أحوال بلاد اليونان برًّا وبحرًا منذ عام ١١٠٠ق.م تقريبًا

غزو الدوريين لبلاد اليونان

لم يترك قوم الآخيين في سلام مدة طويلة؛ لأن غزاة من الشمال أو الشمال الغربي يدعون «الدوريين» انقضوا على بلاد الإغريق مخربين وفاتحين المدن في طريقهم. وقد انتهت غزوات هؤلاء القوم حوالي عام ١٠٠٠ق.م، ومن الأسباب التي كانت عاملًا في نجاحهم اليسير هو أنهم قد استعملوا في حروبهم أسلحة وآلات مصنوعة من الحديد في حين كان «الآخيون» يستعملون أسلحة مصنوعة من معدن البرنز، الذي كان أقل صلابة من الحديد، ولم يكونوا قد دخلوا بعد في دور عصر استعمال الحديد.

وقد احتل «الدوريون» مدينة «كورنث»، ومعظم شبه جزيرة «البلويونيز»؛ وقد استولوا على بعض المدن وخربوا بعضها الآخر بما في ذلك «ميسينا» Mycenae، وكذلك أصبحت «أسبرتا» مدينة دورية. أما مدينة «أثينا» التي كانت بعيدة عن طريقهم الرئيسية، فقد تركت ولم تمس بسوء، وقد استوطن كثير من «الآخيين» الذين طردوا من أوطانهم «أتيكا»، وتشمل الإقليم الذي حول «أثينا»، كما استوطنوا جزيرة «إيبوا» Euboea، وعندما أصبحت هذه الأماكن مكتظة بالسكان هاجر أهلها إلى ساحل «آسيا الصغرى»، وصارت مستعمراتهم تؤلف المدن الأيونية الغنية المثقفة، وهي التي سنسمع عنها فيما بعد هنا. ومن ثم أصبح يسكن في بلاد الإغريق «آخيون» و«دوريون»، وكلاهما كان يتكلم الإغريقية، ولكن بلهجة إغريقية مختلفة بعض الشيء، كما كان لدينا جماعة أخرى تتكلم الإغريقية تقطن الجانب الآخر من بحر «إيجة».

نمو المدن المستقلة

لا نزاع في أن المتعمق في تاريخ بلاد اليونان يلحظ لأول وهلة أن تاريخ الإغريق لمدة تبلغ نحو مائتي سنة بعد دخول الدوريين يظهر مبهمًا ومرتبكًا، غير أنه قد أصبح يتضح لنا شيئًا فشيئًا. ففي حوالي عام ٨٠٠ق.م قد بدأ عدد من المدن ينمو كل بحياتها الخاصة وحكومتها المستقلة. فقد وهبت الجبال والمداخل الإغريقية كل مدينة حدًّا طبعيًّا يقف في وجه كل معتدٍ أجنبي، وعلى الرغم من أن هذه المدن المستقلة كانت كل واحدة منها تستعمل نفس لغة المدن الأخرى، فإنها كانت مستقلة منفصلًا بعضها عن بعض تمامًا، وكثيرًا ما كان يقع بينهم النزاع والحرب. وهذه المدن كانت كل منها تؤلف حكومة خاصة قائمة بذاتها تسيطر على جزء معين من الأراضي التي حولها.

عهد الاستعمار من ٧٧٠–٦٥٠ق.م

ومن الطبيعي أنه كلما نمت هذه المدن المستقلة كانت حدود دائرة نفوذها تضيق بسكانها، ومن أجل ذلك أخذ كثير من المدن تبحث خارج نطاقها عن بلاد أخرى تستوطنها. والواقع أن آمال أهلها كانت تمنى بالخيبة في كثير من الأحيان في وطنهم، وبخاصة الذين كانوا يشتغلون بزراعة الأرض، وهم الذين كانوا يعيشون عيشة كدح قاسية. وغالبًا ما كانوا رجالًا ذوي نفوس جبلت على حب المغامرة يريدون أن يفتحوا مراكز جديدة للتجارة؛ ولهذه الأسباب نجد أن مستعمرين قد خرجوا من ديارهم، وانتشروا في كل الجهات واستقروا حول البحار «كالضفادع حول البركة».

هذا وكانت حرفة القرصنة لا تزال منتشرة في البحر، وكان بعض هؤلاء المستعمرين أنفسهم قراصنة بحر. فمثلًا نجد أن طائفة من هؤلاء المستعمرين قد اتخذوا جزر «ليباري» القريبة من جزيرة «صقلية» موطنًا لهم، وكان نصفهم يشتغل في فلاحة الأرض في حين كان النصف الآخر يتربص بالسفن «الأترسكية» الآتية من «إيطاليا» ويسلبها متاعها. وعلى أية حال فإن الإغريق في الوقت المناسب وضعوا حدًّا لهذه العادة الهمجية، ونظموا استعمارهم بالطريقة التالية:

فقد كانوا أولًا يستشيرون وحي معبد «دلفي»؛ ليعرف إذا كانت الآلهة قد استحسنت المشروع، وبعد ذلك كان ينتخب قائد وتجهز السفن، وكانت في العادة سفنًا طويلة سريعة تحرك بخمسين مجدافًا، وكانت طريقهم عبر البحر الإيجي سهلة ميسورة؛ لأنه كان من النادر أن تبعد السفن عن رؤية الجزر التي كانت ترشدهم كأنها وسيلة لهدايتهم في عرض البحر، غير أن كثيرًا من السياحات كانت غاية في الخطر؛ لأن السفن كانت تذهب بهم أحيانًا بعيدًا إلى «إيطاليا» و«إسبانيا» وجنوب بلاد «غال»، وشمالي أفريقيا والبحر الأسود.

وكان المستعمرون يحملون معهم النار المقدسة من «بريتانيوم» Prytaneum (قاعة المدينة) من مدينتهم الأصلية؛ لأجل أن تبقى مشتعلة في الموقد العام لموطنهم الجديد، وكذلك كانوا يحافظون على أواصر القربى والمحبة على الرغم من أنهم كانوا في موطنهم الحديث مستقلين تمام الاستقلال، وكانت ديانتهم ولغتهم ومبانيهم، وطرق حياتهم إغريقية بحتة، وعلى ذلك كانت مستعمراتهم كبذور من بلاد الإغريق زرعت في تربة أجنبية.

والواقع أن كثيرًا من هذه المستعمرات أصبحت فيما بعد غاية في الثراء، كما كانت تزيد في ساحتها عن مدينتهم الأصلية. مثال ذلك مدينة «سيراقوز» بجزيرة «صقلية»، فقد كانت مستعمرة لبلدة «كورنت» وكذلك مدينة «بيزنطم» — «القسطنطينية» فيما بعد — فقد كانت مستعمرة لمدينة «مجارا». وكانت المنطقة المستعمرة وتشمل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، غنية بمواردها الطبيعية مثل الذهب والفضة والمعادن الأخرى، التي كانت تستخرج من المناجم وكذلك الخشب الذي كان يحصل عليه من الغابات، والقمح والزيت والنبيذ من الأرض المنزرعة. وكانت كل هذه الثروة تمر حرة من جزء من العالم الإغريقي إلى الجزء الآخر منه.

وقد تبع هذا الثراء انتشار المعرفة؛ وذلك لأن المستعمرين الإغريق كانوا عادة يستوطنون في أماكن على البحر، ومن ثم كانت هناك طرق داخلية تسهل لهم أعمال التجارة، وبهذه الكيفية كان في مقدورهم أن يرسلوا معلومات عن البلاد التي يرودونها. وهذه المعلومات الجديدة عن جغرافية هذه البلاد وتاريخها كان يتلقفها القوم بشغف، وكان الإغريق يروونها في وطنهم فتنير الأذهان عن العالم الخارجي. وقد كان اتصال مصر بالإغريق في تلك الفترة أي: في القرن السابع وما بعده عظيمًا جدًّا كما أشرنا إلى ذلك عند الكلام على ملوك الأسرة السادسة والعشرين. ففي تلك الحقبة أخذ الإغريق يفدون على مصر وينهلون من علومها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠