الحروب التي وقعت بين الإغريق والفرس

(١) مقدمة

إن حلقة اتصال بلاد اليونان بالعالم المتمدين ترجع بنا إلى القرن السابع قبل الميلاد، فقد كانت متصلة بمصر منذ عهد الملك «بسمتيك الأول»، كما بينا ذلك في غير هذا المكان، كما أخذت تتصل بالشرق عن طريق ساحل آسيا الصغرى الذي يدعى «أيونيا»، وبخاصة بدولة «ليديا» التي كانت تقع على مسافة ألف ميل في الشمال الغربي من بلاد «بابل». وكانت «ليديا» هذه غنية بأرضها الخصبة ومناجم الذهب التي تحتويها، كما كان موقعها من حيث التجارة عظيمًا جدًّا لدرجة أن ملكها «كرسوس» كان يضرب به المثل في الثراء، والواقع أنه كان مسيطرًا على الجزء الغربي من «آسيا الصغرى»، بما في ذلك المدن الإغريقية الأيونية التي كان قد استولى عليها.

وتقع بين بلاد «بابل» و«ليديا» دولة كبرى أخرى من دول الشرق تدعى «ميديا»، وكانت حدودها وقتئذ تتاخم حدود مملكة «كرسوس»، وهؤلاء الميديون وجيرانهم الفرس كان يربط بعضهم ببعض روابط سلالية قوية، وعندما اشتد ساعد دولة الفرس الفتية في عهد ملكها «كورش» الأكبر (٥٢٩ق.م) وصارت أقوى من الميديين وفتحت بلادهم، فضل حاكم «ميديا» الذي كانت تربطه بملك الفرس قرابة دم أن تنضم المملكتان، وتؤلفان دولة واحدة باسم مملكة الفرس، وبعد ذلك أخذ ملك الفرس «كورش» يفتح الممالك الكبرى المجاورة له في تلك الآونة، وهي التي كانت أنهكتها الحروب، واستولى على ممتلكاتها، ففي الجهة الغربية من ممتلكاته كان الملك «كروسوس» ملك «ليديا»، فقهر بلاده وبذلك أصبح المسيطر على مملكته وإمبراطوريته بما في ذلك مدن «أيونيا» الإغريقية، وفي الشرق هزم «بابل»، وأصبحت إمبراطوريتها في قبضة يده. وفي «بابل» وجد هناك يهودًا نفاهم بختنصر من «أورشليم» منذ ستين سنة مضت. ولما كان «كورش» هذا ملكًا رحيمًا، فإنه أصدر منشورًا سمح فيه لليهود بالعودة إلى بلاد يهوذا التي أصبحت جزءًا من إمبراطوريته.١

وبعد موت «كورش» خلفه على العرش ابنه لبضع سنين استولى بعدها على صولجان الملك ملك عظيم يدعى «دارا» الأول الذي كانت إمبراطوريته وقتئذ تشمل مصر، وتمتد شرقًا عبر حدود الهند. وسنرى ماذا يكون مصير بلاد الإغريق عندما يأتي دورها مع هذا الفاتح العظيم، وبلاده المترامية الأطراف القوية البطش. والواقع أن الملك «دارا» (٥٢١–٤٨٦ق.م) قد ربط أطراف إمبراطوريته بشبكة طرق تؤدي إلى «سوس» عاصمة ملكه. فمن مدينة «سرديس» مقر معسكره في غربي ممتلكاته كانت توجد طريق طولها ١٥٠٠ ميل محروسة عند ممرات الجبال، وعند مصاب الأنهار بجنود فارسية، وكانت السياحة بين المدينتين تستغرق ثلاثة أشهر غير أن الرسائل المستعجلة كانت تنقل من «سوس» وإليها في أسبوع؛ وذلك لأنه كانت توجد محاط بريد واصطبلات خيل لغبار البريد على مسافات تبعد الواحدة منها عن الأخرى أربعة عشر ميلًا، حيث كان ركاب خيل البريد على استعداد ليل نهار لحمل الرسائل بالتناوب على ظهور الخيل. وعندما كان آخر حامل بريد من هؤلاء يقترب من هدفه كان يرى أمامه سهلًا خصبًا ومياهًا غزيرة، ويكنف السهل جبال على مسافة منه، وفي هذا السهل الخصيب كانت تقع مدينة «سوس» العظيمة التي قدر محيطها بعض كتاب الإغريق بما بين خمسة عشر وعشرين ميلًا، والواقع أنها تؤلف طوارا هائلًا أقيم عليه قصر الملك.

وهناك كان الرسول يرقى السلم العظيم، ويمر بالحرس الملكي ثم يدخل قاعة ذات عمد شامخة، حيث كان يتربع الملك العظيم على عرشه المصوغ من الذهب والفضة، يحيط به مستشاروه وكتبته، وهنا كان يتسلم من رعاياه ذهبًا وفضة وبخورًا وعاجًا وأبنوسًا وجزية من كل نوع، كما كان يستقبل السفراء من ممتلكاته وكذلك «الشطاربة» — وهم حكام الأقطار التي كان يسيطر عليها وعددهم عشرون حاكمًا أو «شطربا» — وكان يستقبل موظفي إحصاء يسمون عيون الملك وآذانه، وهؤلاء الرجال كانوا يطوفون في أنحاء البلاد ويرقبون «الشطاربة» وغيرهم من كبار رجال الدولة؛ ليروا إذا كان هناك ما يجب أن يعرفه مليكهم. والواقع أن كل شيء كان في يد «دارا» وكان سيفه هو القانون، ولكن على الرغم من سلطانه المطلق، فإنه كان حاكمًا عاقلًا ومعتدلًا في معاملاته لقومه بالنسبة لعصره هذا إذ لم يثوروا عليه.

ولم يكن في بلاد الفرس معابد للآلهة كالتي في بلاد «اليونان» و«مصر» و«بابل» و«آشور»؛ وذلك لأن القوم كانوا يعبدون إلها واحدًا عظيمًا يمثل الخير وهو الإله «أهورامازدا» أو «أورموزد» الذي حدد طريق النجوم وحفظ الأرض والسماء، وجعل القمر ينمو ويصغر؛ وسخر الهواء والسحاب، وخلق النور والظلام والنوم والصبح والظهيرة والليل.٢ وكانت توقد نار مقدسة على رءوس الجبال على مذابح؛ وذلك لأنها كانت رمزًا للإله. وكانت تناهضه قوة أخرى للشر تدعى «أهيرمان»، وكان نصيبها في النهاية الهزيمة على يد قوة الخير. وهذه كانت ديانة رفيعة المغزى، إذا ما قرنت بالديانة الإغريقية لما فيها من معنى روحي أعلى وأرقى. ومعظم هذه التقاليد الدينية الفارسية تعزى للمفكر الديني العظيم «زورواستر»، الذي انبثق من أرض «فارس»، غير أننا لا نعلم على وجه التأكيد في أي تاريخ ظهر، والمحتمل أنه جاء حوالي ألف سنة قبل الميلاد.

تلك هي أحوال بلاد «الفرس» قبل دخولها في الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بينها وبين بلاد اليونان، التي كانت لا تكاد تعادل مساحتها إحدى مديرياتها الصغيرة.

(٢) الحرب الأولى

وقد بدأت حرب «فارس» الأولى على بلاد اليونان، عندما أخذت المستعمرات الأيونية تثور على الحكم الفارسي فيها بعد أن ضمها إلى ممتلكاته. والواقع أن المدن الأيونية الواقعة على ساحل آسيا الصغرى، كانت تمارس تجارتها في سلام في عهد «دارا»، وكان سكان هذه المدن أحرارًا في اتباع عاداتهم وقوانينهم وديانتهم، وتلك كانت من حسنات دولة «فارس» في ذلك العهد إذ لم تكن تتدخل في شئون مستعمراتها الخاصة؛ مما جعلها تبقى مدة طويلة. فكانت على ذلك كل مدينة من مدن «أيونيا» تمارس أحوالها الخاصة، ولكن كان على رأسها حاكم مطلق إغريقي نصبه الملك، وهذا نوع من الحكم كان محببًا عند «الفرس»، ولكنه كان مبغضًا عند الإغريق الذين جبلوا على حب الديمقراطية، وفضلًا عن ذلك كان على «الشطرب» — الحاكم للإقليم — أن يحقق ولاء هذه المدن للملك بأن تدفع ما عليها من جزية، وتقوم بما عليها من خدمات عسكرية للجيش الفارسي وأسطوله، عندما تدعو الحاجة لذلك. وقد أخذ السكان الإغريق في هذه المدن يتذمرون لفقدان حريتهم، وانتهى الأمر أن قاموا بثورة عام ٤٩٩ق.م، وقد اندلع لهيبها من مدينة «ميليتوس» Miletus، وهي أهم مدينة أيونية على ساحل «آسيا الصغرى»، وبعد ذلك تتابعت الثورات في المدن الأخرى، والأمل مشتعل في قلوبهم بغية التخلص من حكم الفرس.
وقد طردوا فعلًا حكامهم المستبدين، وقد التجأت هذه المدن إلى «أسبرتا» طالبة النجدة، ولكنها رفضت في حين أن «أثينا» أرسلت إلى الثائرين عشرين سفينة كما أرسلت بلدة «أرتيريا» الواقعة في جزيرة «أيوبوا» Euboea خمس سفن لتساعد الأيونيين على مهاجمة «سارديس»، التي كانت تعد المركز الرئيسي للجيش الفارسي، وقد استولوا على المدينة كلها إلا قلعتها عندما أشعل جندي النار في إحدى بيوتها — وقد يكون ذلك من باب الصدفة — التي كانت مبنية بالغاب والقش المدهوك بالخلط. وكانت نتيجة ذلك أن شبت النار في كل المدينة، والظاهر أن أهلها قد وصلوا إلى اتفاق مع الفرس، ومن ثم عاد الأثينيول وأهل «أرتيريا» في سفنهم إلى وطنهم.

وقد ترك لنا «هردوت» والد التاريخ صورة حية عن شعور الملك «دارا»، عندما سمع بهذا الحادث، إذ يقول: لم يعر أي التفات أهل «أيونيا» — لأنهم لن يفروا من العقاب — ولكن قال: «من هم الآثينيون؟» وعندما أخبر خبرهم طلب قوسه وركب فيه سهمًا وأطلقه في السماء، ودعا «زيوس» — يعني «أورموزد» أكبر آلهة الفرس — أن يمنحه القدرة على الانتقام من الأثينيين، وبعد ذلك أمر أحد خدمه أن يقول له ثلاث مرات عند كل وجبه يتناولها: «سيدي اذكر الأثينيين.» ولا بد أن نلحظ هنا أن المؤرخين القدامى كان من عادتهم أن يصوغوا بأسلوبهم هم أقوال الشخصية التي يتحدثون عنها، أو حتى يتخيلوها، وهذه الكلمات كانت في الواقع ثمينة؛ لأنها من جهة تشمل كثيرًا من الحقيقة، ومن جهة أخرى؛ لأنها وهي صادرة من مؤلف ماهر نقدم لنا نظرة فاحصة عن عقول المتكلمين في الأزمان التي عاشوا فيها.

وقد جمع «دارا» الأول جموعه، وبعد أربع سنين نجح في إخماد ثورة هذه المدن فعاقب «ميليتوس» أشد العقاب وأقساه، إذ قتل رجالها ونفى النساء والأطفال إلى «سوس»، ووضع حامية فارسية في قلعتها. وقد شعرت «أثينا» بأعمق الحزن وأمره عند سقوط «ميليتوس» وعلمت أن دورها سيكون التالي.

(٣) أول غزو فارسي لبلاد الإغريق

باءت أول محاولة قام بها «دارا» لغزو بلاد الإغريق بالفشل؛ وذلك لأن عاصفة هوجاء حطمت مائتين من سفن ملكها العظيم بعيدًا عن جبل «آتوس»، أما باقي الجيش والأسطول فقد اضطروا إلى التقهقر. وبعد مضي عامين على هذا الحادث كان «دارا» على استعداد لمحاولة غزو بلاد الإغريق ثانية، وقد أرسل أولًا رسلًا لجزر بحر «إيجة» ومدن الإغريق طالبًا منها ترابًا وماءً رمزًا للخضوع له، وقد أطاع معظم الجزر وأرسلوا له ما طلب إلا «أثينا» و«أسبرتا»، ومدن إغريقية أخرى، فإنها رفضت على الرغم من أنها كانت تعلم أن ذلك يعني قيام حرب عليها. وعندئذ أرسل «دارا» أسطوله المؤلف من ستمائة سفينة إلى «أرتريا» في جزيرة «أيوبا»، ونزل هناك جيشه. وقد حارب أهل المدينة ستة أيام صادين هجوم العدو الجبار، ولكن خائنين من بين السكان فتحوا أبواب المدينة للعدو الذي استولى عليها، ونهبها وحرق معابدها واغتصب الناس وساقهم إلى العبودية وذلك على حسب أمر «دارا».

وتحرك بعد ذلك الأسطول الفارسي إلى بلدة «ماراتون» الواقعة على الشاطئ الشرقي «لأتيكا» على مسافة اثنين وعشرين ميلًا عن «أثينا»، وأنزل جزءًا من الجيش على سهل الساحل، وقد ظن البعض أنهم فعلوا ذلك لأجل أن يحملوا الأثينيين على سحب جنودهم من «أثينا»؛ وذلك لأنه كان يوجد حزب في المدينة يريد أن يعيد الحاكم المطلق «هبياس»، الذي أتى على أحد السفن الفارسية لمساعدتهم، وكان حزب «هبياس» يتآمر مع الفرس ليدخلوا المدينة التي لم تكن محصنة وقتئذ.

وعندئذ أرسلت «أثينا» إلى «أسبرتا» بريدها السريع «فيديبيدس» الذي قطع مسافة مائة وأربعين ميلًا في ثمان وأربعين ساعة، وسلم التماس النجدة العاجلة. وقد رجا أهل «أثينا» اللاسيديميين٣ ألا يقفوا على مقربة منهم، ويشاهدوا أقدم مدينة في بلاد الأيون تصبح أسيرة في يد قوم همج، وكانت «أرتريا» قد وقعت في ذل العبودية، وصارت بلاد الإغريق ضعيفة بفقدان مدينة عريقة في المجد، ولكن «أسبرتا» وقتئذ كانت تحتفل بعيد ديني تحرم قوانينه عليها أن تخرج من ديارها قبل تمام الفجر.
والواقع أن «أثينا» كانت في خطر؛ ولذلك فإن التأخر أو التردد من جانب الأهالي سيكون من نتائجهما أن يمكن الفرس من القيام بالهجوم، وبخاصة أن المدينة لم تكن مسورة. وفي هذه الآونة كان تحت قيادة القائد الأعلى للجيش المسمى «كاليماكوس» عشرة قواد يسمى واحد منهم «ملتياديز». وقد كان من رأيه أن يقاوم العدو عند المكان الذي رسا فيه أسطول الفرس وقد اتبع رأيه، وبعد مسيرة يوم واحد كان تسعة آلاف جندي يقفون على التلال القريبة من «ماراثون»، مطلين على السهل الذي بينهم وبين البحر، وقد كانوا وحدهم من الأثينيين، ولم يكن يساعدهم إلا ألف جندي أرسلتهم إلى هناك مدينة صغيرة تدعى «بالاتيا» Palataea من أقليم «بوشيا» Boeotia، وكانت قد وضعت نفسها تحت حماية «أثينا» منذ عشرين سنة مضت.

وأسفل من الجيش الأثيني كانت ترسو السفن الفارسية على مسافة تتراوح ما بين ميلين وثلاثة. والرأي السائد هو أن الفرسان كانوا قد أنزلوا ثانية؛ لأجل أن يقوموا بهجوم مفاجئ على «أثينا». أما المشاة فقد اصطفوا في السهل بالقرب من البحر في خط طويل. وقد عقد «كاليماكوس» مجلسًا حربيًّا وقد انقسم قواده فريقين فريق يحبذ التمهل وفريق يريد العمل في الحال، وكانوا خمسة ضد خمسة، ولكن «ملتياديز» حث على ضرورة القيام بهجوم باسل سريع؛ لأن «أثينا» كانت في أعظم خطر يهدد حياتها، وأن هذه اللحظة لا بد أن نقرر مصيرها، وعندئذ قرر «كاليماكوس» الهجوم، فصف جنوده استعدادًا للمعركة على العدو، وقد جعل صفه بنفس طول الصف الفارسي وقواه في الجناحين، ولكن في الوسط كان عمقه لا يتجاوز بضعة صفوف. وقد أعطيت إشارة الهجوم وعندئذ تقدم الجنود الإغريق إلى الأمام بسرعة على العدو، وقد ظن الفرس أن هؤلاء الجنود قد أصابهم مس بلا ريب، والتحموا معهم في حومة الوغى، وقد استولت عليهم الدهشة عندما رأوا أنفسهم مضطرين إلى التقهقر نحو التلال.

وكان الجناحان — جناحا الجيش الإغريقي — على حذر من أن يتابعوا عدوهم إلى مسافة بعيدة، بل التفوا حولهم وشتتوا شمل قلب الجيش الفارسي المنتصر في هجوم سقط فيه كثير من جنود العدو صرعى، وبعد ذلك هربت البقية الباقية من جيش الفرس إلى سفنهم، والإغريق يقتفون أثرهم ونشب بينهم صراع بالأيدي، فقتلوا منهم عددًا عظيمًا واستولوا على سبع سفن في النهاية.

وقد اقتبس المؤرخ «هردوت» شائعة تقول: إن الفرس في أثناء إقلاعهم بسفنهم رُئي درع يسطع من قمة جبل خلف «ماراثون» يقع بينها وبين «أثينا». وقيل: إن ذلك كانت إشارة من الخونة في المدينة؛ ليظهروا للفرس أنه يمكنهم أن يدخلوا «أثينا».

وقد لف الفرس حول الساحل حتى وصلوا إلى الميناء الشرقية «لأثينا»، ولكنهم وجدوا الأثينيين قد ساروا بسرعة خاطفة من «مارثون»، ووقفوا هناك أمامهم، وقد كان نجاح الأثينيين في ملاحقتهم بهذه السرعة على ما يظهر سببًا في خيبة المؤامرة، وعندما علم الفرس بانتظار جيش «أثينا» المفاجئ لمنازلتهم عادوا إلى بلادهم يجرون ذيل الخيبة والهزيمة.

وبعد أن تمت كل هذه الأحداث جاء إلى «أثينا» ألفان من جنود «أسبرتا» بعد تمام القمر، ومن ثم ذهبوا إلى «ماراثون» ليشاهدوا مكان الواقعة، وهناك امتدحوا الجنود الأثينيين على ما أحرزوه من نصر مبين، ثم عادوا ثانية إلى «أسبرتا»، على أن هذا النصر لم يسحق الجيش الفارسي تمامًا؛ وذلك لأنه لم يشترك في المعركة إلا جزء منه فضلًا عن أن الفرس كان لديهم موارد كثيرة لتأليف الجيوش الجرارة، ولكن النتيجة الهامة في ذلك أن اسم «أثينا» أصبح مشهورًا، فقد كان في استطاعتها دون مساعدة تقريبًا أن تجبر جيش الفرس الرهيب الجانب على أن يتقهقر إلى بلاده مقهورًا.

(٤) غزوة الفرس الثانية لبلاد الإغريق سنة ٤٨٠ق.م

لم ينسَ الفرس الصدمة التي صدموها في موقعة «ماراثون»؛ ولذلك بيتوا لغزو بلاد الإغريق كرة أخرى. وقد بدأ الفرس غزوتهم بعد مضي عشرة أعوام على الغزوة الأولى، ولم يكن هجوم الفرس هذه المرة موجهًا على «أثينا» و«أيوبوا» وحسب، بل على كل بلاد الإغريق بأسرها. وكانت «أسبرتا» في هذه الحرب الثانية هي الدولة القائدة للحرب. والواقع أنها قد أظهرت رغبتها في أن تأخذ بنصيبها كاملًا في الحروب المقبلة. أما «أثينا» فإنها على أية حال قد قدمت للقتال أسطولها وما لها من دراية بحرية، تلك الدراية التي جعلت النصر في جانب الإغريق. وقد رأى أحد رجال سياستها هو «تمستوكليس» في الوقت المناسب أن الخطر كان داهمًا، وأن النصر سيكون في جانب من تكون له السيادة البحرية. وكان في «أتيكا» في هذا الوقت منجم فضة يخرج كميات عظيمة من هذا المعدن؛ ولذلك أغرى «تمستوكليس» الأثينيين على أن يكونوا بحارة ماهرين، وأن ينفقوا هذه الثروة على بناء سفن حربية مجهزة بمجاديف كثيرة وشرع كبيرة، وكانت «أثينا» في هذه الآونة لها أسطول يفوق بكثير أي أسطول آخر في بلاد الإغريق.

أما الفرس فكان ملكهم «دارا الأول» كذلك يستعد لحملة أخرى على بلاد اليونان، ولكنه مات عام ٤٨٦ق.م وخلفه ابنه «أكزركزيس» الذي اشتهر بضعفه وغروره، ولم يرث شيئًا من عظمة والده، وقد استمر في التعبئة للحرب على نطاق واسع. وقرر أن جيشه الذي جنده من الست والأربعين أمة التي تتألف منها إمبراطوريته، يجب ألا يعرض إلى بحر إيجة العاصف، بل يجب أن يسير حول ساحل بلاد الإغريق في حين أن الأسطول يكون على اتصال معه بحرًا. ومن أجل ذلك حفرت قناة للأسطول في برزخ جبل «آثوس» Athos، الذي كانت تصطدم فيه العواصف، وهو الذي كانت قد غرقت فيه سفن «دارا الأول» منذ اثنتي عشرة سنة خلت. وكذلك أقيمت قنطرتان من السفن على مضيق «هلسبونت» — الدردنيل الحالي — لأجل مرور الجيش في سلام.

وفي خلال هذه التجهيزات كان جيش الفرس يتجمع عند «سارديس». وفي هذه المدينة جاءت الأخبار إلى «أكزركزيس» بأن القنطرة الأولى التي أقيمت على «الدردنيل» قد حطمتها عاصفة. ويحدثنا «هردوت» هنا بأسلوبه القصصي البديع أن غضب «أكزركزيس»، قد وصل إلى حد كبير حتى إنه أمر بقطع رقاب المهندسين الذين أقاموا هذه القنطرة، وأن تضرب مياه «الدردنيل» بالسوط مائة مرة، هذا وقد نطق بالكلمات الجوفاء الآتية على المضيق: «أنت أيتها المياه المرة، إن سيدك يوقع هذا العقاب عليك؛ لأنك قد ارتكبت جرمًا في حقه وهو لم يخطئ قط في حقك، وإن الملك «أكزركزيس» سيعبرك سواء أردت أم لم تُريدي، وإنه لمن الصواب ألا يضحي أي إنسان لك؛ لأنك نهر ثائر أجاج!» وفي الحال أمر بعمل قناطر جديدة من مراكب حربية، وقوارب أخرى يعلوها أمراس قوية ومغطاة بطريق مصنوعة من الألواح الخشبية ومكدسة بأغصان من الخشب والطين المثبت، وقد أحيطت من كلا الجانبين بأوتاد من الخشب، حتى لا تنزعج الخيل أو الحيوانات الأخرى من منظر البحر عند عبورها له.

وعندما تمت جميع الاستعدادات، بدأ الجيش يزحف من «سارديس». وقد كان أول ما تحرك هو الأمتعة والحيونات ثم جيوش من أمم عدة، وكان ذلك يؤلف أكثر من نصف الجيش كله. وقد تبع ذلك فرسان الفرس ورجال الحراب وقفوا بعشرة آلاف حصان حجمها غير عادي ومطهمة بفاخر العدة، وأتى بعد ذلك ثمانية جياد بيض والعربة المقدسة للإله «أور موزد» خالية يقودها سائس يمشي على قدميه؛ لأنه كان محرمًا على أي بشر أن يجلس فيها. وبعد هذه العربة جاء «أكزركزيس» نفسه في عربة يسير خلفها رجال حرابه وخيالة آخرون، وكذلك عشرة آلاف فارس من المشاة مسلحين بأفخر العدد. ويقول لنا «هردوت»: إن هؤلاء كانوا يسمون «المخلدين»؛ لأن كل من فقد من بينهم كان يحل محله آخر؛ لأجل أن يبقى عددهم كاملًا غير منقوص باستمرار. وقد وصل الجيش عند مضيق «هلسبونت»، وأخيرًا جاء يوم عبورهم له. وعند بزوغ الشمس استيقظ «أكزركزيس» من نومه، وجلس على عرش من المرمر الأبيض مطلًّا على المضيق، ودعا ووجهه نحو الشمس ألا يعوقه شيء عن فتح أوروبا حتى أقصى حدودها.

وبعد ذلك بدأ الموكب يتحرك عبر القنطرة في حين أن المتاع وحيوانات الحمل كانت تعبر المضيق على قنطرة أخرى من السفن. وقد سار الجيش غربًا حتى وصل إلى سهل عظيم في «تراقية»، حيث أحصى «أكزركزيس» مشاته. ولما كان عددهم كبيرًا لا يحصى، فإن عشرة آلاف منهم قد حشدوا في مساحة تسعهم بالضبط، وهذه المساحة قد فرغت ثم ملئت مائة وسبعين مرة. ولا بد أن تكون رواية «هردوت» مبالغًا فيها. وعند هذه النقطة يصف لنا «هردوت» الجنود المختلفي المظاهر والأشكال، فكان منهم الآشوريون مثلًا بخوذاتهم البرنزية الملتوية وعصيهم ذات العقد الحديدية، والكاسبيون بعباءاتهم المصنوعة من الجلود حاملين سيوفًا مستقيمة قصيرة، والهنود مرتدين ملابس قطنية ومسلحين بسهام من الغاب مركب فيها أسنة من الحديد، والأثيوبيون السود لابسين جلود فهود أو جلود أسود على أجسامهم، التي كانوا يصبغونها باللون الأحمر أو الأبيض للمعركة، ومسلحين بأقواس طول الواحد منها ست أقدام من جريد النخل، والتراقيون مرتدين جلود ثعالب على رءوسهم وعباءات مختلفة ألوانها فوق قمصانهم، وينتعلون أخفافًا في أقدامهم وعلى سيقانهم جلود الظباء، والليسيون الذين كانوا يرتدون قبعات مزركشة بالريش، واللوبيون ذوو الشعر الملبد الذين كانوا يلبسون ملابس من الجلود، وحرابهم من الخشب محروقة أطرافها، وكثير غير هؤلاء من الذين كان يتألف منهم الجيش الفارسي.

ونجد في الوقت نفسه أن ممثلين لكثير من المدن الإغريقية قد عقدوا اجتماعًا عند برزخ «كورنت»، وقرروا أن يؤلفوا جيشًا يكون تحت قيادة «ليونيداس» Leonidas أحد ملكي «أسبرتا». وقد شعرت «أثينا» آنذاك أنها صاحبة الحق في قيادة كل الأسطول المتحد، ولكن لما كان كثير من الحكومات الإغريقية ترغب في جعل القيادة «لأسبرتا»، فإن «أثينا» نزلت عن حقها بسبب الخطر الذي كان يهددهم جميعًا.

(٥) موقعة «ترموبيلي» عام ٤٨٠ق.م Thermopylae

بعد أن اخترق «أكزركزيس» «تراقيا» و«مقدونيا» اتجه جنوبًا فاتحًا كل ما في طريقه إلى أن وصل إلى المكان «المسمى» «ترموبيلي»، وهو ممر ضيق بين البحر والجبل. وكان قد سمي «بوابة بلاد الإغريق»، ولكن دهش إذ وجد أنه أقفل في وجهه بجنود «ليونيداس»، الذين يبلغون حوالي سبعة آلاف إغريقي كان من بينهم ثلاثمائة محارب أسبرتيي الأصل، وعدد كبير من جنود شبه جزيرة «بلوبونيز»، وبعض جنود من إقليم «بوشيا» المجاور لإقليم «أتيكا». وكان جنود «أسبرتا» قد اصطفوا أمام صف الجنود الأثينيين على حسب الرواية التي نقلها الجواسيس للملك «أكزركزيس»، ولم يظهروا من أجل ذلك أي وجل أو رعب، بل كانوا إما منهمكين في اللعب والرياضة، وإما منصرفين إلى تسريح شعورهم الطويلة، كما كانت عادتهم دائمًا قبل المعركة.

وقد استولت الدهشة على «أكزركزيس» عندما رأى ذلك، فمكث أربعة أيام منتظرًا العدو أن يتقهقر، وبعد ذلك لما فرغ صبره أمر جنود بالهجوم، واتخذ مكانه على عرشه ولاحظ سير المعركة. وقد صدت الجنود الفارسية حتى «الخالدين» يومين متتالين، وظل الممر في يد الإغريق، وقد استولى الذعر على «أكزركزيس»، حتى إنه قفز ثلاث مرات على ما يقال من فوق عرشه خوفًا على جنوده.

هذا وكان يحمي طريقًا على الجبال جنوبي الممر ألف جندي من أهل «قوسيس»، وهي دويلة إغريقية صغيرة قامت بهذه الخدمة من تلقاء نفسها، غير أن خائنًا من أهل الإقليم يُدعى «إفيالتيز» Ephialtes انقلب على وطنه، وأرشد الفرس إلى الطريق عبر الجبال، وفي فجر اليوم الثالث سمع أهل «قوسيس» وقع أقدام جنود العدو على أوراق شجر البلوط المتساقطة على الأرض، فهربوا واستمر جنود الفرس في سيرهم. وعندما سمع «ليونيداس» بذلك صرف حلفاءه — ومن الجائز أنه كان يأمل من وراء ذلك أنه يكون في مقدورهم أن يهاجموا الفرس، عندما كانوا ينزلون من الجبال في خلفه — وبقي هو وجنود «أسبرتا» معًا مضافًا إلى ذلك بعض جنود «بوشيا» «ويبلغ عددهم حوالي ألف مقاتل» للمحافظة على الممر، وقد ظنوا أن الفرس عندما يطلقون سهامهم ستحجب السماء نفسها من كثرتها، وقد عقب واحد منهم على ذلك قائلًا: «وهذه أخبار سارة فسنحارب إذن في الظل.» ذلك هو الروح الذي قابل به الجنود الإغريق الحرب الهائلة التي أعقبت ذلك، فقتل «ليونيداس» وتقهقر رجاله شيئًا فشيئًا ثم أحيطوا وقتلوا وقد أقيم على مكان دفنهم في ساحة الموقعة تذكار فيما بعد نقش عليه ما يأتي:

احمل الأخبار إلى «أسبرتا» أيها الغريب المار هنا بأننا نرقد طائعين لكلمتها هنا.

زحف بعد ذلك «أكزركزيس» على «أثينا»، ولكنه وجدها تقريبًا خاوية على عروشها، فقد أبحر غير المحاربين من أهلها طلبًا للتجارة إلى جزيرتي «سلامس» و«أجينا» المجاورتين؛ لأن ذلك كما قال «تمستوكليس» هو ما كان يقصده وحي «دلفي» الذي نصحهم بأن يثقوا في جدرانهم الخشبية (أي: سفنهم وسينتصرون بحرًا). وقد استولى «أكزركزيس» على المدينة من يد العدد الضئيل من الجنود الذين كانوا يدافعون عنها وحرق معابدها وبيوتها، وأخيرًا عوقبت «أثينا» وانتقم لمدينة «سارديس»، وبعد ذلك أرسل خبر هذا النصر المبين إلى «سوس» عاصمة ملكه فدوت شوارعها بأنغام الفرح ونثرت بأغصان الغار.

وفي خلال ذلك كان كل من الأسطولين الإغريقي والفارسي يحارب بعضهما بعضًا على مسافة من الشاطئ، وكانت الحروب بينهما في الجهة الجنوبية. وكان عدد السفن الذي أرسلته «أثينا» ثمانين ومائة سفينة، في حين أنه لم يكن بين المدن الإغريقية الأخرى من أرسل أكثر من ثلاثين سفينة.

(٦) وقاعة «سلامس» البحرية ٤٨٠ق.م

تقع جزيرة «سلامس» غربي «أثينا» وتسد جونا يظهر كأنه بحيرة بخليج ضيق على كل من جانبيه، وهنا تجمعت السفن الإغريقية. وكان «تمستوكليس» يعلم أن قواد البلوبونيز يرغبون في أن ينسحبوا إلى «كورنث»، وينضمون إلى قواتهم البرية التي كانت قد بنت بسرعة جدارًا عبر البرزخ لحماية أنفسهم، وذلك كان لا يعني فقط هلاك اللاجئين من الأثينيين، بل كان فيه كذلك خراب بلاد الإغريق؛ لأن أملها الوحيد كان تحطيم سفن الفرس، ومن أجل ذلك أرسل «تمستوكليس» رسولًا إلى الملك العظيم «أكزركزيس» مدعيًا فيه بأنه على ود وصفاء معه، وحاثًّا إياه على أن يسرع في الهجوم وإلا فإن السفن الإغريقية التي في الجون قد تهرب قبل حلول الليل، وقد وقع «أكزركزيس» فعلًا في حبائل هذه المكيدة، وقرر حصر سفن العدو فجلس على عرش وضع على منحدر جبل يطل على المضيق الشرقي يحيط به كتابه على أهبة تدوين الملاحظات عن النصر الذي كان ينتظره؛ وفي غرب المضيق كان ينتظر آخرون وهم الهاربون من «أثينا» على جزيرة «سلامس»، التي كان مصيرها معلقًا على هذه الواقعة.

بدأ الأسطول الفارسي يتحرك إلى الأمام عند انفلاق الصباح وتقدم الإغريق لمقابلتهم، وكلما دخلت السفن الفارسية المياه التي كانت تأخذ في الضيق اشتد ازدحامها وأصبحت لا ساعد لها، وقد اضطرت أن تتلاصق بعضها ببعض، وتتقابل أطرافها وسادت في وسطها الفوضى بسبب كثرة عددها وبهجوم مراكب الإغريق عليها، وقد غرق أو حطم أمام عيني «أكزركزيس» مائتا سفينة من سفنه وقتل رجالها أو غرقوا، وعند غروب الشمس كان كل شيء قد انتهى، وقبل الفجر هربت البقية الباقية من الأسطول الفارسي إلى «هلسبونت». بعد ذلك عاد «أكزركزيس» إلى بلاده بطريق البحر مع جنوده، وقد مات كثير منهم من الجوع أو بالطاعون، وما بقي منهم على قيد الحياة عبر «هلسبونت»، ووقفوا ثانيةً في آسيا. ومن ثم لم يحقق «أكزركزيس» حلمه بفتح أوروبا. وترك «أكزركزيس» خلفه أحد قواده لقيادة جيش عظيم، ولكنه هزم في واقعة كبيرة عند «بلاتا» Platea في إقليم «بوشيا»، فكانت هذه الضربة نهاية الفرس في بلاد الإغريق. وقد انتصر الإغريق في نفس السنة (٤٧٩ق.م) على الأسطول الفارسي على ساحل آسيا الصغرى، وقد كان هذا النصر هو بداية تحرير البلاد الأيونية من حكم الفرس. وهكذا نرى أن بلاد اليونان الحرة قد صدت بعيدًا عنها الاستبداد الفارسي، أو بعبارة أخرى الشرقي وهذه لحظة حاسمة في تاريخ العالم.
هذه الحقائق التي دوناها هنا مأخوذة عن المؤرخ الإغريقي «هردوت»، وهو أكبر مصدر لدينا عن حروب هذه الفترة، وبخاصة أنه عاشرها وعاش فيها. وقد ترك لنا أحد شعراء الإغريق في هذا العهد رواية تمثيلية تصف لنا الأحوال والحوادث كأنها الشاهد العيان. والتمثيلية للشاعر «أسكيلس» Aeschylus، وقد سماها «الفرس» كتبها بعد واقعة «سلامس» بثمانية أعوام.

ومنظر الفصل الأول منها هو قصر مصيف الملك العظيم في «سوس» على مقربة من قبر الملك «دارا الأول»، وذلك بعد حدوث الواقعة ببعض الزمن، حلمت «أتوتا» أم الملك حلمًا مزعجًا ينذر بموت «أكزركزيس»، وكانت هي وشيوخ «سوس» في انتظار أخبار عن الحرب، فنشاهد رسولًا يأتي مسرعًا يحمل أخبارًا مزعجة، فيخبر كيف أن الأسطولين واجه الواحد منهما الآخر في مياه «سلامس»، وكيف أن الإغريق تقدموا إلى المعركة ينشدون أنشودة النصر وهم يصيحون:

يا أبناء بلاد الإغريق
تقدموا حاربوا من أجل حرية أرضكم
وأطفالكم وأزواجكم ونجوا محاريب
أجدادكم الآلهة، إن كل شيء في خطر.

وبعد ذلك نرى في الموقعة التي نشبت بعد أن السفن الفارسية قد أغرقت، أو استولى عليها وغرق الجنود أو قتلوا و«أكزركزيس» ينظر إليهم، ترتدي بعد ذلك الملكة ملابس الحزن، وتقدم قربانًا للموتى وتأمر الشيوخ أن يدعوا «دارا» للعودة إلى الأرض ويسديهم النصح، فيظهر شبحه ويندب جنون «أكزركزيس» الذي جلب مثل هذا الخراب على بلاده، ثم يخبرهم أن أمل الفرس الوحيد هو ألا تهاجم مرة أخرى بلاد الإغريق، أما عن عقابهم:

ذهبوا إلى «هلاس» وكان عندهم الشجاعة
أن يسيئوا إلى صور الآلهة ويحرقوا المحاريب
والمعابد ويهشموا الموائد
ومن أجل ذلك عوقبوا.

يختفي الشبح بعد ذلك — وهو خيال ملك جبار — ويعود «أكزركزيس» بأثواب مهلهلة في صورة حزينة، تنقصها عظمة «دارا» ومهابة الملك وتنتهي التمثيلية بصيحات الحزن والخسارة.

وفي استطاعتنا أن نلمس شعور أهل «أثينا» عند رؤية هذه التمثيلية، إذا تخيلنا تمثيلية تمثل أمام المصريين كسر فيها العدو وعاد بالخيبة والفشل، كهزيمة الجيش الإنجليزي مثلًا عند «دمياط» في عام ١٨٠٧ ميلادية أو هزيمتهم مع الفرنسيين في بورسعيد هذا العام.

(٧) أثينا بعد الحروب الفارسية

لا نزاع في أن «أثينا» قد أصبحت ذات شهرة يشار إليها بالبنان، وصارت مكانتها لا تدانيها مكانة بين دويلات بلاد الإغريق، ولا غرابة في ذلك فقد كانت بعض الدويلات الإغريقية الأخرى تنقصها الشجاعة الكاملة لمحاربة العدو، أو قد امتنعت فعلًا مفكرة في مصيرها هي، في حين أن «أثينا» قد ألقت بنفسها في أحضان الخطر مظهرة أقصى ضروب الشجاعة والصبر، رافضة الاستسلام إلى اليأس، فقد رأينا أنها قد خلصت بلاد الإغريق من الغزوة الأولى بطرد الفرس من «ماراثون»، وفي الغزوة الثانية بانتزاع السيادة البحرية من أيدي الفرس، وبذلك كسبت الحرب. وهذا النصر المبين رفعها إلى ذروة المجد والسلطان وعنفوان الحياة وتحيط بها السعادة والفلاح، وتتحلى بالجمال وحسن الذوق بما نشأ فيها من فنون وعلوم كما سنرى بعد.

عندما عاد أهل «أثينا» بعد هذه الحرب الضروس إلى وطنهم بعد التشريد والتشتيت، وجدوا أراضيهم خرابًا بلقعا وبيوت مدينتهم أثرًا بعد عين، فأخذوا في إعادة بناء بيوتهم، وفي إقامة جدار من جديد حول مدينتهم، غير أن أهل «أسبرتا» أرسلوا إليهم رسولًا في الحال، طالبين إليهم ألا يبنوا هذا الجدار؛ لأن ذلك سيحول المدن إلى حصن للفرس إذا عادوا إليها ثانية. وقد علم «تمستوكليس» أركون «أثينا» بأن هذا ليس هو السبب الحقيقي، وعلى ذلك أخذ يعمل بكل ما لديه من قوة في إقامة هذا الجدار مستعملًا الرجال والنساء والأطفال في إنجازه بما لديهم من المواد التي تقع تحت أيديهم. وقد ذهب هو بنفسه إلى «أسبرتا»، ولكنه عمل ترتيبه بألا يلحق به مبعوثو «أثينا» الآخرون إلا بعد أن يكون بناء الجدار قد ارتفع بالقدر الذي يجعله حاميًا للبلد، وكانت النتيجة أنه في الوقت الذي كان يتساءل فيه الأسبرتيون، ويحتجون على إقامة هذا الجدار وكان «تمستوكليس» يفسر لهم كيف أنه كان مندهشًا من تأخر المبعوثين، كان الجدار قد أقيم فعلًا، ولم يرَ أهل «أسبرتا» بدًّا من قبول الحقيقة الواقعة. بعد ذلك أخذ «تمستوكليس» في تحصين ميناء «بيروس»، التي كانت تقع على مسافة خمسة أميال من الجنوب الغربي من «أثينا»، وقد أصبحت الآن ميناءها الهامة.

(٨) سقوط «تمستوكليس» وتأليف حلف «ديلوس»

أظهر «تمستوكليس» أنه رجل يمتاز بعقل غاية في حدة الذكاء، وأنه سباق إلى فهم ما قد تتمخض عنه الأيام، ماهر في مواجهة الأخطار، لا يعبأ بشيء في سبيل الوصول إلى أغراضه، وقد رأيناه وهو في أوج عظمته، وسنراه الآن وهو يهوي إلى الحضيض.

وقد كانت العادة في «أثينا» أن الرجل إذا أصبح غير محبوب، أو فقد ثقة الناس فيه كان لكل مواطن الفرصة لإسقاطه مرة كل عام بأن يكتب اسمه على قطعة من الفخار، وإذا حدث أن ستة آلاف أعطوا أصواتهم كذلك، فإن الرجل الذي تكون أغلبية الأصوات ضده على قطع الفخار هذه — وتسمى «أوستراكا» — يُنفى لعدة سنوات معلومة. وهذا ما حدث للبطل «تمستوكليس» الذي نفي بعد ذلك إلى «أرجوس». وفي أثناء إقامته هناك اتهمه الأثينيون بأنه على اتصال بالفرس، غير أن هذه التهمة لم تثبت عليه، ولم يذهب إلى «أثينا» ليدافع عن نفسه بل غادر بلاد الإغريق، وبعد أن طاف كثيرًا في البلدان وصل به المطاف إلى بلاط ملك الفرس، حيث عومل باحترام ووهب موطنًا في آسيا الصغرى حيث مات هناك. وبعد نفي هذا الرجل العظيم ظهر في أفق «أثينا» «أرستيدس» الذي كان يناهضه، ولا يرى رأيه في سياسة البلاد، و«أرستيدس» هذا كان معروفًا بين قومه بأنه يمثل العدالة نفسها، وهو الذي وضع الحجر الأساسي في بناء حلف «ديلوس» الذي تحول فيما بعد إلى الإمبراطورية الأثينية.

وسبب تكوين هذا الحلف هو أن الجزر الإغريقية والمدن التي على ساحل بحر «إيجة»، كانت غير محمية من هجوم الفرس في أية لحظة، من أجل ذلك طلبت هذه المدن إلى «أثينا» أن تصبح قائدتها في حلف يتألف من حكومات ودويلات بحر «إيجة»، وقد قبلت «أثينا» ذلك العرض عن طيب خاطر. وفي عام ٤٧٨ق.م تألف الحلف على أن يكون مقره جزيرة «ديلوس»، وهي جزيرة صغيرة في بحر «إيجة». وقد قيل إنها مسقط رأس الإله «أبوللو» حيث كان يجتمع فيها كل أهل «أيونيا» لتعظيمه. وفي هذه الجزيرة كان يجتمع مجلس الحلف ويتشاور أعضاؤه فيما بينهم، وكذلك كانت مالية الحلف تحفظ فيها. وكان على كل حكومة أن تسهم بسفينة أو أكثر في تكوين الأسطول الإغريقي، أما الحكومات التي لم تكن قادرة على ذلك، فإنها كانت تسهم بالمال سويًّا على قدر الطاقة. وعلى مر الأيام أخذت «أثينا» تجبر البلدان الإغريقية الأخرى على الاشتراك في هذا الحلف، وتقهر التي كانت تحاول الخروج منه، ثم نقلت خزانة الحلف من «ديلوس» إلى «أثينا»، وسبب ذلك أنه على الرغم من أن «ديلوس» كانت جزيرة مقدسة للإله «أبوللو»، ويمكن أن تكون بعيدة عن أي هجوم، إلا أن الأثينيين قالوا إنه يحتمل أن يهاجمها الفرس ويغتصبوا ما فيها، وعلى ذلك فإن الخزانة تكون في أمان تحت حمايتهم، وسبب هذه التغيرات وغيرها من الأمور الهامة أصبح حلف «ديلوس» بعد مضي أربع وعشرين سنة من تأليفه يكون ما نسميه بالإمبراطورية «الأثينية».

(٩) عصر «بركليز»

والواقع أن «أثينا» بعد السيطرة على أعضاء هذا الحلف بلغت أوج رفعتها، ولكن لم تلبث أن بدأت المتاعب تنتابها من أعضاء هذا الحلف، إذ ثار عليها عدد من هذه الدويلات التي كانت خاضعة لسلطانها، وقد تجاسر جيش أسبرتي على مهاجمة «أتيكا»، وأخذ يقتل ويحرق ويخرب البلاد. وقد كان من حسن الحظ أنه كان على رأس «أثينا» وقتئذ قائد حكيم مثل «بركليز»، فقد رأى بفكره الثاقب أنه على الرغم مما كانت تتمتع به «أثينا» من قوة، فإنه لن يكون في استطاعتها أن تخمد الثورات في البلاد الخارجة عليها، وفي الوقت نفسه نحارب «أسبرتا»، فعقد أولًا صلحًا مع «أسبرتا» لمدة ثلاثين سنة وأطلق عليه صلح «بركليز».

وكان «بركليز» هذا رجلًا يمتاز بالجد وضبط النفس وسمو العقل كما كان حاضر الذهن، أرستقراطي النزعة، ديمقراطي الميول، وخطيبًا مصقعًا لا يجري وراء الشهرة الشعبية بل كان يبتعد عنها بطريقة تدل على العزة والاحتشام حتى إن الناس أطلقوا عليه «الألمبي»، وقد بقي ثلاثين عامًا ممسكًا بزمام الأمور في «أثينا» بعزم وأصالة رأي، وقد بدأ أولًا محاولة إغراء الحكومات الصغيرة الإغريقية في بلاد اليونان نفسها في أن تنضم إلى «أثينا»؛ لتكوين اتحاد مؤلف من مدن حرة، وكذلك عمل على إعادة إصلاح المعابد التي خربها الفرس خلال حروبهم؛ لتكون دليلًا على إظهار شكر الأثينيين على ما وهبوهم من نصر على عدوهم الجبار، وعندما رفضت حكومات البلوبونيز هذا العرض حول «بركليز» أفكاره ومجهوداته إلى إعادة بناء معابد «أثينا». وقد استعمل جزءًا من أموال حلف «ديلوس» في النفقات اللازمة لذلك، وعندما عارض نفر من الأثينيين في ذلك أجاب «بركليز» بأنه إذا كانت الجزر والمدن قد أصبحت في مأمن من الفرس، فإن «أثينا» بوصفها رئيسة الحلف هي التي عملت كل ما يلزم للوصول إلى هذا الأمن. ومن المحتمل أن يوافق الإنسان مع المعارضين، ولكن «بركليز» كانت له طريقته، وشرع في جعل «أثينا» أجمل مدن بلاد الإغريق قاطبة، ففي مدى عشرين سنة تقريبًا كان تل «اكروبوليس» الصخري المنحدر قد توج بالمعابد الجميلة والتماثيل البديعة، ولا بد أن منظرها وقتئذ كان غاية في البهجة في سماء وهواء «أثينا» الصافي وجبالها وبحرها، وبخاصة أن هذه المباني كانت مقامة من المرمر، ولونت بعض أجزائها بالألوان الزاهية. وكان منحدر «اكربوليس» الغربي يؤدي في أعلاه إلى المبنى المسمى «بروبيلا»، وهو بناء جميل مؤلف من عدة عمد له طريق ينفذ الإنسان منها إلى قمة التل، وعن يمينه أقيم على ركن صخري فيما بعد معبد النصر الصغير، وهو مقدس للإلهة «أثينا» ويطل على جزيرة «سلامس».

وكان يشمخ على قمة التل التمثال البرنزي العظيم للإلهة «بلاس أثينا»، وكان شاهقًا في ارتفاعه حتى إن البحارة الذين كانوا يلفون حول أقصى نقطة جنوبية في «أتيكا» كان في استطاعتهم رؤيته. وخلفه أقيم مبنى من أهم مباني العالم. وهذا هو «برثنون» Parthenon٤ معبد «أثينا» الإلهة العذراء، وكان مقامًا من الرخام الأبيض السمني اللون وزينه الحفار الشهير «فدياس»، وكان يرى من بابه المفتوح من نهايته الشرقية قاعة ذات عمد نصب فيها كذلك تمثال آخر للإلهة نحته «فدياس» أيضًا. وكان مغطى بالعاج وسجف بالذهب ويرتدي خوذة، وزردية وترسا. وهذا التمثال في جماله السامي كان يُعد عند الأثينيين صورة مجسمة لآلهتهم واقفة على استعداد لحماية مدينتها.

ولم تكن المعابد الإغريقية تحتوي على منافذ، ولكن كان الضوء يدخل إليها من الباب الشرقي العظيم — ومن المحتمل كذلك من أحجار المرمر الشفيفة التي يتألف منها السقف — فينتشر على الذهب الوهاج والعاج الذي كان يغطي التمثال. وخلف قاعة الآلهة كانت توجد حجرة صغيرة استعملت خزانة للإلهة «أثينا»، وهي عند الإغريق إلهة الحكمة والنظام الشخصي؛ ولذلك فإن «فدياس» عندما أراد أن يعبر عن ذلك حفر على ترسها، وعلى أماكن في ظاهر المعبد مناظر تظهر انتصارات الإغريق على الأمازون المتوحشة و«سنتور»، ومناظر إلهة منتصرة على شياطين جامحة فخورة، كل ذلك كان المقصود منه التعبير عن روح الإلهة «أثينا» ومدينتها. وقد حفرت مناظر أخرى على جدران «برثنون» الخارجية؛ لتقص علينا قصة هذه الآلهة. ففي مكان مرتفع فوق العمد كان يوجد في كل طرف مساحة مثلثة تسمى «قوصرة» (واجهة) تحتوي على مجموعة تماثيل، ويفسر لنا واحد منها كيف أن أنباء ولادتها قد انتشرت في الخارج، وتشاهد الإلهة «إريس» إلهة قوس قزح، وهي تنشر ألوانها لتحمل الأنباء السارة، والقوصرات (الواجهات) الأخرى فسرت لنا كيف أن الإلهة «أثينا» قد انتصرت على مناهضها الإله «بوزيدون»، وأصبحت الإلهة الحامية لمدينة «أثينا»، وقد كسبت بذلك لمدينتها الينبوع الملح الذي كان رمزًا لسيادتها في البحر، وكانت قد استولت على الزيتون الذي منحها زيته السيادة على التجارة. وكان يوجد أفريز في داخل الصف الخارجي من عمد المعبد منقوش، وهو يمثل الموكب العظيم الذي أقيم على شرف الإلهة «أثينا». ويخيل للناظر إليه أن صور الرجال والشبان والعذارى وحيوانات الضحية والخيل يسيرون إلى الأمام بين العمد كلما تقدم الإنسان في طريقه خارج المعبد. والواقع أن كل المعبد كان يمثل الخدمة التي قدمها الأثينيون للإلهة اعترافًا بعظمتها وهداياها وقوتها الحامية لهم.

(٩-١) الحياة الاجتماعية في عهد «بركليز»

لقد خلق «بركليز» بالإصلاحات التي قام بها في مدة حكمه الطويل جوًّا صالحًا لحياة ناعمة في «أثينا»، وما حولها من البلدان حتى إن الزائر «لأثينا» في ذلك الوقت كان يرى فيها الحياة تعج بكل ما يدهش النظر ويستولي على اللب، فعندما كانت تطأ قدمه ميناء «بروس» العظيمة التي كان قد حصنها «تمستوكليس» بجدران قوية يبلغ ارتفاعها ستة عشر مترًا، وسمكها خمسة عشر مترًا يراها مزدحمة بالسفن الحربية الأثينية، وسفن الشحن وسفن التجارة. وفي هذه الميناء كانت السفن من كل الجهات القاصية والدانية تفرغ شحنتها من خشب وصوف ونبيذ وقمح وحديد ونحاس وعاج بمثابة مواد للصناعات، وكذلك كانت تتدفق على تلك الميناء التي كانت تعد المركز الرئيسي لبلاد الإغريق السجاجيد من بلاد العجم والعطور من بلاد العرب وغيرها من المواد الأخرى، التي لا تحصى. وقد قال «بركليز» في هذا الصدد: «إن مدينتنا تجذب محاصيل كل العالم.» ومعظم هذه التجارة كان يقوم بها أجانب يقطنون في «أثينا»، ولم يكونوا يحسبون ضمن المواطنين الأثينيين، غير أنهم كانوا يصبحون غالبًا أغنياء كما كانوا يجلبون الثروة إلى «أثينا» في الوقت نفسه.

وكان يصل الإنسان من ميناء «بروس» إلى «أثينا» بطريق عرضها حوالي مائتي متر يسير فيها الإنسان بين جدارين من الحجر؛٥ مما جعل «أثينا» تسيطر على البحر، كما كانت تحميها في وقت الحرب. وعندما كان يصل الإنسان إلى المدينة من جهة الغرب، فإنه كان يمر في شوارع بها صناع من كل صنف من الإسكاف وصانع الحبال إلى الصائغ الماهر الذي يصوغ الذهب، وينقش العاج وينحت الأحجار. وهؤلاء العمال كانوا يعملون لحساب أنفسهم، وغالبًا ما كان يساعدهم تلاميذ وعبيد، والواقع أنه كان يوجد عدد عظيم من العبيد في بلاد الإغريق، غير أنهم كانوا غرباء عن «أثينا» إذ كان معظمهم قد جلبوا أسرى حرب أو اشتروا بالمال، وعلى أية حال لم يكونوا يعاملون في «أثينا» معاملة حسنة إلا في مناجم الفضة، حيث كانوا يعملون في أحوال قاسية.

على أن أهم صناع هم أولئك الذين كانوا في حي صناعة الفخار، إذ إن عجلة صانع الفخار كانت تخرج أواني من الصلصال على كل الأشكال والأنواع، مثل جرار النبيذ والزيت والشهد وأقداح الشراب وأواني الخلط، وزجاجات العطور وصناديق المسوح. وكان صانع الفخار الإغريقي ذا عبقرية في عمل أوانٍ أنيقة الشكل، وهي تقلد في أيامنا هذه، وكان يعمل معه مفتنون مشهورون في تزيين الأواني بمناظر من الأساطير الإغريقية، أو مناظر من الحياة اليومية، وكانت ترسم باللون الأسود على رقعة الأواني المائلة للون الأحمر، ومنذ زمن الحرب الفارسية تركت الأشكال بدون صباغة، وكانت المسافات التي بين هذه الأشكال على رقعة الآنية تملأ بالصبغة السوداء. وكان صناع الفخار والرسامون يفخرون بأعمالهم، وغالبًا كانوا يضعون إمضاءاتهم عليها، مثال ذلك ما كتبه اثنان منهما «ارجينوس» صنعني أو «آسون» رسمني ولا غرابة إذا وجدنا أن الإغريق كانوا يميلون إلى استعمال هذه الأواني في حياتهم اليومية، هذا إلى أن هذه الأواني كانت تصدر إلى خارج بلاد اليونان بكميات كبيرة.

وكثير من مباني «أثينا» الواقعة في هذا الجزء الجنوبي كان يتألف البيت منها من طابق أو طابقين، وله سقف مسطح وليس له نوافذ تطل على الشارع. وهذه كانت بيوت عامة الشعب، وكان يدخل فيها الإنسان من ممر مؤدٍّ إلى ردهة مفتوحة لا سقف لها تحفها الخارجات والحجرات. وكانت هذه البيوت وأثاثها غاية في البساطة؛ لأن أهل «أثينا» كانوا لا ينفقون أموالهم على الكماليات على أنهم في الوقت نفسه كانوا لا يرون أي إسراف في تجميل مبانيهم العامة ومعابد الآلهة، فقد كانوا ينفقون عليها كل ما يمكن إنفاقه. وكانت ربة البيت تصرف معظم وقتها في داخل بيتها تغزل وتنسج وتصنع ملابسها وملابس زوجها بيدها، كما كانت تدير شئون خدم بيتها، وكان تعليمها ضئيلًا إلى أقصى حد، فكانت لا تعرف شيئًا في السياسة، وكانت الفرص أمامها قليلة لتتعلم أي شيء عن العالم الخارجي، أو لمقابلة الناس أو الاختلاط بهم، وكانت لا تخرج قط من بيتها إلا ومعها تابع لها، وكانت بناتها يلزمن عقر دارهن، ويبدأن حياتهن التي كانت لا تختلف في شيء عن حياة أمهن، أما أولادها الذكور فكانوا يرسلون إلى المدرسة يوميًّا عندما كانوا يبلغون السادسة من عمرهم يصحبهم عبد يحمل لقب مربٍّ، وكانوا يتعلمون حتى الرابعة عشرة في المدرسة القراءة والكتابة والحساب، وكانوا يحفظون شعر «هومر»، ويلقونه ويضربون على القيثارة، ويمرنون أجسامهم في «البالاستر» أو مدرسة المصارعة والرقص والتمارين الرياضية. وإذا كان الوالدان من الأغنياء، فإن الأولاد كانوا يستمرون في التعليم حتى يبلغوا السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمرهم، وكان مثلهم بعد ذلك كمثل كل مواطن أثيني يدربون، ويخدمون مدة سنتين في الجيش.

أما حياة الزوج فكانت حافلة بالفوائد، فقد كان كل أثيني مغرمًا بالقيام مبكرًا من نومه، ويخرج إلى الهواء الطلق ويصرف فيه معظم يومه. وكان يترك معظم التجارة للأجانب، ولكن كان لديه مهام عظيمة غير ذلك مثل المناجم أو تجارة الأخشاب التي يمكن أن يكون له فيها فائدة، هذا بالإضافة إلى واجباته العامة، فكان يأخذ دوره بوصفه محكمًا في المحاكم القضائية، وعلى الرغم من أنه قد لا ينتخب عضوًا من أعضاء المجلس أو موظفًا عاليًا، فإنه كان ينتظر منه أن يحضر جمعية الهواء الطلق الخاصة بالشعب؛ لأجل أن يعطي صوته في المسائل العامة. والمواطنون الذين كانوا يتراخون في تأدية هذا الواجب، ويفضلون التسكع في السوق كانوا يساقون منها إلى الجمعية بوساطة عبيد ممسكين بحبل طويل مدهون بالزنجفر — لون أحمر — الذي كان يلون ملابسهم ويظهرهم بأنهم يميلون إلى الكسل والبلادة. وقد أنشأ «بركليز» أجرًا صغيرًا للخدمة في المحاكم القضائية؛ وذلك لأنه أراد أن يجعل كل مواطن قادرًا على أن يقوم بنصيبه فيختار محكمًا، ولكن شيوخ «أثينا» هزوا رءوسهم استهزاءً من أجل دفع مقابل للناس على أداء واجبهم.

وبجانب حي صناع الفخار كانت السوق «أجورا» مزدحمة قبل الظهر، وذلك عندما كان سكان القرى يعرضون محصولهم على دككهم في حوانيتهم. فكانوا يبيعون هنا خضرهم وفاكهاتهم وجبنهم ونبيذهم ودجاجهم وخنازيرهم، وكذلك كانت توجد دكك منوعة للفخار والأحذية والكتب، وغير ذلك من المناظر المألوف رؤيتها في الأسواق، ولكن موضع هذه السوق كان ذا جمال خارق لحد المألوف؛ لأنه كان يشرف عليه تل «الأكربوليس» بمعابده وتماثيله التي كانت متعة للناظرين، وبجانب «الأجورا» قاعة عمد ملونة بمناظر من موقعة «ماراثون»، والاستيلاء على «طروادة»، والواقع أن «الأجورا» كانت تقابل ما نسميه الآن مقرًّا مدنيًّا لا مجرد سوق. إذ في هذا المكان كان في مقدور الأثينيين أن يناقشوا مع أصحابهم السياسة الحاضرة والأخبار، أو الشائعات التي على الألسن، وكذلك آخر رواية مثلت أو أحدث تمثال ظهر.

والواقع أنه كان هناك شيء جديد يرى أو يسمع؛ مما جعل الحياة شيقة متجددة لأهل «أثينا» المغرمين بالإفاضة في الحديث. وكانت وجبة المساء تؤخذ في البيت، وهي أهم وجبة عندهم في اليوم. وكان لا يسمح للنساء على أية حال أن يشتركن في هذه الوجبة إذا كان فيها ضيوف. هذا ولم يكن مصرحًا للنساء على أية حال بالذهاب إلى المسرح لحضور الروايات التراجيدية أو الاشتراك في بعض الأعياد، وبخاصة عيد «باناثنا» الكبير الذي كان يعقد في الصيف كل أربع سنوات على شرف الإلهة «باللاس أثينا»، وكانت تختار عذارى أثينيات ليغزلن مدة تسعة أشهر قبل انعقاد هذا العيد الكبير قطعًا مستطيلة من النسيج مصبوغة باللون الأصفر؛ لأجل أن تكون ثوبًا يقدم لهذه الإلهة. وكانت ستة الأيام الأولى من العيد تخصص للمباراة في الموسيقا وإلقاء القصائد والألعاب الرياضية. وفي اليوم الأخير كان يعمل سباق المشاعل الذي كان يتسابق فيه الشباب بشعلة متقدة من نار مذبح «بروميتوس» Prometheus٦ إلى المدينة، وكانت المكافأة يحظى بها الشاب الذي يصل أولًا بالشعلة وهي لا تزال متقدة. وفي أعياد أخرى كان هذا السباق بالتناوب، وذلك أن الشعلة كانت تسلم من شاب لآخر لكل أفراد الفرقة بالتتابع. والمكافآت على الألعاب كانت جرارًا كبيرة تحتوي زيتًا جميلًا من شجر الزيتون المقدس عن الأثينيين. وهذه الأواني كان مرسومًا عليها باليد صور الآلهة على أحد جانبيها، وعلى الآخر كانت غالبًا تصور صور الحادثة التي من أجلها كسبت الجائزة. وفي آخر يوم من أيام هذا العيد كان يقام موكب عظيم، يفتتح أولًا بسفينة تسير على أسطوانات، والثوب الزعفراني اللون منشور على ساريتها كأنه شراع، ثم يتبع ذلك عذارى يحملن سلالات قربان وثيران بيضاء للتضحية، وشيوخ يحملون أغصان الزيتون، وشبان يمتطون ظهور الخيل، أو يقفون بجوار الجياد والعربات — وهذا الجزء الأخير من الموكب كان منقوشًا في أفريز معبد «البرثنون» — وكان الموكب صاعدًا المنحدر الحاد «للأكروبول» في داخل البوابات العظيمة ومارًّا «بالبرثنون» إلى معبد كان يضم تمثالًا قديمًا من الخشب مقدسًا للإلهة «باللاس أثينا»، وعليه كان يوضع الثوب الزعفراني اللون. هذا وكانت نهاية العد سباق قوارب لا نعرف شيئًا عن تفاصيله.

(أ) الألعاب الرياضية والألعاب الأولمبية

كانت تقام أعياد أخرى بالإضافة إلى الأعياد الخاصة التي كانت يحتفل بها على شرف إله أو إلهة المدينة الواحدة، وهذه الأعياد كانت تدعى الأعياد «البانهيلانية» أي: لكل بلاد «هليوس» وهو الاسم الذي كان يطلق على العالم الإغريقي كله. وكان يحضرها إغريق من كل دنيا الإغريق. وكان يحتفل بواحد من هذه الأعياد في «دلفي»، وقد تحدثنا عنه فيما سبق، وسنتناول بالوصف الآن أشهر هذه الأعياد العامة قاطبة، وكان يقام في «أولمبيا» في «أليس» الواقعة على الساحل الغربي لشبه جزيرة «بلوبونيز» على شرف الإله «زيوس» أعظم آلهة الإغريق، وكان صاحب شهرة في كل العالم؛ بسبب الألعاب والمباريات التي كانت تحدث في هذا العيد.

ولا بد أن نفهم أولًا أن الألعاب الرياضية كانت تؤلف جزءًا من تربية كل شاب إغريقي، بل من حياة الرجل الإغريقي، وكانت كلما نمت المدن بنيت فيها ملاعب للرياضة البدنية، ولم تكن هذه مسقوفة كما هي الحال عندنا، بل كانت ملاعب كبيرة محاطة بعمد وتقع بجوار مجرى ماء وخميلة أشجار للتبريد.

وكان الرجل الرياضي يخلع ملابسه، ثم يدلك جسمه بالزيت لتصير أطرافه لدنه، وكان في بعض التمارين مثل المصارعة يرش جسمه بالتراب أو البدرة ليحفظ جسمه باردًا وجافًّا. وهذا الزيت وهذا التراب كانا يزالان من جسمه فيما بعد بالكحت بوساطة آلة صغيرة. وكانت التمارين تحتوي على الجري والمصارعة والنط والرماية بالحربة أو القرص — وهو قرص مسطح مستدير من الحجر أو المعدن — وكانت هناك ألعاب أخرى مثل لعب الكرة، وهذه كانت تشبه لعبة الهوكي الآن. ولدينا صور على أوانٍ نشاهد فيها المدربين واقفين بجوار اللاعبين، وبيد كل واحد منهم قضيب وكذلك نشاهد رجلًا ينفخ في مزمار ليساعد التلميذ؛ ليتحرك بطريقة إيقاعية جميلة لا بالقوة والسرعة فحسب، وبعد انتهاء التمرينات كان ينغمس اللاعب في ماء بارد أو يقف تحت «دش»، ثم يدلك مرة أخرى بالزيت ويحك جلده بآلة خاصة، وبكل هذا التدريب أصبحت الإغريق أمة رياضية. وكانت أجسامهم القوية الرشيقة موضوعات مغرية للمثالين المشهورين في هذه الأيام. وكان الرسل يأتون كل أربعة أعوام إلى كل مدينة من مدن «هيلاس»؛ ليدعوا المواطنين الأحرار من الإغريق ليأتوا إلى «أولمبيا»؛ ليحتفلوا بالعيد الذي كان يعقد هناك في أواخر الصيف. وكان هؤلاء يستقبلون في كل مكان بنفس الترحاب العظيم، سواء أكانت المدينة في بلاد الإغريق نفسها أم بعيدة في إيطاليا أو مصر أو سواحل البحر الأسود. ولم يكن الرياضيون وحدهم هم الذين يستعدون للرحيل إلى «أولمبيا»، بل كان ينتخب رجال بمثابة وفود يمثلون مدينتهم في كل الأحفال التي كانت تقام في «أولمبيا»؛ وذلك لأنه كان من المستحيل على كل المواطنين أن يذهبوا إلى مكان بعيد كهذا، ويتركون عملهم مدة طويلة كهذه.

وكان الرسل يعلنون باسم الإله «زيوس» هدنة مقدسة.٧ وبذلك تكون خمسة الأيام الخاصة بالعيد والرحلات برًّا وبحرًا من كل أنحاء العالم الإغريقي في مأمن من الحرب أو الخطر.

وكلما اقترب يوم الاحتفال ازدحمت الطرق البحرية والبرية المؤدية إلى «أولمبيا» أكثر فأكثر بالإغريق الذين كانوا في سبيلهم إلى مكان العيد، وهو سهل صغير محوط بالتلال ويرويه نهر جارٍ. وكان كل المتنافسين قد سبقوا إلى هذا المكان بمدة شهر أو أكثر؛ ليتمرنوا في مكان المسابقة على حسب قواعد الألعاب، وكان هؤلاء والممثلون يقيمون في أحياء خاصة، ولكن بعض الزوار كانوا ينامون في خيام أو في أخصاص في العراء. ولم يكن يسمح لأحد أن ينام في البقعة المقدسة التي كانت تشمل المعابد والموائد الخاصة بالآلهة بما في ذلك أقدس مكان وهو معبد «زيوس» نفسه. ففي هذا المعبد كان يجلس تمثال الإله المصنوع من الذهب والعاج على عرش منحوت من العاج والأبنوس، ومزين بالذهب والأحجار الكريمة، ومعه صورة «النصر» في يده اليمنى وصولجان في يده اليسرى. وهذا التمثال كان أعظم قطعة فنية أخرجتها يد المثال «فدياس»، وكان التمثال ذائع الصيت لا لحجمه الذي كان يبلغ أربعين قدمًا؛ بل لأن جلاله وجماله قد ملأ أذهان الناس بما يوحي من هيبة واحترام.

وهذا المعبد بالإضافة إلى الأرض المقدسة التي كان مقامًا عليها يُعد المركز الهام للجزء الديني في هذا الاحتفال. فكان القضاة والمدربون والرياضيون يعقدون الأيمان عند مذبح «زيوس» العظيم الذي كان موضوعًا خارج المعبد بالضبط في اليوم الأول، على أن يكونوا معتدلين في مسابقاتهم. وكان يقام في اليوم الثالث موكب عظيم يسير فيه قضاة الألعاب مرتدين ملابس أرجوانية، وكهنة، وممثلون من المدن حاملين هدايا من الأواني الذهبية والفضية. ويقفو هؤلاء خيالة بعرباتهم والرياضيون وأصحابهم. وكل هؤلاء كانوا يقدمون ضحية مقدسة، وكان يهصر من شجرة الإله المقدسة أغصان زيتون للأكاليل التي كانت تعطى مكافآت للانتصار في الألعاب، وفي اليوم الخامس كان المنتصرون يقدمون ضحية للإله «زيوس»، وهم متوجون بهذه الأكاليل.

وخلافًا لهذه الأحفال كانت هناك أشياء كثيرة تهم الزوار، إذ كان في استطاعتهم أن يجولوا في وسط الأشجار المقدسة لهذه البقعة متفرجين على المعابد والتماثيل، وعلى الهدايا التي أحضرت للإله، وكان يمكنهم أن يسمعوا الفلاسفة والشعراء، وكان المؤرخون يقرءون مؤلفاتهم، ويصغون إلى الرسل وهم يعلنون قوانين جديدة لهذه المدينة أو تلك أو معاهدة أبرمت بين اثنتين منها، وكل هذه الأشياء كانت هامة عند الإغريق لما جبلوا عليه من حب الاستطلاع، غير أن هذه لم تكن مثيرة لعواطفهم، كالألعاب التي كانت تعقد في الأيام الثانية والثالثة والرابعة من أيام هذا العيد.

ولما كانت النساء المتزوجات لا يسمح لهن بحضور هذه الألعاب، فإنهن كن يكتفين بألعابهن الخاصة في عيد النسوة الذي كان يحتفل به على شرف الإلهة «هيرا»، وهذا العيد كان يعقد في «أولمبيا»، ولكن في أعوام مختلفة عن عيد الألعاب العظيمة، والظاهر أن النسوة اللائي كن يحضرنه هن اللائي كن يسكن بالقرب منه وهو عيد بسيط إذا ما قرن بعيد الرجال.

الألعاب

وكان أول سباق هو سباق العربات الذي كان يسبب انفعالات، وضجة شديدة لدى المتفرجين عندما كانت العربات تنهب الأرض وهي تلف حول المضمار لقطع الشوط الذي كان يبلغ طوله تسعة أميال. وكان يتبع ذلك سباق الخيل غير المسرحة، هذا إلى عمل التجارب في المضمار للرياضيين، وهي التي كانت تتألف من الجري والنط والرماية بالقرص والحربة. وكان هناك محكمون على وجه عام للمكافأة، وفي اليوم الثالث كانت ألعاب الأولاد وتحتوي على الجري على الأقدام والمصارعة والملاكمة. وفي اليوم الرابع كان سباق جري الرجال الذي كان يختلف في الطول بين مائتي ياردة إلى ثلاثة أميال. ويمكن أن تشاهد حتى الآن العلامات التي في الحجر، حيث كان المتسابقون يدوسون الخط الفاصل، ويأتي بعد ذلك بعض المصارعة، والملاكمة القوية جدًّا، وكانت محببة بدرجة عظيمة لدى المتفرجين، وأخيرًا تأتي مباراة السلاح. وكان آخر يوم ينتهي بالابتهاج وبإقامة وليمة عامة كان الفائرون يدعون لها.

وفي اليوم التالي لذلك يعود الكل إلى مدنهم، وكان المهزومون على حسب قول الشاعر «بندر» يصلون إلى أوطانهم خلسة مصابين بسوء حظهم، ولكن الفائزين كانوا يستقبلون بالفرح؛ لأنهم قد حملوا معهم الشرف لمدينتهم على مرأى من كل «هلاس»، وكانت أناشيد النصر تكتب على شرفهم بقلم الشاعر «بندر» وغيره من شعراء العصر، وكانت تنشدها الجماعات من الرجال والأولاد، وذلك خلال ما كان البطل الفائز يرتدي الثوب الأرجواني، ويسير في عربة إلى معبد الإله الرئيسي للمدينة؛ ليقدم له إكليل نصره المصنوع من أغصان الزيتون. وكان الفائز في «أثينا» يمنح مكافأة كما كان له الحق في أن يحتل مكانه شرف في الأعياد العامة، ويتناول وجبات بدون ثمن في قاعة المدينة «بريتانيوم» إذا كان في حاجة إليها. أما إذا كان الفائز قد انتصر في ثلاثة ألعاب في المباريات في ثلاث دورات متتاليات، فإنه كان يقام له تمثاله في «أولمبيا» نفسها.

والواقع أن هذا العيد كان غاية في الأهمية في أعين الإغريق، حتى إنهم عندما كانوا يريدون أن يؤرخوا أية حادثة وقعت لهم كانوا يحسبونها من أول سنة ٧٧٦ق.م وهو تاريخ أول انعقاد للعيد الأولمبي — أي: كما يؤرخ المسيحيون بتاريخ عصر المسيح والمسلمون بهجرة سيدنا محمد — والألعاب التي تقام في هذا العيد كانت، ولا تزال شهيرة حتى أطلقنا في عصرنا على الدورات العالمية، التي تعقد في ممالك العالم المختلفة الحديثة اسم الألعاب الأولمبية.

(ب) أول ظهور الدراما الإغريقية

تدل شواهد الأحوال على أن الدراما الإغريقية لم تكن الأولى من نوعها في العالم، فقد دلت البحوث والكشوف الحديثة على أن الدراما المصرية قد سبقتها في هذا المضمار بآلاف السنين، وقد شرحت هذا الموضوع في غير هذا المكان.٨ وكما أن الدراما المصرية كانت خاصة بالإله «أوزير»، فإن الدراما الإغريقية كانت كذلك خاصة بالإله «ديونيسيس». وتدل الموازنة على أن كل دور منهما كان واحدًا لدرجة أن بعض المؤرخين يعتقد أن «ديونيسيس» مشتق من «أوزير»، وعلى أية حال سنحاول هنا أن نفسر معنى كلمتي «تراجدي» (= مأساة) و«كومدي» (= تمثيلية مضحكة)، لا كما نفهمها نحن الآن، بل كما كان يفهمها الإغريق في بادئ الأمر في مسارحهم، وبخاصة في مسرح «أثينا» في عز مجدها.

ففي نهاية شهر مارس من كل سنة كان يعقد عيد عظيم للإله «ديونيسيس» إله الخمر، وهو الذي على شرفه نمت الدرامات. فكان في كل يوم من أيام العيد الثلاثة يهرع الناس عند مطلع الفجر إلى مكان فسيح مكشوف مستدير تقريبًا يحتوي على مقاعد مدرجة، نقرت في جانب تل «الأكروبوليس»، وهذا كان مسرح «ديونيسيس»، وكانت مقاعده من غير ظهر وغير مقسمة وضيقة وخشنة. وكان من الخير لكل إنسان أن يحضر معه وسادة وطعامًا يكفيه يومًا كاملًا، ولكن كان محرمًا عليه أن يحضر معه مظلة؛ لأن ذلك كان يضايق الصف الذي خلفه. وكان المتفرجون الذين يبلغ عددهم حوالي خمسة عشر ألف نسمة يفدون على المكان شيئًا فشيئًا، فكان منظرًا بهجًا، إذ كان القوم يلبسون في مثل هذه المناسبة ملابس مختلفة ألوانها زاهية، كما كانوا يلبسون كذلك الملابس البيضاء المعتادة. وعندما كان وقت التمثيل يقترب كانت المقاعد التي في الصف الأول، وهي التي كانت محجوزة للأفراد الذين أرادت المدينة أن تكرمهم، تملأ بالموظفين والكهنة والقواد والأطفال الذين سقط آباؤهم في ميدان الشرف من أجل مدينتهم، والسفراء من الحكومات الأجنبية، أما مكان الشرف الأول، فكان يتربع فيه كاهن الإله «ديونيسيس»، وكان يوجد أسفل الصف الأول من المقاعد مكان مسطح مستدير يدعى أوركسترا أي: «مرقص»، وفي وسطه مذبح الإله «ديونسيس» وخلف ذلك كان من المحتمل طوار منخفض له ظهر كان يمثل عادة واجهة قصر؛ وذلك لأن الروايات التمثيلية كانت غالبًا تتناول الأسر الملكية، غير أن الشاعر لم يكن مرتبطًا بمثل هذا المنظر إذا كان يريد أن يمثل واجهة معبد، أو منظرًا طبعيًّا ولم يكن هناك ستارة. وفي هذا الوقت كان المحكمون الذين سيمنحون المكافأة في مقاعدهم؛ وذلك لأن العيد كان مباراة لأحسن رواية تمثيلية كتبت ومثلت أحسن تمثيل. وقد كان ينتخب ثلاثة شعراء واحد لتمثيل يوم، وكان هذا اليوم طويلًا أيضًا؛ وذلك لأن كل شاعر كان قد كتب ثلاث مآسٍ — وغالبًا ما يكون بعضها مرتبطًا ببعض ارتباطًا تامًّا في الغرض، وتكون في الأغلب كأنها ثلاثة فصول طويلة لتمثيلية واحدة — وكان يأتي بعدها مباشرة رواية مضحكة تكون بمثابة تفريح للنظارة بعد مشاهدتهم تلك المآسي. وكان جوق هذه التمثيليات يمثل في صور «بجن»، وهي مخلوقات طروبة لها أنوف فطس، وآذان مدببة وحوافر وذيول، وكانوا متصلين بعبادة الإله «ديونيسيس».

وأكبر كتاب المأساة — تراجدي — عند اليونان ثلاثة وهم «إيسكبلس» (٥٢٥–٤٥٦ق.م) وقد اشترك في حرب موقعة «ماراثون». ثم «سوفوكليس» (٤٩١–٤٠٤ق.م) وقد كان قائدًا في إحدى حروب «أثينا» فيما بعد، وأخيرًا «يوربيديز» (٤٨٠–٤٠٦ق.م) وهؤلاء الشعراء الثلاثة كانوا مختلفي المشارب اختلافًا بينا، فكان «إيسكيلس» خشنًا فطنا ولكنه كان عظيمًا. حقًّا كانت مآسيه غاية في الجمال، ولكنها كانت قد كتبت بصورة جدية حتى إنها بعد بضع سنين أخذ الناس يملونها، وصوتوا للإجازة في جانب «سوفوكليس»؛ وذلك لأن أشخاص تمثيلياته لم يلبسوا صورًا جدية ورسمية، بل ظهروا كأنهم أناس حقيقيون، ومن ثم نجد أن «سوفوكليس» كان أكثر تهذيبًا منه كما كان أهدأ نفسًا. أما ثالثهم وهو «يوريبيديز» Euripides، فإنه على ما يظهر كان يفهم الشعب الذي يكتب له أكثر من «سوفوكليس»، وكان يحب الطبيعة ولذلك كانت رواياته تستهوي السامعين بسرعة وتحرك عواطفهم؛ لأنها كانت مليئة بموضوعات إنسانية كثيرة.

ولا نزاع في أن هؤلاء الشعراء الثلاثة قد كتبوا بعض ما يفخر به الأدب العالمي. وكانت موضوعات قصصهم مأخوذة من الأساطير عادة، وأحيانًا من التاريخ القديم المبكر أي: من قصص الآلهة والأبطال، أو من موضوعات حروب «طروادة» ونتائجها. وقد ساعد ذلك كثيرًا المتفرجين على فهم التمثيلية؛ لأنها كانت من صميم تاريخهم القومي وخرافاتهم الشعبية.

وسنضع أمام القارئ هنا ملخصًا لإحدى تمثيليات «سوفوكليس»، ولتكن رواية «أنتيجون» Antigone، وهي تمثيلية شهيرة أخذ موضوعها من قصة «طيبة»، إحدى بلدان الإغريق التي كان لها شأن عظيم في تاريخ هذه البلاد قد أتى عليها فترة كانت أقوى دولة في بلاد الإغريق. وأهم أشخاص التمثيلية، وكلهم من البيت المالك في «طيبة» هم «أنتيجون» و«اسمين» وهما أختا «أوتوكليز» و«بولينيسس»، اللذين كانا قد ماتا ثم كرون عمهما وكان وقتئذ ملك «طيبة»، وكان ابنه المسمى «هامون» خطيب «أنتيجون».

وتوجد جوقة مؤلفة من خمسة عشر طبيبًا مسنًّا، والمنظر هو واجهة قصر «طيبة». ولم يكن على المسرح أكثر من ثلاثة ممثلين لهم أدوار يتكلمون فيها في أي منظر من أية تمثيلية إغريقية، ولكن كان يوجد على المسرح ممثلون كثيرون لا يتكلمون كالجنود ورجال البلاط وغيرهم، وقد دخلت كل من «أنتيجون» و«اسمين»، ومثلتا برجلين اختيرا لقوتهما وجمالهما وصوتيهما، وكانا يلبسان قناعين ليظهرا نوع الشخصية التي يمثلها كل منهما، كما كانا يلبسان أحذية بنعال سميكة جدًّا لتزيد في طولهما، وكانت الأختان ترتديان ملابس الحداد لموت أخويهما. وقبل بداية التمثيلية كان «أوتوكليز» قد نقض عهده في أن يحكم «طيبة» بالتناوب مع «بولينيسس»، الذي جاء وقتئذ بجيش من بلدة «أرجوس»؛ ليحارب مدينته «طيبة». وقد هزم هذا الجيش وقتل الأخوان الواحد منهما الآخر في مبارزة. وعلى ذلك اعتلى عمهما «كرون» عرش الملك، وأصدر منشورًا حرم على كل فرد دفن «بولينيسس»، وحدد عقوبة الموت لكل من خالف ذلك؛ بسبب أنه كان قد أتى لأجل «أن يحرق بالنار أرض وطنه ومحاريب أجداده الآلهة ويسفك دماء أقاربه».

وكان الإغريق يعتقدون أن روح المتوفى لا يستقر لها مكان حتى يدفن جسده. وفي المنظر الافتتاحي تخبر «أنتيجون» أختها «اسمين» أنها عازمة على دفن جثة «بولينيسس»، أو على الأقل تذر عليها الرماد؛ لأن ذلك كان يقوم مقام الدفن. وقد حاولت «اسمين» عبثًا صرفها عن عزمها. تترك الأختان بعد ذلك المسرح، ويدخل بعدهما الجوقة المؤلفة من خمسة عشر مسنًّا من رجال «طيبة»، وهنا ينشدون ويغنون عن الواقعة التي وقعت عند جدران المدينة. وفي أثناء غنائهم يقفون أو يتحركون في رقصة مقدسة مظهرين في حركاتهم وأوضاعهم رجفتهم، واستبشاعهم للعمل الذي ارتكبه «بولينيسس»، كما كانوا يظهرون فرحهم واغتباطهم لنجاة «طيبة» — وكذلك كانوا يغنون مقاطيع فرح وخوف وتحذير على فترات خلال التمثيلية — ثم يخرج «كرون» من القصر، فيعرف بسهولة بملابسه الملكية الفاخرة وحاشيته، ولم يمضِ طويل زمن حتى يدخل حارس ليخبره أن فردًا ما قد ذر التراب على جثة «بولينيسس»، وبعد أن تغني المجموعة أغنية يدخل الحارس مرة أخرى، ومعه «أنتيجون» التي أمسك بها وهي تصب القربان على جثمان أخيها على الرغم من أمر الملك. يترك بعد ذلك «كرون» و«أنتيجون» وجهًا لوجه. فهو يتمسك بما جاء في منشوره؛ لأن واجبه نحو دولته أن يقف خرق القانون بهذه الكيفية، ولكنها من جانبها تفخر بعملها الصالح؛ لأنها كانت قد قامت بواجبها نحو أخيها، وهي عالمة تمامًا أن ذلك يعني موتها:

لا أعتقد أن مرسوم رجل
له القوة حتى يعلو قوانين السماء
التي لم تكتب وثابتة لأنها تعيش
لا الآن ولا أمس بل في كل الأزمان أبديًّا.

وهكذا لم يتحول كل منهما عن عزمه، والواقع أن هذه لم تكن معركة بين شخصين كل منهما مصمم على ما عزم عليه، بل إن هذا كان تصادمًا بين واجبين عظيمين لقوانين الإنسان وقوانين الآلهة. وكانت «أنتيجون» و«اسمين» قد اقتيدتا إلى القصر محروستين، وكانت «اسمين» نريد أن تشاطر أختها مصيرها على الرغم من عدم رضا «أنتيجون» بذلك. وقد أخلى سبيل «اسمين»، أما «أنتيجون» فقد سبقت إلى الموت في حجرة مسورة. وعلى الرغم من كلمات المجموعة التي فاهت بها لنصح الملك وتضرعات «هامون»، ثم توبيخه المر للملك فإنه لم يتزحزح عن قراره. ولكن في نهاية الأمر خضع «كرون» لتحذيرات كاهن عجوز أعمى بعد أن سمع منه أنه ومدينته سيحل بهما عقاب فظيع من الآلهة الذين غضبوا من أجل رفضه شعائر الدفن. وعلى ذلك دفن «كرون» جثمان «بولينيسس»، وذهب ليخلص «أنتيجون» من الموت ولكنه أتى متأخرًا، إذ وجد أنها قتلت نفسها بيدها وأن «هامون» قد انتحر فوق جثتها. وقد بقي «كرون» في يأس وذهبت عنه كل سعادته، وولت أيام نعيمه. والكلمات الأخيرة التي أنشدتها المجموعة تقدم لنا درسًا عن مغزى التمثيلية:

إن أهم نصيب من السعادة
هو أن تكون عاقلًا ومحترمًا للآلهة
وكلمات الكبرياء العظيمة تعاقب بضربات شديدة
وهذه تعلم الناس أن يكونوا عقلاء في سن الشيخوخة.

التمثيلية الهزلية

كان أعظم مؤلف للروايات الهزلية الشاعر «أريستوفانيس» الذي عاش بعد المؤلفين الثلاثة للمآسي الذين سبق ذكرهم. وقد كان مغرمًا بأن يسخر من مواطنيه، وقد كانت سخريته لاذعة ومليئة بالنكتة لدرجة أن الأثينيين أنفسهم لم يستغنوا عن التمتع بها، ولكنه كان يقصد من وراء هذه الهزليات إصلاحات معينة، فكان يندد بالأخطاء التي يراها في نظام الديموقراطية وغير ذلك من الأمور الهامة في نظام الحكم.

فنجد أنه في إحدى هزلياته التي سماها «العصافير» — والمجموعة في هذه التمثيلية كانت تظهر بملابس في صور عصافير — وموضوع الرواية هو بناء بلد خيالية في الهواء العلوي، وذلك أن اثنين من الأثينيين كانا قد ملَّا من كثرة القضايا في مدينتهم فهربا من الناس إلى الطيور، وأغرياها لتبني لهما مدينة في السحاب، وتلك كانت تسلية عظيمة للأثينيين؛ لأنه كان لا يوجد لديهم على ما يظهر تسلية إلا الذهاب إلى المحكمة، والسماع إلى القضايا والمحاكمات، ولا بد أن المتفرجين قد ضحكوا بملء قلوبهم عندما قال أحد شخصيات الرواية:

لأن الجنادب تجلس مدة شهر
تزقزق على الأغصان، ولكن الأثينيين
يجلسون يزقزقون ويتناقشون طوال السنة
جاثمين على نقاط من البيان والقانون.

وفي تمثيلية أخرى تسمى «الضفادع» — سميت كذلك بسبب أغنية الضفادع في الجزء الأول من التمثيلية — قرن فيها بين «إيسكيلس» و«يوريبيديز»؛ وذلك لأنه نصب ميزان على المسرح وضع في كفتيه أبيات ذات وزن من شعر إيسكيلس وأبيات فذة من شعر «يوريبيديز»، وقد تقدم «إيسكيلس» طالبًا أن يوضع سطران من كلامه في كفة مقابل «يوريبيديز»، وكل مؤلفاته وجميع أسرته في الكفة الأخرى. وقد حكم القاضي في صالح «إيسكيلس»؛ وذلك لأن كلماته الرتيبة ورأيه الصائب تؤهله تمامًا ليقدم للدولة النصح في متاعبها التي كانت تئن منها. وليس المجال هنا للتحدث أو لوصف هذه التمثيليات الهزلية، وما كانت تنطوي عليه من خليط من الجمال والخشونة، النقد الصائب والعبث الحسن. ومن المحتمل أنها كانت تمثل في أوقات العصر، فيختم بها يوميًّا الأعياد العظيمة.

وفي خلال القرن الذي تلا عهد «بركليز» تغير وجه الرواية الهزلية، فقد استحالت الخشونة إلى النعومة والرقة، والشطط السياسي إلى قصص من صميم الحياة اليومية.

وأعظم كتاب للروايات الهزلية الحديثة، كما كانت تسمى هو «مناندر» الذي كانت رواياته الهزلية نموذجًا للكتاب الهزليين من الرومان فيما بعد، وهم الذين بدورهم أثروا على كتاب الروايات الهزلية الحديثة.

(ﺟ) المؤرخون

ولا يفوتنا أن نذكر هنا أنه كان يعيش في عهد «بركليز» مؤرخان عظيمان، وهما «هردوت» و«ثوسيديدس»، ويرجع الفضل إلى «هردوت» في معظم ما نعرفه عن حروب الفرس، فقد كانت الدنيا في ذلك العصر مكانًا صغيرًا ولم يكن المتمدينون فيها يعرفون إلا الشيء القليل عنها وعن أحوالها. وقد جال «هردوت» في كل الأنحاء التي كانت معروفة في عهده، فكان أينما حل يفتح عينيه وأذنيه، كما كان يضع الأسئلة الكثيرة للناس، وبعد ذلك دون ما رأى وما سمع، وكتابته كانت تحفة قصصية، فمثلًا عندما وصف مرور «أكزركزيس» على مضيق «هلسبونت» تجده يقف ويصف لنا القوم وصفًا شيقًا، وكان متأكدًا أن قراءه كانوا يحبون السماع إليه. ولدينا قصة حسنة في ذاتها حتى لا يسع الإنسان إلا تصديقها، وهي أنه قرأ تاريخه الذي ألفه في المباريات الأولمبية، ويقال: إنه كان ضمن من استمع عليه صبي في الخامسة عشرة من عمره يدعى «ثوسيديدس»، وأنه عندما سمع صيحات الاستحسان المتكررة اغرورقت عيناه بالدموع، وقال في نفسه: «وأنا كذلك سأكون مؤرخًا.» وقد أصبح «ثوسيديدس» مؤرخًا في شهرة «هردوت»، ولكنه لم يجعل قارئيه يشعرون كأنه يقص قصة، كما وجد هو لذة كبيرة عند قراءة «هردوت»، غير أنه كان واضحًا في كتابته معتدلًا، يرى بثاقب رأيه الأسباب التي دعت للحوادث التي يسردها، ويذكرها بوضوح تام واهتمام حتى إن كثيرًا من الكتاب قرءوا مؤلفاته مرارًا ساعين في أن يتعلموا أن يكتبوا كما كتب. وإليه يرجع الفضل في تدوين حروب «البلوبونيز» التي دارت بين «أثينا» و«أسبرتا» واشترك هو فيها.

١  عزرا، الإصحاح الأول السطر ١–٤.
٢  راجع: Cambridge Ancient Hist. vol. IV P. 207.
٣  وكلمة «لاسيدمون» تعبير آخر عن «أسبرتا»، وتعني كذلك أحيانًا كما هي الحال هنا كل إقليم «لاكونيا» الذي كانت تؤلف منه «أسبرتا» جزءًا.
٤  كلمة «برثنوس» Parthenos بالإغريقية معناها العذراء.
٥  وهي الطريق الطويلة أما طريق «فالبروم»، فقد أخذت تئول إلى السقوط بسرعة.
٦  وهو إله كان يقدس في «أثينا»؛ لأنه أحضر نارًا إلى الأرض لاستعمال بني الإنسان.
٧  وهذا يعني أن كل حرب أو قتال لا بد أن يقف، ومثل ذلك الأشهر الحرم عند العرب.
٨  راجع كتاب الأدب المصري القديم الجزء الثاني ص١ إلى ص٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠