العلوم الإغريقية

(١) الفلسفة

تحدثنا فيما سبق عن حروب بلاد الإغريق وإمبراطوريتها، وسنحاول فيما يأتي أن نضع صورة مصغرة عن حياتها العقلية وبخاصة ما خلفته للعالم من فلسفة ومبادئ علوم في شتى الفروع، مما كان الأساس الذي بنت عليه أوروبا حياتها العقلية والعلمية والأدبية؛ ولأجل أن نصل إلى كنه الحياة العقلية ونموها في بلاد الإغريق، يجب أن نعود إلى الوراء في تاريخ نشأة هذه البلاد من حيث العلوم والمعارف أي: قبل ظهور فيلسوفها العظيم «سقراط، بنحو مائتي سنة عندما كانت تلك البلاد ترقى سلم التقدم على يد رجال قد وقفوا حياتهم لا على الحرب، بل إلى تنمية الحياة الفكرية وإذكاء روحها.

والواقع أن الفضل في ذلك يرجع إلى الممالك المجاورة لبلاد الإغريق، إذ قد بدأ نجم الإغريق يسطع في وقت كانت فيه ممالك الشرق المتاخمة لها على جانب عظيم من العلوم والمعارف. وآية ذلك أن بلاد «أيونيا» الساحلية كانت مسكونة بمواطنين إغريق في مقدورهم أن يختلطوا بأهل الإمبراطوريات الشرقية ويأخذوا عنهم معارفهم. والواقع أن هذه الجهة كانت نقطة بداية حسنة للأسفار والمخاطرات في كل جهة من جهات العالم المعروف وقتئذ. وهذه الأسفار عادت على من قام بها بالمعارف الجديدة والأفكار الحديثة، وبخاصة على أصحاب العقول التي تبحث وراء حب الوصول إلى الحقيقة من أولئك الأيونيين، وبذلك نرى أنه في عصر مبكر جدًّا في تاريخ هذه البلدان الإغريقية، أنها أصبحت أكثر تقدمًا من بلاد الإغريق نفسها.

«ثالس» Thales

وكان أول وأعظم هؤلاء المفكرين من أهل «أيونيا» هو «ثالس» من أهالي «ميليتس» ولد عام ٦٢٤ق.م ويقال: إن أعماله الهندسية قد حملته على السفر إلى مصر حيث أمضى فيها سنين عدة، وقد عاد من بلاد الفراعنة يملؤه الإعجاب بالعلوم المصرية لدرجة أنه ترك التجارة، وانقطع إلى تحصيل العلم فدرس الفلك وكان في قدرته أن يتنبأ بوقوع الكسوف، وخطا خطوات واسعة في علم الهندسة، وعلى الرغم من أن المصريين قد درسوها، فإن أشكالهم الهندسية كانت تتألف من خطوط أو زوايا ذات حجم خاص أو صورة خاصة في حين أن «ثالس» قد كشف حقائق صالحة لأي شكل من النوع الذي كان يصفه، مثال ذلك أنه عرف أن مجموع زوايا أي مثلث يساوي زاويتين قائمتين، وأن الزاويتين اللتين عند قاعدة مثلث متساوي الساقين متساويتان، وأن الزاويتين المتقابلتين اللتين تتكونان بأي خطين متقاطعين تكونان متساويتين. وكان كذلك في مقدوره أن يطبق الهندسة على المسائل العملية كحساب ارتفاع هرم من ظله، أو مسافة بعد سفينة في البحر من اليابسة. هذا وكان «ثالس» يعرف شيئًا عن المغنطيسية أو الجاذبية، والكهرباء التي تحدث من الاحتكاك (أي بحك مادة بأخرى). وكان الكهرمان (وهو بالإغريقية = إلكترون) — وهو العصارة المتجمدة المستخرجة من نوع من شجر الصنوبر تنمو على ساحل البحر البلطي — معروفًا بجماله، وقد استعملته السيدات الإغريقيات قلائد وحلي — كما هي الحال في مصر، وبخاصة في الأرياف هذا فضلًا عن أنه يستعمل مسابح في كل العالم الإسلامي — وقد لاحظ «ثالس» أن الكهرمان عندما يحك بنسيج ملبس يجتذب إليه قطعة صغيرة من الشعر أو القش أو التراب، وقد ظن أن ذلك يرجع إلى روح خفي، أو جن كامن فيه، ووجد أن مادة واحدة أخرى كانت لها نفس هذه القوة الجاذبة للأشياء، وهذه المادة هي حجر المغنطيس الذي وجد في «ماغنيزيا» ببلاد آسيا الصغرى. وهناك قصة تروى عن صبي راعٍ من «طراودة» كان يحتمي بصخرة من حرارة الشمس، وقيل: إن عصاه المعكوفة المصنوعة من الحديد قد اجتذبت من يده، وعلقت بالصخر فوق رأسه وقد فسر هذا ثانية بأن الحديد الغفل كان يسكنه روح خفي أو جهرًا.

وهذه الملاحظات التي لاحظها «ثالس» — وكانت قد بقيت ذكراها، ولكن لم تأخذ تطورها العلمي في الأزمان القديمة أو في القرون الوسطى — قد استعملها في عام ١٦٠٠م الدكتور «جلبرت» الإنجليزي من «كولشستر» Colchester للمرة الأولى في إجراء تجارب منظمة في علوم المغناطيسية والكهربية.
وكانت كلمة «فلسفة» في طورها الأول (حب الحكمة) تشمل العلوم والرياضيات، وقد اجتهد بعض الفلاسفة في أن يفكروا في سبب وطبيعة العالم الذي رأوا عجائبه حولهم. وقد رأى «ثالس» أن الماء هو الذي ساعد على الحياة وامدادها؛ ولذلك فكر في أن الماء هو السبب الأول لكل هذه الأشياء، وقد فكر آخر غيره في أن السبب الأول هو النار، وتوهم ثالث أنه هو الهواء، وظن رابع أنه هو الضباب أو البخار الذي لم يكن في الواقع إلا صورة أسمك أو أرفع تتألف منه النار والماء والهواء والسحاب والأرض. وكشف بعض الفلاسفة حقائق أصبحت فيما بعد جزءًا من الفكر العلمي مثال ذلك اعتقد أحد العلماء أن العالم يتألف من ذرات،١ غير أنه في استعمال هذه الذرات لم يكن يسير على قواعد علمية صحيحة جدًّا؛ وذلك لأنه ظن أن العالم ومشتملاته كان يتألف من هذه الذرات متصادمة معًا عندما تسقط في الفضاء. وكذلك قرن «ثالس» الدنيا بطبق مسطح عائم على الماء، ولكن في هذا الوقت ظن بعض العلماء أنه يمكن أن تكون كرة، وأنه من المحتمل ألا تكون المركز الذي تدور حوله الأجرام السماوية، وأن الشمس كانت أكبر مما نرى وأنها من المحتمل أكبر من كل شبه جزيرة «البلوبونيز». وتدل شواهد الأحوال على أن ثالس قد نقل الكثير من أفكاره هذه عن المصريين في زيارته لأرض الكنانة.

وفي حين كان العلماء يبحثون عن الحقائق بهذه الطريقة كانت «أثينا» تنمو من مدينة صغيرة إلى مدينة هامة جدًّا. فعندما انتهت حروب فارس وأصبحت «أثينا» بقيادة «بركليز» صاحبة شهرة عظيمة بقوتها وفنونها وآدابها، توجه إليها العلماء من أنحاء كثيرة من العالم الإغريقي، ومن بين هؤلاء العلماء طبقة تعرف «بالسفسطائيين» الذين أخذوا على عاتقهم أن يعملوا بأجر أي فرد من أفراد البلاد، وبخاصة الأجرومية والآداب والبلاغة، وهذه الدراسات كانت تجعل الفرد أكثر تثقيفًا وتساعده على أن يفكر بوضوح، ويكون حسن الحديث في المجتمع. ومثل هذا التعليم لم يكن إلا تعليمًا إلى حد ما، وأن الغرض منه كان تدريب الشبان فقط على أن يسيروا في الحياة، وأن يعرضوا بطريقة خلابة معارفهم على الناس.

وفي هذا الوقت كان الفلاسفة قد أخذوا يميلون التأملات عن طبيعة العالم، وأصبحوا الآن يهتمون أكثر بالفلسفة البشرية، وما يتبعها من درس العقل وسلوك الإنسان. ومن أهم المفكرين في هذا الحقل الفيلسوف «سقراط».

«سقراط» وأثره في الفكر الإنساني

إذا كان الرجال يقدرون بآثارهم الخالدة، فإن «سقراط» يعد في الطليعة بين عظماء العالم المفكرين الذين حملوا شعلة الفلسفة، وجعلوا نورها يسطع على العالم الذي عاش فيه، وعلى الأجيال التي لا تحصى من بعده. وإذا كانت أعمال «بركليز» و«ليسندر» قد تركت أثرها أجيالًا قليلة في جزء صغيرة من العالم، فإن روح «سقراط» قد ترك أثرًا لا يمحى إلى الأبد على الفكر الإنساني.

ولد هذا الفيلسوف بالقرب من «أثينا» عام ٤٦٩ق.م وعاصر الحوادث الجسام التي وقعت في بلاد الإغريق في عهد «بركليز» ومن بعده، فقد رأى «أثينا» في عز نصرها وفي ذل سقوطها، وكان يحبها حبًّا جمًّا، حتى إنه لم يغادرها إلا عندما كان يناديه واجبه بوصفه مواطنًا أثينيًّا ليحارب في حرب «البلوبونيز». وقد أظهر شجاعة وبديهة حاضرة في الحرب، فقد نجى «ألسيبيادس» مرة في ساحة الميدان بوقوفه بجانبه عندما جرح وحماه من الأعداء. وكان صبورًا على تحمل الجوع والبرد القارس، حتى إنه في شدة برد الشتاء القارس عندما كان الناس يقون أنفسهم من البرد بالملابس الدافئة كان يمشي عاري القدمين على الثلج. وفي ذات يوم حدث في المعسكر أمر غريب، وذلك أنه من الصباح المبكر حتى المساء رئي واقفًا وحده في فكر عميق، كأنه يسأل نفسه ويجاوبها، وقد بقي واقفًا طوال الليل إلى أن طلعت الشمس فحياها بصلاة ثم ذهب، وفي «أثينا» كان يلاحظ على «سقراط» كذلك أنه شاذ عن غيره من الناس، وكان لا يزال يهتم بأي شيء لراحته الشخصية، وكان قبيح الخلقة رث الملبس وجهه منبسط، أفطس الأنف، جاحظ العينين، ومع ذلك فإنه كان يحيط به حشد من الناس في السوق، وفي أماكن أخرى من التي كان يتجمع فيها مواطنوه.

وفي عصره كان الناس قد بدءوا يهتمون بالإنسان وعقله وسلوكه ومثله العليا. وقد وهب «سقراط» نفسه إلى هذه الناحية من الفلسفة، وهي الخاصة بالبحث عن الحقيقة والحكمة والتي ينبغي أن تقود سلوك الناس. وقد كان عبقريًّا بصورة غير منتظرة، وبعيد النظر لدرجة أن كلماته قد استحوذت على آذان سامعيه، وضربت بأعراقها في عقولهم أكثر من أي كلام بليغ. وكان «سقراط» لا يأخذ أجرًا مقابل تعليمه من الناس؛ وذلك لأنه ادَّعى أنه ليس إلا زميلًا باحثًا عن المعرفة مع أتباعه. وقد استولت عليه الدهشة البالغة عندما ذهب صديقه «كايرفون» Chaerephon المندفع إلى «دلفي»؛ ليسأل الوحي إذا كان يوجد أي رجل أعقل من «سقراط»، فأجيب أنه لا يوجد من هو أعقل منه. وقد قال «سقراط»: ذهبت أولًا إلى رجل سياسي، ولكني وجدت أنه لم يكن أكثر عقلًا على الرغم من أن كل إنسان بما فيه هو نفسه فكر هكذا، ثم ذهبت بعد ذلك أسأل الرجل تلو الرجل مكونًا لي أعداء كل يوم، وأخيرًا ذهبت إلى شعراء وصناع كانوا مهرة في فنهم، ولكنهم ليسوا عقلاء بالمعنى الحقيقي، وعلى ذلك فإني في نهاية الأمر قررت أن الوحي قصد من جوابه أن هؤلاء الناس الأرجح عقلًا، هم الذين يعرفون مثلي أن حكمتهم لا تصل إلى شيء.

وكان «سقراط» يظن أن الناس قد عملوا الشر؛ لأنهم كانوا يجهلون الخير، وعلى ذلك اجتهد في أن يرشدهم إلى الحقيقة بأمثلة مثل: ما هو الصلاح والعدل والشريف والوضيع والجميل والقبيح؟ وأرشدهم بطريق السؤال والجواب؛ ليعرفوا بأي كيفية كانت آراؤهم سطحية أو مرتبكة، وأن يفكروا لأنفسهم لأجل أن يصلوا إلى أصول الأمر الذي يبحثونه. ولم يحاضر تلاميذه أو يملي شيئًا قط من أفكاره بل كان باحثًا مثلهم. وقد تضايقت طبقة السفسطائيين منه عندما ادعى أنه في حاجة إلى التعلم منهم، ثم أخذ يحرجهم بأسئلته، ولكن الشباب الذين كانوا يتبعونه أحبوا فطنته وسحره كما كانوا مخلصين له أشد الإخلاص.

وبعد أن أمضى ثلاثين عامًا على هذا النحو من التعليم أخذ بعض الأثينيين يظنون به الظنون، حتى إنهم اتهموه بأن أصبح مصدر خطر على الدولة. فقد قالوا: إن أتباعه قد انقلبوا إلى عناصر سوء، وبخاصة «ألسيبيادس» الخائن و«كريتياس» الذي انقلب مستبدًّا، هذا بالإضافة إلى أنه كان هناك آباء تذمروا؛ لأنهم ظنوا أن أولادهم كانوا يضيعون وقتهم معه وأصبحوا غير مستقرين؛ وكذلك اضطربت عقول كثير من الناس بطرق وكلمات هذا الفيلسوف الغريب الأطوار. وقد شكوا في آرائه عن الآلهة، وذلك على الرغم من أنه كان يقوم بأداء الشعائر الخاصة بهم والصلوات الواجبة عليه، فإنه أنكر صراحة القصص القديمة الخاصة بحروبهم وأضغانهم، وكثيرًا ما كان يتحدث عن الله لا عن الآلهة، وعن صوت خفي، وعن وازع قدسي كان قد أتى إليه من وقت لآخر، عندما كان يتأمل درس موضوع. وفي عام ٣٩٩ق.م اتهم بأنه لا يعتقد في آلهة المدينة، وأنه جاء بآلهة جدد، وأنه أفسد الشباب، وكان العقاب على ذلك هو الموت. وعلى الرغم من أنه كان في استطاعته أن يفر من «أثينا»، فإنه فضل أن يبقى فيها ويواجه محاكمته أمام محكمين مؤلفين من خمسة آلاف وواحد من الأثينيين.

تحدث «سقراط» عن الوحي وعن صوته الخفي، وعن رفضه تسلم أجر عن التعليم، وعن خدمته «لأثينا» في حث الناس على ألا يفكروا كثيرًا في جمع المال ولا في آراء الآخرين، بل يعتنوا بالأشياء التي لها وزن كالحكمة والصدق وكمال الروح وقال: إنه لم يهرب من وظيفته في وقت الحرب. وعلى ذلك كان يعد سلوكًا غريبًا منه إذا هرب الآن بسبب الخوف من الموت، ومن عمل ما أمره الله به أن يفعل، فقد قال: «لن أغير طريقة حياتي حتى لو كنت أموت من أجل ذلك مرات عدة.» وقد انتهى دفاعه بقوله: «إني أعتقد في الآلهة أكثر مما يعتقد فيهم أي واحد من متهمي، وإني أسلم قضيتي إليكم ولله للحكم فيها بما هو خير لكم ولي.»

وقد اعتبر مذنبًا بأغلبية ستين صوتًا، وعلى ذلك فإنه على حسب القانون الأثيني قد سمح له أن يقترح نوعًا آخر ليعاقب به، فقال: إنه يستحق الشرف لا العقاب ورفض فكرة النفي؛ لأنه كان يرى أنه في أي بلد آخر لا يجد من يتحدث إليهم كتلاميذه، وبخاصة أنه كان قد بلغ من العمر مبلغًا لا بأس به، وقد قدم غرامة تافهة فلم تقبل وعلى ذلك حكم عليه بالموت فشرب الكأس وقضى وعلى شفته ابتسامة.

وقد سمح لأصدقاء «سقراط» بزيارته في سجنه، فأتوا إليه في اليوم الأخير عند الفجر وهم يشعرون بأنهم سيفقدون فيه أبًا، ولكنه رفض أن يساعدوه على الهرب أو الحزن عند موته، إذ كان ينظر إلى ذلك بأنه رحلة لروحه إلى عالم جديد مجهول.

والواقع من جواب «سقراط» الفعلي عند محاكمته لم يحفظ لنا، ولكنا عرفنا نغمته وروحه وما كان ينطوي عليه؛ وذلك لأن هذه المحاكمة قد أمدت رفيقه «أفلاطون» الذي كان حاضرًا بمادة لمؤلف منقطع القرين في الأدب العالمي، ذلكم هو دفاع «سقراط» وقد أفلح «أفلاطون» في أنه لبس شخصية أستاذه ونقلها لقرائه. فقد وصف لنا تفسير حياته وأغراضه منها، ولم يلقَ صعوبة في إظهار أن كثيرًا من الأشياء التي نسبت إليه كانت كاذبة. ولا نزاع في أن إعدام «سقراط» كان يمثل احتجاج النظام القديم على قيام ونمو الفردية، التي أخذت تظهر في عالم الوجود، وإنه لمن النادر في مجرى التاريخ أن نجد ضربات شديدة من هذا النوع قد خابت، وانقلبت على الضارب وخدمت القضية التي أريد الإضرار بها فقد بقي «سقراط» مذكورًا عند الأثينيين بالفخر والأسى، وقد بدأت تعاليمه تقوم بتأثير زاد في مفعولها مأساة موته، فلم يغفر تلاميذه للديموقراطية حكمها عليه بالإعدام، وقد عاش ونما في درس مخيلاتهم، وأمضوا حياتهم في نشر تعاليمه، وكان أكثرهم في ذلك «أفلاطون»، وبخاصة نشر الفردية التي كان ينشرها بطريقة غير مباشرة دون علم منه.

أبقراط

نترك الآن قصة «سقراط» وعنايته بتربية عقول الناس وأفكارهم، ونتحدث الآن عن شخصية إغريقية أخرى صاحبها يصغر «سقراط» بتسع سنين، وقد خصص حياته للعناية بأجسام الناس، هذا هو «أبقراط» وقد أُطلق عليه والد الطب كما أطلق على «هردوت» والد التاريخ. ولد «أبقراط» حوالي عام ٤٦٠ق.م في جزيرة ببحر «إيجة» تدعى «كوس» Cos كانت وقتئذ مركزًا لدراسة الطب، وكان والده وجده من بين الأطباء الذين عاشوا في هذه الجزيرة، ولا نعلم إلا القليل عن حياة «أبقراط»، وقد عاش إلى أن بلغ من العمر أرذله، وكانت له شهرة عالية، وساح في كثير من البلدان بما في ذلك «أثينا» يدرس ويمارس حرفته، ولم يكن يرتكن في طبه قط على الرقى وأمور السحر التي كان غالبًا ما يستعملها أطباء الماضي، ولكنه لاحظ ودون بدقة أعراض المرض الذي أصيب به القليل، وهكذا من عدة حالات بهذه الطريقة أقام أساسًا لمعرفة المرض نفسه وعلاجه. وهذه الطريقة في الاستنباط من الحالات التي صادفته أوصلته إلى قاعدة عامة تسمى الطريقة الاستنباطية، وهي طريقة علمية غاية في الأهمية. عمل «أبقراط» ملاحظات عن كشوفه؛ لأنه أراد أن يسلم لأولئك الذين أتوا بعده المعلومات التي حصل عليها بعناية كبيرة. وقد اعتقد أن المرض يرجع أصله إلى أسباب طبعية، وأن الطبيعة هي غالبًا ما تحدث هذا السبب، وقد اتبع قواعد معقولة للمعالجة أساسها الهواء النقي والغذاء الجيد، وهما يساعدان عمل الطبيعة في إعادة صحة المريض ويظهر أن «أبقراط» كان كما ينبغي أن يكون عليه الطبيب، إذ كان هادئًا ممتلئًا حكمةً ومعرفةً، كثير العناية بمصلحة مريضه وكان له تلاميذ عديدون، والذين عاشوا بعده قد ساروا على طريقته بنفس الروح.

وعندما كانوا يبدءون عملهم بوصفهم أطباء كانوا يحلفون اليمين الذي يسمى اليمين الأبقراطي، وذلك أن ينظروا إلى من علمهم بمثابة والد، وأن يعلموا أولاده بدون أجر، وأنهم سيسلمون معرفتهم إلى أبنائهم وإلى أبناء معلمهم وتلاميذهم على حسب قانون الأطباء، وأن كل مهارتهم لا بد أن تستغل لمصلحة المريض، وأنه ينبغي عليهم ألا يتكلموا عنه لأناس آخرين، وهذا اليمين الذي لا يزال يعقده تلاميذ مدارس الطب يظهر لنا مقدار المستوى العالي الذي وضعه «أبقراط» وأتباعه لأعضاء مهنة الطب العظيمة.

وفضلًا عن العلاج الطبي العادي الذي بدأ من عهد «أبقراط» وما بعده كان يوجد ما يسمى علاج المعبد. ولا نعلم في أي وقت بدأ تأسيس هذه المعابد للعلاج، ولكن المعبد الذي سنصفه الآن يحتمل أنه لم يزدهر حتى القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا النوع من العلاج قد استمر إلى العصر الذي أصبحت فيه بلاد الإغريق جزءًا من الدولة الرومانية.

وكانت توجد ثلاثة أماكن من هذا النوع في العالم الإغريقي، وسنأخذ مثلًا من بينها وهو العلاج في «أبيداروس» التي لم تكن بعيدة عن مدينة «أرجوس»، وكانت مركزًا حسنًا لمعظم المدن الإغريقية في الداخل. وهذا المستشفى يقع على سهل صغير تحميه تمامًا التلال المحيطة به، ويحتوي على خمائل من الأشجار وماء غزير من حوض وعين مقدسة، وفي هذا المكان البهج كان قد أُقيم معبد للإله «أسكلبيوس» إله الطب، وكان العلاج يجري على الأراضي المقدسة حوله. فكان المريض يظهر أولًا، ومن المحتمل أن ذلك كان بملح أو ماء بحر، وكان ذلك يذكر المريض أنه ليس الجسم وحده الذي يحتاج إلى النظافة في المحراب «المكان المقدس» بل كذلك عقله وروحه. ففي داخل المعبد لا بد أن يكون الإنسان مظهرًا، والطهارة هي «أن يكون الفرد أفكاره بارة صالحة»، هكذا تذكر لنا إحدى قواعد الإله. وبعد ذلك يقدم المرضى قربانهم، ويحتوي على فطائر سمينة من الشهد مغموسة في الزيت، هذا إذا كانوا فقراء، أما إذا كانوا أغنياء فتشمل القربان حملًا أو خنزيرًا أو خروفًا. وكانت الموسيقا والغناء والصلوات تسمع في أثناء تقديم هذه القربات للإله.

وبعد أن يكون أحد الكهنة قد فسر عبادة هذا المكان ومعناه، يسمح للمرضى بالدخول في المحراب ولمس صورة الإله، وهكذا يبتدئ العلاج في جو من الهدوء والقداسة. وكان بجانب المعبد قاعات عمد مكشوفة استعملت إحداها مكانًا لنوم المرضى وعندما كان الظلام يخيم، يقترب منهم الكاهن، وبعد أن يأخذ منهم هداياهم للآلهة، يترك المرضى ملفوفين في أغطيتهم البيضاء إلى سكون الليل وظلمته، وقيل: إن كثيرًا قد شفوا بمعجزات قبل بزوغ الفجر، ولكن في أغلب الأحيان كان يسأل الكاهن المرضى أن يقصوا عليه أحلامهم التي رأوها، وكان الكاهن بهذه الكيفية يصل إلى بعض المعلومات عن عقلية المريض وصحته، وبذلك كان في استطاعته أن يذكر للطبيب الأحلام وتفسيره لها. وبذلك يكون لدى الطبيب شيء يعمل على حسبه لشفاء المرضى، ومن ذلك نفهم أنه كان هنا كثير من أعمال الحدس والتخمين، وأن ما كان يقال عن حوادث الشفاء أكثر مما كان يقال عن فشلها، ولكن الأطباء كانوا في كل هذا الوقت يكتسبون معرفة أكثر عن الطب، وكانت معالجاتهم تنمو شيئًا فشيئًا في طريقها العلمي. وكان على المريض أن يصوم أو يتبع حمية خاصة، وأن ينشق هواءً نقيًّا ويتضمخ ويشرب ماء بكثرة، هذا إلى أن الاستحمام والتدليك والألعاب الرياضية كانت تؤلف جزءًا هامًّا من العلاج، وذلك بالإضافة إلى الطب والجراحة، ولكن الشفاء بالإيمان كما يطلق عليه الآن كان لا يزال جزءًا هامًّا من العلاج؛ ولذلك فإن عبادة الإله «أسكلبيوس» إله الطب لم تهمل قط. وعلى مر الزمن نمت هذه المؤسسات وأصبحت تحتوي على مكتبة ومدرسة ومضمار سباق ومسرح كبير يمكن أن يسع آلاف المتفرجين، وكان يقام عيد كل أربعة أعوام يحضره نظارة من كل أنحاء بلاد الإغريق، وكانت المعابد تزين وتقدم الضحايا وتحمل صورة الإله «أسكلبيوس» في موكب في هذه البقعة تسير على نغمات الكهنة والتابعين. وكانت تعلن معجزات الشفاء التي حدثت في هذا المكان. أما باقي الوقت فكان يخصص للألعاب الرياضية، وكذلك للمسابقات الموسيقية وتمثيل الروايات. كل هذه الأشياء كان بلا نزاع حسنة للمرضى الذين كانوا في دور النقاهة، ويمكن أن نتصور أن هؤلاء الذين كانوا بالفعل مرضى لن يدخل عليهم الحزن، عندما تسافر هذه الجموع المحتشدة ويتركونهم في هدوء وراحة.

١  وهي أجزاء لا يمكن كسرها إلى جزئيات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠