوذين والمصورين والموسيقيين، فصناعة الفن مع الحواة والمشعوذين، ويتكرر موضوع أثر الموسيقى في النفس.

والصناعة لطلب العوض، والتجارة لطلب الزيادة. لذلك كانت الصناعة أفضل من التجارة كما هو الحال عند ابن خلدون. وتتفاوت الناس غنًى وفقرًا طبقًا للصناعة والتجارة. أهل الصناعة هم الأغنياء والفقراء هم المحتاجون إليها مثل العمال، والخوف من الفقر دافع على العمل صناعة أو تجارة من أجل إشباع الحاجات في الدنيا.

وتحتاج كل صناعة إلى الفكر والتعقل مما يجلب لها الشرف. والحِذْق في الصنعة تُشبَّه بالصانع الحكيم، كما أن الفلسفة تُشبَّه بالإله بحسب طاقة لا إنسان. فالله أعلم العلماء، وأحكم الحكماء، وأصنع الصناع، وأفضل الأخيار. مَن زاد في ذلك درجة ازداد قربًا من الله. ولا تكون الوسيلة إلا بعمل أو علم أو عبادة، والإنسان لا يملك إلا ما سعى.٣٨
ثم يبدأ الاغتراب الديني بالتحول من الصناعة إلى الأخلاق إلى الله، من الحاجة إلى النفس إلى الله. ومن إشباع حاجات الدنيا إلى طلب الآخرة بأن تحصل النفس على المعارف الحقيقية والأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة، والأعمال الزكية من أجل أن تصعد النفس إلى ملكوت السماء للنجاة من بحر الهيولى وأسر الطبيعة، والخروج من هاوية عالم الكون والفساد إلى فسحة عالم الأرواح في لذة وفرح وسرور وخلود أبدي.٣٩

وفي الرسالة التاسعة «في بيان الأخلاق وأسباب اختلافها وأنواع عللها ونكت من آداب الأنبياء وزُبَد من أخلاق الحكماء» تصبُّ الأخلاق في الدين؛ فنهاية الرياضيات الشعور في طريقه إلى الله، والانتقال من المستوى الصوري إلى المستوى الشعوري ثم من المستوى الشعوري إلى الأخلاق العملية التي تؤدي بدورها إلى الدين الإشراقي الفلسفي اعتمادًا على آداب الأنبياء، وهي أكثر الرسائل ذكرًا للقرآن. يذكر فيها خلق آدم كما وجد في بعض كتب بني إسرائيل تطويلًا وخروجًا على الموضوع، ربما إيهامًا للعامة بالعلم فتقبله على جهل، مع التدرج من المراتب الدنيا إلى المراتب العليا، من النباتية الشهوية، إلى الحيوانية الغضبية إلى الإنسانية الناطقة إلى العاقلة الحكيمة، إلى الناموسية الملكية.

لذلك تظهر في النفس ثلاثة موضوعات: الأخلاق ثم النفس ثم العلم الإلهي. الإنسان قابل لجميع الأخلاق. وتختلف وجوهها من جهة الأخلاط وتأثير البلدان فيها، وماهيتها وضرورتها للتربية، ثم تأتي الموضوعات النفسية في مراتب النفوس واختلاف مناهجها، وترتيب الفضائل والرذائل طبقًا لمراتب الأخلاق والنفوس، ومراتب الناس الخلقية حسب الأعمال، وتنتهي الرسالة بفضل طلب العلم والحرص على الزهد ودرجات الناس فيه وفي آفات الشبع وكثرة الأكل وخصال الزهاد، ثم بيان علامات أولياء الله وعباده الصالحين، وما روَوه عن معرفة مكايد الشيطان ومحاربتهم ومخالفتهم جنود إبليس، وفضل التوبة والاستغفار والدعاء، وحس التكليف. وتختتم بدكر بعض المواعظ وكأن غاية العلوم الرياضية هي الأخلاق والدين، لا فرق بين الصوري والغيبي.٤٠
وتكشف الرسالة التاسعة عن صبِّ الرياضيات في الأخلاق والدين من خلال علم النفس؛ فقد طالب الأنبياء الناس بالإيمان الذي هو إقرار باللسان بما جاءوا به، والإخبار عنه من الأمور الغائبة عن الحواس وعدم إنكارها وجحودها. ومَن يفعل ذلك يكون له جزاؤه في الدنيا، ويهدي الله قلبه بالتصديق واليقين والأخلاق. والمفكر باللسان والفكر والقلب لا يقع في الشك والارتياب والحيرة، آلام القلوب وعذاب النفوس. الإخوان هنا أقرب إلى المرجئة؛ فالإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.٤١ ولا يظهر البعد الثالث، العمل بالأركان، على نقيض الخوارج والمعتزلة من أجل استلابه واغترابه خارج العالم. وما العيب في الشك والارتياب والحيرة والدهشة والشك عند الجبائي أول الواجبات حتى قبل النظر؟٤٢
والحقيقة أن الرسائل كلها الاثنتين وخمسين وليس القسم الرياضي وحده تهدف إلى إعادة الصوري إلى النفسي، والمجرد إلى الشعوري، انتقالًا من الرياضيات إلى تهذيب النفوس وإصلاح الأخلاق. المنطق معرفة معاني الأشياء الموجودة والصورة في النفوس، والطبيعيات معرفة الأجسام ذوات الأبعاد الثلاثة من طول وعرض وعمق في النفس، والإلهيات معرفة الصور المجردة المفارقة للهيولى، مثل جوهر النفس والملائكة والنفوس والشياطين والجن والأرواح بلا أجسام. الهدف هو بناء الخارج على الداخل، وتوجيه الوافد نحو النفس. ونادرًا ما لا تتوجه رسالة إلى النفس.٤٣
١  «بئس ما فعل المغربيون حين اعتبروا … وقال قائل منهم.» منطق المشرقيين، ص٧٨.
٢  السابق، ص٦٥.
٣  السابق، ص٨١.
٤  «ومن عادة الناس أن يسموا ما يحصل به التصور قولًا شارحًا أو قولًا بحسب الاسم، فمنه ما يسمونه حدًّا ومنه ما يسمونه رسمًا. ومن عادتهم أن يسموا ما يحصل من التصديق حجة، فمنه ما يسمونه قياسًا، ومنه ما يسمونه استقراء أو غير ذلك، السابق ص١٠ / ١٦، ومن عادة الناس ألا يفطنوا.» ص٤٢.
٥  «ونحن يلزمنا أن نقول في هذا ما هو القول المعتدل الذي لا تعصُّب فيه.» السابق، ص٤٤، ٤٦.
٦  «فهذا العلم الذي يدل على كيفية السلوك المذكور من العلم الإلهي والمنطق.» السابق، ص٧-٨.
٧  السابق، ص٢٨، ٣١، ٥٠-٥١، ٣٠، ٤٢، ٧٣-٧٤، ٧٦-٧٧.
٨  قد فهمت ذلك في الأمثلة المذكورة، السابق، ص٦٦.
٩  السابق، ص٥١.
١٠  وقد نقلها سليمان دنيا في مقدمة «الإشارات والتنبيهات» دون سبب. كما سخر منها عبد الرحمن بدوي مثل سخريته من آخر فقرة في الشعر التي يحدد فيها ابنُ سينا مسئولية الأجيال.
١١  انظر دراستنا «حكمة الإشراق والفينومينولوجيا»، دراسات فلسفية، ص٢٧٣–٣٤٤.
١٢  الرسائل، ج١، ٦٥-٦٦، ٧٣، «الغرض منها رياضة أنفس المتعلمين للفلسفة المؤثرين للحكمة، الناظرين في حقائق الأشياء، الباحثين في علل الموجودات بأسرها.» ج١، ٢١.
١٣  وقد بدأ ذلك عند ديكارت في بداية الفلسفة الغربية في القرن السابع عشر حتى أوجست كومت في القرن التاسع عشر.
١٤  وهذا ما ظهر في «معالم في الطريق»، الذي كتبه سيد قطب في غياهب السجن وتحت وطأة التعذيب. وهو أيضًا ما انتهى إليه أبو الأعلى المودودي بالنسبة لاضطهاد المسلمين في الهند. انظر دراستنا عن المودودي وقطب في «الدين والثورة في مصر»، ج٥؛ الحركات الدينية المعاصرة، ص١٣٣–٣٠٠.
١٥  كانت الخطة الأولى للفصول، من المنطق الصوري إلى المنطق الشعوري هو ما قام به الإخوان من قبل. ويظل الفرق هو التأسيس الشعوري عند الإخوان اغترابًا عن العالم، والتأسيس عندي عودٌ إلى العالم والالتزام به. لذلك كنا نفرح بالالتزام عند الوجوديين دون أن نعلم أنه في الموروث أيضًا وليس في الوافد فحسب.
١٦  السابق، ج١، ٦٥–٦٧. وهذا ما قاله هوسرل في «فلسفة الحساب» في الفلسفة الغربية. وكانت القراءة الأولى للإخوان قد كشفت عدمَ اتساقٍ في الموضوعات وسيادة الإشراق في كل نقطة. وهذه القراءة أدت إلى إعادة تأسيس الرياضيات على أسس نفسية مثل ظاهريات هوسرل. وتتفاوت مستويات رسالة العدد بين الصورية والنفسية؛ فالصورية (ص٨–٩٥) إلى القيمة الاجتماعية (ص١١٢-١١٣). والسؤال المنهجي هو هل فهمي للإخوان مشروط بمعرفتي للظاهريات، أم أن اكتشاف المستوى النفسي اكتشافٌ طبيعي في كل حضارة في مرحلة تاريخية محددة؟
١٧  وهو تراث سقراط وأوغسطين وديكارت ومين دي بيران ورافيسون وهوسرل وبرجسون وميرلو بونتي ووليم جيمس.
١٨  هذه هي ظاهريات الإخوان التلقائية مثل ما يقال عن ظاهرياتي العربية.
١٩  مثل: الطبائع الأربعة، الأركان الأربعة، الأخلاق الأربعة، الأزمان الأربعة، الجهات الأربعة، الرياح الأربعة. الأوتاد الأربعة، المكونات الأربعة، فأكثر الأمور الطبيعية مربعات. وأصول الخط أربعة.
٢٠  السابق، ج١، ص٦٥–٧٠.
٢١  السابق، ج١، ص٥٢–٥٥.
٢٢  السابق، ج١، ص٨٩-٩٠، ٩٩-١٠٠، ١١٣. والغرض المقصود منها هو الهدى للنفوس من المحسوسات إلى المعقولات، ومن الجسمانيات إلى الروحانيات للصعود إلى عالم الأفلاك وأطباق السماوات، السابق، ص٢٢.
٢٣  لذلك قال أفلاطون الفلسفة تعلِّم الموت وعلى ما هو معروف في أسطورة الكهف.
٢٤  السابق، ج١، ص٦٥–٧٠.
٢٥  السابق، ج١، ١٣٧–١٤٠، ١٤٦. والغرض المقصود منها تشويق النفوس الصافية.
٢٦  السابق، ج١، ١٥٨-١٥٩، ١٦٤.
٢٧  السابق، ج١، ١٦٧–١٧٩، والغرض منها التشويق للنفوس القاطعة الإنسانية الملكية للصعود إلى هنالك بعد مفارقتها الأجساد التي تسمى الموت، ج١، ١٢٣.
٢٨  وهذا ما عُرف به سيد درويش في الموسيقى العربية الحديثة.
٢٩  السابق، ج١، ١٨٣–١٨٥.
٣٠  السابق، ج١، ١٩٥–٢٨٩.
٣١  كما هو الحال في الترانيم الكنسية وفي المعابد وفي السماع عند الصوفية.
٣٢  الرسائل، ج١، ١٨٧، ١٨٩، ٢٠٥-٢٠٦، ٢١٦.
٣٣  السابق، ص٢٥١–٢٥٧.
٣٤  السابق، ص٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٢-٢٨٣.
٣٥  ومن ثَم يتأسس الاستقراء على أسس معنوية كما لاحظ ذلك لاشسيلبيه في القرن التاسع عشر في الفلسفة الغربية، وهو ما سماه الشاطبي في الموافقات: الاستقراء المعنوي. انظر أيضًا السيد محمد باقر الصدر «الأسس المنطقية للاستقراء».
٣٦  وهو المعنى الذي ترسخ في وعينا الثقافة بإنشاء مدارس الصنائع.
٣٧  الرسائل، ج١، ٢٧٧–٢٧٩، ٢٨٢-٢٨٣.
٣٨  السابق، ج١، ٢٨٦-٢٨٧، ٢٩٠.
٣٩  الرسائل، ج١، ٢٧٧–٢٧٩، ٢٨٢-٢٨٣.
٤٠  السابق، ج١، ٢٩٦–٣٨٩.
٤١  من العقيدة إلى الثورة، المجلد الخامس، الإيمان والعمل والإمامة، ص٥–١٤.
٤٢  الرسائل، ج١، ٢٨٦–٢٨٣، ٢٩٠–٣٤٤.
٤٣  السابق، ج١، ٤٣، ٧١، ج٢، ٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤