سابعًا: المنطق المتكامل

ويعني المنطق المتكامل المنطق الناتج عن الجمع بين الوافد والموروث في عمل إبداعي مستقل، فلا فرق في الوظيفة بين المنطق والنحو. المنطق نحو اليونان، والنحو منطق العرب، ولا فرق في الدور بين المنطق والوحي فكلاهما معيار يعصم الذهن من الخطأ. وقد بدأ ذلك بتمثل الوافد ثم إعادة إنتاجه من خلال الموروث كما هو الحال في «أقيسة الرسول»، وفي «التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية».١ ثم تأتي مرحلة ثانية في صياغة منطق متكامل لا يكتفي بإعادة عرض المنطق الوافد بالمنطق الموروث، بل يعيد صياغة المنطقَين معًا في منطق واحد كما فعل الغزالي في «محك النظر» و«معيار العلم» و«القسطاس المستقيم».٢ ثم تأتي مرحلة ثالثة من أجل نقد المنطق الوافد باعتباره منطقًا صوريًّا عقيمًا، «لا يفيد الذكي، ولا ينتفع به البليد» من أجل إبداع منطق خاص بالموروث إبداعًا عقليًّا خالصًا كما هو الحال في قياس الأولى عند ابن تيمية في «نقض المنطق» و«الرد على المنطقيين».٣

ومن حيث جدل التاريخ تأتي الدعوة أولًا، «التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية» لابن حزم (٤٥٦ﻫ)، عرض الوافد من خلال الموروث، وقراءة المنطق اليوناني من خلال المنطق الإسلامي الباطن في القرآن والحديث. والسؤال هو: هل هي اكتشاف المنطق اليوناني في المنطق الإسلامي، وإثبات تطابق العقل والنقل أم هو إسقاط المنطق اليوناني على القرآن والحديث كنوع من أسلمة المنطق؟ وربما هو توحيد للثقافة بين الوافد والموروث بحيث تنتج ثقافة ثالثة تتجاوزهما معًا وتعبر عن طبيعة العقل الإنساني.

ثم يأتي مركب الدعوى ثانيًا الغزالي (٥٠٥ﻫ) «معيار العلم»، «محك النظر»، «القسطاس المستقيم» لتجمع بين الوافد والموروث في منطق متكامل يوسع آفاق الوافد، وينظر الموروث ويعقله. يعطي الطرفين حقهما من الاستقلال كمصدر ثم يجمع المصدرين في مصدر واحد يدل على تكامل العقل والنقل، توسيع العقل بالوحي، وتضييق الوحي بالعقل، العقل صورة والوحي مادة، والمنطق اليوناني صورة بلا مادة، والوحي الإسلامي مادة بلا صورة. والمنطق المتكامل هو الذي يجمع بين الصورة والمادة، صورة اليونان ومادة القرآن.

ثم يأتي نقيض الدعوى ثالثًا، «أقيسة النبي» للأنصاري (٦٤٣ﻫ) لبيان أن القياس الفقهي نابعٌ من القرآن والحديث وليس وافدًا عليه، ربما ضد منكري القياس من الظاهرية وربما لبداية ضعف الحضارة الإسلامية ونهاية فترتها الإبداعية العقلية الأولى، وبداية فترتها النقلية في التدوين الثاني من الذاكرة الجماعية، فانتهى الوافد وتوارى من الذكرى وحضر الموروث باعتباره وريثَ الوافد الممتد عبر التاريخ.

ثم ينفك الجدل في مرحلة رابعة بنقض النقيض في «نقض المنطق» و«الرد على المنطقيين» لابن تيمية (٧٢٨ﻫ) رفض المنطق الأرسطي ووضع منطقًا جديدًا بدلًا عنه هو المنطق الفقهي خاصة أو المنطق الإسلامي عامة، وترجيح أساليب القرآن على منطق اليونان كما يقول الصنعاني أو «صون المنطق والكلام عن فنِّ المنطق والكلام» كما يقول السيوطي. وجعله مسئولًا عما حدث من خلط العقائد وأنه ليس مجردَ آلة بل هو رؤية للعالم، وليس مجردَ وسيلة بل غاية.

ومن حيث البنية الجدلية خارج التاريخ تأتي الدعوة أولًا، قبول المنطق اليوناني بل وتأييده بالقرآن والحديث كما هو الحال في «التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية» لابن حزم (٤٥٦ﻫ)، وهو ما قام به الفقهاء حتى من أهل الظاهر.

ثم تأتي نقيض الدعوى، رفض المنطق اليوناني باسم المنطق الفقهي أو المنطق الإسلامي، وأنه لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد وكما عبر عن ذلك ابن تيمية (٧٢٨ﻫ) في «نقض المنطق»، و«الرد على المنطقيين»، وكما لخص الصنعاني في «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام». وقد قام بذلك الفقهاء الحنابلة خاصة المتأخرين. فالدعوى في البداية في القرن الخامس وفي النهاية في القرن الثامن على مدى ثلاثة قرون.

ثم يأتي المركب من الدعوى ونقيضها في ثلاثية الغزالي (٥٠٥ﻫ) «معيار العلم»، و«محك النظر»، و«القسطاس المستقيم» للجمع بين المنطق اليوناني وإكماله بالمنطق الإسلامي القرآني فلا تعارض بين الوافد والموروث، بل هناك تكامل بينهما بعد أن أقرَّ الغزالي المنطق اليوناني باعتباره آلة للعلم، لا خلاف على صحته والثقة به كما عبر عن ذلك في «مقاصد الفلاسفة»، و«تهافت الفلاسفة»، وفي مقدمة «المستصفى من علم أصول الفقه»، حيث أعلن أن «مَن لا منطق له فلا ثقة لنا بعلمه». وهو مركب تركيبي، قراءة مزدوجة لكل المنطقيين من منظور الآخر، منطقة القرآن أو أسلمة المنطق بما في ذلك من مزايا، وحدة الثقافة، وعيوب التوفيق.

ثم يأتي نوع جديد من مركب الدعوة والنقيض من الداخل وليست من الخارج، عرض القياس الفقهي من داخل القرآن والحديث بعد أن توارى القياس اليوناني في الذاكرة الجمعية كما هو الحال في «أقيسة النبي» للأنصاري (٦٣٤ﻫ)، بل إن اللفظ ليس يونانيًّا خالصًا بل هو إسلامي أيضًا في وصية عمر الشهيرة للَّيث بن سعد: «قِس الأمثال بالأمثال، والنظائر بالنظائر والتي على أساسها قام علم «الأشباه والنظائر» أو «علم القواعد الفقهية».»

ولا يهم أي الطريقين أصح في العرض، جدل التاريخ وتاريخ البنية أم جدل البنية وبنية التاريخ. وقد يكون الطريق الثاني أكثر اتفاقًا مع بنية الحكمة النظرية في علمها الأول «المنطق».

(١) التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية لابن حزم الأندلسي (٤٥٦ﻫ)

وهي أول محاولة لتنظير الموروث من أجل استقبال الوافد أو تمثل الوافد في إطار تنظير الموروث، وعرض صورة المنطق اليوناني بمادة المنطق الإسلامي، منطق اللغة من الألفاظ العامية ومنطق الوحي من الأمثلة الفقهية.

ولا يدخل في العرض أيضًا لأنه عرض الوافد من خلال الموروث أو قراءة الوافد من منظور الموروث في حين أن العرض هو عرض الوافد من خلال الوافد. العرض رؤية الموضوع كما هو عليه، والقراءة رؤية الموضوع من خلال الذات. العرض تمثل للوافد ونقل له، في حين أن القراءة تمثل للوافد داخل تنظير الموروث، جمعًا بين التنزيل والتأويل بلغة الفقهاء والصوفية.

ولا يخلو من نقد وتقييم للمنطق الذي تحذر منه الظنون وترك اليقين. لذلك من الضروري كشف غامضه وتسهيل مطلبه ضد تشنيع الجاهلين وشعوذة الممخرقين وحيرة المتوهمين.٤ التقريب إذن دفاع عن المنطق وليس رفضًا له أو نقضًا كما هو الحال عند ابن تيمية حتى ولو رفض ابن حزم القياس الفقهي وأبطل التعليل.٥
والكتاب دعوى، بلاغٌ وإفهام. لذلك يخاطب ابن حزم القارئ بصيغة اعلم.٦ وقد يتحول إلى أمر مباشر متتالٍ كطلقات الرصاص (اثنتا عشرة مرة) المتتالية.

وينقسم الكتاب ستة أقسام دون ترقيم. الأول «المدخل إلى المنطق أو إيساغوجي» على عادة القدماء بالبدء بمقدمة فرفوريوس قبل عرض المنطق الأرسطي كمدخل له. والثاني «كتاب الأسماء المفردة «قاطيغورياس»، وهو مبحث المقولات تحويلًا له من المنطق اليوناني العقلي «المقولات» إلى المنطق العربي اللغوي «الأسماء المفردة»، نقلًا لمنطق الصورة اليوناني إلى منطق القول العربي. والثالث «كتاب الأخبار، باري أرمينياس»، وهو مبحث العبارة نقلًا على مستوى التسمية من اللفظ اليوناني المعرب إلى المصطلح العربي المستمد من الحديث وأصول الفقه، وهو «الأخبار»، أي العبارة أو القول أو الكلام أو القضية المنطقية. والرابع «كتاب البرهان» يجمع بين القياس والبرهان والسفسطة والجدل، أي بين أربعة كتب من منطق أرسطو؛ فالقياس مادة البرهان، والسفسطة والجدل غياب البرهان، السفسطة قلب الحق باطلًا والباطل حقًّا للتمويه، والجدل إقحام الخصوم بصرف النظر عن طبيعة المقدمات برهانية، أم ذائعة مشهورة مسلَّم بها ومستمدة من أقوال الخصوم. والبرهان لفظٌ قرآني وكذلك الجدل. أما السفسطة فهو لفظ معرب يقابل ألفاظ التمويه أو المغالطة. والخامس «كتاب البلاغة»، وهو المصطلح العربي للفظ «الخطابة اليوناني»؛ فالبلاغة منطق عربي، يقابل الخطابة القول اليوناني، والبلاغة أحد أقسام اللغة، وتضم البيان والبديع، والسادس «كتاب الشعر» وهو لفظ مشترك بين اليونان والعرب.

وتختلف هذه الأقسام الستة فيما بينها من حيث الكم، أكبرها البرهان؛ لأنه يضم أربعة أجزاء من المنطق، القياس والبرهان والسفسطة والجدل ثم كتاب الأسماء المفردة نظرًا لنقل اللغة العربية والنحو العربي باعتباره منطق العرب. ثم الأخبار متعادلًا مع «المدخل» تقريبًا. وأصغرها «البلاغة» و«الشعر» باعتبار أن التعشيق بين اليونان والعرب أمرٌ سهل وميسور.٧

ويطغى الموروث على الوافد؛ فالموروث هو الحاوي والوافد هو المحوي، ومن الطبيعي أن يكون الحاوي أوسع من المحوي مثل الإناء ومحتواه وإلا فاض الإناء وفقد وظيفته في الاحتواء ثم احتوى المحوي الحاوي بفيضه عليه.

فمن الوافد لا يظهر من أسماء الأعلام إلا أرسطو ثم فرفوريوس ثم الإسكندر.٨ صحيح أن أرسطو هو أكثر الأعلام ترددًا ولكنه بعد الرسول. ولا يظهرون باعتبارهم علماء أصحاب آراء أو اتجاهات أو مذاهب فلسفة بل باعتبارهم موجودين بالأخبار المتواترة، مثل موسى وعيسى ومحمد، ووقعة صفين والجمل، والقسطنطينية عاصمة الروم والنصارى والنصرانية، وصدْق الأنبياء المرسلين.٩
ومن الوافد الشرقي لا يظهر إلا ماني ويحال إلى ستة مؤلفات لأرسطو، وواحد لفرفوريوس هو المدخل. ولأرسطو يُحال إلى باري مينياس وقاطيغورياس وسوفسطيقا.١٠ ويُحال إلى الألفاظ المعربة تخصيصًا لليونان وليس المنقولة تمييزًا للعرب.١١
ومن الموروث الأصلي يتم الاستشهاد أولًا بالآيات القرآنية ثم بالأحاديث النبوية. مادة المنطق الأولى.١٢ ثم يأتي الأدباء والشعراء والمتكلمون والصحابة والصوفية والخلفاء أكثر دون الفلاسفة أو المناطقة؛ فابن حزم يريد المادة العربية وليس الصورة اليونانية، ويأتي الرسول في المقدمة على الإطلاق، ثم يأتي بعده قدامة بن جعفر أحد رواد البلاغة والنقد العربي، وأبو العباس الناشئ وجرير والحاتمي، ثم يأتي بعدهم المبرد وصاحب المقتضب في النحو، ومن الشعراء امرؤ القيس وجرير وزهير، ومن المتكلمين والأدباء الجاحظ، ومن البلغاء ابن دراج وبديع الزمان والحاتمي والحسن البصري والناشئ، ومن نقاد الشعر مثل قدامة ابن شهيد والحسن بن هانئ وحبيب بن أوس والرومي والنديم، ومن علماء اللغة الزجاجي، ومن الخلفاء المستظهر والمستكفي.١٣
ويُحال إلى الموروث أكثر من الوافد في مؤلفات أيضًا، وليس فقط في أسماء الأعلام سواء مؤلفات ابن حزم أو غيره. يأتي الفصل لابن حزم في المقدمة ثم أخلاق النفس له أيضًا ثم السياسة له كذلك مما يدل على أن «التقريب» جزءٌ من كل، وأحد جوانب المشروع العام لابن حزم «تأصيل الأصول» بتعبير أحد المفكرين العرب المعاصرين.١٤ ثم تأتي كتب البلاغة والنقد مثل الجُمَل للزجاجي، و«المقتضب» للمبرد، و«اللمع» لأبي الفرج القاضي، و«نقد الشعر» لقدامة.١٥
يبدأ ابن حزم في المقدمة بالرد على مَن احتج بأن السلف لم يتكلموا في المنطق، ويورد أنواعًا من تأليفهم فيه، ويبين غموض النصوص المترجمة مما دفعه إلى التقريب لحدِّه وكتابة مدخل له اعتمادًا على الألفاظ العامية أي اللغة، منطق العرب، والأمثلة الفقهية ثقافة العرب الجديدة التي تزاوجت مع ثقافتهم القديمة، اللغة والشعر. ويدرك قيمة الكتب المنطقية ومنفعة المنطق في العلوم، والغاية من التأليف عامة.١٦
وبالإضافة إلى هذه المقدمات العامة هناك موضوعان أيضًا تمهيديان. الأول مراتب الأشياء في وجوه البيان، والثاني ضروب الناس في النظر.١٧

ويتناول القسم الأول المدخل إلى المنطق أو إيساغوجي قضية الكليات أو الأسماء الخمسة: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام الأشبه بخمس دوائر متداخلة بين الأعم والأخص أو الهرم المتدرج بين القمة والقاعدة على النحو التالي:

ويضيف ابن حزم على فرفوريوس تحويل الكلام إلى أصوات مسموعة قبل أن يكون معانيَ في الذهن أو تصورات في العقل. كما يمد الكلام إلى القصد والاتجاه نحو الآخرين في الإحالة المتبادلة بين المتكلم والسامع أي الحوار.

وفي نفس الوقت الذي يعبر فيه ابن حزم عن احترامه الشديد للأوائل واتفاقهم على بعض الموضوعات ورغبة في التواصل معهم وإكمالهم ينقد أخطاء المترجمين واعتبارهم أن الرسم غير مأخوذ من الفصول.١٨
ويدخل الموروث كإطار للوافد ولتوسيع منظوره خاصة وأن الموروث عقلي وقادر على احتواء كل عقلي وافد. يظهر الله كعامل محدد في المنطق، يكشف عن اختلاف المستويات؛ فالخالق «عز وجل» ليس حاملًا ولا محمولًا، وصفاته ليست حدودًا، والوحي معنى وقصد بلغات شتى خارج الحد والرسم؛ فالله ليس موضوعًا وصفاته ليست محمولًا. لا يمكن جعل الله موضوعًا في قضية وصفاته محمول لها. ويشير ابن حزم وينبه إلى أنه درس الموضوع في كتاب آخر له.١٩

كما يضرب المثل بالملائكة والجن مع الناس والنجوم والنخل والتفاح والجراد والسواد والبياض والقيام والعقود كأمثلة على تداخل الجنس والنوع قياسًا للغائب على الشاهد.

ويظل القسم الأول أقرب إلى الشرح العقلي الخالص من أجل توسيع الرؤية اعتمادًا على العقل وحده دون النقل إلا القليل، مثل الاعتماد على حديث الرسول لبيان أن الكلاب أمة، وعلى آيتين قرآنيتين لإثبات الأجناس والأنواع.٢٠
والقسم الثاني كتاب «الأسماء المفردة» ينقل المنطق اليوناني من مستوى التصورات إلى مستوى اللغة، وأنواع المقولات إلى أقسام الكلام.٢١ فالزمان في المقولات هو فعل الحال عند النحويين.
ويتم التقابل بين اللغة اليونانية واللغة العربية واللغة الفارسية. فالمنطق مرتبط باللغة. وكما ارتبط المنطق اليوناني باللغة اليونانية كذلك يرتبط المنطق العربي باللغة العربية وهو ما لاحظه الفقهاء جميعًا من قبل منذ الشافعي في «الرسالة» حتى «الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق» لابن تيمية.٢٢
وتظهر بعض الألفاظ المعربة مثل سفسطائي، سوفسطائيين.٢٣ كما تظهر بعض الألفاظ العربية الأصيلة استعملها الإخوان من قبل مثل «النصبة» بديلًا عن «الوضع».

وتدخل حركة الباري في قسمة الحركة؛ فالحركة المكانية النقلية قسمان، اختيارية وطبيعية. والاختيارية قسمان، تحريك الباري لأجرام الجو كما يشاء، وتحريك النفس للأجسام.

ويظهر إطار الموروث من جديد في الله كفكرة محددة، فأسماء الله «تعالى» المنصوص عليها غير مشتقة أما صفات الفعل فمشتقة، والأفعال أعراض حادثة في الخلق وليست فيه، ومظاهر الحياة من حس وحركة وإرادة منفية عن الله، وليس له ضد ولا مضاد ولا منافٍ. والله غير خلقه نموذج مقولات الغير والخلاف والضد والمنافي والمقابل والعدم والقنية والمثل.٢٤
بل تبدو أحيانًا بعض الأشعرية في إلحاق عمل الحواس في تحليل الكيفيات الجسمانية بالتدبير الإلهي «فسبحان المدبر، لا إله إلا هو». ولما كان كل فاعل جسمًا والباري فاعل، ومع ذلك الباري ليس جسمًا مما يدل على حدود المنطق الصوري بالنسبة للقضايا الإلهية. لذلك أخطأ مثبتو الصفات، مثل الأشعرية حين جعلوا الله سميعًا بسمع وحياة بحياة ومبصرًا ببصر؛ لما يوجبه ذلك من تشبيه وتجسيم. ويضرب المثل بالآيات القرآنية على الوعيد والتهكم والتعجيز.٢٥

ولا يوصف الباري بالقديم؛ لأن القديم في آية كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يعني البالي. ولا يوصف بالحركة؛ لأن الحركة من صفات المخلوقات.

وهو المبدع المركب المتمم المدبر، والخلق آية له. والحركة في خلقه في الدنيا والآخرة، في النعيم والعذاب.

والقسم الثالث «كتاب الأخبار» وهو كتاب العبارة.٢٦ ولا يقتصر الغرض على البيان والشرح بل يتم تصحيح الأخطاء الشائعة مثل اعتبار «ليس بعض الناس نهاقًا» أنها توجب النهيق لكل الناس فظن الناس أنها قضية كاذبة، وهو خطأ.٢٧
وقد توضح اللغة العربية ومواضعات العرب على معاني الألفاظ بعض التحليلات اللغوية الغامضة في اللغة اليونانية.٢٨ كما يضرب المثل بالألفاظ العربية الفاحشة مثل العقنجج، العجالط، القذعمل.
ويضرب المثل على القضية الكلية بآية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا والقضية الجزئية حديث «القطع في ربع دينار». وقد تكون الأحكام الجزئية أحكام الرسول الخاصة بفرد أو جماعة كما يستشهد بآية يشرحها الناس خطأ، وهي سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى على الفرق بين الاسم والمسمى، وأن التسبيح ليس للاسم بل للمسمى.٢٩
والخبر ليس فقط بالكلام بل قد يكون بالصمت مثل صمت البكر دليل على الرضا أو إقرار الرسول على حكم.٣٠
وتستعمل الأمثلة الفقهية مثل الفرض أو اللازم على الواجب والمحظور أو الحرام على الممتنع، والمكروه أو المندوب على الممكن؛ فالأحكام الشرعية الخمسة تُردُّ إلى أحكام العقل الثلاثة.٣١ كما يمكن قلب القضايا بين الإيجاب والسلب طبقًا للحلال والحرام في الشريعة.٣٢ كما يستشهد على صحة النبوة بالمعجزة وهو جعل الممتنع ممكنًا. كما أن السؤال: هل يقدر الله أن يخلق مثله هو سؤال ممتنع. واعتبار القرآن مخلوقًا مثل المعتزلة أي حادثًا لا يعني أن الله حادث.
والقسم الرابع «كتاب البرهان».٣٣ يبدأ بالخصوصية اللغوية، والتمايز بين لغة الوافد ولغة الموروث مع ذكْر أسماء كتب أرسطو معربة، أنالوطيقا، أفوذقطيقا، طوبيقا، سوفسطيقا. ويقوم بمحاولات للنقل مثل السلجسموس باليونانية والجامعة بالعربية.٣٤

ويستنبط من الآيات بعض المقدمات، مثل استنباط أن كل قضية تبطل ضدها من آية إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ. فالحلم يقتضي نفيَ السفه وبالتالي انطوت القضية على أن إبراهيم ليس سفيهًا.

وكذلك يعتمد استنباط القضايا من آية وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا على فهم اللسان العربي وغياب لفظ «فأحدثتم» اكتفاء بالمعنى المضمر، وكذلك استنباط قضية من آية ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ دون ذكر فحنثتم اعتماد على الإضمار في اللغة العربية. وكذلك استنباط قضية من آية فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ هو إنتاج صحيح لا يعتمد على إضمار.٣٥
ويضرب المثل بالأحكام الشرعية الشهيرة عن تحريم الخمر على عكس القضايا الجزئية والكلية، السالبة والموجبة.٣٦
وتضرب أمثلة فقهية على أشكال القياس وضروبه؛ فالشكل الأول له أربعة ضروب:٣٧
والشكل الثاني عندما يكون الحد المشترك فيه محمولًا في كلتا المقدمتين وله أيضًا أربعة ضروب:٣٨
والشكل الثالث عندما يكون الحد المشترك موضوعًا في كلتا المقدمتين وله ستة ضروب:٣٩
والشروط في القضايا الشرطية مثل الشرط في العقود الشرعية مثل النكاح والطلاق والبيوع والعتق.٤٠
كما تُحال القضايا المنطقية الكلامية مثل العالم إما محدث وإما أزلي إلى أمثلة فقهية مثل هذا الشيء إما حرام أو غير حرام، أو هذا واجب أو غير واجب.٤١
ويُضرب مثال فقهي على صدْق المقدمتَين وكذب النتيجة.٤٢ كما يُضرب مثال فقهي على صدْق مقدمتَين وصدْق النتيجة.٤٣ ويُضرب المثل على كثرة المقدمات والإنتاج الصحيح بآية الميراث المقدمة الكبرى مستمدة من آية وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ.٤٤ يُعطى مثَلٌ فقهي على نوع من البراهين تكثر مقدماتُه وتوجب كلُّ مقدمة منها المقدمةَ التي بعدها.٤٥ ويُعطى مثلٌ فقهي آخر للبرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى بالرغم من مشاغبة بعض المشاغبين بأن النافيتين لا تنتجان.٤٦ ويُضرب المثل بقياس كلامي على نوع من البرهان تختلف مقدماته في الظاهر إلا أن الغرض في نفيها وإيجابها واحد، وهو نوع يصدق أبدًا إذا رُتب رتبة حسنة.٤٧
ويُضرب مثلٌ بقياس كلامي على البرهان شرطيِّ اللفظ قاطع المعنى، ونفْي التشبيه عن الله بنفي أشياء هي منفية عن كثير من خلقه.٤٨
ومثال على البرهان يؤخذ من نتيجة بأن يصدق نفيها.٤٩ ومثاله على البرهان المركب من نتائج كثيرة مأخوذة من مقدمات شتى.٥٠
ومن آية لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى يمكن استنباط قياس الخارجي والمرجئي في صلة الإيمان بالعمل، مقدمات يختلف إنتاجها.٥١
وبالرغم من إلحاق السفسطة بالبرهان إلا أن له كيانه المستقل بعنوان «باب أغاليط أوردناها خوفًا من تشغيب شغب بها في البرهان».٥٢
وهو من حيث الكم يعادل البرهان، ولا يهدف ابن حزم إلى مجرد التقرير بل التحفظ من أغاليط وشغب المغالطين في عكس المقدمات وأشكال القياس وضروبه. يبدأ بتعريف القدماء للسفسطة، وهو ما أخذ من مقدمات فاسدة، ويطبقه على المادة الإسلامية الكلامية والفقهية.٥٣
مثال ذلك عكس الموجبة الجزئية من «بعض الخمر كان عصيرًا» إلى «بعض العصير كان خمرًا». فالثانية كاذبة للتسوية بين زمان المخبر عنهما وزمان غيرهما. ويصح العكس في الصفات اللازمة لهما.٥٤
ويستشهد ابن حزم بالحديث استشهادًا عاديًّا دون توظيف منطقي، مثل حديث «مَن غشنا فليس منا» من أجل نقد المغالطة.٥٥ وآيات عديدة تطالب المغالطين بالبرهان قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وشهادة الحواس فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وضرورة التساؤل والمساءلة لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وهذا لا يعني جريان الأمور بطريقة العلة والمعلول في الإنسان وفي الطبيعة، ويسرع ابنُ حزم بنفي التعليل؛ فليس في الشريعة علة أصلًا، ويرجع التعليل إلى قياس الغائب على الشاهد.
وأحيانًا يتم عرض المغالطة دون أمثلة فقهية أو تحليلات لغوية التي يسميها ابن حزم «ألفاظًا عامية». يكفي دور العقل، والعقل أساس النقل.٥٦
ويظل مستوى تحليل المقدمات والقضايا والبراهين عند ابن حزم هو مستوى اللغة والتي منها تنشأ الأغاليط كما بيَّن في «باب من أحكام البرهان في الشرائع على الرتب التي قدرنا».٥٧ فالألفاظ الواردة في الشرائع بعد ثبوتها ومعرفة معانيها هي البداية في البرهان والكشف عن أغاليط المغالطين.
فكل قضية عامة لها سور، مثل حديث «كل مسكر حرام»، أو عن طريق التأكيد، مثل إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، ومثل إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.٥٨

وقد يكون اللفظ كليًّا والمعنى جزئيًّا، مثل الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ وأيضًا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.

وقد تخرج بعض الأدلة الصحاح عما يقتضيه ظاهر اللفظ، مثل وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ووَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وذلك عن طريق براهين من ألفاظ أخرى يثبت المراد. فالمقصود بعض المرضعات وبعض الزواني وبعض السراق.

وقد يكون اللفظ كليًّا والمعنى جزئيًّا، مثل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ.

وقد يعم اللفظ ذوي صفات شتى، مثل وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ومثل فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وهو لفظ جامع الضرب والقتل وأيضًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.

ومن مظاهر الغلط الواقع في اشتباه الأسماء من جاهل معذور أو عامد مذموم مثل غلط عدي بن حاتم بعد سماع آية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عند ظنِّها خيوطًا حسية. والغالط المتعمد مثل اليهود الذين فسروا رَاعِنَا وهي من المراعاة، من الرعونة، ومثل مَن أحال اللفظ بالقرآن؛ لأن القرآن لا يلفظ اعتمادًا على الاشتباه في لفظ القرآن بين اللفظ والشيء.٥٩

ومن أمثال المغالطات مكان الوقف في وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا بعد «الله» أو بعد وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.

ثم يتجاوز ابن حزم مستوى الألفاظ إلى مستوى المعاني، وينتقل من اللغة إلى العقل، ومن الكلام إلى البرهان اعتمادًا على الآيات القرآنية والأمثلة الفقهية، والكشف عن فساد بعض البراهين وخطأ مَن اعتبرها كذلك.٦٠ وهي براهين سماها الأوائل الاستقراء، وسماها «أهل ملتنا» القياس. فاستقراء اليونان هو قياس المسلمين نظرًا للطابع الاستقرائي المادي للقياس الشرعي المخالف للطابع الاستنباطي الصوري للقياس اليوناني.٦١ وهي حيلة ضعيفة سوفسطائية عندما أوقعوا اسم القياس على التحكم والسفسطة، وسموا تحكمهم بالاستقراء المزعوم قياسًا، وسموا حكمهم فيما لم يَردْ فيه نصٌّ بحكم شيء آخر ورود نص لاشتباههم في بعض الأوصاف قياسًا واستدلالًا وإجراء العلة في المعلول. وأرادوا تصحيح الباطل فسموه قياسًا كي يقع جهال البربر في الغلط واستحلال بعض المحرمات وهو ما حذر منه الرسول بأنَّ قومًا يستحلون الخمر ويسمونها بغير اسمها. صحيح أن التشابه والاختلاف موجود بين الأشياء ولكن لا يمكن الحكم على كل المتشابهات بحكم واحد وعلى كل المختلفات بحكمَين مختلفَين. وهو ما يؤدي إلى الخطأ والضلال.

وتتمثل هذه المغالطات في الإلهيات، مثل غلط مَن يُنكر الفاعل المختار في الإنسان أو الطبيعة؛ فشهادة الحس على نقيض ذلك، وتُثبت الفعل الاختياري الحر. وكذلك خطأ قياس الغائب على الشاهد، واعتبار أن الأول الذي ليس كمثله شيء جوهرٌ يحمل الأعراض ولا يفارقها قط.

ويعطي ابن حزم نماذج من القياس المغالط في أصول الدين أو في أصول الشريعة يوجب ما لا يجب، مثل تعليق أنه تعالى غير جسم بكونه عرضًا، والأصح تعليق الباري بما يوجب كي يكون القياس صحيحًا.٦٢
ولما كانت المغالطة جحدًا للعلوم يُفرد ابن حزم «باب أقسام المعارف وهي العلوم» من أجل إثبات العلم، أي الحقائق المستقلة.٦٣ فالعلم أمر إلهي، والعدل فيه توجهٌ رباني، التزام بالنفس، ولا ضيرَ بالغير المنكرين لأوائل العقول وبداهات الحس والمعارف الضرورية. وما أكثر الآيات والأحاديث على ذلك.

هناك فرق بين الحق والباطل دون قلب الحق باطلًا والباطل حقًّا. ومن ثَم فالمسامحة في طلب الحق لا تجوز أصلًا في الاختيار بين الحق والباطل. ولا يجوز أن يكون الشيء حقًّا باطلًا أو لا باطلًا حقًّا أو لا باطلًا لا حقًّا. بل تثبت ضرورة العقل وهو إثبات الحق أو الباطل فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.

فإذا اعترض أحدٌ سائلًا هل الغناء حق أم باطل للإحراج، فإن الإجابة «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى». إذا كان القصد الترويح عن النفس والعون على الصحة والنشاط لأداء الواجبات فهو حق، وإذا كان القصد العبث فهو ضلال. فالحق والباطل حكمان نقيضان على موضوع واحد من جهتين مختلفتين. كما ورد حكمان على الشعير والتمر ونقل أحدهما إلى الزيتون والتين دون الآخر. فلا فرق بين ما تصح به الأحكام الشرعية وما تصح به القضايا الطبيعية في مراتب البرهان. والخطأ في الشرائع أضر وأشد فسادًا في الدنيا وأردأ عاقبة في الآخرة وأوجب تصحيحًا وتحرِّي الصواب اعتمادًا على أوائل العقول وبداهات الحواس.٦٤
وبعد إثبات الحقائق ضد منكريها، وهو ما عُرف عن ابن حزم أيضًا في الفصل «يبين فضل قوة إدراك العقل على إدراك الحواس».٦٥ العقل قوة أودعها الله في النفس، والحس إحدى قواها الأخرى مع التخيل. وشرط عمل الحواس ارتباطها بالنفس. وقد تخدع الحواس فتصبح ظنًّا وبعض الظن إثم. وهو أكذب الحديث.٦٦ والعلم كشف الأشياء على حقيقتها وإلا فهو ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئًا. ويقبح الفعل القائم على الهوى أو الظن إن أتى منه فعل على الإطلاق.٦٧ والفعل تحقيق للقول وينقد ضعف العقول والحمق الغالب على معظم الناس كما وردت الآيات بذلك. أما التخيل فيسمع صوتًا حيث لا صوت أو رؤية حيث لا رؤية كما أخبر الله بكذب التخيل في حين أن العقل صادق أبدًا كما أخبرت الآيات أيضًا. ويمكن تصحيح أخطاء العقل بالعقل ذاته وللعلل الموجبة لجزئيات الشرع، فلا فرق بين إرادة الله وعلة الحكم الشرعي مثل تحريم قتل النفس، وعلة تحريم لحم الخنزير. وقد سخر الله كلَّ شيء في الطبيعة لصالح الإنسان. والعقل قوة تميز بها النفسُ جميعَ الموجودات على مراتبها، ومنفعته في استعمال الطاعات والفضائل واجتناب المعاصي والرذائل كما بيَّن ابن حزم في «أخلاق النفس».٦٨
وطريق معرفة الحق بالاستدلال البحث الذي لا يكون إلا بفكر واحد٦٩ أو عن تذكُّر بين اثنين إما من معلم إلى متعلم أو من متناظرَين مختلفَين متباحثَين بكثرة التقصي والبحث فيه، وهو في الحقيقة طريقان وينقسم الثاني إلى طريقين على النحو الآتي.
ويُحيل ابن حزم إلى مؤلفاته الأخرى مما يدل على أن «التقريب» جزء من كل جانب من مشروع أعم.٧٠
وكما أن الجدل أيضًا جزء من البرهان مثل المغالطة إلا أن له استقلاله الخاص.٧١ وهو أفضل من المغالطة لأنه يكشفها عن طريق المناظرة كما بيَّنت الآيات القرآنية.٧٢ ويكشف أهل الجحد القائلين بأن العالم لم يزل وأهل التنويه وأهل التثليث والملحدين ليكشف تناقضاتهم وفساد أقوالهم.٧٣ وهو القادر أيضًا على معرفة النحو وصلة المعاني بالألفاظ ومواضع الإعراب. وهو ما تم تحقيقه من قبل في كتاب «الجُمَل» لأبي القاسم عبد الرحمن بن (إسحاق) الزجاجي الدمشقي.
والعقل ممتحن بصحابه. والعلم لا يورث إلا مَن يكسب الحسنات، والعالم ميت، والذكر والعالم رميم، وهو ما حدث لابن حزم ذاته معبرًا عن تجربته الشخصية كعالم يحمل هموم الفكر والوطن إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ و«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».٧٤
وكما تنتهي المغالطة بإثبات الحقائق ضد منكريها وطرق البحث عنها كذلك ينتهي الجدل بمصادر العلم ومقدماته.٧٥ فتصنيف العلوم جزء من المنطق. فالعلوم الدائرة في عصر ابن حزم اثنا عشر علمًا ينتج منها علمان، وهو غير تصنيف العلوم عند الأوائل. فلكل عصر قسمته. وهو أقرب إلى الأدلة الشرعية في علم أصول الفقه. تجمع بين العلوم النقلية؛ كالقرآن والحديث والفقه (الفتيا)، والعلوم العقلية النقلية؛ مثل الكلام (مذاهب الملة الإسلامية)، والعلوم العقلية الخالصة الطبيعية مثل الطب، والرياضية مثل العدد والهندسة والفلك والنجوم على النحو الآتي:
  • (١)

    علم القرآن، قراءته، وإعرابه، وغريبه، وتفسيره، وأحكامه، وصحة نقله وثبوته، ولغته وأحكامه. فيضم علم التفسير والسيرة.

  • (٢)

    علم الحديث، روايته وأحكامه، ورواته، وشروط الرواية.

  • (٣)

    علم المذاهب، أي علم الكلام وما كان خارجًا عن الملة الإسلامية اعتمد على العقل والحس وهو موضوع «الفصل».

  • (٤)

    علم المنطق، وهو آلة (عبارة) كل علم، وهو موضوع «التقريب».

  • (٥)

    علم الفتيا، أي علم الفقه وأصوله الذي تعتمد مقدماته على القرآن والحديث اللذين ثبتَا بالبرهان وإجماع العلماء، وهو موضوع عدة مؤلفات لابن حزم مثل «الأحكام».

  • (٦)

    علم النحو، ومقدماته محفوظة من العرب فهم أدرى بلغتهم، ألفاظًا ومعانيَ دون تعليله، دفاعًا عن النقل ضد تيار القياس في اللغة.

  • (٧)

    علم اللغة وهو ما نُقل عن العرب الثقات بالرغم من التفرقة الدقيقة بين علم اللغة وعلم النحو، العلم العام والعلم الخاص.

  • (٨)

    علم الشعر وهو ما يستعمله العرب من أوزان ذكرها النديم في كتابه، ونقد الشعر بين الحسن والقبيح ونقد الروايات لضبط الانتحال.

  • (٩)

    علم الخبر الذي يعتمد على التواتر كشرط لصحة الرواية، وهو علم التاريخ.

  • (١٠)

    علم الطب وهو أحد فروع العلم الطبيعي، ويقوم على التجربة لمعرفة أسباب الأمراض وتشخيصها وعلاماتها وطرق علاجها. وهو أيضًا ما يرجع إلى العقل والحس.

  • (١١)

    علم العدد والهندسة في علم واحد ويعتمدان على أوائل العقل وحدها دون ذكر الموسيقى.

  • (١٢)

    علم النجوم وهو علم الفلك. وهو علمان: الأول علم هيئة الأفلاك وقطع الكواكب والشمس والقمر والسماوات، ومقدماته راجعة إلى العدد والهندسة وأوائل العقل والحس. والثاني: القضايا الكائنة بنصب انتقال الكواكب والشمس والقمر في البروج يعتمد صدقُه على التجربة، وما لا يصدق يعتبر من أخبار القدماء.

وينتج عن هذه العلوم الاثنَي عشر علمان: علم البلاغة، وهو أحد أجزاء المنطق، وعلم العبارة المروي عن الرسول وفضلاء هذا العلم. والوسع في هذين العلمين يتفق مع الطبع وأصل الخلقة. وقد سُمي المنطق أيضًا علم العبارة على كل علم أي الآلة. فما هي العبارة المنقولة عن الرسول وآلته؟

والقسم الخامس «كتاب البلاغة». وقد تكلم فيه أرسطو، وأحكمَه قدامةُ بن جعفر، وألَّف فيه أحمد بن عبد الملك بن شهيد. ويختلف من لغة إلى لغة طبقًا لجمالياتها، لا فرق بين الخاصة والعامة. فلكلٍّ بلاغة، وهو قسمان. الأول يميل نحو ألفاظ العامة كبلاغة الجاحظ، والثاني مائل نحو ألفاظ الخاصة مثل بلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون. وقد يجتمع القسمان في قسم ثالث؛ مثل بلاغة عبد الله بن المقفع مترجم كليلة ودمنة. أما نظم القرآن فقد حالت الصرفة بينه وبين الإتيان بمثله. وقد أحدث ابن دراج نوعًا من البلاغة بين الخطب والرسائل. أما المتأخرون فإنهم مبعدون عن البلاغة ومقربون من الصلف والتزيد باستثناء الحاتمي وبديع الزمان، فهما أقرب إلى طريقة سهل بن هارون. وتتطلب البلاغة العلمَ بباقي العلوم خاصة إلى القرآن والحديث والأخبار وكتُب الجاحظ على نحو طبيعي غير متكلف. فالعلم يتطلب الطبع والمعرفة.٧٦ البداية من أرسطو والنهاية بالجاحظ. كتاب البلاغة إذن ليس عرضًا أو شرحًا لأحد كتب المنطق، بل هو استعراض لتاريخ من الأوائل إلى الأواخر، ومن المتقدمين إلى المتأخرين.
والقسم السادس «كتاب الشعر» على نفس منوال كتاب البلاغة كمًّا وكيفًا.٧٧ ولا يذكر أرسطو على الإطلاق في البداية أو النهاية. والبداية قضية الصدق. فكل شيء يُزينه الصدق إلا الساعي والشاعر كما قال أحد الحكماء. الشعر كذب كما قال المتقدمون. لذلك منع اللهُ النبيَّ منه وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ فالشعراء يقولون ما لا يفعلون. ونهَى النبيُّ عن الإكثار منه لأنه كذب إلا ما خرج من حدِّ الشعر فجاء بالحِكَم والمواعظ ومدْح النبي. وإن توخَّى الصدق فإنه يصبح تحصيل حاصل.٧٨ وإن كذب فإنه يكون موضعًا للسخرية من المبالغة.٧٩ فالشعر حُمق‎ ومُلَح.

ومع ذلك ينقسم الشعر إلى ثلاثة أقسام: صناعة، وطبع، وبراعة. فالصناعة تأليف جامع للاستعارة بالأشياء والتحليق على المعاني والكناية عنها كما فعل زهير من المتقدمين وحبيب بن أوس من المحدثين. والطبع الخالي من التكلف، لفظه عامي لا فضل فيه عن معناه، وجيز وكأنه نثر، مثل جرير من المتقدمين والحسن من المحدثين. والبراعة التصرف في دقيق المعاني وبعيدها والإنكار فيما لا عهد للناس به وحسن التشبيه وتحسين المعنى، مثل امرؤ القيس من المتقدمين، وعلي بن عباس الرومي من المتأخرين. وسائر الأشعار راجع إلى هذه الأقسام الثلاثة أو مركبة منها. التوسع فيها في نقد الشعر لقدامة بن جعفر وكتب أبي علي الحاتمي. والشعر ليس تكسبًا ولكنه حيلة ضرورية. لذلك يمكن التوسع في الأشعار وتدبرها.

(٢) ثلاثية الغزالي: معيار العلم، محك النظر، القسطاس المستقيم

وهي ثلاثية متدرجة في «فن المنطق»، وهو العنوان الفرعي لمعيار العلم وفي «المنطق» وهو العنوان الفرعي لمحك النظر تحولًا من النقل إلى الإبداع، من إعادة عرض الوافد دون ذكر أيٍّ من أعلامه خاصة أرسطو في إطار الموروث مع تغيير أقسامه وترتيبه في «معيار العلم» وتركيزه على القياس في «محك النظر» حتى الإبداع الخالص في «القسطاس المستقيم في منطق الموازين».

وهي متدرجة أيضًا في الزمان. أولها «معيار العلم»، وبعده «محك النظر»، وآخرها «القسطاس المستقيم» كل مرحلة تؤدي إلى المرحلة التالية في بناء هرمي ثلاثي من القاعدة إلى القمة.

وتختلف الثلاثة من حيث الكم، أكبرها «معيار العلم»، وأوسطها «محك النظر»، وأصغرها «القسطاس المستقيم»، وهو ما يتفق مع العلاقة بين القاعدة الكبيرة والقمة الصغيرة ووسط الهرم بين الكبر والصغر.٨٠ ومعيار العلم وحدة واحدة. يُحيل كلُّ كتاب إلى باقي الكتب الأخرى. يتميز بوحدته الموضوعية بالرغم من القسمة إلى الكتب.٨١

(أ) معيار العلم

وهو كما يدل العنوان المعيار الذي يُقاس به العلم. وهو في «فن المنطق». فالمنطق هو آلة العلم أو علم العلم.٨٢
والباعث على تأليف الكتاب اثنان: الأول باعث عام، تفهيم طرق الفكر والنظر والتعريف بمسالك الأقيسة. فالعلوم النظرية ليست موهوبة أو فطرية بل مكتسبة محصلة مما يستدعي التعرف على وسائل الطلب. فالمنطق بالنسبة للفكر كالعروض بالنسبة للشعر، والنحو بالنسبة إلى اللغة. والثاني باعث خاص، استئناف عرض «تهافت الفلاسفة» وتناول المنطق من جديد والأصح «مقاصد الفلاسفة» الذي يعرض؛ لأن المنطق في «التهافت» محطُّ إعجاب ليقينه وعدم الخلاف عليه. إنما الخطأ في الإلهيات، ويتكرر الهدف الأول في آخر الكتاب «لبيان طريق تعرف حقائق الأمور وتمهيد قانون النظر وتثقيف معيار العلم ليميز بينه وبين الخيال والظن القريبَين منه».٨٣

والأسلوب أدبي عاطفي انفعالي إنشائي مثل «المنقذ من الضلال» البحث عن اليقين. المنطق ليس علمًا مستقلًّا بذاته. هو يمثِّل إحدى مراحل الطريق بعد الحس إلى العقل إلى الولاية، ويخاطب الغزالي القارئ ليهديَه إلى طريق الصواب. الغاية بيان أن العقل ما هو إلا مرحلة متوسطة بين الحس والولاية. يخطئ الحس كما تخطئ الولاية العقل.

ويظل المعيار لغة العرب مثل الألف واللام مما يفيدَا الاستغراق.٨٤ والفرق بين العربية والفارسية.
ولا يعتمد فقط في مادة المنطق على العقليات، أي الكلام، والفقهيات، أي الشرع، أو اللغويات، أي اللغة العربية، بل أيضًا الشعر، ثقافة العرب والأولى والأخيرة. إذ يستعمل العرب الشعر في النثر. وتحليلات النفس تصدق عند الشعراء كما تصدق عند المناطقة والحكماء، وكما في الأقيسة الصدق والكذب كذلك الأمر في الشعر «وإن من البيان لسحرًا».٨٥
ومعيار العلم جزءٌ من مشروع الغزالي العام. لذلك يحال إلى «تهافت الفلاسفة»، «والمبادئ والغايات»، و«تحصين المآخذ»، و«ميزان العمل».٨٦ «معيار العلم» يضع أصول النظر، وميزان العمل يضع أصول العمل، الأول في الدنيا والثاني في الآخرة.٨٧
وينقسم إلى أربعة كتب: الأول «مقدمات القياس»، والثاني «كتاب القياس»، والثالث «كتاب الحد»، والرابع «كتاب أقسام الوجود وأحكامه». أكبرها الثاني عن القياس، ثم الأول عن مقدمات القياس، ثم الثالث عن الحد، وأصغرها الرابع عن الوجود.٨٨ فالقياس يشمل أكثر من ثلاثة أرباع العلم.

والعجيب إدخال مباحث الألفاظ في المنطق العربي، وهي الإطار الموروث للمقولات في المنطق اليوناني، وكذلك مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض في المنطق العربي وهو ما يعادل العبارة في المنطق اليوناني داخل مقدمات القياس. فالقياس هو ذروة المنطق. المقولات والعبارة مقدمتان له، والبرهان نتيجة له مع السفسطة دون الجدل والخطابة والشعر، ثم يأتي الحد في النهاية وهو أولى بالبداية في التعريف. أما أقسام الوجود فهي المقولات أو مبحث الجوهر والأعراض يجعل المنطق منطق وجود وليس منطق تصورات.

ويبدو البعد اللغوي في المنطق في الإشارة إلى كلام العرب ولغة العرب والفرق بين اللغة العربية واللغة الفارسية.٨٩

ولا يذكر الوافد على الإطلاق، لا اسم علم يوناني ولا اسم كتاب معرَّب عن اليونانية باستثناء السوفسطائية والسفسطة والسوفسطائي وأسطقس. ولا إحالة إلى اللغة اليونانية؛ فقد قارب التأليف في المنطق الإبداع الخالص.

والموروث فيه هو الموروث الأصلي، القرآن والحديث.٩٠ ومادته عقلية وفقهية؛ فمنطق العقل هو نفسه منطق الفقه وكما لاحظ ابن حزم من قبل؛ فالفقه كان هو الهم الغالب في العصر ومادته الأثيرة حتى لقد صنف الغزالي في طرق المناظرة مأخذ الخلاف ولباب النظر وتحصين المآخذ في «المبادئ والغايات» على منهاج النظر العقلي. ولا غرابة في تأليف «معيار العلم» ضامًّا إلى النظر العقلي الأمثلة الفقهية؛ فوظيفة صناعة التمثيل، أي ضرب الأمثال تعريف الأقل معرفة بالأعرف فيعرف المجهول بالمعلوم. ينقد الغزالي استقلال العلوم العقلية عن النقلية دفاعًا عن ضرورة الأمثلة الفقهية في النظر العقلي. كما ينقد العلوم النقلية التي لا تستند إلى النظر العقلي دفاعًا عن العقل؛ فالعقل هو الحاكم على الحس بعد أن صدقت النفس بالحس والوهم؛ فالعقل هو القسطاس المستقيم والمعيار القويم والقادر على الحكم على ما تعلمته النفس منذ الصبا.٩١ والله هو واهب العقل نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ويلتصق الوهم والخيال بالقوة المفكرة مما يصعب خلاصهما منها كما هو في الحديث: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم». فإذا اختلف العقلاء يحتكم إلى شرائط البرهان أو إلى الولاية.
ومضمون المنطق تعليم كيفية الانتقال من الصور الذهنية إلى الأمور الغائبة على ترتيب معين وعلى سبيل الإجمال. وعلى سبيل التفصيل العلم هو العلم بذوات الأشياء وهو التصور أو نسبة هذه التصورات بعضها لبعض وهو التصديق. فالبحث النظري في التصور والتصديق. والتوصل إلى التصور بالقول الشارح حدًّا أو رسمًا، والمبادئ الموصلة إلى التصديق هو القياس مع التنبيه على شروط الصحة أو الغلط. مثال الحد الخمر شراب مسكر، ومثال التصديق أن للعالم صانعًا بالحجة والبرهان.٩٢
ومن الموروث الأسمى لا يذكر إلا أبو بكر الباقلاني وأبو حنيفة والشافعي. كما يذكر الحنفي صاحب المذهب، والشافعية كمذهب.٩٣ ومن أسماء الفرق يذكر الفلاسفة أو الفلاسفة القدماء، واصطلاح الفلاسفة.٩٤ ويذكر المتكلمون وأقيسة المتكلمين واصطلاح المتكلمين ولغة المتكلمين والمعتزلة، واليهود والنصارى.٩٥
ويضم القسم الأول «مقدمات القياس» قسمة النظر في القياس إلى أدنى وأقصى الأقصى هو البرهان. والبرهان نوع من القياس. القياس عام والبرهان خاص. ولا ينتظم القياس إلا بمقدمتَين ولكلٍّ منهما موضوع ومحمول مخبر عنه وخبر. وكلٌّ منهما لفظ في قضية يدل على معنى. فالقياس مركب يُحلُّ إلى مفردات.٩٦
ودلالة الألفاظ ونسبتها إلى المعاني سبعة من ثلاثة أوجه متباينة، الأولى المطابقة والتضمن والالتزام. والثانية العموم والخصوص أو الكلي والجزئي طبقًا للغة العرب. وواضح أنها قسمة أصولية. إذ يضيف الغزالي «فائدة فقهية» عن اختلاف الأصوليين في ألف ولام التعريف هل تفيد الاستغراق والعموم أم لا وهو يستغرقه. والثالثة رتبة الألفاظ من مراتب الوجود الأربعة في الأعيان والأذهان واللفظ والكتابة ويحال إلى القسم الرابع «أحكام الوجود ولواحقه». والرابعة الأفراد والتركيب، والخامسة اللفظ المفرد في نفسه. والسادسة نسبة الألفاظ إلى المعاني، المشتركة والمتواطئة والمترادفة والمتزايلة، مع توضيح الالتباس بين المشترك والمتواطئة والزلل في المتباينات. والسابعة اللفظ المطلق بالاشتراك على مختلفات، مستعارة ومنقولة ومخصوصة باسم المشترك مثل الحي الذي يُطلق على الإنسان والله.٩٧ والمستعار من أمثلة القرآن.٩٨
وإذا كانت دلالة الألفاظ ونسبتها إلى المعاني تبدأ من اللفظ فإن دلالة المعاني ونسبة بعضها إلى بعض تبدأ بالمعنى وإن دل عليه باللفظ. وتنقسم سبعة أقسام: الأولى نسبة الموجودات إلى مداركنا وهي المحسوسات والمعقولات والمتخيلات. والثانية نسبة الموجودات بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص. والثالثة نسبتها إلى التعين واللاتعين والرابعة نسبة المعاني بعضها إلى بعض، ويحال إلى كتاب الحدود. والخامسة نسبة الذاتي إلى نفسه والعرض إلى نفسه. ويضرب المثل على الفصل بأنه مسكر للشراب. فالسكر فصل ذاتي للشراب كالنطق للإنسان. والسادسة في أصناف الحقائق المذكورة في جواب السائل عن الماهية والمثل أيضًا الشراب مسكر.٩٩
وإذا ركبت المعاني المفردة حدثت عدة أصناف، مثل الاستفهام والالتماس والتمني والترجي والتعجب والخبر. والخبر هو موضوع المنطق. وهو مركب من عدة مقدمات يُسمَّى كلٌّ منها قضية يحتمل الصدق أو الكذب بالذات أو العرض. وتنقسم القضايا إلى سبعة أقسام. الأولى خبر ومخبر عنه، أي محمول وموضوع في قضية حملية أو شرطية، ويسميه المتكلمون أي الأصوليون السبر والتقسيم. والثانية نسبة المحمول إلى الموضوع نفيًا أم إثباتًا. والثالثة القضية بين العموم والخصوص، ومثل الكلية المهملة الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، وهي آية قرآنية، ويحذر من المهملات في الأقيسة إذا كان المطلوب نتيجة كلية. مثال ذلك ما يقول الفقيه: المكيل ربوي، والجَصُّ مكيل، إذن الجَصُّ ربوي.١٠٠ والرابعة نسبة الموضوع إلى المحمول بالوجوب أو الجواز أو الامتناع، ويضرب المثل على الضرورية غير المشروط بقضية الله حيٌّ، والخامسة باعتبار نقيضها. ويضرب المثل على التناقض بين السلب والإيجاب بقضية كلامية، العالم حادث، العالم ليس بحادث فلا فرق في المادة المنطقية بين علم الكلام وعلم الفقه، بين العقيدة والشريعة.١٠١

ومثال عدم التناقض نظرًا لوحدة الموضوع في المقدمتين هو ما يقال في الفقه. الصغيرة وليٌّ عليها في بُضْعها، الصغيرة ليس وليٌّ عليها في بُضْعها؛ فالقضية الأولى تتعلق بالثيِّب والثانية بالبكر. ومثال عدم التناقض لوحدة المحمول، المُكرَه على القتل مختار، المُكرَه على القتل ليس بمختار بل مضطر؛ لأن المختار يُطلق على معنيَين. ومثال وشرط عدم التناقض ألَّا يكون المحمول في جزأَين مختلفَين من الموضوع في الفقه، السارق مقطوع، السارق غير مقطوع، مرة على اليد ومرة على الرِّجل أو الأنف. ومثال شرط عدم التناقض عدم اختلاف الإضافة في المضافات في الفقه؛ المرأة مولًى عليها، المرأة ليس مولًى عليها، أي مولًى في البُضْع لا في المال. وقد يُضاف إلى البُضْع كلاهما، ولا تناقضَ من جهة اشتراك لفظ المحمول؛ فعند أبي حنيفة عليها مولى وليس عليها مولى في حالة الإجبار. وهو ما تقول به أيضًا بعضُ فقهاء الشافعية. ومثال شرط عدم التناقض، عدم نسبة المحمول إلى الموضوع على جهتين مختلفتين آية وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى. وكثيرٌ مثل ذلك في الفقهيات. ومثال شرط عدم التناقض ألا تكون القضيتان في زمانَين مختلفَين. الخمر ليست حرامًا، الخمر حرام في زمانَين مختلفَين. والسادسة باعتبار عكسها. ولا تُعطى أمثلة كلامية أو فقهية على ذلك اكتفاء بالعقل، والعقل أساس النقل.

وفي القسم الثاني «كتاب القياس» يتم أولًا النظر في صورة القياس.١٠٢ يدخل القياس في نظرية أعم للحجج لإثبات العلوم التصديقية. فالقياس أحد أنواعه. وهي ثلاثة أقسام: قياس واستقراء وتمثيل. والقياس حملي شرطي متصل أو منفصل أو قياس خلف. وينقسم الحملي إلى ثلاثة حدود، مثل الجسم والمؤلف والمحدث، المؤلف حدٌّ وبسط، والجسم حدٌّ أصغر، ومحدث حدٌّ أكبر كمثال من علم الكلام والمسكر والخمر والحرام حدود والقياس في الفقه.١٠٣ وهذا هو الشكل الأول. وما أسهل بعد ذلك من ضرب الأمثلة الفقهية والعقلية، أي الكلامية على ضروب القياس.١٠٤ ولا يضرب الغزالي مثلًا فقهيًّا على الشكل الثاني الذي يكون فيه الحد الأوسط محمولًا على الطرفين كما عرض ابن حزم في «التقريب»، ويكتفي بالمثل الكلامي. كما لا يعطى أمثلة فقهية على الشكل الثالث عندما يكون الحد المشترك موضوعًا في المقدمتَين، ويكتفي بالأمثلة الكلامية أي بالعقليات. كما يكتفي الغزالي بعرض ضروب الشكل الأول وإحالة ضروب الشكلين الثاني والثالث إليها.١٠٥
والثاني الشرطي المتصل يتركب من مقدمتين إحداهما مركبة من قضيتَين قُرِن بهما صيغة شرط والأخرى واحدة. مثال ذلك من العقليات إن كان العالم حادثًا فله صانع لكنه حادث إذن له صانع. ومثاله في الفقهيات إن كان هذا النكاح صحيحًا فهو مفيد للحل لكنه صحيح، إذن هو مفيد للحل، أو إن كان الوتر يؤدَّى على الراحلة فهو نفلٌ لكنه لا يؤدَّى على الراحلة فهو إذن نفل، أو إن كان المصلي محدثًا فصلاته باطلة لكنه محدث فصلاته باطلة. ويكون به السلب والإيجاب، مثل إن كان الإله ليس بواحد فالعالم ليس بمنتظم لكنَّ العالم منتظم فالإله واحد.١٠٦
والثالث الشرطي المنفصل هو الذي يسميه الفقهاء السبر والتقسيم. مثال ذلك في العقليات: العالم إما قديم أو محدث، لكنه محدث فهو إذن ليس بقديم. ولا يحتاج إلى مثال في الفقه؛ إذ يكفي السبر والتقسيم عند الفقهاء. ولا يشترط في الفقهيات الحصر القطعي بل الظني فيه كالقطعي في غيره. وهو ما يسمى بلغة العصر حصر العلل ثم تصنيفها وعزل كل واحدة على حِدَة لمعرفة مدى تأثيرها.١٠٧
والرابع قياس الخلف وهو قياس حملي إذا كانت المقدمتان صادقتَين كان قياسًا مستقيمًا وإن كانت إحدى المقدمتين صادقة والأخرى كاذبة وأنتج نتيجة كاذبة يستدل بها على كذب مقدمة وصدْق أخرى كان خلفًا. مثال ذلك في الفقه كل فرض لا يؤدَّى على راحلة، والوتر فرض، إذن لا يؤدَّى على راحلة. وهي نتيجة كاذبة؛ لأن إحدى المقدمتين كاذبة، وهي أن الوتر فرض. ومثاله في العقليات: كلُّ أزلي لا يكون مؤلفًا، والعالم أزلي فلا يكون مؤلفًا. والنتيجة كاذبة؛ لأن إحدى المقدمتين كاذبة وهي العالم أزلي.١٠٨

والخامس الاستقراء وهو تصفُّح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنًى كليٍّ واحدٍ، فالحكم على أحدها هو حكم على الآخر. ويُكتفى به في الفقهيات لأنه أقرب إلى التمثيل، الحكم بالجزء على الجزء. ومثاله الفقهي: الوتر لو كان فرضًا لما أُدِّيَ على راحلة باستقراء جزئيات الفرض، وقول الحنفي الوقف لا يلزم في الحياة لأنه لو لزم لما اتبع شرط الواقف باستقراء تصرفات البيع والنكاح والعتق والخلع، فقويَ الظن، وكذلك تكرار مسح الرأس لأنه وظيفة رئيسية في الوضوء استقراء من غسل الوجه واليدين والرِّجلين، وعند الحنفي لا يتكرر باستقراء مسح التيمم ومسح الخُف لأنه أقوى دلالة. ويكفي الاستقراء غير الكامل؛ لأن الظن يكفي في الفقهيات.

والسادس التمثيل وهو الذي يسميه الفقهاءُ قياسًا، والمتكلمون ردَّ الغائب على الشاهد، وهو الحكم على الجزئي بحكم جزئي آخر يُشبهه. مثله في العقليات السماء حادث؛ لأنه جسم قياسًا على النبات والحيوان، وأيضًا الله عالم بعلم لا بنفسه لأنه لو كان عالمًا لكان عالمًا بعلم قياسًا على الإنسان لعلة جامعة بينهما وهو العلم. وهو ما يُثبت أن كل الإلهيات هي إنسانيات مسقطة على الله إيجابًا لإثبات مظاهر الكمال أو سلبًا لنفي صفات النقص، وهو رأي المهندسين في الإلهيات.١٠٩ فالمعنى مقترن بالجزء. إذا وُجد الإنسان وُجدت الحياة، وإذا وُجدت صحة الصلاة فقد وُجد الشرط وهو الطهارة، ولكن إذا وُجدت صحة الصلاة فقد وُجد الشرط وهو الطهارة، ولكن إذا وُجدت الطهارة فلا يلزم وجود الصلاة. فالمشروط مقترنٌ بالشرط في حين أن الشرط ليس مقترنًا بالمشروط. ولا يُعرف الحق بالرجال بل يُعرف الرجال بالحق وإلا ضل المسلمون كما ضل اليهود والنصارى وسائر المقلدين. وإذا لم يكن التمثيل ممكنًا في العقليات فإنه ممكن في الفقهيات، مثل الحكم على الهرة بالطوافين ويدخل تحته الفأرة، وقياس بيع العنب على التمر إذا جفَّ ونقص وزنه بشروط ستة: الأول شرط نصي. والثاني أن يكون الجامع بين الجزأين مناسبًا للحكم، مثل تحريم النبيذ قياسًا على الخمر لأنه مسكر وسبب السكر ضياع العقل وذهاب المصالح. والثالث أن يكون للوصف الجامع تأثيرٌ كما يقول الحنفي في اليتيمة إنها صغيرة ويولي عليها كغير اليتيمة. والرابع أن يكون ما فيه الاشتراك غير معدود ولا مفصل لأنه الأكثر، وما فيه الافتراق واحدًا لا مدخل له في الحكم، مثل مَن أعتق شخصًا له من عبد قُوِّم عليه الباقي. فتقاس الأمة عليه، فلا يتغير حكم الرق بالذكورة والأنوثة. والخامس أن ما فيه الافتراق لا يُعلم يقينًا أنه لا مدخل له في الحكم إلا ظنًّا كما هو الحال في العتق والطلاق. والسادس أن يكون المعنى الجامع أمرًا معينًا متحدًا، مثل الوضوء طهارة حكمية عن حدث، ويفتقر إلى النية كالتيمم وهو اجتهاد ظني. ولم يَردْ عن الصحابة إلحاق غير المنصوص بالمنصوص إلا ظنًّا. وهو ما اتفق عليه السلف من مشايخ الفقه على عكس المتأخرين الذين طالبوا بإثبات العلة بمناسبة أو تأثير أو إحالة. وهنا قد يختلف النظر في الفقهيات عنه في العقليات؛ فالفقهيات تتعامل مع جزئيات وحالات فردية في حين أن العقليات تتعامل مع العموميات والكليات. لذلك كانت الخلافيات جزءًا من الفقه كتب فيها الغزالي «قضية المآخذ»، و«المبادئ والغايات»، وقد تكون العقليات يقينًا أما الفقهيات فظنيات.
والسابع الأقيسة المركبة والناقصة وهي كثيرة في أكثر أقيسة الفقهاء لاسيما المذهبية منها والمناظرات والمخاطبات التعليمية. وهو الوصول إلى نتيجة واحدة من مقدمات مختلفة حملية وشرطية منفصلة وهو أمر يطول. ولها أمثلة في العقليات.١١٠ ومثالها في الحديث «يموت المرء على ما عاش عليه ويُحشَر على ما مات عليه». مقدمتان ذات نتيجة واحدة تنبيهًا على أن الدنيا مزرعة الآخرة، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.١١١
ولما كانت أشكال القياس بالألفاظ المنقولة لا تكفي دون الحقائق المعقولة يتم التحول من النظر في أشكال القياس إلى مادة القياس.١١٢ قد يصدق الشكل ولا يصدق المضمون. وقد يكذب الشكل ولا يكذب المضمون؛ فالكلام هو الصوت والحرف وحديث النفس والعلم القائم بها، باستثناء الشعر. مادة القياس أولًا الأوليات العقلية المحضة، ثانيًا: المحسوسات، ثالثًا الجزئيات. وقد شك المتكلمون فيها، وأنكروا العلية، وقالوا إن الله هو خالق الشبع والموت والاحتراق، وهو ما نبَّه عليه الغزالي في «تهافت الفلاسفة». ولا خلاف في إثبات العلية بل الخلاف في تفسيرها، بالإرادة الإلهية أو بالقانون الطبيعي المستقل عنها أم بجريان العادة. فالخلاف في تفسير وجه الاقتران بين العلة والمعلول وليس في الاقتران ذاته.١١٣ رابعًا القضايا التي عرضت لا بنفسها بل بوسط لا يغيب عن الذهن.
أما المقدمات التي ليست يقينية ولا تصلح للبراهين فهي نوعان. الأول يصلح للظنيات الفقهية وهي المشهورات والمقبولات والمظنونات. المشهورات مثل حُسن إلقاء السلام، وإطعام الفقراء، وصلة الأرحام، وملازمة الصدق، ومراعاة العدل. وهي كذلك بمقتضى العقل والحس. وهي ثابتة في النفس بخمسة عوامل: الأول رقة القلب بحكم الغريزة أو بسياسة الشرع على غير مبدأ العدل والصلاح والأصلح والتعويض عن الآلام عند المعتزلة. والثاني جبلة الإنسان من الحمية والأنفة، وهي أشبه بالحسن والقبح العقليَّين. والثالث محبة التسالم والتصالح والتعاون على المعايش. والرابع التأديبات الشرعية لإصلاح الناس مما يخرج عن الحسن والقبح العقليَّين. والخامس الاستقراء للجزئيات الكثيرة. أما المقبولات فهي أمور اعتقادية عن طريق الآحاد. تصلح للمقاييس الفقهية لأنها ظنية دون العقلية. أما المظنونات فهي أمور أيضًا تصديقية مع إمكانية نقضها ولكن النفس إليها أميل، مثل «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، كمثَلٍ جاهليٍّ قبل تفسير الرسول له على نحوٍ إسلامي بأن نصرة الظالم بمنعه عن الظلم.١١٤
والنوع الثاني لا يصلح للقطعيات ولا للظنيات بل لا يصلح إلا للالتباس والمغالطة وهي التشبيهات.١١٥ وهي ثلاثة أقسام. الأول الوهميات الصرفة التي تقضي على غير المحسوس بما أُلف في المحسوس. والثاني ما يُشبه المظنونات وهو أيضًا يُشبه المشهورات مثل النساء من الهنود والسودان فينفر الطبع، وكما يذكر علم الحساب والمنطق فينفر الطبع لأنهما من علوم الفلاسفة الملحدين.
والثالث الأغاليط من اللفظ أو معناه.١١٦ وقد يكون اللفظ صريحًا متواترًا، مثل ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ أو غير ذلك. وجملة الألفاظ الشرعية في القضية الكلية والجزئية أربعة أقسام: الأول: كلية أريد به كلية، مثل «كل مسكر حرام»، والثاني: جزئية بقيت جزئية، مثل حديث الرسول في الذهب والإبريسم: «هذان حرامان على ذكور أمتي». والثالث: كلية أريد بها جزئية، مثل حديث «في سائمة الغنم زكاة»، أو آية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. والرابع: الجزئي الذي أُريد به الكلي وهو كثير في القرآن.١١٧ وحديث الرسول «أعتق رقبة». ومثل قول الشافعي: "إذا نهشتْه حية أو عقرب". بصرف النظر عن نوعها.
وللقياس مغالطات. فالمغالطات ليست كتابًا منفصلًا من كتب المنطق خارج القياس. وهناك سبعة مسارات للغلط. الأول ألَّا يكون القياس في أحد أشكاله الثلاثة، ومنها الوضع في الوقف في إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، والثاني ألَّا يكون على ضرب منتج من الأشكال الثلاثة. والثالث ألَّا تكون الحدود الثلاثة متمايزة متكاملة. والرابع ألَّا تكون الأجزاء الثواني، وهي المقدمات، متفاضلة؛ مثل: كل ما علمه المسلم فهو كما علمه، والمسلم يعلم الكافر، فهو إذن كالكافر. فالمقدمات متمايزة الحدود والخلل في الاتساق. والخامس أن تكون المقدمة كاذبة. والسادس ألَّا تكون المقدمات غير النتيجة فتصادر على المطلوب، مثل المرأة مولًّى عليها فلا تلي عقد النكاح. والسابع ألَّا تكون المقدمات أعرف من النتيجة. وفي الفقهيات قول الحنفي نبطل صلاة المتيمم إذا وُجد الماء في خلالها.١١٨
وقد أدى خيال السوفسطائية إلى إنكار العلوم لتناقض أدلة المتكلمين في صورة القياس والشكوك التي يسبِّبها الغلط في المقدمات. ومنها المقدمات المشهورة المخالفة لظاهر القرآن؛ مثل وصف الله بالرحمة بطريقة العامة ووصفه بالنزول والمجيء.١١٩ وهناك شكوك أخرى تتعلق بالنتيجة من وجه وبالمقدمة من وجه، مثل أن التصور يُنال بالحد والحد يُنال بالتصور لأجزاء الحد، وهو دَور، ومن ثَم لا يمكن التصور. فماذا ينفع في تحديد الخمر أنه شراب مسكر معتصر من العنب لمن لا يعرف الشراب والمسكر والعنب والمعتصر؟ لذلك استعمل القرآن الصورة الفنية مثل زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ولا يمكن كسر الدور عن طريق معرفة الإمام المعصوم الذي هو معرفة بالتقليد وليس بالبرهان.١٢٠
وفي القسم الثالث «لواحق القياس» توضع فصول متفرقة بمعرفتها تتم معرفة البراهين وابتداء من التفرقة بين قياس العلة وقياس الدلالة؛ فإذا كان الحد الأوسط علة للحد الأكبر كان قياس علة عند الفقهاء وبرهان اللم عند المناطقة. وإن لم يكن علة سماه الفقهاء قياس الدلالة، وسماه المناطقة برهان الإن. مثل الفقهي هذه عين نجسة إذن لا تصح للصلاة، قياس علة، هذه عين لا تصح للصلاة فهي إذن نجسة قياس دلالة. وإذا تلازمت نتيجتان بعلة واحدة جاز الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى قياس دلالة.١٢١
وينقسم قياس العلة قسمين. الأول: ما يكون الأوسط فيه علةً للنتيجة ولا يكون علة لوجود الأكبر في نفسه. والثاني: أن يكون علة لوجود الحد الأكبر على الإطلاق مثل العدوان علة للتأثيم، والزنا علة للرجم، والردة ليست علة للقتل؛ لأن القتل قصاص.١٢٢
والبرهان الحقيقي يفيد اليقين. ولا يقينَ أعلى من وجود الله عقلًا أو نقلًا عن نبيٍّ صادق بشرط تواتر الخبر. وأمهات المطالب أربعة: مطلب هل، مثل هل الله موجود؟ هل الله مريد؟ هل العالم حادث؟ والثاني مطلب ما، مثل ما الخمر؟ والثالث مطلب لمَ، طلبًا للعلة، مثل لمَ كان العالم حادثًا؟ وهو قياس الدلالة بلغة المتكلمين. والرابع مطلب أي لتمييز الشيء عن غيره. أما مطالب أين ومتى وكيف، فليست من أمهات المطالب. والذاتي أن يكون المحمول مأخوذًا في حد الموضوع، مقومًا له، داخلًا في حقيقته، أو أن يكون الموضوع في حد المحمول. والأولى ما كان في أول العقل لا يحتاج إلى وسط أو استحالة حمله على معنى آخر. وما يلتئم به أمر البراهين ثلاثة مبادئ وموضوعات ومسائل. الموضوعات ما يُبرهن فيها، والمسائل ما يُبرهن عليها، والمبادئ ما يُبرهن فيها. فموضوع الفقه مثلًا أفعال المكلفين من جهة الأمر والنهي أو الإباحة والندب والكراهية. وموضوع أصول الفقه أحكام الشرع الخمسة والمسائل والقضايا الخاصة بكل علم نفيًا أو إثباتًا، في الفقه التحليل أو التحريم، وفي الإلهيات القِدَم أو الحدوث. وتحل شبهة قياس الدور، ارتباط الأسباب بالمسببات على نحو دائري وليس على نحوٍ طولي، بألَّا يأخذ الشيء سبب نفسه، أي تفسير الطبيعة بالطبيعة وهو لا يُزيل الإشكال. وما يقوم به البرهان الحقيقي هو أنه يكون كذلك على الأبد خارج الزمان أي الصوري وليس المادي. وهو غير وارد في الفقهيات لأنها ظنيات في الأفعال في الزمان ولكن العمل بها قطعي. النظر ظني والعمل قطعي. لا تورث علمًا بل تورث عملًا. لذلك أولت الفلاسفة السعادة الأخروية بأنها بلوغ النفس كمالها بالعلوم وليس في الشهوات، والعلم بالله وصفاته وملائكته وترتيب الموجودات وتسلسل الأسباب والمسببات، النفس باقية، الذات العارف، والموضوعات باقية، الموضوع المعروف. والعلل أربعة فاعلة ومادية وصورية وغائية في الفقه مثل الزنا والنكاح.١٢٣
والقسم الرابع كتاب الحد. ويضم قوانين الحدود المنفصلة. فالحد ضروري للخمر. وهو شراب مسكر معتصر من العنب. ويكون بالجنس القريب والفصل البعيد. فلا يقال في حد الخمر إنه مائع مسكر بل شراب مسكر؛ لأنه أخص من المائع. والاعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل.١٢٤ ونموذج الحدود المفصلة مصطلحات الفلاسفة المستعملة في الإلهيات الخمسة عشر: الباري المسمى المبدأ الأول، والعقل، والنفس، والعقل الكلي، وعقل الكل، والنفس الكلية، ونفس الكل، والملك، والعلة، والمعلول، والإبداع، والخلق، والإحداث، والقديم. والباري لا حدَّ له ولا رسمَ لأنه لا جنسَ له ولا فصل ولا خاصة ولا عرض عام.١٢٥ ويستعمل في تحديد العقل حديث «أول ما خلق الله خلق العقل فقال له أَقبلْ فأقبلَ». ويستعمل في الطبيعيات خمسة وخمسين لفظًا لا تُعطى له أمثلة عقلية أو نقلية.١٢٦
والقسم الخامس أقسام الموجود وأحكامه. وهو أقرب إلى الميتافيزيقيا التي يتحد فيها المنطق والطبيعيات بالإلهيات عند المتكلمين والفلاسفة مثل الجوهر والكيفية والكمية والإضافة والدين والمني والوضع والعرض وأن يفعل وأن ينفعل. وهذا ليس تكرارًا للقدماء بل إثباتًا له بالعقل والحس، وبيان اتفاق العقل والوجود. مما يدل على أن «معيار العلم» إبداع منطقي خالص.١٢٧
وخلاصة القول، يكشف معيار العلم عن الآتي:
  • (١)

    الإحساس بالجدة والإبداع، وأن معيار العلم ليس شرحًا أو تلخيصًا أو عرضًا للمنطق اليوناني بل إعادة بناء المنطق ابتداء من الموروث، العقليات والفقهيات.

  • (٢)

    عدم ذكر اسم من الوافد ولا حتى أرسطو واضع علم المنطق. ولا يوجد أي لفظ معرب باستثناء لفظَين سوفسطائية، وأسطقس.

  • (٣)

    عدم ذكر أعلام الموروث من الحكماء السابقين على الغزالي خاصة الكِنْدي والسجستاني والفارابي وابن سينا. ولا يُذكر إلا الفقهاء خاصة أبا حنيفة والشافعي، والمتكلمون خاصة أبا بكر الباقلاني.

  • (٤)

    معيار العلم عرض للوافد الموروث في إطار الموروث الأصلي وهو ما يسمى بلغة العصر «أسلمة العلوم» من أجل التفهيم والاحتواء حفاظًا على أصالة الموروث وقدرته على الإبداع.

  • (٥)

    الأسلوب أدبي إنشائي واضح يتجاوز مجردات المنطق الصوري وأشكال قياسه كما هو معروف في كتاب القياس من الشفاء لابن سينا.

  • (٦)

    توسيع إطار المنطق القديم وتعدُّد منظوره بحيث يشمل العقليات والفقهيات، القطعيات والظنيات، والتوجه من النظر إلى العمل، ومن عالم الأذهان إلى عالم الأعيان، ومن العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي.

  • (٧)

    القدرة على إيجاد التماهي بين المنطق اليوناني والمنطق العربي بالرغم من ارتباط كلِّ منطق بلغته لدرجة العجب بوحدة منطق النقل مع منطق الوحي، منطق اليونان مع أساليب القرآن.

  • (٨)

    ضم المنطق كلِّه إلى بؤرة ومركز، القياس، ما قبله مقدمات له، المقولات والعبارة وما بعده لواحق له، البرهان والمغالطة، وغياب الجدل والخطابة والشعر.

  • (٩)

    تحويل مقدمات القياس من مستوى التصورات إلى مستوى اللغة، ومن مستوى المعاني إلى مستوى الألفاظ، ومن اللغة اليونانية إلى اللغة العربية. وتكشف اللغة عن المستوى الشعوري للكلام بين الصوت والحرف والعبارة والقصد والأشياء في العالم الخارجي.

  • (١٠)

    تحويل مبحث الجوهر والأعراض إلى منطق وجود من أجل العودة بالمنطق إلى العالم، والخروج من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان.

  • (١١)

    علم أصول الفقه هو منطق المسلمين كما أن المنطق الأرسطي هو منطق اليونان. فلكلِّ حضارة منطقها.

  • (١٢)

    إبراز بعض الجوانب «التقدمية» في المنطق الإسلامي، مثل قطعية العقليات وظنية الفقهيات، وتعدد الاجتهادات، والكل مصيب، ولا حرج في اعتبار الإلهيات قياسًا على الإنسانيات، واستحالة كون الله موضوعًا في قضية لأنه لا محمول له، لا نوع ولا جنس ولا فصل ولا خاصة ولا عرضًا عامًّا.

  • (١٣)

    الخلاف في المصطلحات والأسماء والمسميات واحدة. تعدد الثقافات إذن تعدد وسائل التعبير وليس الحقائق الإنسانية العامة الثابتة.

  • (١٤)

    ما زالت بعض أجزاء المنطق صورية الطابع عندما تغيب عنها الأمثلة الكلامية أو الفقهية، فالعقل بلا مادة صوري تجريدي فارغ لدرجة أنه يمكن اعتباره تحصيل حاصل.

  • (١٥)
    وتظل الأشعرية هي السائدة بالرغم من تأسيس المنطق وكما تبدو في نهاية بعض الفقرات بلازمة «الله أعلم».١٢٨ «والله أعلم بالصواب»؟
  • (١٦)
    و«معيار» العلم دعوى وقضية، يخاطب القارئ ويطالبه بالفهم.١٢٩ والموضوع ذاته ليس حرفةً بل رسالة، ليس صنعة بل قضية يعيشها الغزالي بتجربته الذاتية بالرغم من الطابع العقلي المجرد للمنطق.١٣٠ ويقبل الاعتراض المسبق من القارئ ويردُّ عليه.

(ب) محك النظر

وهو نفس منظور معيار العلم ومادته. فكلُّه مركز على القياس «القول في شروط القياس».١٣١ وهو ضعف في «محك الحد». ما قبله مقدمات وما بعده لواحق، أكثر عقلانية وأقل أمثلة فقهية أو كلامية. أقل عمقًا ونفاذًا وأكثر عرضًا ووضوحًا من «معيار العلم»، ويدرك الغزالي صغرَ حجمه وعظمَ قدرِه ويُحيل في تفصيلاته إلى «معيار العلوم». وهو ما زال مشروعَ كتابٍ لم ينتهِ بعدُ من تنقيحه. ولم يشأ إذاعة نسخته قبل الأوان بالتهذيب والحذف والإضافة والتحريف. ويَعدُ بذلك إن استأخر الأجل واندفعت العوائق وانصرفت إليه الهمة كما ينوي ابن رشد مما يدل على أن الفكر ما زال مفتوحًا متجددًا بتجدُّد تجارب العمر وتواصل الأجيال.١٣٢
وهو جزء من مشروع الغزالي. فيُحال إلى «المبادئ والغايات» و«شفاء الغليل»، ثم «تهافت الفلاسفة» خاصة في موضوع العلية و«معيار العلوم».١٣٣
والأسلوب عاطفي انفعالي حيوي وكأن المؤلف في «المنقذ من الضلال» يصف الطريق «الخَطب جدٌّ، والسفر طويل، والزاد قليل، والبضاعة مزجاة، والحاضر من النقد زيف، والناقد بصير، ولكن الجود غزير، والرب قدير.» يخاطب القارئ ويُبصِّره بالأمور بلازمة «اعلم».١٣٤
وفي «محك النظر» كما هو الحال في «معيار العلم» إحساس بالجدة والابتكار من أجل «الارتفاع عن حضيض التقليد».١٣٥ والمادة واحدة ولكن طريقة عرضها جديدة مبتكرة.

وهو كتاب مختصر يحذف الزيادة والتطويل. ولما كان يكرر «معيار العلم» كان من الأفضل تحليله عرضيًّا وليس طوليًّا، أي الأبعاد اللغوية والمنطقية والنصية فيه عبر الأقسام وليس تتبع الأقسام واحدًا تلو الآخر حتى ولو تم تكرار اللغة والقضايا الكلامية والفقهية وتحويل النصوص إلى قضايا.

يغيب عنه الوافد كلية، لا اسم علم ولا مصطلح ولا بيئة ولا لغة. ويحضر الموروث الأصلي، القرآن والحديث والفقه، الشافعي ثم الحجاج كنموذج للحاكم الظالم ثم أبو حنيفة والحنفي. ومن الفِرَق يتصدر الفقهاء ثم المتكلمون ثم المنطقيون ثم المعتزلة ثم النحويون والفلاسفة. ويذكر المسلمون واليهود والنصارى. ومن البيئة المحلية تذكر الحجاز ومكة ثم العراق. ومن الأقوام يذكر العربي والهند، ومن البشر ابن آدم.١٣٦
ولا تذكر الأمثلة الفقهية إلا في الفصل السادس من اللواحق «من القياس في حصر مدارك الأقيسة الفقهية».١٣٧ عند الشافعي يلزم القصاص لأنه مكره مختار.١٣٨ وفي دلالة الألفاظ يظهر ارتباط تحليل اللغة بلغة العرب. فالمنطق مرتبط باللغة، المنطق اليوناني باللغة اليونانية، والمنطق العربي باللغة العربية.١٣٩ ولفظ الله لا شركةَ فيه على عكس لفظ الآلهة. ويُطلق لفظ النور على الله مجازًا وإلا كان اللفظ أحد مصادر الخطأ. والألفاظ الشرعية ألفاظ حقيقية لا مجاز فيها؛ مثل المنافق والفاسق والكافر والعلم والصوم والصلاة.
وهناك فرق بين الاسم والمسمى. الخلاف بين النحويين والمتكلمين والفقهاء والمنطقيين هو خلاف في الأسماء وليس في المسميات. عند النحويين المبتدأ والخبر، وعند المتكلمين الموصوف والصفة، وعند الفقهاء المحكوم عليه والحكم، وعند المنطقيين الموضوع والمحمول. والمصطلحات ثلاثة، اصطلاح المتكلمين والفقهاء والمنطقيين بالإضافة إلى إبداع مصطلحات جديدة.١٤٠ نمط التعاند وهو على ضد نمط التلازم يسميه المتكلمون السبر والتقسيم، والمنطقيون الشرطي المنفصل والغزالي التعاند. والخلاف بين المتكلمين والمنطقيِّين في اللغة والمصطلحات؛ فالمطلقات المجردة الشاملة يُطلق عليها المتكلمون الوجوه أو الأحوال أو الأحكام. ويُطلق عليها المنطقيون القضايا الكلية المجردة، في الأذهان لا في الأعيان.١٤١
وتستنبط من آيات القرآن بعض الألفاظ والقضايا المنطقية، مثل اختلاف لفظ القديم كوصفٍ لله وكصفة للأشياء في كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. ويستشهد بالقرآن بطريقة شعبية عادية لإثبات رأي أو مناقضة رأي آخر كما هو الحال في علوم التفسير، مثل حصر مدارك الغلط في القياس واعتبارها من عمل الشيطان المسلط على كل ناظر لتلبيسِ الحق وقلبِه باطلًا لقوله فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ باستثناء إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. وهو ما يقوم به المنطق دفاعًا عن الوحي ضد غواية الشيطان. وفي حدِّ الحياة يستشهد بآية وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهي الحياة الأبدية. وفي حد الروح يستشهد بآية وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي للتنبيه على أنها خارج الحدود بأنها عرض أو جوهر أو جسم، مثل الله.١٤٢
وتستنبط من الأحاديث مقدمة عامة مثل «لا تبيعوا الطعام بالطعام»، وعلى شمول الخطاب النساء مع الرجال في حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد»، وعلى تحديد أحد معاني الحياة وهو الخلود بحديث «أرواح الشهداء في حواصل طيور معلقة تحت العرش». ويحكم بمساواة الأَمة بالعبد بحديث «من أعتق شِركًا من عبدٍ قُوِّم عليه الباقي». كما يستشهد بالحديث أيضًا على نحوٍ عاديٍّ شعبيٍّ كما هو الحال في علوم التفسير لاستنباط رأي أو حكم مثل حكم المكروه من حديث «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار»، أو حديث «مَن نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه».١٤٣
وينقسم «كتاب القياس» إلى ثلاثة فنون، السوابق والمحك في المقاصد، واللواحق. وتختلف فيما بينها كميًّا. أكبرها اللواحق.١٤٤
ويبدو الله كعامل محدد في المنطق؛ فالأجزاء سابقة على المركب حتى لا يُوصفَ الله بالقدرة على المركب دون القدرة على الأجزاء.١٤٥

وفي أحكام السوابق يضرب المثل بأن العالم حادث والباري قديم على القضايا التي يتطرق إليها التصديق والتكذيب، والعالم ليس بقديم والباري ليس بحادث على القضايا المنفية، والإنسان في خسر نموذج القضية المهملة، وليس الإنسان في خسر ويقصد به القضية الجزئية المنفية التي تصدق على الأنبياء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والإنسان في خسر ويراد به أكثر الخلق. ويضرب المثل على الشرط الأول للتناقض، أن يكون المحكوم عليه في القضيتَين واحدًا بالذات لا بمجرد اللفظ، المضطر مختار، المضطر ليس بمختار، المضطر آثم، المضطر غير آثم. كما يضرب المثل على الشرط الثاني للتناقض أن يكون الحكم واحدًا ولا ثَم متناقضًا: العالم قديم، العالم ليس بقديم، ويعني أحد القديمين آية كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. وفي الفقهيات والعقليات أغاليط كثيرة. كما يُضرب المثل على الشرط الثالث أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية المرأة مولًّى عليها. المرأة ليس بمولًّى عليها، وهما صادقتان بالإضافة إلى النكاح والبيع. والشرط الرابع التساوي في القوة والفعل، مثل الله في الأزل خالق، الله في الأزل ليس بخالق. وشرط المتساوي في الزمان والمكان، العالم حادث، العالم ليس بحادث. وكنموذج للمغالطة يُعطى قول الشافعي معلوم أن المطعوم ربوي والسفرجل مطعوم، فيكون ربويًّا.

ويكرر الغزالي أشكال القياس وضروبه بأمثلة فقهية ويسميها الأنماط ونظمها في «نظم القياس» كأحد طرفَي «محك القياس في المقاصد»، فالنظم الأول: أن تكون العلة حكمًا في إحدى المقدمتَين محكومًا عليه في الأخرى. والثاني: أن تكون العلة أي المتكرر في المقدمتين حكمًا أي خبرًا. والثالث: أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتَين جميعًا.١٤٦ ويتبع شكل القياس شروط مقدماته. وفي النمط الأول تؤخذ الأمثلة الفقهية من قياس النبيذ على الخمر لعلة السكر في الفقهيات ومن الجسم والتأليف والحدوث في العقليات. وفي النظم الفرعية تُعطى الأمثلة الفقهية من السفرجل والطعام والربا. وفي النمط الثاني ونظمه تؤخذ الأمثلة الفقهية من الوتر والنفل والصلاة على راحلة، ومن الصلاة والطهارة، ومن البيوع، ومن الزنا والرجم. وتؤخذ الأمثلة العقلية من الحدوث والجسم والتأليف. وتؤخذ الأمثلة العقلية للنمط الثالث من العدم والحدوث، ومن الرؤية والوجود والجوهر والعرض. ويقين القياس من شروط مقدماته وليس من معجزة نبي، أي من اليقين الداخلي وليس من العلامة الخارجية كما هو الحال في اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى والذي به محك التفرقة بين الإسلام والكفر والتي يكون يقينها مشروطًا بالتواتر.١٤٧
ويكرر الغزالي مادة القياس تحت اسم آخر «مدارك اليقين والاعتقاد»، وهي سبعة: الأول الأوليات وهي العقليات المحضة، والثاني المشاهدات الباطنة، أي الإحساسات الطبيعية التي تعبر عن الحاجات الأساسية، والثالث المحسوسات الظاهرة الناشئة عن الحواس الخمس. والرابع التجريبيات، أي اطراد العادات مثل الماء مرو، والخمر مسكر، ومثل قراءة سورة الإخلاص أكثر من مرة فيزول المرض فيحدث العلم؛ لذلك قرن الله السمع والبصر بالفؤاد في القرآن. والخامس التواتر كالعلم بوجود كله والشافعي وعدد الصلوات الخمس ومذهب الشافعي أن المسلم لا يُقتل بالذمي. والسادس الوهميات مثل الجهة شرط الموجود أو إنكار الخلاء والملاء، وهو كذب لأن الصادق هو حكم العقل وحده وإلا نفى البعض العلوم، وقالوا بتكافؤ الأدلة، وغلَّبوا الظن على اليقين. والسابع المشهورات وهي الاعتقادات التي تعتمد على شهادة الكل أو الأكثر أو العامة أو الأفضل، مثل قبح الكذب وحسن الإنعام وشكر المنعم وقبح كفر النعمة وما تقضي بها الفطرة، وأكثر أقيسة الجدليِّين من المتكلمين والفقهاء من هذا النوع.١٤٨
وفي لواحق القياس يعرض كل ما تنطق به الألسنة في العادات والمحاورات والفقهيات والعقليات وما يعرض في معرض الدليل والتعليل بسبب قصور علم الناظر بأنماط القياس ونظمه أو إهماله بعض المقدمات الواضحة أو الملتبسة. وهو أقرب إلى كتاب المغالطات. وتُعطى الأمثلة الفقهية من الرجم والإحصاء في الفقهيات أو القِدَم والحدوث في العقليات والحجاج والشجاعة والظلم من التاريخ وآداب المتصوفة، والله والعرش والجسم.١٤٩
ثم يتم التمييز بين الاستقراء والتمثيل، الاستقراء تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشتمل تلك الجزئيات، والتمثيل الحكم بالجزء على الجزء، والأمثلة من الفقه عديدة.١٥٠
وتلزم النتيجة من المقدمات بمعرفة وجوه الدليل. والأمثلة الفقهية عديدة، منها الاستغراق، والحد الأوسط. وهذا الإنتاج على سبيل التولد عند المعتزلة، واستعداد الذهن لفيضان النتيجة من واهب الصور المعقولة عند الفلاسفة، وتضمن المقدمات النتيجة بطريق اللزوم عند الأشاعرة أو بقدرة الله وإجراء العادة عند الغزالي أو بنور يقذفه الله تعالى في القلب عند الصوفية. وفي كل الحالات يثبت النظر ضد منكريه.١٥١
وينقسم القياس إلى قياس دلالة وقياس علة. قياس الدلالة أن يكون الحد الأوسط في المقدمتين معلولًا ومسببًا نظرًا لتلازم العلة والمعلول أو السبب والمسبب أو الموجِب والموجَب. فإن كان الاستدلال بالعلة على المعلول كان قياس علة. وإن كان الاستدلال بالمعلول على العلة أو الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر كان قياس دلالة. والأمثلة من الفقه كثيرة. قياس العلة من المحسوس إلى المعقول، وقياس الدلالة من المعقول إلى المحسوس. ولا تتأخر العلة عن المعلول في قياس العلة في حين يجوز تأخر الدليل عن المدلول في قياس الدلالة. مثال قياس العلة في الفقه الاستدلال بالسُّكر على التحريم، ومثاله في العادات علم الفراسة الذي برع فيه الشافعي؛ فقد كان صادق الحدس في التفرس. وأحيانًا تصل العلامات ليس فقط للاستدلال ولكن للتعجب من قدرة الله تعالى وعجائب صنعه واتساع قدرته.١٥٢
ومدارك الغلط في القياس سبعة: الأول: ألَّا تكون المقدمات صادقة بل تكون مقبولة بحسن الظن أو وهمية من الحس المعرض للخطأ. مثال ذلك: إنكار كون الله على العرش وكون الحروف قديمة، واعتبار جواز ذبح الحيوانات أو إيلام البريء بلا عوض أو تعويض قبيح. الثاني: أن يكون الخلل في الصورة في الأنماط والنظم. والأمثلة الفقهية على ذلك كثيرة، مثل: الحروف المشتركة الدلالة، وصدق المقدمات مجتمعة وظنها متفرقة أو العكس، صدقها متفرقة وظنها مجتمعة، والألفاظ المتواطئة. والثالث: ألا يكون النظم جامعًا للشروط التي تنتج القياس، مثل: اشتراك الحدود بين المقدمتين. والرابع: ألا تكون مفردات المعارف متمايزة بل مختلطة، مثل تداخل المنافع. والخامس: ألا تكون النتيجة غير المقدمة بل عينها ولكن استُعمل فيها للتلبيس لفظان مترادفان، مثل: قول الحنفي في تثبيت النية في زمان رمضان إنه صوم عين فلا يفتقر إلى التثبيت. والسادس: أن تكون المقدمات متمايزة مفصلة دون حدود مشتركة. والسابع: ألا تكون المقدمات أعرف من النتيجة بل مساوية لها أو أقل مما تنتفي معه الحكمة من القياس، استنباط المجهول من المعلوم.١٥٣
ويتم حصر مدارك الأقيسة الفقهية حتى لا تقعَ في الغلط. وهي مادة مستمدة من علم أصول الفقه مما يدل على أن وضْع المنطق الوافد في إطار المنطق الموروث هو تحويله إلى فروع لعلم أصول الفقه. والمدرك إما بأصل العلم؛ مثل وجوب الكفارة على الجماع أو ملحق به بالاستدلال؛ مثل الفرق بين جماع الأهل وجماع الأجنبي. وقد يكون الاستدلال لا بأصل العلة ولا وصفها بل من جملة المعاني المبهمة المناسبة أو المؤثرة.١٥٤ ويُحيل الغزالي إلى كتبه في الفقه وفي علم الأصول، مثل «المبادئ والغايات» و«شفاء الغليل».

والقسم الثاني «كتاب الحد» الذي يبلغ كمًّا نصْفَ «كتاب القياس». والعجيب تقدم القياس على الحد وتأخر الحد على القياس في حين أن التصور يُنال بالحد والتصديق يُنال بالقياس، وبالتالي يتقدم الحد على القياس عند المناطقة.

وللحد قوانين ستة. الأول: أن يكون جوابًا على سؤال في المحاورات أو عن بعضه بحيث تُعاد صياغة السؤال بحيث يصح الجواب عن مطلب هل. فهناك أسئلة خاطئة وبالتالي تكون إجاباتها خاطئة. ونصْف الإجابة في طريقة وضع السؤال. ويكون الحد إجابة على مطلب ما بشرح اللفظ لغويًّا أو للكشف عن مقوماته الذاتية أو إجابة عن مطلب لمَ للبحث عن العلة أو إجابة عن مطلب أي للتمييز بينه وبين شيء آخر. والثاني: التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات العرضية. والثالث: التفرقة بين الحد بالصفات الذاتية والرسم بالصفات العرضية. والرابع عدم اقتناص الحد بالبرهان. والخامس حصر مداخل الخلل في الحدود إما من جهة الجنس أو الفصل أو لأمر مشترك. والسادس حد المركب بالقول الشارح للفظ أو الرسم لأن الحدود للأفراد.١٥٥
وهناك امتحانات ثمانية في محك الحد. الأول: في حد الحد والاختلاف فيه بين حقيقته ونفسه وذاته، واللفظ المفسر بمعناه أو نصرة حدٍّ على آخر مع أن الشيء له وجود في اللفظ وفي الحرف وفي الأذهان وفي الأعيان. ويظل السؤال قائمًا بالنسبة للفظ «القرآن» أو لفظ «الإمام» وهي ألفاظ مشتركة. ويمكن إضافة لفظ الله أيضًا في التداول الشعبي. والثاني: الاختلاف في حد العلم بين المعرفة وهو حدٌّ لفظي وأضعف أنواع الحدود. والثالث: حد العرض، والرابع: حد الحادث، والخامس: حد المتضادين، والسادس: حد الحياة وما يلتبس معها روح ونفس. وهي ألفاظ قرآنية قد يخرج إحداها عن الحد وهو الروح بنص القرآن وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، والسابع: حد الحركة، والثامنة: حد الواجب في العقليات والفقهيات.١٥٦
ويمكن إجمال خلاصة «محك النظر في الآتي»:
  • (١)

    هو أصغر حجمًا وعمومية وأقل إتقانًا من «معيار العلم»، وجزء من مشروع الغزالي العام في إعادة بناء العلوم القديمة والاختيار بين أصلحها.

  • (٢)

    تغلب عليه النزعة الصوفية الإشراقية والتشبيهات الشعبية، مثل اعتبار المغالطات من عمل الشيطان.

  • (٣)

    نقد المعتزلة في نظرية توليد العلم وأصل العدل، والحسن والقبح العقليَّين، والتعويض عن الآلام.

  • (٤)

    نقد الفلاسفة في إثبات العلية والقول بالعادة في اقتران العلة بالمعلول والإحالة إلى «تهافت الفلاسفة».

  • (٥)

    نقد الفقه الحنفي وبعض أحكامه الفقهية كنموذج للمغالطات، وفي أضيق الحدود.

  • (٦)

    الدفاع عن الشافعية وأحكام المذهب الشافعي وضرب الأمثلة الفقهية منه، وغياب المالكية والحنبلية.

  • (٧)

    أولوية التحليلات العقلية على الشواهد النقلية، وغلبة أمثلة العقليات على أمثلة الفقهيات، وغياب لازمة «الله أعلم» أو «الله أعلم بالصواب».

  • (٨)

    اختفاء الوافد اليوناني كلية سواء أسماء الأعلام أو المصطلحات المعرَّبة، والإحساس بالجدة والابتكار خاصة على مستوى المصطلحات.

  • (٩)

    نقل المنطق القديم من مستوى التصورات إلى مستوى اللغة ومادة القياس، وتأخير الحدود على الأقيسة.

  • (١٠)

    نقد أصحاب التعليم ونظرية الإمام المعصوم كما هو الحال في «المستظهري».

(ﺟ) القسطاس المستقيم

وهو ذروة إبداع الغزالي في المنطق بعد عرضه نقلًا في «معيار العلم» في فن المنطق وعقلًا في «محك النظر» في المنطق. لذلك يخلو «القسطاس المستقيم» من عنوان فرعي ليحدد علمه أو موضوعه.

وهو ليس كتابًا في المنطق التقليدي كما هو الحال في «معيار العلم» و«محك النظر» وضعًا للمنطق الوافد الذي تحوَّل إلى موروث في إطار الموروث، تمثلًا للوافد وتنظيرًا للموروث. الباعث على تأليفه مناظرة جرتْ بينه وبين أحد الباطنية ونقد نظرية التعليم كما فعل من قبل في «فضائح الباطنية»، فهو كتاب جدلي في البداية، صوفي في النهاية، هو أقرب إلى منطق الجدل منه إلى منطق البرهان. وعلى هذا النحو يكون أضعف أجزاء الثلاثية. ويكون «معيار العلم» أقواها. فالكتاب أشبه بالمحاورة بين الإمامي والغزالي حول العلم والتعليم.١٥٧

كان الدافع على الإبداع هو البحث عن القسطاس المستقيم، ميزان العدل للحقيقة في مقابل موازين الشيطان. الرأي والقياس الذي هو في غاية التعارض والالتباس أو نظرية التعليم والجدال معها بالتي هي أحسن طبقًا للتوجه القرآني ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. الغاية تقويم مذهب التعليم بطريقة «إياك أعني واسمعي يا جارة» اعتمادًا على وزن المعقول بالمنقول كي يكون القول أسرع بالقبول وليس استناد المنقول إلى المعقول حتى لا يتخذ القرآن مهجورًا. فالنقل أساس العقل عند الغزالي وليس العقل أساس النقل، وهو يؤسس المنطق!

ويخلو من الوافد اليوناني كلية، لا أسماء ولا مصطلحات معرَّبة ولا أسماء لواقعٍ بيئي أو تاريخي. ويحضر الموروث الفارسي في بيت شعري واحد.

ويغلب الموروث الأصلي. ويتصدر لفظ القرآن ثم آيات القرآن ثم الحديث. ومن الأنبياء يتصدر إبراهيم الخليل وعدوه نمرود ثم محمد ثم نوح وموسى وعيسى ثم آدم. ومن الملائكة جبريل. ومن الصحابة علي. ومن العلماء الكسائي ثم ابن سيرين. ومن الفقهاء مالك. ومن الفِرَق المعتزلة ثم المتكلمون ثم المجسمة والمتأخرون، والأشعرية. ومن الطوائف النصارى ثم اليهود والمجوس. ومن البيئة الجغرافية دامغان وأصبهان واليمن.١٥٨
ويُحال إلى باقي المؤلفات المنطقية والكلامية والصوفية. فإعادة بناء المنطق المتكامل جزءٌ من مشروع عام للغزالي، إعادة بناء العلوم. يتصدر «جواهر القرآن»، ثم «معيار العلم»، و«محك النظر»، ثم «الإحياء»، و«الاقتصاد»، و«المستظهري»، و«العواصم». وفي الكتابَين الأخيرَين ردٌّ مفصل على الباطنية ومذهب التعليم.١٥٩ وفي «جواهر القرآن» عديدٌ من الموازين المقترحة في «القسطاس»، ومن العجائب الكثيرة في «الإحياء».

وهو طريق إبراهيم الخليل عندما حاجَّ خصمه وقال رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ويردُّ الخصم أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وهو الأوفق لطبعه والأقرب إلى فهمه. فتحدَّى إبراهيم فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ظانًّا أن العفو عن قاتل هو إحياء الموتى وقتْل البريء إماتة الحي. ولا يفهم هذا الجدل إلا بنور من الله وإشراق من النبوة.

القسطاس المستقيم إذن هو ميزان العدل الذي تزن به الأمور. وهو تعبير قرآني وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وهي موازين خمسون نزلها الله على أنبيائه، مَن تعلَّمها منهم فقد اهتدى. ومن انحرف عنها إلى الرأي والقياس فقد ضل وارتدى. والميزان في القرآن ليس هو ميزان التجار بل ميزان معنوي الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَوَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وأيضًا لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وأيضًا وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ وهو ميزان معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته. فالله هو المعلم الأول، وجبريل الثاني، والرسول الثالث. وليس من الإمام المعصوم. وهو ميزان القرآن. ولا يكفي القياس الذي يحصل من مقدمتين، الأولى تجريبية والأخرى حسية. كما أن الرأي والقياس حدثٌ وتخمين لا يُفيدان اليقين.

لم يبقَ إلا موازين القرآن الخمس. هي في الأصل ثلاثة: ميزان التعادل، وميزان التلازم، وميزان التعاند. ثم ينقسم ميزان التعادل ثلاثة أقسام، الأكبر والأوسط والأصغر فتصير الموازين خمسة.١٦٠
ولا ينقسم إلى أقسام أو أن تكون ذروته القياس، مقدماته ولواحقه أسوة بالكتابَين السابقَين. ومع ذلك يضم تسعة عناوين. ستة منها بلفظ الميزان مفردًا وجمعًا. والسابع في الاستغناء بمحمد عن المنطق، والثامن في طريقة نجاة الخلق بالتصوف، والتاسع في بطلان الرأي والقياس.١٦١ أكبرها الثامن عن بيان طريق النجاة من ظلمات الاختلافات ثم الأول في بيان الميزان الأكبر من موازين التعادل ثم الخامس في ميزان التعادل، والتاسع في إبطال الرأي والقياس، ثم السادس في موازين الشياطين لأهل التعليم، والسابع في الاستغناء بمحمد ثم الثالث في الميزان الأصغر ثم الثاني الميزان الأوسط ثم الرابع ميزان التلازم.١٦٢وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا. والفرق بين الموازين الثلاثة أن الأكبر يتسع لأشياء كثيرة، والأصغر عكسه، والأوسط بينهما.

ولما تميز «القسطاس المستقيم» بطابعه الخاص وخروجه على المألوف في «معيار العلم» و«محك النظر»، القياس المركز والقلب والبؤرة، ومقدماته ولواحقه فإنه يمكن عرضه طوليًّا جزءًا جزءًا للكشف عن مسار إبداعه في جدله.

والميزان الأكبر من موازين التعادل هو ميزان إبراهيم الخليل الذي استعمله مع نمرود الذي ادَّعى الألوهية لأنه يحيى ويميت، يحيى النطفة بالوقاع ويميت بالقتل. فتحداه إبراهيم فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. وأثنى الله على إبراهيم وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ وعجز نمرود. أصل حسي بالمشاهدة والتجربة وأوليات العقل، وهي نفس الأسس التي قام عليها تحريم الخمر في النظر الفقهي. كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، إذن كل نبيذ حرام بتواتر الشرع. ونفس القياس في العقليات، أن الإنسان ليس حادثًا بنفسه وأن له صانعًا. كل جائز له سبب، واختصاص الإنسان أو العالم جائز. إذن يلزم أن يكون له سبب.١٦٣

والميزان الأوسط في دليل ابراهيم أيضًا يقوم على أصلين أن القمر آفل وأن الإله لا يكون آفلًا استنباطًا من آية لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. وقد طبق الرسول هذا الميزان كما تكشف عن ذلك آيات أخرى، مثل قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ.

ويقوم أيضًا على أصلين: واحد تجريبي، وهو أن البنين لا يعذبون، والثاني يُعرف بالمشاهدة، أن البشر معذبون، والنتيجة نفيُ النبوة. وفي موضع آخر قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. فقد ادَّعى اليهود الولاية ولا يتمنون الموت إذن هم ليسوا أولياء.١٦٤
والميزان الأصغر مستمد أيضًا من آية وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ وهو قياس منتج يقوم على أصلين أن موسى بشر، وأن موسى أُنزل عليه الكتاب، فتكون النتيجة أن بعض البشر أُنزل عليه الكتاب فتبطل بها الدعوى العامة أنه لا ينزل على البشر كتابٌ أصلًا. وهو ما يعرفه اليهود ولكنهم أخفوه تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا. الأصل الأول معلوم بالحس، والثاني معلوم باعترافهم.١٦٥
أما ميزان التلازم فإنه مستمد من آية لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا، ومن قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، ومن لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ويقوم على أصلين: لو كان للعالم إلهان لفسد ومعلوم أنه لم يفسد، فينتج عنهما ضرورة نفي أحد الإلهين، قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. ولما لم يبتغوا فلزم نفيُ آلهة سوى ذي العرش. يُعلم الأصل الأول بالتجربة، والثاني بالحس والمشاهدة. ونظيره الفقهي إن كان بيع الغائب صحيحًا يلزم تصريح الإلزام، ومعلوم أنه لا يلزم تصريح الإلزام، فتكون النتيجة أنه ليس صحيحًا. يعلم الأصل الأول بالاستقراء الشرعي المفيد للظن وإن لم يُفِد العلم، والثاني بتسليم الخصم ومساعدته. وفي النظريات إن كان صنعة العالم وتركيب الإنسان مرتبًا محكمًا فصانعه عالم، ومعلوم أنه مرتب عجيب، إذن صانعه عالم. الأصل الأول عقلي، والثاني حسي. وإن كان صانعه عالمًا فهو حي. ولما كان عالمًا فهو حي. ولو كان حيًّا عالمًا فهو قائم بنفسه. فتستنبط كل الصفات بميزان التلازم.١٦٦

وميزان التعاند مستمد أيضًا من تعليم الله للرسول في آية قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وهو يقوم على أصلين: إنا وإياكم على ضلال مبين، ومعلوم أنَّا لسنا في ضلال، فتكون النتيجة إنكم في ضلال. ومثال ذلك في العقليات: الموجودات إما كلها حادثة أو بعضها حادث وبعضها قديم، ومعلوم أن كلها ليست حادثة، فتكون النتيجة أن منها قديمًا.

والفرق بين الموازين الثلاثة، التعادل والتلازم والتعاند أن الأصلين في التعادل متعادلان، وفي التلازم متلازمان، وفي التعاند حصر قسمين بين النفي والإثبات يلزم من ثبوت أحدهما نفْيَ الآخر. وهي من إبداع الغزالي تفرَّد بها في المصطلح والصياغة، واستمدها من القرآن. ولها أسماء أخرى عند المتأخرين. وعرفتْها باقي الأمم وتعلَّموها من صحف إبراهيم وموسى. تتفق مع الطباع وأوائل العقول وشهادة الحس والتجربة. وصيغته المثل الفقهي الشهير: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، إذن النبيذ حرام، أصلان وحَدٌّ أوسط ونتيجة. بل يتجاوز الميزان إلى عالم الغيب وتفسير الأحلام وقياس الغائب على الشاهد كما فعل ابن سيرين في تفسير حلم خاتم يختم به الأفواه والفروج بأن صاحبه سيكون مؤذنًا! ففي عالم الأرواح حقائق فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.١٦٧
أما أحلام الشيعة، أهل التعليم، بالإمام الغائب فإنها من موازين الشيطان التي تدخل من المنطق في «معيار العلم» مفصلًا، وفي «محك النظر» مجملًا. وقد ألقى الشيطان في خاطر إبراهيم بعض هذه الموازين من الشيطان وكما نبهت الآيات وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ إشارة إلى مبادرته إلى الشمس، وقوله هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ في قياسٍ ذي أصلَين. الشمس أكبر معلوم بالاتفاق، والشمس أكبر من الكواكب معلوم بالحس، إذن الشمس إله، وهو ضد ميزان التعادل، الميزان الأصغر. مثال آخر من مذهب أهل التعليم، أن الحق مع الوحدة والباطل مع الكثرة، ومذهب الرأي يُفضي إلى الكثرة ومذهب التعليم يُفضي إلى الوحدة، فيلزم أن يكون الحق مع مذهب التعليم، وهو ميزان الشيطان لأنه وصفٌ لمذهبَين متعارضَين، مذهب الحق ومذهب التعليم بوصف واحد. قياس آخر. الحق إما أن يُعرف بالرأي المحصن أو بالتعليم المحصن، وإذا بطل أحدهما ثبت الآخر، وباطل أن يكون مدركًا بالرأي لتعارض العقول فتثبت أنه بالتعليم. وهو ميزان الشيطان أيضًا الصفة بميزان التعاند وإغفال الفرق بين القسمة المنحصرة والقسمة المنتشرة التي تسمح بقسم ثالث وهو أن يُدرَك الحق بالعقل والتعليم معًا. وفساد ميزان الشيطان إما من سوء التركيب مثل كبر الشمس ووحدة الحق أو من مادة القياس مثل قياس النار على الطين في قول إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ جوابًا على مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قد تفسد المادة وتكمل الصورة، وقد تفسد الصورة وتكمل المادة كما هو الحال في المغالطة والجدل. وقد تفسد الصورة والمادة وهو القياس الكاذب. وقد تكمل الصورة والمادة وهو القياس الصحيح. فالخيرية تكون من نوع واحد مثل خيرية إبراهيم من ولد نوح وإن كان إبراهيم من آزر وهو الكافر، ونوح من نسل نبي. سد مدخل الشيطان إذن من المادة التي تستعمل في النظر، وأن يكون كل أصل معلومًا قطعًا إما بالحس أو بالتجربة أو بالتواتر الكامل أو بأوائل العقول أو بالاستنتاج منها جملة. أما استعمال حجج الخصوم في المجادلة فإنها قد تنقلب عليهم إن لم تكن معلومة في نفسها.١٦٨
والعجيب أن يؤجل الغزالي إبطال الرأي والقياس حتى النهاية بعد بيان طريق محمد، طريق النجاة. الرأي والقياس مثل قول المعتزلة يجب على الله رعاية الأصلح لعباده طبقًا لاستحسان العقول مقايسة للخالق على الخلق وتشبيه حكمته بحكمتهم. ويستعيد الغزالي مناقشة الأشعري مع الجبائي عن الإخوة الثلاثة، واحد في الجنة بعمله، وواحد في النار بعمله، وواحد مات وهو صغير قبل التكليف لا في الجنة ولا في النار. فلما اعترض أنه لو عاش لعمل صالحًا ودخل الجنة فهي أصلح له ردَّ الله بأنه لو عاش لعمل سيئات فكان الأصلح له أن يميته الله صغيرًا. فالحقيقة أن ذلك ليس قياسًا بل أحد جوانب أصل العدل وما ينتج عنه من القول بالواجبات العقلية. وكان الأصلح للبشر إدخالهم الجنة منَّةً من الله دون استحقاق في دار البلاء وامتحان في الدنيا. كما أخطأ المجسمة بقولها إن الله جسم لأنه فاعل صانع وكل فاعل صانع جسم قياسًا على الشاهد وهو قياس باطل لأن المقدمة الثانية كاذبة لا يمكن تصديقها بالاستقراء أو القسمة المنتشرة، وأكثر أقيسة المتكلمين من هذا النوع. وقد أدتهم أيضًا إلى إنكار الرؤية لأن كل مرئي جسم والله ليس جسمًا قياسًا للغائب على الشاهد. والمقدمة، كل مرئي جسم كاذبة. وقد تكون المقدمة الأولى صحيحة مثل العالم حادث، والثانية كاذبة، كل حادث مصور قياسًا على الشاهد ولا تصح إلا بعد السبر والتقسيم، أي الإحصاء الشامل وليس الاستقصاء الحاضر. على عكس نظر الرسول والقرآن، الميزان القسط، القسطاس المستقيم.١٦٩
لم يبقَ إذن إلا الاستغناء بمحمد وبعليٍّ وأمته عن إمام معصوم آخر بناء على صدْق محمد بطريق أوضح من النظر في المعجزات وأوفق منه وهو طريق العارفين.١٧٠ فالعصمة للرسول وليست للإمام تقليدًا للوالدين مثل اليهود والنصارى والمجوس. ولقد حذر القرآن من موازين الشيطان إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ولم يَقُل سافروا إلى الإمام المعصوم للأبصار. وإذا كان لا بد من تعليم من إمام فمن الله إلى جبريل إلى الرسول، وهو أوضح من النص والمعجزة وجميع المعارف الإلهية. بل إن أحوال المعاد متفقة مع ما جاء في القرآن من أخبار. فتثبت صدق الرسول بناء على معرفة الرجال بالحق وليس معرفة الحق بالرجال. ولا يحدث التصديق بالمعجزة إلا بعد بحث طويل ونظر دقيق. ولا يتعدى إيمان العوام والمتكلمين وليس أرباب المشاهدة الناظرين. وهذه الموازين لا توزن بها فقط المعارف الإلهية بل أيضًا العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية وكل علم حقيقي غير وضعي لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. والاختلافات لا تنقطع أبد الدهر حتى ولو كان رئيسُ الأمة وإمامها عليَّ بنَ أبي طالب وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.١٧١
والطريق إلى نجاة الخلق من ظلمات الاختلاف منصوصٌ عليه في آية وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فالناس ثلاثة أصناف وعلاجهم بالكتاب والحديد والميزان على التوالي: عوام وهم أهل السلامة، والبُلْه وهم أهل الجنة، وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة. ويتولد منهم طائفة أهل الجدل والشغب الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة. وعلاج الخواص بتعليمهم موازين القسط حتى يرتفع الخلاف بينهم لما يتمتعون به من قريحة نافذة وفطنة قوية وعطية فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها أولًا، وخلو باطنهم من التقليد والتعصب لمذهب موروث ومسموع ثانيًا، أن يعتقد في أهل البصيرة بالميزان حتى يمكن التعلم منهم وهو أشبه بالتقليد. والبُلْه وهم العوام ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت لهم فطنة فطرية. فهم غير مؤهلين للطلب لانشغالهم بالصناعات والحِرَف وليس لديهم داعية للجدل يتميزون من الأئمة لموعظتهم ما داموا غير قادرين على الحكمة، أو الجدل. وكما هو الحديث عندما جاء أعرابي الرسول يطلب منه أن يعلمه غرائب العلم: «وماذا عملت في رأس العلم، أي الإيمان والتقوى والاستعداد للآخرة؟ اذهب فاحكم رأس العلم ثم ارجع لأُعلمَك من غرائبه». والعامي غير مطالب بالبرهان ولا بالجدل بل بالإيمان بما في القرآن من عقائد وإن تشابه عليه شيءٌ يقول يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. واعتقد في الله كل ما ورد في إثبات الصفات ونفيها بأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ بالرغم من اختلافات الأشعرية والمعتزلة بتحريك شيطان الجدل كما ورد في الخبر «إن الله لا يُهلك قومًا إلا أن يؤتيَهم الجدل»، فعلاج هؤلاء الحوالة على الكتاب في الأصول وعدم الانشغال بالفروع بل بما اتفقت عليه الأمة في العقيدة والشريعة. ومَن قدر على الاجتهاد دون التقليد فله أجره، «من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». والاجتهاد مذكور في القرآن الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وكما هو الحال في حديث الرسول لمعاذ موليًا إياه قضاءَ اليمن. والشريعة مقدور عليها، ولا يجوز تكليف ما لا يُطاق مع أن التعليم والسفر إلى الإمام الغائب تكليف ما لا يطاق. أما أهل الجدل فيدعون إلى التلطف بالحق والجدل بالتي هي أحسن وتطبيق موازين الحق كما أورده الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد»، أو اللجوء إلى فطرته وإلا فالحديد لعلاج تعصُّبِه ولجاجه! الكتاب للعوام، والميزان للخواص، والحديد للمجادلين الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، المجادلون هم أصحاب النار، يمنعون من الجدال بالسيف والسنان؛ لأن الله يزعُ بالسلطان ما لا يزعُ بالقرآن. كما علَا عمر مَن سأل عن آيتين متشابهتين بالدِّرَّة، وكما قال مالك في الاستواء «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.» وميزان القرآن هو الحق وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لأن جميع العلوم غير موجودة بالقرآن بالفعل بل بالقوة مما يستدعي الخواص بالإحالة إلى الكتاب وتطبيق موازين العدل، وهي أفضل من الإمام المعصوم هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وتقليده. وكيف بأهل التعليم أن يتركوا العلم ويقعوا في التقليد؟١٧٢
وخلاصة القول:
  • (١)

    القسطاس المستقيم قد يكون أكثر كتب الثلاثية جدةً وابتكارًا لأنه يعتمد على استخراج أقيسة من الآيات القرآنية دون أسلمة منطق أرسطو كما فعل ابن حزم في التقريب والغزالي نفسه في «معيار العلم» و«محك النظر». وقد يكون أضعفها؛ لأنه خلوٌّ من المنطق البرهاني لحساب المنطق الجدلي في جدل إبراهيم مع قومه وجدل الغزالي مع أهل التعليم. ومنطق الجدل لإفحام أهل التعليم غير منطق البرهان الذي يوصل إلى الحقيقة. لذلك كانت إحدى المقدمتين مستقاة من الخصم حتى ولو كانت ذائعة أو مشهورة أو كاذبة. والأفضل تطبيق موازين العدل. ولا فرق بين مقدمة تجريبية وأخرى حسية، فالتجربة والحس والمشاهدة من نفس النوع.

  • (٢)

    إبراهيم الخليل نموذج المنطقي الذي يستدل على وجود الله ووحدانيته، ولكن ألَا توجد مآثر للعقل في العدل وفي الإيمان والعمل وفي الإمامة وفي باقي عقائد الإيمان؟ وما أبعد المسافة بين نظر إبراهيم والقياس الشرعي، بين التأمل النظري والحكم العملي.

  • (٣)

    يوجد إسهاب كثير في المقارنة مع الميزان الحسي، اللسان والكفتان والعامود مما يجعل التشبيهَ ساذجًا لوضوحه، والصورة تعليمية تربوية توضيحية أكثر مما يجب خاصة وأن الصورة معروفة من الآيات القرآنية. وتتم صياغة الكتاب بأسلوب المحاورات بالمنهج الروائي القصصي.

  • (٤)

    الحجاج ضد المعتزلة وأهل التعليم في آنٍ واحد بالرغم من بُعدِ المسافة بينهما، بين أصل التوحيد والعدل والتنزيه وخلْق الأفعال وبين مذهب التعليم والتقليد بل والحلول في الأئمة والعصمة.

  • (٥)

    يستعمل الغزالي مع المجادلين لغةَ الحديد والنار وسلاح التكفير، وقتل المرتد وهو ما يتنافَى مع المنطق والبرهان؛ فالجدل سلاح مزدوج بين الخصمين، ولا يمتلك أحدٌ الحقيقة، حيث لا حقيقة، ويستبعد الآخر لغياب منطق البرهان ومعيار الصدق.

  • (٦)

    كثرة الاعتماد على النصوص، الآيات والأحاديث، وأولوية النقل على العقل يجعل من المستحيل تأسيس منطق عقلي خالص لا يتطلب الإيمان بالقرآن مسبقًا، ويكون منطقًا إسلاميًّا خاصًّا، منطقًا للإيمان للمسلمين وحدهم وليس منطقًا عامًّا للبشر جميعًا فينقص المنطق عموميته وشموله.

  • (٧)

    بل إن هذا المنطق الإيماني يختفي كليةً لحساب التصوف والعرفان ونور اليقين. ومن ثَم لا يختلف عن مذهب التعليم الذي يعتمد على تقليد الإمام المعصوم. فالتصوف والتعليم تيار لا عقلاني واحد.

  • (٨)

    وكيف يكون المنطق نفسه الذي يقوم على الرأي والقياس هو المدخل إلى موازين الشيطان؟ إن لُبَّ المنطق وبؤرته القياس أو إعمال الرأي والنظر بالمعنى العام. وهو موقف منكري القياس الديني، يعتبرون إبليس أول مَن قاس وخلط بين الكيف والكم.

  • (٩)

    وكيف يكون القياس في الأمور الغيبية إلا قياسًا للغائب على الشاهد؟ وما فائدته في أمور المعاد والغاية منه استنباط حكم عملي فيما لم يَردْ فيه نصٌّ تحقيقًا للمصالح العامة. بل يتحول القياس في الأمور الغيبية إلى تفسير للأحلام كما حدث عند ابن سيرين.

  • (١٠)

    لا يوجد خلاف بنيوي بين مذهب التعليم الذي يقول بتقليد الإمام المعصوم وطريق محمد وطريق العارفين، تقليدًا بتقليد، وإلهامًا بإلهام. فكلاهما لا يقوم على الرأي والنظر. ولا فرق بين عصمة الإمام وعصمة الرسول، وغيبة الإمام وغياب الرسول.

  • (١١)

    القرآن هو الحل، به كل شيء، وما على العقل إلا الاتِّباع، وهو موقف الفقهاء النصيِّين، الحنابلة أهل السلف وليس موقفَ الحكماء.

  • (١٢)

    قسمة الناس إلى خاصة وعامة، إلى أهل البرهان وأهل التقليد يقسم المجتمع قسمين، ويؤصل تسليط فريق وطاعة فريق آخر، وكأنهما طبقتان أبديتان لا حَراكَ بينهما.

(٣) أقيسة الرسول

بلغت درجة الإعجاب بالمنطق عامة والقياس خاصة أن تم إعادة عرضه ليس باعتباره وافدًا من اليونان بل موروثًا من الرسول في الحديث عند الأنصاري أو من الفقه والأمثال العامية عند ابن حزم. ففي كتاب «أقيسة النبي المصطفى محمد » للإمام ناصح الدين عبد الرحمن الأنصاري المعروف بابن الحنبلي (٦٣٤ﻫ) لا يقال صراحة إن القياس هو القياس الوافد بل أقرب إلى القياس الفقهي وقسمته المشهورة إلى قياس علة، وقياس شَبه، وقياس دلالة، وهو أقرب إلى القياس «الاستقرائي» لأنه يستنبط العلة من الأصل ويستقريها في الفرع. فإن غابت العلة المباشرة كان الشبه وهو نوع من العلة غير المباشرة، الملائمة أو المناسبة. وهي أضعف من العلة المباشرة. وإن غاب الشبه فهي الدلالة، أي مجرد الحكم بالمصالح العامة وهي لازمة العلة، بالكيف دون الكم، بالمقصد الكلي دون الغاية الجزئية. ويزيد الأنصاري قياس الإحالة وهو الحكم بالمصلحة والاستدلال ورعاية المقاصد والمناسبة، وهو أضعف أنواع القياس.١٧٣

وربما القصد هو إثبات القياس الفقهي ضد منكريه مثل داود الظاهري. وقد يكون الهدف هو إثبات أن الموروث لديه أيضًا قياسه الخاص بالإضافة إلى قياس الفلاسفة والذي قد يُخطئ ويُصيب طبقًا لمقاييس البرهان. فالموروث ليس بأقل من الوافد. وقد يكون السبب هو عودة القياس من العلوم العقلية إلى العلوم النقلية بعد هجوم الغزالي عليها في القرن الخامس.

ومعظم الأحاديث مروية بلسان أحمد بن حنبل؛ فالمؤلف حنبلي، في صيغة «حدثنا أحمد»، وهو الأكثر، ثم التصديق على روايته بتخريج الصحيحين البخاري ومسلم، أو بصحيح واحد إما البخاري أو مسلم. وأحيانًا أخرى تكون الرواية عن البخاري «حدثنا البخاري» ويكون التصديق عليها وتخريجها في مسلم. وأحيانًا تكون الرواية من مسلم «حدثنا مسلم» ويكون التصديق عليها تخريجها في البخاري.١٧٤ وتوجد روايات أخرى من الرواة دون تخريجها من الصحيحين أو من مسند أحمد.١٧٥ وعمومًا يُعلن المؤلف عنه أحيانًا لفظه أو شرحه أو إحالته إلى كتاب آخر. وأحيانًا يوصف بأنه قياس آخر إقراري أي للتصديق. ويتم التقطيع أيضًا بلازمة: «وقال المصنف» أو «قال الشيخ المصنف».١٧٦

وقد تكون في صِيَغ تساؤلية فيكون الأصل من المحاور، والفرع من الرسول حتى يقوم المحاور نفسه بقياس الفرع على الأصل بداهة. وقد تكون الصيغة المقابلة والعكس وهو نوع من قياس الأولى، الثواب على الحلال قياسًا على العقاب على الحرام، وقياس فعل للآخرين على فعل الأنا ثوابًا. وقد يضع الرسول المقدمة ويطلب من المحاور التسليم بها ثم استنتاج الرسول منها النتيجة فيقتنع المحاور بها. وقد يكون القياس صورة فنية تبعث في النفس الإحساس بالفعل أو بالترك اعتمادًا على صور قرآنية مثل تشبيه الاغتياب بأكل لحم الأخ الميت.

وقد يكون القياس مثلًا بطريقة ضرب المثل. فإذا كان المثل واضحًا قيسَ عليه الممثول الأقل وضوحًا. وقد يتدخل بشرح القياس وتحديد نوعه، مثل قياس الترجيح وهو ما يعادل الرهان. وترجيح احتمال يكون فيه المكسب أكثر من الخسارة. وقد يكون القياس عدديًّا حسابيًّا لا تلوح منه المناسبة أو قياس الأولوية أو الشبه أو شرح أركان القياس. وقد يكون الشرح وضعًا للسياق القياسي وظرفه الاجتماعي كما يبيِّن أي الأقيسة يُعمل به وأيها لا يُعمل به. فالمنطق للاستعمال وليس مجردَ تمرين عقلي. ويتدخل المصنف بالتعليق وتوضيح القياس، مثل أنه قياس إثبات الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي حرصًا على التنزيه. كما يبيِّن مدى تكرار القياس وشيوعه في الفقه، المكان الطبيعي له. وقد يعتمد الشرح على أقوال بعض العلماء، مثل تفسير قياس فضل عائشة على سائر الناس على فضل الثريد على الطعام. وقد يكون القياس خاصًّا بالرسول ولم يَقِس عليه أحد من العلماء إما لخفائه أو لفرديته.

لا يوجد وافد على الإطلاق مما يدل على أنها قضية في الموروث أساسًا وليست في الوافد. ولا توجد حتى معركة مع نُفاة القياس والتعليل والاستحسان مثل ابن حزم خاصة وأن المؤلف حنبلي يقول بسلطة النص دون تعليل، وبحجة العقل دون النقل. إنما الذي يحضر هو أسلوب الاعتراض الفقهي والرد عليه مسبقًا.

ومع ذلك فيذكر أسماء حوالي مائة من المحدثين والرواة بأسمائهم أو كنياتهم ومنهم النساء والأبناء مما يجعل الإطار الفكري العام لأقيسة النبي هو الموروث الكلي بالرغم من اشتراك الموروث مع الوافد في لفظ «قياس». المعركة إذن في الداخل وليست في الخارج لإثبات القياس ضد منكريه من الحنابلة والأشاعرة والظاهرية أو الصوفية. ومَن يقبل القياس الشرعي في الداخل قد يقبل القياس الصوري في الخارج بعد تمهيد الثقافة الشعبية له.

(٤) نقد المنطق

وتنتهي دورة المنطق من تمثله عند الفقهاء وإعادة عرضه عند الحكماء إلى أخذ موقف منه عند الفقهاء ابتداء من إعادة عرضه من خلال الموروث كما فعل ابن حزم في «التقريب» إلى إعادة بنائه مع الموروث في منطق متكامل عند الغزالي في ثلاثيته الشهيرة «معيار العلم» و«محك النظر» و«القسطاس المستقيم» إلى بيان أن الرسول نفسه قد عرف القياس الفقهي ومن ثَم فهو قياس شرعي كما هو الحال عند الأنصاري في «أقيسة المصطفى» إلى نقد المنطق ورفضه وجعله مسئولًا عن الأخطاء في الإلهيات، لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد، من أجل إعادة فتح الفكر ضد الأنساق المغلقة والحث على النظر والاجتهاد بعيدًا عن القوالب والأشكال، وهو موقف ابن تيمية في «الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق».١٧٧

وربما يغلب على فكر ابن تيمية الجانب السلبي أكثر من الجانب الإيجابي، نقد المنطق أكثر من إعادة صياغة المنطق كما فعل الغزالي. فالهدم أقوى من البناء، واعتبار الغزالي منطقيًّا حاول التوفيق بين منطق اليونان ومنطق الأصوليين لحساب اليونان!

والوحي هو معيار النقد، والنقل مقياس العقل كما هو الحال في المدرسة السلفية قديمًا وحديثًا. وهنا يتوجه تنظير الموروث ضد تمثل الوافد بعد أن كان مكملًا له، وكان الوافد مساعدًا عليه.

وبالرغم من تداخل الإلهيات مع المنطق فإن نقد المنطق عن طريق القسمة الرباعية وترقيم الحجج يجعل من السهل معرفة أوجه النقد والأدلة عليه. فالوضوح سمة العقل والنقل في آنٍ واحد.

ويعود ابن تيمية إلى الشعر العربي الرصيد الأول للثقافة العربية قبل الإسلام وفي هذا العصر المتأخر الذي دونت الذاكرة الجماعية علومها في الموسوعات الكبرى فاستدعت الشعر كأحد مكونات ذكريات الطفولة الأولى.

توجد قدرةٌ على النقد والاعتراض والرفض والنقض في موقف الفقهاء من المنطق تُبدد شبهةَ التبعية والتقليد والنقل عن اليونان. يرفض الفقهاء مثل ابن تيمية منطقَ اليونان جملةً وتفصيلًا، ويوجد منطقٌ بديلٌ ما زال في مرحلة التكوين.

(أ) الرد على المنطقيين

وهي موسوعة ضخمة من موسوعات ابن تيمية لا تتعرض فقط للرد على المنطقيين بل وعلى كل الحكماء فيما يتعلق بنتائج المنطق وتطبيقاته في الإلهيات.١٧٨ وبه استطرادات كثيرة ثم عود إلى أصل الموضوع.١٧٩ وفساد المنطق إنما يرجع إلى فساد الإلهيات. فالإلهيات منطق معياري في الذهن وليس في الخارج. في حين أن المنطق التقليدي تصورات ذهنية طبيعية مجردة. ويمكن تصحيحه بالمنطق المعياري عندما يلتقي كلاهما في الشعور.١٨٠ تكثر أسماء الأعلام والنصوص والاقتباسات والاستشهادات، ويقلُّ فيه العرض النظري الخالص إلا في أجزاء قليلة خاصة بنقد المنطق مباشرة. وكان من الطبيعي أن يقوم الصنعاني بتلخيصه في «جهد النصيحة لأهل القريحة».١٨١

ويردُّ على الاعتراضات مسبقًا كما هو الحال في الأسلوب الإسلامي الفقهي. فهو كتاب سجالي مع الحكماء والمناطقة والمتكلمين والملاحدة والمتفلسفة والصوفية والباطنية والصابئة والجهمية والقدرية، والمجوسية واليهود والنصارى وكل الفرق الهالكة.

والنقل والعقل هما مقياسَا النقد. لذلك كثرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واللجوء إلى جدل الأنبياء في القرآن. وتتداخل المادة الفقهية مع المادة المنطقية كما هو الحال عند الغزالي. ويبدو علم أصول الفقه بمناهجه ومصطلحاته وكأنه هو المنطق البديل عن المنطق التقليدي الذي يجمع بين المنطق العقلي والمنطق الاستقرائي في آنٍ واحد.

ومن الوافد من أسماء الأعلام يتصدر أرسطو الوافد والموروث معًا. فهو واضع علم المنطق ومؤسس المدرسة المشائية. شرحه المسلمون ثم الإسكندر الأكبر، ثم ذو القرنين وهو غير الإسكندر، ثم بطليموس ثم أفلاطون، وفيثاغورس، ثم جالينوس وأبقراط، ثم فرفوريوس وثامسطيوس والإسكندر الأفروديسي وإبرقلس وسقراط. وذكر أرسطو مرة باسم المعلم الأول.١٨٢ أرسطو هو واضع المنطق اليوناني الذي تابعه الإسلاميون وقلَّدوه. وهو الواضع لشروط الحد ولمنطق التمثيل.١٨٣

وأرسطو هو وزير الإسكندر قبل المسيح بقرون أربعة وهو غير ذي القرنين الموحد بالله. ومن ملاحدة المتصوفة مَن اعتبر أرسطو هو الخضر في حواره مع موسى وهناك تسعة قرون فرق بين الخضر وأرسطو. كما يقال إنه صاحب مدين الذي تزوج موسى ابنتَه، هو أفلاطون اليوناني أستاذ أرسطو.

وأرسطو من عبدة الأوثان مثل المشركين العرب.١٨٤ وما قاله في «مقالة اللام» وهي آخر العلم الإلهي ومنتهاه ليس به دليل على قِدَم العالم. ثم دخل الشرك دين النصارى. وقد تعلم اليونان من بني إسرائيل. وذكر العامري أنهم أتَوا من اليونان إلى الشام، وأخذوا من الأنبياء داود وسليمان. وأخذ فيثاغورس معلم سقراط عنه. وأخذ أفلاطون الحكمة عن أفلاطون القبطي وهو موسى. لقمان الحكيم، وسقراط معلم أفلاطون، وأفلاطون معلم أرسطو. وكان الإسكندر قد غلب بني إسرائيل في الشام وطلب أن يكتب في التوراة ثم اكتفى أن يؤرخ به. وكان أبقراط من الصابئة دين الحنفاء مثل شريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى.١٨٥
ويشير إلى المنطق اليوناني، وفلسفة اليونان، وعبارات يونانية ودين اليونان والروم، واليونان تأكيدًا للتمايز بين اليونان والعرب. اليونان مشركون، عبدة الأوثان مثل المشركين العرب وكأن العقل والأخلاق لم يغفرَا لهم أساطيرهم في حين أن أرسطو عند بعض المؤرخين نبيُّ هذه الأمة، لو كان حيًّا زمن محمد لكان أحدَ الصحابة، وسقراط أحكم البشر.١٨٦ وقد ضل فيثاغورس وأتباعه وأفلاطون وأتباعه في اعتبار الأعداد والمثل موجودة في الأعيان لا في الأذهان. وقد ردَّ عليهم أرسطو.١٨٧
وقد عرفت الأمة الكتاب والحق والميزان ولم تسمع قط بمنطق اليونان وغير محتاجة إليه.١٨٨ عرف الناس التفكير قبل منطق يونان، فكيف يقال إنه لا يوثق بالعلم إن لم يَزِن به أو أن فِطَر بني آدم في الغالب لا تستقيم إلا به؟!
وقد دخل المنطق اليونان عند المتأخرين وظنوا أنه لا طريق إلى اليقين إلا هو. وأرسطو ليس سلطة. فكما نقد أرسطو القدماء يمكن نقد المتأخرين له. فلا نهايةَ للعلم ولا توقُّفَ للتطور.١٨٩
وتظهر بعض المصطلحات المعرَّبة هي أسماء كتب أرسطو، مثل السفسطة وسوفسطائي وسوفسطيقا، ثم قاطيغورياس، أنالوطيقا. كما يحال إلى المجسطي لبطليموس وما بعد الطبيعة أو مقالة اللام لأرسطو.١٩٠ والعقل في لغة اليونان جوهرٌ قائم بنفسه، وهو غير العقل المذكور في الحديث مناط الثواب والعقاب.١٩١
صحيح أن أرسطو هو المعلم الأول للمشائين أصحاب المنطق اليوناني وهو الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعيات والإلهيات والفلاسفة ليسوا من أمة واحدة. ولكلِّ أمة مقالاتها الطبيعية والإلهية، مثل اليهود والنصارى والمسلمين. فكيف يُصبح منطقُ أمة واحدة منطقًا للأمم كلها؟ كيف يُصبح منطقُ شعب واحد منطقًا للإنسانية كلها؟١٩٢
وأتباعُ أرسطو من الأولين إبرقلس والإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة. واتفاق هؤلاء لا يمثِّل إجماع الفلاسفة كلهم وما بينهم من اختلافات في الطبيعيات والإلهيات. وقد عزوا إلى أرسطو أنه أول مَن قال بقِدَم العالم.١٩٣ ثم عُرف أرسطو بالكتب المنسوبة إليه كما عُرف بطليموس بالمجسطي، وأبقراط وجالينوس بما نُسب إليهما من كتب الطب. وقد تواتر عنهم الاعتماد على الحس والتجربة في الرصد والعلاج.١٩٤

ومن الوافد البابلي تنكلد شاه البابلي وكتاب درجات الفلك، وكتاب طمطم الهندي.

ومن الموروث الأصلي يتصدر القرآن ثم الحديث. كما يذكر التوراة والإنجيل والقرآن. وتَرِد النصوص على دفقات على دفعات متتالية وكأن النص حجة بذاته. أكثر النصوص تُغني عن العرض النظري والتحليل العقلي.١٩٥ والحديث المشهور «كل مسكر حرام» ليس مقدمةً في قياس بل هو من جوامع الكلم.١٩٦ وقد وقع تنازع في اسم القياس هل يضم قياس الشمول والتمثيل وهو رأي الجمهور، أم أنه حقيقة في التمثيل مجازٌ في الشمول وهو رأي الغزالي والمقدسي، أو مجازٌ في التمثيل حقيقة في الشمول وهو رأي ابن حزم.١٩٧ وقد وضع الغزالي مقدمة المستصفى وأعلن أنه مَن لا منطقَ له فلا ثقةَ لنا بعلمه. وصنَّف في ذلك ثلاثيتَه الشهيرة، ونسبه إلى تعليم الأنبياء وهو في الحقيقة من أرسطو وابن سينا.
وفي الأنبياء يتصدر إبراهيم الخليل ثم موسى، ثم هارون ثم داود وسليمان ونوح وصالح ومريم. وكلُّ نبي معه عدوه، فرعون لموسى، والنمرود لإبراهيم. ومن الملائكة يذكر جبريل. علوم الأنبياء في مقابل علم المنطق على طرفَي نقيض، مثل علوم الصدق وعلوم الكذب بالرغم من أن العلماء ورثة الأنبياء، وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، ودرء تعارض النقل والعقل.١٩٨

ومن أسماء الأعلام يتصدر ابن سينا ممثل المشائين والذي عرض المنطق اليوناني ثم الغزالي الذي روَّج للمنطق اليوناني ثم الرازي. ثم يتداخل حكماء الصوفية الذين يشاركون المتفلسفين في الكفر مثل ابن عربي وابن سبعين.

ثم يأتي الأئمة الأربعة أنصار الحق وفي مقدمتهم أحمدُ بن حنبل ثم الشافعيُّ ثم أبو حنيفة ثم مالك. ثم يأتي المتكلمون الفقهاء؛ مثل الباقلاني وأبي البركات البغدادي، والقاضي أبي يعلَى، وأبي المعالي الجويني، والسهروردي المقتول، ثم ابن النوبختي والكِنْدي، والشهرستاني وابن حزم، والإسفراييني، ثم ابن فورك والسيرافي، ثم المحاسبي وأبي الأسود الدؤلي، ثم متَّى بن يونس، والقاضي عبد الجبار والخوارزمي وآخرين. يتداخل المتكلمون مع الفقهاء مع المحدثين.١٩٩ وكلهم أتباع أرسطو من المشائين المسلمين. تابع ابن سينا أرسطو في شِرْكه وقوله بالقوى الفلكية. وابن حزم من نصيرهم. أراد ابن سينا إصلاح أرسطو فوقع في شِراكه. فليس عند أرسطو حديثٌ في واجب الوجود. إنما حديثه عن العلة الأولى. وقد نقد القدماء أرسطو ولكن ابن سينا هو الذي ألَّهه. كما اتبع ابن رشد أرسطو والسهروردي والرازي والآمدي والطوسي.٢٠٠
وابن سينا مع الملاحدة الباطنية، الإسماعيلية العبيدية.٢٠١ وقد صنَّف أهل السنة والجماعة في الرد عليهم. آراء ابن سينا الجمع بين أقوال الفلاسفة وأقوال الأنبياء فخالفوا المعقول والمنقول.٢٠٢
ومن أسماء الكتب يأتي الغزالي في المقدمة ثم الرازي ثم ابن تيمية ثم ابن سينا، فعلمُ المنطق له أدبياتُه عند الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء.٢٠٣
ويذكر العرب بالتمايز مع اليونان، بعض العرب، لغة العرب، العربية.٢٠٤ وأسماء المواقع الجغرافية كلها من الموروث: الشام والعراق ومصر والحجاز وحران ومكة وبيت المقدس.٢٠٥
وهناك ما يزيد على مائة من الصحابة والرواة والمحدثين واللغويين ورؤساء الفِرَق الكلامية والمفسرين والمؤرخين والقواد والملوك والصوفية والمترجمين والفقهاء مما يدل على خروج «الرد على المنطقيين» من عمق الموروث واتساعه.٢٠٦ صحيح أن ما زاده المتكلمون في الكلام الإلهي خيرٌ من كلام أرسطو. ومع ذلك يظل كلام الفريقين أجهل من كلام اليهود والنصارى.٢٠٧
وفي الطوائف، ومعظمها ضالة يتصدر النصارى ثم اليهود ثم الصابئة من الملل، ثم الجهمية من المتكلمين، والصوفية أو المتصوفة ثم الشيعة والباطنية والإسماعيلية، ثم الملاحدة والمشركون والكفار، ثم القدرية والزنادقة والمجوس، ثم القرامطة، والهشامية، الضارية، النجارية، والكرامية، والمشاءون، والمنجمون، والمنافقون، والاثنا عشرية، والعبيدية.٢٠٨
وكلهم مزيفون يشير إليهم ابن تيمية بألفاظ الافتعال والتكلف، مثل المتفلسفة، المتكلمة، المتصوفة، المتفقهة. وقد استعملت كلها المنطق اليوناني.٢٠٩ وخلط الرازي بين علم المنطق والعلوم النبوية وقبله الفلاسفة، الغزالي وابن سينا والرازي والصوفية مثل السهروردي. هذه الفرقة الضالة هي من أتباع ابن سينا بعد أن مزجوا بين الكلام والتصوف.٢١٠ ما عند اليهود والنصارى أفضل مما عند الفلاسفة، وما عند المسلمين أفضل مما عند اليهود والنصارى نظرًا لتبديل شريعتهم أو نسخها.٢١١ ولا يوجد فلاسفة للإسلام بل متفلسفة، أي خارجون على الإسلام.٢١٢ وجود الشيء في الخارج عين ماهيته عند المتكلمين الصفاتية على عكس أتباع أرسطو من المتفلسفين المسلمين.٢١٣ عند أهل السلف العقل غريزة وعند نفاة الطبائع هو مجرد علم.٢١٤ وقد رفض المتكلمون المتأخرون، أبو المعالي، وأبو حامد، والرازي، والمقدسي أن يكون القياس في العقليات وجعلوه في الشرعيات فحسب.٢١٥
ويضع ابن تيمية المنطق في قسمة رباعية هي في الحقيقة ثنائية مزدوجة مرة سلبًا ومرة إيجابًا، على النحو الآتي:
  • (١)

    التصور لا يُنال إلا بالحد.

  • (٢)

    الحد يفيد العلم بالتصورات.

  • (٣)

    التصديق لا يُنال إلا بالقياس.

  • (٤)

    القياس يفيد العلم بالتصديقات.

وتختلف هذه القسمة كميًّا. أكبرها الرابعة وأصغرها الأولى. وتتدرج القسمة من الصغر إلى الكبر من الأولى حتى الرابعة.٢١٦
فالقسم الأول، التصور لا يُنال إلا بالحد ينقصها الدليل. والحادُّ يحتاج إلى حدٍّ قبل أن يبدأ حدَّه، والحد إلى حد إلى ما لا نهاية بحيث تستحيل المعرفة عودًا إلى الوراء. كما أن الأمم وأهل العلم والمقالات يعرفون الحدود الأولية دون حدود سابقة عليها مما يدل على استغناء التصورات عن الحدود. ولا يوجد اتفاق على الحدود بين العقلاء ومن ثَم ينتفي العلم. ويتعذر التعرف على الذاتيات المقومة للحد؛ إذ يحتاج الحد على الأقل إلى موضوع ومحمول من الكليات الخمس، النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض عام. والتصورات البسيطة لا تحتاج إلى حدود. والمستمع إن لم يكن عارفًا من قبل بمعنى الحدود فإنه لن يفهمها، مما يدل على إمكانية المعرفة قبل الحدود. كما أن الحادَّ يعرف المعاني قبل صياغة الحدود دون حاجة إلى سماعها أو قراءَتها من حادٍّ آخر. والإنسان قادر بحواسه أو بذهنه على تصوُّر الأمور دونما حاجة إلى حدود، وإذا كان الاعتراض على الحدود ممكنًا فإن المعترض تصور المعاني قبل صياغة الحدود. ومن التصورات ما يكون بديهيًّا ليس في حاجة إلى حدٍّ.٢١٧
والقسم الثاني، الحد يفيد العلم بالتصورات أيضًا غير صحيح.٢١٨ فالحدُّ، مفردًا أو مركبًا لا يفيد معرفة المحدود؛ لأن الحد مجرد قول الحادِّ ودعواه دون دليل، وخبر الواحد بلا دليل لا يفيد العلم كما هو معروف في منطق الأصول. ولو حصل تصور المحدود بالحد لحصل ذلك قبل العلم بصحة الحد نظرًا لإمكانية الاعتراض عليه وتصحيحه. كما أن معرفة المحدود تتوقف على العلم بالمسمى واسمه فقط مما يتطلب معرفة السامع لها. الحد مجرد منبِّه على ما في ذهن السامع، وليس معطيًا لمعنى. وهو ما اعترف به ابن سينا من أن من الأمور ما هو متصور بذاته. كما اعترف به الغزالي والرازي والسهروردي. وقد يعرف السامع المعنى ويجهل فقط دلالة اللفظ عليه. وتُثبت الترجمة أن المترجم يعرف المعنى قبل اللفظ المترجَم إليه. ومعرفة الحدود في الدين معرفة شرعية لا تأتي عن طريق الحدود. والحدود اللفظية أحد أنواع الحدود وليست كلها. كما تتطلب الحدود الاجتهاد والتأويل في فهم الألفاظ. ويمكن أن تطلب التصورات المفردة، ولكنَّ هذا المطلب قصدٌ شعوري، أي أنه معنًى قصديٌّ لم يحصل بالحد.
والتفرقة بين الذاتي والعرضي في الحد تفرقة باطلة؛ لأنه لا يوجد مقياس للتصنيف بين ما هو ذاتي وما هو عرضي، بين الماهية والوجود حتى مع التفريق بين الذاتي واللازم. واشتراط الصفات الذاتية المشتركة أمرٌ وضعي محض، أي علمي تجريبي لا دخلَ فيه للحد. وهو من عمل الذهن. كما أن اشتراط ذكر الفصول مع التفريق بين الذات واللازم مستحيل. فكلاها ظنون من عمل الوهم. كما تتوقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات، والذاتيات على ذاتيات أخرى مما يستلزم الدَّور. ويُعطي ابن تيمية أمثلة تطبيقية على استحالة حضور «العلم» و«الخبر» بالحد.٢١٩
والقسم الثالث، التصديق لا يُنال إلا بالقياس. فالبرهان لا يفيد العلم بشيء من الموجودات. البرهان يتعلق بعالم الأذهان وليس بعالم الأعيان. ولا يعلم بالبرهان واجب الوجود ولا العقول؛ لأن أشرف الموضوعات لا يمكن الإحاطة به ولا يتحول إلى موضوع منطقي. والعلم الإلهي عند الفلاسفة ليس علمًا بالخالق ولا بالمخلوق بل بموضوعات ذهنية من صُنْع الوهم. حلُّها في تحليل الأسماء والأفعال والحروف في كلام العرب.٢٢٠ والعلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتاضت به العقول. لذلك حوَّله إخوان الصفا وفيثاغورس من قبل إلى علم أخلاقي لتطهير النفس وعلاجها بالانسجام والتآلف في العدد والموسيقى والكون. ولا يتم كمال النفس إلا بمعرفة الله مع العمل الصالح وليس بمجرد معرفة الله أو بمجرد حصول علم الفلسفة. ولا يفيد الرهان أمورًا كلية واجبة البقاء في الممكنات. فالموضوع من نمط مخالف للمنهج في حين أن طرق الأنبياء في الاستدلال من نفس نوع موضوعها مثل قياس الأولى لإثبات البعث وحشر الأجساد، وقد صاغه الكِنْدي لأول مرة من آية قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، لذلك اختلف النظار في الأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد. وزعموا أن علم الله يحصل بواسطة القياس. كما يبطل القول بأن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين. المنطق مجرد أمر اصطلاحي، وضعه رجل من اليونان خاصًّا به وبقومه، وليس منطقًا للناس جميعًا في حين أن تعلُّمَ العربية فرضُ كفاية وليس كالمنطق. وليس الخضر هو أرسطو، ولا موسى هو أفلاطون القبطي. ولا يلزم الاستدلال بمقدمتين فقط إلا أهل المنطق. ويدافع ابن تيمية عن الغزالي المتصوف الأشعري لمحاولته التوفيق بين منطق اليونان ومنطق القرآن في ثلاثيته المعروفة، ناقدًا محاولاته لإبداع مصطلحات جديدة. والعبارة المنطقية تتسم بالركاكة والعي. وقد التبست على طائفة لم يتصوروا حقائقه. والاستقراء ليس استدلالًا بجزئي على كلي في حين أن قياس التمثيل هو اشتراك الجزأين في علة الحكم. ولا تعلم صحة القياس في قياس الشبه. ويعود الاقتراني والاستثنائي إلى معنى واحد. وقياس التمثيل لا يفيد إلا الظن عند المناطقة بخلاف الاستقراء.

وقد أورد النظار المسلمون إشكالات على قياس التمثيل يمكن الرد عليها. بل إن المنطق لم يُفِد المتفلسفة في شيء. فحقيقة التوحيد عندهم مجرد عمل ذهني، واحد لا يصدر عنه إلا الواحد، يجتمع فيه الخيال والوهم. في حين أن منطق الأصول الذي يقوم على تعليل الأحكام أكثر دقة وموضوعية وعلمًا.

والقسم الرابع، القياس يفيد العلم بالتصورات غير صحيح أيضًا.٢٢١ فالقياس المنطقي عديم التأثير في العلم. واستعمال طرق غير فطرية تعذيبٌ للنفوس بلا منفعة. وإذا كانت الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم فإن القياس لا يلزم منه شيء. لذلك لا تتوقف شريعة الإسلام على المنطق مثل العلم بجهة القبلة، واعتبار الجدي قياسًا لمعرفة القبلة بدعة. وكل ردود المتكلمين على الفلاسفة قياسًا بدع. وتتم المعرفة إجماعًا لا قياسًا مثل إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير وإثباتًا للآية كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. والعلم بالهلال أيضًا بالعين المجردة وليس بالحساب وكذلك العلم بطلوع الفجر. أما حساب أن عدد الأفلاك تسعة فلا دليل عليه. كما اختلف النظار في مدة بقاء العالم. وظنوا أن الحوادث جميعها سببها حركات الفلك. تطبيق القياس خارج حدوده إذن هو تكلم بلا علم في الشرعيات وفي العقليات مما يسبب مخاطر جمة. فملك الله تعالى ليس هو عقول الفلاسفة. بالإضافة إلى المعيار المزدوج عند المتفلسفة، القياس في الظاهر والباطنية في الخفاء كما هو الحال عند ابن سينا والعبيديين الإسماعيلية. لا يخرج القياس عن كونه من وضْع أرسطو ومشركي اليونان وأعداء الأنبياء مثل النمرود بن كنعان عدو إبراهيم، وموسى عدو فرعون. وأصل الشرك ليس فقط في تعظيم القبور بل في عبادة الكواكب وتأليهها. وقد نشأ هذا الشرك في حران، مهد الصابئة. واستمر في النصرانية بعد تحوُّل قسطنطين، في حين أن الأنبياء كلهم مسلمون. أما القياس وبالرغم من صحته لا يستفاد به في علم الموجودات. ولا يتوقف حصول العلم عليه.٢٢٢
ويُفصِّل ابن تيمية أربعة عشر وجهًا في نقد هذا القسم الرابع، القياس يفيد العلم بالتصورات. وتدور معظمها على أنه يمكن العلم دون القياس. فأصناف اليقينيات عند المتفلسفة ليس فيها قضية كلية وهي مادة القياس مثل الحسيات، والوجدانيات الباطنة. وزعمهم تساوي النفوس هو سبب ضلالهم في معرفة النبوات. ولا تستعمل القضايا الكلية في شيء من الموجودات نظرًا لتمايز عالم الأذهان وعالم الأعيان. ولا يوجد دليل عند المناطقة على حصر أقسام الوجود في المقولات العشر ولا الموجودات في الجواهر الخمسة. أما دليل إبراهيم الخليل فإنه دليل فطري ينتقل من الحادث إلى القديم، ومن المتغير إلى الثابت، يجمع بين الحس والعقل. وعالم الغيب ليس هو العالم العقلي عند الفلاسفة بدعوى التنزيه. ويقوم على إثبات المجردات في الخارج كما يفعل أفلاطون في المثل، وبالرغم من نقد أرسطو لها. إن أمور الغيب عند ابن تيمية ثابتة مشهورة لا تحتاج إلى قياس. وكل ما حاوله المتكلمون والفلاسفة أغاليط في أغاليط، وأقيسة مبنية على قضايا كلية لا علمَ لهم بها. واعتبار التوحيد واجب الوجود عند الفلاسفة يقوم على افتراض تطابق عالم الأذهان مع عالم الأعيان، وهما عالمان غير متطابقين.٢٢٣

إن المعين المطلوب علمه بالقضايا الكلية يعلم قبلها وبدونها. وقياس الشمول مبناه على قياس التمثيل، والكلي استقراء من الأجزاء. والكليات افتراضات ذهنية وليست احتمالات واقعية على عكس طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد. ولا يفسد الإمكان الخارجي بمجرد عدم العلم بالامتناع نظرًا للتمايز بين عالم الأذهان وعالم الأعيان. إن أشكال القياس معارضة للفِطَر وتعاليم الرسل الجامعة للأدلة العقلية والنقلية معًا.

ويرجع الاستدلال بالكليات على أفرادها في المنطق التقليدي إلى الاستدلال بالجلي على الخفي في منطق الأصول. وقد تنفع المقدمات الخفية بعض الناس في المناظرة. وقد اختلف الفلاسفة فيما بينهم وعظم الاختلاف وكما بيَّن الغزالي في «المقاصد» و«التهافت» حتى في فهمهم لواضع المنطق. لذلك ردَّ عليهم أعلامُ الإسلام مثل النوبختي في «الآراء والديانات»، وأبطل دعواهم في احتياج النتائج النظرية إلى مقدمتين.٢٢٤
ولا يدل القياس البرهاني على إثبات الصانع. فعلةُ الافتقار إلى الصانع تشبيهٌ وإسقاط وحديث إنشائي خالص بناء على قياس الغائب على الشاهد. وجنس القياس في تركيبه ليس دليلًا لأنه يقوم على المساواة بين الأشياء، والله متفرد بوجوده، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.٢٢٥
والتصور التام للحد الأوسط يُغني عن القياس المنطقي. ويمكن تحويل كل تصور إلى تصديق وكل تصديق إلى تصور مما يجعل القياس مجرد دور منطقي.٢٢٦ ومن الأقيسة ما تكون مقدمتاه ونتيجته بديهية، مجرد تحصيل حاصل، شكل للفكر دون مضمون.٢٢٧ ومن القضايا الكلية ما يمكن العلم به بغير توسط قياسي بالعقل أو بالتواتر.٢٢٨ والأدلة قاطعة على استواء قياسي الشمول والتمثيل. فالكلي يُردُّ إلى الجزئي، والجزئي أصل الكلي. وكل قياس في العالم يمكن ردُّه إلى القياس الاقتراني، أي إلى التلازم. ومع ذلك يبطل اقتران العلة بالمعلول في الزمان لإثبات حدوث العالم، بل هو اقتران ذهني طبقًا للعادة. الميزان العقلي هو المعرفة الفطرية للتماثل والاختلاف دون ما حاجة إلى أشكال القياس.٢٢٩
وليس عند الفلاسفة برهانٌ على علومهم الفلسفية؛ لأن مادة القياس مستمدة من الحسيات والأوليات والمتواترات والمجريات والحدسيات. والعلوم الفلسفية ليست من المجربات. ومع ذلك يمكن الاعتماد على سنن الله في الكون والتاريخ التي لا تنتقض بحال. والمتواتر عن الأنبياء أعظم من التواتر عن الفلاسفة مما جعل الفلاسفة أجهل خلق الله برب العالمين.٢٣٠
ويردُّ ابن تيمية على ابن سينا والرازي في القضايا المشهورة، الوهميات، أي الآراء المحمودة من اليقينيات مع أنها مع اليقينيات سواء في الدلالة فاقتضاء الفطرة لها واحد دون تمييز بينهما اعتمادًا على الماهية أو التلازم أو العقل أو قرن الشبيه بالشبيه؛ فالعلم هو القدرة على التعميم، وهذا في قدرة الله وحده أو اقتران العلة بالمعلول فهو أمر ذهني وليس وجوديًّا أو التضايف فهو أيضًا ذهني أو ضرورة التصديق لوجود الحد الأوسط أو اللازم؛ لأن اللزوميات لا تنتهي أو الضرورة دون الاحتمال أو العلية أو اللزوم الذاتي. فالرازي لا برهان له حتى بإثبات استحالة تسلسل اللزوميات. وقد ردَّ ابن سينا على الحكماء في تفريقهم بين الصفات الذاتية واللازمة. لا دليل إذن على أن المشهورات ليست من اليقينيات حتى ولو كانت تعني الحُسن والقُبح العقليَّين. فهناك المثبتون لهما كالمعتزلة، وهناك النافون لهما كالأشاعرة. وهي من اليقينيات الفطرية قبل القياس وصياغة أشكاله. هي من جملة القضايا الواجب قبولها؛ إذ إنها تعبِّر عن خاصة العقل والفطرة استحسان الحسن واستقباح القبيح. فهي معلومة بالفطرة، من لوازم الإنسانية. وقد ردَّ ابن سينا على نفسه في قوله بأنها لا تُدرك بقوى النفس دون أن يعني ذلك أن العقل بمجرده لا يقضي فيها بشيء. فالوجود كله مبنيٌّ على الحق والعدل. فالمنطق ليس فقط منطق عقل بل منطق وجود.٢٣١
ولا حجة للفلاسفة في تكذيبهم بأخبار الأنبياء الخارجة على قياسهم.٢٣٢ كما يبطل قولهم إن البرهاني والخطابي والجدلي هي المذكورة في آية ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. فالحكمة لفظ عربي وليست لفظًا يونانيًّا كما أن الحكمة، والموعظة الحسنة والجدل لا تعادل البرهان والخطابة والجدل عند المناطقة. الحكمة الإسلامية نتيجة لأخذ الله ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد بما في ذلك الصابئة، دين الحنفاء. أما إيمان الفلاسفة فكإيمان المنافقين والزنادقة واليهود والنصارى، يُظهرون غير ما يُبطنون، حتى ولو أقروا بوجود الصانع والمعاد؛ فاليوم الآخر في القرآن غيره عند الفلاسفة. معتقداتهم ضلال مثل قِدَم العالم وتأويل الآيات، وخلود الأفلاك والعقول والنفوس. كما ضلوا بنفي علم الله وغيره من الصفات بالرغم من أدلة القرآن والحديث على إثباتها.٢٣٣ أما نفيُ وجود الجن والملائكة والوحي فهو قول بلا علم.٢٣٤
ولا يفرق منطق الفلاسفة بين الحق والباطل؛ إذ يكتفي بصورة الفكر دون مضمونه بخلاف منطق الأنبياء.٢٣٥ ويخطئون عندما يجعلون علوم الأنبياء تحصل بواسطة القياس، وجعل حركة الأفلاك علة تامة للحوادث، والحوادث الماضية منتقشة في النفس الكلية. ولا يلزم علم النفس الكلية بكل ما يحدث من الأمور. ولا يمكن نفي كون الأرواح تُلقي الأخبار في نفوس البشر. والملائكة أحياء ناطقون وليست مجردَ صور خيالية كما يدَّعي الفلاسفة. وقد أتت الأخبار المتواترة بمجيء الملائكة في صورة البشر، ونزولهم لنصرة الأنبياء وتأييدهم وبأخبارهم وأدوارهم في الحوار مع الله بعد خلق آدم وعبادتهم وطاعتهم، وحملهم العرش. وبواسطتهم يدبِّر الله أمرَ السماء والأرض. وبواسطتهم يحصل العلم في قلوب الأنبياء. وقد احتار الفلكيون، والفلك من العلوم الفلسفية، في أمر الكعبة وما لها من التعظيم والماهية. الصواب من إلهام الملك والخطأ من إلقاء الشيطان. ولا يمكن معرفة الغيب بدون توسُّط الأنبياء على عكس ما يدَّعي الغزالي. النبوة ليست جزءًا من الفلسفة كما يريد الفلاسفة بل الفلسفة جزءٌ من النبوة كما يريد ابن تيمية. بل إن معيار الولايات عند العارفين هو لزوم الكتاب والسنة وليس الإتيان بالخوارق والمعجزات أو الفناء المذموم، الاتحاد بالله دون الفناء المحمود، الإخلاص لله. شهود الخلق شهود كذبة عند العارفين في حين أن شهود الشرع شهود صادقة عند المؤمنين. وإذا أمكن نفي الشفاعة الشركية فإنه لا يمكن نفي الشفاعة الشرعية الثابتة بالآيات والأحاديث. وتفسير الفلاسفة للشفاعة عن طريق توسُّط الكواكب والأفلاك أعظم شركًا من قول غيرهم. وتوسُّط البشر عند الحنفاء غير توسط العلويات عند الفلاسفة. والحكمة في إرسال الرسل بُشرَى إلى البشر وليس إلى الملائكة. والرسول مبلِّغ للقرآن عن الله وليس محدِّثًا له.٢٣٦

(ب) نقض المنطق

ولما كان من طبيعة المفكر الإسلامي القديم وربما الجديد التكرار؛ فقد كرر ابن تيمية «الرد على المنطقيين» في «نقض المنطق» بصرف النظر عن أسبقية التأليف. وكما كرر الغزالي «محك النظر» من «معيار العلم» وبطريقة أقل إحكامًا كذلك أتى «نقض المنطق» أقل إحكامًا من «الرد على المنطقيين». غلبت عليه الموضوعات الكلامية والعقائدية أكثر من الموضوعات المنطقية الفلسفية. الكلام هو الأساس والمنطق هو الفرع. فكثرت فيه الاستطرادات والخروج على الموضوع.

وغلب على الكلام العقائد السلفية عند الفقهاء وأئمة المذاهب وعلماء الحديث وأهل السلف. فأصبح الفقهاء هم العلماء، الفلاسفة والمناطقة، الحكماء والمتكلمون. ومن الفقهاء يتصدر الحنابلة والإمام أحمد ثم الشافعي والشافعية ثم مالك والمالكية ثم أبو حنيفة والحنفية مما يدل على سيادة الفقه الحنبلي.

ويخلو الكتاب من الأبواب والفصول التي تنتظم في بنية محكمة. ولا يذكر إلا ثلاثة فصول دون ترقيم.٢٣٧ الأول في الصفات والثاني في المنطق والثالث في القياس.

وبقدر حضور الإلهيات بتعبير الفلاسفة تغيب الطبيعيات. فالله موضوع مستقل بنفسه دون حاجة إلى العالم بعد أن سقط من الوعي الفلسفي ومن الممارسة التاريخية في آخر الفترة الأولى، القرن الثامن، من تطور الحضارة الإسلامية.

وهي فتوى فقهية ردًّا على سائل عن مذهب السلف في الاعتقاد ومقارنته بمذهب المتأخرين مما يتضمن تصورًا منهارًا للتاريخ، من الوحدة إلى الفرقة، ومن النجاة إلى الهلاك، وعن المنطق هل هو فرض كفاية؟٢٣٨ كما أنه سؤال يتضمن الإقصاء والاستبعاد، وتصويب فريق واحد وتخطئة باقي الفِرَق. سؤال يفترض أن الحقيقة واحدة وليست متعددة. لذلك أتت الإجابة أن الصواب في جانب الفقهاء من أهل السنة والحديث، والضلال من جانب المتكلمين والفلاسفة والصوفية، الكفرة الزنادقة الملاحدة. فالفتوى أولًا في علم الكلام ثم ثانيًا في علم المنطق. لذلك غلبت عقائد الفِرَق على كتب المنطق بالرغم من أن العنوان لا يشير إلا إلى المنطق ويستغرق الرد الكلامي ثلاثة أرباع الكتاب.
لذلك يشير ابن تيمية إلى الفرق بين المتقدمين والمتأخرين، بين الأوائل والأواخر، فالحق مع السلف والباطل عند السلف في تصور أيضًا منها للتاريخ من السنة إلى البدعة كما هو الحال عند السائل.٢٣٩
ومع أن الكتاب في «نقض المنطق» أي في نقد اليونان إلا أن الموروث غلب على الوافد بطريقة واضحة. ويتصدر الموروث الأصلي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.٢٤٠ وتكثر الآيات والأحاديث على عادة الفقهاء وكأن النص حجة بذاته دون تعقيل أو تنظير أو برهان حتى إن «نقض المنطق» يبدو وكأنه مجموعة من الآيات والأحاديث المتراصة، مجموعة أو متفرقة، اعتمادًا على حجة السلطة وليس حجة العقل.٢٤١ ويأتي الشعر كرصيد أول وأخير للثقافة الإسلامية منذ نشأتها حتى نهايتها في الفترة الأولى بما في ذلك شعر الندم على الفكر والجهد.٢٤٢ وقد تمت صياغة المقولات العشر شعرًا.
والقرآن له مستويات ثلاثة لترجمة معانيه وتفسيرها. الأول: ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف، وهو نافع للبعض الذي يقتنع ويكتفي بتفسير العبارة وهو ما يريده العامة. والثاني: ترجمة المعنى وبيانه وكيفية تصويره لمزيد من التفهيم، وهو ما لا يقدر عليه إلا الخاصة. والثالث: التحقق من صحة هذا المعاني وإيجاد الأدلة عليها العقلية والتجريبية، وهو مستوى العالم الخارجي الذي لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة.٢٤٣
ومن الأنبياء يتصدر نوح ثم موسى ثم هارون ولقمان ودواد وسليمان والمسيح. ثم يُذكر بنو آدم، البشر جميعًا نسبة لآدم.٢٤٤
ثم يتصدر الفقهاء والمتكلمون. ومن الفقهاء يتصدر الأئمة الأربعة أحمد بن حنبل والحنابلة ثم مالك ثم الشافعي ثم أبو حنيفة ثم الأوزاعي والثوري مما يدل على حضور مذهبَيهما في التاريخ ثم باقي الفقهاء تباعًا.٢٤٥
ومن المتكلمين يتصدر ابن كلاب والكلابية ممثِّل أهل السنة في الصفات ثم الأشعري والإسفراييني والغزالي ثم الجويني والرازي ثم الباقلاني من كبار الأشعرية.٢٤٦ ثم يتوالى الفقهاء والمتكلمون والأصوليون تباعًا مع صعوبة الفصل بينهما بالمئات مع تفاوت في الأهمية.٢٤٧ ومن الخلفاء والصحابة والتابعين، يروي عن أبي هريرة ثم عن عائشة وعمر ثم علي.٢٤٨
ويتوارى الفلاسفة أمام الفقهاء. ومع ذلك فمن الفلاسفة يتصدر ابن سينا. وبالرغم من إنكاره النبوة وجعلها تخيلًا إلا أنه أقر الشريعة العملية والواجبات الناموسية. ويُقر ابن سينا أنه «اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالمَ ناموسٌ أفضل من هذا الناموس المحمدي». كما ينتقص ابن سينا من قدر الصحابة ويُعلي من شأن الحكماء عليهم. أما ابن رشد فإنه يُنكر الصفات خوفًا من التشبيه.٢٤٩
ومن الصوفية يتصدر القشيري ثم ابن عربي وابن سبعين وابن القارض والسهروردي.٢٥٠ فابن عربي يفسر الآيات تفسيرًا رمزيًّا مثل قول نوح اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ أي العقل والطبيعة.٢٥١ ويرفع ابن عربي الولاية على حساب النبوة.
وتهمةُ الفلاسفة إنكارُ النبوة أو تأويلها أو تجهيل الأنبياء. ويُثبت الفلاسفة ذلك عن طريق القسمة. فإما أن يعلم الرسل الحقائق أو لا يعلموها، وإن علموها فإما يبيِّنونها أو لا يبيِّنوها، وإن بيَّنوها فإما للخاصة أو للعامة.٢٥٢ وهو قول الفارابي وابن سينا وكل حذاق الفلاسفة. فعند الفارابي النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة في الصور المحسوسة. وعند ابن سينا أنه ما كان يُحكى لموسى ولا لمحمد أن يبيِّن كلٌّ منهما لأمته، فظاظ العبرانيين أو جفاة العرب الحقائق على ما هي عليه. وهو ما أقره الغزالي والرازي أيضًا والباطنية والاتحادية والقرامطة وإخوان الصفا. الفلاسفة أنبياء صغار، والأنبياء فلاسفة كبار. الفلاسفة أعلم من الأنبياء في الأمور العلمية الصرفة، ولكنهم مثل الأنبياء في الأمور العملية الأخلاقية.
وتذكر أسماء عديد من المؤلفات كلها من الموروث ولا شيء منها من الموافد. ويتصدر بطبيعة الحال الصحيحان، ثم مؤلفات الغزالي، ثم رسالة عبدوس إلى أحمد، والفصوص، وعنقاء مغرب لابن عربي، ورسائل إخوان الصفا، والمثناة، ثم الفصل لابن حزم، والدقائق للباقلاني، وعبادة الكواكب والأصنام للرازي، والرد على الزنادقة والجهمية لأحمد بن حنبل، وبداية الهداية لعمر بن عبد السلام، والفصول عن الأئمة والفحول للكرجي، والجفر عن حوادث التاريخ وسقوط الممالك. ويذكر أحيانًا بعنوان «الجفر والحدثان» عن التنبؤ بالمستقبل وفلسفة التاريخ. فالغالب عليها علم الكلام أو علم الحديث أو علوم الفقه وليس علوم المنطق والحكمة.٢٥٣
ومن الملل والفِرَق والطوائف الفلاسفة والمتفلسفة والحكماء ثم ابن كلاب والكلابية ثم المتكلمون وأهل الكلام والمتكلمة ثم أهل السلف وأهل الإثبات وأهل الحديث وأهل السنة والجماعة، ثم الصابئة والرافضة، ثم الجهمية، ثم اليهود ثم النصارى، ثم الشيعة والمتشيعة. ثم الخوارج والباطنية والصوفية والقرامطة وأهل الأهواء والاتحادية والقدرية والإسماعيلية وفِرَقها. وكلها باستثناء أهل السنة والجماعة من الملاحدة والكفرة والزنادقة.٢٥٤ وواضح أثر حديث الفرقة الناجية على كتابة التاريخ والوعي بالفِرَق والطوائف. ويصدر الحكم الشرعي على الملاحدة والزنادقة والكفرة بالقتل.٢٥٥ وقد اتبعوا جميعًا ثلاثة طرق: التخييل والتأويل والتجهيل، تخييل النبوة، وتأويل النصوص، وتجهيل الرسول، وضرورة وجود إمامة أو ولاية لإظهار ما بطن منها.٢٥٦
ومن البيئة الجغرافية والتاريخية المحلية تذكر الشام ثم العراق ثم مصر والهند وخراسان.٢٥٧ ومن التاريخ الإسلامي يذكر السلاجقة ثم المتوكل ثم دولة المهدي ومحمود بن سبكتكين والمتوكل ثم دولة المهدي، وبنو بويه، ونور الدين محمود، والمعتضد، والرشيد.٢٥٨
أما الوافد فإنه لا يكاد يذكر مع أنه موضوع النقض، المنطق اليوناني. ويتصدر أرسطو واضع المنطق وأحيانًا المعلم الأول ثم ذو القرنين، وهل هو الإسكندر المقدوني أو غيره؟ ثم أفلاطون ثم فيثاغورس وسقراط.٢٥٩ وكلهم تلاميذ الأنبياء. فقد سافر هؤلاء الأساطين الأوائل إلى بلاد الشام وتعلَّموا من داود وسليمان باستثناء أرسطو الذي لم يسافر إلى أرض الأنبياء ولكنه تعلَّم من الصابئة والصابئية الصحيحة. وموسى هو أفلاطون القبطي بالرغم مما بينهما من ثمانية قرون، وهو الذي تزوج موسى ابنتَه والذي يُسميه الناس شعيبًا. وأرسطو هو الخضر عند الفلاسفة. ويعترض الفقهاء على هذا الخلط مع أنها قراءة الآخر من منظور الأنا، وإعادة بناء الوافد داخل الموروث. وذو القرنين في القرآن ليس هو الإسكندر المقدوني عند الفقهاء؛ لأن ذا القرنين كان موحِّدًا والإسكندر المقدوني كان مشركًا. وعند الفلاسفة الإسكندر موحِّدٌ بالله قام بالفتوحات لنشر رسالة التوحيد التي تعلَّمها من أرسطو. وسيرةُ الإسكندر مثل سيرة محمد الفاتح بعد توحيد شبه الجزيرة العربية لمحمد، والفتح بعد توحيد بلاد اليونان للإسكندر والانتشار شرقًا إلى فارس وأواسط آسيا.٢٦٠
وتتكرر حجج نقض المنطق في قسمته الرباعية من «الرد على المنطقيين» بدايةً برفض أن يكون تعلُّمُ المنطق فرضَ كفاية وأن مَن لا منطقَ له فلا ثقة بعلمه.٢٦١ إذ قد يحصل العلم بدون المنطق. فالأقيسة عند الحكماء خمسة: البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والمغلطي السوفسطائي. وطبقوا التخيل على النبوة. والمشهورات جزء من مادة الأقيسة وكذلك مقدمات الخصوم مما يجعله أقرب إلى الظن منه إلى اليقين، والفطرة تكذبه. ومَن يصدق بعلوم الأنبياء يجعلها حدسية من أوليات العقول. أراد الحكماء إدخال النبوة في المنطق لتوحيد الوافد والموروث، وأراد الفقهاء إخراج المنطق من النبوة حتى تظل النبوة منطق المسلمين ضد منطق اليونان. وقد فشلت محاولة السهروردي في التقريب بين المنطقَين في «حكمة الإشراق».

يستطيع الإنسان أن يعلم دون القياسات المنطقية، دون المقولات العشر والحدود، وقد تمت صياغة العلوم الدينية دون حاجة إلى منطق حتى قبل أن يعرَّب المنطق اليوناني. إنما استعمله أهل الكفر. والحق في الإلهيات قليل. وأغلبها في الأذهان وليس في الأعيان. والضلال مثل اليهود والنصارى والرافضة لإضلال الناس عن الحق.

استعمل الأوائل المنطق استعمالًا حسنًا فأفادوا الدين، وأصاغوه عربيًّا بعقول المسلمين، فوصلوا إلى كمال الإحاطة، ثم انحرف المتأخرون وضلوا وتركوا النبوة. وقد وضع المعلم الأول المنطق لمبتدعة الصابئة. وهي قسمان نظرية وعملية. النظرية مثل الحساب والرياضة، والعملية مثل إصلاح الخلق والمنزل والمدينة. قبل النبوة كان للمنطق فائدة، وبعدها أصبحت هي منطق المؤمنين. ولا يحتاج الإيمان بتوحيد الله وبرسله وباليوم الآخر، وهي أمور متلازمة إلى المنطق.٢٦٢

ويكرر ابن تيمية نقدَه للقسمة الأولى في المنطق، أن الحدود تُفيد التصورات في ستة عشر وجهًا. فالتصور البديهي لا يحتاج إلى حدٍّ. ولا يوجد اتفاق حتى الآن على حدٍّ من الحدود. والمتكلمون بها قليلون. وقد أتى الله بني آدم بالحس الظاهر والباطن عنها. والحدود أقوال كلية يحتاج كلٌّ منها إلى حدٍّ فيستحيل العلم ويلزم الدور. والحد لا يفهمه السامع إلا إذا عرف معناه مسبقًا دون حدٍّ. كما أنه يصعب التمييز بين الجنس القريب والفصل البعيد ليتم الحد. والأذهان تختلف فيما بينها بين الناس، ولا يوجد ذهنٌ نمطي واحد لكل البشر. ويصعب إدراجُ كلِّ الجزئيات داخل الحد الواحد. كلما قلت الجزئيات كان التمييز أسهل والحد أصغر. وكلما زادت الجزئيات كان التمييز أصعب والحد أشمل. ولا اشتراك في الجزئيات. ولمَّا علَّم الله آدم الأسماء كلها فإن ذلك يعني أن الحدود الأولى توقيفية. فهو نقدٌ عقلي خالص باستثناء النقد الأخير الذي يعتمد على النقل.

أما القياس المنطقي فإنه معروف من القياس الفقهي، كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. والقياس المنطقي لا يفيد إلا بكلية موجبة وحد أوسط وجزئية موجبة فلا ينتج عن سالبتَين أو جزئيَّتَين. ولا تعلم الأمور في الخارج إلا القياس التمثيلي، قياس الجزء على الجزء. وإذا لزمت الكلية فإنها تكون معلومة بطريق آخر غير القياس وإلا لزم الدَّور. فهناك علوم حاصلة في الذهن دون القياس. أما مادة القياس، الأوليات والحسيات والتجريبيات فهي يقينية بذاتها دون قياس.٢٦٣
والخلاصة المشتركة بين «الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق»:
  • (١)

    إنكار المنطق كلية واعتبار النبوة بديلًا عنه، ورفض كلِّ محاولة للعقل ذاته أن يضع قواعدَ للفكر، والعقل أساس النقل حتى لا ينغلقَ العقل على نفسه، ويُصبح الفكر ذاتًا وموضعًا في آنٍ واحد، والبقاء في عالم الأذهان دون الخروج إلى عالم الأعيان.

  • (٢)
    ليس لليونان ولا للمعلم الأول أيُّ فضل بالمرة؛ فالناس كانت تفكر قبله وبعده دون حاجة إلى منطق. وهو منطق خاص مرتبط باليونان لغة وثقافة ودينًا. بل إن الجيد فيه أخذه اليونان من الأنبياء بعد قدومهم إلى الشام. فالنبوة أصل العلم وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. الحدود توقيف.
  • (٣)

    القسوة على الحكماء واتهام الفلاسفة بالكفر والإلحاد والزندقة وما يستوجب ذلك من حكم شرعي بالردة والقتل ونسبة الكفر إليهم مع أن غرضهم كان تنزيهَ الذات، والبُعد عن التجسيم في أمور المعاد، وجعل الدين متفقًا مع العقل باسم الدين، والوصول إلى دين العقلاء.

  • (٤)

    وضع النبوة والمنطق على طرفَي نقيض إما … أو … النبوة تُغني عن المنطق، والمنطق بديل عن النبوة. مع أن الوحي والعقل نظامان متماهيان. ويصدق كلاهما في الطبيعة. النبوة بلا منطق مجرد حدس بلا برهان يتحول إلى إيمان أعمى. والمنطق بلا نبوة مجرد برهان بلا حدس، والانتهاء إلى التجريد والصورية.

  • (٥)

    جعل المنطق مسئولًا عن أخطاء الإلهيات تحميل المنطق ما لا يمكن حمله. بل لقد اعترف الغزالي أن منطقَ الفلاسفة منطقٌ صائب. إنما الخطأ في الإلهيات. المنطق آلة للعلوم كلها، ومَن لا منطق له لا ثقةَ بعلمه. المنطق مجرد وسيلة وليس غاية، منهج وليس موضوعًا.

  • (٦)

    الجانب الهدمي في المنطق أكبر من الجانب الإيجابي؛ إذ من السهل نقدُ المنطق الصوري، ولكن من الصعب إيجاد منطق بديل، منطق علمي يقوم على الملاحظة والتجربة. وهو ما حاوله الأصوليون في القياس الشرعي، باستثناء قياس الأولى منذ الكِنْدي.

  • (٧)
    بناء المنطق البديل على أسس غيبية مثل الميثاق الذي عقده الله مع بني آدم في عهد «ألست» كما يقول الصوفية عندما أشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقد لا يحتاج المنطق الأصولي هذا الأساس إذا كانت له مقوماته الذاتية وصدْقه الداخلي.
  • (٨)

    إدخال الشيطان كعامل في التعرف على أسباب الخطأ في القياس المغالطي. فالسفسطة لها قوانينها في نوع المقدمات وطرق إنتاجها واستنباط النتائج. ما زال المنطق البديل نوعًا من الإلهيات وغير منفصل عنها.

  • (٩)

    هناك تطور في المنطق من الأوائل إلى الأواخر، ومن المتقدمين إلى المتأخرين. وهو تطور سلبي، من اليقين إلى الظن، ومن الصواب إلى الخطأ، ومن الوحدة إلى الفرقة طبقًا للتصور العام للتاريخ، من الأفضل إلى الأقل فضلًا، ومن الأكمل إلى الأقل كمالًا.

  • (١٠)

    والسؤال الآن: إذا كان نقدُ المنطق القديم قد أفسح المجال لإقامة منطق جديد، فلماذا ينهار التاريخ من الأفضل إلى الأسوأ ويتقدم من الحالة الراهنة للنقد السلبي إلى حالة قادمة لمنطق إيجابي بديل، من المنطق الصوري إلى المنطق الشعوري حتى ينشأَ العلمُ في النفس من جديد، ويشقَّ طريقًا ثالثًا بين العقل القديم والمادة المعاصرة؟

١  الإمام ناصح الدين عبد الرحمن الأنصاري المعروف بابن الحنبلي (٦٣٤ﻫ)، كتاب أقيسة النبي المصطفى محمد ، تحقيق وتقديم أحمد حسن جابر، علي أحمد الخطيب، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ١٩٧٣م؛ ابن حزم، التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، تحقيق د. إحسان عباس، مكتبة الحياة، بيروت (د.ت).
٢  الغزالي، محك النظر في المنطق، دار النهضة الحديثة، بيروت، ١٩٦٦م؛ معيار العلم، مطبعة الكردي، القاهرة، ١٣٢٩ﻫ؛ القسطاس المستقيم، صححه الشيخ مصطفى القباني الدمشقي، مطبعة الترقي، القاهرة، ١٣١٨ﻫ/١٩٠٠م.
٣  ابن تيمية، نقض المنطق، حققه الشيخ محمد بن عبد الرازق حمزة، الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع، محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٧٠ﻫ/١٩٥١م؛ الرد على المنطقيين، نشر عبد الصمد شرف الدين الكتبي، المطبعة القيمة، بمباي، ١٣٦٨ﻫ/١٩٤٩م.
٤  «هذا هو حدُّ المنطق الذي تحذر منه الظنون وترك اليقين. قد كشفنا غامضه، وسهلنا مطلبه، وكفينا صاحبه تشنيع الجاهلين وشعوذة الممخرقين وحيرة المتوهمين.» ابن حزم، التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، تحقيق إحسان عباس، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت (د.ت).
٥  ابن حزم، في إبطال القياس والاستحسان والتعليل.
٦  السابق، ص٢٠، ٣١-٣٢، ٣٥، ٤٣–٤٥، ٦٢، ٦٧، ٧٣-٧٤، ٨٣–٨٨،  ٩٥، ٩٧–١٠٠، ١٠٢-١٠٣، ١٠٧–١١٠، ١١٣–١١٦، ١٣٢، ١٣٨ ، ١٤٠-١٤١،  ١٤٣، ١٤٨، ١٥٣، ١٥٦، ١٥٨، ١٦٠، ١٦٢، ١٦٦، ١٧١–١٧٣، ١٧٦،  ١٧٨–١٨٢، ١٨٤، ١٨٨، ١٩٠–١٩٢، ١٩٤-١٩٥، ١٩٧–١٩٩، ٢٠١.
٧  التوزيع الكمي من حيث عدد الصفحات، البرهان (٩٩)، الأسماء المفردة (٤٣)، الأخبار (٢٦)، المدخل (٢٥) البلاغة (٢)، الشعر (٢). وتبلغ نسبةُ كلٍّ من البلاغة والشعر إلى البرهان ١: ٥٠.
٨  أرسطو (٧)، فرفوريوس (٢)، الإسكندر (١).
٩  التقريب، ص١٥٧.
١٠  ماني (١).
١١  إيساغوجي، قاطيغورياس (٢)، أفوذقطيقا، أنولوطيقا، طوبيقا، سوفسطيقا (١).
١٢  القرآن (٥٧)، الحديث (٩).
١٣  الرسول (٢٧)، أبو العباس الناشئ، المبرد، أبو الفرج القاضي، أحمد بن عبد الملك بن شهيد، امرؤ القيس، بديع الزمان، جرير، الحسن بن هانئ، الحسن البصرى، زهير بن أبي سُلمَى، عبد الرحمن الزجاجي، علي بن عباس الرومي، عمرو بن عمر الجاحظ، المستظهر، المستكفي، النديم (١). نسبة الرسول إلى مَن يليه ٥ و١٣: ١، ثم لمن يليهم ٢٧: ١.
١٤  هو أدونيس في الجزء الثاني من «الثابت والمتحول».
١٥  الفصل (٥)، أخلاق النفس (٣)، السياسة، الجُمَل، اللمع، المقتضب، نقد الشعر (١).
١٦  السابق، ص٢–١٠.
١٧  السابق، ص٤-٥.
١٨  السابق، ص١٢–٣٥.
١٩  انظر كتابنا التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة، ١٩٨٠م.
٢٠  حديث «لولا أنَّ الكلاب أُمَّة من الأمم لأمرتُ بقتلها» والآيتان: هي وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، التقريب، ص٢٩-٣٠.
٢١  السابق، ص٣٦–٧٨، خاصة ص٦٢.
٢٢  السابق، ص٤٨، ٦٣، ٧٥.
٢٣  السابق، ص٣٧، ٦٦.
٢٤  السابق، ص٣٨، ٤١، ٤٥، ٥٥، ٦٨–٧٦.
٢٥  الوعيد اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، التهكم ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، التعجيز قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، السابق ص٤٠، والنعت مثل إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ص٤٢، القديم كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ص٧٥، حركة المخلوقات خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ.
٢٦  السابق، ص٧٩–١٠٤.
٢٧  السابق، ص٩٥.
٢٨  السابق، ص٣٩، ٩٩، ١٠٤.
٢٩  السابق، ص٨٠، ٩٧.
٣٠  السابق، ص٩٦.
٣١  السابق، ص٨٦، ٨٧-٨٨، ٩٠.
٣٢  السابق، ص١٠١.
٣٣  السابق، ص١٠٥–٢٠٣.
٣٤  السابق، ص١٠٦-١٠٧.
٣٥  السابق، ص١٤٠–١٤٣.
٣٦  مثل ليس شيءٌ من المسكرات حلالًا، أي ليس شيء من الحلال مسكرًا. السابق ص١١١.
٣٧  السابق، ص١١٧، ١٢١-١٢٢.
الشكل الأول
الضرب القياس اليوناني المثل الفقهي
كل إنسان حي كل مسكر خمر
الأول كل حي جوهر كل خمر حرام
كل إنسان جوهر كل مسكر حرام
كل إنسان حي كل مسكر خمر
الثاني لا أحد حيًّا حجر كل خمر ليست حلالًا
لا واحد إنسانًا حجر كل مسكر ليس حلالًا
بعض الناس حي بعض المملوكات حرام وطؤها
الثالث كل حي جوهر كل حرام يفرض اجتنابه
بعض الناس جوهر بعض المخلوقات فرض اجتنابها
بعض الناس حي بعض البيوع ربا
الرابع لا واحد من الأحياء حجر ليس شيء من الربا حلالًا
بعض الناس ليس حجرًا بعض البيوع ليس حلالًا
٣٨  السابق، ص١١٩، ١٢٢.
الشكل الثاني
الضرب القياس اليوناني المثل الفقهي
كل إنسان حي كل ذبح لما تملكه قد نهيت عنه
الأول لا واحد من الحجارة حي ليس شيء حلالًا مما نهيت عنه
لا واحد من الناس حجر ليس ذبحك لشيء لا تملكه حلالًا
لا واحد من الحجارة حي ليس شيء حلالًا مما نهيت عنه
الثاني كل إنسان حي كل ذبح لما لا تملكه نهيت عنه
لا واحد من الحجارة إنسان ليس حلال ذبحك لما لا تملكه
بعض الناس حي بعض الآباء كافر
الثالث لا واحد من الحجارة حي ليس كل أحد تجب طاعته كافر
بعض الناس لا حجر بعض الآباء لا يجب طاعته
بعض الحجارة ليس حيًّا بعض الفروج من الممتلكات لا يحل وطؤه
الرابع كل إنسان حي كل فرج زوجة من الممتلكات ليس مباحًا
بعض الحجارة ليس إنسانًا بعض الفروج من الممتلكات ليس مباحًا
٣٩  السابق، ص١١٩–١٢١.
الشكل الأول
الضرب القياس اليوناني المثل الفقهي
كل إنسان حي كل قاذف محصنة فاسق
الأول كل إنسان جوهر كل قاذف محصنة يُحدُّ
كل حي جوهر بعض الفاسقين يُحدُّ
كل إنسان حي كل المحرمين نُهيَ عن الصيد
الثاني لا واحد من الناس حجر ليس أحد من المحرمين مباحًا له النساء
بعض الأحياء لا حجر ليس بض المنهيين عن الصيد مباحًا لهم النساء
بعض الأحياء ناس بعض المصلين مقبول الصلاة
الثالث كل الأحياء جوهر كل مصلٍّ مأمور باستقباله الكعبة
بعض الناس جوهر بعض المقبول صلاتهم مأمور باستقبال الكعبة
كل إنسان حي كل مرضعة خمس رضعات حرام
الرابع بعض الناس جوهر بعض المرضعات خمس رضعات أم
بعض الحي جوهر بعض الأمهات حرام
كل إنسان حي ليس بعض القائلين بغير حق يقار منه
الخامس بعض الناس لا حجر كل قائل بغير حق فاسق
بعض الحي ليس حجرًا بعض من لا يقاد منهم فاسق
بعض الحي إنسان بعض الشروط مفسد للعقد
السادس لا واحد من الأحياء حجر ليس شيء من الشروط متقدمًا للعقد
بعض الحي لا حجر بعض المفسد للعقد لا يتقدم العقد
٤٠  السابق، ص١٢٧.
٤١  السابق، ص١٢٩.
٤٢  السابق، ص١٣٤.
عليٌّ أكثرُ فضائل من العباس.
العباس أقل فضائل من أبي بكر.
عليٌّ أكثر فضائل من أبي بكر.
٤٣  السابق، ص١٣٤.
عليٌّ أفضل من أبي هريرة.
أبو هريرة أفضل من معاوية.
عليٌّ أفضل من معاوية.
٤٤  وهو: المال ثلث وثلثان.
والمال للأبوَين وللأم منه الثلث.
الثلثان للأب.
السابق، ص١٣٥    
٤٥  وهو: كل وطء صح علمُ الواطئ بباطنه وظاهره وحكمه، فهو إما فراس وإما عهر.
وكل مباحة العين للواطئ فراش، وكل ما ليس فراشًا عهر.
والأمة المشتركة عهر، وكل ذي عهر عاهر.
فكلُّ واطئ أمة مشتركة عاهر.
وكل عاهر فله الحجر.
فكلُّ واطئ أمة مشتركة فله الحجر.
السابق، ص١٣٧    
٤٦  وصفُ شيءٍ بالإسكار وصفٌ بالتحريم.
ونبيذ التين إذا غُليَ وُصف بالإسكار.
التحريم واجب لنبيذ التين إذا غُليَ.
السابق، ص١٣٧    
٤٧  وهو: بعض الموجودات لم يزل.
لا موجود إلا الخالق والجوهر والعرض.
والذي لم يزل ليس هو الجوهر ولا العرض.
فهو الخالق عز وجل.
السابق، ص١٣٤-١٣٥    
٤٨  وهو: العرض ليس جسمًا.
والباري تعالى ليس عرضًا.
والجسم ليس عرضًا.
الباري تعالى ليس جسمًا.
٤٩  العالم أزلي.
الأزلي ليس مؤلفًا.
العالم ليس مؤلفًا، السابق، ص١٣٨–١٤٠.
كل مسكر حرام.
المسكر ليس حلالًا.
الحلال ليس مسكرًا.
٥٠  العالم لم يسبق المحدث.
ما لم يسبق المحدث محدث.
العالم محدث، السابق، ص١٣٩.
٥١  السابق، ص١٤٤-١٤٥.
٥٢  السابق، ص١٤٥–١٨٥، البرهان (٤٠ص)، الأغاليط (٤٠ص).
٥٣  السابق، ص١٣٣.
٥٤  السابق، ص١٤٦.
٥٥  السابق، ص١٤٧، ١٦٨–١٧١.
٥٦  وذلك مثل «ذكر أشياء تلتبس على قوم في طريق البرهان.» السابق، ص١٦٢-١٦٣؛ وأيضًا «باب أقسام السؤال عما تريد معرفة حقيقته مما يُرتقى إليه بالدلائل الراجعة، أي الأوائل التي قدمنا.» السابق، ص١٨٢–١٨٥؛ وأيضًا عمل العقل، السابق، ص١٩٠–١٩٩.
٥٧  السابق، ص١٤٩–١٥٦.
٥٨  السابق، ص١٥٠–١٥٤.
٥٩  السابق، ص١٧٤-١٧٥.
٦٠  «ذكر أشياء عدَّها قوم براهين وهي فاسدة وبيان خطأ مَن عدَّها برهانًا»، السابق، ص١٦٣–١٧٣.
٦١  السابق، ص١٦٣، ١٧٣.
٦٢  مثل لو كان الباري غير جسم لكن عرضًا.
ولما يثبت أن الباري ليس عرضًا.
الباري جسم، السابق ص١٧٤.
٦٣  السابق، ص١٥٦–١٦٢.
٦٤  مثل كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا؛ وحديث «لأن يهديَ الله بهداك رجلًا واحدًا أحب إليك من حُمُر النعم.» السابق، ص١٦١.
٦٥  السابق، ص١٧٦–١٨٢، وذلك قبل ديكارت بقرون.
٦٦  ويعتمد ابن حزم على آيات فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وحديث «الظن أكذب الحديث»، السابق ص١٧٨. وعلي آيات أخرى، مثل إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ، لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، السابق، ص١٨١.
٦٧  وهي: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، السابق، ص١٨٠.
٦٨  مثل يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، السابق، ١٧٨–١٨٠.
٦٩  «باب أقسام السؤال عما تريد معرفة حقيقته مما يُرتقى إليه بالدلائل الراجعة إلى الأوائل التي قدمنا.» السابق، ص١٨٢–١٨٥.
٧٠  يُحيل ابن حزم إلى «في أخلاق النفس»، و«أخلاق النفس والسيرة الفاضلة»، و«السياسة» والفصل، السابق، ص١٨٠-١٨١.
٧١  السابق، ص١٨٥–٢٠٣.
٧٢  مثل وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، السابق، ص١٨٦.
٧٣  السابق، ص١٩٨–٢٠١.
٧٤  اعتقله المستكفي السلطان الجائر الظالم قليل الدين كثير الجهل الذي لا يؤمن قتله بتهمة صحبة المستظهر الذي أثار العيارون المستكفي عليه، فقتله واعتقل ابن حزم الذي ألَّف «التقريب» وهو في الغربة عن الأهل والوطن، ضحية للظلم والعدوان ومجاهرة بالحق. السابق، ص٢٠٠-٢٠١.
٧٥  باب كيفية أخْذ المقدمات من العلوم الظاهرة عند الناس بإيجاز. السابق، ص٢٠١–٢٠٣.
٧٦  السابق، ص٢٠٤-٢٠٥.
٧٧  السابق، ص٢٠٦-٢٠٧.
٧٨  وذلك مثل:
الليل ليل والنهار نهار
والبغل بغل والحمار حمار
والديك ديك والحمامة مثله
وكلاهما طيرٌ له منقار
٧٩  مثل:
ألِف السقمُ جسمَه والأنينُ
وبراه الهوى فما يستبين
لا تراه الظنونُ إلا ظنونا
وهْو أخفى من أن تراه الظنونُ
قد سمعْنا أنينَه من قريب
فاطلبوا الشخصَ حيث كان الأنينُ
لم يَعِش أنه جليدٌ ولكن
ذاب سُقْمًا فلم تجدْه المنونُ
٨٠  معيار العلم (عدد الصفحات) (١٧٦)، محك النظر (١٤١)، القسطاس المستقيم (١١٠).
٨١  معيار العلم، ص٤٠.
٨٢  الغزالي، معيار العلم في فن المنطق، المطبعة العلمية، القاهرة، ١٣٢٩ﻫ.
٨٣  السابق، ص٢٢، ١٩٥.
٨٤  السابق، ص٦٧–٦٩، ٩٦.
٨٥  السابق، ص١٠٧-١٠٨.
٨٦  تهافت الفلاسفة (٦)، المبادئ والغايات (٢)، تحصين المآخذ، ميزان العمل (١).
٨٧  وإذا كانت السعادة في الدنيا والآخرة لا تُنال إلا بالعلم والعمل، وكان يشتبه العلم الحقيقي بما لا حقيقة له، وافتقر بسببه إلى معيار فكذلك يشتبه العمل الصالح النافع في الآخرة بغيره، فيفتقر إلى ميزان تدرك به حقيقته فالتصنيف كتابًا في ميزان العمل كما صنفنا في معيار العلم، السابق، ص١٩٥.
٨٨  كتاب القياس (عدد الصفحات) (٧٤)، مقدمات القياس (٤٢)، كتاب الحد (٢٥)، أقسام الوجود وأحكامه (٢٠) ونسبة القياس إلى المنطق كله ٧:٥، السابق ص٣٤.
٨٩  السابق، ص٣٦، ٦٧–٦٩، ١٤٥.
٩٠  السوفسطائية، السابق، ص١٢٦-١٢٧، ١٣٩؛ أسطقس، ص١٦٩.
٩١  القرآن (٢٤)، الحديث (٢).
٩٢  السابق، ص٣٢-٣٣.
٩٣  أبو بكر، أبو حنيفة، الشافعي (١)، الحنفي (٤)، فقهاء الشافعية (١).
٩٤  الفلاسفة (٤)، الفلاسفة القدماء (١)، اصطلاح الفلاسفة (١).
٩٥  المتكلمون (٣)، أقيسة المتكلمين، اصطلاح المتكلمين، لغة المتكلمين، واليهود والنصارى (١).
٩٦  السابق، ص٣٤.
٩٧  مثل وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، والصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ، أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ، السابق، ص٤٨.
٩٨  السابق، ص٣٥–٤٨.
٩٩  السابق، ص٤٨–٦٣.
١٠٠  السابق، ص٦٣–٧٦.
١٠١  السابق، ص٦٥، ٦٩، ٧٢–٧٦.
١٠٢  السابق، ص٧٧–١٠٥.
١٠٣ 
المقدمة الكلام الفقه
صغرى كل جسم مؤلف كل مسكر خمر
كبرى كل مؤلف محدث كل خمر حرام
نتيجة كل جسم محدث كل مسكر حرام
١٠٤  و«أنت إذا أخطأت بالمعاني التي حصلناها لم تعجز عن ضرب المثال من الفقهيات والعقليات المفصلة أو المبهمة.» السابق، ص٧٨.
١٠٥ 
الضرب المقدمة الصغرى المقدمة الكبرى النتيجة
الأول كل مسكر خمر كل خمر حرام كل مسكر حرام
الثاني كل مسكر حرام لا خمرَ واحدًا حلالٌ لا مسكرَ واحدًا حلالٌ
الثالث بعض الأشربة خمر كل خمر حرام بعض الأشربة حرام
الرابع بعض الأشربة خمر لا خمرَ واحدًا حلالٌ ليس كلُّ شراب حلالًا
١٠٦  السابق، ص٨٨-٨٩.
١٠٧  السابق، ص٨٩-٩٠.
١٠٨  السابق، ص٩٠-٩١.
١٠٩  «ومن هذا القبيل قولك الله عالم بعلم لا بنفسه؛ لأنه لو كان عالمًا لكان عالمًا بعلمٍ قياسًا على الإنسان. فيقال ولمَ قلت إن ما يُنسب للإنسان يُنسب لله؟ فتقول لأن العلة جامعة. فيقال العلة كونه إنسانًا عالمًا أو كونه عالمًا فقط. فإن كان كونه إنسانًا عالمًا فلا يلزم في حق الله مثله. وإن كان كونه عالمًا فقط فاطرح الإنسان وقُل كل عالم فهو عالم بعلم، والباري عالم فهو عالم بعلم. وعند ذلك إنما ينازع في قولك كل عالم فهو عالم بعلم، فإن ذلك لم يكن أوليًّا لزمك أن تبين بقياس آخر لا محالة.» السابق، ص٩٥.
١١٠  مثال القياس المركب: العالم إما أن يكون قديمًا أو محدثًا. فإن كان قديمًا فهو ليس بمقارن للحوادث، لكنه مقارن للحوادث من قبل أنه جسم، والجسم إن لم يكن مقارنًا للحوادث يكون خاليًا منها، والخالي من الحوادث ليس بمؤلف ولا يمكن أن يتحرك فإن العالم محدث، السابق ص١٠٣، وأيضًا: كل جسم مؤلف وكل مؤلف مقارن لعرض لا ينفك عنه. وكل عرض فحادث، وكل مقارن لحادث فلا يتقدم عليه، وكل ما لا يتقدم على حادث فوجوده معه، وكل ما وجوده مع الحادث فهو حادث، إذن العالم حادث، السابق، ص١٠٤.
١١١  السابق، ص١٠٢–١٠٥.
١١٢  السابق، ص١٠٥–١٢٠.
١١٣  السابق، ص١٠٩–١١١.
١١٤  السابق، ص١١٢–١١٥.
١١٥  السابق، ص١١٥–١٢٠.
١١٦  مثل لفظ نور في اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ومكان الوقف في وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ والذهول عن الإعراب في اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، السابق، ص١١٧.
١١٧  مثل وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا، السابق ص١١٩.
١١٨  السابق، ص١٢٠–١٢٦.
١١٩  وموضع المنع فيه وصف الله بالرحمة على الوجه الظاهر الذي فهمه العامة، والله تعالى مقدَّس عنه. بل إن لفظ الرحمة والغضب مؤوَّل في حقه كلفظ النزول والمجيء وغيرهما. فإذا أخذنا بالظاهر وسلم لا عن تحقيق لزمت النتيجة الكاذبة. وكونه رحيمًا بالمعنى الذي تفهمه العامة مقدمة ليست أولية وليس يدل عليها قياسٌ بالشرط المذكور. فمحل الغلط ترك التأويل في محل وجوبه، وعلى هذا ترى تناقض أكثر أقيسة المتكلمين. فإنهم ألفوها من مقدمات مسلَّمة لأجل الشهرة ولتواضع المتعصبين لنصرة المذاهب عليها من غير برهان ومن غير كونها أولية واجبة التسليم، السابق، ص١٣١.
١٢٠  السابق، ص١٢٦–١٤٠.
١٢١  الزنا لا يوجب المحرمية فلا يجب حرمة النكاح، فإن تحريمَ النكاح وحلَّ النظر متلازمان. وهما نتيجتان للوطء المقتضي حرمة المصاهرة. السابق، ص١٤٠–١٥٠.
١٢٢  السابق، ص١٤٠-١٤١.
١٢٣  السابق، ص١٤١–١٥١.
١٢٤  السابق، ص١٥٠–١٦١.
١٢٥  التراث والتجديد، ص١٤٠–١٤٦.
١٢٦  السابق، ص١٦١–١٧٥.
١٢٧  السابق، ص١٧٥–١٩٥.
١٢٨  السابق، ص٦٣، ٧٦، ٨٩، ١٠٢، ١٢٠، ١٤٠، ١٨٤.
١٢٩  السابق، ص٧٢، ٣٨، ٥٦-٥٧.
١٣٠  «فإني قلت إني فهمت الآن شدة الحاجة إلى هذا الكتاب بما أوضحته من التحقيق ثم اشتدت رغبتي بما أوردته من التشويق، واتضح لي غايته وثمرته فأوضح مضمونه.» السابق، ص٣٢.
١٣١  الغزالي، محك النظر في المنطق، دار النهضة الحديث، بيروت، ١٩٦٦م، ص١٤٥؛ شروط القياس (٩١)، محك الحد (٤٣).
١٣٢  المبادئ والغايات؛ شفاء الغليل (٢)؛ تهافت الفلاسفة؛ معيار العلوم (١).
١٣٣  محك النظر، ص٨، ١٥.
١٣٤  السابق، ص٦.
١٣٥  السابق، ص٤٠.
١٣٦  الحديث (٧)، القرآن (٥)، الفقهاء (٧)، الشافعي (٥)، المتكلمون (٤)، المنطقيون، المعتزلة (٣)، المعتزلي، النحويون، الفلاسفة، المسلمون، اليهود، النصارى (١). الحجاج (٢)، الحنفي، أبو حنيفة، ابن الماجشون (١)، ابن آدم (١)، عربي، هندي (١)، الحجاز، مكة (٢)، العراق (١).
١٣٧  محك النظر، ص٩٤–١٤٤.
١٣٨  السابق، ص٨٢.
١٣٩  السابق، ص١٧–٢٢، ٣٢-٣٣، ٤٨، ٥٢.
١٤٠  «الأنس بهذه الألفاظ الغريبة، فإني اخترعت أكثرها من تلقاء نفسي؛ لأن الاصطلاحات في هذا الفن ثلاثة: اصطلاح المتكلمين والفقهاء والمنطقيين. ولا أوثر أن أتَّبعَ واحدًا منهم فيقصر فهمُك عليه، ولا تفهم اصطلاح الفريقَين الآخرَين، ولكن استعملتُ من الألفاظ ما رأيته كالتداول بين جميعهم واخترعت ألفاظًا لم يشتركوا في استعمالها حتى إذا فهمت المعاني بهذه الألفاظ. فما تصادفه في سائر الكتب يمكنك أن تردَّه إليها وتطَّلعَ على مرادهم منها.» السابق، ص٤٨-٤٩.
١٤١  السابق، ص٣٠.
١٤٢  السابق، ص٣٧، ٨٣، ١٣٥، ١٣٦.
١٤٣  السابق، ص٤٤، ٩٦، ١٠٠، ١٣٥، ١٤٣.
١٤٤  اللواحق (عدد الصفحات) (٧٧)، محك القياس في المقاصد (٢٨)، في السوابق (٢٦).
١٤٥  محك النظر، ص١٣، ٣٢–٣٤، ٣٦-٣٧.
١٤٦  وهي نفسها في «معيار العلم» وبطريقة أوضح وأشمل لم نشأ تكرارها من جديد؛ معيار العلم، ص٧٧–٨٩؛ محك النظر، ص٤٠–٥٤.
١٤٧  السابق، ص٥٤–٥٧.
١٤٨  السابق، ص٥٧–٦٨.
١٤٩  السابق، ص٦٨–٧٢.
١٥٠  السابق، ص٧٢-٧٣.
١٥١  السابق، ص٧٤–٨٠.
١٥٢  السابق، ص٨٠–٨٢.
١٥٣  السابق، ص٨٣–٩٤.
١٥٤  السابق، ص٩٤–١٠٣.
١٥٥  السابق، ص١٠٢–١١٨.
١٥٦  السابق، ص١١٨–١٤٤.
١٥٧  الغزالي، القسطاس المستقيم، صححه والتزم طبعه الشيخ مصطفى القباني الدمشقي، القاهرة ١٣١٨ﻫ/١٩٠٠م.
١٥٨  لفظ لقرآن (٥٠)، آيات القرآن (٣٦)، الحديث (٦). الأنبياء، إبراهيم (الخليل) (١٨)، ونمرود عدوه (٣)، محمد (١٠)، النبي (٢)، نوح، موسى، عيسى (٢)، آدم (١). الملائكة، جبريل (٢). الصحابة، علي، معاذ (٢)، ابن سيرين (١). العلماء، الكسائي (٣). الفقهاء مالك (١). الفِرَق، المعتزلة (٧)، المتكلمون (٣)، المتأخرون، المجسمة، الأشعرية (١). الطوائف، النصارى (٢)، اليهود، المجوس (١). البيئة الجغرافية: دامغان، أصبهان، اليمن.
١٥٩  جواهر القرآن (٤)؛ معيار العلم؛ محك النظر (٣)؛ الإحياء؛ الاقتصاد؛ المستظهري؛ العواصم (١).
١٦٠  السابق، ص١٦–٢٧.‎
١٦١  وهي:
  • (١)

    القول في الميزان الأكبر من موازين التعادل، ص٢٧–٤٠.

  • (٢)

    القول في الميزان الأوسط، ص٤٠–٤٥.

  • (٣)

    القول في الميزان الأصغر، ص٤٥–٥٠.

  • (٤)

    القول في ميزان التلازم، ص٥٠–٥٦.

  • (٥)

    القول في ميزان التعاند، ص٥٦–٦٨.

  • (٦)

    القول في موازين الشياطين وكيفية وزن أهل التعليم بها، ص٦٨–٧٧.

  • (٧)

    القول في الاستغناء بمحمد وبعلماء أمته عن إمام معصوم آخر وبيان معرفة صدق محمد بطريق أوضح من النظر في المعجزات وأوثق منه وهو طريق العارفين، ص٧٧–٨٥.

  • (٨)

    القول في طريق نجاة الخلف من ظلمات الاختلافات، ص٨٦–١٠٠.

  • (٩)

    القول في تصاوير الرأي والقياس وإظهار بطلانهما، ص١٠٠–١١٢.

١٦٢  من الأكبر إلى الأصغر، الثامن (١٤)، الأول (١٣)، الخامس، التاسع (١٣)، السادس، الثامن (٩)، الثالث (٦)، الثاني، الرابع (٥).
١٦٣  السابق، ص٢٧–٣٩.
١٦٤  السابق، ص٤٠–٤٥.
١٦٥  السابق، ص٤٥–٥٠.
١٦٦  السابق، ص٥٠–٥٦.
١٦٧  السابق، ص٥٦–٦٨.
١٦٨  السابق، ص٦٨–٧٧.
١٦٩  السابق، ص١٠٠–١١٢.
١٧٠  السابق، ص٦٨–٧٧.
١٧١  السابق، ص٧٧–٨٥.
١٧٢  السابق، ص٨٦–١٠٠.
١٧٣  الإمام ناصح الدين عبد الرحمن الأنصاري المعروف بابن الحنبلي، كتاب أقيسة النبي المصطفى محمد ، تحقيق وتقديم أحمد حسن جابر، علي أحمد الخطيب، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ١٩٧٣م، ص٧٦-٧٧.
١٧٤  البخاري (٧٦)، أحمد (٨٦)، مسلم (٢٦).
١٧٥  انظر فهرس قضايا الأقيسة، السابق، ص٢٣٤–٢٣٨.
١٧٦  السابق، ص٨٤.
١٧٧  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، نشره عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مصدَّر بمقدمة العلامة السيد سليمان الندوي، بمباي، ١٣٦٨ﻫ/١٩٤٩م، ص٣.
١٧٨  وتبيَّن لي أن كثيرًا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفى المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات، السابق، ص٤.
١٧٩  السابق، ص٣٥-٣٦، ٩٦-٩٧، ١٢٨-١٢٩، ١٣٤-١٣٥، ٥٠٢–٥٠٥، ٥٣٩–٥٤٣.
١٨٠  «فإن الطالب والقصد مسبوق بالشعور»، السابق، ص٦١.
١٨١  السيوطي صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام وفيه تلخيص ابن تيمية، أهل الإيمان، نصيحة الصنعاني، ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان.
١٨٢  أرسطو (٧٧)، بطليموس (٦)، الإسكندر (١٢)، ذو القرنين، بطليموس، أفلاطون، فيثاغورس (٥)، جالينوس، أبقراط (٣)، قسطنطين، فرفريوس، ثامسطيوس، الإسكندر، الأفروديسي، إبرقلس، هيلانة، سقراط (١).
١٨٣  الرد على المنطقيين، ص١٤، ٢٧، ٣٢؛ «ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم أنه أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء، ولا طلب العقلاء للعلم موقوف عليه. كما ليس موقوفًا على التعبير بلغاتهم»، السابق، ص١٧٧.
١٨٤  السابق، ص١٨٣، ١٠٦، ١٨٢–١٨٦، ٢٠٨، ٢٨٣، ٢٨٩، ٢٩٠، ٣٣٧، ٣٩٢، ٣٩٤-٣٩٥.
١٨٥  السابق، ص٤٥٤-٤٥٥.
١٨٦  المنطق اليوناني (١٠)، اليونان (٤)، فلسفة اليونان (٢)، عبارات يونانية (١).
١٨٧  السابق، ص٦٦، ١٣٤، ١٤٧، ٣٠٨.
١٨٨  «وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان فعلم أن الأمم غير محتاجة إليه»، السابق، ص١٧٩.
١٨٩  السابق، ص١٩٨، ٢٠٧.
١٩٠  السفسطة، سوفسطيقا، سوفسطائي (١٢)، قاطيغورياس، إيساغوجي، أنالوطيقا (٢)، فيلاسوفيا، أثولوجيا، المجسطي (٢)، ما بعد الطبيعة، اللام (١)؛ الرد على المنطقيين، ص٥، ٢٧، ١٧٧، ٣٣، ٣٩٥-٣٩٦، ٤٣٨، ٤٤٠.
١٩١  السابق، ص٢٧٦.
١٩٢  السابق، ص٣٣٢.
١٩٣  السابق، ص٣٣٦، ٤٦٠، ٥٣٠.
١٩٤  السابق، ص٣٩٣، ٤٧١.
١٩٥  القرآن (٣٠٠)، الحديث (٥٠)، التوراة، الإنجيل، القرآن (٢).
١٩٦  الرد على المنطقيين، ص١١٢.
١٩٧  السابق، ص٦.
١٩٨  الأنبياء، إبراهيم (٢٠)، موسى (١٨)، هارون (٢)، داود، سليمان، نوح، صالح، مريم (١). الأعداء، فرعون (٤)، النمرود (٣). الملائكة، جبريل (٢).
١٩٩  ابن سينا (٧١)، الغزالي (٣٠)، الرازي (٢٥)، ابن عربي، ابن سبعين (١٥)، أحمد بن حنبل (١٥)، الشافعي (١٤)، أبو حنيفة (١١٢)، مالك (١١)، الباقلاني، أبو البركات (١١)، أبو يعلى (١٠)، أبو المعالي الجويني، السهروردي (٩)، دحية الكلبي، أبو حاتم، ابن الجوزي، ابن رشد (٥)، الشهرستاني، القونوي، مسلم، الفارابي، ابن عقيل (٤)، ابن حزم، المقدسي، سيبويه، ابن النوبختي، الكندي، الدارقطني، الناشئ (٣)، إسحاق الإسفراييني، ابن فورك، أبو العباس الناشئ، أبو الخطاب، الطوسي، لبيد، السيرافي، أبو بكر العربي، الخطاب، المحاسبي، المنادي، ابن كرام، العقيلي، دحية الكلبي، الضحاك، ابن باجه (٢)، ابن طفيل، الحلواني، يعقوب، أبو داود، الزاغوني، أبو الأسود الدؤلي، العبيدي، ابن فورك، يوسف بن أسياط، متَّى بن يونس، النسفي، أبو هاشم، عبد الجبار، الطوسي، مجيد بن الهيصم، الأنصاري، ابن كلاب، البصري، البغوي، الوافدي، الخوارزمي، الخونخي، التلمساني، ميمون القداح، ابن الصباح، العامري (١).
٢٠٠  الرد على المنطقيين، ص١٠٦، ١٣٢، ١٤٤، ١٤٨-١٤٩، ٢١٧.
٢٠١  السابق، ص١٤١–١٤٣.
٢٠٢  السابق، ص٢٤٣.
٢٠٣  الغزالي (٩)، المضمون بها على غير أهلها (٤)، معيار العلم، المستصفى، تهافت الفلاسفة (٢)، كيمياء السعادة، مشكاة الأنوار، محك النظر، القسطاس المستقيم، مقاصد الفلاسفة (١)؛ الرازي (٥)، الأربعين، المحصل، المطالب العالية، نهاية العقول، شرح الإشارات (١)؛ ابن تيمية (٣)، درء تعارض العقل والنقل، شرح الأصبهانية (٢)، الرد على النصارى (١)؛ ابن سينا (٢)، الشفاء (٤)، الإشارات (٢)؛ الجبر والمقابلة للخوارزمي؛ الفتوحات المكية لابن عربي؛ رسائل إخوان الصفا؛ المعتبر لأبي البركات (٢)؛ التقريب والدقائق للباقلاني؛ شرح الإرشاد لأبي القاسم الأنصاري؛ الملل والنحل للشهرستاني؛ التقسيم لسيبويه؛ الموجز؛ كشف الأسرار للخونجي؛ الآراء والديانات للنوبختي؛ حي بن يقظان لابن طفيل؛ مصحف القمر لابن معشر البلخي؛ زيج ثابت بن قرة؛ المبدأ والمعاد للسهروردي؛ شرح الإشارات للطوسي (١)؛ السر المكتوم ومخاطبة النجوم للرازي.
٢٠٤  بعض العرب (٩)، عدنان، ربيعة، مُضَر (١)، العربية (٣)، بعض العرب قبائل العرب (١)، إسماعيل (٣)، قحطان (٢).
٢٠٥  مكة (٣)، العراق، حران (٢)، مصر، بيت المقدس (١).
٢٠٦  من رؤساء الفِرَق الكلامية: سفيان الثوري، سهل التستري، من الصوفية: أبو سليمان الداراني، الفاضل بن عياض، الكوفي، السري القسطي، الجنيد. من المترجمين: ثابت بن قرة. من المؤرخين: الأعشى، الواقدي، جرير، الإصطخري، الواسطي، البلخي. من اللغويين: سيبويه، الزجاج، المبرد. من المفسرين: مجاهد، ابن عباس، مقاتل. من المحدثين والرواة: الهروي، ابن جريج، الحسن بن الحسن، عكرمة، الزبيدي، ابن الحجاج، سعيد بن جبير، مسلم البطن، ابن أبي طلحة، الجوهري، معان أبو صالح، ابن معاذ، ابن زائدة، المرزبان، مسروق، أُبي بن كعب، أبو الزناد، جابر بن يزيد، الثعلبي، أبو حاتم، أبو الحسن التميمي، السجزي، الزنجاني، ابن المنذر، طاوس، محمد بن إسحاق، عبد الله بن زكريا، داود بن علي، الأسود العنسي، ابن الزبير، ابن مسعود، ابن سؤديس، مطر الوراق، عمرو بن دينار، عكرمة، الزهري، علي بن الحسين، نعيم بن حماد، عبد الرحمن بن يزيد، رجاء بن حيوة. من الفقهاء: ابن نجيم، الشيباني، حبيش، الضحاك، الأوزاعي، ابن الجوزي، الشاشي، الليث بن سعد. من الملوك والقواد: خالد بن الوليد، هولاكو، سلمان الفارسي، من النصارى: قس بن ساعدة، يحيى الراهب. من الصحابة والخلفاء: عمر بن الخطاب، أبو هريرة (٤)، أبو بكر، علي بن أبي طالب، عائشة، أبو ذر (٣). من الأئمة الشيعة: موسى بن جعفر، جعفر بن محمد، أبو سعيد الجفائي، محمد بن إسماعيل، إسماعيل بن جعفر.
٢٠٧  السابق، ص٢٣٤.
٢٠٨  الفِرَق الضالة: الصابئة (١٢)، النصارى (٣٠)، اليهود (٢٠)، الجهمية (١٠)، الصوفية (المتصوفة) (٧)، الباطنية، الإسماعيلية، الشيعة (٤)، الملاحدة، المشركون، الكفار (٣)، القدرية، الزنادقة، المجوس (٢)، القرامطة، الهشامية، الضرارية، النجارية، الكرامية، المشاءون، المنجمون، المنافقون، الاثنا عشرية، العبيدية (١).
٢٠٩  الفِرَق الناجية، الحنفاء (٩)، المسلمون (٥)، أهل السنة والجماعة، أهل الحديث (٤)، الفقهاء (٢)، النجاة (١)، الرد على المنطقيين، ص١٥–١٩، ٣١، ٤١–٤٧.
٢١٠  السابق، ص١٠٣-١٠٤.
٢١١  السابق، ص١٣٣.
٢١٢  «وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته، أعني الفيلسوف الذي في الإسلام، وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض أعيان القضاة الذين كانوا في زماننا: وابن سينا من فلاسفة الإسلام، فقال: ليس للإسلام فلاسفة.» السابق، ص١٩٩.
٢١٣  السابق، ص٦٥–٦٨.
٢١٤  السابق، ص٩٤.
٢١٥  السابق، ص١١٨-١١٩.
٢١٦  عدد الصفحات: الرابعة (٣٠٠)، الثالثة (١٥٨)، الثانية (٧٦)، الأولى (٧).
٢١٧  السابق، ص٧–١٤، ويذكر هذا البيت من أجل التعبير عن تحصيل الحاصل:
أقام يُعمل أيامًا قريحتَه
وشبَّه الماء بعد الجهد بالماء
السابق، ص١٦٢    
٢١٨  بعض العرب (٩)، عدنان، ربيعة، مُضَر (١)، العربية (٣)، بعض العرب قبائل العرب (١)، إسماعيل (٣)، قحطان (٢).
٢١٩  السابق، ص٣٢–٨٧، وتأكيدًا على التمايز بين عالم الأذهان وعالم الأعيان يذكر هذا البيت:
وإني وإني، ثم إني، وإنني
إذا انقطعتْ نعلي جعلتُ لها شسعًا
السابق، ص١٦٢    
٢٢٠  هذا هو موقف الوضعية ومدرسة التحليل اللغوي في الفلسفة الغربية المعاصرة السابق، ص٨٨–٢٤٦.
٢٢١  السابق، ص٢٤٨–٥٤٥.
٢٢٢  السابق، ص٢٤٨–٣٠٠.
٢٢٣  السابق، ص٣٠٠–٣١٥.
٢٢٤  السابق، ص٣١٥–٣٤٣.
٢٢٥  السابق، ص٣٤٤–٣٥١.
٢٢٦  السابق، ص٣٥١–٣٦١.
٢٢٧  السابق، ص٣٦١–٣٦٣.
٢٢٨  السابق، ص٣٦٣-٣٦٤.
٢٢٩  السابق، ص٣٦٤–٣٨٤.
٢٣٠  السابق، ص٣٨٤–٣٩٦.
٢٣١  السابق، ص٣٩٦–٤٣٧.
٢٣٢  السابق، ص٤٣٧-٤٣٨.
٢٣٣  السابق، ص٤٣٨–٤٦٩.
٢٣٤  السابق، ص٤٦٩–٤٧١.
٢٣٥  السابق، ص٤٧١–٤٧٣.
٢٣٦  السابق، ص٤٧٣–٥٤٥.
٢٣٧  فصل: في الصفات وبيان الحق في الآيات والنفي، نقض المنطق، ص١٣٥–١٥٥.
فصل: المنطق وفساده واشتماله على دعاوى باطلة، السابق ص١٥٥–٢٠٠.
فصل: في القياس، السابق ص٢٠٠–٢١١.
٢٣٨  مسألة: ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد، ومذهب غيرهم من المتأخرين؟ ما الصواب منهما، وما تنتحلونه أنتم من المذهبين؟ وفى أهل الحديث: هل أنتم أولى بالصواب من غيرهم؟ وهل هم المرادون بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علومٌ جهلوها وعلمها غيرهم؟ وما تقولون في المنطق؟ وهل مَن قال إنه فرض كفاية مصيب أم مخطئ؟ السابق ص١، الرد الكلامي، السابق، ص١–١٥٥، الرد المنطقي، ص١٥٥–٢١١.
٢٣٩  السابق، ص٢٦.
٢٤٠  القرآن (٢٣٠)، الحديث (٨٠).
٢٤١  نقض المنطق، ١٠٢–١٠٤.
٢٤٢  شعر الخطابي، نقض المنطق، ص٢٦، ٦١-٦٢، ١١٨، مثل قول الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعْنا فيه قيل وقالوا
وقول الشهرستاني:
لَعمري لقد طفتُ المعاهد كلها
وسيَّرتُ طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ إلا واضعًا كف حائر
على ذقن أو قارعًا سنَّ نادم.
٢٤٣  نقض المنطق، ص٩٧-٩٨.
المقولات العشر:
زيد الطويل الأسود ابن ملك
في داره بالأمس كان يتكئ
بيده سيف نضاه فانتضى
فهذه عشر مقولات سواه
السابق، ص١٦٨    
٢٤٤  نوح (٤)، موسى (٣)، هارون ولقمان، داود، سليمان، المسيح (١). بنو آدم (٣).
٢٤٥  الفقهاء، أحمد بن حنبل والحنابلة (٣٥)، مالك والمالكية (٢٠)، الشافعي والشافعية (١٨)، أبو حنيفة والحنفية (٧)، الأوزاعي، الثوري (٦)، المتكلمون، ابن كلاب والكلابية (٢٤)، الغزالي، الإسفراييني (١٦).
٢٤٦  المتكلمون، ابن كلاب والكلابية (٢٤)، الأشعري، الإسفراييني الغزالي (١٦)، الجويني (١٢)، الرازي (١٠)، الباقلاني (٦).
٢٤٧  الشيخان، ابن العربي، الليث بن سعد (٤)، البيهقي، ابن قتيبة، ابن الجوزي، إسحاق الشيرازي، العز بن عبد السلام، ابن حزم، ابن الصلاح (٣)، الحسن البصري، ابن عساكر، الدمشقي، الهمذاني، المقدسي، الآمدي، السلمي، محمد بن إسماعيل‎، إسحاق أبو علي، أبو الفرج، ابن عقيل، الكرجي، أبو الفرح سفيان بن عيينة، عبد الله بن المبارك، إسحاق بن راهويه، الشهرستاني (٢)، النظام، الصابوني، أبو هاشم، أبو علي، الربيع بن سفيان، سحنون، الحميدي، يحيى بن يحيى، الزهري، الرازي، ابن الخطيب، قتادة، ابن فورك، ميمون القداح، الباجي، الدمغاني الحنفي، ابن عمر، اليملي، ابن أبي سرح، أبو عيسى الوراق، النوبختي، المرغيناني، البيان، النولوي، أبو حاتم، أبو زرعة، الحاكم، هتشكير، الزاغوني، رزق الله، أبو بكر عبد العزيز المازري، الخضيري، أبو زرعة، الحافظ ابن سيرين، هشام بن عبد الحكم، أُبي بن كعب، سلمان الفارسي، أبو الدرداء، حنيفة بن اليمان، أُسيد بن خضير، سعد بن عبادة، عباد بن بشر، سالم مولى أبي حنيفة، سعد بن معاذ، عبادة الصامت، الأصبهاني، الأيكي، كعب الأحبار، عبد الله بن عمرو، ابن هشام، خزاعة، دحية الكلبي، ابن مجاهد، الباهلي، اللبان، ابن شاذان (١).
٢٤٨  أبو هريرة، ابن عباس، معاذ بن جبل (٤)، عائشة، عمر (٣)، علي، أبو بكر (٢) عبد الله بن الزبير، جعفر الصادق، معاوية، عثمان، أبو ذر الغفاري (٣).
٢٤٩  ابن سينا (١٠)، الفارابي (٢)، الكندي، ابن رشد، نقض المنطق ص١٣٤.
٢٥٠  القشيري (٤)، ابن عربي، ابن سبعين، ابن الفارض، السهروردي (١) يقول ابن عربي:
مقامُ النبوة في برزخ
فُوَيق الرسول ودون الولي
نقض المنطق، ص١٤٠-١٤١    
٢٥١  نقض المنطق، ص٨٤–٨٧.
٢٥٢  «وتلخيص النكتة أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم يعلموها. وإذا علموها فأما أنه كان يمكنهم بيانها بالكلام والكتاب أو لا يمكنهم ذلك. وإذا أمكنهم ذلك البيان فإما أن يمكن للعامة وللخاصة أو للخاصة فقط»، السابق، ص٨٣، ١٣١.
٢٥٣  الصحيحان؛ الغزالي، المضنون به على غير أهله (٤)، الأربعين، منهاج القاصدين، الإحياء، إلجام العوام عن علم الكلام (١)؛ الدقائق للباقلاني؛ رسائل إخوان الصفا؛ المثناة (٢)؛ الفصل لابن حزم؛ عبادة الكواكب والأصنام للرازي؛ الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد بن حنبل؛ بداية الهداية لعمر بن عبد السلام؛ مختلف الحديث لابن قتيبة؛ الفضول عن الأئمة والفحول للكرجي؛ والجفر (نص مجهول المؤلف عن فلسفة التاريخ)؛ البطاقة لابن الحلي؛ الجدول في الهلاك والهفث عن جعفر وكثير من تفسير القرآن.
٢٥٤  الفلاسفة، المتفلسفة، الحكماء (٢٥)، ابن كلاب والكلابية (٢٤)، المعتزلة (٢٢)، أهل السلف (٢٠)، المتكلمون، أهل الكلام، المتكلمة (١١)، الصابئة، الرافضة (١٥)، الجهمية (١١)، اليهود (١٠)، النصارى، أهل الحديث (٨)، الشيعة، المتشيعة (٧)، المشركون، الخوارج، الملاحدة، الباطنية (٥)، الصوفية، ابن كرام والكرامية، الفقهاء (٤)، القرامطة، أهل الأهواء، الاتحادية، الحشوية، القدرية، الزنادقة (٢)، الحزمية، الكفار، أهل الكتاب، المجوس، الإسماعيلية، الزبيدية، النصيرية، الوقفية (١).
٢٥٥  ويستند ابن تيمية إلى واقعة عبد الله بن أبي سرح كاتب الوحي الذي ارتدَّ ولَحِق بالمشركين فأهدر النبيُّ دمَه عامَ الفتح، ثم أتى إلى عثمان فبايعه على الإسلام، السابق، ص٤٦.
٢٥٦  السابق، ص٥٦-٥٧.
٢٥٧  الشام (٤)، العراق (٢)، مصر، الهند، خراسان (١).
٢٥٨  السلاجقة (٣)، المتوكل، محمود بن سبكتكين (٢)، دولة المهدي، المهاجرون، بنو بويه، نور الدين محمود، المعتضد، الرشيد (١).
٢٥٩  أرسطو، المعلم الأول (١٩)، ذو القرنين، الإسكندر (٥)، أفلاطون (٢)، فيثاغورس، سقراط (١)، المنطق اليوناني، يونان (١).
٢٦٠  نقض المنطق، ص١١٢-١١٣، ١٣١-١٣٢.
٢٦١  السابق، ص١٥٥–١٨٢.
٢٦٢  السابق، ص١٨٢–٢٠٠.
٢٦٣  السابق، ص٢٠٠–٢٠٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤