ديانة الإغريق

كان الإغريق في فجر تاريخهم يعتقدون أن الطبيعة ملأى بالقوى الخفية، التي تساعد بني الإنسان أو تلحق به الضرر شأنهم في ذلك شأن كل الأمم القديمة كمصر و«بابل» و«آشور» وغيرها من الأمم الشرقية؛ فكان لديهم الإله «بان» إله الغابات والتلال والقطعان — وبخاصة الماعز — والرعاة، وكان يمثل في صورة إنسان، ولكن بقرني وساقي معزى، ومن اسم هذه الإله «بان» Pan اشتقت كلمة «بنك» Panic وهي تعني الرعب الذي ينتاب الناس في الأماكن الموحشة؛ وذلك لأن هذا الإله كان يخيف السابلة بظهوره المفاجئ.
وكانت إلهات الماء يتخيلها القوم عذارى جميلات يسكنَّ الأنهار والجداول، وكانت تدعى «نريدس» Nereids١ والجبال وتدعى Oreads والأشجار وتدعى Dryads والبحر. وكانت هذه الجنيات الطبعية لا بد أن تصير مصادقة للإنسان، وذلك بتقديم قربان من اللبن والشهد أو الحيوانات الوحشية، ومن أجل ذلك كانت توجد صور صغيرة ومحاريب وموائد قربان مبعثرة في طول البلاد وعرضها لعبادتها في الريف.

وكذلك كانت الآلهة العظيمة لبلاد الإغريق تعبد في المدن وفي الريف على السواء. وهذه الآلهة كان يتصورها القوم في صور مخلوقات مثل الرجال والنساء، ولكنها كانت أعظم منهم وأكثر جمالًا. وكان يتخيلهم الإغريق في عقولهم بصور واضحة؛ وذلك لأن «هومر» من جهة قد وصفهم في أشعاره؛ ومن جهة أخرى لأن المثالين والمفتنين قد صنعوا لهم تماثيل وصورًا، وقد أصبحت هذه الآلهة شيئًا فشيئًا أكثر أهمية من أية قوة أخرى، غير أن الاعتقاد في «بان» وإلهات البحر وما إليها من جنيات الطبيعة، قد فاق غيره فاستمرت تعبد بوجه خاص في الأقاليم الريفية.

وكان أعظم الآلهة هو «زيوس» والد الآلهة والناس، كما كان أعظم الآلهة فخارًا وقوة، وكان يسكن في «أوليمبوس» وهو جبل عالٍ قمته فوق السحاب، وهناك كان يعقد مجلس الآلهة، ومن ثم كان يرسل صواعقه على البشر الذين أغضبوه. وكانت «هيرا» زوج «زيوس» وملكة السماء إلهة صاحبة جمال بارع ومقام عالٍ، غير أنها لم تكن جذابة؛ لأنها كانت جامدة غيورة، وكانت الساعات خادماتها و«إريس» Iris إلهة قوس قزح بريدها.

وكانت الإلهة «أرتميس» تعبد بوصفها نور القمر. وكانت بوصفها إلهة الصيد تطوف الغابات والوديان والأنهار والتلال مسلحة بقوسها ونُشَّابها صائدة، إما حيوانات برية، أو مشتركة في الرقص واللعب مع أتباعها من إلهات الماء، وهي أخت الإله «أبوللو» — وهي ديانا عند الرومان.

أما «أفروديت» فكانت إلهة الحب والجمال، وكان ابنها هو «إروس» Eros (إله حب صغير)، وكان اليمام طائرها المقدس وزهرتها المحببة هي الوردة.
وكانت «هستيا» Hestia إلهة الموقد وقد عبدت بوصفها مركزًا ورمزًا لحياة الأسر والدولة. وكان موقدها المقدس لا يقتصر على إقامته في كل بيت، بل كان يقام كذلك في «البريتانيوم» — قاعة المدينة — في كل مدينة، وكانت النار المشتعلة هناك لا يسمح بإخمادها أبدًا. وكان كبار موظفي الدولة والسفراء من أماكن أخرى يقدمون القربان على النار لهذه الآلهة. وكما ذكرنا من قبل أخذ المستعمرون معهم بعض هذه النار المقدسة إلى أوطانهم الجديدة.

وكانت «بلاس أثينا» وهي الابنة العذراء للإله «زيوس» تعد إلهة الحرب والحامية لمدينتها «أثينا». وكذلك كانت إلهة الحكمة والمهارة وحضور الذهن وحزم الرأي وكانت الحامية للنسيج ولحرف أخرى، وكانت إلهة شريفة جميلة طويلة القامة ماهرة في الأعمال اليدوية الفاخرة. وشجرتها المقدسة هي شجرة الزيتون.

وكان «بوزيدون» Poseidon إله البحر والينابيع عذبها وملحها، وكان بصولجانه المثلث الشوكات يهيج البحر، ويغلق الصخور التي تنفجر منها نافورات الماء وتنبثق منها العيون.
وكان «ديونيسوس» إله النبيذ، وقد غنى الأثينيون ورقصوا على شرفه؛ ليضمنوا محصولًا طيبًا من كرومهم. وهذه الأغاني والرقصات كانت أصل الدراما الإغريقية، التي كانت تنظر إليه بوصفه إلهها وحاميها.٢

وكان «هفاستوس» الذي عمل درع «أخيل» يعتبر إله النار، وكل ما يصنع منها كالصور المصوغة من الذهب والفضة والأواني المزركشة بصور غريبة.

أما الإله «هرميس» (تحوت عند المصريين) الذي كان قد أرسله الإله «زيوس» لإحضار «أودسيوس» من جزيرة «كاليسو»، فكان رسول الإله وبيده عصا كان يحمل بها النوم إلى أعين الناس، أو يقود بها أرواح الموتى إلى مسكنها في عالم الآخرة، وهؤلاء الآلهة الذين ذكرناهم هنا كانوا بوجه عام عظماء ومنعمين على الناس، ولكن على حسب ما جاء في شعر «هومر»، وغيره من الشعراء الإغريق كانوا غالبًا ما يشتجرون فيما بينهم وتقوم بينهم العداوة والبغضاء، ففي حرب «طروادة» ساعد كل من «هيرا» و«أثينا» الإغريق، في حين أن «أفروديت» و«أبوللو» قد ناصرا أهل «طروادة» وعززاهم.

على أن الناس الذين كانوا يفكرون في ذلك تفكيرًا عميقًا رأوا شيئًا فشيئًا أنه يوجد شيء خاطئ في ذلك، ولم نلبث أن رأينا أعظم الشعراء وغيرهم من أهل الفكر قد بدءوا يكتبون عن «زيوس» أنه عالٍ جدًّا، وأنه بعيد عن كل القوى الأخرى، وأنه قريب لمساعدة كل الناس ويقيم العدل، ويعاقب الآثم. ولكن على الرغم من ذلك فإن عامة الشعب كانوا يتمسكون بالأفكار القديمة فنرى في كل أطوار التاريخ الإغريقي العبادات والأعياد تقام في كل مكان على شرف آلهة «أوليمبوس» العديدين، على الرغم من الاعتقاد في إله واحد مسيطر، وتلك كانت نفس الحالة في مصر إلى أن ظهرت عبادة «آتون» لمدة، ثم اختفت وعادت البلاد سيرتها الأولى.

معبد دلفي

كان يوجد في عدة أجزاء من بلاد الإغريق أماكن مقدسة يعرف كل منها باسم «الوحي»، حيث كانت الآلهة توحي بإرادتهم للناس. وكان أهم وحي هو «وحي دلفي»، وكان يحدد بالبقعة التي أقيم فيها نسران قيل إنهما تقابلا هناك — وكانا قد أرسلهما «زيوس» شرقًا وغربًا من نهاية العالم — مدللين بذلك على أن «دلفي» هي وسط العالم. وقد كشف النقاب عن «دلفي» هذه الحفائر التي قام بها الفرنسيون في نهاية القرن التاسع عشر.

وكان قد أقيم على موقعها قرية حديثة كان على الحفارين أن يزيلوها، ويقيموا أخرى بدلًا منها قبل البدء في أعمال الحفر. وإله «دلفي» هو «أبوللو»، وكان جذابًا وجماله يفوق جمال كل الآلهة الآخرين، وكان يُعد إله كل الكلام الملهم في الموسيقى والشعر والتنبؤ. وكان يقال إنه ابن «زيوس» نفسه، وأنه ينطق بإرادته. ولا غرابة إذا كان قد جمع كل بلاد الإغريق في حظيرته المقدسة.

والواقع أن «دلفي» تقع في مكان غريب على صورة شعب ارتفاعه ألف قدم على جانب جبل، يشرف خلفها جبل «برناسوس» Parnassus. وتنبع من بين قمتين من قمم هذا الجبل عين «كاستيليان» من الصخر. وكان كل من جبل «برناسوس» و«كاستيليان» مقدسًا لإلهات الشعر «ميوزس» Muses، وكان على الحجاج الذين هم في حاجة لاستشارة الوحي أن يغتسلوا في «العين الكستيليانية». وبعد ذلك كانوا يتسلقون الطريق المقدسة إلى مذبح «أبوللو»، وهنا كانوا يقدمون قربانهم ويقيمون صلواتهم، وعلى مقربة من المذبح يوجد المعبد الكبير الذي كان يحتوي على تمثال للإله «أبوللو»، ونار مقدسة حفظت مشتعلة بالغار وخشب الصنوبر، وفي المحراب الداخلي كان ينطق الوحي بما يوحى به لكل سائل. والكاهنة التي تنطق بما يقول كانت تسمى «بيثيا» Pythia ولا بد من أن تكون امرأة من أهل «دلفي» حرة لا غبار على حياتها، ولكنها لم تكن على شيء من الذكاء؛ لأنه لم يكن مطلوبًا منها أن تركن إلى شيء من العلم والمهارة، بل كان كل ما تركن إليه هو إلهام الإله لها. ومن الممكن كذلك أنها كانت قد وهبت بصيرة أخرى. وكانت هذه الكاهنة تصوم وتستحم في عين «كستيليان»، كما كانت تمضغ أوراق غار مقدس وفيرة، ثم تأتي بعد ذلك في أثواب فضفاضة محلية شعرها بحلي من الذهب، وتقعد على كرسي مثلث الأرجل في داخل المحراب على شق في الأرض، وكان يخرج من عين تحت الشق بخار يظهر أنه كان يجعلها في غيبوبة، حتى إنها كانت تنطق بأصوات متقطعة أو كلمات أوحى بها الإله.

وكان كاهن «أبوللو» يقف على مقربة ليترجم فيكتب الجواب على لوحة ويعطي السائل إياه. وكان الوحي يستشار في كل الأمور، فكان يستشار مثلًا قبل الدخول في حرب أو تأسيس مدينة. وعندما كانت أثينا في خطر داهم من الفرس أخبر «الوحي» المواطنين أن يثقوا في جدرانهم الخشبية، وقد أكد لهم رجل سياستهم «تميستوكليز» أن المقصود من ذلك هو سفنهم المصنوعة من الخشب، وأغراهم أن يضعوا أسرهم على ظهر السفن؛ لتكون حماية لهم في أماكن قريبة وبذلك نجوا. وكان الموحى به يفهم على وجهين أحيانًا، فمثلًا نجد أن «كروسوس» — الذي سنتحدث عنه فيما بعد — ملك «ليديا» الغني كان مصممًا على عبور نهر «هاليس» في آسيا الصغرى، وإعلان الحرب على الفرس، ولما كان جواب الوحي كالآتي:

وعندما يعبر «كروسوس» «هاليس» (النهر)
فإن إمبراطورية عظيمة ستفقد.

فقد عبر «كروسوس» النهر وهو واثق من النصر، ولكنه وجد فيما بعد أن الإمبراطورية العظيمة التي فقدت كانت إمبراطوريته.

وأحيانًا يكون الوحي مبهمًا أو خاطئًا، ولكن نصيحته كانت حكيمة سليمة بعامة؛ وذلك لأن الكهنة الذين كانوا يلقنون الوحي كانوا يعرفون كثيرًا عن الناس، وعن الأحوال الجارية في البلاد، وقد استعملوا معرفتهم لمساعدتهم في ترجمة الكلمات التي تنطق بها «بيثيا» الكاهنة. وهذا الوحي كان في الواقع إحدى الروابط التي تربط الوحدة الإغريقية، فكان الإغريق يشعرون بأن هذا المحراب ملك كل الإغريق لا ملك بلدة «دلفي» نفسها؛ ولذلك تألف مجلس كان يحتوي على اثني عشر نائبًا مقدسًا أرسلوا من حلف مؤلف من إحدى عشرة مدينة أو دولة (وقد أرسلت «دلفي» نائبين)؛ وذلك لمنع التعدي على أي عضو من الحلف، وكذلك من التعدي على محراب «دلفي» نفسه. وقد قامت حربان مقدستان شنهما أعضاء الحلف حماية لهذا المحراب.

وكانت تتدفق على هذا المحراب الهبات وتقدم له كذلك الهدايا، حتى إن المكان أصبح مفعمًا بالمحاريب والنقوش والتماثيل والآثار التي تقدم شكرًا على ما نال مقدموها من نصر. ولا بد أن «دلفي» كانت مزدحمة أكثر مما يجب، ولكن ما عسى أن يفعله الإنسان عندما يقدم القوم هدايا؟

وكانت تقام في «دلفي» أعياد عظيمة يفد إليها الناس من كل أنحاء بلاد «هلاس».٣ وفي هذه البقعة كان يشعر سكان «هلاس» بأنهم جميعًا مواطنون إغريق، وكذلك في هذه البقعة كانوا يشتركون في الألعاب الرياضية، التي كانت تعتبر جزءًا من عيدهم، وكذلك كانوا يشتركون في العبادة عند المحراب الذي كان يتوسطها.
١  و«نريدس» Nereids من بنات «نيروس» Nereus وهو إله البحر.
٢  راجع ما كتب في كتاب الأدب المصري القديم عن الدراما، وأصلها الجزء الثاني ص١ … إلخ.
٣  «هيلاس» هو اسم يطلق على بلاد الإغريق، وكذلك كان يستعمل وإن لم يكن من الوجهة الجغرافية؛ ليدل على كل الأراضي التي يسكنها الإغريق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠