الفصل الثاني

حجرة

دانتون – لاكروا – فيليبو – باري – كاميل – دى مولان
كاميل : أسرِع يا دانتون. ليس لدينا وقت نضيِّعه.
دانتون (يرتدي ملابسه) : ولكن الوقت يضيعنا. هذا شيءٌ مُملٌّ إلى أقصى حد؛ أن نبدأ بالقميص ثم نلبس السروال فوقه ونتسلل إلى الفراش بالليل، ونتسلل منه في الصباح ونقدِّم رِجلًا على الأخرى، فلا يدري الإنسان كيف يمكن أن يتغير هذا كله. هذا شيءٌ مُحزِن إلى أقصى حد، ويزيد مِن حزنه أن الملايين من الناس قد فعلوه من قبل، وأن الملايين سيفعلونه في المستقبل، وأننا بالإضافة إلى ذلك نتكوَّن من نصفَين يقومان بنفس الشيء، بحيث يتضاعف كل فعل. إنه شيءٌ مُحزِن حقًّا.
كاميل : أنت تتكلم كالأطفال تمامًا.
دانتون : المُشرِفون على الموت يكونون في الغالب كالأطفال.
لاكروا : إنك بتردُّدك هذا تُلقي بنفسك إلى الهلاك، وتشدُّ كل أصدقائك معك. أبلِغ الجبناء أن الوقت قد حان لكي يتجمعوا حولك. نادِ على سكان الوادي والجبل! أطلِق صيحتك عن طغيان الديسمفير.١ تكلَّمْ عن الخناجر، خاطِب بروتوس، وسوف تُزلزِل المنابر من الرعب وتجمع حولك حتى أولئك الذين يهدِّدونهم بأنهم مشتركون مع هيبير في الجريمة! يجب أن تُطلِق العنان لغضبك. لا تتركنا على الأقل نموت منزوعي السلاح مُهانين، كما مات المخزي هيبير.
دانتون : إن ذاكرتك ضعيفة. لقد سمَّيتني القديس الميت، وكنت صادقًا أكثر مما تظن أنت نفسك. لقد كنت في زيارة الأقسام، كانت تبدو عليهم الهيبة والوقار، ولكن كما تبدو على أهل الميت. إنني بقية عظام، وبقايا العظام يُلقى بها في الطريق. كان معك الحق.
لاكروا : لماذا تركت الأمور تصِل إلى هذا الحد؟
دانتون : إلى هذا الحد؟ حقًّا، لقد أحسست بالملل من أن أتمشى دائمًا في نفس الثوب، وأضع على وجهي نفس التجاعيد! هذا شيءٌ يُثير الشفقة؛ أن تكون آلة بائسة، يردِّد الوتر المشدود فوقها نفس النغمة! إنه شيءٌ لا يُحتمل، أردت أن أيسِّر الأمر على نفسي، وقد وصلت إلى هذا؛ إن الثورة تُحيلني على المعاش، ولكن على غير ما كنت أتصور. ومع ذلك، فعلامَ أستند؟ إن عاهراتنا يستطعن أن يؤدين العمل الذي تقوم به الأخوات المتبتِّلات بجانب المقصلة، ولست أعرف شيئًا غير هذا. كل شيء يمكن أن يُعَد الآن على الأصابع. لقد أعلن اليعاقبة أن الفضيلة أصبحت في جدول الأعمال، وأتباع كور ديلييه يلقبِّونني جلَّاد هيبير، والمستشار٢ يكفِّر عن ذنبه، والجمعية ربما استطعنا أن نلجأ إليها! ولكن سيأتي يوم مثل ٣١ مايو، وحينئذٍ لن يرضوا بالتراجع. إن روبسبيير هو عقيدة الثورة، ولا يجوز أن تُمحى، لا يصح أيضًا أن يحدث هذا. إننا لم نصنع الثورة، ولكن الثورة هي التي صنعتنا.
وحتى إذا تم ذلك، إنني أفضِّل أن تُقطَع رأسي على أن أتسبَّب في قطع الرءوس. لقد سئمت. ما الذي يدعونا نحن البشر إلى أن نتصارع؟ خيرٌ لنا أن نجلس بجانب بعضنا البعض وننعم بالهدوء. إن هناك غلطة ارتُكبت عندما خُلقنا، هناك شيءٌ ينقصنا لا أدري كيف أسمِّيه، ولكننا لن نستطيع أن ننتزعه من أحشائنا، فلماذا نحاول أن نشقَّ أجسامنا؟ اذهبوا! إننا كيماويون تعساء!٣
كاميل : وبصورة عاطفية أكثر حدة يمكن أن نسأل: إلى متى تظل البشرية على جوعها الأبدي تفترس أعضاءها؟ أو إلى متى نظل نحن الذين تحطَّمت سفينتهم عطاشًا نمتص دماء بعضنا بغير أن نرتوي؟ أو إلى متى نظل نحن أصحاب الجبر٤ نبحث في اللحم البشري عن «س» المجهولة الممتنعة أبدًا، ونكتب مسائلنا بأعضاء ممزَّقة؟
دانتون : أنت صدًى قوي.
كاميل : أليس كذلك؟ إن طلقة المسدس تدوِّي كقصف الرعد، وهذا من مصلحتك. عليك أن تحتفظ بي دائمًا إلى جوارك.
فيليبو : وهل تبقى فرنسا في أيدي الجلَّادين؟
دانتون : وما الضرر؟ إن الناس مستريحون لهذا. إنهم أشقياء الحظ، وهل يطلب المرء أكثر من هذا لكي يكون عاطفيًّا، نبيلًا، فاضلًا أو ساخرًا، أو لكي يتخلص تمامًا من الملل؟ وسواء بعد ذلك أن يموتوا بالمقصلة أو بالحُمى أو بالشيخوخة! ما زال أمامهم أن يختاروا؛ فهم يدخلون وراء الكواليس يحرِّكون أعضاءهم المرنة، ويستطيعون قبل مغادرة المسرح أن يؤدُّوا حركات لطيفة، ويستمعوا للمتفرِّجين وهم يصفِّقون لهم. هذا كله شيء جميل ومناسب لنا؛ فنحن نقِف دائمًا على خشبة المسرح، وإن كُنا نُطعَن في النهاية طعنةً جادة. من الخير أن يُختصَر العمر قليلًا. لقد كان الثوب طويلًا جدًّا، وعجزت أعضاؤنا عن ملئه. ستصبح الحياة حكمة موجزة،٥ وهذا شيء لا بأس به، ومن لديه النفس أو الروح الذي يكفي لملحمة من خمسين أو ستين نشيدًا؟ لقد حان الوقت لنكفَّ عن شرب القليل من عصير الروح٦ من أحواض الغسيل لنشربه من كئوس الخمر المُسكِرة؛ بهذا يمتلئ الفم، ولولاه لما أمكننا أن نجمع بضع قطرات في الإناء الغليظ. وأخيرًا، ليتني أستطيع أن أصرخ. هذا شيءٌ لا يستحق كل هذا العناء، والحياة لا تستحق الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل المحافظة عليها.
باري : اهرب إذن يا دانتون!
دانتون : هل يأخذ الإنسان وطنه في كعب حذائه؟ وأخيرًا، وهذا هو المهم، فإنهم لن يجرءوا. (لكاميل) تعالَ يا بُنَي، قلت لك إنهم لن يجرءوا. الوداع! الوداع!

(دانتون وكاميل يخرجان.)

فيليبو : إنه ذاهب إلى هناك.
لاكروا : ولا يؤمن بكلمة واحدة مما قاله. يا لَلكسل! إنه يفضِّل أن تُقطَع رأسه على أن يُلقي خطبة.
باري : والعمل؟
لاكروا : نذهب إلى بيوتنا وندرس قضية محترمة مثل فعل لوكرتسيا.

نزهة

(رجال ونساء في نزهة.)

مواطن : حبيبتي جاكلين، أردت أن أقول كورذ … أردت كور …
سيمون : كورنيليا يا مواطن، كورنيليا.
المواطن : حبيبتي كورنيليا، فرَّحت قلبي بمولود صغير.
سيمون : أهدت الجمهورية ولدًا.
المواطن : الجمهورية؟ ولكن هذا تعبير عام جدًّا. ربما أمكننا أن نقول …
سيمون : بالضبط، يجب أن يهبَ الفرد نفسه للمجموع.
المواطن : آه! نعم! هذا ما تقوله زوجتي أيضًا.
مغنٍّ متجوِّل (يغنِّي) :
خبِّروني! خبِّروني!
ما الذي يلقى الرجال
من نعيم أو هناء؟
المواطن : الاسم هو الذي يحيِّرني الآن.
سيمون : عمده على بيكي أو مارا!
المغني المتجول :
من صباح لمساء،
بين هم وعناء،
وعذاب وشقاء.
المواطن : أفضل أن تكون ثلاثة أسماء. إن العدد ثلاثة له دائمًا جاذبية خاصة، ثم أريد أن يكون الاسم شيئًا نافعًا وصحيحًا. الآن وصلت إليه؛ فلوج،٧ روبسبيير، والثالث؟
سيمون : بيكي.
المواطن : أشكرك يا جاري؛ بيكي، فلوج، روبسبيير، كلها أسماء لطيفة، حلوة على اللسان.
سيمون : اسمع كلامي. إن ثدي زوجتك كورنيليا سيكون كضرع الذئبة الرومانية. لا، ليس هذا ما أريده، روسولوس٨ كان طاغية. لا، ولا هذا أيضًا. (يسيران.)
شحَّاذ (يغني) :
دي دنيا غرورة، ودنيا زوال.
إلهي ما تحتاج لذل السؤال!
يا أهل المروءة، يا أهل الثواب،
ما باقي من الدنيا غير التراب.
السيد الأول : أنت يا جدع! اشتغل! الشبع ظاهر عليك!
السيد الثاني : خذ! (يعطيه قطعة نقود) يده ناعمة كالقطيفة. شيءٌ مُخجِل!
الشحاذ : سيدي! لماذا اشتغلت؟
السيد الثاني : يا أحمق! لأشتري الثوب الذي عليَّ.
الشحاذ : عذَّبت نفسك لتحصل على متعة؛ لأن مثل هذا الثوب متعة. يمكن أيضًا أن توفِّرها لك الخِرقة البالية.
السيد الثاني : بالطبع، وإلا أصبحت الحياة مستحيلة.
الشحاذ : ليتني كنت أحمق. إن هذا شيء يحقِّق التوازن. الشمس دافئة على الناصية، والمسألة تتم ببساطة.

(يغني):

ما باقي من الدنيا غير التراب،
يا أهل المروءة، يا أهل الثواب!
روزالي (لاديدلادة) : خذي بالك! العساكر قادمون! مِن أمس لم نضع شيئًا في بطوننا.
الشحاذ (يغني) :
على الأرض بختي وآخر نصيبي،
يا أهل المروءة، يا أهل الثواب!
يا ستات هوانم، يا زينة الشباب!
جندي : حاسِب عندك! إلى أين يا أولادي؟ (لروزالي) كم سِنُّك؟
روزالي : سني من سن أصبعي الصغير.
الجندي : لسانك حامي.
روزالي : وأنت كلك صدا.
الجندي : إذن أسن نفسي عليك.
(يغني):
يا حلوة يا قمورة،
قولي لي يا شطورة،
الجرح بيِئذيكي،
وبتشكي زي زمان؟
روزالي (تغني) :
لا أبدًا يا حضرات،
يا عساكر يا صولات.
أنا عايزه منه كمان!
أنا عايزه منه كمان!

(يظهر دانتون وكاميل.)

دانتون : أليس هذا شيئًا ظريفًا؟ إنني أشمُّ شيئًا في الجو، كأن الشمس تُفرِز الفحشاء والرذيلة. ألا يودُّ الإنسان أن يقفز وينزع سرواله عن جسده، ويُضاجعهم كالكلاب في الحارة؟

(يمرَّان.)

شابٌّ : آخ يا مدام! لحن الناقوس، ضوء المساء على الأشجار، بريق النجم.
المدام : عطر زهرة! هذه الأفراح الطبيعية، هذه المتعة الخالصة التي توفِّرها الطبيعة! (لابنتها) انظري، يا أويجيني، الفضيلة وحدها هي التي ترى هذا.
أويجيني (تقبِّل يد أمها) : آخ يا ماما! أنا لا أرى غيرك.
المدام : يا طفلتي الطيِّبة!
الشاب (يهمس في أذن أويجيني) : هل ترَين السيدة الجميلة التي تمشي هناك مع الرجل العجوز؟
أويجيني : أنا أعرفها.
الشاب : يُقال إن حلَّاقها قصَّ شعرها على طريقة الأطفال.
أويجيني (تضحك) : طول لسان!
الشاب : الرجل العجوز يمشي بجوارها. إنه يرى البرعم يتفتح، وينزِّهه في الشمس، ويظن أن المطر هو الذي جعله ينمو.
أويجيني : قلة أدب! يكاد وجهي يحمرُّ من الخجل.
الشاب : أما أنا فكان من الممكن أن يصفرَّ وجهي.

(يخرجان.)

دانتون (لكاميل) : لا تقُل أين الجد في هذا! إنني لا أفهم لماذا لا يقف الناس في الحارة ويضحكون في وجوه بعضهم البعض. كان الواجب عليهم أن ينظروا إلى النوافذ والقبور ويضحكوا، وكان على السماء أن تنفجر من الضحك، وتتمرغ الأرض على بطنها من الضحك.

(يخرجان.)

السيد الأول : أؤكد لك أنه اكتشافٌ خارق للعادة! كل الصناعات والفنون سيتغير وجهها قريبًا. إن الإنسانية تُسرِع بخطوات جبَّارة إلى مصيرها المَجيد.
السيد الثاني : هل رأيت المسرحية الجديدة؟ برج بابل! خليط من الأقبية والسلالم والأروقة، وكل هذا يرتفع في الهواء في خفة وجسارة. إن الإنسان يشعر بالدُّوار في كل خطوة. رأسٌ عجيب. (يقف مرتبكًا.)
السيد الأول : ماذا جرى لك؟
السيد الثاني : آه! لا شيء! يدك يا سيدي! النقرة هكذا! أشكرك كنت على وشك الوقوع فيها، كان من الممكن أن يحدث شيءٌ خطير.
السيد الأول : ولكنك لم تكن خائفًا؟
السيد الثاني : نعم! إن الأرض قشرةٌ رقيقة، أقول لنفسي دائمًا إنني قد أسقط فيها حيث يكون ثقب كهذا. يجب أن يطأها بحذر؛ فقد تنزلق قدمه، ولكن لا تنسَ أن تذهب إلى المسرح. اسمع نصيحتي.

حجرة

دانتون – كاميل – لوسيل
كاميل : صدِّقوني إنه لم يقدِّم إليهم كل شيء في نُسَخ خشبية، موزَّعة بين المسارح وصالات الموسيقى ومَعارض الرسم. لم يستطيعوا أن يرَوا شيئًا أو يسمعوا شيئًا. إن صنع أحدٌ دمية يظهر الحبل الذي تُشدُّ منه، وتُطقطق مفاصلها مع كل حركة على الوزن اليامبي؛٩ قالوا: يا لها من شخصية! يا له من إتقان! إن أخذ أحد إحساسًا، أو عبارة، أو فكرة وألبسها سترة وسروالًا، وجعل لها يدَين ورجلَين ولون وجهه، وجعل المخلوق المسكين يتعذب ثلاثة فصول بأكملها حتى يتزوج أو يُطلِق النار على نفسه في النهاية؛ صاحوا: يا له من مثل أعلى! إن لحَّن أحدهم أوبرا تصوِّر كيف ترتفع العواطف وتنخفض في الوجدان، كما تصوِّر الصفارة صوت البلبل؛ هتفوا: آخ! يا للفن! اترك الناس تُغادر المسرح إلى الحارة، يا للواقع المُحزِن! إن الفنان الرديء يُنسيهم الفنان الأكبر، فهم لا يسمعون ولا يرون شيئًا من الخليقة التي تتوهج وتفور وتُضيء فيهم وحولهم، وتخلق نفسها في كل لحظة خلقًا جديدًا. إنهم يذهبون إلى المسرح ويقرءون الأشعار والروايات، ويقلِّدون المسخ التي يجدونها فيها، ويقولون لمخلوقات الله: كم هي عادية! لقد فهم الإغريق ما كانوا يقولون حين روَوا أن تمثال بيجماليون دبَّت فيه الحياة حقًّا، ولكنه لم يُنجِب أطفالًا.
دانتون : والفنانون يعاملون الطبيعة معاملة دافيد،١٠ الذي راح في برود يرسم قتلى سبتمبر عندما ألقوا بهم من مغارة «الفورس» إلى الشارع، ويقول: إنني أسجِّل آخر اختلاجات الحياة في هؤلاء الأشرار.

(دانتون يُستدعى إلى الخارج.)

كاميل : ماذا تقولين يا لوسيل؟
لوسيل : لا شيء. أحبُّ أن أنظر إليك وأنت تتكلم.
كاميل : هل تسمعينني أيضًا؟
لوسيل : بالطبع!
كاميل : هل أنا على حق؟ أتعرفين ماذا قلت؟
لوسيل : في الحقيقة لا. (دانتون يعود.)
كاميل : ماذا بك؟
دانتون : قرَّرت لجنة الإصلاح القبض عليَّ. لقد حذَّروني وعرضوا عليَّ مكانًا ألجأ إليه. إنهم يريدون رأسي، كما يحبون. لقد سئمت الكسل والإهمال، فليأخذوه إذا شاءوا. وما أهمية هذا؟ سأعرف كيف أموت بشجاعة، هذا أسهل من الحياة التي أعيشها.
كاميل : دانتون. ما زال الوقت أمامك!
دانتون : مستحيل، ولكنني لم أكن أتصور.
كاميل : كسلك!
دانتون : لست كسولًا، بل مُتعَب. إن قدميَّ ملتهبتان.
كاميل : إلى أين؟
دانتون : نعم، ومن يدري؟!
كاميل : أنا لا أمزح، إلى أين؟
دانتون : أتنزَّه يا ولدي، أتنزَّه (ينصرف).
لوسيل : آه! كاميل.
كاميل : اهدئي يا طفلتي المحبوبة!
لوسيل : حين أتصور أن هذه الرأس … كاميل، حبيبي! هذا جنون، أليس كذلك؟ أنا مجنونة؟
كاميل : اهدئي. دانتون وأنا لسنا شخصًا واحدًا.
لوسيل : الأرض واسعة، وعليها أشياء كثيرة، لماذا إذن هذا الشيء بالذات؟ من يجرؤ على أخذه مني؟ سيكون شيئًا محزنًا، وما الذي سيفعلونه به؟
كاميل : أكرِّر لك ما قلت؛ يمكنك أن تهدئي. لقد تكلَّمت أمس مع روبسبيير، كان لطيفًا معي. إن أعصابنا متوتِّرة بعض الشيء. هذا صحيح. اختلاف في الرأي، ولا شيء غير هذا.
لوسيل : اذهب إليه!
كاميل : لقد كُنا نجلس على مقعد واحد في المدرسة. كان دائمًا متجهِّمًا ووحيدًا. أنا الوحيد الذي كنت أتحدث معه وأُضحِكه أحيانًا. لقد كان دائمًا يُظهِر حبه لي. أنا ذاهب.
لوسيل : بهذه السرعة يا صديقي؟ اذهب! تعالَ! هذه القُبلة فقط! (تقبِّله) وهذه، اذهب! اذهب! (ينصرف) هذا زمن شرير، وهكذا الأيام. مَن الذي يملك تغييرها؟ لا بد من الصبر.
(تغني):
أنفترق؟ يا ويلتي! أنفترق؟
من الذي أوجد لفظ نفترق؟
كيف خطر هذا على بالي؟ كيف عرف الطريق من تلقاء نفسه؟ لا، ليس هذا علامة خير. عندما خرج خُيِّل لي أنه لن يعود. سيبتعد دائمًا عني، دائمًا. كم تبدو الحجرة خالية، النوافذ مفتوحة، كان ميتًا كان يرقد فيها. إنني لا أحتمل البقاء هنا. (تنصرف.)

خلاء

دانتون : لا أريد أن أواصل السير. لا أريد أن أُزعِج هذا السكون بثرثرة خطاي ولهاث أنفاسي. (يجلس. بعد فترة صمت) لقد حكَوا لي عن مرض يجعل الإنسان يفقد ذاكرته. لا بد أن الموت يُشبِهه في هذا، ويُراودني الأمل أحيانًا أن يكون أقوى أثرًا، وأن يجعل الإنسان يفقد كل شيء. لو كان الأمر كذلك، لجريت كمسيحي لأُنقِذ عدوًّا؛ أعني لأُنقِذ ذاكرتي.
لا بد أن المكان مأمون، لذاكرتي لا لي. القبر أكثر أمانًا؛ فهو على الأقل يمنحني النسيان. إنه يقتل ذاكرتي، ولكن ذاكرتي تحيا هناك وتقتلني. أنا أو هي؟ الجواب سهل. (يقف ويعود من نفس الطريق) أنا أُداعِب الموت. إنه شعورٌ ممتع أن يُغازله الإنسان على البعد بمنظار مكبِّر. الحقيقة أنني لا بد أن أضحك على التاريخ. إن الشعور بالبقاء هو الذي يقول لي: سيكون الغد وبعد الغد إلى ما لا نهاية مثل اليوم. إنها ضجة فارغة. يريدون أن يُخيفوني. لن يجرءوا أبدًا! (يخرج.)

حجرة

(ليل.)

دانتون (وهو يُطلُّ من النافذة) : أليس هذا كله نهاية؟ ألن ينطفئ النور ويخمد الصوت؟ ألن ينتشر السكون والظلام حتى لا نسمع أو نرى خطايانا البشعة؛ سبتمبر!
جولي (تنادي من الداخل) : دانتون، دانتون!
دانتون : هيه؟
جولي (تدخُل) : ما هذا الهتاف؟
دانتون : هل هتفت؟
جولي : كنت تتكلم عن الخطايا البشعة، ثم تأوَّهت وقلت: سبتمبر!
دانتون : أنا؟ أنا؟ لا، لم أتكلم، لم يخطر هذا على بالي. كانت مجرد أفكار خفية هامسة.
جولي : أنت ترتعش يا دانتون!
دانتون : كيف لا أرتعش والجدران تُثرثِر هكذا؟ وجسدي قد تهشَّم إلى حدِّ أن أفكاري تتحدث قلِقةً حائرة بشفاه الأحجار؟
جولي : جورج! جورج حبيبي!
دانتون : أجل يا جولي. إنه شيءٌ غريب. لا أحب أن أفكر بعد الآن، إذا كانت الأفكار تتكلم بهذه الطريقة. هناك يا جولي أفكارٌ لا يجب أن تُوجَد الآذان التي تسمعها. ليس حسنًا أن تصرخ عند ولادتنا كما تصرخ الأطفال، ليس حسنًا.
جولي : ليحفظ الله عقلك! جورج جورج، هل تعرفني؟
دانتون : ولمَ لا؟ أنت إنسانة وامرأة وأنت أخيرًا زوجتي، والأرض فيها خمس قارات؛ أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا وأستراليا، واثنان مضروبَين في اثنين يُساوي أربعة. إنني في تمام عقلي. أرأيت؟ هل سمعتني أصرخ: سبتمبر؟ ألمْ تقولي شيئًا كهذا؟
جولي : نعم يا دانتون، ملأت الصرخة الحجرة كلها.
دانتون : عندما اقتربت من النافذة (يُطلُّ على الشارع) كانت المدينة هادئة، وكل الأنوار مُطفأة.
جولي : هناك طفل يصرخ بجوارنا.
دانتون : عندما اقتربت من النافذة، كانت صرخة الاستغاثة تدوِّي في كل الحارات: سبتمبر!
جولي : كنت تحلم يا دانتون. عُد إلى نفسك!
دانتون : أحلم؟ نعم، لقد كنت أحلم، ومع ذلك فقد كان شيئًا يختلف عن هذا.
سأصفه لك حالًا؛ رأسي المسكين ضعيف، حالًا! نعم. الآن وصلت إليه، كانت الكرة الأرضية تلهث تحتي وهي تتذبذب وتهتزُّ، كنت قد أمسكت بزمامها كأنها جوادٌ شرِس، ورحت أغوص بأعضاء ضخمة في خصلات عرفها، وأضغط بكل قوة على ضلوعها. كان رأسي يتدلى إلى أسفل، وشعري يُرفرِف فوق الهاوية، وهكذا وجدتني أُجرُّ جرًّا إلى الأعماق. هناك صرخات في فزع، وصحوت من النوم. اتجهت إلى النافذة، وهناك سمعتها يا جولي.

ماذا تريد هذه الكلمة مني؟ لماذا تعود هي نفسها؟ ما شأني بها؟ لماذا تمدُّ نحوي يدَيها المخضَّبتَين بالدماء؟ لست أنا الذي أطلقها. آه! ساعديني يا جولي! إن حسِّي قد تبلَّد! ألمْ يكن ذلك في سبتمبر يا جولي؟
جولي : كان الملوك على بعد أربعين ساعة فقط من باريس.
دانتون : وكانت القلاع قد سقطت، والأرستقراطيون في المدينة.
جولي : كانت الجمهورية قد أوشكت على الضياع.
دانتون : نعم على الضياع. لم نستطع أن نترك العدو في ظهورنا، وإلا لكانت حماقة منَّا. كان هناك عدوان يقفان على لوح واحد، إما نحن أو هم، والأقوى يطيح بالأضعف، أليس هذا عدلًا؟
جولي : نعم! نعم!
دانتون : ضربناهم الضربة القاضية، لم يكن ذلك قتلًا، بل حربٌ من الداخل.
جولي : لقد أنقذت الوطن.
دانتون : نعم، لقد أنقذت الوطن. كُنا في حالة دفاع عن النفس. كان لا بد أن نفعل ما فعلناه. المخلِّص على الصليب هوَّن الأمر على نفسه؛ لا بد أن يأتي كدر، ولكن الويل لمن يتسبب في الكدر! لا بد! كل شيء جاء من هذه «اللابد». من يستطيع أن يلعن اليد التي نزلت عليها لعنة «لا بد»؟ من الذي نطق بهذه الكلمة؟ من؟ ما هذا الذي يكذب فينا، ويفجِّر، ويسرق، ويقتل؟ نحن دُمًى، تشدُّها قوًى مجهولة من السلك المعلَّقة فيه. لا شيء. لسنا نحن أنفُسنا! فما نحن إلا السيوف التي تتصارع بها الأشباح، لكن لا أحد يرى الأيدي التي تحملها، تمامًا كما يحدث في الحواديت. الآن هدأت نفسي.
جولي : هل هدأت تمامًا، يا حبيبي؟
دانتون : نعم يا جولي، تعالَي إلى الفراش!

شارع أمام بيت دانتون

سيمون – جنود من المواطنين
سيمون : كم تقدَّم الليل الآن؟
المواطن الأول : ماذا فعل الليل؟!
سيمون : أقول كم تقدَّم الليل؟
المواطن الأول : مسافةً ما بين شروق الشمس وغروبها.
سيمون : يا وغد! أسألك كم الساعة!
المواطن الأول : انظر إلى الميناء؛ فهو الوقت الذي يتوقف فيه البندول تحت اللحاف.
سيمون : يجب أن نصعد إليه. هيَّا أيها المواطنون! لقد تكفَّلنا لذلك برءوسنا. حيًّا أو ميتًا! إن أعضاءه جبَّارة. سأتقدم أيها المواطنون. لنشقَّ للحرية طريقًا. اعتنوا بزوجتي! سأترك لها إكليلًا من فروع البلوط.
المواطن الأول : إكليل من البلوط؟ سيُسقِط كل يوم في حجرها على كل حال مِن ثمره ما يكفي.١١
سيمون : إلى الأمام، أيها المواطنون! ستؤدون خدمة جليلة للوطن!
المواطن الثاني : ليت الوطن هو الذي يؤدي لنا خدمة! من كل الثقوب التي خرمناها في أجسام الناس، لم يُرتَق ثقب واحد في سراويلنا.١٢
المواطن الأول : هل تحب أن يستروا ثقوب سروالك؟ ها! ها! ها! ها!
الآخرون : ها، ها، ها!
سيمون : هيا! هيا!

(يدخلون بيت دانتون.)

الجمعية الوطنية

جماعة من الأعضاء
ليجندر : ألن يتوقف إذن ذبح الأعضاء؟ من الذي يضمن الآن متى يسقط دانتون؟
عضو : وما العمل؟
عضو آخر : يجب أن يُسمَع صوته أمام الجمعية. إن نجاح هذه الوسيلة مُؤكَّد. وما الذي يستطيعون أن يردُّوا عليه؟
عضو آخر : مستحيل، هناك قرار يمنعنا من ذلك.
ليجندر : يجب أن يُسحَب هذا القرار أو يُسمح باستثناء خاص. سأقدِّم طلبًا بذلك، وسأعتمد على تأييدكم.
الرئيس : فُتحت الجلسة.
ليجندر (يصعد إلى المنصة) : لقد أُلقي القبض في الليلة الماضية على أربعة من أعضاء الجمعية الوطنية، وقد علمت أن دانتون هو أحد الذين تم القبض عليهم، أما أسماء بقية الأعضاء فلا أعرفها. ليكن هؤلاء الأعضاء من يكونون، فكل ما أطالب به أن تُسمَع أقوالهم أمام الجمعية. أيها المواطنون، ها أنا ذا أُعلِنها صريحةً أمامكم؛ إنني أعُد دانتون طاهرَ النفس مثلي تمامًا، ولا أظن أن هناك أي مأخذ يمكن أن يُوجَّه إليَّ. لا أريد أن أتهم أحدًا من أعضاء لجنة الإصلاح أو لجنة الأمن، ولكن هناك أسبابًا تجعلني أخشى أن يكون الحقد الشخصي والعواطف الشخصية هي التي دفعت البعض إلى أن ينتزعوا من الحرية رجالًا أدَّوا لها أعظم الخدمات. إن الرجل الذي أنقذ فرنسا في سنة ١٧٩٢م بعزيمته يستحق أن تُسمَع أقواله. يجب أن يكون من حقه الدفاع عن نفسه إذا اتهمه أحد بالخيانة العظمى. (اضطراب بين الأعضاء.)
بعض الأصوات : نحن نؤيد اقتراح ليجندر.
أحد الأعضاء : نحن هنا باسم الشعب، ولا يستطيع أحد أن يُقصينا عن أماكننا إلا بإرادة ناخبينا.
عضو آخر : كلماتكم تفوح منها رائحة الجثث. لقد أخذتموها من أفواه الجيرونديين. هل تريدون امتيازات؟ إن بلطة القانون تحوم فوق كل الرءوس.
عضو آخر : لا يمكننا أن نسمح للجان بأن تنتزع مشرِّعينا من ملجأ القانون لتبعث بهم إلى المقصلة.
عضو آخر : الجريمة لا ملجأ لها. المجرمون المتوَّجون هم وحدهم الذين يلجئون إلى عروشهم.
عضو آخر : الأشرار وحدهم هم الذين يطالبون بحق الالتجاء.
عضو آخر : والقتلة وحدهم هم الذين لا يعترفون بهذا الحق.
روبسبيير : إن الاضطراب الغريب الذي يسود هذا الجمع من وقت طويل يُثبِت أن الأمر يتعلق بقضايا خطيرة. سوف يتقرر اليوم إن كان مِن حق بعض الرجال أن يفرحوا بالانتصار على الوطن. كيف يمكنكم أن تذهبوا في التنكر لقوانينكم إلى حدِّ أن تمنحوا اليوم بعض الأفراد ما منعتموه بالأمس عن شابو وديلوناي وفابر؟ ما معنى هذه التفرقة لصالح بعض الرجال؟ وماذا تعنيني المدائح التي يُغدِقها البعض على أنفسهم وأصحابهم؟ إن التجارب الكثيرة التي مرَّت بنا علَّمتنا أن نتبين قيمتها على حقيقتها. إننا لا نسأل إن كان الرجل قد قام بهذا العمل البطولي أو ذاك، وإنما نسأل عن تاريخه السياسي كله. يبدو أن ليجندر لا يعرف أسماء المُعتقَلين، بينما تعرفهم الجمعية كلها. إن صديقه لاكروا واحد منهم. لماذا يتظاهر بألا يعرف هذا؟ لأنه يعلَم تمام العلم أن الوقاحة وحدها هي التي يمكنها الدفاع عن لاكروا. إنه لم يذكر إلا اسم دانتون؛ لاعتقاده أن هذا الاسم يرتبط به امتياز معيَّن. لا، نحن لا نريد امتيازات، نحن لا نريد أصنامًا! (تصفيق.) ما هو فضل دانتون على لافاييت ويدمورييه وبرسو وشابو وهيبير؟ ماذا يمكن أن يُقال عن هؤلاء ولا يُقال عنه؟ هل أبقيتم عليهم؟ ما الذي يميِّزه عن مواطنيه؟ ألِأنَّ بعض المخدوعين فيه وبعض الذين لم يستطع خداعهم قد اصطفُّوا حوله لكي يُلقي بهم في أحضان السعادة والسُّلطة؟ بقدر ما خدع الوطنيين الذين وضعوا ثقتهم فيه، يجب أن يُحسَّ بقسوة أصدقاء الحرية.
يريد البعض أن يبثَّ في قلوبكم الخوف من سوء استعمال السُّلطة التي مارستموها بأنفسكم. إنهم يصرخون من استبداد اللجان، وكأن الثقة التي أهداها الشعب إليكم ووضعتموها في هذه اللجان لا تكفي لكي تكون ضمانًا أكيدًا على وطنيتكم. إنهم يصوِّرونكم وكأنكم ترتعشون، ولكنني أقول لكم إن من يرتعش في هذه اللحظة فهو مُذنِب؛ لأن البراءة لا ترتعش أبدًا أمام يقظة الشعب (تصفيق عام). لقد أرادوا أيضًا أن يُرهِبوني، حاوَلوا أن يُفهِموني أن الخطر الذي يقترب من دانتون يمكن أيضًا أن يصل إليَّ. لقد كتبوا إليَّ يقولون إن أصدقاء دانتون يُحاصِرونني؛ ظنًّا منهم أن ذكريات صداقة قديمة أو الإيمان الأعمى بالفضائل الخادعة يمكن أن تجعلني أخفِّف من حماسي وعاطفتي للحرية، ولكن ها أنا ذا أُعلنها أمامكم: ليس هناك شيء يمكنه أن يقف في طريقي، ولو تعرَّضت للخطر الذي يتعرض له الآن دانتون. نحن جميعًا في حاجة إلى شيء من الشجاعة والكبرياء. إن المجرمين والسفلة هم الذين يخافون أن يروا أشباههم يسقطون إلى جانبهم؛ لأنهم إذا انفضَّ شركاؤهم الذين يتخفَّون بينهم وجدوا أنفسهم يُواجِهون نور الحقيقة. وإذا كان أمثال هؤلاء موجودين في هذا الاجتماع، ففيه كذلك غيرهم من الأبطال. إن عدد الأوغاد ليس كبيرًا، لم يزَل أمامنا بعض الرءوس التي يجب أن نقطعها؛ وبذلك نُنقِذ الوطن (تصفيق). إنني أُطالب برفض اقتراح ليجندر. (يقف الأعضاء جميعًا علامة الموافقة.)
سان جوست : يبدو أن في هذا الجمع بعض الآذان التي لا تتحمل سماع كلمة «الدم». إن بعض الخواطر العامة قد تُقنِعهم بأننا لسنا أقسى من الطبيعة ولا أفظع من الزمان. إن الطبيعة تخضع في هدوء وبغير مقاومة للقوانين التي تتحكم فيها، وحيثما دخل الإنسان في صراع معها قضى عليه. إن تغييرًا يطرأ على العناصر المكوِّنة للهواء، أو تأججًا في النار الكامنة في جوف الأرض، أو تذبذبًا في توازن كتلة من المياه، أو وباءً أو انفجارًا بركانيًّا أو فيضانًا؛ يمكنها جميعًا أن تدفن ألوف البشر. وما هي النتيجة؟ تغييرٌ تافه لا يكاد يُلاحَظ في مجموع الطبيعة الفيزيائية، تغييرٌ كان من الممكن ألا يترك وراءه أثرًا لو لم توضع الجثث في طريقها. إنني أسأل الآن: هل ينبغي على الطبيعة العاقلة في ثوراتها أن تُعطي للحياة من الاعتبار أكثر مما تفعل الطبيعة الفزيائية؟ أليس من حق الفكرة كما هو من حق القانون الطبيعي أن تقضي على كل من يقف في طريقها؟ ألا يجوز لحدث يغيِّر بناء الطبيعة الأخلاقية كله؛ أعني يغيِّر البشرية، أن يتم عن طريق الدم؟ إن الروح الكوني يستخدم أذرُعنا في مجال العقل، بمثل ما يستخدم البركان والفيضانات في مجال الطبيعة. وما أهمية أن يموت الناس بالوباء أو يموتوا بالثورة؟!
إن خطوات البشرية بطيئة جدًّا، ولا نستطيع أن نعُدها إلا بالقرون، ووراء كل خطوة ترتفع قبور أجيال. إن الوصول إلى أبسط الاكتشافات والمبادئ قد كلَّف الملايين من الناس حياتهم لكي يصلوا إليها. أليس من الطبيعي إذن أن تتقطع أنفاس بعض الناس في وقت تتحرك فيه عجلة التاريخ بسرعة أكبر؟ مِن هذا نستنتج بسرعة وبساطة أن الجميع ما داموا قد خُلقوا في نفس الظروف، فهم جميعًا متساوون، ولا تقلِّل من ذلك الفروقُ التي أوجدتها الطبيعة بنفسها؛ ولذلك فلكل إنسان أن يتمتع بفضائل تميِّزه من غيره، ولكن ليس له أن يستأثر بحقوق يحرم منها سواه، سواء في ذلك الفرد أو الفئة الصغيرة أو الكبيرة من الأفراد. إن كل فقرة من هذه العبارة التي طُبِّقت في الواقع قد قتلت عددًا من الناس، وأيام ١٤ يوليو و١٠ أغسطس و٣١ مايو هي علامات التنقيط فيها. لقد احتاجت إلى أربع سنوات لكي تنفذ في العالم المادي، ولو كُنا في ظروف عادية لاحتاجت إلى قرن من الزمان وإلى أجيال عديدة لتضع فيها النُّقط على الحروف. فهل من العجيب إذن أن يلفظ نهرُ الثورة جثثَه عند كل تقاطع أو عند كل منحنًى جديد؟

إن علينا أن نُضيف إلى عبارتنا بعض النتائج، فهل تمنعنا من ذلك بضع مئات من الجثث؟ لقد قاد موسى قومه فشقَّ بهم البحر الأحمر وعبَر بهم الصحراء، حتى قضى على الجيل القديم الفاسد واستطاع أن يُقيم الدولة الجديدة. أيها المشرِّعون! نحن لا نملك البحر الأحمر ولا الصحراء، ولكننا نملك الحرب والمقصلة!

إن الثورة أشبَهُ ببنات بلياس؛١٣ فهي تمزِّق البشرية إربًا لكي تُعيدها شابَّة من جديد. إن البشرية ستخرج من مِرجل الدم كما خرجت الأرض من الطوفان، فتُبعَث بأعضاء قوية شابة، وكأنها خُلقت لأول مرة.

(تصفيقٌ حادٌّ متصل، بعض الأعضاء يأخذهم الحماس فيقفون.)

إننا نطلب من كل أعداء الطغيان المنتشرين في أوروبا وعلى سطح الأرض كلها، أولئك الذين يُخفُون خنجر بروتوس تحت ثيابهم، نطلب منهم أن يشاركونا في هذه اللحظة المَجيدة.

(يُنشِد الأعضاء وجمهور المستمعين النشيدَ الوطني الفرنسي «المرسلييز».)

١  ذي الرجال العشرة، وقد مرَّ ذِكرهم.
٢  المقصود به شوميت، زعيم المجلس القومي (الكومونه)، وقد كان متفقًا مع سياسة هيبير وأتباعه، ولكنه عارض التمرد الذي دبَّروه.
٣  بالمعنى المعروف عن الكيمياء في أوائل العصور الوسيطة؛ أي السحر الأسود، أو فن تحويل المعادن إلى ذهب، والبحث عن حجر الفلاسفة … إلخ.
٤  نسبة إلى علم الجبر.
٥  الكلمة الأصلية هي الأبيجرام التي يصعب أن نجد لها ترجمة مناسبة، فالأبيجرام قصيدة قصيرة كان يكتبها اليونان على شواهد القبور، ثم تطوَّرت فأصبحت شكلًا أدبيًّا مستقلًّا.
٦  محاولة لترجمة «الأسنس»، وهو خلاصة مشروب أو نوع من العطور.
٧  فلوج Pflug: هو المحراث بالألمانية. أما Pike فهي نوع من الحراب الطويلة، كان يستخدمه المشاة في أواخر العصور الوسطى، ولعل المقصود بهذه الأسماء هو معانيها قبل حروفها.
٨  يُقال إنه هو الذي أسَّس روما مع شقيقه التوءم ريموس، وكان كذلك أول ملك لها، كما يُروى أنه أُلقي بهما في الجبال بعد ولادتهما، فأرضعتهما ذئبة وربَّاهما راعٍ وزوجته.
٩  أحد بحور الشعر، يتألف من أربع تفعيلات، قوامها مقطع قصير يتبعه مقطع طويل، ومن مقطع مشدَّد النطق يتبعه مقطع غير مشدَّد.
١٠  هو الرسَّام الشهير جاك لوي دافيد (١٧٤٨–١٨٢٥م)، وقد كان من أنصار روبسبيير، وُلد في باريس ومات في المنفى في بروكسل.
١١  في كلمة ثمر البلوط تلاعبٌ لفظي، ربما تختفي وراءه إشارة جنسية.
١٢  أي إن قطع الرءوس لم يصلح من حال الشعب، ولم يبدِّد من بؤسه وجوعه.
١٣  ملكٌ تروي عنه الأساطير الإغريقية أن بناته مزَّقته إربًا، وطبخته بحجة إعادة الشباب إليه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١