الملك أحمس الثاني١

(= أمسيس) ٥٧٠–٥٢٦ق.م
أحمس سانيت خنم-اب-رع
لم تختلف الآراء على المدة التي حكمها أحمس الثاني، أو كما يسميه اليونان أمسيس على حسب ما جاء في روايات الكتاب الأقدمين أمثال «هردوت» و«مانيتون»، فقد أجمع الكل على أنه حكم أربعًا وأربعين سنة (راجع Herod. III, 10)، ولم يشذ عن هذا الرأي من المحدثين إلا الأثري «فيدمان» فقد قال: إنه حكم ثمانية وثلاثين سنة وحده، وحكم ست سنوات بالاشتراك مع الفرعون «إبريز»، غير أننا قد برهنا فيما سبق على أن هذا الاشتراك في الحكم، جاء نتيجة خطأ في قراءة الاسم ومن ثم يقول «جوتييه»: يجب أن تحدد بداية حكمه بنهاية عام ٥٧٠ق.م وتاريخ وفاته يمنتصف عام ٥٢٦ق.م.
والواقع أن ما جاء على الآثار يؤكد لنا أن «أحمس» لم يحكم أكثر من أربع وأربعين سنة، كما يدل على ذلك نقش في وادي حمامات (L. R. IV, P. 120 No. 2).

(١) أصل أحمس الثاني

تحدثنا فيما سبق أن الثورات التي قامت في مصر، تلك الثورات التي كان سببها النزاع الذي كان قائمًا بين «إبريز» وقائده «أحمس»، الذي أصبح فيما بعد ملكًا على مصر ويدعى أحمس الثاني، وذلك بعد أن خلع إبريز عن عرش الملك بمساعدة جنوده من المشوش. والواقع أنه بتولي أحمس هذا عرش الملك قد تغيرت الأسرة الحاكمة؛ لأنه لم يكن من دمها ولا من دم ملكي قط. ويحدثنا هردوت عن أمسيس فيقول: وبعد أن أنزل «إبريز» عن عرش الملك بهذه الصورة حكم مكانه «أمسيس»، الذي ينسب إلى إقليم سايس (صا الحجر)، واسم البلدة التي أتى منها هي «سيوف» (وهي قرية قريبة من «سايس»، ويحتمل أنها قرية «الصفة» الحالية التي تقع على مسافة ستة أميال من «سايس» (صا الحجر)). وقد أظهر له المصريون في بادئ الأمر الكره، ولم يشعروا من ناحيته باحترام كبير؛ لأنه كان فيما مضى شخصًا عاديًّا ولم يكن من أسرة لامعة، ولكنه فيما بعد أرضاهم بمخاطبته إياهم دون كبرياء.

فقد كان يملك كنوزًا يخطئها العد، هذا بالإضافة إلى أنه كان لديه آنية صيغت من الذهب يستعملها لغسل القدم، وكان قد اعتاد أمسيس أن يغتسل فيها هو وجميع ضيفانه الذين اعتادوا غسل أرجلهم عنده. وقد كسر هذا الإناء قطعًا وصنع منه تمثال إله ووضعه في أنسب مكان في المدينة، وقد احتشد المصريون حول هذا التمثال، وقدموا له أعظم الإجلال. غير أن أمسيس لما علم بمسلكهم هذا جمع المصريين سويًّا، وفسر لهم الأمر قائلًا: إن هذا التمثال الذي يُعبد كان مصنوعًا من إناء لغسل القدم وكان القوم يقيئون ويتبولون ويغسلون أقدامهم فيه، ومع ذلك فهم الآن يبجلونه أعظم تبجيل، وبعد ذلك استمر يقول: إن ما حدث لإناء القدم قد حدث له، فإنه على الرغم من أنه كان قبل شخصًا عاديًّا٢ قد أصبح ملكهم، فهو يطلب إليهم أن يحترموه ويبجلوه، وبهذه الكيفية كسب حب المصريين له، وبعد ذلك فكروا أنه من الأصوب لهم أن يطيعوه. وكان قد اتخذ الطريقة الآتية في إنجاز أعماله: فمن الصباح المبكر حتى نهاية وقت العشاء كان يعمل جاهدًا في تصريف الأعمال التي كانت تحضر أمامه، وبعد ذلك كان يعاقر بنت ألحان، ويلهو مع أصحابه ويتجاذب الأحاديث معهم دون تحرج ويمرح، غير أن ذلك قد أساء أصدقاءه ونصحوه له قائلين: أنت أيها الملك لا تسيطر على نفسك كما يجب إذ إنك تنزل نفسك منزلة السوقة أكثر مما هو مألوف، إذ إنه مما يليق بك وأنت الجالس على عرش ملك محترم أن تقضي اليوم في تصريف الأمور العامة، وبذلك يتوفر للمصريين أن يعرفوا أنهم محكومون برجل عظيم، ويمكن بذلك أن يتحدث عنك بصورة أحسن، ولكنك الآن تعمل بطريقة لا تناسب ملكًا قط؛ ولكنه أجابهم بما يأتي: إن أولئك الذين يملكون أقواسًا عندما يريدون استعمالها يثنونها، ولكن عندما ينتهون من استعمالها فإنهم يتركونها فتنبسط؛ وذلك لأنها لو بقيت دائمًا مثنية كسرت، ومن ثم فإنه لا يمكن استعمالها عندما تدعو الحاجة إليها، وهكذا هي حالة الإنسان، فإنه إذا استمر في مزاولة الأشياء الجدية ولم يسمح لنفسه أحيانًا بشيء من الرياضة، فإنه يصبح على حين غفلة منه مجنونًا بليدًا.
وعلى الرغم من أن ما ذكرنا هنا عن «أمسيس» كما ذكره لنا هردوت لا يتعدى كونه أسطورة، فإنه ينطوي على شيء من الأمور التي كانت تجري في الحياة المصرية الحقيقية، فنحن نعلم من جهة أن المصري في كل عهوده لا يؤمن بتولي فرد من أبناء الشعب لم يكن من الأسرة المالكة عرش الملك، فكان لا بد للفرعون أن يكون ممن يجري الدم الملكي في عروقهم، وقد كان الأنسب أن يكون ابن ملك وملكة، وأنه عندما يكون الملك ليس من دم ملكي خالص، فإنه كان عليه أن يتزوج من الأسرة المالكة؛ أي ابنة ملك، وقد فصلنا القول في ذلك وضربنا له الأمثال٣ عند الكلام على الملكة «خنتكاوس»، غير أن الحالة التي أمامنا فيما يخص «أمسيس» تعد أمرًا شاذًّا. إذ قد نال الملك اغتصابًا، ومن ثم أراد أن يقنع الشعب بطريقة أخرى في أحقيته للملك بضربه المثل بإناء غسل القدم الذي تحول بعد كسره إلى تمثال إله … يضاف إلى ذلك أنه لما كان هو من عامة الشعب، وتربى في أحضان الشعب ونشأ على عاداته وأخلاقه، فإنه لم يكن في مقدوره التخلص مما فطر عليه من عادات وطباع نشأ عليها؛ ولذلك فإن غرائزه قد قادته للاختلاط بالشعب الذي تربى فيه، فأصبح يلهو معهم وقت فراغه طلبًا في تجديد نشاطه، ولكن ذلك لم يرقَ في نظر المصريين الذين كانوا يرون أنه ليس من شرف الفرعون، ومكانته أن ينزل إلى مخالطة السوقة بهذه الصورة المزرية في نظرهم، وقد ضرب لهم مثلًا بالقوس كما ذكرنا، وعلى أية حال فإن ما ذكره لنا هردوت هنا يميط اللثام عن أحوال الشعب المصري في تلك الفترة التي عاش فيها، وذلك يدل على أن المصريين كانوا لا يزالون متمسكين بالعادات والتقاليد القديمة الموروثة. وقد كان أول عمل قام به أحمس، عندما أصبح يحكم البلاد بمفرده هو إرضاء الحزب المصري القديم على حساب الإغريق، الذين هزمهم ثلاث مرات كما سبق الكلام على ذلك.
وكان الإغريق الدخلاء على مصر قد استوطنوا داخل البلاد في الغرب حتى طرانة، وفي الشرق حتى أدفينا حيث كان لهم أحواض وسفن، هذا غير أماكن أخرى صغيرة للتجارة. وقد منح الفرعون أمسيس مدينة نقراش (كوم جعيف الحالية) برمتها للإغريق، وقد حدثنا هردوت عن ذلك قائلًا (Herod. II, 179): كانت «نقراش» قديمًا المكان الوحيد للتجارة، ولم يكن غيرها في مصر، وإذا وصل الإنسان إلى أي مصب آخر من مصبات النيل، فإنه كان يضطر إلى أن يقسم يمينًا «أنه قد أتى هناك على غير إرادته»، وكان عندما يؤدي مثل هذا القسم يضطر إلى أن يسافر في نفس السفينة التي جاء فيها إلى المصب الكانوبي، وعلى العكس إذا منع بسبب الرياح المعاكسة من الذهاب هكذا، فإنه كان يضطر إلى تفريغ حمولته ثم يحملها على سفن نقل حول الدلتا حتى يصل إلى «نقراش». وقد كانت الامتيازات التي تتمتع بها مدينة نقراش عظيمة جدًّا وقتئذ.
ولا نزاع في أن «أمسيس» كان أول من وضع هذا النظام التجاري، ولم يكن معمولًا به قبل، ولا أدل على ذلك من أن المستعمرات الإغريقية المبكرة مثل «أدفينا»، قضي عليها في عهد أمسيس كما ذكر لنا ذلك هردوت (Herod. II, 154)، وقد كان من جراء منح «أمسيس» بلدة «نقراش» هذا الامتياز أنه كان ينظر إليه فيها على أنه حاميها، غير أن عمله هذا كان في الواقع يُعد تضييقًا للحصار على نفوذ الإغريق، وذلك بجعلهم لا يدخلون إلا ميناء واحدة بمعاهدة بينه وبينهم، وقد جاء ذكرها على أثر هزيمة المصريين للجنود الإغريق المرتزقة، وسنتناول هذا الموضوع كرة أخرى فيما بعد.

(٢) الحالة السياسية والخارجية

لا نزاع في أن حالة البلاد الداخلية وما تفشى فيها من ثورات، وانشقاق بين أفراد الشعب من جهة، وما حدث من انقسام في الجيش من جهة أخرى قد أنهك قواها، وبث فيها روح الفوضى. وكانت هذه الفوضى قد عمت البلاد منذ باكورة عام ٥٦٩ق.م حتى عام ٥٧٦ق.م، بل يحتمل أنها كانت قد سبقت هذه السنة على أقل تقدير. وفي هذه الفترة العصيبة الحرجة من تاريخ البلاد تدخلت دولة أجنبية في شئون مصر، قاصدة الاستيلاء عليها، وقد كانت مصر وقتئذ في حالة ضعف وانحلال خطيرين.

وآية ذلك أنه في العام السابع والثلاثين من حكم العاهل «نبوخد نصر» ملك بابل هوجمت مصر بجيوش هذا العاهل، وذلك عندما كانت الحرب الداخلية بين «إبريز» و«أمسيس» على أشد ما تكون من عنف وقوة. ومما يؤسف له أن معلوماتنا التاريخية عن هذه الحملة البابلية قليلة جدًّا، إذ ليس في متناولنا عنها إلا قطعة من نقش بالخط المسماري محفوظة الآن بالمُتْحَف البريطاني.

(راجع: Wiedemann, A. Z., 16 (1878) PP. 81–89; E. Schradier, A. Z. 17, (1879) P. 45–47; K. B. III, 2, P. 140-141; Th. G. Pinches, T. S. B. A. 7 (1882) P. 210–217; H. Winckler, Altorientalische Forachungen I, P. 511-12;).
وتوجد كذلك ترجمة لهذه القطعة وضعها الأستاذ هول (راجع: H. R. Hall, Cambridge Ancient History III, P. 304).
وتكملة اسم الملك المصري الذي حاربه «نبوخد نصر» (أما) سو = (أم) سيس، وهذا مؤكد فعلًا من سير الحوادث التاريخية الخاصة بهذا العصر. ومن جهة أخرى نجد النظرية التي أيدها الأستاذ «فنكلر» (Ibid. P. 512–515) في القطع الأخرى من النقش نفسه، وهي أن بتاكوس Pittakos صاحب «متيلين» كان حليفًا للملك «أمسيس»، وعلى ذلك تكون تكملة للقطعة هكذا … كوالي «بتاكو» أو «بتكو». وعلى أية حال فإن هذه مجرد نظريات وحسب. وقصارى القول أنا لا نعلم خلاف هذا المصدر شيئًا قط عن هذه الحروب، كما لا نعلم إلى أي حد زحف «نبوخد نصر» في داخل البلاد المصرية.

وعلى الرغم من قلة الوثائق الخاصة بهذه الحروب، فإنه من المستطاع تصوير الموقف. وذلك أن العاهل «نبوخد نصر» قد انتهز فرصة قيام الفوضى في مصر؛ ليقوم بحملة حربية عظيمة على مصر، وبخاصة أن علاقته بها كانت على أسوأ ما يكون منذ عهد الملك «إبريز». وكان غرضه على ما يظهر أن يستعرض أمام المصريين بشيء من الأبهة والعظمة قوته الحربية الجبارة، محذرًا بذلك مصر ألا تفكر من جديد في القيام بأي تعدٍّ على أملاكه، ومن ثم نفهم أنه لم يكن في عزمه فتح مصر، كما كانت الحال في عام ٦٠٥ق.م وذلك في عام ٥٨٠ق.م كما سبق شرحه.

والواقع أن «نبوخد نصر» كان موفقًا في سياسته هذه كل التوفيق؛ وذلك لأن «أمسيس» الذي كان يدين إلى حد بعيد بعرشه للثورة التي قامت تناهض سياسة التوسع الفاشلة، وهي السياسة التي كان قد اختطها لنفسه «إبريز» في الشرق والغرب، فإنه عاد ثانية إلى السياسة القديمة التي كان قد انتهجها كل من بسمتيك الأول ونيكاو وبسمتيك الثاني، وهي السياسة التي تنطوي على المهادنة والدفاع عن النفس وحسب. وعلى ذلك لم تقم حرب بين الدولة الكلدية والأسرة الساوية، حتى نهاية كل من الدولتين؛ وكذلك ظلت الحال في سلام مع أخلاف «نبوخد نصر» الضعفاء، وهم أمل-مردوك Amel-Marduk (من ٥٥٦–٥٣٩) ونرجال-شاروصور Nergal-Scharusur (٥٦٠–٥٥٧ق.م) ولاباشي-مردوك Labaschi-Marduk (٥٥٦ق.م) ونابوتيد Nabonid (٥٥٦–٥٣٩ق.م)؛ وذلك لأن فكرة إعادة فتح فلسطين وسوريا على يد أمسيس لم تكن في دائرة الأمر الممكن.
وتدل شواهد الأحوال على أنه قد قامت علاقات لا بأس به بين مصر وبابل، هذا ونجد أن «أمسيس» كان قد عقد في الغرب معاهدة صداقة مع سيريني (راجع Herod II, 181)، وسنورد هنا قصة هذه المعاهدة على الرغم مما تحتويه من عبارات قد تدل على أنها حديث خرافة بالنسبة لنا:
عقد «أمسيس» معاهدة صداقة وتحالف مع السيرينيين، وعزم على اتخاذ زوجه من هذه البلاد وذلك إما شهوةً في التزوج من امرأة إغريقية، وإما من أجل حب خاص يضمره للسيرينيين، وعلى ذلك تزوج على حسب قول البعض ابنة الملك باتوس Battus ويقول آخرون: ابنة الملك «أرسسيلاوس» Arcesilaus، وإن كان آخرون يقولون: إنها ابنة كريتوبولوس Critobulus، وهو رجل من علية المدنيين. وكان اسمها «لاديس» Ladice. ولم يستطع «أمسيس» إتيانها ولم تكن هذه هي حاله مع نسوة أخر، واستمر على هذه الحال طويلًا، فلما أعيته الحيلة ورأى أنه عاجز قال لهذه المرأة: يا أيتها المرأة لقد استعملت السحر معي، وليس أمامي إلا أن أميتك أشنع ميتة ماتتها امرأة، وعندما وجدت «لاديس» أن أمسيس لم يقتنع بإنكارها، ولم يهدأ نذرت نذرًا «لفينوس»، وهو أنه إذا أمكن «أمسيس» أن يطأ هذه الليلة (لأن ذلك كان هو العلاج الوحيد) أرسلت تمثالًا للإلهة في «سيريسي». وبعد هذا النذر مباشرة أتاها أمسيس، ومن هذا الوقت كان يجد عنده القدرة على أن يطأها، فأصبح مغرمًا بها إغرامًا يفوق الحد. ولكن «لاديس» أوفت بنذرها للإلهة، فأمرت بعمل تمثال أرسلته إلى سيريني، وكان لا يزال محفوظًا في زمني (هردوت)، ويواجه خارج مدينة سيريني، وعندما فتح «قمبيز» مصر علم من هي «لاديس» هذه، فأرسلها في أمان غير مضارة إلى «سيريني».
هذه بطبيعة الحال قصة سمعها هردوت حيكت حول المعاهدة التي عقدها مع بلاد سيريني، ولسنا في حاجة إلى التعليق عليها؛ لأنها تتحدث عن نفسها. والظاهر أن أمسيس نفسه قد تأثر عن طريق زوجه، هذا إذا كانت القصة صحيحة بالنسبة لزواجه من إغريقية، إذ نجد أنه قد أهدى قربانًا في بلاد اليونان (للإلهة)، فنجد أولًا أنه أهدى تمثالًا مذهبًا للإلهة منرفا Minerva في سيريني، كما أهدى صورته ملونة، ثانيًا أهدى لمنرفا في «لندوس» تمثالين من الحجر ودرعًا من الكتان تسترعي النظر، وثالثًا أهدى «جوتو»٤ في ساموس صورتين لنفسه محفورتين في الخشب، وقد أقيمتا في المعبد الكبير وكانتا لا تزالان في زمني خلف الأبواب، والآن عمل هذه القربات في «ساموس» بسبب الصداقة التي كانت بينه وبين بوليكراتس بن أسس Aeaces، ولكن تلك التي كانت في «لندوس» لم تكن بسبب الصداقة، بل كان سببها على ما قيل أن بنات «داناوس» قد أسس المعبد٥ منرفا في لندوس، عندما وصلوا إلى هناك عند فرارهن من أولاد اجبتوس؛٦ وهذه كانت القرابين التي قدمها أمسيس. وكان أول من فتح قبرص وجعلها خاضعة لدفع الضرائب.

وعلى أية حال نجد هنا أن أمسيس قد تحول تمامًا عن سياسة «إبريز» الهجومية، وقد قدم مساعدته للوبيين أهل برقا على الإغريق، ولم يتحول أمسيس عن هذا المبدأ، ويلحظ ذلك عندما قامت الثورة في الفيقة في برقا، واستمرت حتى العهد الفارسي.

وقد حدثنا عن ذلك أخو الملك «أرسيسلاوس» الثاني ملك «سيريني» عن هذا المصير، وتأسيس مدينة برقة، وقد كانت هذه الحروب الداخلية في صالح اللوبيين؛ لأنهم أفلحوا في هزيمة جيش «سيريني» في موقعة قتل سبعة آلاف جندي هوبليتي، وقد حدثنا عن ذلك هردوت (Herod. II, 160 ff). وكان «لباتوس» هذا نجل يدعى «أرسسيلاوس»، وهو الذي كان أول عمل له بعد اعتلائه العرش هو الشجار مع إخوته حتى إنهم تركوه وذهبوا إلى أجزاء أخرى من لوبيا، وبعد مشاورة فيما بينهم أسسوا المدينة التي لا تزال تسمى «برقة»، وفي أثناء إقامتها أغروا اللوبيين بالقيام بثورة على السيرينيين، ولكن فيما بعد قاد أرسسيلاوس جيشًا على هؤلاء اللوبيين الذين استقبلوهم وعلى الثائرين أنفسهم، ولكن اللوبيين خوفًا منه فروا إلى اللوبيين الشرقيين، وقد اقتفى أرسسيلاس أثرهم في حربه حتى لحق بهم عند «لوكون» Leucon في لوبيا وعندئذ صمم اللوبيون على مهاجمته. وبعد أن اشتبكوا معه في موقعة هزموا السيرنيين تمامًا، حتى إن سبعة آلاف جندي ممن قد سلحوا بأسلحة ثقيلة من السيرنيين قد سقطوا في الموقعة. وبعد هذه الضربة شنق «لارخوس» Learchus أخاه أرسسيلاوس الذي كان مريضًا وتحت تأثير بعض العقاقير. أما زوج «أرسسيلاوس» التي كانت تدعى أريكسو Eryxo، فإنها قتلت لارخوس بحيلة.
وفي تلك الفترة قهر «أمسيس» مدن قبرص، وجعلها تدفع الجزية لمصر (راجع Herod. II, 182)، وقد ذكر لنا ديدور هذا الحادث عند قوله: (راجع Diodorus, I, 68 L. 6)، وقد أخضع (أمسيس) مدن قبرص وزين كثيرًا من المعابد بقرابين ذات قيمة عظيمة. ومن المحتمل أن ذلك كان قد حدث فعلًا في عام ٥٦٠ق.م، وسبب ذلك على ما يظن أنه لم يكن أمام الأسطول المصري في هذا الموقف ما يقاومه، إذ لم تكن قبرص على اتصال مباشر بدولة عظيمة يمكن بتفوقها أن تدخل مع «أمسيس» في حرب، يضاف إلى ذلك أن مصر كانت في تلك الآونة تنعم في الداخل برخاء وفير وثروة جمة، ففي تلك الفترة لم يكن فيها أقل من عشرين ألف مدينة على حسب ما جاء في «هردوت»، ولا شك في أن ذلك العدد مبالغ فيه (راجع Herod. II, 177). وفي عهد «أمسيس» قيل: إن مصر كانت تتمتع بأعظم رخاء من حيث الفوائد التي كانت تأتي من النهر إلى الأرض، ومن الأرض إلى الناس وقيل: إنها كانت تحتوي في ذلك الوقت على عشرين ألف مدينة معمورة. وكان أمسيس هو الذي سن القوانين للمصريين، وبمقتضاها كان على كل مصري أن يعلن لحاكم إقليمه الطريقة التي عاش بها، وإذا قصر إنسان في إعلان ذلك، ولم يظهر أنه قد عاش عيشة شريفة عوقب بالموت، وقد حمل صولون الأثيني هذا القانون من مصر ونفذه في «أثينا»، وإن الناس لا يزالون يتبعونه بوصفه نظامًا لا غبار عليه (أي: في أثينا).
وقد حدثنا كذلك «ديدور» الصقلي عن تشريعات أمسيس، وذلك عند الحديث عن عظماء المشرعين من ملوك مصر وعددهم ستة (راجع Diod I, 93–95)، وقد جاء ذكر أمسيس بعد ذكر الملك «بوكوريس» الذي تحدثنا عنه فيما سبق فيقول عنه «ديدور» بعد «بوركوريس» يقولون (أي: المصريين): إن ملكهم أمسيس قد وجه عنايته للقوانين وهي التي على هداها وضع القواعد التي تحكم بمقتضاها حكام المقاطعات، وتسير على نهجها كل الإدارة المصرية. وتحدثنا عنه التقاليد أنه كان غاية في الفطنة راقيًا في عواطفه وعادلًا؛ ولهذه الأسباب نصبه المصريون ملكًا على الرغم من أنه لم يكن من دم ملكي. ويقال كذلك إن أهالي «أليس» Elis عندما كانوا مهتمين بأمر الألعاب الأولمبية أرسلوا رسولًا يسألونه: كيف يمكن أن يرشدوا في طريقهم إلى أعظم عدالة واستقامة؟ وقد كان جوابه عن ذلك: يشترط ألا يشترك رجل من أليس Elis (في هذه الألعاب). وعلى الرغم من أن بوليكراتس Polycrates حاكم «ساموس» كان على ود ومصافاة معه، فإنه عندما أخذ يظلم المواطنين والأجانب في «ساموس» قيل: إن «أمسيس» أرسل إليه في بادئ الأمر خطابًا قطع فيه أواصر الصداقة التي بينهما؛ وذلك لأنه لم يرد كما قال أن ينغمس في الحزن بعد زمن وجيز لعلمه تمامًا أن المصيبة كانت وشيكة أن تحل بالحاكم الذي يصر على الظلم بمثل هذه الطريقة. وقد كان موضع الإعجاب، كما قيل عند الإغريق بسبب أخلاقه الفاضلة، وبسبب كلماته للحاكم بوليكراتس التي تحققت بسرعة.

(٢-١) سقوط «مديا» ونتائجه

وفي عام ٥٥٣ق.م قامت ثورة في مملكة ميديا انتهت بأن ملك الفرس «كورش الثاني»، أسر ملك ميديا الذي كان يدعى «أستياجس» Astyages فسقط من عليائه؛ وقد كان من جراء سقوط دولة «ميديا» أن أزيح نير ثقيل عن عوائق كل ممالك آسيا الصغرى، غير أنه لم يمضِ طويل زمن، حتى تطورت الأحوال بصورة أخرى مختلفة لم تكن في الحسبان لدى «بابل» و«سارديس» و«سايس»، وذلك أنه في عام ٥٥٠–٥٤٩ق.م مات الملك «أستياجس» ملك ميديا في سجن كورش. فانتقل الملك لأسرة الفرس الأخمينية، وبذلك لم تتمزق مملكة إيران العظيمة، كما أن أجزاءها لم تتناحر. ولا نزاع في أن هذا التغير كان يعني انقلابًا ثوريًّا في الموقف العالمي؛ إذ كانت مملكة ميديا بما لها من قوة جبارة تعد خطراص خفيًّا على جيرانها، ولكن يرجع الفضل في منع هذا الخطر إلى سياسة الملك نبوخد نصر العظيمة التي حفظت التوازن الدولي وقتئذ مؤقتًا. فقد كانت المعاهدة التي بين كورش وأستيجاس لا تُعد شيئًا يذكر، بل كانت في الواقع تعد قصاصة ورق، ولا تحتوي على أية روابط أسرية من جهة بابل وميديا. وقد كان المنتظر في كل لحظة في هذه الفترة من الزمن أن تقبض مملكة فارس على السيادة العالمية، وتنشر سلطانها على العالم المتمدين.
وقد وجد الملك أمسيس نفسه في تلك الآونة في الموقف الذي كان فيه الملك بسمتيك الأول منذ سبعين عامًا مضت، وذلك عندما كان نجم آشور ينذر بالأفول، وقد كان نفس السبيل الذي سلكه سلفه، فقد كانت بابل في نفس الموقف الضعيف الذي كانت تقف فيه آشور في عهد بسمتيك الأول؛ أي إنها كانت دولة معادية لها، ولكنها كانت بالنسبة لمصر جارة لا خطر منها، بل كانت مهددة بالفناء من دولة جديدة لا تعرف مقاصدها على وجه التأكيد. وفي هذا الوقت عمل أمسيس على أن تستمر سياسة مصر على ما هي عليه، وبعبارة أخرى لم يتخذ سياسة هجوم؛ ففي عام ٥٤٧ق.م عقد معاهدة دفاعية مع عاهل بابل «نبونبد»، ومع كروسوس ملك ليبيا، كما أشار إلى ذلك «هردوت» (Herod, I, 77)، فيقول في ذلك في حديثه عن حروب كروسوس مع كورش: ولكن «كروسوس» قد ألقى اللوم على جيشه بسبب قلة عدده؛ وذلك لأن قواته التي اشتركت في الحرب كانت أقل من قوات كورش، وفي اليوم التالي لم يحاول كورش مهاجمته، بل عاد إلى «سارديس» وفي نيته أن يطلب من المصريين تنفيذ ما بينهما من معاهدة؛ لأنه كان قد عقد معاهدة مع أمسيس ملك مصر قبل أن يعقد معاهدة مع لسديمونيا … إلخ. هذا وقد أنهى كروسوس الهجوم المنتظر من قبل «كورش» بإعلان حرب وقائية. ففي مستهل عام ٥٤٧ق.م عبر نهر هاليس الذي يقع عند الحدود بين البلدين، ولكن وجدنا في فصل الخريف من نفس السنة أن «كورش» قد انتصر على الليديين انتصارًا ساحقًا، واستولى على «ساردس» عاصمة ملكه، ووقع كروسوس أسيرًا في يد كورش. هذا ولم يجد «نبونبد» ملك بابل فرصة لمهاجمة كورش من الجناحين والقلب، كما لم يكن في استطاعة أمسيس وحلفائه الأسبرتيين إرسال مساعدة له، إذ في الوقت الذي عزمت فيه أسبرتا على إرسال المساعدة كان كروسوس قد وقع أسيرًا، ودخل كورش ساردس عاصمة ملكه (راجع Herod, I, 83)، وقد كانت النتيجة المحتمة أن وضع كورش ذلك الفاتح العظيم كل آسيا الصغرى تحت قدميه. ومما تجدر ملاحظته هنا أن «كليكيا» التي كانت تعد قوة لا يستهان بها في آسيا الصغرى، والتي كانت تتمتع باستقلالها تمامًا قد خضعت عن طيب خاطر للعاهل الفارسي متمشية في ذلك مع سير الأحوال، وأصبحت تدين لسلطانه (راجع Xenophon, Cyropade VIII 6,8)، وقد كان من نتائج هذه الأحداث الجسام أن تهدمت السياسة المصرية.
ومما يلفت النظر هنا أن دولة بابل قد استمرت بعد ذلك لعدة سنين على قيد الحياة، والأسباب الداعية لذلك تعوزنا. وعلى أية حال فإنه منذ عام ٥٤٦ق.م كان أمر سقوطها متوقعًا الحين بعد الحين، وتدل الأحوال على أن «أمسيس» أمام هذه الحوادث الضخمة كان قد قطع متن الرجاء من أية مساعدة من ناحية «بابل» التي كانت تحتضر وقتئذ. ولا غرابة في ذلك فإن دولة «نبوخد نصر» العظيمة قد سقطت بعد موته بعشرين عامًا دون قتال تقريبًا، وذلك أنه في خريف عام ٥٣٩ق.م زحف كورش عاهل فارس على بابل فدخلها ظافرًا، كما سقطت المعاقل السورية والفلسطينية على أثر ذلك. وقد أشار «هردوت» إلى تسليم الفنيقيين من تلقاء أنفسهم. (راجع Herod. III, 19)، أما من جهة مصر فقد كان الموقف جليًّا الآن؛ وذلك لأن سياسة تجنب أية حروب كانت هي السياسة التي اختطتها لأنفسهم الملوك الساويون منذ مائة سنة مضت، غير أن هجوم دولة فارس الجبارة على مصر كان متوقعًا في كل لحظة، ولم يمنع زحف كورش على مصر إلا اضطراره لمحاربة بدو التورانيين، وفوق ذلك فإنه قد حضرته الوفاة في عام ٥٢٩ق.م فكان ذلك سببًا مباشرًا لتأخير الهجوم على مصر حتى عام ٥٢٥ق.م في عهد ابنه وخليفته قمبيز ٥٢٥–٥٢١ق.م ولم يكن في استطاعة أمسيس اتخاذ إجراءات فعالة مضادة لدرء هذا الخطر الجارف الذي كانت تتوقعه بلاده.
ويرجع السبب في ذلك إلى أن العالم الإغريقي الذي كانت علاقته مع مصر قوية في مدة المائة والخمسين سنة الأخيرة من تاريخها كان بمعزل عن الممالك العظيمة، التي كانت تسيطر على العالم المتمدين في القرن السادس قبل الميلاد، ولم يكن هم أمسيس في هذه الآونة إلا عقد تحالف مع حكومة إغريقية قوية، وقد اتجه إلى بوليكراتس التيراني صاحب جزيرة ساموس غير أن ذلك لم يُجْدِ نفعًا؛ وذلك لأنه في اللحظة التي كان يرغب فيها «أمسيس» عقد محالفة مع بوليكراتس كان الأخير، ومعه جزيرة قبرص قد انحازا إلى جانب «قمبيز» عاهل الفرس (Herod. III, 44, 45) لمحاربة مصر. وفي نوفمبر (أو ديسمبر) سنة ٥٢٦ مات «أمسيس» بعد حكم طويل حافل بجلائل الأعمال. وسنحاول فيما يلي أن نتحدث عن الآثار التي خلفها في مصر، وفي أنحاء العالم المتمدين وقتئذ.

(٣) آثار أحمس الثاني في مصر

لا نزاع في أن معظم نشاط الملك «أمسيس» طوال مدة حياته في داخل البلاد كان منحصرًا في إقامة المباني العظيمة، والآثار الخالدة التي خلفها في طول البلاد وعرضها، فآثاره تمتد من أول الشمال الغربي للدلتا حتى جزيرة «سهيل» بأسوان هذا فضلًا عما أهداه من آثار لبلاد الإغريق، وهاك بعض هذه الآثار على حسب ترتيبها الجغرافي بقدر المستطاع.

(٣-١) لوحة من الجرانيت

مؤرخة بالسنة الأولى شهر برمودة من عهد الملك «خنم اب رع» بن رع أحمس عاش مخلدًا. وقد نقش على هذه اللوحة صورة عقد هبة من فرد للإله أوزير. وهذه اللوحة صغيرة الحجم إذ يبلغ ارتفاعها ٢٥ سنتيمترًا، وعرضها ١٩ سنتيمترًا وهي مربعة وليس عليها أشكال مصورة، وتحتوي على ثمانية أسطر منقوشة نقشًا خشنًا. وأهمية هذه اللوحة تنحصر أولًا في تأريخها بالسنة الأولى من حكم أحمس الثاني، وثانيًا في اسم الضيعة المهداة لأوزير وتدعى «احني»، وقد يجوز أن هذا الاسم هو الإقليم الذي كانت توجد فيه بلدة الرئيس. ويلحظ هنا أننا نجهل أين كان يقع هذا المكان، ويرجع السبب في ذلك إلى أننا لا نعرف المكان الذي وجدت فيه هذه اللوحة. ويطيب لي أن أذكر بهذه المناسبة أنه كم من آثار قد ضاعت قيمتها العلمية الحقيقية بهذه الصورة. وسبب ذلك أن هذه الآثار لم يكشف عنها بالطرق العلمية السليمة، بل أخذت خلسة أو سرقت من أماكنها، وضلل بائعوها المشترين والعلماء بعدم ذكر المكان الذي عثر فيه عليها (راجع Rec. Trav. XV. P. 87).
وقد وجدت لوحة أخرى مؤرخة كذلك بالسنة الأولى من حكم «أمسيس الثاني»، وهي مصنوعة من الحجر الجيري، وجزؤها الأعلى مستدير ويشاهد فيه هذا الفرعون يقدم حفلًا للإله رع أو «حور» وأزيس. ويبلغ طول هذه اللوحة قدمًا وعشر بوصات ونصف البوصة (راجع Guide to the Egyptian Galleries, (Sculpture) P. 224).

(٣-٢) كوم أفرين

عثر في كوم أفرين على تمثال صغير من البرنز لصقر، وهو محفوظ الآن بالمُتْحَف البريطاني. وهذا الصقر كان يستعمل بمثابة ناطور لقارب مقدس للإله «رع»، وقد صنع من البرنز الصلد ورصع بشرائط من الذهب عميقة، أما وجه الصقر وقرص الشمس الذي على رأسه فهما من البرنز الخالص، ويلفت النظر أن الصل الذي على رأس الصقر، وكذلك كل الشعر المستعار والقلادة التي حول الكتفين مرصعة، ونقش على صدر الصقر طغراء أحمس: رب الأرضين «خنم اب رع»، وهو لقبه (راجع Petrie, Naukratis I, XII).

(٣-٣) أدفينا

وجد في أدفينا خاتم من الجبس على إناء، وكذلك خاتم من البرنز وقد نقش على الأول: «أحمس» بن الإلهة نيت وعلى الآخر الإله الكامل أحمس بن «نيت» (راجع Petrie, Tanis, II, Pl. 12; Ibid. Pl. XLI).

(٣-٤) نبيشة

وجد للملك أحمس الثاني آثار عدة في أنقاض بلدة نبيشة، نخص بالذكر منها ما يأتي:
  • (١)

    المعبد الصغير الذي أقامه أحمس الأول، غير أنه لم تبقَ من آثاره في مكانها الأصلي إلا أجزاء كثيفة من رقعة مزدوجة في أساس الحرم بالقرب من واجهة المعبد، هذا بالإضافة إلى الجزء الخلفي للناووس الكبير، الذي ظل باقيًا منتصبًا في مكانه الأصلي على قطعة حجر رملي كوارتسيتي ترتكز بدورها على قطع أخرى من رقعة المعبد، وتدل الظواهر على أن هذا الملك قد استعمل في بناء هذا المعبد أحجارًا أخرى من المعبد الكبير المجاور له.

    والظاهر أن مساحة هذا المعبد كانت أكثر من ٦٦ × ٣٧ قدمًا من الخارج. وقد وجد في رقعة هذا المعبد عدة قطع من الجرانيت الأحمر، نقش عليها مناظر قرابين وطغراءات، غير أنها لسوء الحظ قد محيت تمامًا. وقد وجد كذلك الجزء الأسفل من تمثال الإلهة «وازيت»، وهو مصنوع من الحجر السنيتي المصقول صقلًا جميلًا وعلى ظهر التمثال تقديم قربان يقوم به الملك رعمسيس الثاني. ومن حجم هذه القطعة يحتمل أن التمثال كان يبلغ في الأصل حوالي ٧٥٠ بوصة، وهذه القطعة بالإضافة لتاج الإلهة «وازيت» تلائم على ما يظهر الناووس الكبير المصنوع من الجرانيت، ويبلغ طوله حوالي ٩٠ بوصة، وعلى ذلك فإنه من المحتمل أن هذا التمثال كان في الأصل موضوعًا في المعبد الكبير، الذي أقامه رعمسيس الثاني، ويقع في هذه الجهة، ثم أخذ من مكانه، واستعمله أحمس الثاني من جديد بكتابة اسمه عليه.

وأخيرًا نجد في الجهة الشمالية ناووسًا من الجرانيت عظيمًا منتصبًا، يبلغ طوله أكثر من خمس عشرة قدمًا وأربع بوصات، وعرضه ثماني أقدام وسبع بوصات عند القاعدة، ويبلغ وزنه ثمانية وخمسين طنًّا. وتدل الظواهر على أن «أحمس الثاني» كان قد صنعه للإلهة «وازيت» عندما أراد إعادة عبادتها في هذه الجهة (راجع Nebesheh P. 12 & PI. IV.) هذا وقد وُجِدت في المعبد وخارجه آثار أخرى (Ibid. P. 14)، وأهم الآثار الصغيرة التي وجدت في المعبد، وتؤكد لنا أن «أحمس الثاني» هو الذي رفع بنيانه الودائع الصغيرة التي وجدت في أركان المعبد، وقد نقش عليها اسمه وقد صنعت من القاشاني والذهب والفضة والقصدير والنحاس واللازورد والكورنالين، هذا بالإضافة إلى عدة أنواع من الفخار يدل شكلها على أنها كانت جنازية الصبغة (راجع Ibid. P. 14-15).

(٣-٥) تمي الأمديد (تل الربع الحالية مركز السنبلاوين)

عثر للملك أحمس في «تمي الأمديد» على محراب ضخم من الجرانيت يبلغ ارتفاعه ثمان عشرة قدمًا، وقد عملت قمته على هيئة هرم (راجع Petrie, Hist. III, P. 247, Description de I’Egypte T. V. P. 29; Naville, Ahnas el Medineh P. 17).

(٣-٦) سايس (صا الحجر)

حدثنا هردوت عن المباني التي أقامها أحمس الثاني في «سايس» (راجع Herod. II, 175, 176)، فيقول: وفضلًا عن ذلك أقام (أحمس) رواقًا يستحق الإعجاب في معبد «منرفا» (وهي موحدة بالإلهة أثينا أو بلاس ابنة «جبتر»، وهي إلهة الذكاء والحكمة والفنون) في سايس، وهذا المعبد يفوق كل المعابد الأخرى في ارتفاعه وحجمه، وكذلك في أبعاده وفي كمية الأحجار، وكذلك أهدى تماثيل كبيرة وتماثيل ضخمة تمثل بولهول، وأحضر أحجارًا أخرى ذات حجم هائل لإصلاح المباني، وقد جلبت بعض هذه الأحجار من المحاجر القريبة من منف، ولكن الأحجار ذات الحجم الكبير جدًّا قد أحضرها من مدينة الفنتين، التي تبعد مسيرة عشرين يومًا من سايس، ولكن الأمر الذي أعجب به أكثر من أي شيء هو ما يأتي: «لقد أحضر مبنى من حجر واحد من مدينة الفنتين، وقد خصص لنقله ألف رجل لمدة عامين كاملين، وكل هؤلاء الرجال كانوا بحارة. وطول هذه الحجرة من الخارج إحدى وعشرون ذراعًا، وعرضها أربع عشرة ذراعًا وارتفاعها ثماني أذرع. وهذه هي الأبعاد الخارجية للحجرة التي تتكون من حجر واحد، ولكن في الداخل كان طولها ١٨ ذراعًا وعشرون أصبعًا وعرضها ١٢ ذراعًا، وارتفاعها خمس أذرع. وكانت هذه الحجرة موضوعة على مقربة من مدخل الحرم المقدس، ولم يقمها في داخل الحرم للسبب الآتي كما يقولون: ذلك أن مهندس العمارة عندما كانت الحجرة تجر تنهد تنهيدة عميقة لما لحقه من تعب العمل الذي صرف فيه وقتًا طويلًا، وعندئذ ساورت الملك «أمسيس» شكوك دينية من جراء ذلك، فلم يسمح بجرها إلى أبعد من ذلك. وعلى أية حال يقول بعض الناس: إن أحد الرجال الذين كانوا يعملون في الجر قد هرس حتى الموت بالحجر؛ ولهذا السبب لم يجر حتى داخل حرم المعبد.»

والمطلع على الآثار المصرية لا يدهش مما ورد في هذه القصة، فإن هذه الحجرة لا تخرج عن كونها محرابًا (ناووسًا) ضخمًا مكونًا من حجر واحد قطعه أمسيس من الفنتين؛ ليضع فيه تمثال الإلهة نيت على ما يظن، وبخاصة أن هذا العصر كان مشهورًا بالمحاريب (النواويس) الكبيرة للآلهة بدلًا من المعابد الضخمة. أما السبب الذي حدا به إلى عدم جر هذا الحجر إلى داخل المعبد، فهو الشفقة والرحمة برعاياه في كلتا الحالتين، فقد أشفق على مهندسه من الإعياء كما يجوز أنه في الحالة الثانية قد خاف من تكرار مأساة هرس فرد أو أفراد آخرين في أثناء جر هذا الحجر إلى داخل المعبد.

وبعد ذلك يستمر «هردوت» في ذكر أعمال «أمسيس»، فيقول: وقد أهدى «أمسيس» في كل من أهم المعابد آثارًا تستحق الإعجاب بسبب ضخامتها، ومن بينها تمثال بولهول ضخم رابض أمام معبد «فولكان»٧ ويبلغ طوله ٧٥ قدمًا، وقد نصب على نفس القاعدة تمثالان من الحجر النوبي ارتفاع كل واحد منهما عشرون قدمًا، وكان كل واحد منهما على إحدى جانبي المعبد.

هذا ويوجد كذلك في سايس تمثال آخر مماثل للسابق بنفس الوضع الذي عليه تمثال منف. وكان أمسيس كذلك هو الذي بنى معبد أزيس في منف، وهو فسيح الأرجاء ويستحق الذكر.

وعثر لهذا الفرعون على مائدة قربان من الجرانيت الأسود، ويلحظ هنا أن أسماء هذا الفرعون وألقابه قد كشطت وآثار الإشارات في الطغراء الأولى، توحي بأنها كانت «خنم اب رع»، وهذا هو اسم التتويج لأحمس. وقد نقش على المائدة صور وأواني قربان وجرار خمر، وأواني عطور وفطائر وحول حواف المائدة نقش الصيغة المعروفة لطلب ألف من الخبز وألف من الثيران، وألف من الإوز وآلاف من جرار الجعة والعطور والبخور والخمر، وآلاف من نسيج، والكتان … إلخ. وطول هذه المائدة قدمان وثماني بوصات وعرضها قدمان وخمس بوصات. وكانت في مجموعة «صولت»، وهي الآن بالمُتْحَف البريطاني (راجع A Guide to the Egyptian Galleries (Sculpture P. 223). وكذلك توجد مائدة قربان أخرى ضخمة بالمُتْحَف البريطاني للملك «أحمس الثاني» ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خنم اب رع بن رع أحمس بن نيت»، وقد نقش على حوافها متن يحتوي على اسم هذا الفرعون وألقابه، وعلى وجه المائدة صورة الأشياء العادية التي كانت تقدم للمتوفى، وفي ظهر المائدة حفر حوض عمقه ست بوصات. وطول المائدة قدم وسبع بوصات، وعرضها قدم وعشر بوصات ونصف البوصة، وعمقها قدم وبوصة واحدة.
وتوجد لوحة من الحجر الجيري عثر عليها في «سايس»، جزؤها الأعلى مستدير وهي مؤرخة بالسنة الثامنة من عهد الملك «أحمس الثاني»، وقد نقش عليها متن يقرر إهداء ردهة وأرض للإلهة «نيت» صاحبة «سايس»، وحور صاحب رسنت (الجنوب) وحور صاحب محنت (الشمال). وقد صور على الجزء الأعلى من هذه اللوحة منظر يمثل الملك يقدم إناءين من النبيذ للإلهة نيت، ويقف خلفها الإله حور صاحب رسنت والإله حور محنت، وفوق هذا المنظر قرص الشمس المجنح يتدلى منه صلان (راجع Ibid. P. 224).

(٣-٧) طنطا

عثر في مدينة طنطا على قطعة من الجرانيت الأحمر عليها طغراءات للملك أمسيس الثاني، وقد وجدت مدفونة في الأرض بالقرب من جامع السيد البدوي، وهي محفوظة الآن بمتحف طنطا المحلي (راجع A. S. XXIII, 71).

وعلى الرغم من أنه حتى الآن لم يكشف عن أشياء من العصر الفرعوني في هذه البلدة، فإن من المؤكد أن طنطا مثلها مثل مدن أخرى كسمنود وبلبيس، وكثير غيرها من مدن الدلتا مبنية على أكوام قديمة.

والواقع أن كل الجزء الأوسط من هذه المدينة ما بين موقع الساعة، وخط سكة الحديد الذاهب إلى المنصورة، وبخاصة الجزء المجاور لضريح السيد البدوي مرتفع بصورة تلفت النظر بالنسبة لسائر المدينة. وحقيقة الأمر أنه في هذا الحي قد عثر أحد الملاك، عندما كان يحفر رقعة الأرض التي أمام بيته في عام ١٩٢٢ على قطعة حجر من الجرانيت الأحمر، عليها نقوش هامة ويبلغ ارتفاعها ٢٫٦٣ متر، وعرضها ٠٫٢٣ متر، وسمكها ٠٫٦٥ متر، ومنقوش عليها سطران باللغة المصرية القديمة، غير أنهما بكل أسف في حالة سيئة من الحفظ. ولكن لا تزال تشاهد في السطر الأول بكل وضوح طغراءان للملك «أحمس الثاني»: ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خنم اب رع بن رع» أحمس بن نيت. وهذا الأثر محفوظ الآن بمتحف البلدية بطنطا برقم ٩٨١. هذا وقد استعرض الأثري «دارسي» في مقال ممتع الأسباب التي دعته لاعتبار طنطا موقعًا قديمًا (راجع A. S. XXII, P. 188–195)، فقد برهن على أن اسمها الحالي لم يظهر في القوائم العربية القديمة، أو على الأقل أن اسمها قد ظهر محرفًا في كلمة «طوى» أو «طوا» أو «طوه». وقد وجد ما يقابله في قوائم الإبراشيات القبطية وباللاتينية Tava. أما اسم «طنطا» فإنه لا بد أن يكون حديثًا نسبيًّا، وذلك على حسب تطور هذه المدينة بوصفها مدينة إسلامية منذ القرن الثالث عشر الميلادي، والاسم القديم «طاوة» لا يزال موجودًا إلى يومنا هذا في حوض الأرض رقم ٢٨ الواقع في قرية «محلة مرحوم»، وتقع على بعد ثلاثة كيلومترات من الشمال الغربي من طنطا، حيث يسكن فيها عدد كبير من الأقباط، وتقع على تل قديم. يضاف إلى ذلك أنه قد استعملت قطعة أخرى من الجرانيت، نقش عليها بوابة اسم الملك أمسيس الثاني، وقد استعملها الأهالي بمثابة أسكفه باب لجامع «محلة مرحوم»، وقد جاء عليها: يعيش حور سمن ماعت (= أي: «مسبب العدالة» وهو لقب للملك أمسيس الثاني) ملك الوجه القبلي والبحري، وعلى ذلك فإنه يجوز أن هذه القطعة الأخيرة قد نقلت من مكانها من الكوم الأثري الذي تقع عليه طنطا، ولكن من الممكن كذلك أنها كانت قد نقلت من مكان قريب، وأنه كان يوجد مبنى أقامه الملك أحمس الثاني في المكان الذي يحتله الكوم الذي يتألف منه حوض الأرض، المسمى حوض طاوة الواقع في مدينة محلة مرحوم على الموقع القديم لمدينة طنطا.

(٣-٨) المحلة الكبرى

وجد في بيت على مقربة من جامع الغمري بالمحلة الكبرى حجر من الجرانيت عليه نقوش، يقول عنها «دارسي»: إنها تحتوي على اسم أم الملك أحمس الثاني وهو تاشرن-ن است، غير أن برستد لم يقبل هذه النظرية، وعلى ذلك لم تكن «ثن موت» التي جاء ذكرها على هذا النقش جدته (راجع Rec. Trav. 22 f; Br A. R. IV, 511 N. a)، وسنتحدث عن ذلك عند الكلام على أسرة أحمس الثاني.

(٣-٩) تل بسطة

عثر في تل بسطة على لوحة صغيرة غريبة الشكل ونقوشها صعبة الحل. وأهم ما فيها أنها مؤرخة بالسنة الثالثة من عهد الملك أحمس الثاني، وهي محفوظة الآن بالمُتْحَف المصري (راجع A. Z. XXIII, P. 11)، وكذلك عثر على لوحة أخرى في نفس الجهة، وهي محفوظة بمتحف برلين وتؤرخ بالسنة الثانية والثلاثين من عهد الملك أحمس الثاني على حسب رأي كل من الأثري فيدمان و«رفييو» و«جوتيه». وهذه اللوحة خاصة بوقف معبد صغير كان قد أقام بنيانه أحمس الثاني للإلهة باست ربة بوسطة، غير أن هذا المعبد لم يبقَ منه شيء الآن، وقد جاء ذكر هذا المعبد وفخامته في هردوت، حيث أسهب في وصفه (راجع Herod. II, 137-138)، وتوجد في مجموعة المهندس أمبرويز بودري Ambroise Baudry قطعة مقبض صناجة من القاشاني الأخضر نقش على أحد وجهيها المتن التالي: رب الأرضين خنم-اب-رع بن رع «أحمس بن نيت». ونقش على الوجه الآخر … «خنم اب رع» بن «رع» «أحمس» محبوب … وهذه القطعة عثر عليها في تل بسطة (A. Z. XIX P. 116)، وأخيرًا وجد لهذا الفرعون خاتم من الشمع (؟) محفوظ الآن بالمُتْحَف المصري (راجع Guide Boulaq P. 99).

(٣-١٠) تل أتريب

يوجد الآن بمتحف اللوفر «ناووس»٨ يبلغ ارتفاعه ٩٦ سنتيمترًا، وعمقه مترًا وخمسة عشر سنتيمترًا وهو قطعة واحدة عثر عليه في البحر بالقرب من الإسكندرية. وقد مثل عليه صورة الإله الذي يرأس تمساح ويدعى حورخنتي-خت في الصف الثاني من النقوش التي على الجدار الأمامي، مما يوحي بأن هذا الناووس كان مقامًا في مدينة تل أتريب (بنها الحالية)، وكان هذا الإله يعتبر حاميها. ونفهم من النقوش التي على الأفريز أن الناووس كان مُهْدى من قبل الملك أمسيس للإله أوزير. (وطغراءات هذا الملك قد هشمت). والواقع أن كثيرًا من النقوش التي حفرت على جوانبه تنسب إما للإله أوزير وأسطورته، أو تشير إلى هذا الإله أو ابنه «حور»، فمن ذلك نجد أنه في الصف الثالث من الجدار الأمامي للناووس رمز «أوزير زد» = الثبات. وهذا الرمز عبارة عن شجرة ذات أغصان مقلمة. والظاهر أن هذا الرمز كان أقدم صورة للإله أوزير، وكذلك نشاهد مومية هذا الإله على سرير جنازي تحرسه الإلهتان «أزيس» و«نفتيس»؛ وكذلك نشاهد الإله حور مصورًا في صور عدة. فقد صور بوصفه «حور الشجاع (حورتما) وحور المحب لوالده» (حور مرتف) و«حور الموحد للأرضين» (حورسماتاوي)،٩ ولكن من جهة أخرى نجد كذلك على عارضة الباب: الإله «تحوت» والإله «أنوبيس»، وكذلك نشاهد الإلهين «حابي» و«نخبيت».

وعلى الجدار الذي على اليمين نشاهد «رع حرمخيس»، وأتوم وشو وتفنوت وجب ونوت (على الصف الأول آ). ونشاهد على الصف الثالث الآلهة «بتاح» و«ماعت»، وتحوت وأربع إلهات في صورة حتحور.

ونشاهد على الجدار الأيسر: الإله بتاح (في الصف الأول)، والإلهين «آمون» و«خنسو» في (الصف الثاني) ثم الآلهة «نيت» و«وازيت»، و«الأسد محوس» (في الصف الثالث).

ونشاهد على الجدار الأمامي ثمانية الآلهة الأزلية في أربع مجاميع، وكل مجموعة تؤلف من ذكر برأس ضفدع ومن أنثى برأس ثعبان (في الصف الأول)، ويوجد في الصف الثاني الإلهان «ماعت» و«آمون».

والظاهر أنه إذا كان أوزير هو الإله الذي نذر له هذا الناووس، فإن القدر الأعظم من الآلهة المصريين يجب أن يكونوا مشتركين في الشعائر التي كان يحتفل بها الكهنة على شرفة أمام هذا الناووس، وانتهى هذا التابوت في جزئه العلوي برقعة مدورة يعلوها كرنيش مؤلف من أصلال، ويرتكز على سقف مقبب (راجع Musée National du Louvre Guide-Catalogue Sommaire I P. 129).
ناووس آخر للملك «أمسيس» من «تل أتريب»: وعثر كذلك على ناووس آخر صنعه الملك «أمسيس» للإله «قم ور»١٠ رب أتريب، وذلك في عام ١٩٠٧. وهذا الناووس مصنوع من الجرانيت المحبب الدقيق الحبات، ويبلغ عرض قاعدته ٨٨ سنتيمترًا وصناعته متقنة وحفره في منتهى الدقة والنظافة. غير أنه لم يبقَ لنا من إلا السقف، ويلحظ أن اسم الملك «أمسيس» في النقوش الباقية قد كشط، وهو يتألف من قطعة واحدة، ولم يبق من أسفله إلا الجزء العلوي، وقد نقش على الجزء الأمامي من عضادتي الباب، وعلى جوانب جدرانه الأمامية وعلى الجدار الخلفي متون، هذا وقد زين جزؤه الأعلى بصور.
ونقش على الجدار الخارجي من اليمين سطر أفقي جاء فيه:

يعيش حور (سمنت ماعت = مثبت العدالة) (ملك الوجه القبلي والوجه البحري) خنم اب رع، عمله بمثابة أثر لوالده فم ور (أي: الأسود العظيم = لقب لثور تل أتريب) الإله العظيم المشرف على حقل الطعام، وهو ناووس فاخر من حجر بخن عمله …

وقد زين الجزء الأسفل من سقف هذا الناووس بنماذج من ريش، ثم باسم الملك ولقبه والجزء الأعلى من السقف مزين بأصلال.

ويشاهد الملك مصورًا على الجدار الأيمن يتعبد أمام الآلهة. كما تشاهد مجموعة من أشخاص جالسين على سرير. وتتألف من رجل قاعد بين امرأتين على سرير في صورة أسد.

وكذلك نشاهد إلهة على عرشها، وقد نقش فوق ذلك في سطر أفقي عند فاخر، ثم يأتي على أثر ذلك ثلاثة آلهة على عروشهم، وقد نقش فوقهم خط أفقي جاء فيه: الآلهة الذين في البيت العظيم (القصر). وعلى الجدار الخلفي للناووس يشاهد الملك أمسيس يأتي بالنبيذ أمام الآلهة متعبدًا.

وكذلك يوجد لهذا الفرعون ناووس آخر محفوظ بمتحف ليدن (راجع Lecmans, Monuments de Lyde, T. I, P. 25-26)، وهذا الناووس قطعة فنية بديعة، ونقش عليه أساطير كثيرة غير أنه ليس من بينها ما له قيمة تاريخية.
وقد عثر كذلك في تل أتريب على مائدة قربان من الجرانيت، عليها اسم هذا الفرعون (راجع Wiedemann, Gesch. P. 655).
وأخيرًا وجد له خاتم باسمه وهو محفوظ الآن بمتحف أشموليان (Ibid. P. 655) بإنجلترة.

(٣-١١) هليوبوليس

وجد لهذا الفرعون تمثال راكع من البرونز، وفي يده إناء ونقش عليه اسمه.

(٣-١٢) السربيوم

يوجد بسرابيوم مدينة منف تابوت من الجرانيت الأسواني أهداه الملك أمسيس لأحد عجول أبيس. وقد وجد أن كلًّا من الصندوق والغطاء مفصول الواحد عن الآخر، فالصندوق وجد في حجرته الأصلية، أما الغطاء فقد وجد ملقى عند مدخل السربيوم، ويلحظ أن صناعة التابوت جميلة جدًّا، وقد زينت جوانب الصندوق الخارجية برسوم، وقد نشرت نقوش التابوت من قبل (راجع Brugasch, Thesaurus P. 966-7)، وكذلك ترجمت غير أن ترجمتها خاطئة. وهاك تصحيح الترجمة:

حور سمن ماعت (أي: مثبت العدالة) ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خنم-اب-رع»، لقد أهدى أثره لأبيس الحي (= تابوتًا من الجرانيت)، والآن لقد وجد (جلالته) أنه لم يكن يعمل من حجر ثمين لأي ملك، وفي أي زمن؛ لأجل أن يعطى الحياة مخلدًا.

هذا ولدينا وثيقة أخرى من عهد أمسيس نقشت على لوحة، عثر عليها كذلك في السربيوم وهي محفوظة الآن بمتحف اللوفر (راجع Piehl, Inscr. Hierog. I, 20; Chassinat, Rec. Trav. 22, 2; A. S. 26 P. 92)، وهاك ما جاء عليها:

والآن فإن جلالته كان بره مثل البر الذي عمله حور لوالده أوزير، فقد صنع له (أي: لأبيس) تابوتًا عظيمًا من الجرانيت. والآن فإن جلالته وجد أنه (أي: التابوت) لم يكن قد صنع من حجر ثمين لأي ملك في أي زمن مضى.

وعلى ذلك يتضح لنا من التراجم التي سبقت الترجمة التي أوردناها هنا أن «أمسيس» كان متمشيًا مع من سبقه في عمل توابيت للعجل أبيس من الحجر الثمين، غير أنه أعلن في الوثيقتين السابقتين اللتين أوردناهما هنا، أن مثل هذا العمل لم يكن قد عمل قبل زمنه لأي ملك. هذا ولا يخفى أن عبارة حجر ثمين قد تشمل في هذه المناسبة الجرانيت والبازلت، والديوريت والحجر الكلسي. ومن المفهوم أن التوابيت الخاصة بعجول أبيس السابقة لعصر «أمسيس»، كانت من الحجر الجيري وحسب، وعلى ذلك فإن البيان هنا يعد دليلًا على أن التابوت الذي أهداه أمسيس يعتبر أقدم تابوت نشاهدها في السربيوم مصنوع من الجرانيت؛ وذلك لأن كل التوابيت التي نشاهدها باقية في السربيوم كانت مصنوعة من الحجر الجيري، ومؤرخة قبل عهده (راجع A. S., Ibid, P. 94).
هذا ويدل الفحص الذي قام به الأثري «مريت» عن الأجزاء القديمة للسربيوم على صدق هذا البيان، إذ يقول: إن تابوت أمسيس الذي صنعه للعجل أبيس هو في الواقع أكبر تابوت في مدفن «السربيوم»، وعلى قدر ما وصل إليه علمي، فإنه يعد فاتحة عصر صناعة الآثار التي من الجرانيت؛ وذلك لأن الموميات لم تكن تدفن إلا في توابيت من الخشب (راجع Mariette-Maspero, Le Serapeum de Memphis Compte rendu des Fouilles, P. 54).
هذا وقد نقش حول التابوت السالف الذكر من جوانبه الأربعة المتن التالي، المأخوذ من متون الأهرام (راجع Pyr. Utterance 674).
كلام يتلى يا أبيس «أوزير خنتي أمنتي». إني موجود بجوارك نفسك، وإني آتي إليك، وإني ابنك، لقد أتيت إليك، إني «حور»، (L. 1994) وإني أعطيك صولجانك مدو، أمام الأرواح، والصولجان نحبت أمام النجوم التي لا تفنى (L. 1995) لقد وجدتك مجتمعًا١١ ووجهك مثل وجه ابن آوى، ومقعدك مثل مقعد «قبحوت»، وإنها تنعش قلبك في جسمك في بيت والدها «أنوبيس». كن طاهرًا واجلس على رأس أولئك الذين هم أعظم منك. وإنك قاعد ثابت على عرشك، على عرش أول أهل الغرب (L. 1996)، وستيشوك (؟) إنهم صغار وسمنتت (اسم إلهة) تسلم عليك مثل «أزيس» و«هنتت» تهلل لك مثل «نفتيس». وإنك تقف على رأس معبد سنوت للقصر المزدوج مثل «مين»، وإنك تقف أمام المصريين مثل «حابي». وإنك تقف عند بحيرة «بروشا» مثل الإله «سكر». وإنك تقف عند بحيرة «ردور» ومعك صولجانك عبا، وسلكك وأظافرك التي على أطراف أصابعك.

والذين أمام تحوت قد ذبحوا بالسكين الآتية من «الإله ست». وإنك تعطي ساعدك للموتى، وللأرواح التي ستأخذ ساعدك إلى أول الغرب (= أوزير).

(أ) لوحة للعجل أبيس بالسربيوم من عهد «أمسيس»

يوجد بمتحف اللوفر لوحة لعجل أبيس عاش في عهد الملك «أمسيس» (راجع Piehl, Inscription I XX. H.; Chassinat, Rec. Trav. 22, 20; Br. A. R. IV §§ 1008–1012). وتحدثنا هذه اللوحة عن حياة عجل أبيس عاش، وتوفي في خلال عهد الملك أمسيس ومن ثم فإنها لا تقدم لنا معلومات جديدة عن حياة هذا الفرعون، وهاك ما جاء عليها:

السنة الثالثة والعشرون الشهر الأول من الفصل الثالث (الشهر التاسع من السنة) اليوم الخامس عشر في عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري خنم اب رع (أمسيس) معطى الحياة أبديًّا.

دفن العجل

إن الإله قد اقتيد في سلام إلى الغرب الجميل؛ لأجل أن يأخذ مكانه في الجبانة في المكان الذي عمله له جلالته الذي لم يعمل مثيله من قبل، وذلك بعد أن عمل له ما يعمل في البيت الطاهر (مكان التحنيط).

تأمل لقد كان في ذاكرة جلالته كيف فعل «حور» لوالده «أوزير»؛ ولذلك عمل تابوتًا عظيمًا من الجرانيت. تأمل لقد وجد جلالته أنه من الخير أن يعمله من حجر ثمين لم يعمل منه كل الملوك في كل زمان. وقد عمل كفنًا من كتان رستت ومحتت السري (مكانان يؤلفان جزءًا من بلده سايس المقدسة)، ووضع معه تعاويذ وكل حلي من الذهب، وكل حجر فاخر ثمين وكانت أجمل مما عمل من قبل (على يد ملوك آخرين)؛ لأن جلالته أحب أبيس الابن الحي العائش أكثر من أي ملك (آخر).

حياة أبيس

إن جلالة هذا الإله قد ذهب إلى السماء في السنة الثالثة والعشرين الشهر الثالث من الفصل الثاني (الشهر الرابع) اليوم السادس، وكان قد ولد في السنة الخامسة الشهر الأول من (الفصل الأول) اليوم السابع، وقد وضع في بيت «بتاح» في الشهر الثاني من الفصل الثالث (الشهر العاشر) اليوم الثامن عشر، ومدة الحياة الجميلة (التي عاشها) هذا الإله الكامل كانت ثماني عشرة سنة وشهرًا وستة أيام «أحمس بن نيت» معطى الحياة الرضية أبديًّا قد عملها (أي: اللوحة) له.

(٣-١٣) منف معبد الإله «بتاح»

وجد في معبد «بتاح» الكبير محراب للملك أمسيس مصنوع من حجر الكوراتسيت أو الحجر الرملي، وكذلك من الجرانيت الأحمر. غير أنه وجد مهشمًا ولم يبقَ منه إلا بعض قطع من حجر الكوراتسيت (راجع Petrie, Meydum and Memphis III, P. 39, Pl. XXXII, 4, 5, 6 & PI. XXIX 4)، وقد نقش على هذه القطع اسم الفرعون أحمس، هذا ونجد صورته بشكل واضح في اللوحة الأخيرة؛ والواقع أن صورة الملك «أحمس الثاني» نادرة جدًّا، ويحتمل أن الصورة المشار إليها هنا١٢ تعد أحسن صورة محفوظة له؛ وذلك لأنها ليست صورة تقليدية كصور الملوك الآخرين، إذ نلحظ أن شكل الجانب الأسفل للأنف، وكذلك هيئة الشفتين والذقن المدببة كل هذه المميزات تعد من التفاصيل الشخصية الخاصة بصورته، وقد اعتنى بإبرازها عند رسم صورته هذه. وهذه القطعة محفوظة الآن بمتحف أدنبره باقوسيا.
وقد عثر في غرب البحيرة المقدسة لهذا المعبد على عارضة باب عليها صورة «أمسيس»، وقد وجدت العارضة الثانية للباب في عام ١٩١٤، وهي محفوظة الآن في مدينة منفيس في مقاطعة «تنيسي» بالولايات المتحدة، وهي مصنوعة من الحجر الرملي المستخرج من الجبل الأحمر، أو من حجر الكوراتسيت. ويشاهد على هذه العارضة الملك «أمسيس» واقفًا ملتفتًا نحو اليمين، وبيده اليسرى عصا ومقمعة ويده الأخرى ممتدة نحو الأمام كأنه يخطب في الناس. وقد وجد لقبه وهو «سمن ماعت» (مثبت العدالة)، أما اسمه العلم فلم يبقَ منه إلا مقطع واحد. ومن ثم نفهم أنه هو الملك أحمس الثاني. هذا ونعرف من جهة أخرى على حسب ما ورد في هردوت (Herod. II, 176) أن أحمس الثاني هذا كان قد أقام معبدًا فسيح الأرجاء للإلهة «أزيس» إذ يقول: لقد أتى «أمسيس» في كل من أهم المعابد الشهيرة أعمالًا تستحق الإعجاب لضخامتها، ومن بينها التمثال الضخم الرابض أمام معبد «فلكان» في منفيس، وهو الذي يبلغ طوله خمسًا وسبعين قدمًا، وعلى نفس القاعدة نصب تمثالان من الحجر الأثيوبي، وكل واحد منهما يبلغ ارتفاعه عشرين قدمًا، وهما على جانبي التمثال الضخم. وكذلك يوجد في «سايس» تمثال ضخم مماثل للسابق، ورابض بنفس الهيئة التي عليها تمثال «منفيس»، وقد كان «أمسيس» كذلك الذي أقام معبد «أزيس» في «منفيس»، وهو ضخم ويستحق الذكر.
هذا وقد وجد بمعبد «بتاح» الذي نحن بصدده الجزء الأعلى من لوحة للملك «أمسيس الثاني»، مؤرخة بالسنة التاسعة والعشرين، وهذه اللوحة موجودة بالمُتْحَف المصري منذ عام ١٩٠٣، وهي مصنوعة من الحجر الرملي المائل للاصفرار، عثر عليها في «ميت رهينة»، ويبلغ طولها ٨٨ سنتيمترًا وسمكها ١٥ سنتيمترًا، ولم يبقَ من ارتفاعها إلا ٥٦ سنتيمترًا بسبب كسرها (راجع A. S. T. XXIII, P. 48)، وهذه اللوحة للملك أمسيس الثاني، غير أن الجمل التي ذكر فيها اسمه قد محيت، ويشاهد في الجزء الأعلى المستدير علامة كبيرة ترمز للسماء مرتكزة على صولجانين، وفي أسفل نجد أن اللوحة قد قسمت قسمين. ويشاهد في وسطها من اليسار صورة صغيرة للإله «سكر» برأس صقر ماشيًا، وفي يده الصولجان واس وقد نقش فوق رأسه اسمه ولقب «رب شت»، ويشاهد في أسفل اسم «الكا» (الروح) للملك أمسيس، وهو: سمن ماعث = مثبت العدالة. وبعد ذلك يشاهد لقب الفرعون مهشمًا، وهو: «خنم اب رع». والجزء الذي على يمين اللوحة مشابه للذي على اليسار عدا أن الإله الذي ظهر هنا هو الإله «بتاح» في صورته العادية؛ أي على هيئة مومية مزملة، وفي يده علامات الثبات والحياة والحكم مجتمعة. هذا ويشاهد هذا الإله واقفًا في ناووس مفتوح، وقد وصف بأنه بتاح القاطن جنوبي جداره. ويلحظ أن أسماء الملك وألقابه هي نفس التي على الجهة اليسرى والأسطر التي بقيت من هذه اللوحة، وهي الموجودة في أسفل المنظر الأعلى الذي وصفناه جاء فيها:

السنة التاسعة والعشرون في عهد جلالة حورمثبت العدالة الإلهتان (المسمى) ابن نيت الذي يدير الأرضين والمختار من الآلهة، حور الذهبي، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خنم اب رع»، وابن رع أحمس بن نيت معطى الحياة والثبات والقوة أبديًّا.

إن النيل الغزير قد أتى إلى جلالته وقد غطى ثانية الشاطئين، وقد أتى من قال لجلالته: إن السد الجنوبي الذي خلف «منف» قد كسر بالماء، والموقف حرج بالنسبة للسد الشمالي، وعندئذ قال جلالته: إني أنا الإله الكامل …

ومما يؤسف له جد الأسف أن هذا المتن قد كسر وضاع عند هذه النقطة، فلم يحدثنا عما فعله الملك وما هي الأوامر التي أصدرها لتلافي وقوع الكارثة العظمى التي كانت وشيكة الوقوع في البلاد وإحداث الخراب فيها، ثم لم نعلم بالضبط أين كان يقع السد الشمالي، الذي أشار إليه في المتن. والمعلوم أن آخر فيضانات عظيمة حدثت على حسب ما جاء على مرسى الكرنك، هي التي وقعت في عهد الملك بسمتيك الأول (راجع Legrains, Les Crues du Nil, dans A. Z. 1896, P. 118; La Famine dans I’Egypte Ancienne (J. Vandier) P. 125-126.
وعثر في منف في جهة ما على ناووس للإلهة «نيت» نقش عليه اسم أمسيس الثاني (راجع Roeder, Naos (Cat. Gen. PI. 80))، وهذا الناووس مصنوع من الجرانيت المبرقش، ويبلغ ارتفاعه حوالي ١٫٦٢ مترًا، والواقع أنه لم يعرف المكان الذي عثر عليه فيه، ومن النقوش التي عليه نعرف أنه كان في الأصل في منف وهو في حالة سليمة إلا قطعة من الجهة اليمنى من سقفه. وهو كالمعتاد قطعة واحدة من الحجر، وقد نقش على عتبه صورة السماء وتحتها قرص الشمس المجنح، وعند طرفيه نقشت كلمة «بحدتي»، ونقش على عضادتي باب الناووس المتن التالي:

حور سمن ماعت (مثبت العدالة) ملك الوجه القبلي والوجه البحري (أحمس بن نيت) محبوب نيت نزيلة حت كابتاح = (منف) معطى الحياة.

(٣-١٤) القاهرة

  • (١)
    عثر في القاهرة على قطعة حجر من معبد للملك أمسيس الثاني، ويحتمل أنها من منف وقد استعملها الأهلون أسكفة مدخل لردهة في حي بولاق، وهي من الحجر الجيري الصلب، ويبلغ طولها مترين وخمسة وسبعين سنتيمترًا، وعرضها أربعين سنتيمترًا، وقد مثل عليها رجال واقفون يقدمون علامة القربان المتدلى منها علامة الحياة باليد اليمنى، وفي اليد اليسرى إناء قربان، وقد فصل كل منهم عن الآخر بسطر من النقوش، وقد ظهر في واحد منها اسم الكا للملك أمسيس ولقبه: حور مثبت العدالة «خنوم اب رع». والجزء الأعلى من نقوش هذا الحجر قد ضاع (راجع A. S. Tom III, P. 93).
  • (٢)
    ووجدت قطعة من الجرانيت مستعملة أسكفة باب في جامع السلطان حسن، وتدل شواهد الأحوال على أنها من معبد الملك أمسيس الثاني، وقد بقي من صورته على هذا الحجر الجزء الأعلى لابسًا الكوفية الملكية، والظاهر مما تبقى من النقش أنه كان يقوم بتقديم قربان في حفل تطهير، وطغراء هذا الملك قد بقي منها ما يسمح لنا بالقول: إنه «أحمس بن نيت» معطى الحياة أبديًّا (راجع Rec. Trav. XXXV, P. 45-6).
  • (٣)
    ووجدت قطعة من الحجر عليها منظر للملك أمسيس، وناووس يتبعه روحه غير أن كلًّا من شمبوليون وروزوليني قد نقلا الطغراء الملكية، وجعلها لإبريز بدلًا من أمسيس خطأ. وهذه القطعة كانت في الأصل من منف، وقد وجدت حديثًا في القلعة (راجع Porter & Moss, Vol, IV, P. 72)، وقد كتب الأثري جوتييه عن هذه القطعة في قاموسه الجغرافي ما يأتي (راجع L. R. IV P. 122 N. 2) لقد نقل كل من شمبليون وروزوليني «واح اب رع»، وهي طغراء الملك «إبريز»، وقد راق في أعين كل المؤرخين أن يتعرفوا فيه على طغراء الملك إبريز الذي تبعته روح خلفه الملك أمسيس، وقد كان من جراء وجود هذين الملكين جنبًا لجنب على نفس الأثر، وفي منظر واحد أن نظروا إلى ذلك باهتمام بالغ (والمنظر كان عبارة عن تأسيس معبد)، وذلك أن هذين الملكين لا بد كانا قد حكما في وقت واحد مدة من الزمن، ولكن كما ذكرنا من قبل قد دحض الأثري بيل هذا القول (راجع Petrie, Hirst. III P. 351 Fig. 145).
  • (٤)
    تمثال بولهول بالقرب من الدير القبطي بجهة مصر القديمة، عثر على تمثال عظيم مصنوع من الحجر الرملي المائل للاحمرار من عهد الملك أمسيس، وطول هذا التمثال نحو ٣٫٥ أمتار، ويبلغ ارتفاعه حوالي متر وقد ضاع رأسه، وقد نقش حول القاعدة متن مهشم يدل ما بقي منه على أنه يحتوي على الألقاب الفرعونية، التي كان يحملها هذا الملك كما جاء فيه أنه محبوب الآلهة أحمس بن نيت معطى الحياة والثبات والقوة، كلها مثل رع أبديًّا (راجع Rec. Trav. XI, P. 98).
  • (٥)
    درع من البرنز عليها اسم الملك أمسيس الثاني محفوظة بالمُتْحَف المصري (راجع Maspero, Guide of the Cairo Museum in English P. 267).

(٣-١٥) العرابة

(أ) معبد خنتي أمنتي بالعرابة

ومن أهم الأعمال التي أنجزها أحمس الثاني، هي الإصلاحات التي عملها في المعبد الذي أقامه ملوك الأسرة الثامنة عشرة في هذه الجهة. وتدل شواهد الأحوال على أنه أخذ ما بقي من هذا المعبد، ووضعه على أساس معبده الجديد، وقد أظهرت ذلك الحفائر التي قام بها «بتري» في هذه الجهة، فقد وجدت أحجار عدة في الأساس من عهد تحتمس الثالث وغيره من ملوك الأسرة الثامنة عشرة، يضاف إلى ذلك أنه عثر على بقايا ناووس من الجرانيت الأحمر غاية في دقة الصنع عليه اسم الفرعون أحمس الثاني.١٣ (راجع Petrie, Abydos I, PI, LXIII-LXX)، وأهم ما يلفت النظر هنا أن الاهتمام في هذا العصر المتأخر بصنع النواويس الضخمة بدا واضحًا؛ وذلك لتقوم مقام قدس الأقداس برمته، ولتكون حماية قوية لتماثيل الآلهة توضع فيها، وسنتحدث عن الإصلاحات التي قام بها أحمس الثاني في معبد العرابة الكبير عند الكلام على أعمال أحد عظماء رجاله وهو بف-نف-دي-نيت، وهو الذي قام بتنفيذ إصلاح هذا المعبد.

ومن الآثار التي وجدت في هذا المعبد مائدة قربان من الجرانيت الأحمر، أهداها أحمس الثاني للإله أوزير حنتي أمنتي رب العرابة.

ويلفت النظر النقوش التي جاءت حول حافة هذه المائة فقد جاء في صيغتين موحدتين:

يعيش «حور» مثبت العدالة، السيدتان (المسمى) ابن نيت منظم الأرضين حور الذهبي (المسمى) المختار من الآلهة، ملك الوجه القبلي والوجه البحري (المسمى) خنم اب رع، ابن رع المسمى (أحمس نيت) محبوب أوزير خنتي أمنتي الإله العظيم رب «العرابة المدفونة» معطى الحياة مثل رع أبديًّا.

وقد قسمت رقعة المائدة قسمين الجزء الأعلى مثلت عليه القرابين المختلفة، والجزء الأسفل هو الحوض (راجع Petrie, Ibid. PI. LXIX)، وبهذه المناسبة وجدت لهذا الفرعون مائدتا قربان أخريان محفوظتان بالمُتْحَف المصري (راجع Cat. Gen. du Musée du Caire Tables d’Offrandes. Par Ahmed Bey Kamal, P. 88, PI. XXIII, & P. 91 & PI. XXV).
  • (١)
    المائدة الأولى من الجرانيت الرمادي، وطولها ٥٢ سنتيمترًا وعرضها ٦٢ سنتيمترًا، وهي على هيئة الرمز الدال على مائدة بالمصرية القديمة. وقد نقش على إطارها السفلي الصيغة التالية: الإله الكامل رب الأرضين خنم-اب-رع (أحمس الثاني) محبوب آتوم يقدم كل قربان لأجل أن يعطى الحياة والثبات والقوة مثل رع أبديًّا، ورقعة المائدة مزينة بعلامة التي نشاهد عليها من كلا جانبيها مجموعة من القربات تحوي أنواعًا مختلفة من المشروبات والمأكولات. واللوحات محفوظة حفظًا جيدًا ومعتنى بحفرها، غير أن النقوش الهيروغليفية قد نقشت معكوسة (راجع Journal d’entrée du Musée No. 40608).
  • (٢)
    والمائدة الأخرى قد وجد جزء منها فقط، وهي من الحجر الرملي الصلب وطولها ٦٧ سنتيمترًا، وعرضها حوالي ٦٠ سنتيمترًا. ويشاهد في أسفلها من الجزء المكسور بقية علامة حتب، والظاهر أنه كان قد رسم عليها إناءان ورغيفان مستديران، وقد نقش على جانبها الطويل من وجهها العلوي متن لم يتبقَ منه إلا ما يأتي. ملك الوجه القبلي والوجه البحري خنم اب رع عمله (أي: هذا الأثر) بمثابة أثره لوالده حابي (النيل) والد الآلهة لأجل أن يعمل له … هذا ونجد على جسمه علامة، وبقية متن وهو: يعيش حور مثبت العدالة الإله الكامل خنم اب رع (محبوب) حابي والد الآلهة (راجع Journal d’entrée du Musée No. 4051).
    وأخيرًا قد وجد في ودائع الأساس نصف قرص نقش عليه «خنم اب رع» = (أحمس الثاني) (Ibid, PI. LXX No. 7).

(٣-١٦) وادي حمامات

وعثر لهذا الملك على نقش في وادي حمامات مؤرخ السنة الرابعة والأربعين من حكمه، وهذا أعلى تاريخ له وسنتحدث عن هذا النقش عند الكلام على الحكم الفارسي في مصر.

(٣-١٧) قفط

كشف الأثري «بتري» عن مقصورة في معبد «قفط» أقامها الملك «أحمس الثاني» على شرف الإله أوزير، وتقع في حرم المعبد في الجهة الجنوبية من البوابة الثالثة بمحاذاة الجدار الجنوبي، غير أنه لم يبقَ منها إلا المجدال الأسفل، وقد رسمت عليه سيقان بردي، ولكن وجد في المقصورة لوح من الحجر عليه صورة الإله «أوزير»، والظاهر أن هذا اللوح كان قد أعيد وضع طبقة من الملاط عليه، ثم رسم وذلك بعد حفره بمدة طويلة ومن ثم يحتمل جدًّا أنه كان خاصًّا بقصورة ثانية للإله أوزير، ولم يكن مكان عبادة لملك بعينه (راجع Petrie, Koptos, P. 17).

(٣-١٨) الدير الأبيض القريب من سوهاج

وجدت في هذا الدير قطع كثيرة جدًّا من الأحجار التي يرجع عهدها إلى عصر الفراعنة، والظاهر أنه كان في موقع شاو أونشو القديم (راجع Porter & Moss, V P. 31; Dic. Géographique Tom. III P. 104)، ومن أهم القطع الأثرية التي تنسب إلى عهد الفرعون أحمس الثاني قطع من الجرانيت، مثبتة في الجدران نقش عليها اسم أحمس الثاني، وفي مقصورة خربة من هذا الدير وجدت قطعة ضخمة من الجرانيت الوردي على أحد وجهيها جزء من منظر جميل يحوطه إطار يشتمل على سطرين عموديين من النقوش جاء في الأول: كلام يرتل: يأتي إلى ابن رع محبوب الآلهة أحمس بن نيت … وفي السطر الثاني: كلام يرتل يأتي إلى ملك الوجه القبلي والوجه البحري سيد الشعائر خنم اب رع … (راجع Rec. Trav. XXXVI, P. 97-8).

(٣-١٩) المنشأة الواقعة بين أسيوط والعرابة

عثر على الجزء الأسفل من مسلة مصنوعة من الجرانيت عليها اسم الفرعون أحمس الثاني (راجع Kuentz, Oblisques, PI. XV P. P. 59-60).

(٣-٢٠) وفي العرابة المدفونة

عثر على أجزاء لوحة للملك أحمس الثاني، كشف عنها الأثري «أملينو» (راجع Amelineau, Nouvelles Fouilles, P. 165).

(٣-٢١) الكرنك

في معبد الكرنك الصغير، منظر مثل فيه الملك أحمس الثاني يقدم قربانًا من الخمر (؟) للإلهين آمون وزوجه موت، في حين نشاهد في الصورة التي على اليمين من نفس المنظر المتعبدة الإلهية «عنخنس نفر اب رع» ابنة بسمتيك الثاني تقدم صناجتين للإلهين آمون وابنه خنسو، وقد جاء على المنظر:
ملك الوجه القبلي والوجه البحري (خنم-اب-رع) بن رع (أحمس سانيت) معطى الحياة أبديًّا مثل رع وقرينه (أو الروح) حور سمنت ماعت (مثبت العدالة) (راجع Champ., Mon. IV PI. CCCIII No. 4, L. D III, 274, Gauth., L. R. IV, P. 121).
هذا ويوجد منظر آخر في معبد الكرنك الصغير (H) جاء فيه:
الإله الكامل أحمس بن نيت وخلف الملك نقش: الروح الحية رب الأرضين حور (مثبت العدالة)، ابن رع رب الأرضين (أحمس سانيت) معطى الحياة (راجع L. D. III, 274 No. 2; L. R. IV, P. 21).

(٣-٢٢) تل إدفو

عثر على ثلاثة نماذج وهي أمسيس يقدم قربانًا، وأمسيس على عرشه وحور سماتوى قاعدًا بين صلين مجنحين (راجع Alliot, Tell Edfu; P. 26).

(٣-٢٣) معبد أزيس في الفيلة

وجدت طغراءات باسم الملك «أمسيس الثاني» على قطع من الحجر بنيت في أعمدة القاعة الصغيرة، التي تأتي بعد الردهة العظيمة للمعبد (راجع A. Z. XXIII, P. 13).

(٣-٢٤) أسوان

  • (١)
    وجد على الصخور القريبة من النهر الاسم الحوري للملك أمسيس الثاني … حور سمن ماعت (مثبت العدالة) ملك الوجه القبلي والوجه البحري (خنم اب رع) ابن «رع» «أحمس سانيت»، محبوب الآلهة عنقت (وهي معبودة الفنتين) (راجع L. D. Texte IV, P. 124).
  • (٢)
    وكذلك وجد على الصخور التي بين أسوان والفيلة طغراءات هذا الملك، وقد جاء فيها حور مثبت العدالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خنم اب رع» بن «رع» أحمس سانيت محبوب (ثالوث أسوان) خنمو وساتت وعنقت (راجع Morgan, Mon. et Inscr. Tom. I, P. 84).
  • (٣)

    وفي جزيرة بجة وجد نقش على الصخر جاء فيه حور مثبت الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري خنم اب رع بن الشمس أحمس سانيت محبوب خنم رب سنموت (= جزيرة بجة).

(٤) آثار الملك أحمس الثاني في خارج مصر

  • (١)
    تونس: توجد آنية من القاشاني في تونس في متحف آلاوي دي باردو (راجع Merlin and Drappier, La Necropole Punique d’ard el Kheraib à Carthage P. 43 (42); Porter & Moss, VII, P. 367).
  • (٢)
    سوريا: يوجد الآن في متحف «بيروت» الأهلي اللبناني آنية من البرنز، عليها اسم الملك أمسيس الثاني، وقد عثر عليها في مقبرة تقع في الجنوب الشرقي من مدينة سعيدة (راجع Dunand, note sur quelques objets provenant de Saida in Syria VII PI. XXXII, (1) cf P. 123).
    وكذلك عثر على قطعة من مقبض صناجة عليها اسم الملك أحمس الثاني في نفس المكان (راجع Ibid. P. 124).
  • (٣)
    بلاد الإغريق: كشف عن أسدين من القاشاني باسم أحمس الثاني في نفس المكان في مقبرة بجبانة ديبيلون Dipylon، وهما الآن في المُتْحَف الأهلي بأثينا (راجع: P. & M. VII, P. 402; Athens National Mus. 780-1; Pendlebury Aegyptiaca P. 78 (159-8); Bulletin de Correspondance Hellenique XVII (1893) P. 189).
  • (٤)
    قبرص: آنية من الخزف المطلي يحتمل أنها للملك أمسيس (أو إبريز) عثر عليها في مريون Marion، وهي الآن في متحف نيقوسيا بقبرص (راجع: Porter & Moss, VII, P. 204).

(٥) تماثيل أحمس الثاني

  • (١)
    يوجد جذع تمثال للملك أحمس الثاني في «فلا الباني» بإيطاليا (راجع Rosselini, Mon. IV P. 204).
  • (٢)
    تمثال صغير للملك أحمس الثاني في مجموعة سابتييه، وقد مثل الملك قاعدًا يلبس على رأسه التاج المزدوج، وبيده علامة الحياة وهو مصنوع من الحجر الجيري، ويبلغ ارتفاعه ٢٣ سنتيمترًا وقد كتب على ظهره النقش التالي: الإله الكامل ورب الشعائر ملك الوجه القبلي والوجه البحري (خنم اب رع) بن رع أحمس سانيت العائش، مثل رع عاش أبديًّا (راجع Rec. Trav. XIV, P. 55).
  • (٣)
    تمثال مجيب للملك أمسيس من الفخار المطلي باللون الأزرق المائل للخضرة موجود بمتحف كستنر في «لاهي» (راجع Kestner-Museum, V, C. 25). وقد نقش عليه صيغة الفصل السادس من كتاب الموتى الخاص بعمل مثل هذه التماثيل، بدلًا من المتوفى في عالم الآخرة (راجع Rec. Trav. XVII, P. 14)، وتوجد تماثيل مجيبة أخرى لهذا الملك بمتحف برلين (راجع Ausfuhrliches Verzeichniss 1899, No. 7483, P. 277).
هذا ويجد القارئ قائمة بتماثيل أحمس الثاني في تاريخ مصر للأثري فيدمان (راجع Gesch. Aegypt, P. 193-194; & Aegypt. Gesch, P. 656).

(٦) جعارين وأختام أحمس

توجد جعارين وألواح عدة مختلفة في متاحف العالم، وبخاصة في متحف القاهرة والمُتْحَف البريطاني ومجموعة فريزر Frazer (راجع: Mariette, Monuments Divers Pl. 32 = Newberry, Scarabs P. 188 & Pl. XXXVIII No. 18; A Catalogue of Scarabs belonging to G. Frazer P. 46 No. 376 & Pl. XIII etc.; cf Petrie, Historical Scarabs No. 1993: & Hall, Catalogue of Egyptian Scarabs etc. in the British Museum I, P. 292 No. 2790-1).
وهاك بعض هذه الألواح والجعارين التي تنسب إليه:
  • (١)
    لوحة من الخزف المطلي محفوظة بالمُتْحَف البريطاني (No. 4119) جاء عليها الإله الكامل «خنم-اب-رع».
  • (٢)

    جعران بالمُتْحَف البريطاني جاء عليه «خنم نفرت اب (؟)».

  • (٣)
    لوحة على هيئة طغراء من الخزف المطلي بالمُتْحَف البريطاني، جاء عليها خنم-اب-رع و«أحمس سانيت» (راجع: Petrie, Historical Scarabs No. 1994; & Hall Cat of Egypt, Scarabs I, P. 295, No. 2811).
ويوجد كذلك خاتم من الطين وجد في «نقراش» (راجع Petrie Naukratis I, PI. XX, No. 5).
وعثر في «نبيشة» على جعرانين أحدهما في المُتْحَف البريطاني، والآخر في متحف تورين (راجع Petrie, Historical Scarabs No. 1991 & 1996).

وقد جاء على كل منهما أحمس سانيت رب الأرضين.

هذا ونجد طغراء الملك أحمس على كثير من حلي الأبواب المصنوعة من البرنز (راجع Brugsch, Rec. de Mon. I, PI X No. 8).

وهذه محفوظة في متاحف برلين وتورين ومصر.

وخلافًا لذلك توجد تعاويذ من الفخار المطلي باللون الأزرق في المُتْحَف المصري، جاء عليها: «خنم-اب-رع» معطى الحياة مثل «رع» أبديًّا «أحمس سانيت» (راجع Reisner, Cat. Gen. Amulets, No. 12193, 12104, P. 117, & PI. IX.).
وفي مجموعة «فلندرز بتري» توجد تعويذة منات نقش عليها ما يأتي: الإله الكامل واح اب رع بن رع أحمس سانيت عاش مخلدًا (راجع Petrie, Hist. III, P. 356 Fig. 147).

وهذه التعويذة خاصة بالإلهة حتحور وشعائرها.

هذا ويوجد عدد لا يستهان به من الموازين منتشرة في المجاميع المختلفة للعالم، نقش عليها لقب «أحمس الأول» واسمه (راجع: Wiedemann, Gesch. Aegypt. P. 193; & Aegypt. Gesch P. 657; Guide British Museum (1909) P. 260).

وهكذا نشاهد أن آثار أحمس الثاني كانت منتشرة في داخل البلاد وخارجها بصورة بارزة.

(٧) الوثائق الديموطيقية والحياة الاجتماعية في عهد أحمس الثاني١٤

إن ما لدينا من أوراق بردية كتبت بالخط الديموطيقي من عهد الملك أمسيس الثاني، تدل بلا نزاع على أن عصره كان عصر رخاء كما ذكر لنا هردوت ذلك في كتابه الثاني (راجع Herod. II, 117). والواقع أنه لدينا ما يقرب من أربعين بردية كلها من عهده، بعضها قد نشر والبعض الآخر لم ينشر بعد بصورة مرضية، وهذه الأوراق لحسن الحظ جاءت تواريخها موزعة من أول السنة الثانية من حكمه، حتى السنة الثامنة والثلاثين، وبذلك لا يوجد لدينا في السنين الست الأخيرة من حكمه حتى الآن أية بردية. وهذه البرديات كلها خاصة بالحياة الاجتماعية والمعاملات بين طبقات الشعب، مما يكشف لنا فعلًا عن كثير من نواحي حياة أفراد الشعب والمعاملات التي كانت قائمة بينهم، وسنورد هنا ترجمة بعض هذه الأوراق، وملخص البعض الآخر ويلحظ أن برديتين من التي نشرت قد دونت بالخط الهيراطيقي غير العادي، وهذا النوع من الكتابة يظهر أنه قد اختفى حتى من طيبة منذ حوالي منتصف حكم هذا الفرعون، وهاتان البرديتان هما:

(٧-١) عقد إبراء ذمة بين فردين (راجع: Louvre E. 7861 Not. P. 322; Facsimile in Corpus Louvre Pl. XVIII No. 17)

السنة الثالثة شهر طوبة (؟) ١٩ … إن وسررتايس Userertais قد أبرأ ذمة «زخي» Zekhe ابن تسمونت Tesmont من دين قدره سبعة دبنات ذهبًا (؟) كان قد استدانها من أجل سلع، والأخير قد أقسم يمينًا أمام «خنسموسنفر حتب» اليمين … (آخر البردية ممزق).

وهذه الوثيقة غامضة في بعض نواحيها. ويقول الأثري «رفييو»: إن إمضاءات أربعة شهود يمكن رؤيتها على ظهر البردية. ومن المحتمل أن هذا هو المثال الوحيد بين البرديات التي كتبت بالخط الهيراطيقي غير العادي، جاءت فيه الشهادات مكتوبة على ظهر البردية.

(٧-٢) عقد زواج (راجع Louvre E. 7846. Not. 332; Facsimile in Corpus Louvre PI. XX No. 19)

السنة الثانية والعشرون ٥ أبيب. أن السقا «يتورو» Ieturou ابن بتيس يدخل بيت السقا «زحو» بن أمنرتايس Amnertais؛ ليعلن الزواج من ابنته تشنخنوم (؟) Tschenkhnum المهر له شروط في حالة الطلاق — اليمين؛ وهذا العقد كان قد عمل ليحل محل عقد أتلف في السنة الخامسة عشرة. كاتب وثلاثة شهود.

(٧-٣) العقود التي كتبت بالخط الديموطيقي العادي

في سلسلة العقود التي كتبت بهذا الخط تشاهد عادة الشهود يضعون إمضاءاتهم في عمود على ظهر الوثيقة، هذا ويلحظ أن يوم الشهر الذي كتبت فيه الوثيقة لا يذكر، كما أننا لا نجد ذكر قسم قط، وأوضح أمثلة من هذا النوع من الوثائق أتى إلينا من الحيبة. ومعظم هذه الوثائق عن العبودية.

(أ) وثيقة بالاعتراف بالعبودية (الورقة الثالثة)

(١) السنة الثانية شهر … للفرعون له الحياة والفلاح والصحة (أحمس) له الحياة والفلاح والصحة أن ﺑ ابن حريوباستي Heriubasti وأمه هي كاوسنسي Kausensi قد أعلن لمهدي قلب الوالد (الكاهن والد الإله)، والكاهن الأول (٢) كاتب الكتاب المقدس (المسمى) (زوبستفعنخ) Zeubestef’onkh بن حور: إني عبدك (خادمك) إلى الأبد، ولن يكون في استطاعتي بعد أن أعمل بوصفي نمح (مواطن حر) بالنسبة لك، وبالنسبة لأي فضة أو غلة (ربما يقصد هنا أن كل ما يملك هو ملك سيده) وبالنسبة لأي نوع من الملكية في الأرض. وكذلك أولادي الذين ولدوا والذين سيولدون لنا١٥ (أي: هو وأولاده) وكذلك كل ما هو ملكنا، وكل الأشياء التي سنكسبها والملابس التي على ظهورنا.

ولن يكون في استطاعة أي رجل أن يفرض سلطانه علينا في الأرض غيرك من السنة الثانية الشهر الخامس (٥) من … وما بعد إلى أية سنة أبديًّا.

كتبه مهدئ قلب الوالد. وسيأمون Uesiamon بن بشنوباستي Pshenubasti. وقد كتب على ظهر الوثيقة أسماء خمسة عشر شاهدًا، وقد مزقت ولا يكاد الإنسان يستخلص منها شيئًا، غير أنه في السطر الأخير يمكن قراءة اسم ينحارو بن …

(ب) نزول عن عقد (الورقة الرابعة)

(١) (السنة الثانية (؟) … للفرعون له الحياة والفلاح والصحة «أحمس»، له الحياة والفلاح والصحة) أعلن مهدئ قلب الوالد، والكاهن الأول، وكاتب الكتاب المقدس «زوبستفعنخ» بن «حور» إلى مهدئ قلب (الوالد) (٣) أسمتو بن بتيسي (؟).

لقد نزلت (؟) لك عن بردية العبودية، وهي التي عملها لي (٣) بفتوعوخنس Peftu’ukhons (في السنة الثانية (؟)).
إنه عبدك (؟) ولن يكون في استطاعتي أن أفرض سلطانًا عليه (؟) ولن أستطيع أن آتي (البردية قديمة)١٦ أو بردية (٤) (جديدة) قائلًا: إنه ليس عبدك (؟) وإنه سيعطيك عشرين إردبًّا (؟) من القمح (؟) وأنا (هكذا ورد في الأصل) لا زلت ملكك بمثابة عبد إلى الأبد.

كتبه مهدئ قلب الوالد «حور» بن زوبستفعنخ لنفسه.

(٧) كتبه مهدئ قلب الوالد الكاهن الأول، وكاتب الكتاب المقدس زوبستفعنخ بن حور لنفسه.

وكتب في عمود واحد على ظهر الورقة أسماء الشهود:
  • (١)

    اسحارثوت بن بشنبتاح.

  • (٢)

    ينحارو بن بمي.

  • (٣)

    بفتوعو آمون بن حاروز.

  • (٤)

    احتفناختي بن حور.

  • (٥)

    وسرناخت بن بشنوباستي.

  • (٦)

    امرتايس بن حور.

  • (٧)

    امرتايس بن بسنكي.

  • (٨)

    زويستفعنخ بن حور.

  • (٩)

    أحو (؟) بن بسنكي.

  • (١٠)

    أحتفناختي بن.

  • (١١)

    زحو بن ينحارو.

  • (١٢)

    ين … رو بن أنتفنختي.

  • (١٣)

    ز … افعنخ بن … حور.

  • (١٤)

    حور بن زوبستفعنخ.

  • (١٥)

    زوبستفعنخ بن حار … (؟).

ويفهم من هذا العقد أنه كتب في السنة الثانية من حكم الملك أحمس الثاني، ويتضمن أن الكاهن الأكبر «زوبستفنخ بن» قد نزل عن وثيقة عبودية أعطيها من فرد يدعى بفتوعوخنس بن حريوباستي إلى أسمتو بن بتيسي، وقد ذيل بإمضاء الكاتب وهو وارث الكاهن الأكبر، وقد دون على ظهر الورقة خمسة عشر شاهدًا.

(ﺟ) اعتراف بالعبودية: عقد عبودية (البردية الخامسة)

النص:

(١) السنة الثانية شهر بئونة (هذا الشهر يبتدئ في ٩ أكتوبر سنة ٥٦٨ق.م) من عهد الفرعون له الحياة والفلاح والصحة أحمس له الحياة والفلاح والصحة.

لقد اعترف المزارع «بفتوعوخنس» بن «حريوباستي»، وأمه هي «كاوسنسي» لمهدئ قلب الوالد «أسمتو» (٢) بن بتيسي: إني عبدك إلى الأبد بسبب هذا (؟) الطبيب، ويورد (؟) ما عملت (؟) من أجلي في السنة الثانية عندما كنت مشرفًا على الموت.

ولن يكون في استطاعتي قط أن أعمل بوصفي مواطنًا (رجلًا حرًّا) بالنسبة لك، وإلى أي من فضتك أو غلتك وإلى أي نوع من عقار أرض، وكذلك مع أولادي الذين ولدوا والذين سيولدون لي و(٤) كل ما أملك، وكذلك هذه الأشياء التي سأكسبها والملابس التي على ظهري، وذلك من السنة الثانية من شهر بئونة، وما بعده إلى أية سنة (٥) إلى الأبد.

والرجل الذي سيأتي إليك بخصوصنا قائلًا: إنه ليس عبدك بما في ذلك أي إنسان في البلاد، فإنه سيعطيك أية فضة (٦) وأية غلة سترضي قلبك، فإني لا أزال ملكك بمثابة عبد إلى الأبد.

كتبه مهدئ قلب الولد (المسمى) سوفخنس (؟) بن «ينحارو».

وكتب على ظهر الورقة في عمود واحد أسماء الشهود وهي:
  • (١)

    حور بن زوبستفعنخ.

  • (٢)

    أحو (؟) بن … بمو (؟).

  • (٣)

    أحو (١) بن بسنكي.

  • (٤)

    زحو بن بسنكي.

  • (٥)

    وسيبتاح بن بشنوباست.

  • (٦)

    بمو بن ينحارو.

  • (٧)

    زوبستفعنخ بن حاروز.

  • (٨)

    ينحارو بن بمو.

  • (٩)

    ينحارو بن زوبستفعنخ.

  • (١٠)

    يورو بن منتومحات.

  • (١١)

    ششنكعنخ (؟) بن بكيون.

  • (١٢)

    منتومحات بن ينحارو.

  • (١٣)

    ينحارو بن بشنبتاح.

  • (١٤)

    اهرتياس بن حور.

  • (١٥)

    بدي آمون (؟) بن زوبستفعنخ.

  • (١٦)

    أحو (؟) بن حاروز.

  • (١٧)

    حور بن زوبستفعنخ.

  • (١٨)

    حور بن زحو.

  • (١٩)

    عنخ بفحراي بن زحو.

  • (٢٠)

    زحو بن حور.

  • (٢١)

    زوبستفعنخ بن حور.

ومن هذه الوثيقة نفهم أنه في السنة الثانية من حكم أحمس الثاني في شهر بئونة قد اعترف بفتوعوغنس بالعبودية لأسمتو، وذلك في مقابل أشياء وردت له (؟) وغير ذلك، وكان قد أعطيها وهو على حافة الموت.

(د) عقد عبودية (الورقة رقم ٦)

يلحظ هنا أن متن هذه الورقة يحتوي أولًا على عقد البيع، ثم يأتي بعده إمضاء وخمس نسخ بأسماء شهود مختلفين وهاك المتن:

(١) السنة الثالثة شهر توت (هذه السنة ابتدأت في ١٢ يناير سنة ٥٦٧ق.م) من عهد الفرعون له الحياة والفلاح والصحة أحمس له الحياة والفلاح والصحة.

لقد اعترف «بفتوعوخنس» بن حريو باستي التي أمه تدعى «كاوسنسي» إلى مهدئ قلب الوالد «أسمتو» بن بتيسي، والتي أمه هي تشنترنع Tshenterna’ (٢) لقد جعلت قلبي يتفق على فضتي (وهي الثمن) الذي أعمل به بوصفي عبدًا لك.

وإني عبدك إلى الأبد ولن يكون في استطاعتي أن أعمل بوصفي مواطنًا (حرًّا) بالنسبة إلي ولأية فضة ولأية غلة، ولأي نوع من عقار أرض، وكذلك معي أولادي الذين ولدوا والذين سيولدون لنا، وكذلك الملابس التي على ظهري، وكل ما نملك وتلك الأشياء التي سنكسبها ثانية من السنة الثالثة (٤) شهر توت وما بعده إلى أية سنة إلى الأبد. كتبه مهدئ قلب الوالد احتفنختي بن «ينحارو».

يأتي بعد ذلك على ما يظهر مجرد إمضاء الكاهن الأول «زوبستفعنخ» بن «حور»، ثم خمس نسخ شهود. وصورة هذه النسخ هي بالضبط نفس الصورة التي جاءت في الورقتين ١ و٢ اللتين مر ذكرهما، عدا أن اسم الملك وألقابه قد حذفت في حين أن ذكر الشهر قد بقي.

شهد على ذلك فلان بن فلان وهو شاهد في السنة الثالثة شهر توت على الاعتراف الذي عمله بفتوخنس … إلخ. لقد جعلت قلبي يتق على … إلخ من السنة الثالثة شهر توت، وما بعد إلى أية سنة إلى الأبد. كتبه كما سبق (؟).

وأسماء الشهود في هذه النسخ هي:
  • (١)

    مهدئ قلب الوالد بمو بن حور.

  • (٢)

    مهدئ قلب الوالد حور بن زحو.

  • (٣)

    مهدئ قلب الوالد الكاهن الأول كاتب الإضمامات المقدسة حور بن زوبستفعنخ.

  • (٤)

    مهدئ قلب الوالد حور بن بكررنف (بوكاريس).

  • (٥)

    فاتح محراب آمون توزوي تفنخت بن …

هذا ونجد أن القائمة الكاملة للشهود قد كتبت على عمود واحد على ظهر البردية، وعددهم تسعة عشر شاهدًا.

ويلاحظ أن هذا البيع الرسمي للعبودية للمالك الجديد قد تم على ذلك في بداية السنة بعد أن حدث النزول.

(ﻫ) تجديد اعتراف بالعبودية (الورقة رقم ٧) (John Ryland VII)

السنة الثامنة شهر كيهك (ابتدأ هذا الشهر في ١١ أبريل سنة ٥٦٢ق.م) من عهد الفرعون له الحياة والفلاح والصحة «أحمس» له الحياة والفلاح والصحة.

اعترف العبد «بفتوعوخنس» بن «حريوباستي»، وأمه هي «كاوسنسى»، لمهدئ قلب الوالد (٢) «أسمتو» بن بتيسي، وأمه هي «تشنترنع» لقد كنت معك (؟) بعد السنة الثامنة الخامس من توت حتى السنة التاسعة اليوم الخامس من شهر توت، ملابسي (؟) حنطة ١٠٠ … غلة (؟) (٣) توزوي (؟) وشعير (؟) … ١٥٠، وإني ملكك إلى الأبد ولن يكون في استطاعتي ثانية أن أعمل بوصفي مزارعًا (؟) لك من أجل أية فضة، وأية غلة وأي نوع من عقار أرض، وكذلك أولادي الذين ولدوا وأولئك الذين سيولدون لنا، والملابس التي على ظهورنا من السنة الثامنة شهر توت (٥) وما بعده إلى أية سنة وإني ملكك حتى الأبد.

كتبه مهدئ قلب الوالد «بمو» بن «أحو» (؟).

وكتب على ظهر البردية في عمود واحد أسماء الشهود:
  • (١)

    «بمو» بن «حور».

  • (٢)

    زوبستفعنخ بن «حاروز».

  • (٣)

    احتفنخت بن «ينحارو».

  • (٤)

    ينحارو بن منتموسي (؟).

  • (٥)

    زحو بن اشارتوت (؟).

  • (٦)

    حور بن «احو» (؟).

  • (٧)

    امرتايس بن حور.

  • (٨)

    حور بن بكررينف.

  • (٩)

    امرتايس بن حور.

  • (١٠)

    احتفنخي بن حور.

  • (١١)

    ينحارو بن بشنبتاح.

ومما يلفت النظر في هذه الوثائق الخاصة بالعبودية أن الوثيقة رقم ٤، وهي الخاصة بالنزول عن عقد بهذه الكيفية يعد نسيج وحده. وذلك أنه عندما نجد أرضًا قد بيعت أو منحت، فإن كل ما يتبعها من حقوق خاصة تنقل إليها في الوقت نفسه في نفس العملية، كما شاهدنا ذلك في الوثائق التي ذكرناها من قبل في عهد الملك بسمتيك الأول، وكما سنرى في عهد أحمس الثاني، غير أن الوثيقة الحالية التي نحن بصددها تعد المثال الوحيد عن نقل عقد بجزء منفصل (عن العملية كلها)، وهذا الأمر على ما يظهر يوضح لنا أنه لا بد من اتخاذ احتياطات خاصة عند النزول عن عقود عبودية.

وكذلك في العقد رقم ٦ السالف الذكر، وهو الخاص ببيع رجل نفسه للعبودية لدينا نظير له في تاريخ مبكر عنه بعض الشيء، وقد ذكرناه فيما سبق في عهد الملك بسمتيك الثاني وهو لامرأة. وعلى أية حال فإن الوثيقة التي نتحدث عنها هي أحدث وثيقة في متناولنا عن هذا العبد، والآن يتساءل المرء هل كانت مدة خمس السنوات في خدمة السيد كافية لأن يكون بعدها العبد حرًّا طليقًا، فلا تكون العبودية بذلك مطلقة؟

تعليق على عقود العبودية

إذا نظرنا بعين فاحصة وجدنا أن العقود الخمسة السالفة الذكر هنا كانت خاصة بالعبودية، وتعتبر كلها — بغض النظر عن واحد منها — خاصة بعبد واحد بعينه. وتواريخ آخر ثلاثة منها تامة وهي السنة الثانية شهر بئونة، والسنة الثالثة شهر توت، والسنة الثامنة شهر كيهك. وفي أقدم هذه العقود نجد أن «بفتوعوخنس» يعترف بنفسه بأنه عبد لأسمتو إلى الأبد، وذلك في مقابل أشياء مادية تسلمها منه، وفي شهر توت (أي: في بداية السنة التالية) نجده يقوم بعمل عقد أكثر رسمية؛ وفي السنة الثامنة يجدد العقد بعبوديته، وهذا التجديد قد يحتمل أنه كان ضروريًّا على حسب القانون بعد مضي كذا من السنين. ومما يؤسف له جد الأسف أن العقدين الثاني والثالث هما مجرد قطع صغيرة من أصليهما، ولكن هناك خيط علاقة يربط بينهما وبين العقود الأخرى يمكن التعرف عليه. فعن تاريخ العقد الثاني يمكن القول: إنه كان في السنة الثانية، وفي الشهر الثاني من فصل ما، ومن الجائز أن يكون شهر بابة أو أمشير أو بئونة ثانية، وبمقتضاه نفهم أن أخا «بفتوعوخنس» هذا إذا لم يكن بفتوعوخنس نفسه يعترف أنه هو عبد رئيس الكهنة «زوبستفعنخ» بن «حور». وفي العقد الرابع لا نجد أثرًا لذكر تاريخ؛ ولكن نجد أن «زوبستفعنخ» ابن حور ينزل لفرد فقد اسمه في البردية عن استعباده ﻟ بفتوعوخنس، ولما كانت الأوراق الباقية خاصة بأسمتو الذي يظهر فيها بأنه هو صاحب العبد، فإنه يمكن أن نؤكد أن هذه البردية كانت كذلك له، وفضلًا عن ذلك يمكن أن نخمن أن الورقة رقم ٣ كانت الورقة التي أشير لها، ولو أن اسم العبد كان مختلفًا بعض الشيء في هذه الوثيقة. والواقع أن تنوع الاسم لنفس الفرد كان كثير الحدوث في الوثائق القانونية، وعلى ذلك قد يجوز أن «أسمتو» قد استولى على عبد كان من جهة قد باع نفسه له (أي: لأسمتو) وذلك بسبب سلفية عملها عندما كان على حافة الموت، ومن جهة أخرى قد نزل عنه له (أي: لأسمتو) بوساطة الكاهن الأكبر. على أن تاريخ العملية الأخيرة كذلك يظهر أنه ينم عن تحديد دقيق جدًّا فلا بد أن يكون تاريخ العملية قد جاء بعد الوثيقة رقم ٣ في السنة الثانية، ولكن قبل شهر توت من السنة الثالثة، وذلك عندما كان حور بن زوبستفعنخ يشغل وظيفه والده بوصفه كاهنًا أكبر، وعلى ذلك فإن «أسمتو» قد استولى على عبده في السنة الثانية من عهد أحمس الثاني، وعلى ذلك لا نكاد نكون قد أخطأنا في ربط هذا الحادث بالحرب الداخلية التي وقعت بين «إبريز» وأحمس الثاني، وهي التي قاربت وقتئذ على نهايتها، إذ لا بد أن حالة الاضطراب التي سادت البلاد في تلك الفترة قد جرت على كثير من أفراد البلاد الخراب والدمار، كما أدت إلى ذبح وجرح، وأسر عدد كبير من الوطنيين والجنود المرتزقة، وفي مثل هذه الأحوال كانت الفرص كثيرة للاستيلاء على عبيد، ويميل الإنسان إلى توحيد تاريخ البردية الثالثة (وهو السنة الثانية الشهر الثاني من) بتاريخ الورقة الخامسة (وهو السنة الثانية الشهر الثاني من فصل الحصاد؛ أي بئونه)، وفي هذه الحالة تكون الوثيقة الرابعة كذلك هي بنفس التاريخ.

وتدل شواهد الأحوال على أن استرقاق مصري أو رهن جسمه من أجل دين كان على ما يظن تعترضه صعوبات قانونية، ومن الممكن أنه كان هناك بعض إجراءات مصطنعة لتأكيدها،١٧ وعلى حسب هذا التفسير نجد أنه في نفس التاريخ الذي سلم «بفتوعوخنس» إلى أسمتو؛ ليكون عبده من أجل دين اعترف بأنه عبد للكاهن الأكبر، وقد نزل الكاهن الأكبر عن حقه إلى أسمتو. ومن المحتمل أن نقل ملكية عبد من سيد لآخر يعطي حقًّا أحسن وأقوى من أي اعتراف سابق بالعبودية.١٨ هذا ويلفت النظر كثرة عدد الشهود المنقطعة النظير في الوثيقتين الخامسة والسادسة بصورة بارزة، غير أنه لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا أن المقدمات لهذا الاستنباط غير كافية جدًّا حتى الآن؛ ولذلك فإن ما ذكرناه مجرد فرض. نعود بعد ذلك إلى فحص الوثائق الباقية من عهد أحمس على حسب ترتيبها التاريخي، ثم نناقشها فيما بعد.

(و) عقد ببيع بقرة (الوثيقة الثامنة)

(١) السنة الثامنة شهر بشنس (هذا الشهر ابتدأ في ٨ سبتمبر سنة ٥٦٢ق.م).

(٢) أعلن زبتفعنخ بن «بديبتاح»، وأمه هي «تبايايت» (٢) لمهدئ قلب الوالد بتيسي بن «أسمتو»، وأمه هي شبنيسي (الظاهر أنه بتيسي الثالث كاتب الظلامة المشهورة، التي تحدثنا عنها قبل).

لقد جعلت قلبي يتفق على الفضة الخاصة ببقرة المحراث الحمراء هذه المسماة.

(٣) وزبوكي (؟).

إنها متاعي وإنها بقرتك بالإضافة لكل عجل ستنتجه من السنة الثامنة شهر بشنس، وما بعد إلى الأبد.

(٤) وليس من حق إنسان في البلاد أن يستعمل سلطته عليها بما في ذلك أي رجل في البلاد وكذلك أنا نفسي.

(٥) وأن من يأتي إليك بسببها ليأخذها منك قائلًا: إنها ليست «بقرتك»، فإني أنا الذي سأخلصها (٦) لك وإذا لم أخلصها لك، فإني سأعطيك بقرة من نوعها (؟) وإذا لم أعطك بقرة من نوعها فإني أعطيك (٧) إردبًّا (؟) من القمح (؟) مقابلها، وكذلك عن كل عجل ستلده، ورجلك؛ أي وكيلك له الحق في أن يطلبها، وإني سأعطيك إياها (٨) وإذا أخذت وعملت (؟) ثورًا صغيرًا منها، فإني سأعطيك ثورًا من نوعه (؟) وإذا أخذت وعملت منها عجلة (٩)، فإني سأعطيك عجلة من نوعها (؟) وإذا أخذت وعملت منها ثورًا، فإني سأعطيك ثورًا من نوعه (؟).

(١٠) بدون أن أذكر أية براءة (رخصة) في الأرض ضدك.

كتبه كمينفحاربوك Kemienefharbok بن ببايو.

وكتب على ظهر الورقة في عمود واحد (الشهود).

(١) احتفنختي بن بسمتيك. (٢) أحمس بن احتفنختي. (٣) «جررو» بن زديتا حفعنخ. (٤) … بن زدحرفعنخ. (٥) خنس (؟) ارتابس بن بفتوعوبستي. (٦) «بمو» بن ينحارو. (٧) امرتايس بن أمنو. (٨) بتيسي بن «زدوسرفعنخ». (٩) «بوخنس» (؟) بن «بدوسيري». (١٠) سمتاوى تفنخت بن «حريس». (١١) «زحو» بن «بسمتيك». (١٢) خنستفخنت بن كمينفحربوك. (١٣) احتفنختي بن خاأمون (؟).

ومن عقد بيع هذه البقرة نفهم مقدار الاحتياطات التي كانت تتخذ، حتى لا تحدث ملابسات في وثيقة البيع هذا فضلًا عن العناية التامة التي كان يظهرها المصري بالبقرة الولود، إذ كان يذهب إلى أن يطلق عليها اسمًا علمًا تنادى به. هذا ولدينا مثلان آخران في الأوراق البردية التي من هذا العصر ذكر فيهما اسم البقرة (Ryl III P. 59, No. 3)، وقد جرت العادة في عقود بيع بقرات الحرث ألا يذكر معها نتاج؛ لأنها تكون في العادة للحرث. هذا ولدينا مثال عن بقرة عقمت حتى لا تلد بنزع رحمها. وعلى أية حال فإن جعل البقرة لا تلد يكون أفيد لتسمينها أكثر من تخصيصها لجر المحراث، ويدل على أن مثل هذه البقرة كانت تستعمل للمائدة، وذلك على الرغم من أن هردوت قال: إن المصري يحجم عن أكل لحم البقرة (راجع Ryl. III Ibid. & Herod. II, 18, 41).

(٧-٤) خطابان مؤرخان بالسنة الثانية عشرة (راجع Louvre E. 7855; Corpus Louvre PI. XVII No. 6; Ryl III P. 21 No. 25)

والخطاب الأول من فرد يدعى زفمين لسيدة تدعى «مترتياس»، يخبرها فيه بإرسال ثلاث رسالات من المؤن، ويطلب إليها أن تخبره بوصولها. كما يخبرها أن ما تحتاج إليه سيقوم به رجل يدعى «زخي» Zekhe.

والخطاب الثاني كذلك من «زفمين» إلى «زخي» السابق الذكر، ويذكره فيه بأنه لم يكتب إليه منذ أن رحل إلى الجنوب، ويأمره بأن يعتني بشئون «مترتياس» وطفلها، وتاريخ الخطاب الثاني هو السنة الثانية عشرة الثامن من شهر هاتور (والعنوان كتب على ظهر الورقة).

وهذان الخطابان قد كتبا معًا في عمود واحد. ويلحظ أن «زخي» المذكور هنا هو ابن فرد يدعى ديخنس، وقد جاء ذكره في وثائق لم تنشر بعد.

(٧-٥) منحة أرض (راجع Corpus Louvre face. 4, P. 2 facsimle Ibid PI. XXV No. 25, Ryl. III, P. 22 No. 26)

السنة الخامسة عشرة شهر هاتور يعطي بسمتي-منخ ١٠ + ١ أرورات من أرض آمون في «قفط» اسمون، وهو سقاء في جبانة طيبة بصفة وقف لقبر والدته «تستنحور»، وكانت (هذه الأرض) جزءًا من اثنين وعشرين أرورا اشتراها من «سن» في شهر بئونة من السنة الرابعة عشرة، وكان «سن» قد اشتراها في بشنس من نفس السنة من «وننفر» الذي كان والده «حاروز» قد اشتراها في السنة الثالثة من عهد «واح اب رع» من «اسخنس». واسخنس هذا كان قد تزوج نيتوكريس، وتسلم الأرض بمثابة مهر من والدها «بدوزير» بن ونأمون في برمودة من السنة السابعة والثلاثين من عهد «بسمتيك الأول»، والواهب يسلم أربع وثائق ملكية؛ أي اثنتين قديمتين أعطيتا «سن» بوساطة «وننفر» والبيع كان بوساطة «وننفر» إلى «سن» والبيع بوساطة «سن» إلى «بسمتيك منخ». إمضاء الكاتب وإمضاءات «بسمتيك منخ» ووارثه.

وقد كتب على ظهر الوثيقة ست عشرة شهادة يتبعها إمضاء الكاتب لإقليم «قفط».

(٧-٦) ورقة حسابات (راجع Louvre, F 784 bis, Ryl III, P. 22)

السنة التاسعة والعشرون (؟) شهر توت وتواريخ أخرى لسنة ٣٣.

(٧-٧) ورقة بيع شخص لنفسه بوصفه ابنًا (راجع Louvre, F 7832; Facsimile in Revue Egyptologique Vol. III, Corpus Louvre Pl. IX No. Ryl. III, P. 22 & 57.)

الترجمة:

السنة الثانية والثلاثون شهر هاتور من عهد الفرعون له الحياة والفلاح والصحة أحمس له الحياة والفلاح الصحة.

أعلن حور بن «بتيسي» الذي تدعى أمه توعو سقاء الوادي (المسمى) «يتوروز» بن «زخي» الذي تدعى أمه «يتورو»: لقد جعلت قلبي يتفق على فضتي لأجل أن يقوم لك مقام الابن. وإني ابنك وكذلك أولادي الذين سيولدون لي مع كل ما هو ملكي، وتلك الأشياء التي سأكسبها.

وليس هناك رجل في الأرض سيكون في قدرته أن يجري سلطانه على غيرك، بما في ذلك الوالد والأم والأخ والأخت والبنت والسيدة، أو أي فرد يدعى توميضًا (؟) وكذلك أنا نفسي.

وإن أولادي هم أولاد أولادك إلى الأبد وسرمديًّا.

وإن من سيأتي إليك بسببي ليأخذني منك قائلًا: إنه ليس ابنك من أي رجل في الأرض بما في ذلك الوالد والأم والأخ والأخت والابن والبنت والسيد والسيدة، أو أي فرد يدعى تعويضًا (؟) وكذلك أنا نفسي فإنه سيعطيك أي فضة وأي غلة ترضي قلبك. وإني لا زلت ابنك مع أولادي إلى الأبد.

الكاتب الشاهد نحمسخنس بن ينحارو.

وهذه الوثيقة شهد عليها اثنا عشر شاهدًا على ظهر البردية.

(٧-٨) إيصال ضرائب أجرة أرض أو باكورة حصاد (؟) (راجع Louvre E. 7835 Facsimlie in Corpus Louvre PI. IV No. 13, Ryl III, P. 22)

السنة الرابعة شهر بامنحتب: من أجل أرض في ضيعة آمون في حقل باحي، الواقعة في الغرب في إقليم خفط دفع بوساطة يتوروز لكتاب معبد آمون عن السنة ٣٣-٣٤ إمضاءات كاتب الغلة وكاتب آمون قفط وأربعة آخرين.

(ويلحظ أن هذه الصكوك تُمضى دائمًا على وجه الوثيقة.)

(٧-٩) صك كالسابق (راجع Louvre E 7838; Facsimile in Corpus Louvre PI. XII No. 11, RYl. III, P. 22)

السنة ٣٥ شهر طوبة: وهو كالسابق عن سنة ٣٤-٣٥. وقد أضيف إليه إمضاء واحد أكثر من السابق.

(٧-١٠) صك كالسابق (راجع Louvre E. 7834, Ryl. III, P. 22)

السنة الخامسة والثلاثون شهر طوبة: وهو كالسابق من راعٍ يدعى «يتورو»، وأخوه «بدمونت» ومعه يتوروز عن السنة ٣٤-٣٥. الإمضاءات كالسابق.

(٧-١١) اتفاق عن زراعة (راجع Louvre E. 7836; Ryl. III, P. 23)

السنة الخامسة والثلاثون أبيب بخصوص راعي «منتو» المسمى «برمنتو»؛ لأجل زراعة مزرعة وقف ليتوروز في السنة ٣٦. على أن يقسم المحصول بالتساوي بين صاحب الملك والمزارع.

(٧-١٢) عقد اشتراك في عمل (راجع Louvre El. 7843; Facsimile in Corpus Louvre Pl. XXVI, No. 23; Ryl. III, P. 23)

السنة الخامسة والثلاثون شهر مسرى. يعترف «كاوسنموت» بأن «يتوروز» شريك له في واجباته، وفي كل فوائد (بوصفه سقاء) في المقابر الخاصة «ببدمنستو» و«زدمنتفعنخ».

(٧-١٣) عقد اتفاق على زراعة (راجع Louvre E. 7833, Ryl. III, P. 23)

السنة السادسة والثلاثون شهر بشنس: أقرض السقاء «وزحور» زوج ثيران للراعي «بدمنتو»؛ لأجل حرث أرض (الدخل يكون لأخيه المتوفى (؟)) من أول سنة ٣٦-٣٧ على أن يعطى ثلث المحصول وزحور من الأرض بمثابة حق أخيه، وسيدفع منه أجر كتاب آمون وكذلك ثلاثة الأرباع، مما ينبغي لوزحور مقابل أجر زوج الثيران، ويكون الربع لأجل «بدمنتو» مقابل زراعة الأرض.

(٧-١٤) عقد اتفاق على زراعة (راجع Louvre E. 7833, Ryl. III 23)

السنة السادسة والثلاثون شهر بشنس. أعار «وزحور» ثورا، وكذلك الراعي «بدمنتو» وشركاؤه خمسة ثيران، فيكون الكل ثلاثة أزواج ثيران لأجل حرث أراضي «وزحور» في سنة ٣٦-٣٧. وكان وزحور يأخذ ثلث محصول الأرض بعد (؟) دفع الكتبة سدس الباقي، ويأخذ «بدمنتو» وصحبه خمسة الأسداس الباقية؛ وإذا سحب «وزحور» نفسه من هذا الاتفاق، فإنه يدفع دبنًا من الفضة (غرامة).

(٧-١٥) عقد اتفاق على زراعة (راجع Louvre E. 7839, Ryl. III 23)

السنة السابعة والثلاثون شهر بئونة كلف «بد آتوم»، حارس النحل في معبد الإله «منتو» بزراعة الأرض التي تؤلف وقف قبر «زخي» من قبل السقاء «يتوروز» ابن «زخي» عن سنة ٣٧-٣٨، وسيدفع كتبة آمون ويعطي باقي المحصول يتوروز ثم يرحل.

(ومن منطوق هذا الاتفاق نفهم أنه لم يأخذ أجرًا على هذا العمل، وعلى ذلك يحتمل أنه كان عليه أن يؤدي التزامًا سابقًا فرض عليه.)

(٧-١٦) رسالة أعمال (راجع Louvre E. 7540, Ryl. III, 23)

(رسالة) من بد آمون ملاحظ الجبانة لسيده الكاهن والد الإله «زخي»، يعترف بتسلم ثور مستحق للأوقاف الإلهية لآمون من «بميتي»، بصفة أجر للمصاريف الجنازية الخاصة ﺑ «بد حارب بك» السنة الثامنة والثلاثون شهر مسرى.

(٧-١٧) رسالة أعمال (راجع Louvre E. 7854, Ryl. III, P. 23)

من «زدخنسفعنخ» إلى «بدمنستو» كاهن آمون ابن ابني «زخي» … مين و«يتورزو» قد دفعا ضريبة غلتهم، وأنه يطلب أن يجري الإيصال بذلك لهما.

(هذه الرسالة ليست مؤرخة، ولكنها من هذه المجموعة.)

(٧-١٨) وثيقة بالاعتراف بحقوق (راجع Vienna, Munzkabinette; Krall Studien zur Geschichte II, 19 (Sitzungsberichte der Kais. Akad. Wien. 1844, P. 345). Ryl. III, P. 24.)

السنة … شهر طوبة: يعترف «رر» (؟) بن «حريرم» و«انتوتهتس» وهو سقاء وادي طيبة، أن نصف ممتلكاته وهو نصف ممتلكات والديه هو ملك أخيه «بشنيسي» (هذه الوثيقة ممزقة والتاريخ مفقود، ولكن اسم الملك قد حفظ فيها). وهي وثيقة هامة؛ لأنه يوجد عدد من الوثائق لهذه الأسرة لا تزال محفوظة في متاحف مختلفة، وترجع إلى عهد الملك «دارا».

(٧-١٩) تعليق

إن هذه الوثائق الديموطيقية التي يرجع تاريخها لعهد الملك أحمس الثاني، وهو الذي عمر طويلًا في الحكم تقدم لنا صفحة جديدة في صميم تاريخ الحياة الاجتماعية، التي كان يحياها الشعب في تلك الفترة من تاريخ مصر الحافل بالذكريات الخالدة.

والطريف في هذه الوثائق أنها كتبت بلغة الشعب وبأفراد من صميم الشعب، وقد تناولت شتى الموضوعات التي لا نجدها في أي فترة من فترات العصور، التي سبقت ذلك العهد بهذه الصورة الوضاءة المبينة، فقد كشفت لنا هذه الوثائق عن علاقات طبقات الشعب بعضها ببعض، فحدثتنا عن الاستعباد ومداه، وأنه لم يكن بمعنى الاستعباد الذي لم ينقرض من العالم الحديث إلا منذ زمن قليل جدًّا، والواضح أنه لم يظهر في مصر في تلك الفترة إلا على أثر الفوضى والحروب الداخلية التي حدثت في البلاد، ومع ذلك لم يكن هذا الاستعباد إلا لفترة من الزمن يصبح الفرد بعدها حرًّا؛ لأن كل فرد في مصر كان ملك الدولة في السلم والحرب. هذا ويلحظ في عقود العبودية أن الفرد كان يدفع بنفسه وأولاده إلى العبودية لمن يشتريه بمبلغ من المال وسلفيه. والظاهر أن زوج العبد كانت لا تدخل ضمن العقد، بل كان هو وأولاده فقط عبيدًا إلى الأبد كما جاء في الوثائق. وتدل الأحوال على أن الرجل الذي كان يبيع نفسه قد يكون مزارعًا، ثم قضت عليه أحوال قاسية أن يكون عبدًا، وذلك بسبب دين اقترضه ليدفع منه أجر الطبيب لمرض قاتل ألم به، ولم يكن له سبيل للحصول عليه بغير ذلك، ومن ثم كان يخرج مثل هذا الفرد من عداد المواطنين أصحاب الحقوق في البلاد. ومن الطريف أننا نجد في وثائق العبودية أن مالك العبد كان له الحق في أن يبيعه لغيره كأنه سلعة. وقد كان ثمن العبد في تلك الفترة عشرين إردبًّا من القمح أو بعض دبنات من الفضة، وقد كان هناك نوع آخر من العبودية عن طريق التبني، فكان الفرد يبيع نفسه لآخر مقابل مبلغ من المال، على الرغم من أن والديه على قيد الحياة، ويعترف الفرد المتبنى في العقد الذي أبرم بينه وبين والده الجديد، أنه إذا أراد أحد أفراد الأسرة استرداده، فإنه كان عليه أن يدفع المبلغ الذي يرضيه من الفضة والقمح.

ولدينا من جهة أخرى وثائق بيع أخرى للماشية، وبخاصة البقرات فكان هناك تمييز بين البقرة التي تجر المحراث والبقرة الولود، ثم البقرة التي لا تلد وتفاصيل شروط البيع شيقة ممتعة، فقد كانت البقرة تباع هي ونتاجها من الذكور والإناث الكبير منها والصغير، وكان البائع ملزمًا برد ثمن أي ولد من أولادها، إذا ادعى ملكيته آخر وزيادة في تحديد صفة البقرة المباعة كانت تذكر باسمها الذي كانت تسمى به. ويلحظ هنا أن قدر الغرامة في تلك الفترة كان يقدر بالأشياء العينية لا بالعملة التي لم تكن قد استعملت في تلك الفترة، فقد جاء في عقد بيع بقرة أن البائع قد تعهد للمشتري بدفع إردب من القمح إذا ادعى آخر ملكيتها وثبت ذلك. هذا فضلًا عن أنه كان يدفع مثل هذا التعويض عن كل عجل أو عجلة من نتاجها. وعلى أية حال فإن الغرامة كانت تدفع أحيانًا ناقصة، ولكنها لم تكن من عيار محدد. ومن الطريف أن البائع كان يشترط أنه إذا أخذت البقرة من مالكها الجديد، فإنه كان على البائع أن يدفع الثمن، وفضلًا عن ذلك يعوضه عن كل نتاج من نتاجها بمثله.

ويلفت النظر في هذه العقود كذلك الاتفاقات الزراعية. والواقع أنها تشبه في كثير من الأحوال ما يجري في مصرنا الآن، فما أشبه اليوم بالأمس فلدينا من هذا العهد اتفاق عقد بين راعٍ ومشرف على أرض أوقاف على أن يأخذ الراعي النصف من المحصول، ويترك النصف للوقف فما أعدل هذه القسمة، وليتها كانت جارية في أيامنا على هذا الوضع.

ولدينا اتفاق آخر من نوع جديد هو أن تقوم جماعة من الذين يملكون الماشية بحرث أرض، بوساطة ثلاثة أزواج من الماشية لصاحب الأرض منها ثور واحد. وذلك على أن يأخذ صاحب الأرض ثلث المحصول، وذلك بعد دفع أجر الكتبة وهو سدس الباقي، أما أصحاب الماشية الآخرون، فيأخذون الباقي وهو خمسة أسداس وإذا نقض صاحب الملك هذا الشرط، فكان عليه أن يدفع غرامة قدرها دبن من الفضة. وهذا نفس ما نجده في أيامنا هذه في كثير من جهات القطر، وبخاصة الأفراد الذين يحرثون الأرض، ويروونها في مقابل جزء من المحصول.

ولدينا اتفاق آخر من هذا النوع مع نفس صاحب الملك السابق، ولكن بشروط مختلفة بعض الشيء. وأخيرًا نجد في هذه الوثائق اتفاقًا غريبًا في بابه يكلف شخصًا بعينه القيام بزرع قطعة أرض وقف على أن يدفع من المحصول أجر كتاب «آمون»، ثم يعطي الباقي للمشرف على الوقف ثم يغادر الأرض. والظاهر هنا أنه كان هناك اتفاق خاص يحتم على المزارع القيام بمثل هذا العمل. فقد يجوز أنه كان مدينًا لصاحب الوقف. ويلفت النظر في مثل هذه الاتفاقات أن الكتبة كان لهم مرتب خاص من محصول هذه الأراضي، سواء كانت أوقافًا أم ملكًا خاصًّا، ولا غرابة في ذلك فإن الكتبة كانوا في كل عصور التاريخ المصري لهم مكانة عظيمة، فهم الذين يقومون بعمل الحسابات الخاصة بكل الأطنان ودخلها، وكانت هذه حرفتهم التي يمتازون بها.

ننتقل بعد ذلك إلى الأعمال الحسابية والصكوك التي كانت تحرر عن المخالصات المالية، وهنا كان يلعب الكتاب دورًا عظيمًا. فلدينا صكوك يعترف فيها بدفع الضرائب من الأطيان أو المحاصيل الأولى أو الإيجارات، ممضاة من الكاتب الذي كان يتسلم الضريبة، وهو ما يقابل الصراف في عهدنا الحاضر.

وقد وجدنا بين هذه الوثائق التي نحن بصددها بعض رسائل أعمال منها رسالة يعترف فيها مرسلها بأنه تسلم ثورًا كان مستحقًّا لأوقاف آمون، وذلك بصفة أجر لمصاريف جنازية لفرد معين. وأخرى من كاهن لآخر يذكر فيها أن ابني فرد يدعى «زخي»، قد دفعا ما عليهما من ضرائب من الغلة، ويطلب أن يعطيا إيصالًا بذلك. هذا ولدينا وثيقة بدفع دين مقداره سبعة دبنات من الذهب مقابل بضائع سلمت، وقد تحدثنا فيما سبق عن عقود الزواج في مكان آخر، ولدينا عقد من هذا النوع لا يختلف كثيرًا عن العقود السابقة.

(٨) أحمس الثاني وأسرته

لم تسعفنا المصادر التي في أيدينا حتى الآن للوصول إلى نتيجة حاسمة عن أصل أسرة الملك «أحمس الثاني»، وبخاصة عندما نعلم أن الكتاب الإغريق لم يذكروا لنا شيئًا معينًا عنها. وسنحاول أن نستعرض هنا ما لدينا من معلومات أثرية، وكذلك ما وصل إلينا من أقاصيص أسطورية إغريقية، ثم نستنبط من كل ذلك نتيجة على حسب ما تسمح به الأحوال والملابسات، وبخاصة عندما نعلم أن المؤرخين والأثريين قد اختلفت آراؤهم اختلافًا بينًا في أصل أحمس الثاني، فمن قائل: إنه من أصل نبيل، ومن قائل: إنه من أصل وضيع. وقد استند كل فريق على أسانيد أثرية أو غير أثرية مما ذكره الكتاب الإغريق ونقل عنهم.

(٨-١) المصادر الأثرية

جاء ذكر موظف كبير يدعى «أحمس سانيت» (أي: أحمس بن الإلهة نيت) على تابوت والدته التي تدعى «تابرت»، وكذلك جاء ذكر «أحمس سانيت» مع أمه هذه على حوض قربان من الجرانيت محفوظ الآن بمتحف «اللوفر» (راجع Piehl, A. Z. XXVIII, P. 10–12).

ونجد أولًا في نقوش تابوت والدته المتن التالي: المقربة من زوجها المعروفة لدى الملك «واح-اب-رع» (= إبريز) «تابرت». وعمرها سبعون سنة وأربعة أشهر وخمسة عشر عامًا. واسم أمها هو «مربتاح ساحابي»؛ وأنه ابنها الذي أنجبه لها حامل الخاتم الملكي للوجه البحري والسمير الوحيد، ورئيس القصر وكاهن «أزيس»، والمشرف على قاعة المحاكمة «أحمس سانيت». ومن ثم نشاهد أن نقوش هذا التابوت تقدم لنا اسم والدة «تابرت»، وهي «مربتاح ساحابي» واسم زوجها وهو «واح اب رع».

هذا ولدينا حوض القربان السالف الذكر. جاء عليه النقش التالي: الأمير الوراثي والسمير الوحيد ورئيس القصر، والمشرف على العرش ورئيس المعابد ورئيس الأشياء السرية لكل أمور الملك، ومحبوب سيده والمسيطر على عقله؛ أي موضع ثقته، ورئيس قاعات الاستشارة الملكية والمشرف على قاعة العدالة (= المحكمة) «أحمس سانيت» بن «واح اب رع» والذي وضعته «تابرت».

ومما هو جدير بالذكر هنا أن كلمة ابن التي جاءت بعد كلمة «نيت»، قد استعملت مرتين إحداهما في اسم أحمس سانيت والأخرى في نسبة «أحمس» لأبيه؛ أي «أحمس سانيت» بن «واح اب رع». وقد ظن الأثري «رفييو» أن «أحمس سانيت» بن «واح اب رع» والسيدة «تابرت» هو الرجل الذي صار فيما بعد الملك «أحمس الثاني»، وذلك على الرغم من معارضة الأثري «بيل» في ذلك، وقد عاضده الأستاذ «برستد» (راجع Br. A. R. IV, §§ 999–1001)، فقد استنبط من النقوش السالفة الذكر قوله: كانت أمه (أي: أم أحمس) لها صلة بالملك، ويحتمل أنها كانت ذات صلة رحم «بإبريز»، وعلى ذلك فإن هذه العلاقات القوية قد ساعدت «أحمس» على اغتصاب الملك، وبذلك تكون قصة «هردوت» عن أن «أحمس» كان من أصل وضيع لا أساس لها من الصحة، ولكن يحدثنا الأثري «بتري» (Petrie, Hist. III, P. 350) مقترحًا أنه إذا كان اسم «أحمس» قد وضع في طغراء، فإن ذلك يدل على وجود اسم ملك قبله، وعلى ذلك فإن «أحمس بن نيت» كان ملكًا عاش بعد الملك «أحمس». وقد عارض هذا الرأي كل من الأثري «فيدمان» (راجع Agyp. Gesch. P. 645, Gesch. Agypt P. 176) كما عارضه الأثري «بيل» (راجع A. Z. 28 P. 10–12)، والأثري «دارسي» (راجع Rec. Trav. 22, P. 142-3 Nr. CLXXV; Comp. Gauthier, L. R. IV, P. 128-9 No. 2).
والواقع أنه لا يمكننا أن نستنبط بوساطة ما جاء في النقوش التي على حوض ماء القربان المحفوظ باللوفر، وما جاء على التابوت المحفوظ في متحف في «استكهولم» أن الموظف العظيم «أحمس سانيت» بن «واح اب رع»، والسيدة «تابرت» هو نفس الملك «أحمس الثاني» فيما بعد. وإلى أن تأتينا معلومات أوفى، فإنه يستحسن أن نعتبر كلًّا من الشخصين منفصلًا عن الآخر. وعلى أية حال فإن ما ذكره «هردوت» عن «أحمس» يتعارض مع ما ذكره «برستد» في أنه كان شخصية عظيمة ذات مكانة علية في القصر الملكي، بل كان جنديًّا من أصل وضيع، وتلك هي الرواية الإغريقية. وعلى الرغم مما جاء في هذه الرواية من مبالغة، وما يحتمل أن يكون فيها من بعض عناصر إغريقية دخيلة، فإنها رواية مصرية في أصلها، يعزز ذلك ما جاء في القصة الخاصة بأحمس والملاح، ويرجع تاريخ هذه القصة إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وقد كتبت بالديموطيقية (راجع ما جاء على ظهر ورقة الحوليات الديموطيقية Demotischen Chronick, Spiegelberg, Demotische Chronick P. P. 26–28; Comp. Edward Meyer, Kleine Schriften II, P. 93).
ففي هذه القصة وصف «أحمس» بأنه رجل يصرف وقته في الملاذ ومعاقرة بنت الحان؛ وهاك ما جاء في هذا المتن الذي وصل إلينا ناقصًا، ولكن يرمي ضوءًا على حياة «أحمس الثاني» من الوجهة المصرية:

(١) يحكى ذات مرة في عهد الفرعون «أحمس» أن الفرعون قال لعظماء بلاطه: سأشرب نبيذ «كولوبي» (٢) وعندئذ قالوا: يا مليكنا العظيم إنه من الصعب شرب نبيذ «كولوبي»، وعندئذ قال لهم: لا تعارضوا ما أقول. فقالوا: يا سيدنا العظيم ليت الفرعون يفعل ما يريد. فقال الفرعون: فليذهب رجل إلى البحر لينفذ ما أمر به الفرعون، وهناك أكل الفرعون مع نسوته، حيث لم يكن هناك أي نبيذ في العالم أمامهم إلا نبيذ «كولوبي»، وبذلك كان الفرعون فرحًا مع نسوته، وشرب كمية عظيمة من النبيذ بقدر ما اشتهت نفس الفرعون من نبيذ «كولوبي».

ثم نام الفرعون طلبًا للراحة على البحر في نفس الليلة، وذهب تحت كرمة في الجهة الشمالية (حيث النسيم العليل)، وعندما انبلج الصباح لم يكن في مقدور الفرعون أن يقف بسبب انحراف مزاجه (من السكر)، وعندما اقترب الوقت (الذي كان يجب على الفرعون أن يستيقظ فيه) لم يكن في استطاعته أن يستيقظ، وعندئذ حزن رجال الحاشية، وعلى ذلك قالوا: هل شيء مثل هذا ممكن؟ فقد حدث أن الفرعون قد ألم به انحراف كبير، ولم يكن في استطاعة أي رجل في العالم أن يذهب ويتحدث إلى الفرعون. وعندئذ ذهب رجال الحاشية إلى المكان الذي كان فيه الفرعون وقالوا: يا سيدنا العظيم ما الذي ألم بالفرعون؟ وعندئذ قال الفرعون: إني أشعر بانحراف عظيم (وحسب)، ولا يمكنني أن أقوم بأي عمل في العالم، ولكن انظروا: هل يوجد بينكم رجل يقص علي قصة يمكن أن يسري بها عني؟ وكان هناك كاهن قفط للإلهة «نيت» بين رجال الحاشية يدعى «بدسوتم» (؟) وكان رجلًا فطنًا فانبرى أمام الفرعون وقال: يا سيدي قد يجوز أن الفرعون لم يكن قد سمع بعد قصة البحار الذي يسمى «حوروس» بن «سيوزيريس» بن «أوزير» … يدعى. وكان يعيش في زمن الفرعون … وكانت زوجته تدعى «شبت مرت»، وكانت تنادى باسمها «عنخت» وكان اسم البحار الذي ينادى به هو «بتيسي»، وكانت تحبه ويحبها أيضًا. وقد اتفق ذات يوم أن الفرعون أرسله إلى «دفني» (أدفينا)، فاستيقظ في اليوم التالي وفي قلبه هم أليم بسبب ما أمره به الفرعون لقد كان عبئًا عليه أن يذهب إلى «دفني»، ويعود في نفس اليوم. ومن ثم وقع في هم جسيم، إذ لم يكن في مقدوره أن يعارض الأمر الذي أمره به الفرعون …

وهنا ينقطع المتن …

ومن هذه القصة المبتورة نفهم أن ما جاء على لسان «هردوت» وغيره، مما ذكرناه آنفًا عن «أحمس الثاني» وما اتصف به من لهو ولعب قد يتفق بعض الشيء مع ما جاء في هذه القصة التي ترجع إلى أصل مصري صميم، وتشعر بأنه لم يكن يسير سيرة الفراعنة الذين هم من دم ملكي.

(٨-٢) أزواج «أحمس»

(أ) تنت-ختا

جاء ذكر زوج «أحمس الثاني» التي تدعى «تنت-ختا»، على لوحة عثر عليها في «السربيوم»، وهي أم الفرعون «بسمتيك الثالث» (راجع Stele du serapeum au Musée du Louvre (No. 309); Chassinat Rec. Trav. XXI, P. 63; Brugsch, A. Z. XIII, P. 163; Haig A. Z. XVII, P. 195-196; Revillout, Rev. Egyptologique II, P. 96).
ويدل ما جاء على هذه اللوحة أنها كانت زوج «أحمس الثاني» وأم «بسمتيك الثالث» بن «أحمس الثاني». وكانت هذه الملكة ابنة كاهن بتاح المسمى «بدنيت» (راجع ما كتبته مس «بتلز» في هذا الصدد Miss buttles, The Queens of Egypt P. 224-225).

(ب) نخت سباستت رو (؟)

لدينا لوحة من آثار «سربيوم» منف محفوظة الآن بمتحف «اللوفر»، جاء عليها اسم ملكة تدعى «نخت سباستت رو» (راجع Chassinat, Rec. Trav. XXII, P. 171) وكانت تلقب بزوج الفرعون «خنم-اب-رع»، وهو لقب الفرعون «أحمس الثاني»، ولدينا كذلك مقبرة في الجيزة تحمل رقم ٨٣، وكذلك تابوتان يحملان رقمي ٧٦٦ و٧٦٧، وكلها بمتحف «ارميتاج» في «بتروجراد». والتابوتان ينسبان إلى فرد يدعى «أحمس» وأمه تدعى «نخت سباستت رو» (راجع L. D. III, 274 f-h; L. D. Texte I, P. 98; Golenischeff, Inventaire de la Collection de L’Ermitage P. 94–97).
ويلحظ أنه في نقوش هذا القبر قد هشمت ألقاب وأسماء هذين الشخصين، ويحتمل أن ذلك كان قد وقع بعد الفتح الفارسي. ومع ذلك لا يمكن أن نجزم أن اسم الملكة الذي جاء على لوحة اللوفر هو اسم نفس الشخص الذي جاء في نقوش المقبرة والتابوتين السالفة الذكر. والواقع أنه إذا أمكن توحيد ما جاء على هذه الآثار بصفة قاطعة، فإنه يمكننا أن نضيف اسمًا جديدًا لأولاد «أحمس الثاني»، ويدعى بدوره «أحمس» ويكون قد أنجبه عن الملكة «نخت سباستت-رو». وقد أشار الأثري «بتري» (راجع Petrie, Hist. III. 349)، وكذلك مس «بتلز» في كتابها عن ملكات مصر إلى «نخت سباستت رو» و«أحمس ابنها» (راجع Miss Buttles, Ibid. P. 225).

(٨-٣) أبناء أحمس الثاني

(أ) بسمتيك

جاء اسم هذا الأمير على لوحة السربيوم السالفة الذكر، وقد سمي ابن الملك «خنم اب رع» العائش أبديًّا «بسمتيك»، وهو الذي أصبح فيما بعد «بسمتيك الثالث».

(ب) أحمس

جاء ذكر هذا الابن في نقوش مقبرة «الجيزة» السالفة الذكر: «أحمس» المرحوم سيد الاحترام.

(ﺟ) باش خنس

جاء ذكره على لوحة السربيوم السالفة الذكر في النص التالي: الابن الملكي محبوبه والسمير الوحيد لملك الوجه القبلي والوجه البحري رب الأرضين «خنم اب رع» المسمى باش خنس.

(٨-٤) بنات أحمس الثاني

لم تعرف «لأحمس الثاني» بنات على وجه التأكيد، وكل ما وصل إلينا في هذا الصدد أنه قد ذكرت أميرة تدعى «تاخرد است» على الجزء الأعلى من تمثال مصنوع من الجرانيت الرمادي، ويقول عنها كل من «بدج» و«بتري»: إنها ابنة الملك «أحمس الثاني» (راجع Egypian Galleries Sculpture, P. 225 No. 814).
هذا وقد ذكر لنا كل من «لبسيوس» و«رفييو» و«بركش» و«بوريان» و«بدج» الأميرة «تاخرد است»، بوصفها ابنة «أحمس الثاني» دون ذكر المصادر التي أخذوا منها معلوماتهم (راجع L. R. IV, P. 131 b).
هذا ومما يطيب ذكره هنا أن الأثري «بدج» لم يفرق بين ابنة «أحمس» هذه وبين جدتها، التي كانت تحمل نفس الاسم، إذ نجده قد نسب كل ما وجد من آثار بهذا الاسم إلى أم «أحمس» وقد حذف اسم ابنته كلية (راجع Budge, Book of the Kings II, P. 288).

(٨-٥) أخت «أحمس الثاني»: سا است

وتلقب الزوجة الملكية، وجد اسم الأميرة على جعران في متحف تورين (No. 325) (راجع: Petrie, Historical Scarabs, No. 1998).
ويقول «بتري»: إن هذه الزوجة الملكية كانت أخت «أحمس الثاني»، غير أنه على حسب ما لدينا من آثار لا نعرف شيئًا أكيدًا عنها، فقد يجوز أنها كانت ابنة «أحمس الثاني» وزوج «بسمتيك الثالث»؛ وعلى أية حال فإن الابنة الملكية «تاخرد-ن-است» لم تكن أخت «أحمس»، كما اقترح ذلك كل من «بركش» و«بوريات»؛ لأتها في الواقع كانت من دم ملكي كما يدل على ذلك لقبها. ونحن نعلم من جهتنا أن «أحمس» لم يكن ابن ملك ولا من دم ملكي، وعلى ذلك فإنه غير محتمل أن تكون أخته من دم ملكي (راجع L. R. IV, P. 131).

وهكذا كما ذكرنا آنفًا تحوم الشكوك حول معظم الأفراد، الذين نسبوا إلى «أحمس الثاني»، والقول الأرجح أنه لم يكن من دم ملكي قط.

(٩) عظماء الرجال في عهد «أحمس الثاني»

(٩-١) «بفنفدينيت» كبير الأطباء

خلف لنا هذا العظيم عدة آثار هامة تكشف لنا النقاب عن سابق خدمته في عهد الملك «إبريز» بوصفه رئيس أطبائه، كما كان يشغل مكانة علية في إدارة المالية. وتدل شواهد الأحوال على أن «أحمس» قد كسبه إلى جانبه خلال المشاحنات التي قامت بينه وبين «إبريز»، وقد شغل نفس الوظائف التي كان يشغلها في عهد سيده الأول إبريز، فكان يعمل طبيبًا أول في عهده.
  • (١)
    وأهم آثار هذا العظيم تمثال غاية في الجمال يمثله واقفًا ممسكًا أمامه محرابًا صغيرًا موضوعًا على قاعدة، وفي المحراب صورة الإله أوزير (راجع Louvre A 93; Pierret, Recueil d’Inscriptions du Louvre II, 39 = Brugsch, Thesaurus VI, 1251–54 (Incomplete); Piehl, A. Z. 32, P. P. 118–22; Baillet, A. Z. 1895, P. 127 ff; Boreux, Guide-Catalogue Sommaire I, P. 57 f; Br. A. R. IV, §§ 1015–1025).

    وتدل شواهد الأحوال على أن تمثال «اللوفر» هذا كان قد أقيم في «العرابة»، وقد نقش عليه متن يقص علينا جلائل الأعمال التي أنجزها «بفنفدينيت»؛ لإعلاء شأن الإله «أوزير» ومعبده، وقد ادعى لنفسه احترام هذا الإله وكهانته؛ وذلك لأنه كان دائمًا يقدم كل ما تحتاج إليه بلدة «العرابة المدفونة» المقدسة أمام الملك «أحمس»؛ وقد حقق لمعبد العرابة ثروة ومباني كثيرة. وقد كان يقوم بنفسه بالإشراف على إنجاز بعض هذه الأعمال، كما شارك في تمثيل مسرحية الإله «أوزير» في «العرابة» نفسها (راجع ما كتبناه عن هذه المسرحية في الجزء الثالث مصر القديمة).

    وقد كان نشاطه المستمر متجهًا لإنماء عبادة الإله «أوزير»، على الرغم من أنه لم يكن عضوًا من الأسرة المالكة، حتى إنه كان مثالًا يلفت النظر إلى ما كان عليه القوم من حماس ديني وغيره في هذا العهد، وقد وصف لنا «هردوت» هذا الحماس الديني في كتابه عن مصر.

    وفضلًا عن ذلك قام هذا العظيم بعمل جليل للإله أوزير يلفت النظر بصورة بارزة، وذلك أن أحد أخلاف أسرة طينة القديمة التي كان حكامها لا يزالون على قيد الحياة في عهد الأسرة الثامنة عشرة، قد جرد من دخله من الواحة الكبرى، كما جرد من دخل المعبر المحلي (المعدية المحلية) الذي كان يملكه وقد استولى «بفنفدينيت» عليه، وأضاف دخله إلى دخل خزانة الإله «أوزير»، وعلى ذلك أصبح الدخل الذي يأتي من الواحة مخصصًا لسد المصاريف الجنازية الخاصة بأهل العرابة. ولا غرابة في ذلك فإنا نجد أن عبدة الإله «أوزير» في الواحات، وبخاصة الواحة البحرية منتشرون بصورة بارزة. والواقع أن قصة المحاكمة أمام الإله «أوزير» قد رسمت على جدران كل المقابر الهامة، التي كشفت في هذه الواحة بصورة تلفت النظر مما لا نجده في كثير من مقابر عظماء القوم في وادي النيل نفسه بهذه الصورة، وهذا أمر طبيعي يرجع سببه لوجود طريق مباشرة بين الواحات والعرابة، ولما كان لإلهها الأكبر من مكانة علية. وسنرى ذلك عند التحدث عن علاقات مصر بالواحات في عهد الأسرة السادسة والعشرين، وبخاصة في عهد كل من حكم الملكين «إبريز» و«أحمس الثاني».

    نعود الآن إلى ترجمة نقوش هذا التمثال:
    • ألقاب «بفنفدينيت»: الأمير الوراثي، والحاكم والسمير الوحيد ورئيس القصر والطبيب الأول والمشرف على الخزانة المزدوجة، والعظيم في القاعة، والعظيم المقرب في بيت الملك، والمدير العظيم للبيت «بفنفدينيت» الذي أنجبه رئيس المعاقل، والحاكم المحلي في «دب»، وكاهن حور صاحب «ب» «ساسبك» يقول: يا كل كاهن مطهر سيقوم بعمل شعائر، إن أول أهل الغرب (أوزير) سيحييكم عندما تتلون لي صلاة لأجل القربات الجنازية مع السجود لأول أهل الغرب؛ وعلى ذلك فإنكم سترون النعيم أمام إلهكم؛ لأني كنت أكثر تبجيلًا من جلالة سيدي من أي شريف لديه، ولقد كنت إنسانًا مميزًا بسبب ما قد فعله، فقد كنت صانعًا ممتازًا مثبتًا بيته.
    • عنايته بالعرابة: ولقد نقلت أمور «العرابة» إلى القصر لأجل أن يسمعها جلالته؛ وقد أمر جلالته أن أقوم بالعمل في العرابة لأجل أن تجهز العرابة، ولقد عملت بقوة لتحسين العرابة، ونظمت كل أشياء العرابة (سواء) أكنت نائمًا أم يقظانًا قاصدًا صالح العرابة بذلك. ورجوت الإحسان من سيدي كل يوم لأجل أن تجهز «العرابة».
    • المعبد والمعدات: وبنيت معبد أول أهل الغرب بعمل ممتاز أبدي، كما أمرني به جلالته. ولقد رأى الفلاح في أحوال مقاطعة «العرابة» بما فعلته، فقد أحطتها بجدران من اللبنات وأحطت الجبانة بالجرانيت، وكان المحراب الفاخر من السام والزينات والتعاويذ المقدسة، وكل من موائد القربان الإلهية من الذهب والفضة وكل حجر ثمين، وأقمت وبج (المكان المقدس الذي دفن فيه أوزير)، ونصبت موائد قربانه وحفرت بحيرته وزرعت أشجاره.
    • دخل المعبد: ومونت معبد «أول أهل الغرب» مكثرًا ما كان يدخل فيه له، وجعلته باقيًا بوصفه دخلًا يوميًّا. وقد استوطن في مستودعه عبيد وإماء، ومنحته ألف ستاد من الأراضي والحقول من مقاطعة «العرابة» مجهزة بأناس وكل الماشية الصغيرة، ووضع اسمها: «مؤسسة أوزير» لأجل أن تورد منها القربات الإلهية حتى الأبدية. وجددت له القربات الإلهية بغزارة أكثر مما كانت عليه سابقًا هناك، وعملت له خمائل مغروسة بكل أشجار النخيل والكروم، وفيها الأهلون من البلاد الأجنبية قد جلبوا بوصفهم أسرى أحياء منتجين ثلاثين «هنا» من النبيذ كل يوم على مائدة «أول أهل الغرب»، وستجلب القربات من هناك في كل الأبدية.

      ولقد أصلحت دار الوثائق المقدسة عندما خربت، ودونت قربان أوزير ونظمت كل عقوده.

    • تمثيلية أوزير: وقد صنعت من الأرز القارب المقدس، الذي وجدته مصنوعًا من السنط. ورددت رئيس المخربين (في التمثيل الدراماتيكي لحوادث أسطورة أوزير) عن العرابة، وحميت «العرابة» لربها وكافأت كل أهلها.
    • مصادرة أموال الحاكم: وقد أعطيت المعابد الأشياء التي جاءت من صحراء العرابة،١٩ وهي التي وجدتها في حيازة الحاكم لأجل أن يدفن منها أهل العرابة. ومنحت المعبد قارب العبور الخاص بالعرابة وهو الذي أخذته من الحاكم؛ وذلك لأن أوزير رغب في أن تجهز مدينته. وقد أثنى على جلالته بسبب ما قد فعلته.
    • صلاة للملك: ليته (أوزير) يمنح الحياة لابنه «أحمس سانيت» ليته يمنح الحظوة أمام جلالته والشرف أمام الإله العظيم. يا أيها الكاهن أثن على الإله من أجلي، ويا كل إنسان خارج، صلوا أنتم في المعبد، اذكروا اسمي: مدير البيت العظيم «بفنفدينيت» الذي وضعته نعنسباست …
  • (٢)
    وعثر لهذا الطبيب على مائدة قربان موضوعة في جامع السلطان «بيبرس»، وكان أول من نقل نقوشها، وهي في مكانها الأثري «فيدمان» (راجع Recueil de Paris; Sharpe, Egyptian Inscriptions I Pl III; A. Z. 31, P. 86–88).
    وهاك ما جاء عليها:

    «أوزير» المدير العظيم للبيت «بفنفدينيت» المرحوم الذي وضعته «نعنسباست» المرحومة. أقدم لك ماءك البارد الخارج من ثديي أمك «نوت»، فتحيا منه وتقوى به وتصح بوساطته. وإنك تكون في صحة عندما تكون بجوارها، وإنك تذهب لمقابلة والدك «جب» الذي يمد زراعيه لك. والموت هو عدوك وعضلاتك قوية، وإنك ضممت قلبك إلى مكانك في القبر، وإنك تتسلم عين حور (أي: القربان)، وإنك تحصل على السائل الذي فيها، وإن الذي يحييني سيكون مرتاحًا ومحبوبًا.

  • (٣)
    والأثر الثالث لهذا العظيم هو قطعة من تمثال محفوظة بالمُتْحَف البريطاني (راجع A. Z. 31 P. 88). وهذه القطعة الباقية هي الجذع، وقد جاء عليها النقش التالي:

    ملك الوجه القبلي والوجه البحري «حعع اب-رع» محبوب أرواح عين شمس المقرب، والمشرف على بيتي المال والطبيب الأول ورئيس الإدارة والمدير العظيم للبيت «بفنفدينيت». والذي جعله الفرعون ينتقل من وظيفة لوظيفة، والذي يملأ قلب حور (الملك) بمشاريعه، والرابض الجأش الذي يضع قلبه في كل أمر يحدث، والذي يفعل ما يحبه سيده، والذي ينجز ما تحبه الآلهة … في معابدهم، والذي يوصل متاعهم إلى داخل القصر، وكبير الأطباء للوجهين القبلي والبحري، والمشرف على الخزانة، والمدير العظيم للبيت «بفنفدينيت» بن كاهن «آمون طيبة» الوجه البحري وكاهن «حور» صاحب «ب» (المسمى) ساسبك، الذي وضعته كاهنة «نيت» سيدة «سايس» نعنسباست مدير البيت العظيم «بفنفدينيت»: يقول: إني كنت محبوبًا من سيدي، ومتجرًا في الأدب وسامعًا لشكوى كل إنسان. ولقد أسست أوقافًا ﻟ … أنتم يا … الأشياء الطيبة لهذا المعبد، قولوا: ليت الملك يكون رحيمًا ويقدم قربانًا: ألفًا من الخبز والجعة ومن كل شيء جميل لروح المدير العظيم للبيت «بفنفدينيت». وإن الله هنا ليكافئ أعمال أي إنسان ولا ينام ولا يفرق.

    المدير العظيم للبيت «بفنفدينيت» يقول: يا كل كاهن مطهر يدخل محراب «أتوم» رب عين شمس احم هذا التمثال وأعطه كل الأشياء الطيبة، بعد أن يستكفى الإله منها، وعليه أن يقول: ليت الملك يكون رحيمًا ويقدم ألفًا من الخبز والجعة وكل شيء جميل لروح المدير العظيم للبيت؛ لأنه قد وصل إلى الشيخوخة في بلدته وكان مبجلًا في مقاطعته. وإني كنت شريفًا وقد فعلت ما هو شريف وجعلت فوائد هذا البلد تصل إلى داخل القصر.

(أ) تعليق

لا نزاع في أن المتون التي خلفها لنا «بفنفدينيت» على الآثار الثلاثة التي عثر عليها له تكشف لنا عن عدة أمور هامة في هذه الفترة المزدهرة من تاريخ هذا الفرعون. وأعجب ما في ذلك أنه قد جمع بين التخصص في العلوم البحتة، كما برز في أمور الإدارة وبخاصة الإدارة المالية، والظاهر أن ذلك لم يكن بالأمر المستغرب في هذا العصر، فسنرى أنه في عصره وجد من جمع بين العلوم البحتة وغيرها من أمور الدولة. فقد كان «بفنفدينيت» يحمل لقب كبير الأطباء للوجهين القبلي والبحري، كما كان يحمل لقب مدير الخزانة العامة للبلاد قاطبة، فقد لقب مدير خزانتي الفضة وخزانتي الذهب؛ هذا فضلًا عن أنه كان يحمل لقب المدير العظيم للبيت، ويقصد بذلك أنه كان المشرف على الأملاك الخاصة ببيت الفرعون؛ وهذه الوظيفة الأخيرة كان لها خطرها منذ الأسرة الثامنة عشرة (وقد تحدثنا عنها بإسهاب في الجزء الخامس من مصر القديمة).

وعلى أية حال فإن هذا العظيم قد وضع أمامنا صورة واضحة عن سبب انتشار عبادة أوزير في الواحات بصورة بارزة، كما أبرز لنا مقدار ما كانت عليه البلاد في تلك الفترة من الرخاء والثروة بما عمله لمعبد الإله أوزير في العرابة المدفونة. وهذا يذكرنا بعصور مصر القديمة وفراعنتها العظام، واهتمامهم بقبر أوزير ومعبده في تلك البلد المقدسة، وبخاصة في عهد سيتي الأول وسنوسرت الثالث (راجع مصر القديمة الجزء السادس والجزء الثالث).

(٩-٢) الكاهن بسمتيك

وجد لهذا الكاهن بعض لوحات صغيرة محفوظة الآن بمتحف «ليدن»، (Leyden V, 18 & 19)، وقد كتبت بالمداد غير أن كتابتها أخذت في التلاشي (راجع Piehl, Inscriptions III, XXVIII, G & H)، وقد نقلها وترجمها وعلق عليها الأستاذ برستد (راجع Br. A. R. IV, 1026). والواقع أن قيمة هذه اللوحات تنحصر فيما تقدمه لنا من معلومات تختص بتأريخ هذا العصر. ومن تواريخ هذه اللوحات أصبح في الاستطاعة تحديد مدة حكم الأسرة السادسة والعشرين، وكذلك طول مدة حكم الملك «إبريز» التي لم تكن مؤكدة.

والحسبة كما يأتي: كان عمر «بسمتيك» هذا عند وفاته خمسًا وستين سنة وعشرة أشهر ويومين، في السنة السابعة والعشرين من حكم الملك «أحمس الثاني» في اليوم الثامن والعشرين من الشهر الثامن، وعلى ذلك يكون قد ولد قبل تولية «أحمس» بمدة تسع وثلاثين سنة وشهرين وأربعة أيام.

والآن فإن يوم ولادته هو اليوم الأول من الشهر من السنة الأولى من حكم الملك «نيكاو». ومن ثم يكون يوم تولي «نيكاو» عرش الملك يقدر بأربعين سنة قبل تولي أحمس. وعلى ذلك يكون طول مدة حكم الأسرة هو مجموع الأعداد التالية:
المجموع ١٣٨ سنة
بسمتيك الأول ٥٤ سنة
«نيكاو» و«بسمتيك الثاني» و«إبريز» ٤٠ سنة
أحمس الثاني ٤٤ سنة

ولما كان سقوط هذه الأسرة قد حدث في عام ٥٢٥ق.م، فإن تاريخ توليها عرش الملك قد وقع في (٥٢٥ + ١٣٨) ٦٦٣ق.م.

ويمكن تحديد مدة حكم «إبريز» من نفس التواريخ التي جاءت على هذه اللوحات، فمجموع كل العهود الأخرى هي كما يأتي:

المجموع ١١٩ سنة
بسمتيك الأول ٥٤ سنة
نيكاو وبسمتيك الثاني ٢١ سنة
إبريز (حذف)
أحمس الثاني ٤٤ سنة

وإذا طرح هذا المجموع من ١٣٨ سنة وهو طول حكم الأسرة كلها، فإنه يبقى لنا تسع عشرة سنة، وهو مدة حكم «إبريز». هذا ونعلم من لوحة عثر عليها في الفنتين للملك «أحمس الثاني» أن «إبريز» عاش أكثر من سنتين (فقد عاش بعض الوقت في السنة الثالثة) بعد تولي «أحمس» عرش الملك، غير أن هاتين السنتين تقعان في عهد «أحمس»، ولم تحسبا في مدة التسع عشرة سنة من حكم «إبريز» المنفرد.

وهاك المتن الذي جاء على هذه اللوحات:

السنة الأولى الشهر الثالث من الفصل الثالث اليوم الأول في عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري وحم اب رع بن «رع» «نيكاو».

في هذا اليوم ولد الكاهن والد الإله بسمتيك الذي أنجبه «اعح وبن» والذي وضعته «عنختس»، وقد كانت حياته الطيبة خمسًا وستين سنة وعشرة أشهر ويومين. السنة السابعة والعشرون الشهر الرابع من الفصل الثاني اليوم الثامن والعشرون كان يوم رحيله من الحياة، وقد أدخل في البيت الجميل (هذا هو مكان المحنطين حيث أمضى اثنين وأربعين يومًا في عملية التحنيط. وكما هو ظاهر من مضمون المتن كان الإله «أنوبيس» هو المحنط)، وقد أمضى ٤٢ يومًا تحت يد «أنوبيس» رب الأرض المقدسة، ثم اقتِيدَ في سلام إلى الغرب الجميل في الشهر الأول من الفصل الثالث (الشهر التاسع اليوم (…)) وحياته في الجبانة إلى الأبد سرمديًّا.

١  انظر شكل رقم ١٤.
٢  ولكن نجد أن «مسبرو» يقول: إن «أمسيس» قد تزوج من أميرة من نسل الأسرة الساوية، وبذلك أصبح له الحق في تولي الملك. والواقع أن زوج أحمس، وهي أم الملك بسمتيك الثالث هي ابنة كاهن الإله بتاح، ولا تعرف له صلة أكيدة بالبيت المالك (راجع Maspero, the Passing of Empires P. 558 Note 2).
٣  راجع Excavations at Giza vol. 4 P. 3 ff.
٤  إلهة لاتينية موحدة بالإلهة هيرا اليونانية، وهي ملكة السماء والظواهر السماوية والزواج وهي زوجة الإله جبتر.
٥  «منرفا» إلهة لاتينية موحدة بالإلهة أثينا الإغريقية، أو بالاس وهي ابنة جبتر وتعد إلهة الذكاء والحكمة والفنون.
٦  أمير خرافي مصري وهو أخو «داناوس»، وقد تزوج أولاده الخمسون من بنات عمهم داناوس، غير أنهم قتلوا في ليلة عرسهم إلا واحدًا نجا.
٧  إله النار والمعدن عند الرومان وابن جبتر وحاتون وزوج فينوس، وقد وحد مع هيفيستوس الإغريق، وقد ولد قبيحًا ومشوهًا وقد ألقت به أمه من فوق جبل أولمب، ووقع في جزيرة طنوس وقد بقي أعرج من سقطته، وأسس تحت جبل أتنا مكان حدادة وعمل مع Cyclopes سيكلوب، وهم حدادو هذا الإله وليس لكل منهم إلا عين واحدة في جبينه.
٨  كان المحراب، عادة يتألف من قطعة واحدة، وقد أطلق عليه الأثريون كلمة «ناووس»، وكان يوضع في النهاية القصوى من المعبد وكان يثوي فيه تمثال الإله والواقع أن المعابد المصرية كانت تحتوي خلافًا للردهات وقاعات العمد التي كانت دائمًا مفتوحة لأهل التقى على محراب مغلق، لم يكن يسمح لأحد بالدخول فيه إلا كبار رجال الدين، وقد كانت قطعة من هذا المحراب مخصصة لسكنى الإله فيها، أو بعبارة أصح الصورة: ولم يكن يسمح لأحد بالدخول فيها إلا الكهنة الذي وكل إليهم إقامة شعائر هذا الإله، وكانت تمثل في هيئة تمثال كان يصنع في معظم الأحيان من خشب بحجم صغير، وبذلك يمكن نقله بسهولة عندما يراد ذلك بمناسبة بعض الأعياد، وكان يعرض على الشعب محمولًا في قارب، وكان يسار به في حفل أو يلف به حول المعبد أو على البحيرة المقدسة، أو كان يقوم بسياحة على النيل أو على الأرض؛ لأجل أن يسمح له بزيارة تمثال إله آخر على مقربة منه أو بعيد عنه، على أن انتقال هذا التمثال من مكان لآخر كان على أية حال لا يحدث إلا في المعابد الكبيرة، وكانت العادة أن يبقى التمثال مختبئًا عن الأنظار في قدس الأقداس في داخل ناووسه. وكان لا يمكن أن يراه أحد عند اللزوم إلا الكاهن الذي لم يكن بدوره إلا ممثلًا للملك، وذلك على حسب التعبير المصري القديم؛ ليتأمل جمال وجهه، وكان أحد واجباته الأصلية هو القيام لهذا الإله بشعائره اليومية التي تتألف أولًا من إلباس التمثال، ثم تقديم الطعام له (وقد تكلمنا عن هذا الموضوع في الجزء السابع)، ولكن الأمر الذي يلفت النظر هنا هو كثرة إقامة المحاريب أو النواويس الضخمة في تلك الفترة من تاريخ مصر، فقد شاهدنا ملوك الأسرة السادسة والعشرين يقطعون النواويس الهائلة ويقيمونها في المعابد، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن الناووس الضخم كان يعتبر مكانًا حصينًا لتمثال الإله الذي كان يعد أهم شيء في المعبد، فكان كلما ضخم الناووس وعُني به كانت المحافظة على تمثال الإله أقوى وأمتن وحراسته أسهل، وبخاصة أنه في هذا العهد لم تكن المعابد وحراستها بالضخامة والعناية التي كانت متوفرة في عهد الدولة الحديثة الثري اليانع المشرق، بل نجد أن الكثير حتى من هذه المحاريب والنواويس كانت منهوبة من المعابد القديمة، التي أقيمت في عهد الدولة الحديثة والدولة المصرية في قمة مجدها.
٩  هذه كلها نعوت للإله «حور» بن «أوزير».
١٠  قم ور = الثور الأسود، وهو المعبود المحلي لبلدة أتريب (بنها الحالية).
١١  أي: كامل الأعضاء.
١٢  انظر شكل رقم ١٥.
١٣  ويلفت النظر بصورة خاصة أن «أحمس الثاني»، قد ذكر اسمه في طغرائه التي نقشت على هذا الناووس بأنه «أحمس بن أوزير» بدلًا من «أحمس بن نيت»، وهو الاسم المعتاد الذي كان ينادى به في كل آثاره، غير أنه لا غرابة في ذلك؛ لأنه قد سمي بهذا الاسم هنا؛ لأنه كان يقيم معبدًا لهذا الإله في العرابة، وكذلك فإن كل ملك حي كان يدعى بوصفه حور بن أوزير.
١٤  راجع: Catalogue of the Demotic Papyri in the John Rylands Library Vol. III, P. 20 ff.
١٥  يلحظ هنا أن زوجته لم تدخل في ذلك، وعلى هذا فهي حرة تتمتع بأملاكها.
١٦  يقصد وثيقة.
١٧  راجع «ديدور» الصقلي في ذلك حيث يقول: وقد عمل بوكوريس على أن تدفع الديون فقط من أملاك المدين، ولم تسمح بأية حال من الأحوال أن تؤخذ أشخاصهم في مقابل ذلك؛ وذلك لأن أشخاصهم كانت ملكًا للدولة ليقوموا بخدمات في وقت السلم والحرب. غير أنه لا يصح أن تؤخذ بيانات ديدور على أنها حقائق تاريخية، ولكن يمكن أن تكون مفيدة بوصفها تلميحات وإيضاحات لما عساه أن يرجع إلى أصل تاريخي.
١٨  وإذا كان هذا الرجل عاملًا مستديمًا للمعبد، فإنه كان في الإمكان أن يعترف بعبوديته للكاهن الأول للمعبد قبل أن يصبح عبدًا للكاهن أسمتو.
١٩  وهذه لا يمكن أن تكون إلا الدخل الذي كان يأتي من الواحة الكبرى، وهي التي منذ الأسرة الثامنة عشرة كانت ملك حكام العرابة (راجع Br. A. R. II, 763)، وهذا الدخل كان على ما يظن قد خصص لدفع مصاريف دفن أهل «العرابة المدفونة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠