الملك إبريز١ (واح أب رع)

«حفره» (كما يسميه العبرانيون)
حعع-أب-رع واح-أب-رع
٥٨٨–٧٥٠ق.م
يقول «هردوت»: إن «إبريز» حكم خمسًا وعشرين سنة (Herod. II, Par. 160)، ويقول «مانيتون»: إنه حكم تسع عشرة سنة (راجع Unger, Chronologie des Manetho P. 271)، أما «ديدور الصقلي»، فيقول: إنه حكم اثنتين وعشرين سنة. (راجع Diodorus Siculus, I Par. 68).
وجاء على الآثار التي وجدت له حتى الآن أن أعلى تاريخ أرخ به في سني حكمه السابعة عشرة على لوحة برلين (Berlin, No. 15593). والواقع أنه توجد خلافات بالنسبة لمدة حكمه المنفرد، وحكمه المشترك المزعوم مع «أحمس الثاني» الذي يسميه اليونان «أمسيس».

(١) سياسة إبريز الخارجية وعلاقتها بفلسطين و«لوبيا»

تحدثنا الآثار أن الملك «بسمتيك الثاني» توفي في ٨ فبراير سنة ٥٨٨ق.م على أثر مرض لم يمهله طويلًا، وذلك بعد أن حكم حوالي ست سنوات سجل لنفسه فيها على حسب ما جاء في الآثار التي خلفها لنا انتصارات في الجنوب والشمال، وقد خلفه على العرش «واح اب رع» الذي سماه «العبرانيون» «حفرة». وقد حاول بعض المؤرخين أن يبرهن على أن «إبريز» لم يكن ابن الملك «بسمتيك الثاني» (راجع F. W. Read, Ancient Egypt 1923 P. 57–59)، وذلك على الرغم من إثبات «هردوت» بنوته صراحة في كتابه الثاني عن مصر (راجع Herod. II, 161)، وفضلًا عن ذلك ما جاء في لوحة التبني الخاصة بابنة «بسمتيك الثاني» «عنخنس نفر أب رع» المتعبدة الإلهية، وقد تحدثنا عنها مليًّا فيما سبق. وقد ادعى «ربد» أن «إبريز» لم يكن الابن الشرعي للملك «بسمتيك»، بل هو على ما يظن كان الأخ الأصغر للملك «بسمتيك الثاني» أو ابن أخته (راجع Knietz P. 2624).
والواقع أن تولي «إبريز» مهام الحكم كان يعد نقطة تحول فاصلة في تاريخ مصر السياسي في الخارج. فقد ذكر لنا أولًا «هردوت» أنه سار بجيشه على «صيدا»، ودارت بينه وبين أهالي «صور» موقعة حربية (راجع Herod. II, Par. 161). وفي بداية حكمه اشتبك بقوته البحرية العظيمة التي وضع له أساسها الملك «نيكاو» الثاني مع الأساطيل الفنيقية التي كانت وقتئذ خاضعة لحكم «بابل». ولا نزاع في أن أول عمل حربي قام به «إبريز» كان تدخله في أمور «فلسطين»، ويرجع السبب في ذلك إلى إرسال «صدقيا» سفيره إلى مصر طالبًا من المصريين إعطاءه خيلًا وجنودًا لمساعدته على عدوه ملك بابل.

وقبل أن نتحدث عن ذلك يجب أن نفهم الغرض الذي كان يرمي إليه «إبريز» من محاربة ملك «بابل» «نبوخد نصر» القوي.

وتدل شواهد الأحوال على أنه على الرغم من صرامة العقاب الذي أنزله «نبوخد نصر» عام ٥٩٦ق.م باليهود، فإن نار الحقد كانت تتقد في صدورهم على البابليين للانتقام، ولم يلبثوا أن أخذوا يتأهبون في عام ٥٩٤ق.م طلبًا للثأر، وذلك عندما وجدنا رسلًا في «أورشليم» وافدين من «أدوم» و«موان» و«صور» و«صيدا» ومن «العموريين»، راغبين في عقد حلف أساسه التآمر مع «صدقيا» على حكومة «نبوخد نصر» الغاشمة (راجع أرميا الإصحاح ٢٧ سطر ٢ … إلخ)، والواقع أن الشعور العام وقتئذ كان متجهًا نحو «مصر» بحماس وقوة لدرجة أن «صدقيا» نفسه الذي كان صنيعة «نبوخد نصر» لم يكن في استطاعته صده، وكان الأنبياء الذين يقفون في وجه كل إصلاح ديني يصرون على اعتقادهم في أن هزيمة بلادهم وخضوعها لم يكن إلا حادثًا وقتيًّا، وكان أولئك الذين بقوا منهم في «أورشليم» يرددون في كل وقت ما جاء في التوراة (أرميا الإصحاح ٢٧ سطر ٩، ١٦):

فلا تسمعوا أنتم لأنبيائكم وعرافيكم وحالميكم وعائفيكم، وسحرتكم الذين يكلمونكم قائلين: لا تخدموا ملك بابل … ها آنية بيت الرب سترد سريعًا من بابل.

وقد حاول «أرميا» أن يحارب قولهم هذا، ويكسر من حدة تأثيره، ولكن دون جدوى، بل كانت النتيجة أن القوم بدلًا من الإصغاء إلى قول النبي استشاط غضبهم عليه بازدياد مستمر، وألقوا بأنفسهم في أحضان خطاياهم السابقة، وكان البخور يحرق كل يوم على أسطح المنازل، وفي أركان الشوارع على شرف الإله «بعل»، كما كان النواح على «تاموز» يشق عنان السماء عند الاحتفال بعيده (راجع حزقيال الإصحاح الثامن ١٤، ١٥):

فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب الذي من جهة الشمال، وإذا هنا نسوة جالسات يبكين على «تاموز»، فقال لي: أرأيت هذا يا ابن آدم بعد تعود تنظر رجاسات أعظم من هذه».

هذا وكان المعبد يغزوه كهنة غير مختونين ومعهم أصنامهم، (راجع أرميا الإصحاح ٣٢ سطر ٣٤، حزقيال الإصحاح ٨ الأسطر من ٧–١٣، ١٦) وسمح الملك لكهنة «مولوخ» أن يبنوا المرتفعات في وادي «ابن هنوم» (أرميا الإصحاح ٣٢ سطر ٣٥، حزقيال الإصحاح ١٦ سطر ٣١، الإصحاح ٢٣ سطر ٣٧)، أما اليهود الذين كانوا قد أحيطوا من كل جانب بأقوام من عبدة الأوثان، فقد كانت حالتهم لا تقل خطورة عن إخوانهم الذين في بيت المقدس، فقد أنكر بعضهم إله آبائهم (أرميا ٢٩: ٢١ –٣٢) في حين أن آخرين قد عبدوا أصنامهم المختارة سرًّا (حزقيال ١٤: ١–٨)، وكان هؤلاء الذين لم يتقبلوا فعلًا في حزن على دينهم وكانوا يصغون للأنبياء الذين وعدوهم انتقامًا سريعًا أمثال «اهاب» و«صدقيا» وابن «ماسياه» Maasiah و«شماياه» Shemaiah، وكان بينهم رجل واحد وهو كاهن نشأ منذ صباه في المعبد، وأشربت نفسه بآراء الإصلاح، وأعني بذلك «حزقيال» بن «يوزى» الذي قادتهم كلماته إلى تقدير موقفهم، إذا هم كانوا قد أعرضوا عن التشويش عليه والسخرية به. والواقع أنه لما أزعجه تهديداتهم أحجم عن التكلم علنًا، بل جمع حوله فئة قليلة من أتباعه في بيته في «تل أبيب»، حيث ظهرت في بادئ الأمر روح السيد عليه في حضرتهم في حوالي عام ٥٩٢ق.م (حزقيال ١: ١-٢). وهذه الطائفة القليلة العدد من المنفيين كان أفرادها على اتصال دائم بوطنهم، وكان صدى المشاحنات الدينية والمجادلات التي كانت تحدث بين الأحزاب المختلفة؛ بسبب الحوادث السياسية العالمية تحمل إليهم في الحال إلى بابل بوساطة التجار والكتاب السائحين، أو بوساطة رسل الملك الذين كانوا يرسلون بانتظام حاملين الضرائب إلى بابل (راجع أرميا ٢٩: ٣).

وقد علموا حوالي عام ٥٩٠ق.م أنه كانت هناك حوادث خطيرة وشيكة الوقوع، وأن الوقت الذي ستشفى فيه يهوذا من جراحها أخيرًا قد حان، وأنها ستأخذ مكانتها تحت الشمس، وهي المكانة التي كان قد قدرها لها «يهوه». والواقع أن ملوك «مواب» و«عمون» و«أدوم» و«صور» و«صيدا» قد أرسلوا رسلًا إلى «أورشليم»، حيث اتفقوا على الخطط التي يجب اتباعها لإشعال نار فتنة على بلاد «كلديا»، وربما كان ذلك بتحريض عن عاهل مصر (أرميا ٢٧: ١-٢). وقد أحيا تقرير ما عزموا عليه الشجاعة في نفوس الحزب الوطني وأنبيائهم. وقد اخترق «حننيا» بن «عزور» شوارع المدينة معلنًا الخبر السار للجميع (أرميا الإصحاح ٢٧، ٢٨): «هكذا تكلم رب جنود إله إسرائيل قائلًا: قد كسرت نير ملك بابل في سنتين من الزمان. أرد إلى هذا الوضع كل آنية بيت الرب التي أخذها «نبوخد نصر»، ملك بابل من هذا الموضع وذهب بها إلى بابل.» ولكن «أرميا» كان قد صنع أنيارًا من الخشب وأرسلها للأمراء المتحالفين مهددًا إياهم بعقاب إلهي إذا لم يحنوا رقابهم للملك «نبوخد نصر»، وقد حمل النبي نيرًا على رقبته واستعرض نفسه في الشوارع في كل المناسبات، وهو حامل نيره وذلك بمثابة رمز العبودية التي أراد أن يبقى شعبه فيها وذلك لمصلحتهم الروحية. وقد قابله «حننيا» صدفة وخلع النير عن عنقه وكسره، وصاح قائلًا: «هكذا قال الرب، هكذا كسر نير «نبوخد نصر» ملك بابل في سنتين من الزمان عن عنق كل الشعوب.» وقد أثار ذلك ضحك المارين، ولكن في اليوم التالي ظهر «أرميا» بنير من حديد قد وضعه «يهوه» على عنق كل هؤلاء الشعوب؛ ليخدموا «نبوخد نصر» ملك بابل، وفضلًا عن ذلك فإنه رغبة منه في أن يقضي على أي أمل عند المنفيين في خلاص سريع كتب لهم: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم، ولا تسمعوا لأحلامكم التي تحلمونها؛ لأنهم إنما يتنبئون لكم باسمي بالكذب وأنا لم أرسلهم يقول الرب (أرميا ٢٩: ٨-٩). وقد حثهم النبي على أن يرضوا بنصيبهم على أية حال في تلك الآونة حتى يمكن أن تحفظ الأمة وحدتها، إلى أن يأتي الوقت الذي يرضى فيه «يهوه» لإعادتها لهم؛ ولذلك يقول لهم: ابنوا بيوتًا واسكنوا واغرسوا جنات وكلوا ثمرها (٦)، خذوا نساء ولدوا بنين وبنات، وخذوا لبنيكم نساء وأعطوا بناتكم لرجال فيلدن بنين وبنات، وأكثروا هناك ولا تقلوا واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلوا لأجلها إلى الرب؛ لأنه بسلامها يكون لكم سلام (أرميا ٢٩: ٥–٧)، هكذا كانت الأحوال في «فلسطين» عندما توفي «بسمتيك الثاني»، وتولى مكانه ابنه «إبريز». وكان شابًّا طموحًا تتوق نفسه للشهرة والمجد الحربي، وكان مشتاقًا لامتشاق الحسام الذي امتشقه أسلافه من قبل رغبة منه في السيطرة على بلاد «فلسطين»، وطرد البابليين منها حتى يطمئن على حدود بلاده، وقد انتهز هذه الفرصة السانحة له في بلاد «يهوذا»، ومن أجل ذلك أرسل رسله إلى «أورشليم» في اللحظة التي كان فيها هياج الشعب على بابل قد بلغ أشده؛ ولذلك لم يجد صعوبة كبيرة في إغراء «صدقيا»، والتغلب على ما كان يختلج في صدره من شكوك وأوهام، وقد كانت كل من «آدوم» و«موان» و«فلسطين»، وهي التي كانت قد اشتركت في محادثات الحزب الثائر قد ترددت في اللحظة الأخيرة في عزمها، ورفضت قطع علاقاتها ببابل، ولم يبقَ على ولائه لحزب الثورة إلا العاموريون و«صور»؛ ولذلك تحالفوا مع مصر بنفس الشروط التي عملت مع «يهوذا». ولما رأى «نبوخد نصر» أنه لا بد من مقاومة ثلاثة أعداء حار في أيها يهاجم أولًا. أما «حزقيال» الذي وضعه مكان نفيه في موقف حسن استطاع منه معرفة مجريات الأمور، فقد أظهره لنا وهو في مفترق الطرق كما تقول التوراة: لأن ملك بابل قد وقف على أم الطريق على رأس الطريقين ليعرف عرافة: صقل السهام سأل بالتراقيم نظر إلى الكبد (راجع حزقيال ٢١: ٢١).

وكانت بلاد «يهوذا» تعد قنطرة يمكن للمصريين أن يدخلوا بوساطتها في أمان إلى «سوريا»، وإذا أمكن للملك «نبوخد نصر» أن يستولي عليها قبل وصولهم، أمكنه أن يشتت شمل التحالف ثلاثة أجزاء منفصلة، فلا يمكنها أن تتجمع سويًّا وهي «عمون» في الصحراء من جهة الشرق و«صور» و«صيدا» على ساحل البحر، والفرعون خلف خليجه في الجنوب الغربي، ومن أجل ذلك عسكر ملك بابل بجنوده في موقع وسط عند مدينة «ربلة» الواقعة على نهر «الأرنت»، ومن ثم كان في إمكانه أن يشرف على سير العمليات الحربية التي يقوم بها الأعداء، ويكون في استطاعته أن يسرع بما لديه من جنود احتياطية إلى المكان المهدد في حالة وقوع حادث لم يكن في الحسبان. وبعد أن أتم ذلك أرسل فيلقَيْ جيشه على عدويه الرئيسيين، فاخترق أحدهما جبال لبنان، واستولى على الحصون تاركًا وراءه سجلًا لانتصاراته على صخور وادي «بريا»، متجهًا جنوبًا على الشاطئ لمحاصرة «صور».

أما الفيلق الآخر فإنه حمل على «صدقيا» وأصلاه نار حرب طاحنة أحرقت القرى وهدمت المدن، يضاف إلى ذلك أن المراكز الزراعية قد أصبحت فريسة للفلسطينيين والأدوميين، كما حاصر حصني «لاكش» و«ازكاه»، ولم يظهر بجيشه أمام جدران «أورشليم» إلا بعد أن ضرب أقاليمها، وكانت «أورشليم» قد ضيق عليها الخناق عندما وصلت الأخبار «للكدانيين» أن الفرعون «إبريز» كان يقترب من «غزة»، وقد لجأ إليه «صدقيا» في محنته ليمد إليه يد المساعدة، ولم يمض طويل زمن حتى أتت النجدة الموعودة (راجع حزقيال ١٧: ١٥): «فتمرد عليه بإرساله رسله إلى مصر ليعطوه خيلًا وشعبًا كثيرين، فهل ينجح هل يفلت فاعل هذا أو ينقض عهدًا ويفلت.» وعندئذ رفع الكلدانيون الحصار في الحال عن أورشليم، وكان قصدهم من ذلك إعاقة العدو المنقض عليهم، وعند ذلك اتكل الحزب الموالي على أن الكلدانيين سيلحقون بهم الهزيمة، وأخذوا يصبون جام لعناتهم على أنبياء الشر، وعلى أية حال فإن «أرميا» لم يكن لديه أمل في إحراز نصر نهائي. وفي ذلك تقول التوراة (أرميا الإصحاح ٣٧: ٥–١٠): «وخرج جيش فرعون من مصر، فلما سمع «الكلدانيون» المحاصرون «أورشليم» بخبرهم صعدوا عن «أورشليم» (٦) فصارت كلمة الرب إلى «أرميا» النبي قائلة (٧) هكذا قال الرب إله إسرائيل هكذا تقولون لملك «يهوذا»، الذي أرسلكم إلي لتستشيروني. ها إن جيش فرعون الخارج إليكم لمساعدتكم يرجع إلى أرضه إلى مصر (٨) ويرجع الكلدانيون ويحاربون هذه المدينة، ويأخذونها ويحرقونها بالنار (٩) هكذا قال الرب. لا تخدعوا أنفسكم قائلين إن الكلدانيين سيذهبون عنا؛ لأنهم لا يذهبون (١٠) لأنكم وإن ضربتم كل جيش الكلدانيين الذين يحاربونكم، وبقي منهم رجال قد طعنوا فإنهم يقومون كل واحد في خيمته، ويحرقون هذه المدينة بالنار.» على أن ما حدث بالفعل غير معروف لدينا، غير أنه قد جاء في رواية أن «إبريز» قبل محاربة عدوه، ولكنه هزم وذلك على حسب ما جاء على لسان المؤرخ اليهودي «جوسيفس» (راجع Josephus, Jewish Antiquities X, 7 § 3). والظاهر أن هذا المؤرخ قد استنبط ذلك من كلام النبي «أرميا» السالف الذكر، وعلى حسب رواية أخرى امتنع عن منازلة عدوه في موقعه، وعاد بكبرياء إلى مصر وهذا ما يفهم من منطوق كلام «أرميا».

وعلى أية حال فإنا لا نجد أية إشارة في كلام «أرميا» إلى هزيمة أو نشوب معركة، ولكن من جهة أخرى نجد أن أسطوله البحري قد أحرز نجاحًا على ساحل «فنيقيا»، وإنه لمن اليسير علينا أن نصدق أن منظر معسكر الكلدانيين قد أوحى إليه بالحذر والتدبر، وأن يفكر مليًّا قبل أن يضيع نتائج حملته البحرية، ويخاطر بفقدان جيشه العظيم وهو الجيش الوحيد الذي كانت تملكه مصر آنذاك في معركة لم يكن لها دخل مباشر بسلامته هو أو بسلامة بلاده.

أما الملك «نبوخد نصر»، فإنه من جانبه لم يكن متحمسًا في مطاردة عدو صاحب عدة عظيمة وعتاد جبار، بل عد نفسه صاحب حظ في تجنب منازلة «إبريز»، ورجع إلى مكانه أمام جدران «أورشليم» لمحاصرتها. ولما لم تكن تصل إلى هذه المدينة أية إمدادات فإن سقوطها لم يكن إلا مسألة زمن قصير، وقد كانت مقاومة أهل المدينة سببًا في اشتداد حنق المحاصرين. وعلى أية حال فإن اليهود قد استمروا في الدفاع عنها بشجاعة باسلة، ولكن في الوقت نفسه كان الخلاف الطائش يدب بينهم. وفي الفترة التي حول «إبريز» فيها الحصار عن المدينة سعى «أرميا» للهرب من «أورشليم» والالتجاء إلى «بنيامين»، وهي القبيلة التي كان ينتمي إليها، ولكنه قبض عليه عند بوابة المدينة متهمًا بالخيانة العظمى، فضرب ضربًا مبرحًا وألقي به في غياهب السجن، ولم يجسر الملك الذي آمن بقوله أن يفك أسره، وكان قد حبس في ردهة القصر التي استعملت سجنًا، وسمح له برغيف واحد طعامًا له كل يوم (أرميا ٣٧: ١١–٢١). هذا وكانت الردهة بمثابة مكان عام في مقدور كل وافد أن يدخل فيها يتحدث للمساجين، وحتى في هذا المكان لم ينفك هذا النبي عن الوعظ، وحث الناس على التوبة ويقول:٢ «هكذا قال الرب الذي يقيم في هذه المدينة يموت بالسيف والجوع والوباء، أما الذي يخرج إلى الكلدانيين فإنه يحيا وتكون له نفسه غنيمة فيحيا هكذا قال الرب: هذه المدينة ستدفع دفعًا ليد جيش ملك بابل فيأخذها (٤)، فقال الرؤساء للملك: ليقتل هذا الرجل؛ لأنه بذلك يضعف أيادي رجال الحرب الباقين في هذه المدينة وأيادي كل الشعب إذ يكلمهم بمثل هذا الكلام؛ لأن هذا الرجل لا يطلب السلام لهذا الشعب بل الشر (٥)، فقال الملك «صدقيا»: ها هو بيدكم؛ لأن الملك لا يقدر عليكم في شيء.» ولما أُعطي لمتهميه ألقوا به في جب موحل، ولكنه نجا بتغاضي خصي من بيت الملك، وعلى الرغم من ذلك أخذ في الاستمرار في تهديداته ووعيده أكثر من ذي قبل، فأرسل إليه الملك سرًّا وسأله النصيحة، ولكنه لم يحصل منه على شيء أكثر من التهديدات (راجع أرميا ٣٨).

فقال: إن كنت تخرج خروجًا إلى رؤساء ملك بابل تحيا نفسك، ولا تحرق هذه المدينة بالنار بل تحيا أنت وبيتك، ولكن إن كنت لا تخرج إلى رؤساء ملك بابل تدفع هذه المدينة ليد الكلدانيين فيحرقونها بالنار، وأنت لا تفلت من يدهم (أرميا ٣٨).

والواقع أن «صدقيا» لم يكن يرغب في أكثر من اتباع نصيحته، ولكنه ذهب في أعماله لمقاومة الكلدانيين لدرجة أنه لم يكن في مقدوره أن يتخلى عن المقاومة، ولم تكن المصائب التي حلت بالسكان قاصرة على ويلات الحرب، وما تجلبه من بؤس بل زاد الطين بلة الأمراض وفظائع الجوع، ومع ذلك فإن عزيمة المحاصرين لم تتزحزح. وعلى الرغم من قلة الخبز، فإن الأهالي لم يقبلوا سماع كلمة التسليم للعدو (أرميا ٣٨: ٢، ٩، ٢٤–٢٧؛ كتاب الملوك الثاني الإصحاح  ٢٥: سطر ٣). وأخيرًا بعد عام ونصف عام تحملها المحاصرون بشجاعة في آلام مريرة سلم جزء من المدينة في السنة الحادية عشرة، الشهر الحادي عشر اليوم الرابع من حكم الملك «صدقيا» أمام هجمات وضربات المنجنيق، ودخل الجيش الكلدي من النقب الذي عمل في أسوار المدينة. وعندئذ جمع «صدقيا» ما بقي له من جنود وعقد مجلسًا للاستشارة ليرى إذا كان من الممكن شق طريق في قلب حشود العدو، والتوجه إلى ما وراء «نهر الأردن». وقد هرب فعلًا «صدقيا» ليلًا من البوابة المقابلة إلى بركة «سبلوام»، غير أنه أخذ أسيرًا بالقرب من «يريحة» وحمل إلى «ربلة»، حيث كان «نبوخد نصر» ينتظر بفارغ الصبر نتيجة الأعمال الحربية التي كانت دائرة حول «أورشليم».

وقد كان الكلدانيون معتادين تعذيب أسراهم بالطريقة التي نراها ممثلة على آثارهم في «نينوه»، وبخاصة القعود على الخوازيق وسلخ جلود العصاة أحياء وقطع ألسنة الرؤساء. ونشاهد في الحالة التي نحن بصددها أن «نبوخد نصر» الذي كان صبره قد نفد يأمر بذبح أولاد «صدقيا» على مرأى من والدهم، وكذلك كان مصير كل أولاد الأمراء. وبعد أن أطفأ نور عيني «صدقيا» نفسه أرسله إلى «بابل» في السلاسل والأغلال. أما مدينة «أورشليم» التي قاومته بعناد وصبر، فقد سلمها إلى «نبوزاردان» أحد عظماء ضباطه، وأصدر إليه كذلك الأوامر بهدمها وإحراقها إحراقًا شاملًا. ومن ثم جرد المعبد من كل ما فيه من زينة جميلة، وبخاصة الحلي التي كانت تغطي جدرانه، أما العمد والزينات النحاسية التي بقيت من عهد «سليمان»، فإنها كسرت وحملت قطعها في حقائب إلى كلديا. وكذلك أُلقي بالمباني من أعلى الجبل. أما ما بقي على قيد الحياة من الحامية وكذلك الكهنة والكتاب وأعضاء الطبقات العالية، فإنهم جميعًا سيقوا إلى المنفى، ولكن عدد الوفيات في أثناء الحصار كان عظيمًا جدًّا لدرجة أن ما أرسل إلى المنفى لم يكن يتعدى أكثر من ٨٣٢ نسمة. وقد سمح لبعض فقراء السكان أن يبقوا في ضواحي المدينة، وقسمت بينهم حقول وكروم الذين نفوا من الأرض (راجع كتاب الملوك الثاني الإصحاح ٢٥: ٤ –٢١، أرميا ٥٢: ٦-٢٧، ٢٩، أرميا ٣٩: ٢ –٩، كتاب أخبار الأيام الثاني ٣٦: ١٧ –٢٠): «فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. ولم يشفق على فتى أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب، بل دفع الجميع ليده (١٨) وجمع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعًا إلى بابل (١٩) وأحرقوا بيت الله وهدموا سور «أورشليم» وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة (٢٠) وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل، فكانوا له ولبنيه عبيدًا إلى أن ملكت مملكة فارس.»

وبعد أن أتى الكلدانيون على «أورشليم» تمامًا تركوا حكومتها في يد «جدليا بن أخيفام»، وهو صاحب «أرميا» (راجع كتاب الملوك الثاني ٢٥: ٢٢، أرميا ٤٠: ٥–٧)، واتخذ «جدليا» مقر حكمه في «المصفاة» حيث عمل على جمع البقية الباقية من الأمة اليهودية حوله، وقد أخذ الفارون من ويلات الحرب يفدون إليه من «مواب» و«بني عمون» و«أدوم». وتدل شواهد الأحوال على أنه على أثر ذلك أخذت تتألف إمارة يهودية من بقايا تلك المملكة التي أبيدت. وكان النبي «أرميا» هو ناصحها الأمين، غير أن نفوذه لم يستطع أن يخلق انسجامًا بين تلك النفوس الثائرة التي كانت لا تزال تتألم وتتوجع مما حل بها من مصائب، وكانت لا تزال جروحها تنزف دمًا (راجع كتاب الملوك ٢٥: ٢٢، أرميا ٤١: ٥–٧)، والواقع أن ضباط الجنود الذين كانوا يجولون في أنحاء البلاد بعد سقوط «أورشليم» قد رفضوا على أية حال أن يعملوا في ركاب «جدليا»، بل قام واحد منهم يدعى «إسماعيل» وهو من الأسرة المالكة وقتله، ولكن «يوحنان بن فاريح» هاجمه في «جيعون» واضطره إلى الهرب وحيدًا، والتجأ عند بني «عمون» (كتاب الملوك ٢٥: ٢٣–٢٥، أرميا ٤١: ٧-١٦، ٤١: ١–١٥). وقد كان من جراء أعمال العنف هذه أن أخذ الكلدانيون ينظرون إلى هذه الأمور بعين يقظة، ففد كان «يوحنان» يخاف الانتقام وفر إلى مصر مصطحبًا معه «أرميا» و«ياروخ» والسواد الأعظم من القوم (راجع كتاب الملوك الثاني ٢٥: ٢٦، أرميا ٤١: ١٦–١٨، أرميا ٤٣: ١–٧).

وقد رحب الملك «إبريز» باللاجئين وخصص لهم بعض قرى بالقرب من مستعمراته الحربية في «دافني» (أدفينا الحالية)، ومن ثم انتشروا في المقاطعات المجاورة حتى «المجدل» و«منف» وحتى الوجه القبلي (راجع أرميا الإصحاح ٤٤: ١). ومع كل هذه المصائب لم تكن آلام إسرائيل قد انتهت، بل استمرت في كفاحها كما أخذ ملك بابل في قهر البلاد الخارجة عليه خلافًا لأورشليم، غير أنه لم يكن في استطاعته أن يقهر «صور»، ومن الجائز أن ذلك يرجع سببه إلى قوة أسطول «إبريز» الذي ورثه عن آبائه، ففي عام ٥٨٥ق.م اضطر «نبوخد نصر» إلى أن يتجه بجيشه إلى «صور»، ولا نعلم السبب الذي من أجله قامت ثورة في وجه «نبوخد نصر»، ولا بد أن السبب في ذلك يرجع إلى ما أحرزه الأسطول المصري من انتصارات. وقد مكث البابليون ثلاث عشرة سنة ضاربين الحصار (٥٨٥–٥٧٣ق.م) أمام مدينة «صور» الجزائرية، وتدل شواهد الأحوال على أن أسطول «نبوخد نصر» لم يكن لديه السفن الكافية للاستيلاء على هذه المدينة، وقد انتهى الأمر بأن بقيت «صور» مملكة مستقلة بذاتها. ولكن مع ذلك كان لا بد أن تعترف لبابل بسيادة اسمية، وذلك عندما اضطرت المدينة إلى التسليم على يد ملكها «اتبعل الثالث». ولقد بقيت العلاقة بين «مصر» و«بابل» متحرجة، وكان «إبريز» من هذه الناحية يقظًا؛ ولذلك نرى أنه بعد أن سلمت «صور» وخضعت لسلطان «بابل» الاسمى لاحت له فرصة التدخل في أمور الشرق. وتفسير ذلك أن الأسطول الفنيقي قد أصابته أضرار جسيمة طيلة مدة الحصار، الذي فرضته «بابل» على «صور»، وبذلك أصبح أسطول «إبريز» الذي كان وقتئذ قد نظم على يد بحارة من بلاد «اليونان» العريقة في البحرية لا يضارع، وعلى ذلك لم يتأخر لحظة في مهاجمة بلاد ساحل «فنيقيا» مباشرة. وقد وقف في وجهه الملك «نبوخد نصر» بالأسطول الذي كان في متناول أهل «صور»، وكانوا قد خضعوا له حديثًا، وبخاصة عندما نعلم أن العلاقات القوية التي كانت بين «صور» و«مصر» قد أخذت تفتر من جانب أهل «صور»، عندما رأوا أن الفرعون قد أظهر ميولًا كبيرة، وحظوة عظيمة «للهيلانيين»؛ ولذلك نراهم قد طلبوا إلى أتباعهم القبارصة المساعدة على صد الهجوم المصري.

وعلى الرغم من ذلك كانت النتيجة أن الأسطول المصري قد شتت شمل الأسطولين معًا، واستولى على «صيدا» التي أباحها للسلب والنهب. أما المدن الساحلية الأخرى فقد سلمت عن طيب خاطر واحتلتها حامية مصرية، وقد أقام الضباط المصريون فيها معبدًا لآلهة هذا المكان، وهي التي وحدها المصريون بالإلهة «حتحور». وهكذا نرى أن ما كانت تصبو إليه نفس كل من الملك «نيكاو» والملك «بسمتيك الثاني»، منذ خمسة عشر عامًا قد تحقق على يد الفرعون «إبريز». غير أنه لم يتمتع بثمرات انتصاره طويلًا. وذلك أن الإغريق كانوا يفدون على بلاد «لوبيا»، منذ أن أصبحت بلاد مصر مفتوحة للتجارة مع سكان «بحر إيجة». وكان قد كشف بحارتهم أن أسهل طريق إلى «لوبيا» هو الإقلاع مباشرة إلى «كريت»، وبعد ذلك اخترقوا البحر بين هذه الجزيرة ورءوس هضبة «لوبيا»، وهنا صادفهم تيار قوي متجه نحو الشرق حملهم بسرعة وبسهولة حتى «رقوتيس» (أو رقودة مكانها الإسكندرية الحالية) و«كانوب» على امتداد الشاطئ «المرمريقي». (أي: اللوبي)، وفي خلال تلك السفرات تعلموا كيف يقدرون قيمة هذه البلاد، وحوالي عام ٦٣١ق.م نزل الدوديون من «ترا» Thera وهم في طريقهم للبحث عن موطن جديد لهم على حسب وحي نزل عليهم في «دلفى»، في جزيرة صحراوية صغيرة في «بلاتا» Platea، حيث أقاموا مستعمرة قوية حصينة. ولم يمضِ طويل زمن حتى عبر قائدهم المسمى «باتوس» إلى اليابسة، ووصل إلى الهضبة العالية وأسس مدينة «سيريني» Cyrene على أطراف إقليم خصب جدًّا ترويه عيون غزيرة.
ومن المعلوم أن سكان هذه الجهات هم من قبائل «اللوبيين»، الذين كان لهم اتصال وثيق بالمصريين منذ أقدم العهود، فكانوا يخضعون لمصر تارة، ويحاربونها تارة أخرى كما تحدثنا عن ذلك في الأجزاء السالفة من هذه الموسوعة (راجع الجزء السابع). وقد كانوا في الوقت الذي نحن بصدده يؤلفون اتحادًا مفكك العرا، وكانت بلادهم تمتد عبر الصحراء من الحدود المصرية حتى شواطئ «سيرتس» Cyrtes. وكان رئيس الاتحاد وقتئذ يحمل لقب ملك، كما كانت الحال في أيام فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، وبخاصة في عهدي «مرنبتاح» و«رعمسيس الثالث» (راجع الجزء السابع). وكان أعظم هذه القبائل تمدينًا أولئك الذين يسكنون بمحاذاة ساحل البحر، وأولها أفراد قبيلة «أدريماخيد» Adrymakhides الذين استوطنوا خلف «ماريا» Marea، وكانوا شبه متمصرين وذلك بتعاملهم المستمر مع سكان الدلتا، ويأتي بعد ذلك قبيلة «جيليجامس» Giligammes، ويسكن أهلها بين «ميناء بلينوس» Plynus و«جزيرة أوفرودزياس» Aphrodisias، وخلف هؤلاء يأتي ثانية قبيلة «أسبيستس» Asbystes، وقد اشتهر أهلها بركوب العربات وقيادتها، ثم قبيلتا «كابالس» cabales و«أوسيسس» Auscyises. وكانت الواحات الداخلة في الصحراء وقتئذ في يد قبيلة تدعى «ناسامونس» Nassamones، وقبيلة «المشوش» وهم الذين يسميهم الإغريق «مكسيس»، وقد اضطرت القبيلة الأخيرة أن ترحل عن موطنها القريب من النيل إلى إقليم يقع بعيدًا في الغرب على نهر يُدعى «تريتون» Triton. ويرجع السبب في ذلك إلى ثورة من الثورات التي تستعر نارها بين قبائل الصحراء، وقد استوطنوا هناك بصفة دائمة، وبنوا لأنفسهم بيوتًا من الحجر وعكفوا على زراعة الأرض.
وقد استمروا يحافظون في موطنهم الجديد على بعض عاداتهم القديمة، مثل صبغ أجسامهم باللون القرمزي وحلق شعر رءوسهم إلا خصلة واحدة كانت تنزل مرسلة على الأذن اليمنى. ونحن نعلم من جانبنا أن الفراعنة كانوا قد أقاموا حاميات في أهم اللوحات وبنوا معابد لإلههم «آمون» وغيره. وكان أحد هذه المعابد قد أقيم بجوار عين ماء جارية ينبثق منها بالتوالي ماء دافئ وماء بارد، وقد أخذت شهرة عظيمة، وكان وحي «آمون» قبلة يحج إليها القوم من كل حدب وصوب (راجع Herod. IV, 181; A. Z., 1877 P. 8)، وأول لوبيين اتصلوا بالإغريق هم قبيلتا «اسبستس» و«جيليجمس»، وقد استقبلوا الوافدين من «الإغريق» بشفقة وزوجوهم من بناتهم، وقد كان من جراء اختلاط دم السلالتين أن نشأت أولًا في عهد ملكهم «ماتوس»، ثم في عهد ابنه «أركسيلاس الأول» Arkisilas سلالة عاملة شجاعة، وقد كان الجزء الرئيسي من دخلهم ناتجًا من التجارة في نبات سلفيوم Silphium،٣ الذي كان يستعمل بمثابة بهار أو عقاقير، وكذلك من المصنوعات الصوفية، ولم يكن الملوك يعتقدون أنه مما يحط من قدرهم أن يجلسوا بأنفسهم عند وزن محصولهم، وتخزين حزمه في مخازنهم،٤ وقد كان من جراء ازدياد ثروة مدينتهم أن قامت المنازعات بينهم؛ مما أدى إلى وجود ثغرة في العلاقات الودية التي كانت حتى الآن بين «لوبيا» وجيرانها. وقد أرسل الملك «باتوس» المحظوظ ابن «أركسيلاس الأول»؛ لإحضار مستعمرتين من بلاد الإغريق، وقد لبى نداءه عدد عظيم، وذلك على حسب وحي أوحى به؛ ولكن لأجل أن يمدهم الملك «باتوس» بالأرض اللازمة لم يتردد في نزع ملكية أراضٍ من مواطنيه الموالين له، غير أن هؤلاء الذين نزعت منهم أراضيهم وضعوا ظلامتهم أمام كل الاتحاد المسمى «اديكران»، ولكن لما رأى هذا الملك أن جنوده لا يقوون على مقاومة الجنود الإغريق، لجأ بدوره إلى مساعدة فرعون مصر «إبريز» (راجع Herod. IV 150–159; Busolt, Grieschische Geschichte Vol. 1 PP. 342349).
وقد كان «إبريز» على استعداد للقيام بهذه المساعدة، وبخاصة لما سمعه عن ثروة هذه البلاد وما سيناله من مغانم هناك. وقد كانت الأخبار عن ذلك ترد إليه على لسان اللوبيين أنفسهم والإغريق. والواقع أن شره «إبريز» كان حافزًا له على القيام بهذا العمل، غير أن ما كان يعلمه من تفوق الأسطول الإغريقي ووعورة الطريق وطولها إلى بلاد صحراوية تقريبًا كان يقعده عن عزمه، فضلًا عن أنها كانت بلادًا مسكونة بقبائل متناحرة ثائرة. ولكنه لما علم أنه يمكنه أن يعتمد على مساعدة اللوبيين أنفسهم، فإنه لم يتردد في تحمل كل مخاطر هذه الغزوة، ولكنه على ما يظهر كان قد وطد سلطانه في الواحات أكثر من أسلافه، ولا أدل على ذلك من آثاره الباقية هناك، كما سنرى بعد، وقد رأى «إبريز» بثاقب فكره ألا تستعمل جنود من الإغريق لمحاربة إخوانهم الإغريق الذين كانوا يحتلون بلاد «لوبيا»؛ ولذلك فإنه ألف جيشًا من احتياطيه من المصريين وحدهم، وقد سار جنوده وهم على ثقة تامة من الظفر بالعدو محتقرين قوته. والواقع أن الجنود المصريين كانوا فرحين بتلك الفرصة السانحة؛ ليقنعوا ملوكهم بأنهم كانوا مخطئين في استخدامهم أجانب، وتفضيلهم عن الجيش الوطني. غير أنه مما يؤسف له أن الدائرة دارت على الجيش المصري في هذه الحرب، وبذلك أسفر كل تفاخرهم بقوتهم عن لا شيء. والواقع أن المصريين قد هزموا هزيمة منكرة في أول معركة عند «أراسا» القريبة من «عين تستي» Theste، التي توجد مجاورة للمكان حيث الهضاب العالية لسيريني نفسها التي تنتهي بصخور «مرمريقا» المنخفضة. ومما زاد الطين بله أن جيش «إبريز» في تقهقره قد هلك منه خلق كثيرون، حتى إنه لم يصل إلى حدود الدلتا سالمًا منه إلا عدد ضئيل.

وقد كان من جراء هذه الكارثة التي لم تكن في الحسبان أن اندلعت نار ثورة كانت تتكون في الخفاء منذ سنين عدة، وتضرب بأعراقها إلى عهد «الملك بسمتيك الأول». وذلك أن هجرة بعض الفرق المصرية إلى بلاد «كوش» من طائفة الأجناد قد أضعفت مؤقتًا الأحزاب المعادية للنفوذ الأجنبي، وهؤلاء الأحزاب قد وجدوا أنفسهم لا حول ولا قوة لهم في عهد «الملك بسمتيك الأول»، بفضل ما كان لديه من الجنود الأجانب الذين يفوقونهم عدة ونظامًا؛ ولذلك خضعوا لإرادته ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يجهزون أنفسهم؛ ليحتلوا مكانتهم في القمة عندما تسنح الفرصة. وقد وافتهم هذه الفرصة عندما نظمت صفوف الجيش الوطني، وعلى الرغم من أن الفرعون كان يغدق الهبات على جنوده من «الهرموتبي» و«الكالازيري»، فإنه لم يستأصل بذلك أسباب التذمر الذي كان يقصي شيئًا فشيئًا جنود المشوش عن الفرعون، على أن الفرعون لو أراد تنفيذ رغبتهم لكان عليه أن يسرح جنود حرسه من الأيونيين الذين كانوا سبب الغيرة والحقد، وعلى أية حال لم يرضَ «بسمتيك الأول» ولا أخلافه في أن يخطوا هذه الخطوة.

وتدل الأحوال على أن الكره الذي كان يكنه الجنود الوطنيون لهؤلاء المرتزقين، وكذلك الثورة التي كانت في نفوسهم على أولئك الملوك، الذين كانوا يستخدمونهم قد أخذت في الازدياد بوحشيه من عهد إلى عهد، وقد كانت الآن في حاجة إلى أن تجد سببًا لتنفجر علنًا. وقد واتى الجنود الوطنيين السبب الذي يبحثون عنه في هزيمة «أراسا». وذلك أنه عندما وصل الفارون إلى معسكر «ماريا» Marea،٥ ونار الهزيمة مشتعلة في نفوسهم، ادعوا بطبيعة الحال أن سببها كانت الخيانة، وقد وجدوا من يشاطرهم في مزاعمهم، فادعوا أن الفرعون قد أرسل إلى «سيريني» الجنود المصريين بقصد أن يتخلص منهم في ميدان القتال؛ لأنه كان يشك في ولائهم له، ولم يكن من الصعب بعد ذلك أن يثور أولئك الجنود علانية على الفرعون (Herod. IV, 161) على أنه لم تكن هذه أول مرة ثار فيها الجنود على «إبريز» وهددوا عرشه، إذ في فترة من الزمن قبل ذلك قام الجنود الذين كانوا معسكرين في «الفنتين» — وهم الذين كانوا يتألفون من مصريين وآسيويين وإغريق مرتزقين — بعصيان؛ بسبب عدم دفع أجورهم، ومن المحتمل أن هؤلاء الأجناد هم نفس الأجناد الذين حاربوا في جيش «بسمتيك الثاني» في بلاد «كوش». وبعد أن خربوا إقليم «طيبة» ساروا في طريقهم عبر الصحراء إلى ميناء «شاشيرت»، مؤملين أن يستولوا على سفن تمكنهم من الوصول إلى ميناء «أدوما» أو ميناء «نباتا» Nabataea، وقد تمكن «نسيحور» حاكم «الفنتين» في بادئ الأمر من كبح جماح الثوار بوعده إياهم بالوعود الخلابة، ولكنه عندما علم أن الملك «إبريز» يقترب منه بنجدات هاجمهم بكل جسارة، وساقهم أمامه وحاصرهم بين جنوده وجنود الفرعون، وذبحهم عن آخرهم. وقد ترك لنا «نسيحور» هذا تمثالًا لنفسه دون عليه قصة هذا العصيان. وكان أول من فهم المتن الذي جاء على هذا التمثال هو الأثري «شيفر» (راجع Schaefer, Beitrage Zur Alter Geschiechte IV, 152–163, Pls. I-II; & Br. A. R. IV § 989–995) والواقع أن ما جاء من نقوش على هذا التمثال يؤكد ما جاء في كتاب «هردوت» عن هذا العصيان.
وسنتحدث أولًا عما جاء على هذا التمثال، ثم نورد ما ذكره «هردوت» في هذا الصدد، وبعد ذلك نستخلص نتيجة بقدر ما تسمح به المعلومات التي لدينا. وفي الحق أن القصة التي ذكرها لنا «نسيحور» لم تكن قد فهمت في بادئ الأمر على حقيقتها، وذلك أن «نسيحور» هذا كما جاء في نقوش تمثاله كان قائد حامية «الفنتين»، وقد أخذ على عاتقه القيام بعدة أعمال خيرية للآلهة المحليين تمشيًا مع الروح الديني الذي ساد في العصر «الساوي». وقد حدث أن الجنود المرتزقين الأجانب ثاروا وعزموا — كما حدث من قبل مع الجنود «الأوتوموليين»، الذين ذكرهم «هردوت» — على أن يهاجروا إلى بلاد «كوش»؛ ليقطنوا إقليمًا يدعى «شاس حرت»، وقد أفلح كما ذكرنا من قبل «نسيحور» في إقناعهم بالعدول عن عزمهم، ولكنه في النهاية سلمهم للفرعون «إبريز» الذي عاقبهم على ذلك. ولما كان «نسيحور» قد اعتقد أن اللآلهة الذين كان يقوم لهم بالأعمال الصالحة، قد أنجوه من الورطة الخطيرة التي كان على شفا الوقوع فيها بين قوم من الجنود الأجانب الثائرين، فإنه لم يرَ بدًّا من قص هذه الحادثة على تمثاله الذي نحن بصدده بمثابة باعث على أعماله الطيبة لآلهة الشلال الأول، ومن ثم نجد أن هذا النص يقدم لنا برهانًا قاطعًا معاصرًا عن حالة عدم الاستقرار بين القوات الحربية، التي كان يتألف منها جيش مصر الذي كان يعتمد عليه الملوك «الساويون» وقتئذ، وسنرى بعد سرد نقوش هذا التمثال هنا، أنه قد حدثت ثورة عسكرية أخرى بين الجنود امتد خطرها، وانتهت بخلع الملك إبريز نفسه. وهاك النص الذي جاء على تمثال «نسيحور»:

… بمثابة سيده، مماثل له، والذي نصبه جلالته في وظيفة عظيمة جدًّا، وهي وظيفة أكبر أولاده (كانت بلاد الجنوب في عهد الإمبراطورية يحكمها نائب ملك كان في الأصل أكبر أولاد الملك. «راجع عن ذلك الجزء العاشر»)، وحاكم باب الأقاليم الجنوبية ليصد البلاد التي تثور عليه. وعندما نشر الخوف منه في البلاد الجنوبية، فروا إلى واديهم خوفًا منه، والذي لم تفتر يقظته في البحث عن الفوائد لسيده المكرم من ملك الوجه القبلي والوجه البحري «إبريز» (حعع-أب-رع) المفضل عند ابن رع (واح-أب-رع) «نسيحور» واسمه الذي ينادى به هو «منخ-أب بسمتيك» (قلب بسمتيك ممتاز) وابن «أوفرر»، والذي وضعته سيدة البيت «تسنتحور» (تاش. ت حور) المرحوم. يقول: يا رب القوة وخالق الآلهة والناس! «خنوم» سيد الشلال «وساتت» و«عنقت» إلهتا «الفنتين»! إني أنعم بأسمائكم وإني أمدح جمالكم، وإني خلو من التراخي في عمل ما ترغبون فيه، وإني أملأ قلبي بحضرتكم (روحكم) في كل تصميم أعمله. فليت روحي تذكر بسبب ما أنجزته في بيتكم. لقد أمددت معابدكم ببهاء بأوانٍ من الفضة وماشية عديدة، وبط وأوز، وقربانهم (دخلهم) بوقف من الأرض، وكذلك لحراستها أبد الآبدين وأقمت حظائرها في مدينتكم، وأعطيت نبيذًا جميلًا جدًّا من الواحة الجنوبية، وشعيرًا وشهدًا في مخازنكم التي بنيتها من جديد بالاسم العظيم لجلالته، ومنحت زيتًا مضيئًا لإشعال مصابيح معبدكم. وعينت نساجين وخادمات وغسالين؛ لأجل خزانة ملابس الإله العظيم الفاخرة وتاسوعه المقدس، وبنيت محلاتهم في معبده متينة أبديًّا بمرسوم من الإله الكامل رب الأرضين «إبريز» العائش أبديًّا.

جزاء الأعمال الصالحة

تذكروا من كان في قلبه تجميل بيتكم وهو «نسيحور»، الذي بقي اسمه في أفواه المواطنين مكافأة على هذا. دعوا اسمي يبقى في بيتكم ودعوا روحي تذكر بعد حياتي، ودعوا تمثالي يبقى واسمي يستمر عليه دون أن يفنى في معبدكم.

نجاة «نسيحور»

لأنكم نجيتموني من حالة سيئة، من الجنود المرتزقة (الرماة اللوبيين)، والإغريق والآسيويين والأجانب الذين صمموا في قلوبهم على أن … والذين كان في ضمائرهم أن يذهبوا إلى «شاس حرت» (مكان في بلاد كوش؟) وقد خاف جلالته بسبب الشر الذي فعلوه. وقد أعدت الطمأنينة إلى قلوبهم بالبرهان ناصحًا، فلم أسمح لهم بالذهاب إلى بلاد النوبة، بل أحضرتهم إلى المكان الذي كان فيه جلالته، وقد أوقع جلالته بهم العقاب.

يأتي بعد ذلك صلاة جنازية تحتوي على ألقاب «نسيحور» وهي «الأمير الوراثي»، والحاكم، وحامل خاتم الملك، السمير الوحيد المحبوب، العظيم في وظيفته، العظيم في رتبته، الموظف على رأس القوم وحاكم باب الأقاليم الجنوبية.

ولم يكن هذا التمثال هو الأثر الوحيد الذي تركه لنا «نسيحور»، بل خلف لنا لوحة تلقي بعض الضوء عن الحياة الدينية والاجتماعية في هذا العهد، وهي محفوظة الآن في متحف «كوبنهاجن» Kopenhagen, Glyptothek Ny Carlsbeng No. 795; A. Z. 72, P. 40–52.

وتقدم لنا البرهان المحس على الهبات التي قدمها للآلهة والمعابد.

وهذه اللوحة كما يقول الأثري «كيس» هي كمعظم اللوحات التي من هذا العصر يحتوي متنها على الأوقاف، التي حبست على المعبد وسنحاول أولًا ترجمتها على الرغم مما أصابها من تهشيم في جزء كبير من نقوشها. وهاك الترجمة:
(١) السنة الرابعة الشهر الأول من فصل القبضان (اليوم الأول) في عهد جلالة حور (المسمى) الطيع القلب، ملك الوجه القبلي والبحري، السيدتان (المسمَّى) رب السيف، حور الذهبي (المسمى) الذي يجعل الأرضين تينعان، والذي يفرح قلب رع، ابن رع (المسمى) (واح-أب-رع) عاش مخلدًا المحبوب من الكبش سيد «منديس»، الإله العظيم العائش (٢) أمر جلالته أن تمنح قرية مؤسسة الكبش سيد «منديس» «لنسيحور»، الواقعة في مركز «نابوات» التي في مقاطعة «ثبو» (وهي المقاطعة العاشرة. راجع أقسام مصر الجغرافية في العهد الفرعوني ص٥–١٥) ألف وستمائة أرورا (الأرورا = فدان) في دائرتها بكل أناسها، وكل قطعانها وكل ممتلكاتها الأخرى من حقول وقرية وأوزتين (رمح) يوميًّا، على أن يضاف لها ٢٤٠ إوزة (سرت)، ودخلها الذي يحصل عليه من هذه القرية وهو ١٢ مكيالًا (خاخا) من الشعير سنويًّا، وهن واحد من النبيذ يوميًّا من الذي يجلب من الواحة الخارجة من الذي ينمو في حديقة «نسيحور»، التي هناك (أي: الواحة الخارجة) (كل ذلك يمنح) قربانًا للإله والده الكبش رب «منديس» الإله العظيم العائش زيادة عما كان له من قبل؛ وذلك لأنه أراد أن يعمل قربات مقدسة لوالده الكبش سيد «منديس» الإله العظيم العائش إلى أبد الآبدين. وأمر جلالته بمنح ٢٠٠ رغيف ودن يوميًّا … جرة نبيذ يوميًّا، و… للإله أوزير (٩) (وفضلًا عن ذلك) إوزة (رمح) في كل يوم من أيام النسيء (؟) … ٨ … لتكون قربات إلهية للإله «أوزير-حعبي» الذي في المعبد على حامله (؟) (…) من كل، الذي «نسيحور» الذي اسمه الجميل «منخ-أب-بسمتيك» ابن «أوفرر» بمثابة قربان (تحضر) هناك وعلى ذلك فإنه يمنح الحياة.

(١-١) تعليق

إن الواقف الحقيقي لهذه الأشياء هو «نسيحور» بن «أوفرر»، وكان يحمل في هذا العصر الساوي على حسب تقليد يرجع إلى الدولة القديمة اسمًا آخر، ينادى به في البلاط وهو «منخ-أب-بسمتيك»، وهذا الاسم كان في ذلك العصر هو الاسم الجميل لا الاسم الرسمي، كما كانت الحال في الدولة القديمة. وعلى الرغم من أن «نسيحور» هذا، وقد ظهر على لوحته هذه بدون ألقاب، فإنه معروف لدينا من أثر آخر تركه لنا، والنقوش التي على تمثال «اللوفر» (A. 90) تشهد أن الملك «إبريز» قد عينه ابنه الأكبر المشرف على البلاد الأجنبية، وهي الوظيفة القديمة التي كان يطلق عليها «ابن الملك صاحب كوش»، ولكن كان مقر حكمه الآن بلدة «الفنتين»، وبذلك منع قيام ثورة مدبرة قد تحدثنا عنها فيما سبق.
(Schaefer, Klio IV (1904) Taf. 1-2; Cf. Pierret, Inscrip. Du Louvrel, P. 22; Maspero, A. Z. 22 P. 88).
وفضلًا عن ذلك تتحدث هذه النقوش عن نشاط «نسيحور» في الأعمال التي قام بها في معبد آلهة «الفنتين»، وبخاصة «خنوم» و«ساتت» و«عنقت»، وهذا يقدم لنا بعض مجال حياة صاحب الوقف الذي نعلم من لوحة «كوبنهاجن» أنه كان كذلك في عهد «إبريز» صاحب ممتلكات شاسعة في إقليم «طيبة» و«الواحات». ويلحظ أن تمثال «اللوفر» (A. 90)٦ قد ذكر اسم «أوفرر» فقط دون أن يشفعه بأي لقب (راجع A. Z. 44 P. 44).

وتدل شواهد الأحوال على أن هذا الاسم كان قد ظهر نادرًا جدًّا. والحالة التي ظهر فيها كانت على تمثال من الجرانيت في مجموعة الأثري «تورايف»، بنفس الألقاب التي كان يحملها «نسيحور» الذي نحن بصدده. ولا شك في أن هذا التمثال الذي يحمل صاحبه صورة الإله «أوزير»، والذي من نقوشه نفهم أنه كان منصوبًا في معبد «أوزير» في سايس يرجع عهده إلى حكم الملك «بسمتيك الثاني» القصير، ويدعى صاحب «نسيحور» وكان يحمل على حسب رأي الأثري «تورايف» لقب المشرف على فتحات فمي النيل. ومن ذلك نفهم أن «نسيحور» كان فيما سبق معينًا في الطرف الآخر من حدود البلاد؛ أي في شمالي مصر في حين أنه كان في عهد «إبريز» معينًا في الطرف الجنوبي من البلاد. ولدينا لقب يشبه ذلك يحمله موظف في العصور المتأخرة، وهو حاكم أراضي البحر الواقعة في إقليم «الفيوم» (هوارة)، ويعني بذلك رئيس فتحات (بحيرة موريس)، وهي التي تسمى بشيء من المبالغة بلفظة المحيط، ومن المحتمل أن «نسيحور» كان يحمل هذا اللقب أيضًا، وهذا التمثال يسمى في نقوش الإلهة «تورايت» العظيم في «أزيوم» (بهبيت)، وهذا اللقب كما أكد لنا «تورايف» بحق كان يمنح لأكبر موظف في العصر «الساوي»، ويحتمل أن حامله كان ضمن أقرب المقربين للملك. ومما سبق نفهم أن «نسيحور» لم يكن من العظماء الذين ينتمون إلى أسرة إقطاعية؛ أي من الذين كانوا فيما مضى يرجع أصلهم إلى إقطاع دائرة إمارة إقليم «طيبة» الروحية، بل كان ضمن هؤلاء العظماء الجدد الذين كانوا على ولاء تام للملك، وكان أصلهم من الجنوب وكان مثله في ذلك كالأفراد الذين تناولهم «رانكة» عند التحدث عن عظماء رجال «بسمتيك الأول».

وهذا أمر أساسي عند فحص حالة أرض وقف، كالتي في المقاطعة العاشرة من الوجه القبلي. وإذا كان «نسيحور» بالنسبة لمدة حكم «بسمتيك الثاني» القصير الذي يبلغ حوالي ست سنوات قد سُمي باسمه الجميل فعلًا في عهد «بسمتيك الأول»، فإنه في السنة الرابعة من عهد «إبريز» وهو تاريخ اللوحة التي نحن بصددها كان قد بلغ على أقل تقدير نحو خمس وعشرين سنة في خدمته، ويحتمل أكثر من ذلك؛ وذلك لأنه كان وقتئذ يحمل لقب الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم الوجه البحري، وهذه هي أعظم الألقاب في التاريخ المصري القديم. ومن ثم نجده وقتئذ متقدمًا في السن، وعلى ذلك أخذ في وضع أساس لأعمال صالحة له في أهم معبد في موطنه وهو بلدة «منديس».

وقد ظن «إبريز» أن العصيان الذي حدث عند «ماريا» Maraea ستكون نتيجته كالعصيان الذي تحدثنا عنه هنا، وهو الذي قضى عليه «نسيحور» بحسن تصرفه؛ ولذلك فإنه أرسل إليهم «أمسيس» وهو أحد قواده لتهدئة الأحوال. ويظهر أنه كان من أسرة كريمة كما سنشرح ذلك بعد. على أن ما حدث في معسكر هؤلاء الأجناد غير واضح لنا تمامًا؛ وذلك لأن مجرى الحوادث الحقيقية قد شوه على لسان الرواة لها، حتى أصبحت وكأنها أسطورة من الأساطير. فقد رُوي أن «أمسيس» هذا قد ولد من أبوين وضيعين في قرية تدعى «سبيوفي» على مقربة «سايس» (وهي قرية «الصفة» الحالية). (راجع Herod. II, 172)، وقد كان كما يقال مغرمًا بالشراب وملاذ المائدة والنساء، كما كان يجمع المال لنفسه من إخوانه وجيرانه بالسرقة، فكان دائمًا يصرف أوقاته في اللهو والانغماس في اللذات وبالاختصار كان بعيدًا عن الفضيلة سليطَ اللسان يسخر من إخوانه. وقد رُوي عنه كذلك أنه قد كسب حظوة «إبريز» بما كان يبدو على محياه من بسمة دائمة الإشراق، ونكتة حلوة (راجع Herod. II 179)، وفي رواية أخرى كسب ثقة الفرعون باهدائه إياه تاجًا من الزهر في يوم عيد ميلاده (Hillanicus of Lesbos, Frag. 151, in Muller-Didot. Frag. Hist. Graec. Vol. 1 P. 66).
غير أنه هنا يلحظ أن الملك الذي أعطاه «أمسيس» هذا التاج كان يدعى «باتارميس» Patarmis، وربما كان تحريفًا لكلمة «إبريز». وتستمر القصة فتقول لنا: إنه عندما كان يخطب في الثوار الذين قاموا في وجه «إبريز» انزلق واحد منهم خلف «أمسيس»، ووضع على حين غفلة منه على رأسه تاج فرعون المستدير، ولم يسع المتفرجين عند ذلك إلا أن اعترفوا به ملكًا على مصر، وبعد أن تظاهر قليلًا بعدم قبول هذا التاج خضع لإرادتهم وقبل هذا الشرف. وعندما وصلت هذه الأخبار إلى «سايس» أرسل الملك «إبريز» أحد ضباطه المسمى «باتاربميس» Patarbemis مزودًا بالأوامر لإحضار هذا الخارج على سيده على قيد الحياة، وكان «أمسيس» وقت وصول الرسول ممتطيًا صهوة جهواده، وعلى أهبة حل معسكره والذهاب لمحاربة سيده السابق.
وعندما علم «أمسيس» بالرسالة التي كان يحملها الرسول كلفه بأن يحمل جوابه لسيده، وهو: أنه كان يعمل الاستعدادات للخضوع ورجا الفرعون أن يمنحه بضعة أيام حتى يمكنه في خلالها أن يحضر كل الرعايا المصريين الخارجين معه أمام الفرعون. وتضيف التقارير التي وصلت إلينا أن «إبريز»، عندما وصل إليه هذا الجواب الواقع أخذته نوبة غضب وحنق، وأمر بجدع أنف «باتاربميس» وصلم أذنيه، وقد قيل: إن القوم الذين أخذتهم حمى الغضب من أجل ذلك انفضوا من حوله، وانضموا إلى جانب «أمسيس»، ولكن الجنود المرتزقين على أية حال قد حافظوا على ما كان قد وضعه أسيادهم المصريون فيهم من ثقة وإخلاص. وعلى الرغم من أن عددهم كان لا يزيد على ثلاثين ألف مقاتل مقابل شعب بأسره، فإنهم انتظروا الهجوم عليهم بعزم وقوة بأس عند مدينة «مومنفس» (كوم الحصن)، التي تبعد حوالي ثلاثين كيلومترًا من «دمنهور الحالية» (راجع أقسام مصر الجغرافية في العهد الفرعوني ص٧٠) حوالي عام ٥٦٩ق.م، وقد كان الجيش المصري ضخمًا فلم يقوَ على مقاومته «الكاريون» و«الإغريق»، فانهزموا أمامه وولوا هاربين بعد معركة استمرت يومًا واحدًا (راجع Herod. 161, 162, 169). هذا ويلحظ أن «ديدور الصقلي» قد جعل مكان الموقعة التي وقعت بين الجيشين في بلدة «ماريا» نفسها (راجع Diodorus Siculus, I, 68)٧ وقد كان من نتائج هذه الموقعة أن أخذ «إبريز» أسيرًا، وقد عامله «أمسيس» معاملة حسنة، بل تدل شواهد الأحوال على أنه بقي يحمل مظاهر العظمة الملكية لمدة أو بعبارة أخرى اشترك مع «أمسيس» في الملك، ولكن سكان «سايس» ألحوا في طلب إعدامه، مما اضطر «أمسيس» إلى أن يسلمه إليهم لينتقموا منه، فشنقه الشعب الهائج، ومع ذلك فإنه كما يقال دفن باحتفال مهيب بين القصر الملكي ومعبد الإلهة «نيت»؛ أي على مقربة من المكان الذي ثوى فيه أسلافه بفخار. وبعد ذلك أصبح «أمسيس» المغتصب الحاكم المفرد لمصر. هذا ملخص ما ورد إلينا فيما تركه لنا الكتاب الإغريق، غير أنه لا يتفق تمامًا مع ما جاء في النقوش الأثرية التي عثر عليها، وبخاصة في لوحة «الفنتين».

(٢) لوحة الفنتين

وهذه اللوحة على الرغم من أنها وصلت إلينا مشوهة، فإنها تعد أهم وثيقة على ما يظهر وقعت في أيدينا حتى الآن من العهد الساوي. وهي من الجرانيت الوردي، ويبلغ طولها ١٫٧٥ متر وعرضها ٠٫٩٥ متر، وقد وجدت مستعملة جزءًا من أسكفة باب القصر الذي كان يسكنه القائد «كليبر» بالقرب من «جنينة الأزبكية»، وهي الآن بالمُتْحَف المصري. وقد نشرها أولًا الأثري «دارسي» (Rec. Trav. XXII 2, 3)، ومما يؤسف له أن هذه اللوحة قد تآكلت بدرجة عظيمة، حتى إن الإنسان لا يكاد يصادف فيها أسطرًا سليمةً تقريبًا. ويلفت النظر هنا أن الترجمة التي أوردها «دارسي» لهذه اللوحة تكاد تكون في غالبيتها تخمينًا، وقد حاول الأستاذ «برستد» أن يلخصها أولًا، ثم ترجم ما بقي من النقش، وأخيرًا أورد الأثري «كنيتز» ملخصًا لها لا يخرج عما أورده «برستد».
(Br. A. r. vol. iv. §§ 996–1007: Friedrich karl knietz. Die Politische Geschichte Agyptens Vom. 7. Bis Zum 4. Jahrhundert vor der Zeitwende P. 161–165).

وسنورد هذا أولًا ما أمكن فهمه على الوجه الصحيح، من حيث الترجمة على حسب رأي الأستاذ «برستد». وسير الحقائق التاريخية التي تقدمها لنا هذه الوثيقة في جملتها واضح، على الرغم من الإبهامات وعدم التأكد من التفاصيل بسبب تشويه المتن. ففي السنة الثالثة من حكم الملك «أحمس الثاني»، نجد أن الملك «إبريز» المخلوع يسير على رأس جيش لمنازلته من جهة الشمال، وهذا الجيش كان يتألف من قوة من الأجناد الإغريق، وكذلك من أسطول بحري، وقد كان «إبريز» هو الذي بدأ الهجوم وتقدم في زحفه حتى مشارق مدينة «سايس»، حيث كان «أمسيس» قد استعد بجيشه لملاقاته، وقد وقعت الواقعة، وأسفرت نتيجتها عن هزيمة «إبريز» هزيمة منكرة إذ قد شتت شمل جيشه، غير أن الملك المخلوع وجنوده قد استمروا يجوسون خلال الديار المصرية في شماليها قاطعين الطرق، وعائشين على السلب والنهب بطبيعة الحال، وفي الوقت نفسه فر «إبريز» هاربًا مع بعض السفن الإغريقية (؟) ولما انقضى أربعة أو خمسة أشهر على هذه الحال اضطر «أمسيس» أن يرسل إليه جنوده للقضاء على البقية الباقية من جيشه، وخلال تلك العملية كان «إبريز» قد ذبح.

هذا ملخص ما جاء في لوحة «الفنتين»، أما البيان الذي أورده لنا «هردوت» فإنه يبتدئ عند نقطة مبكرة عن ذلك في موضوع اغتصاب «أمسيس» لعرش البلاد؛ أي بعد عودة الجيش المصري مهزومًا من بلاد «لوبيا»، وإعلان جنوده العصيان على الملك (راجع Herod. II 162-3)، فيقول «هردوت» في ذلك: وعندما سمع «إبريز» بذلك أرسل «أمسيس» لتهدئة خواطرهم بالإقناع، ولكنه عندما وصل إليهم عمل جهده لكبح جماحهم، وعندما كان يدفعهم إلى التخلي عن القيام بمشروعهم قام أحد المصريين الذين كانوا واقفين خلفه بوضع قبعة على رأسه، وعند وضعها قال: إنه وضعها على رأسه ليجعله ملكًا. وهذا العمل لم يكن قط مكروهًا لدى «أمسيس»، كما أظهر ذلك في الحال؛ وذلك لأن الثوار عندما نصبوه ملكًا على المصريين استعد لقيادة جيش على «إبريز»، ولكن عندما أعلن «إبريز» بذلك أرسل إلى «أمسيس» رجلًا ذا وزن من المصريين الموالين له، وكان اسمه «باتاربميس» ومعه الأوامر لإحضار «أمسيس» حيًّا إلى حضرته.

وعندما وصل «باتاربميس» وأمر «أمسيس» بالمثول أمام الفرعون لم يسع «أمسيس»، إلا أن رفع ساقه (إذ اتفق أنه كان وقتئذ ممتطيًا جوادًا)، وأرسل ريحًا وأمره أن يحمل ذلك إلى «إبريز»، ومع ذلك فإن «باتاربميس» رجاه؛ لأن الملك قد أرسله ليذهب إليه، ولكنه أجاب: إنه كان منذ بعض الوقت يستعد لعمل ذلك، وإنه ليس لدى «إبريز» سبب للشكوى، وإنه لن يظهر أمامه وحده فقط ولكن سيحضر معه آخرين، وعندما فطن «باتاربميس» لما كان يضمره وشاهد التجهيزات تعمل عاد في سرعة؛ لأنه أراد أن يعلم الملك على وجه السرعة بقدر المستطاع بما هو جار.

وعلى أية حال عندما عاد إلى «إبريز» دون أن يحضر معه «أمسيس»، فإن «إبريز» دون أي تدبر وفي ثورة غضب أمر بأن تجدع أنفه، وتصلم أذناه (يقصد «باتاربميس»)، ولكن عندما رأى سائر المصريين الذين كانوا لا يزالون منحازين إلى جانبه أنه قد عامل بتلك الصورة المزرية واحدًا من أعظم المشهورين بينهم لم يتوانوا لحظة واحدة في الانحياز في الحال إلى الجانب الآخر، وسلموا أنفسهم «لأمسيس» (١٦٣) وعندما سمع «إبريز» بذلك سلح جنوده وسار لمقابلة المصريين، ولكنه كان معه كاريون وأونيون يبلغ عددهم ثلاثين ألفًا، وكان له قصر في «سايس» شاسع المساحة فخم. وزحف حزب «إبريز» على المصريين كما زحف حزب «أمسيس» على الأجانب، وتقابلوا بالقرب من «مومنفس» واستعدوا للقتال. (١٦٩) وعندما كان «إبريز» يقود أجناده (الأجانب)، و«أمسيس» يقود كل المصريين، وتقابلوا سويًّا عند «مومنفس» ووقعت الواقعة بينهم حارب الأجانب بشجاعة، ولكنهم كانوا أقل عددًا فحاقت بهم الهزيمة.

وكان «إبريز» يعتقد أنه لا يستطيع أحد حتى ولا الإله أن ينزع منه مملكته، فقد كان يظن بصورة مؤكدة أنه ثابت في مكانه. ولكنه عندما خاض غمار المعركة هزم وأخذ أسيرًا، وحمل ثانية إلى «سابس» إلى القصر الذي كان يملكه فيما سبق، وأصبح الآن في قبضة «أمسيس»، وقد استُبقي هناك لمدة في القصر الملكي، وقد عامله «أمسيس» معاملة حسنة ولكن في نهاية الأمر شكا المصريون من أنه لم يكن على حق في المحافظة على رجل كان ألد عدو لهم وله، وعلى ذلك سلم «إبريز» للمصريين، فشنقوه ثم دفنوه في ضريح أجداده، وكان هذا المكان المقدس للآلهة مترفًا بالقرب جدًّا من المعبد الذي على اليد اليمنى عندما تدخل … إلخ.

ومن رواية «هردوت» نعلم أن اغتصاب «أمسيس» للملك كان قد بدأ في وقت مبكر عن الوقت الذي جاء في متن اللوحة. وتدل شواهد الأحوال على أنه بعد هزيمة «إبريز» وخلعه من عرش الملك على يد «أمسيس»، كما جاء في «هردوت»، استغل «إبريز» شفقة «أمسيس» ورأفته به حتى إنه أفلح بعد ثلاث سنوات في الهرب، وجمع جيشًا من الأجناد الإغريق لمحاربته، ولكنه هزم معهم ثانية كما جاء في اللوحة. وإذا كان هذا الترتيب في الحوادث صحيحًا كانت الموقعة الثانية كما جاء ذكرها على اللوحة تشبه كثيرًا الأولى، مما حدا بهردوت إلى عدم تمييزها؛ لأنه لم يقل عنها شيئًا، وهذا قول أرجح من أن نوحد الواقعة التي جاءت في اللوحة، مع الواقعة التي ذكرها «هردوت»، وفي هذه الحالة كان «أمسيس» قد حكم أكثر من سنتين على الأقل قبل أن يهاجمه «إبريز»، وعلى ذلك لم يكن هناك مجال لبقاء «إبريز» في حبس «أمسيس»، كما قص علينا ذلك «هردوت» بوجه خاص اللهم إلا إذا فرضنا أن «إبريز» كان قد أسر في الواقعة التي جاءت على اللوحة (وهذه الحقيقة لم تذكر فيها)، وبقي مع «أمسيس» لمدة أربعة أو خمسة أشهر ثم هرب بعدها إلى السفن الإغريقية ليذبح هناك. وقصة موت «إبريز» كما رواها «هردوت» من الصعب جعلها تنسجم مع القصة التي جاءت على اللوحة بأي فرض كان، ولكن المصدرين يتفقان في أن «أمسيس» قد احتفل احتفالًا كريمًا بدفن «إبريز»، على حسب ما جاء في «هردوت» بين أجداده في «سايس».

وهاك ما جاء على اللوحة:

السنة الثالثة الشهر الثاني من الفصل الثالث (الشهر العاشر من السنة) في عهد جلالة «حور رع» مثبت العدالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري، السيدتان (المسمى) ابن «نيت» موطد الأرضين، حور الذهبي (المسمى) منتخب الإله «خنوم أب رع» ابن رع من صلبه (المسمى) «أحمس» بن «نيت»، محبوب «خنوم»، سيد «الشلال» و«حتحور» القاطنة في «زاموت» معطي كل الحياة والثبات والرضا مثل رع أبديًّا (٢) الإله الكامل العامل بساعده العظيم البطش … ويأتي بعد ذلك بيان يقول: إن جلالته كان في قاعة القصر يتدبر أحوال البلاد عندما أتى واحد ليقول لجلالته: إن «إبريز» (حعع-أب-رع) (٣) قد أقلع جنوبًا … سفن اﻟ… في حين كان إغريق لا عدد لهم يحيون خلال الأرض الشمالية (…؟ …) والآن قد تذكر مكانهم (٤) في «بح عن» (وهو جزء من مقاطعة انذروبوليت في الدلتا الغربية غير أن قراءة اسم المكان غير مؤكد)، وكانوا يخربون كل مصر وقد وصلوا إلى حقل الزبرجد (يحتمل أنه مكان بالقرب من «سايس» و«بوتو»)، وهؤلاء الذين من حزبك قد هربوا بسببهم. وبعد ذلك جعل جلالته السمار الملكيين و(…) ينادي عليهم وأعلمهم بما حدث. وقد خاطبهم بنصائح مطمئنة (٥–٧)، وقد أجابوا بالثناء على «أمسيس» معلنين أن «إبريز» قد عمل ما يعمله كلب في جيفة (٧–١٠)، وقال جلالته: ستحاربونه في الباكر! فكل رجل إلى الأمام! وقد جمع جلالته رجالته وفرسانه (لا بد أن الإغريق كان لديهم فرسان وقتئذ) … وقد ركب جلالته عربته وأخذ أقواسًا ونشاشيب في يده، وقدم إلى … ووصل إلى «أندروبوليس» (عاصمة المقاطعة الثالثة من مقاطعات الوجه البحري)، وكان الجيش متهللًا فرحًا على الطريق. يأتي بعد ذلك المتن الخاص ببداية الموقعة غير أنه في غاية الغموض. ثم يتبع (سطر ١٢). حارب جلالته كالأسد، وعمل مذبحة بينهم وكان عددهم لا يعرف. وأخذتهم سفن عديدة، ساقطين في الماء ورأوهم يغطسون في الماء كما يعمل السمك.

«أمسيس» انتصر على عدوه

السنة الثالثة الشهر الثالث من الفصل الأول (الشهر الثالث) اليوم الثامن، أتى إنسان ليقول لجلالته: إن العدو يهدد الطرق وهناك آلاف يغزون البلاد، وهم يغطون (يحتلون) كل طريق أما أولئك الذين في السفن، فإنهم يحملون لك الكره في صدورهم دون انقطاع.

بعد ذلك أصدر «أمسيس» التعليمات لجنوده؛ ليعيثوا فسادًا في كل طريق دون أن يدعوا يومًا يمر لا يضغطون فيه على العدو (١٥، ١٦)، وعلى ذلك فرح الجيش كثيرًا وبدءوا في عملهم (١٦) وقد استولى على سفن العدو، ومن المحتمل أن «إبريز» أخذ على غرة وذبح عندما كان يأخذ قسطًا من الراحة على إحدى السفن. وقد رأى (أمسيس) صديقًا له سقط في … الذي عمله (١٨) أمام الماء وقد أمر «أمسيس» بدفنه، كما يليق بملك ونسي لعنات الآلهة التي جلبها لنفسه، وقد أوقف (أمسيس) قربات مقدسة بمقدار عظيم لإقامة الشعائر الخاصة بإبريز الذي خر صريعًا.

(٢-١) الخلاصة والتحليل للحوادث التي جرت بين «إبريز» و«أمسيس»، على حسب ما جاء في لوحة «الفنتين»

استعرضنا فيما سبق الأقوال والروايات عن الخلاف الذي دب بين «إبريز» وقائده «أمسيس» بشيء من التطويل، ووصلنا إلى النهاية التي أدى إليها هذا الخلاف، وهو قتل «إبريز» وتولي «أمسيس» الحكم بعد حروب طاحنة، ويمكن تلخيص كل هذا الموضوع فيما يأتي:

حدث على حسب ما جاء في «هردوت» أنه وقعت بين «أمسيس» وجنوده المصريين، وبين «إبريز» الذي كان يحمي ظهره الجنود الكاريون والإغريق الذين يبلغ عددهم حوالي ثلاثين ألف مقاتل، موقعة في المكان المسمى «مومنفيس» وهو «كوم الحصن» الحالي الواقع في الشمال الغربي من الدلتا، وقد كان النصر في جانب الجنود المصريين لتفوقهم في العدد على الإغريق. وقد وقع «إبريز» نتيجة لهذه الموقعة في قبضة «أمسيس». غير أنه على الرغم من ذلك عامله معاملة حسنة، ولكن فيما بعد سلم «أمسيس» غريمه «إبريز» للمصريين الذين اشتد حنقهم عليه لسوء تصرفه، فقتلوه، ومع ذلك فإن جثمانه قد احتفل بدفنه في مقابر أسرته في «سايس». وعلى أساس هذا البيان وبسبب أن «إبريز» حكم خمسًا وعشرين سنة (بدلًا من تسع عشرة سنة)، كما ذكر «هردوت» فإن مدة حكمه الصحيحة هي أربع وأربعون سنة (راجع Herod. III, 10)، وعلى ذلك يكون قد اشترك «إبريز» و«أمسيس» معًا قبل موت الأول عدة سنين في الحكم. يضاف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا من الآثار المصرية يمكن اقتباسها تأكيدًا لذلك، ومنها نرى ظاهرًا أن الملكين كانا يحكمان معًا. ولكن هذه الآثار قد فحصها الأثري «بيل» بالتفصيل (راجع A. Z., 28 PP. 9–15, Comp. Gardiner, J. E. A. 31, P. 20, Note 3)، ومنها خرج بنتيجة غير التي وصل إليها الأثريون الذين سبقوه، وهي أن هذه الآثار لا تدل قط على أي اشتراك في الملك لهذين الفرعونين، وأن السبب في هذه الغلطة قد نشأ من قراءة طغراء هذا الملك الذي نقله «شمبليون» خطأ، وقد قرأه الأثري «ينج» قراءة صحيحة (راجع Porter & Moss, IV P. 72)، وبذلك تسقط هذه النظرية تمامًا.

وقد ألقت أضواء جديدة على تاريخ كل من «إبريز» و«أحمس» اللوحة التي عثر عليها في «الفنتين»، على الرغم مما أصابها من عطب شديد، وهي التي تحدثنا عنها فيما سبق، وتؤرخ بالسنة الثالثة من حكم «أمسيس»، ومنها نجد أنه لا بد من إدخال بعض تعديلات، ولكنها مع ذلك تتفق مع ما جاء في المصادر الإغريقية في النقط الأساسية، فنجد أن متن اللوحة يبتدئ في السطر الأول بتاريخ السنة الثالثة الشهر العاشر من حكم الملك «أمسيس» «ويأتي بعد ذلك الأسماء الرسمية للملك»، وبعد ذلك يجيء الخبر للملك «أمسيس» أن «إبريز» قد أقلع بأسطول إلى أعالي النيل، وفي الوقت نفسه يوجد جيش قوي من الإغريق يخترق الدلتا، وأنه خرب كل البلاد. وهؤلاء الإغريق كانوا قد وصلوا فعلًا إلى بلدة «حقل الزبرجد» (الواقعة بين بلدتي بوتو و«سايس»)، وأن جنود «أمسيس» قد تقهقروا وعند ذلك سار «أمسيس» بنفسه على رأس جيش عظيم يصحبه أسطول لملاقاة «إبريز»، والظاهر أن «أمسيس» خاض غمار موقعة عظيمة في «أندرو-بوليس» الواقعة في غربي الدلتا، وكان نصره فيها ساحقًا في البحر والبر.

ويأتي بعد ذلك في السطر الرابع عشر من متن هذه اللوحة تاريخ آخر، وهو السنة الثالثة الشهر الثالث اليوم الثامن من حكم الملك «أمسيس». وفي هذا الوقت أتى إنسان ليخبر الفرعون «أمسيس» أن القلاقل في البلاد مستمرة، وأن العصابات تجعل الأمن في البلاد غير مستقر، وعندئذ أمر «أمسيس» جيشه بتطهير البلاد من كل القلاقل والاضطرابات وقد تم له ما أراد. وفي خلال ذلك قتل «إبريز» على ظهر سفينته، والظاهر أن ذلك قد حدث بيد أتباع «إبريز» نفسه. والمتن هنا غامض تمامًا (السطر ١٧) وفي نهاية المتن ذكر أن «أمسيس» قد احتفل بدفن «إبريز» بكل حفاوة تليق بملك. ومتن اللوحة يضع أمامنا أولًا مسألة تأريخية، وهذه تنحصر في التاريخين اللذين ذكرا في اللوحة نفسها، الأول في السطر الأول، والثاني في السطر الرابع عشر، فالأول على حسب نظام التأريخ المتقدم يقع في ٩ أكتوبر أو ٩ نوفمبر سنة ٥٦٧ق.م، والثاني يقع في ٢٠ مارس سنة ٥٦٧ق.م، وهنا نجد أن التاريخ الثاني يأتي تأريخًا قبل الأول، وقد استنبط البعض من ذلك أن «أحمس» لم يجعل سن حكمه من أول السنة التقويمية، بل من أول يوم توليه عرش الملك، ويلحظ هنا أن «مسبرو» يفضل قراءة السنة الأولى بدلًا من السنة الثالثة. (راجع Maspero. Guide du visiteur au Musée du caire, (1915), P. 206 No. 849).

ولكن حساب سني الحكم على حسب سنة الحكم الحقيقية يكون أمرًا فريدًا في بابه، وفضلًا عن ذلك يضع أمامنا مسألة شاذة غامضة التفسير. وعلى ذلك فإنه لا بد من إيجاد حل آخر لهذه المعضلة. والواقع أنه لا يمكن القول بأية حال أن التاريخ الأول في اللوحة متعلق بالحادث الأول الذي ذكر فيها، وفضلًا عن ذلك فإنه يمكن اعتباره التاريخ الذي أقيمت فيه اللوحة.

(راجع مثالًا لذلك لوحة «بيعنخي» Br. A. R. III, P. 418)، ومن ذلك نفهم أن التأريخ الذي جاء في السطر الأول ليس بتأريخ متقدم يحدد الحادثة التي ذكرت في السطر الرابع عشر، بل هو تأريخ جاء متقدمًا لنهاية الحوادث التي جاء ذكرها من أول السطر الرابع عشر حتى نهاية المتن. وهذا الاستنباط هام للإجابة عن السؤال فيما إذا كانت الواقعة التي ذكرت في المتن بالقرب من «أندروبوليس» موحدة بواقعة «مومنفيس»، التي ذكرها «هردوت». والواقع أنه يوجد اعتراض على توحيد هاتين الواقعتين (راجع Br. A. R. IV, P. 509-510 § 997-998; Petrie, et Gauthier etc.)، وذلك أن «هردوت» وضع موقعة «مومنفيس» في بداية حكم «أمسيس» في حين أن الموقعة التي جاء ذكرها في اللوحة، ذكرت أولًا في السنة الثالثة من حكم «أمسيس»، هذا ونجد أن الأثري «هول» (Hall, The Oldest Civilisation of Greece, P. 323-324). يقول: إن الموقعتين هما موقعة واحدة وقعت في السنة الثالثة من عهد «أمسيس» (٥٦٧ق.م) والواقع أن هذا الرأي يسقط عندما نأخذ بالرأي القائل: إن التاريخ الأول هو تاريخ إقامة اللوحة، وإن التاريخ الثاني هو الذي بدأت فيه الحوادث، وعلى ذلك تكون الواقعة قد وقعت في سنة ٥٦٩ أو سنة ٥٦٨ق.م، والبرهان القاطع على أن الواقعتين موحدتان أنه على حسب ما جاء في اللوحة، وكذلك على حسب ما جاء في «هردوت» قد دارت المعركة في مكان موحد (راجع kees. Pauly-wissowa. Real Encykolopade der klassische Alter-tumswissenschaft, XVI, I, 1933, S. 40-40, Momenphis).
يضاف إلى ذلك أننا نجد في كلا المصدرين أن «إبريز» كان في جانبه الإغريق، ولكن من جهة أخرى نجد أنه من الصعب أن نوفق بين ما جاء في اللوحة وفي «هردوت» عن موت «إبريز». فنجد قبل كل شيء أن متن اللوحة لم ينوه لا من بعيد ولا من قريب عن أن «إبريز» قد سقط في الموقعة الفاصلة في يد «أمسيس»، كما يحدثنا بذلك «هردوت». فمن المحتمل إذن أن «إبريز» قد سقط في الموقعة الفاصلة في يد «أمسيس»، كما يحدثنا بذلك «هردوت». فيجوز إذن أن «إبريز» كان قد أخذ أسيرًا في الموقعة، ثم هرب ثانية إلى السفن الإغريقية كما ذكر ذلك «هردوت»، ومن جهة أخرى نجد أن «إبريز» لم يذكر الحوادث التي وقعت على حقيقتها، كما ذكرها «هردوت»، ولا غرابة في ذلك؛ لأن قتل ملك شرعي وبخاصة في العهود المتأخرة من التاريخ المصري كان يعد من أبشع الأخطاء الدينية. وقد ظهر اسم «إبريز» على لوحة «أمسيس» في طغراء ملكية — ولكن بدون ألقاب ملكية بعد — هذا فضلًا عن أن «أمسيس» قد وصف «إبريز» بأنه صديقه (سطر ١٧ في اللوحة)، وهذه الأمور وكذلك الاحتفال بدفن «إبريز» بكل تجلة واحترام يدل على أن «أمسيس» أراد أن يتخلص من وصمة العار التي لصقت به، وهي قتل «إبريز»، وعلى ذلك يحتمل جدًّا أن ما جاء في اللوحة عن موت «إبريز» لا يخرج عن كونه بلاغًا رسميًّا أراد «أمسيس» أن يطمس به الحقائق، كما يحدث في أيامنا، وعلى ذلك فإنه بعيد عن الحقيقة (راجع Hall, Ancient Hist. P. 548; Cambridge Ancient Hist. III. P. 303).

(٣) «آثار» إبريز

قد ترك لنا «إبريز» آثارًا عدة في أنحاء القطر.

يوجد في متحف «اللوفر» بطاقة من خشب الجميز كانت في الأصل ضمن مجموعة «كلوت بك»، ويبلغ طولها ٦٥ مليمترًا وعرضها ٤ سنتيمترات وأحد طرفيها مستدير وبه لقب لتعلق منه، وهذه البطاقة خاصة بمومية وقد كتب على البطاقة بالخط الهيراطيقي ما ترجمته:
زيت جميل من الجزية الخاصة بكل الزيوت، مقداره ٢٤ «منو» من السنة الأولى شهر أمشير من عهد الفرعون «إبريز» (حفره) العائش أبديًّا. (راجع Bull. Instit, Fr. Tom. 10 P. 163).
  • صا الحجر: من الآثار التي عثر عليها للملك «إبريز» في صا الحجر٨ عمود من البازلت الأسود، وجده الأثري «دارسي» في وسط القرية، ويبلغ طوله ١٫١٥ متر وقطره ٤١ سنتيمترًا ومنقوش عليه سطران عموديان:

    (١) حور (المسمى) واح اب، واح أب رع المحبوب من الإلهة «نيت» ربة «سايس» معطى الحياة. (٢) حور (المسمى) واح اب. واح أب رع محبوب الإلهة «نيت» المشرفة على بيت النملة معطى الحياة أبديًّا.

    هذا وقد وجد عمود مماثل لهذا في «جامع الغمري» بالقاهرة، وكذلك يوجد في المُتْحَف المصري عمود ثالث تاجه على هيئة رأس البقرة «حتحور»، ومقطوع من نفس الحجر (راجع A. S. II P. 239)، وكذلك عثر «دارسي» في الحفائر التي قام بها في «صا الحجر» على تمثال محبب للملك «إبريز»، وهو مصنوع من الخزف المطلي الأخضر، ولكن صناعته رديئة وليس فيه ما يدل على أنه من صنع ملكي. وقد نقش عليه مختصر للفصل السادس من كتاب الموتى، وهو الذي يطلب فيه إلى هذا التمثال أن يقوم بكل عمل يكلف به الملك المتوفى من أعمال الآخرة، التي كان يجب تأديتها للإله «أوزير».
  • نهارية: وجد في هذه القرية قطعة حجر عليها اسم الملك «إبريز» (L. D. III, 274, h, i).
  • هليوبوليس: يوجد لهذا الفرعون مسلات نقلت إلى «روما»، ويحتمل أنها كانت في الأصل في «عين شمس» (راجع Parker, Twelve Obelisks in Rome III, Rome, Piazza Minerva).
  • ميت رهينة: لوحة الملك «إبريز» (راجع A. S. Tom. XXVII, P. 211–237).
    من أهم الآثار الظاهرة في دمن مدينة «منف» لوحة مستديرة مسورة بالقرب من تمثال «رعمسيس» الصغير، الذي نقل حديثًا لميدان محطة القاهرة. وقد ادعى «بروكش» أنه هو الذي كشف عنها ونقل متنها (راجع Brugsch, Histoire de I’Egypte 1, P. 257).
    ويحتوي متن هذه اللوحة على أمر من الملك «إبريز» بإقامة لوحة في «منف» في وسط البحيرات، كما يقول لتكون تذكارًا للهبات التي قدمها للإله «بتاح» رب «منف» … إلخ. وقد تناول هذه اللوحة بالبحث أثريون آخرون نذكر منهم «مريت» و«مسبرو» و«كارل بيل» (راجع A. Z. 28 PP. 28)، وأخيرًا درسها درسًا مستفيضًا عميقًا الأثري «جن»، وقرن محتوياتها بما يماثلها من المنشورات المصرية في عهد الدولة القديمة، وبخاصة عندما نعلم أن ملوك الأسرة السادسة والعشرين كانوا يقلدون أجدادهم في عهد الدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة. والواقع أن محتويات هذه اللوحة كانت تعد من الأهمية بمكان في الوقت الذي كشفت فيه، ولكن أصبحت أهميتها قليلة عندما كشف عن نظائرها حديثًا من عهد الدولة القديمة. ولا نزاع في أن هذه النظائر هي التي سهلت للأستاذ «جن» درس هذه اللوحة بالموازنة. ولوحة «إبريز» هذه عبارة عن منشور عام يتعلق بإهداء بعض الأراضي، وما يتبعها من عبيد وكل منتجاتها. واللوحة كما هي الآن منصوبة على قاعدة مثبتة بالأسمنت. وهي منحوتة من الحجر الرملي الأبيض المائل للسمرة، وهي مستديرة في أعلاها، وقد تآكل سطحها في كثير من المواضع ويبلغ طولها ٣١٤ سنتيمترًا، وعرضها حوالي ١٥٧ سنتيمترًا وسمكها ٧٧ سنتيمترًا، والصور التي عليها والكتابة متقنة الصنع.
    وتدل شواهد الأحوال من موقع اللوحة على أنها كانت منصوبة عند مدخل معبد الإله «بتاح». ويشاهد في الجزء الأعلى المستدير علامة السماء، وتحتها قرص الشمس المجنح وبين الجناحين اسم الإله «بحدتي» = صاحب: إدفو «ويتدلَّى صلان من قرص الشمس وتحت كل صل علامة وتحت ذلك طغراء الملك «واح أب رع» على علامة اتحاد الأرضين، وفي الجهة اليمنى من هذا الجزء الأعلى صورة الإله «سوكاريس» باسمه «سكر» فوقه، ويشاهد من طرف صولجانه أنه يقدم «الحياة» للطائر حور على واجهة قصره، ومعه النقش التالي: «إنه «سوكاريس» يُعطى كل الحياة والفرح والصحة أبديًّا.»

    وعلى الجهة اليسرى من هذا الجزء الأعلى صورة «بتاح» «منف» في ناووس، وبين هذا واسم «حور» الذي على الجهة اليسرى سطر عمودي من النقوش معظمه مهشم. والفكرة التي يعبر عنها الجزء الأعلى من اللوحة يظهر أنها كالآتي: مثل الملك «إبريز» باسمه «ابن رع» واسمه الحوري محمي تحت القبة الزرقاء بالإله «حور» صاحب «إدفو»، ويقدم له الحياة والنعم الأخرى الإلهان المحليان «بتاح» و«سوكاريس» (سكر).

    وهاك ترجمة المتن الذي نقش على الجزء الأسفل من هذه اللوحة:
    • (١) الواحد الحي، «حور» «واح اب» (= صاحب القلب المثبت) ملك الوجه القبلي والوجه البحري، صاحب السيدتين (المسمى) «نت خبش» (رب القوة بالساعد)، «حع عا أب رع» (= قلب رع فرح)؛ حور الذهبي (المسمى) «وسواز تاوى» (الذي يجعل الأرضين تفلح)، ابن «بتاح» المحبوب، «واح أب رع» (= قلب رع مثبت) معطى الحياة أبديًّا.
    • (٢) الملك نفسه يقول: إن جلالتي قررت أن الإقليم القريب من «منف» في وسط القنوات العظيمة (؟) نهدي بمثابة دخل إلهي لوالدي «بتاح جنوبي جداره»، سيد «عنخ تاوي»، مع كل عبيده، وكل ماشيته كبيرة وصغيرة، وكل شيء يخرج منها في (الريف) أو في المدينة، هذا بالإضافة للأرض الزراعية الخاصة بالآلهة والإلهات التي هناك.
    • (٣) وقد قررت جلالتي فضلًا عن ذلك أن توهب كل الأراضي المستنقعة، وكل الأراضي الزراعية المجاورة لهذا الإقليم لوالدي «بتاح جنوبي جداره» ورب «عنخ تاوى» (= منف).
    • (٤) وقد قررت جلالتي بالإضافة إلى ذلك أن يحبس هذا الاقليم، ويحمى لأجل والدي «بتاح جنوبي جداره»، ورب «عنخ تاوى»، من فعل أي عمل في الري (؟) ولن أسمح لأي شخص يؤتى به هناك بوساطة أي موظف محلي أو أي رسول للملك. وقد عملت جلالتي لهذا بقصد أن دخل هذا الإله وهو والدي «بتاح القاطن جنوبي جداره» ورب «عنخ تاوى» يبقى سليمًا في كل الأبدية.
    • (٥) وقد قررت جلالتي فضلًا عن ذلك أن يستمر ما فعله الأجداد في معبد «بتاح جنوبي جداره»، (يقصد أن ما فعلته يمكن أن يستمر بوساطة الخلف لأي عمر من السنين).
    • (٦) وقد وجه أمر لمفتشي الكهنة خدمة الإله لهذا الاقليم ألا تكون هناك عقبة في سبيل هذا الدخل الإلهي.
    • (٧) وأي موظف إداري محلي أو أي رسول ملكي يعطي متن هذا المنشور أو من يمكنه أن (؟) … بسببها (؟) سيعاقبه البيت العظيم (المحكمة) من أجل السوء (الذي ارتكبه).
    • (٨) ختم في حضرة الملك نفسه واقفًا بين الرجال الخاصين (؟) … سنة الحكم الثالثة عشرة الشهر الرابع من فصل الزرع (اليوم) التاسع أو السادس عشر أو السادس والعشرون.

    يلحظ أن هذا المتن غاية في الاختصار في ألفاظه؛ ولذلك يحتاج إلى بعض الشرح فمما يلفت النظر في الفقرة الثانية ضم الأرض الزراعية الخاصة بالآلهة والإلهات في ضيعة «بتاح»؛ لأن ذلك يشمل على ما يظهر حرمان الآلهة المعينين من دخلهم المقدس. ومن المحتمل أنه كان ينتظر بعض المقاومة لاتخاذ هذه الخطوة، وربما كان ذلك هو السبب في أن رجال الدين أصحاب النفوذ في الإقليم، وأعني بذلك المفتشين على الكهنة هم الذين أمروا (٦) ألا يضعوا أية عراقيل في سبيل الدخل المقدس للإله «بتاح»؛ ولكن ضم كل الأراضي المستنقعة والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة المجاورة لهذا الإقليم في نظرنا أمر مبهم تمامًا، ولكن لا بد أن المقصود كان بدهيًّا للذين عاصروا ذلك.

    وما جاء في الفقرة الخامسة لا بد أن له علاقة بباقي المتن أكثر مما هو في ظاهره، وربما كان المقصود منها هو أن الملك «إبريز» قد ضمن في المنشور الذي هو موضوع هذا المتن تجديد (منشور) قديم له نفس الغرض. وعلى ذلك فإن الإشارة إلى معبد «بتاح» تعني أن اللوحة تعلن نشر منشور يخلد ما عمل بوساطة الأجداد، وإقامته في المعبد. وعلى أية حال فإن الوثيقة التي تركها لنا «إبريز» لا تعد في حد ذاتها منشورًا، بل هي في الواقع إعلان عام سجل فيه مواد منشور عمل قديمًا، وذلك ظاهر من ألفاظ الوثيقة نفسها. وهذا يوحي بأن الكهنة في هذا العهد كانوا يريدون إحياء كل الأوقاف القديمة التي كانت للآلهة مما يدل على نفوذهم.

  • قصر «إبريز» في ميت رهينة: (راجع Petrie, The Palace of Apries, Memphis II, P. 17-18).

    لا غرابة في أن نرى «إبريز» يقيم لوحة في هذه الجهة؛ ليحيي الأوقاف التي كانت لإله هذه الجهة، فقد اتخذ مقره على ما يظهر هناك. ولا أدل على ذلك من أن الأثري «بتري» قد كشف عن قصر له يظهر مما بقي منه أنه كان غاية في العظمة والفخامة، وقد اتخذه الملوك الذين أتوا من بعد «إبريز» مقرًّا لهم، كما يدل على ذلك ما تركوه لنا من آثار في «دمنة». ويقع قصر الملك «إبريز» الذي كشف عنه الأثري «فلندرز بتري» في النهاية الشمالية من مدينة «منف» القديمة، وتبلغ مساحة هذا القصر حوالي فدانين، وجدرانه مقامة كما هي العادة في المباني الدنيوية المصرية القديمة من اللبنات السوداء، وجدران هذه المباني مكسوة بالأحجار الجيرية في جزئها الأسفل، وكذلك كسيت رقعة القصر بالأحجار الجيرية، ويبلغ سمك الجدران في المتوسط حوالي ١٤ قدمًا. وتدل شواهد الأحوال على أن عمر هذه الجدران يختلف من حيث زمن إقامتها؛ وذلك لأن بعضها يرجع إلى عهد «إبريز» وبعضها الآخر أقيم بعد عهده، إذ قد استعمل هذا القصر، كما يظهر من الآثار التي وجدت في طبقات المباني التي عثر عليها في العهود التي أعقبت عهد الملك «إبريز».

    والتصميم العام لهذا القصر كما عثر عليه جاء مرتبكًا بعض الشيء، وهو يحتل الركن الشمالي الغربي من المعسكر الكبير الحصين الذي تبلغ مساحته حوالي عشرين فدانًا أو أكثر في النهاية الشمالية من خرائب «منف». وكان يوجد على الجانب الغربي للمعسكر ثلاثة أسوار عظيمة. والقصر المحصن الذي نحن بصدده يقع على ربوة، والأسوار التي في الجنوب قد خربت وبُني على أنقاضها، والسور أو الحوش الذي يلي القصر قد أزال أتربته السباخون، ولم يبقَ منه إلا مربع ذو جدران سميكة يبلغ ارتفاعها حوالي أربعين قدمًا وكل ما بداخله قد أزيل، وكان يوجد في داخل هذا المربع العظيم طريق لها بوابة واسعة في الجنوب، وأخرى مقابلة لها في الشمال (انظر تصميم القصر Ibid, Pl. I.)، وهذه البوابة كانت تؤدي إلى أخرى في الواجهة الجنوبية للقصر، وهي التي تؤدي منها «الطريق الواسعة القديمة» إلى الردهة العظمة. ويلحظ هنا أنه عند عمل تصميم قصر «إبريز» من جديد، كما كان عليه في أول مرة وقد وضعت طريقة جديدة للدخول إلى القصر بوساطة كتلة من المباني تقع أكثرها في الشرق، فيشاهد في الجدار عند نهاية التصميم طريق مقابلة بالضبط لنهاية «الطريق العريض الجديد»، وبينهما توجد حفرة تنصل بالقصر.
    وعندما يتقدم الإنسان نحو «الطريق الواسع الجديد»، توجد قاعة بابها في الغرب ولها مقعد في امتداد الجانبين الغربي والشمالي. وهذه القاعة كانت كما يقول «بتري» بموقعها تؤدي إلى حجرة الحراسة، ويأتي خلف ذلك المطبخ بموقده المصنوع من اللبنات، وهو لا يزال قائمًا مرتكزًا على الجدار الشمالي. ويلي ذلك باب واسع (D) من اليمين، ويؤدي إلى القاعة المكسوة بالحجر الجيري. وكان يوجد جنوبي باب المدخل باب من الحجر E, C لا يزال باقيًا منه الأسكفة والعتب. وهذا الباب يؤدي من قاعة إلى أخرى في الجنوب، وهي أكثر القاعات حفظًا في القصر (رقم XIII في التصميم)، وقد بنيت الرقعة منحدرة إلى مصرف له صهريج من القصدير في رأسه، وهذا الصهريج كبير الحجم ٢٩٠ × ٣٤٫٤ بوصة وعمقه من ٧ إلى بوصات، وقد نقل إلى المُتْحَف المصري، وفي الجهة الشرقية من ذلك بقايا قاعة أخرى لا تزال دمنها ظاهرة.

    ولا بد أنه كان يوجد على امتداد الجانب الشرقي للقصر ممر ينفذ إلى ثلاث حجرات في وسط الجانب الشرقي، غير أنه اختفى ولم يبقَ منه إلا آثاره. وخلف هذه القاعات نجد أن «الطريق الواسع» قد سد. والظاهر أن هذا السد قد قطع الطريق المباشر المؤدي إلى المنظرة، ولكن يمكن الوصول إليها بوساطة الردهة العظيمة، أو بعض ممر قد خرب الآن. ونعود الآن إلى القاعة العظمى، فنجد أن الدخول إليها قد عمل في الجنوب الشرقي وجدرانها من كل الجوانب يرجع عهدها إلى ما قبل عصر «إبريز». وفي وسط الردهة نجد بناء على شكل علبة من الحجر مدفونة في الردهة، والغرض منها لم يعرف بعد فلم تكن للماء، وهي قطعة واحدة ليس بها منافذ ومن المحتمل أنها كانت خاصة بالعرش، ويوجد كذلك علبة أخرى في الجنوب الشرقي منها مستديرة الشكل.

    وفي منتصف الردهة العظمى تقريبًا يشاهد على الأرض ملفات وتيجان أعمدة من الحجر الجيري، منقوشة باسم الملك «حور واح اب» ملك الوجه القبلي والوجه البحري، والسيدتان رب السيف، «حور» المتغلب على «ست» مسعد الأرضين «حعع أب رع» ابن «بتاح». وهذه القطع وجدت ملقاة على عمق يتراوح بين ١٢، ١٦ قدمًا في الجنوب من العلبة المتوسطة، غير أنه لم توجد رقعة مبلطة أو قواعد تدل على أماكن هذه العمد الأصلية، وكانت توجد على وجه التأكيد ثلاثة منها، ولكن يحتمل أنه كان يوجد عدد كبير غيرها. ومن المحتمل أن ارتفاع العمود كان حوالي قدمًا، إذا ما قرن بالعمد التي وجدت في «أهناسيا المدينة». وتدل شواهد الأحوال على أن هذه العمد كانت مقامة في قاعة عمر مفروشة يبلغ عدد عمدها ٤ × ٤ أي ستة عشر عمودًا تشغل الردهة الوسطى. وبعد الردهة العظمى نجد بوابة عظيمة من الحجر تؤدي إلى قاعة تبلغ مساحتها ٣٥ × ٢٩ قدمًا، وعلى كل من جانبي هذه الحجرة توجد قاعة ضيقة، فالتي على اليمين معلمة بأنها كانت مصنعًا، ولها دكة أو مصطبة على امتداد كل جوانبها، ولا بد أن هذه الدكة كانت للعمال للجلوس عليها، وفي وسطها كان يوجد صندوق ساذج الصنع من الأحجار الخشنة، ويحتمل أنه كان صهريج ماء. وقد وجدت حول هذه الحجرة قطع عدة من البرنز وبعض أشياء من الفضة والذهب، كل ذلك يدل على وجود مصنع في هذه البقعة. وفي شمالي كل المباني الأخرى كانت توجد مساحة واسعة تحيط بها جدران من جوانبها الثلاثة، وهذه المساحة المفتوحة يظهر أنها كانت تقابل الردهة الواسعة ذات العمد، التي عثر عليها في بلدة «اللاهون». والواقع أنها كانت تقابل ما نسميه في عهدنا الحديث المنظرة، أو حجرة الاستقبال في الأرياف في منازل العمد الأغنياء. وتدل الظواهر على أن تصميم كل القصر يشبه تمامًا منازل الأسرة الثانية عشرة، فقد كان المدخل من الجنوب ثم ممر طويل يخترق المنظرة في الشمال، وكان مسكن الخدم والمطبخ في الجهة الغربية، وخلفها كانت توجد الردهة العظيمة، وكانت أحسن الحجرات توجد في خدر النساء الذي في الشرق.
  • تل الناقوس: عثر على ناووس جميل باسم الملك «إبريز» في بلدة «البقلية»، أهداه هذا الملك للإله «تحوت» معبود هذه الجهة، ويبلغ ارتفاعه ١٫٥٥ متر وعرضه ٦٢ سنتيمترًا وعمقه ٨٦ سنتيمترًا، وهذا الناووس جميل الصنع نقشت عليه طغراء الملك «إبريز». ويلحظ أن الإله «تحوت» معبود هذه البلدة الذي وجد ممثلًا في هذا الناووس قد مثل في كل أشكاله المختلفة، كما مثل معه شركاؤه من دائرة «أوزير». وقد أقيمت صناجة «حتحور» في داخل كوة الناووس. ونعلم من ذلك أنها كانت الإلهة المرافقة للإله تحوت في هذه الجهة (راجع Maspero, Guide (1915) P. 198; Porter & Moss, IV P. 39).
  • تل أدفينا: عثر في السور الشرقي للمعسكر القديم في هذه الجهة على لوح القاشاني، عليه اسم الملك «إبريز»، وهو من ودائع أساس في حجرة، وهذا اللوح موجود الآن في المُتْحَف البريطاني (راجع Hall, Catalogue of Egyptian Scarabs P. 295).
  • «صا الحجر» تانيس: وجد في ردهة المعبد الكبير في الرقعة التي من عهد «رعمسيس الثاني»، والملك «سيأمون» بالتوالي أن الملك «إبريز» قد نقش اسمه عليها (راجع Porter & Moss, IV P. 24) منتحلها بذلك لنفسه.
  • هربيط: عثر في بلدة «هربيط» على مزلاج باب نَاووس في صورة أسد، وعليه متن جاء فيه ذكر الملك «إبريز». وهو محفوظ الآن بالمُتْحَف المصري (راجع Maspero Guide, (1915) P. 512 Fig. 149)، وهذا الأسد الفاخر الذي يمثل الملك «إبريز» يحمل بين مخلبيه الأماميين حلقة سلسلة، لم يبقَ منها لدينا الآن إلا قطعة لا بأس بها. ويلحظ أنه قد عمل في الجزء الأمامي الذي على هيئة صندوق مستطيل، وهو الذي يظهر منه أن الأسد قد وضع فيه. وعلى حسب رأي «ماريت» تمثل قفلًا ضخمًا أو مزلاجًا، ويلحظ أنه في أحد طرفي السلسلة قد ثبتت آلة وضعت في فتحة ذات زوايا أربع موجودة في الطرف الآخر، وعندما تكون هذه الفتحة في مكانها يكون القفل مغلقًا.
  • تل الربع: عثر في «تل الربع» على تمثال ملكي لم يكن قد تم صنعه بعد، وقد استعمله الإمبراطور «كاركالا» لنفسه، وقد وجد الاسم الحواري للملك «إبريز» على قاعدة هذا التمثال، ومن المحتمل أنها خاصة به، وقد عثر عليه بجوار ناووس الملك «أمسيس»، وهو محفوظ بالمُتْحَف المصري. (راجع Milne, A. History of Egypt 1898 P. 72, Fig. 63).
  • المحلة الكبرى: وجد في هذه البلدة قطعة حجر باسم الملك «إبريز» مستعملة أسكفة باب، كما وجد جزء من مسلة مستعملة عقب باب في جامع هناك. (راجع Porter & Moss IV P. 54).
  • صا الحجر سايس: شاهد الأثري «أحمد كمال» في الحفائر التي قام بها في «صا الحجر»، وفي «القواض» عام ١٨٩٩ قطعة من عمود مصنوع من البازلت في مباني إحدى البيوت، وقد نقش عليها سطران في كل منهما لقب الملك «إبريز». وقد شاهد الأثري «دارسي» عمودًا مشابهًا للسابق في «جامع الغمري» بالقاهرة هذا بالإضافة إلى عمود مماثل للسابقين في متحف القاهرة، وقد نقل «دارسي» القطعتين السالفتي الذكر للمتحف أيضًا (راجع A. S. II P. 239). ومن ثم نشاهد أمامنا ثلاثة عمد متشابهة، وتيجانها الثلاثة على هيئة رأس الإلهة «حتحور» ولا نزاع في أن هذه العمد من مبنى واحد. وقد فحص الأثري «جوتييه» هذه الأعمدة وما عليها من نقوش. ووصل إلى النتيجة التالية، وهي أن هذه الأعمدة السابقة لا بد كان يوجد منها عدد كبير منزوع من مبنى كان قد أقامه الملك «إبريز» في «صا الحجر» على شرف الإلهة حتحور، التي كانت تعد في زمنه صورة أخرى من الإلهة «نيت» حامية مدينة «سايس» والأسرة السادسة والعشرين. وهذا المبنى هو عبارة عن مقصورة قد أقيمت عمدها على هيئة العمد الحتحورية الصورة، وقد هدمت تمامًا وبعثرت أجزاؤها. ولم يمكن معرفة موقعها بالضبط في هذه الجهة وربما كان ذلك إلى الأبد، ولكن على أية حال يمكن اعتبارها ضمن الآثار التي كانت مقامة في مدينة «سايس» العظيمة يومًا ما (راجع A. S. 22, P. 199 ff).
  • وادي طميلات: عثر في «وادي طميلات» على قطعة من إناء نقش عليها اسم الملك «إبريز» (Porter & Moss, IV P. 54).
  • هليوبوليس: يوجد في متحف «جلاسجو» قطعة من الحجر عليها اسم «إبريز»، عثر عليها مع قطع أخرى لملوك أخرى (راجع Ibid. P. 61).
  • تل أتريب: عثر في «تل أتريب» على عمود من الحجر الجيري الأبيض من عهد الملك «إبريز»، وقد جاء على هذا العمود ذكر اسم «سربيوم» هذه المقاطعة ويدعى «بيب حنو» (De Rouge Geogr. P. 64)، وكذلك ذكر اسم الإله «أوزير خنتي خاتي»، والظاهر أنه كان يعبد هناك مع إله المقاطعة الأصلي «حور خنتي خاني» (راجع A. S. XIII P. 280-281).
  • القاهرة: مسلة من الجرانيت باسم الملك «إبريز» يحتمل أنه أتى بها من «هليوبوليس»، وقد عثر عليها في المكان الذي كان يسمى فيما سبق «كوبري القنطرة الجديدة» (راجع Porter & Moss, Ibid. P. 71).
  • مدينة «سايس» (صا الحجر الحالية): وقد كتب الأستاذ «لبيب حبشي» مقالًا ممتعًا عن آثار «سايس» جمع فيه معلومات شيقة تنير الطريق للباحث عن نقط كانت مجهولة (راجع A. S. XLII P. 370).
    كانت «سايس» هذه عاصمة المقاطعة الخامسة من مقاطعات الوجه البحري، وتدعى «نيت محيت»؛ أي مقاطعة الإلهة «نيت» الشمالية. وتدعى هذه العاصمة بالمصرية «ساو» ونطقها الإغريق «سايس»، وبقيت في المصرية الحديثة باسم «صا الحجر». وكانت من أهم المدن التي لعبت دورًا هامًّا في التاريخ المصري من حيث الدين والسياسة. فقد كانت منذ نشأتها مركزًا لعبادة الإلهة «نيت» التي كانت تعبد في أماكن عدة، وبخاصة في عاصمة المقاطعة الرابعة من مقاطعات الوجه البحري، والتي كانت تدعى «نيت شمع» أو «نيت الجنوبية» وعاصمتها «بر زتع»، التي تشتغل الآن مكان «زاوية رزين» مركز «منوف». وسام المقاطعة عند اليونان Psosopis. وقد أخذت مدينة «سايس» تظهر بصفة خاصة في عهد الأسرة الخامسة والعشرين، عندما تألق نجم الأمير «تفنخت» في سماء السياسة المصرية، كما تحدثنا عن ذلك من قبل (راجع الجزء ١١). وفي عهد الأسرة السادسة والعشرين أصبحت عاصمة الملك، وصار ملوكها حكام مصر وسيطروا على «سوريا» مدة من الزمن، وفي خلال تلك المدة وصلت مصر إلى درجة عظيمة من المدنية، ونمت تجارتها وأُحيي فنها القديم. وقد اقتضت الظروف أن تتصل مصر بالممالك المجاورة لها، وبخاصة بلاد الإغريق التي تأثرت لدرجة عظيمة بالحضارة المصرية، ومن ثم أصبحت «سايس» ذات شهرة واسعة، وقد أخذ ملوكها يقيمون فيها المباني العظيمة التي أكسبتها رونقًا وبهجةً. وقد وضع أمامنا «هردوت» الذي زار مصر في منتصف القرن الخامس ق.م؛ أي بعد نهاية الأسرة السادسة والعشرين بقليل وصفًا مسهبًا لمبانيها، فقد تحدث عن قصورها التي وصفها بأنها شاسعة الأرجاء تستحق الإعجاب.
    أما عن مقابر ملوكها، فإنه يقول: إن ضريح «إبريز» يقع في داخل حرم جدار الإلهة «نيت» وهذا الجدار يوجد في داخله قبر «أمسيس»، وكذلك قبر «إبريز» وأسرته (راجع Herod. II § 169)، وفي داخله كذلك قبر «أوزير» الذي يوجد خلف المعبد، وكذلك مسلات كبيرة من الحجر وبحيرة مقامة بالحجر يمثل المصريون عليها مأساة «أوزير» (Ibid, 170-171)، أما عن معبد هذه المدينة فيقول: إن «أمسيس» قد أضاف له بوابة أمامية تعد عملًا مدهشًا يفوق كل المباني الأخرى من نفس النوع من حيث السعة والارتفاع، كما أضاف عددًا من التماثيل الضخمة وتماثيل «بولهول» عدة. ومن الآثار التي أعجب بها غاية الإعجاب حجرة ضخمة من حجر واحد، ولا بد أنه يقصد بذلك ناووسًا، وتمثالًا يمثل شخصًا مضطجعًا على سرير، ويحتمل جدًّا أن المقصود بذلك هنا هو الإله «أوزير». وعلى أساس هذا الوصف وضع «شمبليون» تصميمًا للمباني العظيمة التي في داخل سور المعبد، وهي تساعد على إعطاء فكرة عن المنظر الذي كان يحتمل أن يكون عليه حرم المعبد (راجع Lettres Ecrites d’Egypte et de Nubie (1868) P. 1. II)، والدمن الضخمة التي كانت ترى بالقرب من قرية «صا الحجر» مركز «كفر الزيات» «مديرية الغربية»، قد اجتذبت أنظار السياح الذين يتفق مرورهم بها، غير أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر أخذ العلماء يتعرفون عليها بأنها بقايا العاصمة الساوية العظيمة. وقد كان أول من تعرف على خرائب هذه البلدة القديمة رجال حملة «نابليون»، وقد شاهدوا هناك ثلاث جبانات أهمها التي كان من المحتمل أن تحتوي على مدافن ملوك الأسرة السادسة والعشرين. وهذه الجبانة كانت محاطة بسور كان فيه معبد الإلهة «نيت» ومبانٍ أخرى مقدسة من نفس الأسرة.

(٤) عظماء عصر الملك «إبريز»

تدل شواهد الأحوال على أن معظم الآثار التي كشفت عنها عندما حلت رموز اللغة المصرية القديمة في أوائل القرن التاسع عشر، كانت من العصور المتأخرة في التاريخ المصري؛ ولذلك نجد أن المجاميع الفنية التي في متاحف العالم معظمها من هذه العصور، ولم يكشف النقاب عن آثار الدولة القديمة إلا فيما بعد، وبخاصة أن آثارها تكاد تكون محصورة في أماكن معينة أهمها منطقة «الجيزة» و«سقارة» والعرابة، ولا غرابة إذن أن نجد أن علماء الآثار كان معظم اهتمامهم في بادئ الأمر موجهًا لآثار هذا العصر المتأخر، وذلك على حسب مقتضيات الأحوال. ومن أهم المدن القديمة التي عثر على آثار هامة بها مدينة «سايس» القديمة، التي تقوم على أنقاضها «صا الحجر» الحالية، وكانت «سايس» هذه كما نعلم عاصمة الملك في عهد الأسرة السادسة والعشرين، التي ظلت في الحكم ما يقرب من قرن ونصف قرن من الزمان. وآثارها لا يزال بعضه ظاهر على الشاطئ الأيمن من الفرع الكانوبي للنيل. وقد أخذت أنقاض هذه المدينة العظيمة تختفي٩ بسرعة عندما أخذ المصريون الأحداث يقيمون بلدتهم «صا الحجر»، وكذلك منذ أن أخذت القرى المجاورة تستخرج السماد من هذا البلد العتيق. ولما كانت هذه المدينة على مقربة من فرع النيل، فإن معظم آثارها قد غمرته المياه؛ ولذلك فإن الأماكن البعيدة بعض الشيء عن رشح مياه النهر هي التي كان ولا يزال يؤمل أن يوجد فيها بعض الآثار. وقد دلت البحوث على أن قرية «قواضي»؟ القريبة من «صا الحجر» كانت على ما يظن مكان الجبانة الرئيسية لسايس.

(٤-١) واح-اب-رع

وقد قام الأثري «أحمد كمال» بحفائر عام ١٨٩٩ في هذه الجهة على مساحة واسعة، ولحسن الحظ كانت هذه البقعة بعيدة عن أيدي السباخين؛ لأن تربتها لا تصلح للتسميد وقد عثر على ثلاثة تماثيل جميلة، كما عثر على جزء من تابوت أيضًا، وقد دلت البحوث على أن هذه الآثار لرجل من عظماء القوم في عهد الملك «إبريز»، وقد قام بجمع آثاره والكتابة عنها الأثري «جوتييه» (راجع A. S. 22,P. 6 ff.)، وهذا الرجل يدعى «واح اب رع» وهو اسم يطلق على الملك «إبريز» نفسه.

والظاهر أن هذا الرجل كان قد ولد في عهده. وقد كان أهم ما عثر عليه «جوتييه» أولًا هو جزء من تابوت «واح اب رع» هذا؛ وذلك لأن ما جاء عليه من نقوش يقدم لنا ألقابًا عدة كان يحملها صاحبه، ويلحظ أننا لم نجد إلا جزءًا من اسم والدته على بقايا هذا التابوت، أما اسم والده فلم يذكر عليه، ولكن عرفنا من الآثار الأخرى اسمي والديه وألقابهما، وبخاصة من تمثال عثر عليه بالقرب من «بحيرة مريوط»، وهو محفوظ الآن بالمُتْحَف البريطاني.

راجع (Guide to the Egyptian Galleries (1909 P. 261 Pi Xlv; Ibid sculpture P. 227, Budge, Egyptian sculpture in the british. museum. 1913, P. 21 & Pl. xlvii)

وقد مثل هذا التمثال راكعًا ويحمل أمامه ناووسًا.

وتنحصر النقوش التي على هذا التمثال فيما يأتي:

أولًا: نشاهد شريطًا من النقوش حول القاعدة جاء فيه:
(١) قربان يقدمه الملك للإله «ايون ور» (العمود العظيم، وهو لقب للإله «شو») القاطن في «حت بيتي»؛١٠ ليعطي كل ما يظهر على مائدته يوميًّا والنسيم العليل الموكل بتوزيع الأرزاق (المسمى) «واح اب رع» الذي أنجبه مدير المعابد المسمَّى «بف ثو دي نيت». (٢) قربان يقدمه الملك لأوزير القاطن في «سايس»؛ لأجل أن يمنح خروج الصوت من خبز وجعة ونبيذ وثيران وأوز ونسيج وقربان ومأكولات يومية لروح المشرف على خاتم ملك الوجه البحري السمير الوحيد، ومدير المعابد «واح اب رع» الذي وضعته «تاشيسن نيت». ومع ذلك نفهم أنه على الرغم من وجود تمثال هذا العظيم على مسافة بعيدة من خرائب «سايس»، فإنه يمثل الرجل الذي دفن في جبانة هذه العاصمة.
أما المتن الذي نقش على ظهر هذا التمثال فقد جاء فيه:

قربان يقدمه الملك للإله «أوزير» الإله العظيم القاطن في داخل «حت بيتي» قربان من الخبز والجعة والخمر والنسيج والبقر والإوز والفطير المنوع، وكل شيء طيب وطاهر مما يعيش منه الإله لروح الأمير الوراثي والحاكم، وحامل خاتم الوجه البحري والسمير الوحيد، وموزع الأرزاق والمشرف على باب البلاد الأجنبية، وقائد جند كل الوجه القبلي والوجه البحري والمحارب الأول لدى سيده في كل البلاد الأجنبية، ومن يبحث عن الحق لآلهة ملك الوجه القبلي، والمقرب لدى ربه ولدى والده ووالداته ولدى كل الناس، مدير المعابد، وكاهن حور وعظيم الجنوب والشمال «واح-اب-رع».

وأخيرًا نجد على الناووس الذي يحمله «واح اب رع» بين يديه متنًا عاديًّا لا يضيف لمعلوماتنا عنه أكثر مما سبق. ونقوش هذا التمثال المحفوظ الآن بالمُتْحَف البريطاني تؤكد لنا شخصية صاحبه وصاحب التابوت الذي وجد في «قواضي» هذا فضلًا عن أنها ذكرت لنا اسم والد هذا العظيم وهو «بف ثاونيت» (= نفسه هدية من الإلهة نيت). غير أن معلوماتنا عن هذا العظيم لا تنحصر في هذين الأثرين، بل يوجد له عدة تماثيل عثر عليها في إقليم «صا الحجر»، تؤكد لنا المعلومات الجغرافية السالفة الذكر. فمن بين هذه التماثيل واحد عثر عليه «أحمد بك كمال» في عام ١٨٨٩ (راجع Journal d’Entrée No. 34043)، وقد كشف عنه في «القواضي». وقد نقش على مقدمته سطر عمودي جاء فيه:

الأمير الوراثي والحاكم والسمير الوحيد ومراقب البلاد الأجنبية الجنوبية ومراقب المعابد، ورئيس توزيع الأرزاق «واح-اب-رع» بن كاهن الإلهة «نيت» (البقرة) (المسمى) «بف-ثاو دي-نيت».

وعلى مؤخرته النقش التالي:

المقرب من «نيت» سيدة «سايس» الأمير الوراثي والحاكم، ومدير البلاد الأجنبية الجنوبية والمشرف على الجنود، ومدير المعابد ورئيس توزيع الأرزاق (المسمَّى) «واح اب رع» بن مدير المعابد وكاهن «نيت» البقرة (المسمى) «بف ثاو نيت»، الذي وضعته قريبة الملك وكاهنه الساعة في «حت سلكت» (معبد الإلهة «سلكت» غير معروف) (المسماة) «تاشبسن نيت» صادق القول.

وكذلك لدينا تمثالان آخران أتى بهما «أحمد بك كمال» من «القواضي» عام ١٨٩٩، وهما بالمُتْحَف المصري (راجع Journal d’Entrée No. 34044 & 34045).
  • والتمثال الأول: (No. 34044): وقد مثل على طراز رقم ٣٤٠٤٣، وقد صور جالسًا القرفصاء، ولما كان رأسه قد اختفى فإن طوله هو ٨٥ سنتيمترًا بدلًا من متر وتسع سنتيمترات، وهو مصنوع من الجرانيت الرمادي ككل تماثيل هذا العظيم. ونقش على سطحه النقوش التالية:

    الأمير الوراثي والحاكم والمشرف على أرض الجنوب ورئيس توزيع الأرزاق ومدير المعابد، والمقرب من الإلهة «نيت» (المسمى) «واح-اب-رع».

    وقد نقش على ظهر هذا التمثال سطران عموديان غير أن بدايتهما هشمت. وهاك ما تبقى:

    … كل … المشرف على باب الجنوب ورئيس توزيع الأرزاق والمشرف على باب البلاد الأجنبية «واح-اب-رع» … إلخ.

    أما التمثال رقم ٣٤٠٤٥، فإنه قد مثل واقفًا ومرتديًا قميصًا وقد فقد رأسه وساقاه ويبلغ طوله حوالي ٩٩ سنتميترًا، وتدل أبعاده على أنه كان ممثلًا بالحجم الطبيعي. ويقول «جوتييه»: أنه لم ينجح في العثور على هذا التمثال في المُتْحَف، بل جاء بهذا الوصف على حسب ما جاء في السجل المصري للآثار. ومن جهة أخرى فإنه يوجد تمثال آخر في المُتْحَف المصري مثل جالسًا القرفصاء بدون رأس لنفس هذا العظيم، وهو موجود مع التمثال رقم ٣٤٠٤٤ وهو مثله من حيث الهيئة وتوزيع النقوش. ونقرأ على مقدمته ثلاثة أسطر أفقية موحدة مع نقوش التمثال رقم ٣٤٠٤٤ وهي:

    الأمير الوراثي والحاكم والمشرف على إقليم الوجه القبلي ورئيس توزيع الأرزاق، ومدير المعابد، والمقرب من الإلهة «نيت» «واح اب رع». ونقش على الكرسي سطران عموديان قد اختفى أولهما مع رأس التمثال … مدير معابد الإلهة «نيت»، والمشرف على باب الجنوب ورئيس توزيع الأرزاق، والمشرف على إقليم البلاد الأجنبية «واح اب رع» …

    ويحتوي المُتْحَف المصري خلافًا لذلك على ثلاثة تماثيل لهذا العظيم نحتت في حجر الشيست، وقد عثر عليها في نفس المنطقة الساوية، ولكنها من طراز آخر غير طراز التماثيل التي تحمل من رقم ٣٤٠٤٣ إلى ٣٤٠٤٥ في سجل المُتْحَف. فقد مثل فيها «واح اب رع»، كما مثل في تمثال المُتْحَف البريطاني؛ أي قاعدًا على ركبتيه على قاعدة مستطيلة وقابضًا بين يديه الممتدتين إلى الأمام على ناووس صغير في داخله نشاهد بقايا تمثال. والتماثيل الثلاثة مفقودة الرأس، وما بقي منها في حالة سيئة من الحفظ. وقد دون «بورخارت» هذه التماثيل في كتابه عن التماثيل (راجع Cat. Gen. Borchardt, No. 677)، وقد أشار «بروكش» إلى التمثال الأول منذ ١٨٩١ (Thesaurus, V, P. 1067-1068) بأنه كان موجودًا في «الإسكندرية» في مصلحة الصحة، ويبلغ ارتفاعه ٧٦ سنتيمترًا، وقد اختفت بعض نقوشه بسبب التهشيم الذي أصابه. وهاك ما بقي على العمود الذي يستند عليه التمثال:

    … للجنوب، والرئيس على توزيع الأرزاق، والمشرف على إقليم البلاد الأجنبية «واح اب رع» … إلخ.

    وعلى مقدمة الناووس سطر قصير عمودي نقش على جانبه بعض نقوش بقي منها:

    اسم والد صاحب التمثال واسم والدته.

    على اليمين … بن «بف ثاو دي نيت».

    على اليسار … «تاشبن نيت».

    وقد دل البحث على أن بقايا هذا التمثال قد لا يكون هو المقابل للجزء الأسفل، الذي رآه «بروكش» في «الإسكندرية» أو بعبارة أخرى أدق أصبح من المشكوك فيه أن الجزء الأسفل من التمثال، الذي عثر عليه «بروكش» ليس مكملًا للجزء الأعلى الذي يدعى أنه مكمل له، بل هو من تمثال آخر، وعلى ذلك فإنه يمكن القول: بأن هذا الجزء الأعلى هو من تمثال آخر لنفس «واح اب رع» هذا؛ وذلك لأن كل الألقاب التي أتت عليه مطابقة لألقابه التي جاءت على التماثيل الأخرى، وبخاصة التي على تمثال المُتْحَف البريطاني، وعلى أية حال فإن هذه القطعة العلوية ليست موجودة في المُتْحَف البريطاني.

  • التمثال الثاني: (Borchardt, Ibid. No. 679; Journ. 31888): عثر عليه في قرية «القضابة» على مسافة قريبة من جنوبي «صا الحجر»، ويبلغ ارتفاعه ٧٠ سنتيمترًا، ويلبس قميصًا وناووسه مهشم تمامًا. وقد نقش على العمود الذي يرتكز عليه التمثال ما يأتي:

    … المشرف على كل أعمال الملك، والساكن في قلب سيده، والذي يعمل كل ما يحبه سيده يوميًّا، ورئيس توزيع مؤمن القربان … في كل البلاد الأجنبية وحاكم الوجه القبلي ومدير البلاد الأجنبية الجنوبية، ومدير معابد التاج الأحمر (الوجه البحري) ورئيس أسرار السماء «واح اب رع».

  • قطعة من تمثال أمامه ناووس: وقد مثل راكعًا وقد ضاع ظهره ورأسه ولا يعرف المكان الذي عثر عليه فيه، ويبلغ ارتفاعه حوالي ٧٠ سنتيمترًا. والنقوش التي بقيت عليه قليلة إذ قد هشم معظمه:

    … إقليم البلاد الأجنبية الجنوبية والسمير الوحيد ومدير القصر (؟) إلخ … وقد بقي جزء من اسم كل من والده ووالدته على عارضتي الناووس فعلى اليمين نجد … ثاو دي نيت. وعلى الشمال (تا) شبن نيت.

    هذا وقد عثر له «جوتييه» على تمثالين آخرين أحدهما في «إنجلترا»، والآخر في متحف «اللوفر» «بباريس» هذا خلافًا للتماثيل السبع التي بالمُتْحَف المصري وتمثال المُتْحَف البريطاني، وبذلك تكون آثار هذا العظيم عشرة بما في ذلك تابوته. والتمثال الذي في «إنجلترا» يحتمل أنه لا يزال مختفيًا في إحدى المجموعات الخاصة أو العامة، وقد كان فيما مضى محفوظًا في «كرستال بالاس» لصاحبها «سيدنهام»، وقد نشرت نقوشه عام ١٨٨٥ ميلادية نشرها «شارب».

    (Egyptian Inscriptions from the British Museums & others pi. 65. 2n series.)
    وتدل شواهد الأحوال على أنه على هيئة التمثال رقم ٣٤٠٤٤ الموجود بالمُتْحَف المصري؛ أي إنه قد مثل راكعًا وأمامه ناووس. والنقش الذي على مقدمته هو:

    الأمير الوراثي والحاكم والمشرف على إقليم الجنوب، والرئيس على توزيع القربات الغذائية، ومدير معابد التاج الأحمر؛ أي الوجه البحري المقرب لدى الإلهة «نيت» ونقش على ظهره … الإله المحلي لمدير معابد التاج الأحمر، وكاهن الإله حور عظيم الجنوب والشمال والمشرف على إقليم الجنوب، ورئيس توزيع القربات الغذائية والمشرف على بوابة البلاد الأجنبية «واح اب رع» … إلخ.

    وأخيرًا يوجد له تمثال باللوفر وهو من الجرانيت الرمادي، وقد مثل متربعًا باسم المشرف على بلاد الجنوب (أو الحاكم الوراثي والرئيس المكلف ببلاد الجنوب)، والمشرف على القصر الملكي والمقرب من الإلهة «نيت». وقد نشر الأثري «بيل» جزءًا من نقوش هذا التمثال.

    (Piehl. Inscrip. Hierogl. 1er partie Pl. XII D; Pierret Tom. II P. 8 de son Recueil d’Inscriptions Egyptienne du Musée du Louvre.)

    كما نقل «بيريه» الألقاب التي على الجزء الأمامي، وكذلك نشر الألقاب التي على ظهر التمثال، وهي لا تختلف في شيء عن الألقاب المعروفة لهذا العظيم، والتي ذكرناها فيما سبق. ولا نزاع في أن هذه الآثار التي ذكرناها فيما سبق ليست كل آثار هذا العظيم، إذ لا بد أنه كان يوجد في قبره أواني الأحشاء الخاصة به، وكذلك التماثيل المجيبة وكمية عظيمة من الأشياء الجنازية، التي تكون عادة مع المتوفى في قبره، غير أننا لم نعثر على شيء منها حتى الآن، وربما تكشف عنها الأيام في بعض متاحف العالم أو في المجموعات الخاصة. وبعد درس آثار هذا العظيم المختلفة أمكننا أن نجمع منها ألقابه التالية، التي توضح لنا مركزه الاجتماعي والديني والسياسي والحربي في البلاد. والظاهر أن بعض هذه الألقاب لم تكن إلا ألقاب شرف وحسب.

    (١) الأمير الوراثي. (٢) الأمير الإقطاعي. (٣) حامل خاتم الوجه البحري. (٤) السمير الوحيد. (٥) والذي في قلب سيده (= ثقته). (٦) والذي يفعل لسيده ما يحبه في كل أرض أجنبية. (٧) والذي يفعل ما يحبه دائمًا إلهه كل يوم (يقصد الملك). (٨) والذي يبحث عن الحقيقة لآلهة ملك الجنوب. (٩) المقرب لدى الإلهة «نيت» ربة «سايس». (١٠) المقرب لدى الإله ولدى والده، ولدى أمه ولدى كل إنسان. (١١) مدير معابد حرم الإلهة «نيت». (١٢) مدير القصر. (١٣) المشرف على باب الجنوب (عند الفنتين). (١٤) المشرف على الإقليم الجنوبي. (١٥) المشرف على باب البلاد الأجنبية. (١٦) المشرف على باب إقليم البلاد الأجنبية (وهذا اللقب مرادف لما سبقه). (١٧) المشرف على البلاد الأجنبية. (١٨) المشرف على البلاد الأجنبية الجنوبية. (١٩) المشرف (؟) على كل بلاد أجنبية. (٢٠) المدير للأراضي الأجنبية الجنوبية (وهو مثل اللقب ١٨ ولكن بمعنى أقوى). (٢١) ورئيس توزيع أعطية الملك (J. E. A. 24, P. 86 ff.). (٢٢) رئيس أعطية الملك. (٢٣) المشرف على كل أعمال الملك (= مبانيه). (٢٤) القائد الأعلى لكل جنود المشاة في الوجهين القبلي والبحري. (٢٥) المحارب الأول لسيده في كل البلاد الأجنبية. (٢٦) رئيس أسرار معبد الإلهة «نيت». (٢٧) وشريف الجنوب. (٢٨) كاهن حور العظيم في الجنوب والشمال.

    تلك هي الألقاب التي كان يحملها هذا الشريف العظيم، ومنها نفهم أنه كان يشغل مكانة عظيمة في البلاط الفرعوني في تلك الفترة، غير أن هذه الألقاب كانت متأثرة في تأليفها بالألقاب التي كانت تمنح في عهد الدولة القديمة في كثير من الأحوال، وعلى أية حال فإنه لا غرابة في ذلك؛ لأن هذا كان عصر النهضة، وتقليد القديم كان مستحسنًا ومستطابًا.

والدا «واح اب رع»

تحدثنا فيما سبق عن ألقاب «واح اب رع» ومكانته، وبقي علينا أن نذكر كلمة عن والديه. فالتمثال رقم ٣٤٠٤٣ المحفوظ بالمُتْحَف المصري تحدثنا نقوشه أن والده المسمى «بف ثاودي نيت» كان يلقب كاهن «نيت» البقرة، وهي الإلهة المحلية لبلدة «سايس»، ويحتمل أنها من أصل لوبي وقد كانت الإلهة «نيت» وقتئذ قد وحدت بالإلهة المصرية «أزيس حتحور» التي كانت تمثل في صورة بقرة بلباس رأس خاص بهذه الإلهة بقرنين بينهما قرص الشمس، وقد عثر في «سايس» نفسها على أعمدة حتحورية التيجان خاصة بمعبد أقيم للإلهة «نيت». هذا وتوحيد الإلهتين أشير إليه بصورة أكيدة. وقد ذكر على تمثال المُتْحَف البريطاني أن والد «واح اب رع» كان يحمل لقب مدير المعابد. أما والدة «واح اب رع» التي تسمى «تاشبن-نيت»، فإنه اسم مركب تركيبًا مزجيًّا مع الإلهة «نيت» إلهة مدينة «سايس» المحلية، وقد جاء اسمها على تمثال المُتْحَف البريطاني وتابوت «واح اب رع»، وكذلك على تمثاله رقم ٣٤٠٤٣ الموجود بالمُتْحَف المصري. وقد ذكرت على التمثال الأخير بوصفها قريبة الملك وكاهنة الساعة لمعبد «سلكت» (ويحتمل أن هذا نعت قديم لمدينة «سايس»). ومن المحتمل أن قطعة من الحجر عثر عليها في «رشيد»، ونقش عليها جزء من التعويذة ٢١٣ من متون الأهرام (A. S. XLII P. 389-390).
ويقول السيد لبيب حبشي في بحثه عن آثار «سايس»: إن قطعتين من الحجر من «رشيد» وثلاث قطع من بلدة «النحارية»، وقطعة من قرية «برما» قد أتي بها جميعًا من مبنى أقامه «إبريز» في بلدة «سايس». ومن المحتمل أنها كانت من قاعة عظيمة مصنوعة من حجر «الكورتسيت» أقيمت احتفالًا بالعيد الثلاثيني. (راجع A. S. XLII P. 396).

(٤-٢) آمون تفنخت

«آمون تفنخت»: المشرف على حرس الملك وكشف عن قبره في حفائر «سقارة» (راجع A. S. XLI P. 382) … إلخ.
ومن أبرز الشخصيات التي عاشت في عهد الملك «إبريز» جندي عظيم يدعى «آمون تفنخت»، عثر على قبره في جبانة «سقارة»، وقد دفن في بئر ذات حجرة جانبية يبلغ عمقها حوالي ٢٢ مترًا، وقد كانت حجرة دفنه مقامة من الحجر الجيري مغطاة بنقوش محفورة حفرًا متقنًا. وقد لوحظ أن التابوت الذي كان يثوي فيه المتوفى يملأ الغرفة، ويبلغ طولها ٤٢٠ سنتيمترًا من الشرق إلى الغرب و٢٦٠ سنتيمترًا من الشمال إلى الجنوب، أما ارتفاع الغطاء فهو ١٠٠ سنتيمتر. وقد نقش على سطح غطاء التابوت عمود من النقوش من الغرب إلى الشرق، ويشمل اسم المتوفى وألقابه وصيغة دينية خاصة بالبعث ذكر فيها اسم الإله «نفر توم» أحد أعضاء ثالوث «طيبة»، مما يضفي عليها صيغة منفية وهي:

قم يا أوزير «آمون تفنخت» في صورة «نفر توم» زهرة البشنين، ومن عند رؤيته يفرح الإله رع ويظهر التاسوع يوميًّا.

واسم المتوفَّى هو كما ذكرنا «آمون تفنخت»، وكان كذلك يحمل لقب «واح اب رع مري بتاح». وهذا الاسم الذي كان يستعمل في البلاط يخول لنا أن نضع اسمه بين عظماء الرجال الذين عاشوا في عهد الملك «إبريز»، وأمه كانت تدعى «ادت ارو» وكان يحمل الألقاب الآتية: (١) المشرف على الحرس. (٢) كاهن الملك المطهر. (٣) قائد المجندين.

ولخصت ألقابه الحربية في أنه كان قائد المجندين الخاصين بالحرس الملكي.

والنقوش الدينية التي حفرت في المقبرة قد عملت بدقة، ووزعت على حسب الترتيب المنطقي للتصميم الداخلي للمقبرة:
  • الجانب الشرقي: يشمل هذا الجانب الباب الذي يؤدي إلى حفرة الدفن، وقد خصص للإلهة «أزيس» التي تمد المتوفى بنفس الحياة، وهو الذي يدخل بوساطة الباب وهي التي تحفظه من أعدائه الآتين من الخارج. والجزء الأعلى من هذا الجانب يحتوي على النقش التالي: يا أوزير أيها الكاهن الملكي المطهر والمشرف على الحرس الملكي «آمون تفنخت» إن أختك «أزيس» تأتي إليك فرحة بحبك. إنها تبصرك، إنها تحفظك وتدفع قدميك حتى لا تغرق، وإنها تعطيك الهواء لأنفك حتى تعيش، وتجعل زورك يتنفس حتى لا تموت قط يا أوزير «آمون تفنخت». وهذا المتن الذي يصف خلاص جسم «أوزير» وإحيائه بوساطة «أزيس»، قد أخذ بلا شك من مصدر قديم، أو بعبارة أخرى من متون الأهرام وفيه نجد الدور الذي تقوم به «أزيس» من أجل حماية زوجها وأخيها «أوزير»، وقد جاء بعده متن مؤلف من تعويذات عدة نظمت على جانبي الباب، وهذه النقوش منقولة عن متون الأهرام: ٢٤٦، ٢٢٩، ٢٣٨، ٢٣٧، ٢٣٩، ٢٤١–٤٣، ٢٢٨، ٢٤٧، ٢٢٥-٢٢٦، ٢٤٤، ٢٤٥.
  • الجانب الغربي: خصص هذا الجانب للإلهة «نوت» التي تؤله المتوفى، وقد نقش في أعلى الباب سطران مأخوذان من متون الأهرام ويحتويان على الصيغة المعروفة في هذه المتون (Pyr. §§ 638 a 6 & 1607).
    وهاك الترجمة:
    يا أوزير «آمون تفنخت» الذي ولدته السماء والذي حملت فيه «نوت»، ووارث «جب» الذي يحبه، إن والدتك «نوت» قد نشرت نفسها عليك باسمك «سر السماء». ولقد جعلتك إلها بدون أي عدو، يا أيها المبجل من الإله العظيم «آمون تفنخت». وقد نقش تحت هذا المتن متون خاصة بالشعائر التي تؤله المتوفى بتطهيره بالنطرون (Pyr. 27)، وتقديم قربان من العطور (Pyr. 506–51)، والملابس (Pyr. 56-57).
  • الجانب الجنوبي: خصصت نقوش هذا الجانب من المقبرة لإطعام المتوفى في الحياة الآخرة، ويحتوي على صيغة القربان العادية والأعياد المصرية الرئيسية، وفي أسفل من هذا تأتي قائمة القربان الشهيرة (راجع Excavations at Giza, The Offering List. In the Old Kingdom; Pyr. § 214-215, 17-18 & 22-23). يتبع ذلك صيغ القربان المأخوذة من متون الأهرام.
  • الجانب الشمالي: خصص هذا الجانب لذكر صيغ القربان العادية للإله «أنوبيس»؛ لأجل دفن المتوفى في الجبانة واستعمال الطرق الجميلة التي لا يسير عليها إلا المقربون. والشرح الهام جدًّا لأجل فهم هذه الصيغة يوجد في المتون الأسطورية المذكورة في متون الأهرام (راجع Pyr. 364–369 & 376–387).
وأخيرًا نجد متنين نقشا على التابوت مأخوذين من متون أخرى غير متون الأهرام، وكان على المتوفى أن ينطق بهما، وأحدهما خاص بسياحة قارب الشمس، وهو سابق للفصل ٤٧ من كتاب الموتى (راجع A. S. I. P. 255 L. 488–493). وفي الشمال نجد صيغة لأجل الحصول على طعام (Ibid. P. 256 L. 495–8)، ويدل بناء حجرة الدفن على مهارة عظيمة. والتابوت الذي يتألف من قطعة واحدة من الحجر الجيري الصلب، لا بد أنه كان قد أنزل إلى قعر البئر وبنيت حوله الحجرة، ومن المؤكد أن غطاء التابوت كان قد أنزل قبل بناء الحجرة، وكان قد حمل على أربعة أعمدة من الحجر إلى أن انتهى البناء تمامًا.
وبعد رفع الغطاء وجد أن التابوت يحتوي على تابوت من الاردواز برأس إنسان، وقد حفر حفرًا جميلًا، وزين تزيينًا نظيفًا بحروف وبرموز محفورة، وقد صورت ملامح الوجه بوضوح، أما الصدرية واللحية الشعيرية والإلهة «نوت»، فقد مثلت على الغطء بتفاصيل مدهشة. والمتن الذي نقش في ستة أسطر مغطية وجه التابوت، صورة تطابق فقرة من متون الأهرام (Pyr. 64–643a)، هذا وقد رسم على كل جانب من جوانب التابوت ثلاثة آلهة في صورة محنطة في ثلاثة صفوف. ففي الجهة الجنوبية «امستي» و«دواموتف» و«أنوب على جبله»، وفي الجهة الشمالية «حبي» و«كبح سنوف» و«خنتي ننرسح». وكل واحد منهم يصحبه متن بعينه منقوش عموديًّا أمامه: «هذا هو حمايتك.» وقد وجدت الجثة سليمة في التابوت ملفوفة في نسيج تفحم، وطغت عليه مواد التحنيط. وكانت الجثة لرجل مسن ويبلغ طولها ١٨٠ سنتيمترًا، وقد كانت اليد اليسرى موضوعة على الصدر واليمنى ممتدة على الفخذ اليمنى. ومن المدهش أنه بعد فك اللفائف لم توجد مع المتوفى تعويذة واحدة، أو أي شيء مدفون معه على الرغم من أنه كان يشغل وظائف عالية. ومن المحتمل إذن أن الجثة كانت قد دفنت بعد الموت مباشرة دون أن تجري عليها عمليات التحنيط المتبعة.
١  انظر شكل رقم ١٠.
٢  أرميا الإصحاح ٣٨ سطر ٢–٥.
٣  انظر شكل رقم ١١، وشكل رقم ١٢.
٤  راجع Flora of Ancient Egypt. Vol. III, P. 277.
٥  بلدة في إقليم بحيرة مريوط على جزيرة في هذه البحيرة (راجع Gauthier D. G. III P. 53-54).
٦  راجع Boreaux, Antiquités Egyptiennes, Guide Catalogue Sommaire 1, P. 192.
٧  وقد قص علينا «ديدور الصقلي» عهد «إبريز» بالصورة التالية (راجع Diod. I, 68).
وبعد عهد بسمتيك بأربعة أجيال كان إبريز ملكًا لمدة اثنتين وعشرين سنة. وقام بحملة بجيش بري وبحري قوي على فيرمي وفنيقيا، فاستولى بالهجوم على صيدا، وبذلك بث الرعب في المدن الفنيقية الأخرى، حتى إنه أخضعها. وهزم الفنيقيين والقبرصيين في موقعة بحرية عظيمة، وعاد إلى مصر بغنائم كثيرة وبعد ذلك أرسل قوة برية وطنية كبيرة على سيرني وبرقة، وعندما فقد الجزء الأعظم منها عادت البقية الباقية نافرة منه؛ وذلك لأنهم شعروا بأنه قد دبر الحملة بقصد هلاكهم حتى يكون حكمه على سائر المصريين أكثر سلامة، وكان الرجل الذي أرسله الملك لمفاوضتهم يدعى أمسيس، وكان مبرزًا فلم يلتفت للأوامر التي أعطيها لعمل صلح، بل على العكس زاد في نفورهم وانضم إلى عصيانهم، وقد انتخب نفسه ملكًا وعندما انضم سائر المصريين إلى جانب أمسيس بعد ذلك بقليل، كان الملك في درجة من الحرج حتى إنه اضطر إلى الفرار؛ لينجو بنفسه إلى الجنود المرتزقة الذين كان يبلغ عددهم حوالي ثلاثين ألف مقاتل، وقد وقعت واقعة حامية بسبب ذلك بالقرب من قرية «ماريا»، وقد تغلب المصريون في الموقعة وقد وقع إبريز أسيرًا في يد العدو وشنق. ونظم أمسيس أحوال المملكة بطريقة رأى أنها هي الأفضل، وحكم المصريين على حسب القانون وكان القوم يظهرون له حظوة عظيمة، وقد أخضع كذلك مدن قبرص، وزين كثيرًا من المعابد بكثير من القربات المنذورة، وبعد أن حكم مدة خمس وخمسين سنةً انتهى حكمه في زمن الملك قمبيز ملك الفرس، عندما هاجم مصر في السنة الثالثة والستين الأولمبية، وهي السنة التي كسب فيها برمنيديس Parminides صاحب كاماريتا السباق (وهو السابق الشهير بالجري الأولمبي وطوله قدم).
٨  انظر شكل رقم ١٣.
٩  انظر شكل رقم ١٣.
١٠  «حت بيتي» (قصر النحلة أو ملك الوجه البحري)، وهو معبد خاص بالإله «أوزير هماج» في «سايس» عاصمة المقاطعة الخامسة من مقاطعات الوجه البحري، وهي «صا الحجر» الحالية وعلى حسب «بروكش» كانت مدفن المقاطعة الساوية، وكان قد دفن فيها إذن «أوزير» على ما يقال D. G. Tom. IV P. 65.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠