النظم السياسية والاجتماعية في العهد المبكر لبلاد الإغريق

أن من يقرأ أشعار «هومر» في ملحمتي «الإلياذة» و«الأودسى» يستطيع أن يكون فكرة لا بأس بها عن الأنظمة السياسية المبكرة لبلاد الإغريق العتيقة، وهي تلك الأنظمة التي صارت فيما بعد الإرث المشترك، الذي ورثه عنها الإغريق ثم الرومان والألمان على السواء؛ فنفهم من تلك الأشعار أن الملك كان على رأس الحكومة، غير أنه لم يكن يحكم بمفرده على حسب إرادته؛ بل كان يرشده مجلس مؤلف من رؤساء رجال يستشيرهم في إدارة البلاد. وكانت القرارات التي يتخذها الملك بالاتفاق مع هذا المجلس توضح أمام جمعية مؤلفة من كل الشعب. وقد نما من هذه العناصر الثلاثة أي: الملك والمجلس والجمعية العمومية دساتير أوروبا.

وفي هذه نجد بذور كل الأشكال المنوعة للملكية والأرستقراطية والديمقراطية؛ ولكن في أقدم العهود كان هذا النظام السياسي ضعيفًا ومفككًا. والواقع أن القوة الحقيقية في المجتمع البدائي كانت في الأسرة. وعندما نلتقي بالإغريق في بادئ الأمر نجد أنهم كانوا يسكنون معًا في جماعات أسرية. وقراهم لم تكن إلا مساكن لقبائل أو أسر بمعنى واسع، وكان أفرادها منحدرين من جد مشترك وتربط بعضهم ببعض رابطة الدم. وكان رئيس الأسرة في الأصل في يده سلطة الحياة والموت على كل من ينتسب للأسرة. وهذه السلطة لم تنتزع من يده إلا عندما نمت سلطة الحكومة بالتدريج وقامت في وجه استقلال الأسرة، ولكن المجتمعات القروية لم تكن إلا جزءًا من مجتمع يسمى «القبيلة» Phyle، والإقليم الذي كانت تسكنه القبيلة يسمى «ديم» Deme، وعندما كان يسيطر ملك ما على أقاليم ملوك مجاورين له، كان ينشأ من ذلك مجتمع مؤلف من أكثر من قبيلة.

وكانت العادة أن تتجمع عدة أسر سويًّا في مجتمع يسمى «فرانزا» أي: الإخوة كان له عادات دينية مشتركة. وقد وصف «هومر» طريدًا بأنه فرد ليس له إخوة وليس له موقد أي: لا إخوة ولا أسرة له.

ونجد أهمية الأسرة ممثلة بصورة حية في كيفية تملك الإغريق للبلاد التي فتحوها، فلم تكن الأرض ملكًا خاصًّا للفرد الحر، كما أنها لم تكن مع ذلك ملك المجتمع كله؛ بل كانت ملك القبيلة أو القبائل فيقسم كل الأقاليم قطعًا على حسب عدد الأسرات في المجتمع، وكانت الأسر تقترع على هذه الضياع من الأرض، وبعد ذلك كانت كل أسرة تصبح مالكة لضيعتها التي كان يديرها رئيس الأسرة؛ غير أنه لم تكن لديه السلطة للتصرف فيها. فالأرض كانت ملكًا لكل أقاربه وليست لأي فرد معين. وكان حق الملكية على ما يظهر لا يرتكز على الفتح، بل على فكرة دينية. وكانت كل أسرة تدفن موتاها في داخل حدود أملاكها. وكان من المسلم به أن المتوفى يملك إلى أبد الآبدين البقعة التي دفن فيها، وأن الأرض التي حول الضريح كانت ملكًا شرعيًّا لأقارب المتوفى. وكان من أهم واجبات الأبناء أن يحموا قبور آبائهم ويرعوها، كما كانت الحال بالضبط عند قدماء المصريين. وكان الملك يقوم بوظيفة الكاهن الأكبر ورئيس القضاة وقائد الحرب الأعلى للقبيلة في وقت واحد. وكان ينسب إلى أسرة تدعى أنها منحدرة من الآلهة أنفسهم، وكانت علاقته بشعبه علاقة إله حامٍ، فكان يحترم بوصفه إلهًا في الإقليم «ديم»، وكانت الملكية تنتقل من الأب للابن، ولكن من المحتمل أن الشعب كان يرفض توليه ابن خليع عليهم ليس كفئًا للقيام بأعباء الواجب الذي كان يقوم به والده. وكان الملك صاحب الصولجان له ميزات منوعة منها أن يكون له مكان الشرف في الأعياد، ويتمتع بجزء كبير من الغنيمة التي تغنم في الحرب، ومن الطعام الذي يقدم قربانًا. هذا بالإضافة إلى جزء خاص من الأرض يحدد ويصبح ضيعة ملكية مميزة من التي كانت تملكها أسرته.

وفي هذه الميزات السالفة تشابه كبير بالميزات التي كان يتمتع بها ملوك مصر في العهد الفرعوني.

ولم يكن لدى الملك القوة على أن يفرض إرادته إذا لم تحز موافقة رؤساء الشعب، فكان لزامًا عليه أن يتطلع دائمًا إلى موافقة مجلس الشيوخ، ويعمل برأيه، وكان بعض الأسر يعد أسرًا شريفة منحدرة من الإله «زيوس»، ومن هؤلاء الأشراف كان يتألف مجلس الشيوخ. وفي مجلس الشيوخ هذا نشأت نواة أرستقراطية المستقبل.

وكان أهم من الملك والمجلس لنمو بلاد الإغريق المستقبلة اجتماع الشعب، الذي نبعت منه الديموقراطية. فكان كل رجال القبيلة الأحرار — وكل الرجال الأحرار الذين تتألف منهم الأمة عندما كانت تتحد قبائل كثيرة معًا — يجتمعون سويًّا لا في أوقات معينة، بل عندما كان الملك يطلبهم ليسمعوا ويوافقوا على ما اقترحه هو ومجلسه. وكانت وظيفة هذه الجمعية العمومية هي أن يسمعوا، ويوافقوا لا ليناقشوا ويقترحوا. ولم تكن الجمعية العمومية بعد مميزة عن الجيش بوصفها مؤسسة. وهذه الجمعية هي جمعية الشعب بكل معاني الكلمة. وكان يحيط بالملك جماعة من الرفاق والأتباع مرتبطين به بصلات شخصية يقومون بخدمته، وهؤلاء هم الحاشية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠