المدنية المصرية في العهد الساوي

أحوال الجيش المصري وطلائع الجاليات الإغريقية في مصر

تدل كل الظواهر على أن مصر قد لبست ثوبًا جديدًا في عهد الأسرة السادسة والعشرين يوحي بقيام نهضة عارمة، سارت بالبلاد قدمًا نحو فجر جديد يعيد لها ماضيها التليد، وحضارتها العريقة في القدم وثقافتها المتشعبة النواحي، وذلك عندما تولى عرش ملكها فرعونها الفتى «بسمتيك الأول»، وأخذ بثاقب فكره يرى ضرورة اختلاط بلاده بالشعب الإغريقي، وما انطوت عليه بلاده من حضارة فنية وثقافية أصيلة لم تكن مصر تعرفهما من قبل، وبخاصة ما امتاز به أهل الشعب الإغريقي من النبوغ في الفنون الحربية الحديثة، التي كان يعرفها المصريون على الرغم من عراقتهم في ضروب الطعن والنزال.

ويرجع الفضل الأكبر في اتصال القطرين بعضهما ببعض إلى الملك «بسمتيك الأول»، الذي يعتبر الدعامة الأولى في تأسيس دولة «سايس» في مصر، فقد انتهز بما أوتي من حذق ومهارة وذكاء فذ الموقف السياسي المناسب وقتئذ لبلاده في العالم لتحسين حالة مصر والنهوض بها، وقد بدأ أولًا لمدة فترة وجيزة بتطهير داخل بلاده مما كانت تواجهه من الصعاب، وقد كان أول ما بدأ به هو التغلب على أولئك الأمراء الإقطاعيين الذين أبوا الخضوع له طوعًا؛ وعلى أية حال لم يستمر النضال لإخضاعهم طويلًا، إذ بعد انقضاء سنين قلائل خضعوا له جميعًا عن طيب خاطر، وإن كان بعضهم لم يسلم إلا بعد هزيمة نكراء. وقد رأى بسمتيك ألا يضع الفريق الأخير من هؤلاء الأمراء، الذين كان لا يزال يخاف شرهم إلا في مناصب كبيرة اسمية لا تمكنهم من القيام عليه كرة أخرى. فمن هؤلاء مثلًا الأمير «منتومحات» الطيبي، فإنه لم يكن يتمتع في عهد بسمتيك بأي استقلال سياسي كما كانت الحال فيما مضى، ولكنه مع ذلك كان يحمل الألقاب التي كانت تؤهله لذلك؛ أي إنها كانت قد أصبحت ألقاب شرف وحسب، وكذلك نلحظ فيما ذكرناه آنفًا أنه حتى أسرة أمراء رؤساء السفن الذين كان مقرهم في أهناسيا المدينة قد فقدوا، على الرغم من مصادقة عظمائها القديمة للفرعون «بسمتيك»، كل ما كان لهم من سلطان ونفوذ إقطاعي؛ وذلك لأن الفرعون «بسمتيك» كان قد أخذ في اتباع تنصيب الأمراء القدامى في وظائف حكومية إدارية بعيدة عن موطنهم الأصلي بقدر الإمكان، وذلك بعد سلبهم كل سلطتهم الإقطاعية. ومن ثم يلحظ أنه بعد نهاية العام الرابع والثلاثين من حكم «بسمتيك»؛ أي حوالي عام ٦٣٠ق.م قد اختفت عن الأعين وظيفة رياسة السفن الوراثية التي كانت تتمتع بها أسرة واحدة بعينها؛ وذلك لأنه لم يكن هناك مجال لوجود مثل هذه الوظيفة المستقلة أو شبه المستقلة، وهي الوظيفة التي كان يتمتع بها صاحبها كما شاهدنا من قبل بنفوذ عظيم في كل من مصر الوسطى ومصر العليا في مملكة جديدة موحدة. وبسبب اختفاء هذه الوظيفة الوراثية نصادف في «أهناسيا المدينة» قائدًا حربيًّا يدعى «حور» تحت سلطان الفرعون مباشرة، وقد قام ببناء عمائر غاية في الجمال، كما قام بعمل إصلاحات في معبد الإله «حرسفيس» (حرشف معبود أهناسيا المدينة)، وقد كانت أهناسيا هي مسقط رأسه، ولكنه كان قبل ذلك قد عين قائدًا في الوجه البحري في مقاطعة «بوصير»، وهي المقاطعة التاسعة من مقاطعات الوجه البحري (راجع أقسام مصر الجغرافية في العهد الفرعوني للمؤلف ص٧٨). وكان والده يدعى «بسمتيك»، ومن ثم نجد هنا في «أهناسيا المدينة» رجلًا من المقربين جدًّا للأسرة الساوية، ومع ذلك سنرى أن نسل أمراء «أهناسيا المدينة» قد استمر حتى عهد «الإسكندر الأكبر»، كما يلحظ ذلك في أسرة الأمير «سمتاوى تفنخت» الذي بقيت أسرته قائمة في أهناسيا حتى عهد «الإسكندر الأكبر»، ولكن لم يكن لها النفوذ الإقطاعي العظيم الذي كانت تتمتع به من قبل.

والواقع أن هؤلاء الأمراء وكذلك الملك «بسمتيك» نفسه وأسرته لم يكونوا من أصل مصري، وذلك أنه منذ عهد الدولة الحديثة كان السواد الأعظم من أفراد جيش فرعون من أصل أجنبي لوبي بوجه خاص؛ فمنذ عهد «رعمسيس الثالث» كان الجيش المصري يحتوي على جنود لوبيين بصورة متزايدة على مر الأيام، حتى أصبح كل رجال الجيش فيما بعد يتألفون من هذا العنصر بوجه عام، أما المواطنون المصريون الأصليون في المدن والقرى، فقد أبعدوا عن حمل السلاح بصورة مستمرة، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن أغلق في وجوههم باب الجندية والخدمة في الجيش العامل.

وقد تحدثنا من قبل عن الجيش اللوبي وتأليفه (راجع مصر القديمة الجزء التاسع). والواقع أنه منذ بداية الألف الأولى كان كل جندي من أصل لوبي يشغل وظيفة متوارثة، وكان يسمى «مي» وهي كما ذكرنا من قبل مختصر اسم القبيلة اللوبية المعروفة باسم «مشوش»، وهذا الاسم الأخير حرفه اليونان إلى كلمة ماشيموي Machimoi. وكان هؤلاء الجنود ينقسمون فرقتين إحداهما تدعى «هرمونيير»، والأخرى تدعى «كلازيري»، وكان جنودهم يسكنون في مستعمرات حربية مغلقة؛ أي قائمة بذاتها في مقاطعات الدلتا. وقد كان كل جندي يملك قطعة من الأرض معفاة من الضرائب تبلغ مساحتها اثني عشر أرورا (= ١٢ هكتارًا من الأرض).

وقد كان كل جندي من هؤلاء لا يستمر مدة طويلة في وظيفته دون أن يرقى؛ وذلك لأن قائدهم الأعلى كان دائمًا يرعاهم ويرقيهم إلى وظائف أعلى بحسب الكفاية، وقد انتهى الأمر بهؤلاء الجنود اللوبيين في عام ٩٥٠ق.م أن اعتلى أحد كبارهم العظام وهو شيشنق الذي كان من أسرة عريقة في الجندية عرش الفراعنة. وفي خلال القرنين ونصف القرن التي تلت توليه عرش الملك، أخذت البلاد في النهاية إلى التمزيق، وأصبحت تتألف من عدة مقاطعات صغيرة كان يحكمها أخلاف شيشنق الأول وقواد المشوش الذين كانوا منتشرين في البلاد بوصفهم ملوكًا، وأمراء مستقلين تقريبًا.

وقد قام أحد هؤلاء الأمراء في النهاية، وهو «بسمتيك» وأخضع سائر المقاطعات لسلطانه؛ وكان ذلك إما بالحرب وإما بالطرق السلمية كما ذكرنا ذلك من قبل، وبذلك سلبهم كل استقلالهم وسلطانهم. وقد كان الأساس في نجاح «بسمتيك» في أعماله الحربية والسلمية يرجع إلى قوة شخصيته وإخلاص جيشه الذي ألفه، والذي كان تحت إمرته مباشرة. وقد كان في استطاعة بسمتيك أن يعتمد على جزء من جنود المشوش، وبخاصة الذين كانوا معه في مقاطعته الأصلية أهناسيا، غير أنه كان من المستحيل على بسمتيك أن يقيم دعائم مملكته على أسس متينة ثابتة، وهي كما هي تتألف من أمراء المشوش، ومن جنود المشوش أنفسهم وحسب، يضاف إلى ذلك أنه لم يكن لديه أي أمل في تجنيد المصريين؛ ليناهض بهم هؤلاء الأمراء أبناء جلدته، وعلى أية حال فإنه لم يفكر أي ملك من ملوك العصر المتأخر قط في إقامة جيش من المصريين الوطنيين، الذين لم يتعودوا الجندية منذ زمن بعيد، وذلك بإبعادهم عنها، ومن ثم لم يبقَ أمام بسمتيك وسيلة أخرى للنهوض بالجيش، إلا أن يؤلف جيشًا من الجنود الذين كانوا يفدون عليه من مصر من البلاد المجاورة، وبخاصة بلاد الإغريق. وقد كانت الأحوال السياسية الخارجية مواتية لمساعدة بسمتيك على عزمه هذا بصورة مدهشة تدعو إلى الأمل والفلاح. وذلك أن حركة الاستعمار التي قام بها الإغريق خارج بلادهم كانت قد بلغت في عهده درجة عظيمة جدًّا من التوسع. وقد كان سبب ذلك ازدحام بلاد الإغريق نفسها بالسكان في تلك الفترة، مما جعل من المستحيل اتساع رقعة بلادهم لإطعام أهلها وإيوائهم؛ ومن ثم كان الجم الغفير من الإغريق يغادرون بلادهم بصورة مستمرة في جماعات. ولم يقتصر ذلك على بلاد الإغريق نفسها، بل امتد ذلك إلى بلاد شاطئ آسيا الصغرى التي كان يسكنها إغريق؛ وقد كان الكل يبحثون عن وطن جديد في أي مكان في العالم لضيق بلادهم وازدحامها بالسكان، ومن ثم نشأت على سواحل البحر الأبيض المتوسط، والبحار المجاورة له مستعمرات إغريقية جديدة من أول «تانايس» Tanais الواقعة على بحر «ازوف» حتى سواحل «إسبانيا».
ويلحظ أنه لم تكن التجارة هي المقصد الأول الذي كان يسعى إليه الإغريقي، كما كان يفعل الفنيقيون في كل عهودهم بل كان غرضهم الاستيطان قبل كل شيء. وتدل شواهد الأحوال على أن بحارة الإغريق قد ولوا وجوههم شطر مصر، ولكن في الواقع نجد أنه في بلاد ثقافية كمصر حتى في أسوأ أوقاتها لم تكن نظرتها خالية من الأمور السياسية؛ ولذلك لم تكن هناك فرصة للإغريق للقيام بإنشاء مستعمرة لهم هناك بسبب كره المصريين للأجانب. وكان كل ما وصلوا إليه في هذا المضمار أن قراصنتهم كانوا يأتون إلى دلتا النيل، وهناك كانوا يتصلون بالمصريين عرضًا دون أن يجرءوا على طلب الاستيطان هناك. وقد أوحى ذلك إلى الفرعون بسمتيك نفسه أن يسهل للإغريق أمر الاستيطان في مصر عندما فطن لغرضهم، وذلك بسبب مهارة الإغريق الحربية، هذا بالإضافة إلى الكاريين الذين يذكرون معهم، وهم سكان سواحل آسيا الصغرى، فقد شجعهم على الهجرة لمهارتهم في الحروب؛ ويمكن للإنسان أن يلحظ مهارة هؤلاء القوم من الوجهة الحربية في قرصنتهم الجريئة؛ ومن ثم بدأ بسمتيك استخدام القرصان الذين كانوا يفدون على الدلتا من هذه الجهات (راجع Herod II, 152)، وقد تحدثنا عن ذلك فيما سبق.

وفي عام ٦٥٥ق.م أرسل «جبجيز» ملك «ليديا» (وهي بلاد قديمة في آسيا الصغرى، وتقع بين بلاد «ميزيا» و«فريجيا» و«كاريا» وبحر «ايجه» وعاصمتها «ساردس») جنودًا من الأونيين والكاريين لمساعدة «بسمتيك». ولا نزاع في أن الرواية الإغريقية القديمة كانت على حق عندما تذكر أن مساعدة هؤلاء الأجانب كانت العامل الفاصل في نجاح «بسمتيك» في حروبه الداخلية مع أمراء الإقطاع الذين ثاروا عليه في أول حكمه، وبعد انتهاء هذه الحروب الداخلية بسرعة لم يترك «بسمتيك» الإغريق والكاريين الذين كانوا في خدمته يعودون إلى أوطانهم، وقد فضل هؤلاء من جانبهم أن يسكنوا في مستعمرات خاصة بهم مثل جنود المشوش، وقد رأى «بسمتيك» بما أوتيه من بعد نظر أن يوزع الجزء الأكبر من خيرة جنوده هؤلاء على الثغور الخطرة من بلاده، وأعني بذلك الحدود الشمالية الشرقية التي كانت عرضة للغزو، ومن ثم أسس ما دعي «معسكر الجيش» عند فرع النيل البلوزي في أسفل مدينة «بوبسطة»، ثم بدأ يعلم المواطنين المصريين اللغة الإغريقية؛ وذلك ليكونوا تراجمة لهؤلاء الوافدين الجدد من الإغريق. ولم يكن قصد هؤلاء الإغريق والكاريين أن يكونوا جنودًا مرتزقين أو سياحًا، بل جاءوا ليحصلوا من الأرض التي يستعمرونها أن تكون ضمانًا لإقامتهم بعد أن تغربوا عن بلادهم، وذلك في مقابل ما يقدمونه من الالتزامات التي تعهدوا بها في خدمة الجيش المصري.

والواقع أن هؤلاء المستعمرين الجدد ما لبثوا أن مهدوا على وجه السرعة العلاقات التجارية بين مصر والبلاد التي وفدوا منها، وبخاصة ما نجده من وفود التجار من «آسيا الصغرى» وجزر بحر «ايجه»، وهي الأماكن التي كان يجب منها الجنود المستعمرون، وقد كان لأهالي بلده مبليه القدح المعلى في ذلك، فقد وفدوا بنحو ثلاثين سفينة إلى فرع النيل «البولبيتي»، وأسسوا لهم مستودعًا هناك. ويحتمل أن ذلك كان قد حدث ما بين ٦٢٥–٦٠٩ق.م، ولا نزاع في أن سياسة الفرعون «نيكاو» البحرية قد ضاعفت هذه العلاقات التجارية بصورة محسة، وبخاصة عندما نعلم أنه في عهده كان لمصر أكبر أسطول في البحار، ولا نزاع في أن تبادل التجارة بين مصر وبلاد الإغريق قد استمر منسجمًا، فكانت مصر ترسل الحبوب وكان الإغريق يدفعون ثمنها فضة (راجع Grafton Milne, The Trade Between Greece and Egypt before Alexander The Great J. E. A., 25 P. 177 ff).
وكذلك كانت مصر صاحبة علاقة مع الدول الإغريقية نفسها، ولا أدل على ذلك من أن ابن أخ «بريندر» Periander١ التيراني صاحب «كورنثه» وخليفته، وهو الذي كان يعد أقوى شخصية في العالم الإغريقي في القرن السابع قبل الميلاد كان قد تسمى باسم بسمتيك تيمنًا به، وفي ذلك دليل كافٍ على ما كان بين البلدين من ود ومصافاة. يضاف إلى ذلك أن الفرعون كان يجري وراء إيجاد علاقات دينية تربطه بالعالم الإغريقي، فمن ذلك أن الفرعون «نيكاو» قد قدم درعه الحربية، التي كان يرتديها في حملته على «سوريا» للإله «أبولون» صاحب معبد «ميلوس»، وفيما بعد نجد أن «أحمس الثاني» قد قدم قربانًا لآلهة سيريني وأسبرتا «وساموس» و«لندوس»، كما أسهم هذا الفرعون كذلك في بناء معبد «دلفي» الذي كان أحرق بمبلغ ٥٤٨ تلنتا،٢ وقد كان هذا العمل يُعد دليلًا عظيمًا على ما للجنود الإغريق القاطنين في مصر من أهمية بالغة.

وقد كان السبب الأساسي لكل هذه المظاهر التي أبدتها مصر نحو بلاد الإغريق هو حاجة بسمتيك الملحة لكسب ثقة الرجال المهرة المدربين من الأجانب؛ لينخرطوا في صفوف جيشه. ومما يطيب ذكره في هذا المقام أن العلاقات التجارية بين مصر وبلاد الإغريق كان لا يمكن أن تنقطع، كما كان الفرعون يرغب في الوقت نفسه في تنميتها وتعضيدها كثيرًا، وإن كانت في الأصل ليست ذات موضوع لدى بسمتيك. أما من حيث سياسة القوة، فإنها لم تقم بأي دور هام في إيجاد العلاقات بين الساوية وبلاد الإغريق، منذ عهد بسمتيك حتى عام ٥٤٦ق.م بوجه عام؛ أي إن مصر لم تعتمد على جيش إغريقي ليساعدها في حروبها، على أنه من الخطأ أن يقال: إن جيش الفرعون «بسمتيك» كان مؤلفًا من جنود إغريق وكاريين وحسب، كما نجد ذلك مذكورًا بشيء من التحيز من الجانب الإغريقي.

والواقع أن الإغريق والكاريين قد لعبوا دورًا ممتازًا من حيث القدرة والكفاية، وكذلك من حيث العدد بوصفهم جنودًا مرتزقة، ولكن لا يفوتنا أنه كان يوجد بجانبهم في ساحة القتال جنود من اليهود والفنيقيين والسوريين واللوبيين والنوبيين. فنعلم من الأوراق البردية التي عثر عليها في «الفنتين» أنه كانت توجد مستعمرة يهودية في العهد الفارسي تحتوي على جنود من اليهود، غير أن هؤلاء اليهود كانوا يقيمون هناك قبل العهد الفارسي بزمن طويل. وقد كانت الحكومة المصرية قد سمحت ليهود «الفنتين» بإقامة معبد في حاميتهم هناك. وليس لدينا من برهان مبين لتوضيح ميزة المستعمرة اليهودية الحربية أكثر من أنها كانت ثابتة في مكانها المعين، ولكن الإنسان يتساءل متى أسست هذه الحامية اليهودية في الفنتين؟

الواقع أنه في كتاب التثنية يقول ملك اليهود في الإصحاح ١٧ سطر ١٦ ما يأتي: ولكن لا يكثر له الخيل ولا يرد الشعب إلى مصر؛ لكي يكثر له الخيل والرب قال لكم: لا تعودوا ترجعون في هذه الطريق أيضًا. وقد فهم المؤرخ «إدوردمير» (راجع Ed. Meyer, Kleine Schriften Bd I, P. 77; Anm. I, Comp. Papyrusfund Von Elephantine (Leipzig 1912), P. 34; Ed. Meyer, Geschichte des Altertums, III, 2, P. 146, Anm. 2) من ذلك وجود تجارة نشطة تدور حول إرسال جنود من اليهود إلى مصر في مقابل خيل. وقد حدث ذلك منذ عهد الفرعون «بسمتيك الأول». ولا بد أن حامية الجنود الإغريق كانت قائمة في «الفنتين»؛ ولا غرابة في أن نعرف أن هذا الفرعون قد وضع حامية من الجنود اليهود عند حدود بلاده الجنوبية، إذ لا شك في أن ذلك كان من جانبه إجراء غاية في الحزم وبُعد النظر. هذا وقد أخذت القوات اليهودية تصل إلى البلاد بعد ذلك في عهد أخلاف «بسمتيك». فقد ذكر لنا «أريستياس» Aristeas (راجع Ad. Philokr, 13) أنه في عهد «بسمتيك الثاني» قد جاء إلى مصر يهود بمناسبة حملته على بلاد كوش؛ ليلتحقوا بالجيش المصري، ثم مكنوا هناك بعد انتهاء الحرب. ولا نزاع في أن هذه المذكرة قد أثبتت حقيقة أنه في كل من الحالتين التي أصيب فيها اليهود بأذى في السنين العشر الأولى من القرن السادس، زادت هجرتهم إلى مصر؛ وبخاصة لأن الأمور كانت تجري على غير ما يرغبون، وقد كانوا يخافون العقاب كما حدث لهم بعد هدم أورشليم، وقتل «جوليا» حاكم المدينة الذي ولاه «نبوخد نصر».

وهكذا نما المجتمع اليهودي القاطن في «الفنتين» بما كان يفد إليه من جنود مهاجرين؛ على أن الحامية لم تكن تحتوي على يهود وحسب، بل كان يوجد بينهم جنود آخرون من الآسيويين واليهود، بل ويحتمل كذلك من اللوبيين. هذا ونجد عدا ذلك لوبيين في الجيش الساوي، هذا بالإضافة إلى نوبيين وسوريين وفنيقيين.

وقد أوجد «بسمتيك» في هذا الجيش قوة من الأجانب دون أن يغير شيئًا في نظام المستعمرات الحربية. وهذه القوة كانت تقف في وجه المشوش القدامى الذين كانوا سببًا في خلق مصاعب لقائدهم بالخروج عليه عندما رأوا أنهم قد اضطهدوا. فقد ذكر «هردوت» أن ٢٤٠٠٠٠ مقاتل من المشوش بقوا في حامياتهم التي كانت في «الفنتين» و«دفنى» و«ماريا» مدة ثلاث سنوات في حراسة حدود البلاد دون أن يسرحوا في إجازة؛ ومن أجل ذلك انتقضوا على «بسمتيك الأول» وذهبوا إلى بلاد كوش، وقد أسكنهم ملك هذه البلاد في جنوب مملكته، وقد أسرع بسمتيك خلفهم لإعادتهم، ولكنهم لم يسمعوا رجاءه ليعودوا إلى بلادهم، وعلى الرغم مما تحتويه قصة هذه الهجرة من حديث خرافة كما أوضحنا ذلك فيما سبق، فإنها تنطوي على نواة تاريخية، إذ لا بد أن جزءًا من جنود المشوش القدامى قد هاجروا إلى بلاد كوش رافضين الانضمام إلى فرقة «بسمتيك» القوية، ومن الجائز أن ذكرى التسلط الكوشي المنحل على مصر، وهو العهد الذي كان يترك لهم فيه الحبل على الغارب، والذي كانوا يتمتعون فيه بقوانين خاصة، كان له يد في ذلك؛ وبخاصة أن «بسمتيك» قد أخذ يقبض على ناصية الأمور بعزيمة ماضية. وعلى أية حال لا بد أن بسمتيك كان قد سر من هذا العمل أكثر من أن يغضب، إذ قد تخلص من العناصر الجامحة في جيشه (راجع H. Schafer, Klio 4 (1904), P. 152 ff)، ويتساءل الإنسان كيف كان في مقدور بسمتيك الأول أن يؤلف وحدة متماسكة بصورة مقبولة من هؤلاء الجنود، الذين كانوا من قوميات متعددة متباينة حتى يصبح بذلك جيشًا صالحًا للقتال؟ والواقع أن الفرعون قد توصل إلى ذلك بوساطة جماعة من الضباط الذين كانوا ينحصرون في دائرة ضيقة حول فراعنة الأسرة الساوية، وهؤلاء الضباط كانوا بحكم التقاليد من طائفة جنود المشوش، الذين كانوا مرتبطين به وملتفين حوله بحكم الدم.

وعلى الرغم من أن المادة التاريخية التي تؤكد لنا ذلك قليلة، فإن ذلك يمكن فحصه على أحسن وجه لما لدينا من معلومات من عهد الملك «بسمتيك الثاني»، وعلى الرغم من ذلك فإنه لا بد أن يثق المرء في النتائج التي توصلنا إليها من درس عهد بسمتيك الأول؛ وذلك لأن ما نعلمه فيما بعد عن نظام الجيش في عهد الأسرة الساوية كان لا بد قد أخذ عن الأنظمة التي وضعها مؤسس الدولة، سواء أكان ذلك في الأمور الدينية أم فيما يتعلق بنظام الجيش وإعداده.

والواقع أنه قد جاء في نقش باللغة الإغريقية تركه لنا جندي إغريقي من جنود بسمتيك الثاني على تمثال من تماثيل رعمسيس الثاني الضخمة، التي أقامها في واجهة معبد «أبو سمبل» ببلاد النوبة ما يأتي: «عندما أتى الملك بسمتيك إلى الفنتين كتب ذلك أولئك الذين كانوا مسأفرين مع «بسمتيك» بن «تيوكلس» Theokles، ولقد وصلوا إلى «كركيس» Kerkis بقدر ما سمح به النهر؛ والأجانب الذين كان يقودهم القائد «بوتاسيمتو»، والقائد المصري «أحمس» وقد كتبناه نحن «أرخون» Archon بن «أمويبيكوس» Amoibichos و«بلكوس» Pelkos بن «أوداموس» Udamos
ومن الواضح هنا تمام الوضوح أن قائد الإغريق كان والده يدعى «تيوكلس»، ويحمل اسمًا إغريقيًّا أصيلًا، وكان الاسم الذي يدعى به هذا القائد (وهو ما يسمى بالاسم الجميل)، هو اسم بسمتيك؛ أي باسم الفرعون، ومن ثم نفهم أنه كان قد ولد في مصر. وإذا سلمنا أنه كان قد تولى قيادة الجنود الإغريق في الحملة التي قام بها بسمتيك الثاني، وهو في الأربعين من عمره، فإنه يكون قد ولد في عام ٦٣٠ق.م، وعلى ذلك فإن والده كان في خدمة الجيش المصري في النصف الأول من حكم بسمتيك الأول، هذا وكانت توجد بين هذه الأسرة والبيت الساوي علاقة وطيدة (راجع Hall, Cambridge Ancient History III, P. 301).
ومن نقوش تمثال أبو سمبل السالفة الذكر قد استنبط أن جيش «بسمتيك الثاني»، الذي ذهب في حملة على بلاد النوبة كان مؤلفًا من ثلاث فرق تسير جنبًا لجنب وهي:
  • (١)

    فرقة من المصريين بقيادة «أحمس».

  • (٢)

    فرقة من الإغريق بقيادة «بسمتيك» بن «تيوكلس».

  • (٣)

    فرقة من باقي الأجانب بقيادة «بوتاسيمتو».

على أنه توجد هنا صعوبة حقيقية لا بد من التغلب عليها، وهي ما ذكره «هردوت» من أن المؤتيين والكاريين كانوا أول أجانب سمح لهم بالدخول في مصر. ولكن الموضوع هنا يتوقف على عبارة أجانب، إذ إنها تعني كل ما ليس بمصري بما في ذلك الإغريق. والآن يتساءل الإنسان كيف تكون الحال عندما نقرن مكانة الإغريقي «بسمتيك» بمكانة بوتاسيمتو؟ فهل كانا في مكانة متساوية؟ والواقع أنه لدينا تابوت وآنية قربان لقائد مصري يدعى «بوتاسيمتو = بدي سماتوى»، وتمثال القائد يدعى أحمس (أمسيس)، وقد كان كل من هذين القائدين يمزج في اسمه اللقب الذي كان يلقب به بسمتيك الثاني، وهو «نفر-اب-رع» بوصفه الاسم الذي كان ينادى به كل منهما، وهو ما يطلق عليه عند المصريين «الاسم الجميل» فكان القائد الأول يسمى: «(نفر-اب-رع) نب كنت»، والقائد الآخر يدعى «(نفر-اب-رع) نخت» ومن ثم يمكن القول: إنهما كانا معاصرين لهذا الفرعون. والبيانات التي وردت على الآثار تدل دلالة واضحة دقيقة، على أنهما هما الشخصان اللذان ذكرا على تمثال «أبو سمبل». وبذلك لا يوجد أي شيء في شخصيتهما، وقد تحدثنا عنهما بإسهاب عند الكلام على آثارهما فيما سبق.

وكان أول ما نشاهده في ألقابهما هو أن «بوتاسيمتو» كان قائد الجنود الإغريق، في حين أن «أحمس» كان لا يحمل هذا اللقب، وعلى ذلك كانت العلاقة بينهما في الحملة النوبية واضحة، فقد كان أحمس يقود الفرقة المصرية المؤلفة من جنود المشوش، في حين أن «بوتاسيمتو» كان يقود كل الجنود الأجانب. وكان «بسمتيك» بن «تيوكلس» بوصفه ضابطًا للجنود الإغريق في جيش «بوتاسيمتو» مرءوسًا للأخير.

هذا وكانت الحاميات التي سبق ذكرها معسكرة في حصون الحدود الجنوبية في الفنتين، وتحتوي على إغريق ويهود، وذلك على ما يظهر غير ما كانت تحتويه من جنود آسيويين ولوبيين. وقد كان القائد لحصن الفنتين معروفًا لنا في عهد الملك «إبريز» بالاسم، وهو «حور» وتمثاله لا يزال محفوظًا، وقد تحدثنا عنه فيما سبق، وقد كان مصريًّا من أهل الدلتا كما كانت الحال مع سائر قواد هذه الفترة (راجع Kees, Nachrichten der Ges. der Wissinsch. Zu Gottingen (1935) P. 95 (zur Innenpolitik der Saitendynastie; Comp. A. Z. 72, P. 43-44; A. Z. 48, P. P. 160–163.).
هذا ولدينا أمير بحر للأسطول يدعى «حور» من عهد بسمتيك الثاني، وكان يحمل في وقت واحد لقب أمير ورئيس خزانة ملك الوجه البحري، وكذلك قائد الأجانب والإغريق (راجع Petrie, Hyksos and Israelites Cities, P. 18, Pl. XV and XX, L. R. IV, P. 99 No. 33).
وقد ذكر لنا كل من المؤرخين «أدوردمير» و«فيدمان» قائدًا آخر يحمل هذا اللقب من عهد الملك بسمتيك الثاني (راجع Gesch. Ag. P. 364, Anm 3 bez. Ag. Gesch. P. 636 with No. 13, suppl. P. 70; K. Piehl. Rec. Trav. 3, P. 70 f, and Wiedemann Rec. Trav. 6, P. 117).

هذا وبفحص التماثيل وغيرها من الآثار التي من العصر الساوي يمكن مضاعفة هذه الأمثلة. وهكذا نرى أن الجنود الأجانب كانوا مقسمين على حسب قومياتهم إغريقًا ويهودًا ولوبيين … إلخ، وكان كل قسم بإمرة ضابطه، ولكن هذه الأقسام كلها كانت تحت إمرة القائد الأعلى المصري، وهذا ينطبق حتى على القواد المدربين القدامى في خدمة الساويين، كما يلحظ ذلك في حالة بسمتيك الأفريقي الذي تحدثنا عنه.

ولم تحفظ لنا التقاليد المكتوبة التي وصلت إلينا أسماء رجال تدل على المركز الثانوي الذي كان يشغله القواد الإغريق، والمثال الوحيد الشاذ الذي وصل إلينا من هذا القبيل هو «فانس الهلكرناسي»، الذي ذكره «هردوت» في آخر العهد الساوي، وقد تحدثنا عنه فيما سبق. على أن هذا المثل ليس حاسمًا، إذ لم يقم هذا القائد بدور رئيسي في قيادة جيش في مصر، بل كانت شهرته تنحصر في دور الخائن الذي لعبه بانضمامه إلى الفرس، وقد لقي جزاء خيانته. وتدل شواهد الأحوال على أن «فانس» هذا لم يشغل مكانة عالية مثل المكانة التي كان يشغلها بسمتيك بن «تيوكلس» بأية حال من الأحوال. وذلك على الرغم من مهارته وذكائه، ومما لا شك فيه أن إسناد القيادة العليا إلى ضابط مصري كبير بمفرده لم يكن كافيًا لإدارة جيش متعدد القوميات والنزعات، كما لم يكن كافيًا لإيجاد نظام حقيقي بين صفوفه، وعلى ذلك لم يكن هذا الجيش المؤلف بهذه الكيفية أداة حرب من الطراز الأول بأية صورة. وحقيقة الأمر أن حامية مثل حامية الفنتين التي كان جنودها معسكرين في حصن واحد باستمرار، كان مثلهم كمثل معسكر جنود المشوش يعملون فقط في مناسبات، وكان محرمًا على جنودها في الأصل أن يعملوا في صناعات أخرى خارجة عن أعمال الجيش. وعندما قرن «أرميا» في الإصحاح ٤٦ سطر ٢١ مرة جنود مصر بعجول الحظائر، التي تفر أمام العدو بقوله: «أيضًا مستأجروها في وسطها كعجول صغيرة؛ لأنهم هم أيضًا يرتدون ويهربون معًا. لم يقفوا؛ لأن يوم هلاكهم أتى عليهم وقت عقابهم.» فإن ذلك كان في الواقع خبثًا منه، ولكنه لم يخطئ كل الخطأ في تصويره هذا.

وعلى أية حال فإن ذلك لا يغير حقيقة أن المشاة الإغريق كانوا يفوقون كل الجنود الشرقيين بما في ذلك الفرس، كما برهنت الحوادث على ذلك مدة جيل بعد نهاية دولة الأسرة الساوية. فقد وجدنا في جيوش ولايات آسيا الصغرى، التي كان لزامًا على مصر أن تحاربها للمرة الأولى في جيش «قمبيز» فرقًا كبيرة من الجنود الإغريق (راجع Herod. III, I; III, 139)، وقد خدم في جيش الملك «نبوخد نصر» بعض المغامرين من الإغريق مثل «أنتيمنيدس» Antemenidas الذي تحدث عنه الجغرافي سترابو (Strabo XIII, 2-3)، وفضلًا عن ذلك فإن جيش «نبوخد نصر»، على الرغم من انتصاراته العظيمة على الجيش الساوي، فإنه لا يكاد يختلف عنه في كثير من الوجوه، إذ كان مثل الجيش الساوي مؤلفًا من جنود يقومون على نظام المستعمرات الحربية، كما أنه كان من حيث النوع تنقصه أشياء كثيرة (راجع Meissner, Babylonian und Assyrian Bd. I, P. 87–89)، وقد كانت الانتصارات التي أحرزها الجيش البابلي على أية حال ترجع إلى عبقرية «نبوخد نصر» نفسه.

ولا نزاع في أن فراعنة مصر كانوا على معرفة تامة مثل «نبوخد نصر» بهذه النقائص، يدل على ذلك دلالة لا لبس فيها ولا إبهام سياستهم الخارجية التي كانت متخذة خطة الدفاع لا الهجوم. على أن تجاهل الفرعون «إبريز» ما كان عليه جيشه من ضعف في قوته ونظامه قد كلفه في نهاية الأمر فقدان عرشه ثم هلاكه هو؛ وقد ظلت مصر من جراء ذلك حوالي عشرين عامًا تتعثر في أذيال الاضطرابات والثورات التي انتشرت في أنحائها، فلم يكن من باب الصدف ما علمناه من قيام عصيانين كبيرين في عهد «إبريز»؛ فقد قام لسبب غير معلوم عصيان في حامية الفنتين، وقرر جنودها الذهاب إلى «بلاد كوش»، وهذا القرار يذكرنا بالقرار الذي اتخذه جنود المشوش قبل ذلك بجيلين، ولكن على الرغم من ذلك وصل قائد الحامية «نسحور» المصري، وهدأ العصيان كما يقول بإغداق العطايا على الثائرين، ومن ثم سيطر على الموقف وأعاد النظام إلى نصابه، وبالنسبة لهذه الحالة فإن هذه النتيجة المرضية قد ترجع إلى كبرياء «نسحور».

وقد حلت بجيش «إبريز» في آخر أيام حكمه كارثة في حرب مع بلاد «سيريني» (لوبيا) كما ذكرنا من قبل. ومن ثم اندلع لهيب عصيان كانت نهايته سقوط الفرعون وموته. وفي هذه المرة كان هناك سبب آخر أدى إلى هذه النتيجة المحزنة؛ فقد كانت توجد بين المصريين واللوبيين من قبيلة «المشوش»، الذين في خدمة الأسرة الساوية وبين الجنود الأجانب منافسة مستمرة. ومن المحتمل أن «إبريز» بما أظهره من مجاملة ومحاباة للإغريق قد زاد في إذكاء الأحقاد التي كانت بين الفريقين. وقد كان لهزيمة المصريين على يد الإغريق «سيريني» أثر سيئ في نفوس المصريين، أدى إلى كرههم الإغريق الذين كانوا في مصر مما جعلهم يكنون لهم أشد العداء، ويتمنون مغادرتهم الديار المصرية. يضاف إلى ذلك أن اغتصاب «أحمس» قائد الجنود المشوش للعرش والحروب التي شنها على «إبريز» من عام ٥٦٩ق.م حتى عام ٥٦٧ق.م، وهي الحروب التي انضم فيها المصريون إلى جانب «أحمس» المغتصب، في حين كان الإغريق والكاريون في جانب «إبريز»، مما زاد في شقة الخلاف بين شطري الجيش وانتشار الفوضى في داخل البلاد. ومع ذلك فإن أحمس بعد انتصاره على خصمه مباشرة قد أظهر أنه لا يمكنه أن يستغني عن الجنود الإغريق.

ويشهد بذكائه الذي أصبح فيما بعد مضرب الأمثال أنه لم يفكر قط في الشروع في العمل بدونهم، غير أنه كان يرى أنه لا بد من عمل نظام جديد لإقامة الإغريق في مصر دون إغضاب الأهلين بقدر المستطاع، وقد سارع أحمس بتنفيذ النظام الذي كان قد صمم عليه في الحال، وذلك أنه عمل على إزالة الحامية الإغريقية والكارية، التي كانت تقع على فرع النيل «البلوزي»، وذلك بنقل جنودها إلى «منف» (راجع Herod. II, 154, Diod. I, 67 i)، وجعلهم يخدمونه بوصفهم حرسه الخاص. وقد حدث مثل ذلك من قبل في عهد «بسمتيك الأول». ومن ثم لم تكن مهمة الجنود الأجانب حماية مصر من أعدائها في الخارج وحسب، بل كان من واجباتهم أن يكونوا الساعد الأيمن للفرعون في داخل البلاد. هذا وقد اتخذ «أحمس» في الوقت نفسه إجراءات تقضي بوضع حاميات عسكرية في الأماكن الاستراتيجية الجغرافية الرئيسية في مصر؛ وبذلك كان في مقدوره أن يستعملها في أي ناحية يهاجم منها وللقضاء بسرعة خاطفة على أي عصيان أو فتنة. هذا ويلحظ أنه في عهد «أحمس» كان يوجد جنود إغريق كذلك في «الفنتين»، ومن المحتمل كذلك في بعض أماكن أخرى خلافًا للمعسكرات التي كانت تقع على الحدود الشمالية الشرقية، وقد كانت حامية «الفنتين» لا تزال قائمة في عهد الحكم الفارسي لمصر؛ غير الأوراق الأرامية العدة التي وجدت في الفنتين، والمؤرخة بالقرن الخامس قبل الميلاد ليس فيها أية إشارة تدل على وجود إغريق في هذه البلدة، فهل يا ترى أن ذلك يعني أن «أحمس» لم يكتفِ فقط بنقل الجنود الإغريق من المعسكرات وحسب، بل كذلك أجلاهم عن أماكنهم الباقية إلى منف؟ والواقع أنه ليس لدينا ما يؤكد هذا الزعم. ولم يكن «أحمس» يميل إلى إغضاب جنود المشوش الذين عززوه، وناصروه على الجنود الإغريق في محنته التي انتهت بانتصاره، واعتلائه عرش الملك بعد أن قضى على خصمه «إبريز»؛ والواقع أنه لم يكن من مصلحة «أحمس»، ولا من مصلحة مصر بلاده أن يفعل غير ما فعل.
وقد قام «أحمس» باتخاذ إجراء جريء يدل على أنه كان يعلم تمام العلم بالورطة التي وقع فيها، وذلك أن غرضه الذي كان يرمي إليه هو أن يجعل وجود الإغريق في البلاد المصرية غير محس من قبل المصريين، إذ كان يشعر أن وجودهم كان حملًا ثقيلًا على كواهلهم، وكان في الوقت نفسه لا يريد جرح شعور الإغريق، وبخاصة أن تجارهم كانوا قد وسعوا تجارتهم في خلال المائة سنة الأخيرة، ومن جهة أخرى كانت تجارة الإغريق هامة ومربحة للدولة المصرية؛ هذا على الرغم من أن منافساتهم التجارية كانت مكروهة لدى المصريين، وأن مجرد وجود أجانب في مصر كان يبعث في نفس كل فرد مصري أشد الكره وعدم الانسجام. على أن كل ذلك لم يثنِ عزم أمسيس عن إسعاد البلاد، كانت أول خطوة خطاها هي تشجيع التجارة الحرة للإغريق في مصر، ولكنه إرضاء للمصريين أزال مستودعاتهم من كل أنحاء البلاد، وبخاصة في كل كل من «منف» و«سايس» اللتين تدعيان العاصمتين الرئيستين في البلاد، وفي مقابل ذلك منحهم مدينة نقراش الواقعة على الفرع الكانوبي في أحسن مكان وقتئذ على البحر الأبيض المتوسط، وقد أصبحت فيما بعد ذات شهرة عظيمة في العالم المتمدين. وقد أسست كمستعمرة منذ بداية القرن السادس تقريبًا، ولكنها أخذت في النمو بسرعة عظيمة، وكانت تعتبر مدينة إغريقية على الأراضي المصرية،٣ وقد حرم بذلك على أي تاجر إغريقي أن يرسو بسفن تجارته في أي جهة أخرى من البلاد، وإذا حدث أن سفينة قد رست في مكان آخر اضطرارًا؛ بسبب معاكسة الريح فإن تجارته كانت تحمل بوساطة سفن إلى «نقراش». وقد سهل هذا الإجراء الذي اتخذه «أحمس» مراقبة الحكومة الواردات، ودفع الضرائب على السلع الإغريقية. هذا ومن النقط التي تحتاج إلى بحث في موضوع الضرائب ما زعمه الأستاذ «كيس»، من أن الضرائب كانت تدفع على حسب ما جاء في لوحة «نقراش» التي يرجع تاريخها إلى عام ٣٨٠ق.م وهو ما يساوي عشرة في المائة على الواردات، ومثلها على المنتجات منذ عهد «أحمس» (راجع Naukratis, R. E. XVI, 2 (1935), P. 1960—Die stele von 380, s. Anlage 10, Naukratis I, Nr. 2.).
وعلى الرغم من كل هذه القيود التي وضعت على حرية الاقتصاديات، فإن السياسة التي اتبعها «أحمس» في «نقراش» مع الإغريق تعد امتيازًا لا يقدر بقيمة؛ إذ الواقع أن ثراء هذه المدينة الإغريقية لم يلبث أن أصبح ذا شهرة عظيمة بسرعة. وقد كان لأهالي «ميلوس» و«ساموس» و«أجنتا» معابد خاصة في «نقراش»؛ يضاف إلى ذلك أن السكان فيها من أهل «خيوس» Chios، و«تيوس» Teos و«فوسيا» و«كالزمينيا» Kalzomenai و«رودس» و«كنيدوس» Knidos و«هليكرناس» و«فاسبليس» Phaselis و«ميلوس»، كان لهم معابد عامة هيلانية.
وقد أحس إغريق مصر الآن أن الإجراءات التي قام بها «أحمس»، كانت عملًا كريمًا بالنسبة لهم. هذا وقد أصبح ميل أحمس للإغريق أكثر من الميل الذي أظهره لهم «بسمتيك الأول» من قبل، كما حدثتنا الأخبار عن ذلك.٤ ولا غرابة في ذلك فقد كان له اتصالات شخصية بأعظم كبار الشخصيات الذين كانوا معاصرين له أمثال «صولون» Solon٥ وتالس Thales٦ وكليوبولوس Kliobulos٧ و«بياس» Bias٨ وبتتاكوس Pittakos٩ ومع ذلك فإن عمل أمسيس كما فهمه «هردوت» ومواطنوه من الإغريق لم يكن ليدل على الصداقة للإغريق، بل كان أولًا وقبل كل شيء براءة منه، بسبب تذمر المصريين من الإغريق، ولا نزاع في أن عمل «أمسيس» هذا لا يزال في نظرنا عملًا سياسيًّا يدل على العبقرية وبعد النظر.
هذا ولما كانت مصر بعد عام ٥٢٥ق.م قد أصبحت جزءًا من الإمبراطورية الفارسية، فإن هذه التحفظات التي كانت في صالح الإغريق قد أخذت تتلاشى، ومن ثم بدأ نجم نقراش يأفل من ناحية أنها مدينة ذات ثقافة إغريقية، كما أخذت تجارتها الرابحة تكسد بسرعة، ولا نعلم إذا كانت هذه المدينة بعد زوال الحكم الفارسي عن مصر قد أخذت ثانية في استعادة احتكارها، وازدهارها كرة أخرى أم لا. وقد رأينا أن هذه المدينة قد اشتركت في عام ٣٦٠ق.م في الاكتتاب الهيلاني العام لإعادة بناء معبد «أبولو» في دلفي (راجع Dittenberger, Sylloge, 13 P. 346 and P. 349; H. Prinz, Funde aus Nautkratis, Klio Beiheft 7 (1908), P. 114-115. Comp. Homolle, Bulletin de Correspondence Hellénique 20 (1896), P. 594, Note 2.).

غير أن تأسيس الإسكندرية في عام ٣٣١ق.م كان فيه القضاء المبرم على هذه المستعمرة العظيمة، وقد ظلت قائمة قبل سقوطها قرنين من الزمان. ولا نزاع في أن سبب ازدهار «نقراش» كان يرجع إلى مركزها الاحتكاري، وهذا كان نتيجة تُعد من أكبر وأغرب حوادث التاريخ، فقد كان الإغريق المساعدون لفراعنة البيت الساوي لا يمكن الاستغناء عن خدماتهم، وفي الوقت نفسه كان المصريون في جميع أنحاء بلادهم يمقتونهم مقتًا شديدًا، ويعملون على إخراجهم من بلادهم بكل وسيلة.

١  وهو أحد ملوك كورنثه من ٦٢٥–٥٨٥ق.م وأحد السبعة الحكماء في بلاد اليونان، وقد شجع التجارة والفنون، ولكن على الرغم من شهرته بالحكمة كان غاية في العنف، وقد قتل زوجه «مليسا» بركلة من رجله ونفى ابنه «ليكوفرون» إلى «كورسير»؛ وذلك لأن موت أمه ألبسه ثوب الحزن.
٢  «التلنت» يعادل ٥٦٠٠ فرنك فضة.
٣  تناول موضوع هذه المؤسسة الكثيرون بالبحث (راجع: Herod. II, 178-9)، وقد أكد «هردوت» أن نقراش قد منحها أمسيس للإغريق، ولكنه لم يقل: إنها قد أسست في عهد هذا الفرعون. وهاك ما قاله في هذا الصدد: «ولما كان أمسيس متحيزًا للإغريق أنعم إنعامات أخرى على إغريق متنوعين، وفضلًا عن ذلك أعطى مدينة نقراش أولئك الذين وفدوا على مصر ليسكنوها. أما أولئك الذين لم يريدوا السكنى فيها، ولكن كانوا يريدون الاتجار بطريق البحر فقد منحهم أماكن يمكنهم أن يقيموا فيها مذابح للآلهة … إلخ.» وقد تحدث عن «نقراش» الأثري «بتري» (راجع Petrie, Naukaratis I, (1884-5) P. 4 ff.; comp. Gardiner, Naukratis II, (1885-1886) P. 10 ff).
وقد أراد أن يقول في نهاية تقريره هذا مع استخدام ما جاء في كتاب الجغرافي «استرابون» عن هذه المدينة (راجع Strabo XVII, 1, 18 (801)): إن تأسيس مدينة نقراش كان قد حدث في النصف الأول أو منتصف القرن السابع، ولكن يعارض هذا الرأي هرشفيلد (راجع Rhein. Mus. 42 (1887), P. 209–211, Comp. 44 (1889), P. 461–7).
وعلى حسب رأيه كانت مدينة نقراش قد أسست بعد عام ٥٧٠ق.م لتكون مدينة إغريقية، وكانت قبل ذلك كما يقول هردوت مؤسسة مصرية. وقد تبعه في هذا الرأي «أدوردمير» (راجع Ed. Meyer, Gesch. Ag. P. 385 anm I, comp. P. 362 anm. 1; & G. D. A. II (1893), P. 673–7, § 417 A=III, 2, P. 623, Anm. 1).
هذا وقد عاد «برنس» إلى رأي «بتري» ثانية (راجع H. Prinz, Funde Aus Naukratis kilo Beiheft 7 (1908) P. 1–6).
وكذلك وافقه على رأيه بريس (راجع E. R. Price, Pottery of Naukratis (Journal of Hellenic Studies 44) (1924) P. 180 ff; Comp. Kees. Naukratis in Pauly-Wissowa, Real Encyklopadie der Klassischen Altertumswissenschaft, XVI, 2, (1935) P. 1945–1966, bis P. 1956–1959; R. M. Cook, Amassis and the Greeks in Egypt. J. H. S. 57 (1937) P. 227).
وقد بحث الموضوع كله من جديد في مؤلف حديث للأثري «بسنج» لم يظهر بعد أقرن ما كتبه هذا الأثري (راجع Bissing, Forschung zur Geschichte und Kulturellen Bedeutung der grieschen Kolonie Naukratis in Agypten, Forschungen und Fortschritte, 25 (1949, P. 1-2)).
هذا ومن الجعارين الهامة الخاصة بتاريخ هذه المدينة، والتي وجدت فيها نفسها جعران باسم الفرعون «بسمتيك الأول»، وآخر باسم «بسمتيك الثاني» وثالث باسم «إبريز»، والواقع أن الجعران الوحيد الذي وجد باسم بسمتيك الأول جاءت عليه إشارة تدل على أنه عمل بعد وفاته. هذا وليس لدينا أي أثر مصري أو إغريقي يحتم وجود مؤسسة إغريقية أو مصرية قبل عهد بسمتيك الثاني. ولا نزاع في أن أول إغريق أتوا إلى هذه المؤسسة لم يكن في عهد أمسيس، ومع ذلك فإن أول ازدهار لهذه المدينة حدث في عهده كان نتيجة للإجراءات التي اتخذها بالنسبة للإغريق.
٤  وقد حدثنا عن ذلك الأثري «فيدمان» (راجع Wiedemann Ag. Gesch P. 647–49)، ومما جاء في هذا الصدد ويلفت النظر ما ذكره «هردوت» عن قصة وفد بلدة إلى Elee (وهي بلدة قديمة إيطالية عند مصب نهر هيليس في البحر التيراني أو «الأترسكي»، وهي مسقط رأس الفيلسوف «نون» Zenon، والفيلسوف «برمنيد» Perminide كما كانت مقر المدرسة الإيلية الشهيرة)، حيث يقول: وعندما كان «بساميس» (يقصد بسمتيك) هذا حاكمًا على مصر وصل وفد من أهل «إلي» مفتخرين بأنهم قد أسسوا الألعاب الأولمبية بوساطة أنظمة ممتازة من حيث العدالة والتفوق في كل العالم، وكانوا يعتقدون أنه حتى مصر لم تعد بالنسبة لهم أحكم بلد في العالم، إذ لا يمكنها أن تخترع أي شيء يفوقها. وعندما وصل وفدهم إلى مصر ذكروا الغرض من مجيئهم، وعلى ذلك طلب هذا الملك حضور هؤلاء الذين كانوا مشهورين بين المصريين بأنهم كانوا أحكمهم، وقد تقابل معهم المصريون واستمعوا إلى أهل «إلي» وهم يقصون ما قرروا عمله بالنسبة لهذه الألعاب، وبعد أن ذكروا كل شيء قالوا: إنهم قد أتوا ليتساءلوا فيما إذا كان المصريون في مقدورهم اختراع أي شيء أكثر عدالة مما فعلوه؟ وبعد أن تشاوروا معًا سألوا وفد «إلي» فيما إذا كان أهل وطنهم قد سمح لهم بالاشتراك في هذه الألعاب؟ فقالوا: إنهم وكل الإغريق الآخرين الذين يريدون كان مسموحًا لهم بالمباراة. ولكن المصريين أجابوهم إنهم بعملهم بمثل هذه القوانين قد حادوا كلية عن قواعد العدالة، إذ لا يمكنهم بذلك أن يدبروا طريقة لمنع محاباة مواطن من مواطنيهم مع عدم إلحاق ضرر بأجنبي، ولكنهم إذا كانوا يريدون حقًّا سن قوانين عادلة، وإذا كانوا قد أتوا إلى مصر لهذا الغرض، فإنهم ينصحونهم بتأسيس ألعاب للطلاب الأجانب على شرط ألا يسمحوا لأهل «إلي» بأن يشتركوا فيها، وهكذا كان الاقتراح الذي أبداه المصريون لأهل «إلي».
٥  وهو مشروع أتيني وأحد سبعة الحكماء في بلاد الإغريق (٦٤٠–٥٥٨ق.م) وهو الذي رفع الروح المعنوية في الشعب الأثيني، وخفف من أعباء المواطنين الفقراء، وأعاد الانسجام في «أثينا» بمنحها دستورًا ديمقراطيًّا وقسم المواطنين إلى طوائف مؤسسة لأعلى حسب الولادة، بل على حسب الثروة. هذا مع منح كل فرد جزءًا في حكم المدينة. هذا ولا يزال محفوظًا قطعة من شعره الذي كان يعد من الشعر الرفيع جدًّا.
٦  فيلسوف إغريقي يحتمل أنه ولد في «ميلة» Millet (٦٤٠–٥٤٨ق.م) وهو مؤسس الأيونية ومؤلف المذهب القائل: إن الماء قد لعب الدور الأول في العالم، وهو أقدم الفلاسفة السبعة وأشهرهم.
٧  أحد الحكماء أو الفلاسفة السبعة في بلاد الإغريق وصديق «صولون».
٨  أحد الحكماء السبعة في بلاد الإغريق، وكان مشهورًا بأحكامه القضائية العادلة.
٩  أحد الحكماء السبعة في بلاد الإغريق، ولد في متلين حوالي ٦٥٠ق.م وهو الذي خلص بلاده من المستبدين وحكمها مدة عشر سنين، وهو الذي تنسب إليه الحكمة القائلة: «لا شيء أكثر من اللازم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠