ملكة الثلج

القصة الأولى

المرآة وأجزاؤها المكسورة

لا بد أن تنتبه جيدًا لبداية هذه القصة؛ فحين نصل إلى النهاية سنعرف أكثر مما نعرف الآن حول جنِّي شرير جدًّا، كان الأكثرَ شقاوةً بين كل الجن؛ فقد كان شيطانًا بحق.

ذات يوم حين كان في مزاج جيد صنع مرآة قادرة على جعل كل شيء حسنٍ أو جميل ينعكس فيها يتقلص حتى يختفي، وجعل كل شيء عديمَ القيمة وسيئًا مكبرًا بحيث يبدو أسوأ عشر مرات مما هو في الواقع.

هكذا كانت أجمل المناظر الطبيعية تبدو عليها مثل السبانخ المسلوق، وكان كل الناس يظهرون بشكل فظيع ويبدون كأنهم يقفون على رءوسهم ومن دون أجسام. كانت وجوههم تظهر مشوهة للغاية حتى إنه كان يستعصي التعرف عليهم، وكان من لديه بقعة نمش في وجهه تراها وقد انتشرت فوق أنفه وفمه. وكان الشيطان يرى ذلك ممتعًا جدًّا. أما حين كان يرد على بال أحد الأشخاص فكرة طيبة أو تقية فكانت تبدو في المرآة في شكل تجعيدة، وكم كان الشيطان يضحك حينئذٍ فرحًا باختراعه الخبيث!

كل من ارتاد مدرسة الشيطان — فقد كان لديه مدرسة — كانوا يتحدثون في كل مكان عن العجائب التي رأوها، ويقولون إن الناس أصبح بإمكانهم الآن لأول مرة أن يرَوُا العالم وسكانه على حقيقتهم. وكانوا يحملون المرآة معهم في كل مكان، حتى لم يعد في النهاية مكانٌ أو شخص لم يُرَ من خلال تلك المرآة المشوهة.

كذلك أرادوا أن يطيروا بها إلى السماء ليروا الملائكة، لكنهم كلما كانوا يُحلِّقون عاليًا كانت المرآة تصير زلقة أكثر، فكانوا بالكاد يستطيعون الإمساك بها، حتى انسلت من أياديهم أخيرًا وسقطت على الأرض، وتحطمت إلى ملايين القطع.

لكن هذا جعل المرآة سببًا أكبر في التعاسة عن ذي قبل، فقد كانت بعض القطع لا يتعدى حجمها حبة الرمل، فحملها الهواء إلى كل البلاد في أنحاء العالم. وحين كانت واحدة من هذه الذرات الدقيقة تدخل عين أحد الأشخاص، كانت لا تبرحها، دون أن يعي هو ذلك، فكان من تلك اللحظة يرى كل شيء على نحو خاطئ، ولا يرى إلا الجانب الأسوأ فيما ينظر إليه؛ فحتى أصغر شذرة كانت تحتفظ بنفس القدرة التي كانت لدى المرآة كاملة.

وقد أُصيبَ قليلٌ من الأشخاص بشظية من المرآة في قلوبهم، وهو الأمر الفظيع، إذ صارت قلوبهم باردة وجامدة مثل كتلة جليد. وكانت بعض القطع كبيرة فأمكن استخدامها ألواحًا للنوافذ؛ لكن كان من المؤسف بالطبع أن ترى أصدقاءك من خلالها. وصُنِع من أجزاء أخرى نظارات، فكانت بغيضة؛ إذ من كان يرتديها كان لا يُمكنه أن يرى أي شيء على نحو صحيح أو حقيقي. كان الشيطان الشرير يضحك على كل هذا حتى يستلقيَ على ظهره؛ إذ كان سعيدًا لرؤية الأذى الذي كان يرتكبه. ولا يزال عدد من هذه الشظايا الصغيرة من الزجاج يحملها الهواء، وسوف تقرءُون الآن ما حدث لواحدة منها.

القصة الثانية

صبي صغير وفتاة صغيرة

في أي بلدة كبيرة مكتظة بالمنازل والناس، ليس هناك فسحة ليكون لدى كل شخص حتى حديقة صغيرة. لذلك يُضطرُّ أغلب الناس إلى الاكتفاء بزراعة بعض الزهور في أصُص زرع.

في واحدة من هذه البلدات الكبيرة عاش طفلان فقيران كان لديهما حديقة إلى حدٍّ ما أكبر وأفضل من بعض من أصص الزرع. لم يكن الاثنان أخًا وأختًا، لكن كان كلٌّ منهما يحب الآخر حبًّا كاد يُماثل حب الأشقَّاء. كان أهلهما يعيشان في حجرتَين علويتَين متقابلتَين لمنزلَين متجاورَين كان سطحهما شبه متصل، وكان هناك مزراب يمر بينهما. وكان في كل سطح نافذة صغيرة، بحيث يستطيع أي أحد أن يخطو فوق المزراب ليصل من نافذة إلى الأخرى.

كان لدى أهل كلٍّ من هذَين الطفلَين صندوقٌ خشبي كبير يزرعان فيه الخضراوات من أجل استهلاكها في الطبخ، وكان في كل صندوق أيضًا شجيرة ورد صغيرة وارفة على نحو رائع.

بعد فترة قرر الأهل أن يضعوا هذَين الصندوقَين فوق المزراب، بحيث يمتدان من نافذة إلى الأخرى ويبدوان مثل حوضَين من الزهور. حينها، تدلت البازلاء من الصندوقَين، ونبتت لشجيرتَي الورد فروع طويلة التفَّت حول النافذتَين وتجمعت معًا مثل قوس نصر من الأوراق والزهور.

وكان الصندوقان مرتفعَين جدًّا، وكان الطفلان يعلمان أنهما يجب ألا يتسلَّقاهما من دون إذن؛ لكنهما كثيرًا ما كان يُسمَح لهما بالخروج من النافذتَين والجلوس على مقعدَيهما الصغيرَين تحت شجيرتَي الورد أو اللعب معًا في هدوء.

لكن حين كان يُقبِل الشتاء كانت تنتهي كل هذه المسرة؛ إذ كانت النافذتان تتجمدان تمامًا في بعض الأحيان. إلا أنهما كانا يُسخنان بنسات نحاسية على الموقد ويضعانها على الزجاج المتجمد فكانت سريعًا ما تصنع ثقبًا صغيرًا مستديرًا يستطيعان النظر من خلاله، فكانت العيون الوديعة المتقدة للفتى والفتاة الصغيرَين، اللذين يُدعَيان كاي وجيردا، تلمع من خلال الثقب الموجود في كل من النافذتَين حين ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر. في الصيف كانا يستطيعان أن يكونا معًا بقفزة واحدة من النافذة، لكن في الشتاء كانا يُضطَران إلى صعود الدرج الطويل وهبوطه والخروج وسط الثلوج حتى يستطيعا اللقاء.

ذات يوم قالت جدة كاي العجوز بينما كانت الثلوج تتساقط: «انظرا! ها هو سرب من النحل الأبيض.»

سألها الصبي الصغير: «هل يوجد لديه ملكة؟» فقد كان يعلم أن النحل دائمًا ما يكون لديه ملكة.

أجابت الجدة قائلة: «بالطبع لديه. إنها تطير هناك في الجزء الأكثر كثافة من السرب. إنها أضخم نحلة فيه ولا تلبث على الأرض مطلقًا، وإنما تنطلق عاليًا إلى الغيوم الداكنة. وكثيرًا ما تطير في شوارع البلدة في منتصف الليل وتُطلق أنفاسها الباردة على النوافذ فيتجمد الثلج على الزجاج في أشكال رائعة تبدو مثل الزهور والقلاع.»

قال الطفلان: «هذا صحيح، لقد رأيناها.» وكانا يعلمان أن هذه حتمًا حقيقة.

تساءلت الفتاة الصغيرة: «هل من الممكن أن تدخل ملكة الثلج إلى هنا؟»

قال الصبي: «فلندعها تدخل وسوف أضعها على الموقد الساخن حتى تنصهر.»

مسدت الجدة شعره وأخبرته بالمزيد من الحكايات.

وفي ذلك المساء نفسه بينما كان كاي الصغير بالمنزل، متجردًا من نصف ملابسه، صعد على كرسي عند النافذة ونظر من الثقب الصغير المستدير. كانت القليل من ندف الثلج تتساقط من السماء، وقد حطت إحداها، والتي كانت أكبر حجمًا من الأخرى، على حافة أحد صندوقَي الزهور. العجيب أن هذه الندفة راحت تزداد حجمًا حتى اتخذت في النهاية هيئة سيدة في رداء من الشاش الأبيض، الذي بدا كأنه صُنع من ملايين ندف الثلج التي تُشبه النجوم المتصلة ببعضها البعض. كانت السيدة شقراء وجميلة، لكنها كانت من الثلج؛ الثلج البراق المبهر. لكنها كانت حية، وعيناها تُشعَّان مثل نجمتَين لامعتَين، لكنهما بلا سلام أو سكينة. وقد أومأت برأسها تجاه النافذة، ولوحت بيدها. ارتعب الصبي الصغير وقفز من أعلى الكرسي، وفي اللحظة نفسها بدا كأن طائرًا كبيرًا طار قريبًا من النافذة.

في اليوم التالي كان هناك صقيع شديد، ثم ما لبث الربيع أن أقبل. أشرقت الشمس، ونبتت الأوراق الخضراء الغضة، وبنَت طيور السنونو أعشاشها؛ وفُتِحت النوافذ، فجلس الطفلان مرة أخرى في الحديقة التي على السطح، عاليًا فوق كل الحجرات الأخرى.

figure

كم كانت الورود جميلة حين تفتحت هذا الصيف! وكانت الفتاة الصغيرة قد تعلمت ترنيمة تتحدث عن الورود. فكرت في ورودهما، وأنشدت الترنيمة للصبي الصغير، وغنى هو أيضًا معها قائلين:

تتفتح الزهور ثم تذوي؛
لكن المسيح الطفل دائمًا سيبقى.
ستحل علينا البركة حين نراه،
وهكذا حال الأطفال دومًا.

ثم أمسك كلٌّ من الطفلَين بيدَي بعضهما، وقبلا الورود، ونظرا إلى أشعة الشمس الساطعة، وتحدثا إليها كما لو كان المسيح الطفل هناك بالفعل. كانت تلك أيام الصيف البهيجة. كم كانت الأجواء جميلة ومنعشة بين شجيرتَي الورد، اللتَين بدَتا كأنهما لن تذويا أبدًا!

ذات يوم جلس كاي وجيردا يُطالعان كتابًا به صور للحيوانات والطيور. وفي نفس الوقت الذي دقت فيه الساعة التي في برج الكنيسة الثانية عشرة، قال كاي: «أوه، شيء ما أصاب قلبي!» وبعد لحظات قال: «من المؤكد أن شيئًا ما دخل عيني.»

لفَّت الفتاة الصغيرة ذراعها حول عنقه ونظرت إلى عينه، لكنها لم تستطع رؤية أي شيء.

قال الصبي: «أعتقد أنه زال.» لكنه لم يزل؛ فقد كانت إحدى شظايا المرآة المكسورة — تلك المرآة السحرية التي كنا قد تحدثنا عنها — المرآة القبيحة التي تجعل كل شيء ضخمٍ وحسن يبدو صغيرًا وقبيحًا، بينما يصبح كل ما هو خبيث ورديء أكثرَ وضوحًا، وكلَّ خطأ صغير ظاهرًا للعيان. كذلك أُصيب كاي الصغير المسكين بشظية صغيرة في قلبه، الذي تحول سريعًا جدًّا إلى كتلة من الجليد. لم يشعر كاي بمزيد من الألم لكن ظلت شظيتا الزجاج في مكانهما. وقال أخيرًا: «لماذا تبكين؟ إن هذا يجعلكِ تبدين قبيحة. إنني على ما يُرام الآن.» ثم صاح فجأة قائلًا: «أوه، يا للقرف! تلك الوردة أكلتها الديدان، وهذه الوردة معوجة تمامًا. إنها ورود قبيحة على أي حال، تمامًا مثل الصندوق التي زُرعت فيه.» ثم ركل الصندوقَين بقدمَيه وقطف الوردتَين.

صاحت الفتاة الصغيرة قائلة: «عجبًا يا كاي، ماذا تفعل؟» وحين رأى كما هي حزينة قطف وردة أخرى وقفز من نافذته للداخل، بعيدًا عن جيردا الصغيرة الرقيقة.

حين أخرجت فيما بعد الكتاب المصور قال لها: «إنه لا يُناسب إلا أطفالًا ما زالوا في المهد.» وحين كانت الجدة تحكي قصصًا كان يُقاطعها ليُعارض ما تقوله، أو يقف أحيانًا وراء مقعدها حين كان يمكنه ذلك ويضع على عينَيه نظارة، ويُقلدها بمهارة شديدة ليجعل الناس يضحكون. وبالتدريج، بدأ يُقلد طريقة حديث الناس في الشارع ومشيهم. فكان يُقلد كل ما هو غريب أو مكروه في الشخص في الحال، وكان الناس يقولون: «ذلك الصبي سيصير ماهرًا جدًّا؛ إنه عبقري عبقرية جديرة بالاهتمام.» إلا أن ما جعله يتصرف على هذا النحو هو قطعة الزجاج التي في عينه والجمود الذي في قلبه. بل إنه كان حتى يُثير غيظ جيردا الصغيرة التي كانت تُحبه من كل قلبها.

حتى لهوه صار أيضًا مختلفًا تمامًا؛ فلم يعد مثل لهو الأطفال. وذات يوم من أيام الشتاء بينما كانت الثلوج تتساقط، أحضر عدسة حارقة، ثم رفع طرف معطفه الأزرق حتى تسقط عليه ندف الثلج.

ثم قال لجيردا: «انظري من خلال هذه العدسة يا جيردا.» فرأت كيف صارت كل واحدة من ندف الثلج مكبرة لتبدو مثل زهرة جميلة أو نجمة لامعة.

فقال لها كاي: «أليس في هذا جمال ومتعة أكبر كثيرًا من النظر إلى زهور حقيقية؟ فلا يوجد فيها عيب واحد. تظل ندف الثلج في أفضل حال حتى تبدأ في الانصهار.»

بعد هذا بقليل ظهر كاي مرتديًا قفازًا كبيرًا سميكًا وعلى ظهره زلاجته. ونادى على جيردا وقال: «لقد حصلت على الإذن بالذهاب إلى الميدان الكبير، حيث يلعب الصِّبية الآخرون ويركبون الزلاجات.» ثم رحل.

في الميدان الكبير كان الأكثر جرأة من بين الصبية عادة ما يربطون زلاجاتهم بعربات سكان القرية وبهذا يحصلون على جولة، وهو ما كان أمرًا رائعًا. لكن بينما كانوا يلهون، ومعهم كاي، جاءت زلاجة كبيرة مطلية باللون الأبيض، جلس فيها شخص ما متلفعًا بفراء أبيض خشن ومعتمرًا قبعة بيضاء. دارت الزلاجة حول الميدان مرتين، وربط كاي زلاجته الصغيرة بها، وبهذا رحل معها حين رحلت. انطلقت أسرع فأسرعَ عبر الشارع التالي، واستدار الشخص الذي يقودها وأومأ رأسه بود لكاي كأنَّهما على معرفة وثيقة ببعضهما؛ لكن كلما ود كاي أن يفك زلاجته الصغيرة التفتَ قائد الزلاجة وأومأ برأسه ليُشير بأنَّ عليه البقاء، فجلس كاي ساكنًا، ثم انطلقا خارجَين من بوابة البلدة.

ثم راح الثلج يتساقط بغزارة شديدة حتى إن الصبي الصغير لم يستطع أن يرى أبعد من شبر أمامه، لكنهما ظلا منطلقَين بالزلاجتَين. وفجأة حاول الصبي فك الحبل حتى تذهب الزلاجة الكبيرة من دونه، لكن دون جدوي؛ فقد كانت زلاجته مربوطة بإحكام، وانطلق الاثنان مثل الريح. أخذ يصيح بصوت عالٍ، لكن لم يسمعه أحد، في حين ظل الثلج يتساقط عليه والزلاجة منطلقة. وكانت من حين إلى آخر تقفز، كما لو كانا يعبران فوق أسيجة وحفر. حل الخوف بالفتى فحاول أن يتلو صلاة، لكنه لم يستطع أن يتذكَّر أي شيء سوى جدول الضرب.

صار حجم ندف الثلج أضخم فأضخم، حتى بدَت مثل طيور بيضاء ضخمة. وإذ فجأةً قفزت جانبًا، وتوقفت الزلاجة الكبيرة، ونهض الشخص الذي كان يقودها. سقط الفِراء والقبعة اللذان كانا مصنوعَين بالكامل من الثلج، فرأى سيدة، طويلة وبيضاء، وكانت هي ملكة الثلج.

قالت له: «لقد أحسنا قيادة الزلاجتَين، لكن لماذا ترتعد هكذا؟ تعالَ، اندسَّ في فرائي الدافئ.» ثم أجلسته بجانبها في الزلاجة وبينما هي تلف الفراء حوله، شعر كأنه يغوص في ركام من الثلج.

سألته وهي تطبع قبلة على جبهته: «أما زلت تشعر بالبرد؟» كانت القبلة أبردَ من الجليد؛ فقد اخترقته حتى بلغت قلبه الذي كان أشبه بكتلة من الجليد بالفعل. وشعر الصبي كأنه يُحتَضَر، لكنه شعور لم يدم أكثر من لحظة، فسرعان ما بدا على ما يُرام تمامًا ولم يأبَهْ للبرد الذي أحاط به من كل جانب.

وكان أول ما جال بخاطره أن قال: «زلاجتي! لا تنسَي زلاجتي.» ثم نظر فوجد أنها مربوطة بإحكام بأحد الطيور البيضاء التي كانت تُحلق خلفه. قبلت ملكة الثلج كاي الصغير مرة أخرى، وكان حينذاك قد نسي جيردا الصغيرة وجدته وكل مَن في البيت.

قالت له ملكة الثلج: «لا بد أن أتوقف عن تقبيلك وإلا قضيت عليك بقبلاتي.»

نظر كاي إليها فوجدها جميلة للغاية لدرجة أنه لم يتخيَّل أن يكون هناك وجه أكثر بهاءً من وجهها؛ ولم يبدُ الآن أنها من الثلج كما كانت حين رآها من نافذته وأومأت برأسها له.

كانت تبدو في عينَيه كاملة الأوصاف، فلم يشعر بالخوف على الإطلاق. أخبرها أنه يستطيع إجراء عمليات حسابية في ذهنه حتى تلك التي تحتوي على كسور، وأنه يعرف مساحة البلد بالأميال المربعة وعدد سكانها. ابتسمت له فخطر له أنها تعتقد أن كل ما يعرفه بدا ضئيلًا.

جال الصبي ببصره في أنحاء الفضاء المترامي وهي تطير به أعلى فأعلى على غيمة سوداء، بينما تشتد العاصفة وتعوي كأنها تُغني أغنيات من أزمانٍ غابرة. طارا فوق غابات وبحيرات، وفوق البر والبحر؛ وتحتهما عوَت الرياح العاتية وعوَت الذئاب وطقطق الجليد؛ وفوقهما حلَّقَت الغربان السوداء وهي تنعق، وفوق كل هذا سطع القمر، صافيًا مضيئًا، وهكذا قضى كاي ليل الشتاء الشديد الطول، وحين جاء النهار نام عند قدمَي ملكة الثلج.

القصة الثالثة

حديقة الزهور المسحورة

لكن كيف حال جيردا الصغيرة في غياب كاي؟

لم يعلم أحد ما حل به، ولا استطاع أحد أن يُدلِيَ بأدنى قدر من المعلومات، ما عدا الصبية الذين قالوا إنه كان قد ربط زلاجته بزلاجة أخرى كبيرة جدًّا، والتي راحت تنطلق في الشارع ثم خرجَت من بوابة البلدة. ولم يعرف أحد أين ذهبت. وقد انهمر الكثير من الدموع من أجله، وظلت جيردا تبكيه بحُرقة لوقت طويل؛ إذ قالت إنها تشعر أنه مات لا محالة، وأنه غرق في النهر الجاري بالقرب من المدرسة. ومضَت أيام شتاء الطويلة في كآبة شديدة؛ لكن أخيرًا جاء الربيع بشمسه الدافئة.

قالت جيردا الصغيرة: «لقد مات كاي ورحل.»

قالت أشعة الشمس: «أنا لا أُصدق هذا.»

وقالت لطيور السنونو: «لقد مات ورحل.»

فردت عليها وقالت: «إننا لا نصدق هذا.» وأخيرًا بدأت جيردا الصغيرة تشك في الأمر.

وذات صباح قالت: «سوف أنتعل حذائي الأحمر الجديد، ذلك الذي لم يره كاي قط، ثم أذهب إلى النهر وأسأل عنه.»

وفي ساعة مبكرة جدًّا من الصباح قبَّلَت جدتها العجوز التي كانت لا تزال نائمة؛ ثم انتعلت حذاءها الأحمر، وخرجت من بوابة البلدة بمفردها تمامًا متجهة نحو النهر.

قالت جيردا للنهر: «هل صحيح أنك أخذت مني رفيقي الصغير في اللعب؟ سوف أعطيك حذائي الأحمر إذا أعدته لي.»

وبدا كأن الأمواج أشارت لها بأسلوب غريب، فخلعت زوجَي حذائها الأحمر، الذي كانت تحبه أكثر من أي شيء آخر، وألقت بهما في النهر، لكنهما سقطتا قريبًا من الضفة، فحملتهما الأمواج الصغيرة إلى البر مجددًا تمامًا كأن النهر يرفض أن يأخذ منها أحبَّ ما لديها؛ لأن ليس بمقدوره أن يُعيد إليها كاي الصغير.

لكنها اعتقدت أنها لم تُلقِ بالحذاء بعيدًا بالقدر الكافي، فتسللت إلى قارب كان موجودًا بين عيدان البوص، وألقت بالحذاء مرة أخرى في الماء من أقصى القارب؛ إلا أنه لم يكن مربوطًا، فجعلته حركتها يسبح بعيدًا عن البر. حين رأت جيردا هذا هُرِعت لتصل إلى طرف القارب، لكن قبل أن تتمكن من ذلك كان ابتعد أكثر من ياردة عن الضفة وانجرف بسرعة أكبر.

ارتعبت جيردا الصغيرة بشدة وبدأت في البكاء لكن لم يسمعها أحد سوى طيور السنونو التي لم تكن تستطيع حملها إلى البر، لكنها ظلت تطير قرب الضفة وهي تشدو قائلة: «نحن بقربكِ! نحن بقربكِ!» لعل غناءها يُهدئ من رَوعها.

ذهب القارب مع التيار، بينما جلست جيردا الصغيرة في سكون تام لا يُغطي قدمَيها سوى الجورب؛ فقد طفا الحذاء الأحمر وراءها، لكنها لم تستطع أن تصل إليه لأن القارب استمر في تقدمه مسرعًا.

figure

كانت ضفتا النهر بديعتَين للغاية؛ فقد كان فيهما زهور جميلة وأشجار قديمة وحقول منحدرة ترعى فيها الأبقار والأغنام، لكن لم يكن هناك أي إنسان.

حدثت جيردا الصغيرة نفسها قائلة: «ربما سيحملني النهر إلى كاي الصغير.» وحينئذٍ صارت أكثر ابتهاجًا، ورفعت رأسها وطالعت الضفتَين الخضراوَين الجميلتَين. وهكذا ظل القارب مبحرًا عدة ساعات، حتى بلغ أخيرًا بستانًا كبيرًا للكرز، قام فيه منزل صغير ذو نوافذ حمراء وزرقاء غريبة. كان سطحه مغطًّى بالقش، ووقف خارجه جنديان خشبيان رفعا لها سلاحهما تحيةً حين مرت بهما بالقارب. نادت جيردا عليهما فقد ظنت أنهما حيان؛ لكنهما لم يُجيبا بالطبع، وحين اقترب القارب من الشاطئ أكثر أدركت حقيقتهما.

إلا أن جيردا ظلت تُنادي بصوت أعلى، فخرجت من المنزل سيدة عجوز جدًّا، متكئة على عكاز، ترتدي قبعة كبيرة لتحميها من الشمس، وكان مرسومًا عليها شتى أنواع الزهور الجميلة.

قالت السيدة العجوز: «كيف استطعتِ أن تقطعي هذه المسافة البالغة الطول في العالم الواسع في مثل هذا التيار السريع الهائج يا أيتها الطفلة الصغيرة المسكينة؟» ثم خاضت السيدة العجوز في الماء، وأمسكت القارب بعكازها، وسحبته للبر، وأخرجت منه جيردا الصغيرة، التي سرها شعورها بالعودة للأرض الجافة مرة أخرى، رغم أنها كانت خائفة بعض الشيء من السيدة العجوز الغريبة.

قالت السيدة: «تعالي وأخبريني من أنتِ وكيف أتيتِ إلى هنا.»

أخبرتها جيردا بكل شيء، بينما راحت السيدة العجوز تهز رأسها وتقول: «همم، همم»؛ وحين انتهت جيردا من الكلام سألت السيدة العجوز ما إن كانت قد رأت كاي الصغير. أخبرتها بأنه لم يعبر ذلك الطريق، لكن ثمة احتمالًا كبيرًا أن يأتي. وطلبت من جيردا ألا تحزن وإنما تتذوق الكرز وتنظر إلى الزهور؛ فهي أجمل من أي كتاب مصوَّر، فكل واحدة منها تحكي قصة. ثم أمسكت يدها، وأدخلتها إلى المنزل الصغير، وأغلقت الباب. كانت النوافذ عالية جدًّا، ولما كان زجاجها ملونًا بالأحمر والأزرق والأصفر فقد سطع من خلالها ضوء النهار بشتى الألوان الفريدة. وكان على الطاولة بعض ثمار الكرز الجميلة، وقد سُمِح لجيردا بتناول العدد الذي تريده منها. وبينما كانت تأكلها مشطت السيدة العجوز خصلات شعرها الأشقر الملتفة بمشط ذهبي فانسابت الخصلات اللامعة على جانبَي الوجه الحسن المستدير الصغير، الذي بدا في نعومة الوردة ونضارتها.

قالت السيدة العجوز: «طالما تمنيت فتاة صغيرة لطيفة مثلك، لذلك لا بد أن تبقَي معي وترَيْ كيف سنعيش في سعادة معًا.» وفيما راحت تمشط شعر جيردا الصغيرة انحسر تفكير الطفلة في رفيقها كاي تدريجيًّا، فالسيدة العجوز كانت ساحرة لكنها كانت ساحرة طيبة؛ فلم تكن تُمارس السحر إلا قليلًا بغرض الترفيه عن نفسها، وحينذاك لأنها أرادت الاحتفاظ بجيردا. لذلك خرجت إلى الحديقة ومدت عكازها صوب كل أشجار الورد فغاصَت في التو في غياهب الأرض، رغم ما كانت عليها من بهاء، دون أن تترك أدنى أثر على أنها كانت هناك. لقد خشيَت السيدة العجوز أن ترى جيردا الصغيرة الورود فتُفكر في تلك التي في دارها فتتذكر حينئذٍ كاي الصغير وترحل.

ثم اصطحبت جيردا لحديقة الزهور، وكم كانت عطرة وجميلة! كان فيها كل الزهور التي قد تخطر على البال، من أي موسم من مواسم السنة، متفتِّحة وذات ألوان لا يمكن لأي كتاب مصور أن يعرض ألوانًا أشدَّ منها جمالًا. قفزت جيردا من السعادة ولعبت حتى توارت الشمس وراءَ أشجار الكرز الطويلة؛ ثم نامت في فراش أنيق، ذي وسائدَ حمراء من الحرير مزينة بزهور البنفسج، وراودتها أحلام سعيدة أنها ملكة في يوم زفافها.

ظلت جيردا تلعب بالزهور في أشعة الشمس الدافئة اليوم التالي وطيلة عدة أيام تالية. وصارت تعرف كلَّ زهرة، ورغم أنها كانت كثيرة جدًّا فقد بدا أنها تنقصها واحدة، لكنها لم تعرف ما هي. لكن ذات يوم بينما هي جالسة تتطلَّع إلى قبعة السيدة العجوز ذات الزهور الملوَّنة، رأت أن أجملها جميعًا كانت وردة. لقد نسيت السيدة العجوز أن تنزعها من قبعتها حين جعلت كل الورود تندثر تحت الأرض. لكن من الصعب أن تنتبه إلى كل التفاصيل، فقد ترتكب خطأً صغيرًا يُفسِد عليك كل ما رتبته.

وإذ بجيردا تصيح: «عجبًا! ألا يوجد ورود هنا؟» ثم خرجت إلى الحديقة وفحصت كل الأحواض، وظلت تبحث وتبحث، لكنها لم تعثر على أي منها. جلست وراحت تبكي، فسقطت دموعها في نفس المكان الذي هبطت فيه إحدى أشجار الورد. بلت دموعها الدافئة الأرض، فنبتت شجرة ورد في الحال، وارفة كما كانت حين هبطت في الأرض، فضمتها جيردا وقبلت الورود، وعاودتها ذكرى الورود الجميلة في دارها، ومعها ذكرى كاي الصغير.

قالت الفتاة الصغيرة: «ويحي، كم مضى عليَّ وأنا حبيسة هنا!» ثم سألت الورود: «كنت أرغب في البحث عن كاي الصغير. هل تعلمن أين هو؟ هل تعتقدن أنه مات؟»

أجابتها الورود: «لا، لم يمت. لقد كنا تحت الأرض حيث يرقد كل الموتى، لكن كاي ليس هناك.»

قالت جيردا الصغيرة: «أشكركن»، ثم ذهبت إلى الزهور الأخرى ونظرت داخل كئوسهن الصغيرة وسألتهن: «هل تعلمن بمكان كاي الصغير؟» لكن كل واحدة من الزهور الواقفة في أشعة الشمس كانت تحلم فقط بحكايتها أو قصتها الخيالية الصغيرة. لم تكن أي منها تعلم أي شيء عن كاي. وسمعت جيردا حكايات عدة من الزهور، حين سألتهن الواحدة تلو الأخرى عنه.

بعد ذلك جرت إلى الناحية الأخرى من الحديقة. كان الباب موصدًا، لكنها دفعت المزلاج الصدئ حتى انهار. انفتح الباب على مصراعَيه، فخرجت جيردا الصغيرة جريًا حافية القدمَين إلى العالم الواسع. نظرت خلفها ثلاث مرات، لكن لم يبدُ أن هناك مَن يتبعها. وحين وجدت أنها لم تَعُد تقوى على الجري جلست لتستريح على حجر كبير، وحين نظرت حولها اكتشفت أن الصيف كان قد انتهى وأن الخريف قد مر جانب كبير منه. لم تكن تدري بشيء من هذا في الحديقة الجميلة حيث كانت تسطع الشمس وتنمو الزهور طوال العام.

قالت جيردا الصغيرة: «أوه، كم أضعت من الوقت! لقد جاء فصل الخريف؛ لا بد ألا أستسلم لمزيد من الراحة.» ونهضت لتواصل السير. إلا أن قدمَيها الصغيرتَين كانتا مجروحتَين وتُؤلِمانها، وبدا كل ما حولها باردًا وموحشًا. لقد كانت أوراق الصفصاف الطويلة مصفرة تمامًا، وقطرات الندى تنهمر مثل المياه، والأوراق تتساقط الواحدة تلو الأخرى من الأشجار؛ وحدها شجرة البرقوق الشوكي كانت لا تزال تحمل ثمارًا، إلا أن تلك الثمار كانت مُرة وتلسع اللسان. أوه، كم بدا العالم بأسره خاويًا وكئيبًا!

القصة الرابعة

الأمير والأميرة

اضطُرَّت جيردا إلى الخلود للراحة مرة أخرى، فرأت في الجهة المقابلة للمكان الذي جلست فيه مباشرة غرابًا كبيرًا يقفز قادمًا إليها عبر الجليد. وقف ينظر إليها لبعض الوقت، ثم هز رأسه وقال: «قاق، قاق، يوم طيب، يوم طيب». نطق الكلمات بوضوح بقدر ما استطاع، لأنه أراد عدم إخافة الفتاة الصغيرة، ثم سألها إلى أين هي ذاهبة وهي وحيدة تمامًا في العالم الفسيح.

فهمت جيردا كلمة «وحيدة» جيدًا وشعرت بعمق معناها؛ لذا، أخبرت الغراب بقصة حياتها ومغامراتها كلها وسألته ما إن كان قد رأى كاي الصغير.

هز الغراب رأسه بجدية شديدة وقال: «ربما رأيته، من المحتمل.»

صاحت جيردا الصغيرة: «حقًّا؟! هل تعتقد حقًّا أنك رأيته؟» ثم قبَّلَت الغراب وضمته بشدة حتى كادت تقتله، من شدة الفرح.

قال الغراب: «اهدئي، اهدئي. أعتقد أنني أعرفه. أعتقد أنه ربما يكون كاي الصغير؛ لكن لا بد أن يكون قد نسيكِ الآن من أجل الأميرة.»

سألته جيردا: «هل يعيش مع أميرة؟»

أجابها الغراب: «أجل، لكن أنصتي لي. من الصعب جدًّا أن أتحدث لغتك. إذا كنتِ تفهمين لغة الغربان، فسأستطيع أن أشرح لكِ الأمر بشكل أفضل. فهل تفهمينها؟»

قالت جيردا: «كلا، فلم أتعلمها قط، لكن جدتي تفهمها، واعتادَت أن تتحدث بها إليَّ. ليتني كنت قد تعلمتها.»

أجابها الغراب: «لا يهم، سأشرح لكِ بقدر ما أستطيع، إلا أن الشرح سيكون سيئًا جدًّا.» وأخبرها بما كان قد سمعه.

قال لها: «في المملكة التي نقف فيها الآن تعيش أميرة بارعة الذكاء حتى إنها قرأت كل الجرائد التي في العالم، ونسيتها كذلك، رغم أنها شديدة الذكاء.

منذ فترة قصيرة، بينما هي جالسة على عرشها، الذي يقول الناس إنه ليس كرسيًّا جيدًا كما يغلب الظن عليه، بدأت تُغني أغنية يقول مطلعها:

لماذا لا أتزوج؟

وقالت: «بالطبع، لمَ لا؟» وعقدَت العزم على الزواج إذا استطاعت أن تجد زوجًا يعرف ماذا يقول حين يتحدث أحد إليه، فهي لا تريد شخصًا يبدو مهيبًا فحسب، فقد كان ذلك أمرًا مضجرًا للغاية. واستدعت كل سيدات البلاط بقرع على طبلة، وحين عرفن بنواياها سُرِرن سرورًا شديدًا.

قالت السيدات: «أسعدَنا كثيرًا هذا الخبر. وقد كنا نُناقشه فيما بيننا قبل ذلك.»

لتثقي في صدق كل كلمةٍ أقولها، فلديَّ إلفٌ أليف تنطلق بحرية في القصر، وهي من أخبرَتني بكل هذا.»

بالطبع كان إلفه إحدى إناث الغراب، إذ كما يقول المثل: «الطيور على أشكالها تقع»، ولا يمكن لغراب إلا أن يحبَّ واحدة من بني جنسه.

ثم أضاف: «وفي الحال صدرت الجرائد بإطار من القلوب بها الحروف الأولى من اسم الأميرة، وأعلنت أنه بوُسع أي شاب وسيم أن يزور القصر ويتحدث إلى الأميرة، ومن يستطع الرد بصوت مسموع عند مخاطبته ويبدو كما لو كان في بيته، ويكون الأفضل حديثًا سيُختار زوجًا للأميرة.

أجل، أجل، صدِّقيني. فكل ما قلته حقيقة مثل جلوسي هنا.

لقد جاءت الناس في حشود، وكان هناك قدر كبير من التزاحم والتجمهر، لكن لم ينجح أحد سواء في اليوم الأول أو الثاني. لقد كانوا جميعًا يستطيعون الحديث جيدًا وهم بالخارج في الشوارع، لكن حين دخلوا من بوابات القصر ورأوا الحراس في زيهم الفضي، والخدم في بزَّاتهم الرسمية الذهبية على الدرج، والقاعات الكبرى وهي مضاءة، اعتراهم ارتباك شديد. وحين وقفوا أمام العرش الذي كانت تجلس عليه الأميرة، لم يستطيعوا إلا أن يُعيدوا الكلمات الأخيرة من الكلام الذي قالته، وهي لم يكن لديها أي رغبة في سماع كلماتها تُعاد. كانوا جميعًا كأنهم قد تناولوا شيئًا ليشعروا بالنُّعاس أثناء وجودهم في القصر، فهم لم يستعيدوا زمام أنفسهم ولم يتحدثوا إلا حين عادوا إلى الشارع ثانيةً. وكان هناك صف طويل من المتقدمين، يمتد من بوابة البلدة حتى القصر.

لقد ذهبت بنفسي لأراهم. لقد كانوا جوعى وعطشى، فلم يحصلوا ولو على كوب ماء في القصر. كان بعض الفطناء منهم قد أخذوا معهم بعض شرائح الخبز والزبد، لكنهم لم يقتسموها مع رفاقهم؛ فقد اعتقدوا أنه لو ذهب الآخرون إلى الأميرة ويبدو عليهم الجوع، فسوف يكون حظهم هم أوفر.»

قالت له جيردا: «لكن ماذا عن كاي؟ حدثني عن كاي الصغير! هل كان بين الحشود؟»

«اهدئي قليلًا؛ أوشكنا أن نأتي إليه. في اليوم الثالث جاء شخص صغير يسير مبتهجًا إلى القصر من دون خيل أو عربة، وكان ذا عينَين لامعتَين مثل عينَيكِ. كان شعره جميلًا وطويلًا، لكن ملابسه كانت رثة للغاية.»

قالت جيردا مبتهجة: «ذلك كان كاي. أوه، إذن فقد وجدته!» وراحت تُصفق.

أضاف الغراب: «كان يحمل حقيبة صغيرة على ظهره.»

فقالت جيردا: «لا، لا بد أنها كانت زلاجته، فقد رحل بها.»

قال الغراب: «ربما كانت هي، فلم أنظر إليها عن قرب. لكنني عرَفت من وليفتي أنه مر من بوابات القصر، ورأى الحراس في زيهم الفضي والخدم في بزاتهم الرسمية الذهبية على الدرج، لكنه لم يشعر بأدنى قدرٍ من الارتباك.

وقد قال: «لا بد أن الوقوف على الدرج متعِب للغاية. أفضل الدخول.»

كانت القاعات متألقة بالأنوار، وكان المستشارون والسفراء يتجولون حفاة، حاملين أوعيةً ذهبية، وكان هذا كفيلًا أن يجعل أي أحد يشعر بجدية الأمر. أما هو فكان حذاؤه يُطقطق بصوت عالٍ كلما سار، إلا أنه لم يشعر بالإحراج مطلقًا.»

قالت جيردا: «لا بد أن هذا هو كاي؛ أعلم أنه كان يرتدي حذاءً جديدًا؛ فقد سمعته يُطقطق في حجرة الجدة.»

قال الغراب: «كان يُطقطق حقًّا، إلا أنه صعد بجسارة إلى الأميرة نفسها، التي كانت جالسة على لؤلؤة كبيرة بحجم عجلة الغزل. وكانت كل سيدات البلاط حاضرات ومعهن وصيفاتهن وكذلك كل الفرسان ومعهم خدمهم، وكان مع كل وصيفةٍ وصيفةٌ أخرى لخدمتها، وكان مع كل من خدم الفرسان خادم وكذلك غلام. وكانوا جميعًا واقفين في دوائر حول الأميرة، وكلما اقتربوا من الباب بان عليهم التكبُّر. وكان غلمان الخدم، الذين دائمًا ما يرتدون الأخفاف، يصعب النظر إليهم، إذ كانوا يقفون في كبر شديد عند الباب.»

قالت جيردا الصغيرة: «لا بد أنه أمر فظيع للغاية، لكن هل فاز كاي بالأميرة؟»

أجابها: «لو لم أكن غرابًا لكنت تزوجتها أنا نفسي، مع أنني مرتبط. لقد تحدث جيدًا مثلي حين أتحدث بلغة الغربان. لقد سمعت هذا الرأي من وليفتي. على أي حال كان الصبي منطلقًا ولطيفًا وقال إنه لم يأتِ ليخطب ود الأميرة، وإنما لسماع حكمتها. وكان مسرورًا برفقتها كما كانت هي مسرورة برفقته.»

قالت جيردا: «أوه، إنه كاي بلا شك، فقد كان ذكيًّا جدًّا؛ فكان يستطيع أن يحل المسائل الرياضية التي تحتوي على كسور ذهنيًّا. هلا أخذتني إلى القصر؟»

أجاب الغراب: «هذا أمر سهل جدًّا في طلبه لكن كيف السبيل لتدبره؟ لكنني سأتكلَّم مع وليفتي في الأمر وأطلب منها المشورة، فلا بد أن أُصارِحك بأنه سيكون من الصعب للغاية الحصول على إذن لدخول فتاة صغيرة مثلك القصر.»

قالت جيردا: «أوه، بالتأكيد، لكنني سأحصل على الإذن بسهولة، فحين يعرف كاي أنني هنا سيخرج ويأخذني إلى الداخل في الحال.»

قال الغراب، وهو يهز رأسه فيما يطير بعيدًا: «انتظريني هنا عند السياج.»

لم يعد الغراب قبل ساعة متأخرة من المساء؛ وعندما وصل، قال: «قاق، قاق! إن وليفتي تُرسل إليكِ تحياتها، وها هي قطعة خبز صغيرة أخذتها من المطبخ من أجلك. يوجد هناك الكثير من الخبز، فقد اعتقدت أنكِ لا بد أن تكوني جائعة. ليس من الممكن أن تدخلي القصر من المدخل الأمامي؛ فالحرَّاس ذَوو الزيِّ الفضي والخدم ذَوو البزات الرسمية الذهبية لن يسمحوا بذلك. لكن لا تبكي؛ فسوف نتدبر أمر دخولكِ. تعرف وليفتي سلمًا خلفيًّا صغيرًا يؤدي إلى حجرات النوم، وتعلم مكان المفتاح.»

ثم ذهبا إلى الحديقة عن طريق الجادة الكبرى، حيث كانت أوراق الأشجار تتساقط الواحدة تلو الأخرى، واستطاعا أن يرَيا الأنوار في القصر وهي تُطفَأ على نفس النحو. تقدم الغراب جيردا الصغيرة إلى باب خلفي كان مواربًا. أوه، كم كان قلبها يخفق قلقًا واشتياقًا؛ وبدا الأمر كأنها كانت ستُقدِم على فعل شيء خطأ، إلا أنها لم تُرِد سوى أن تعرف مكان كاي الصغير.

حدَّثَت جيردا نفسها قائلة: «لا بد أنه هو، بعينَيه الصافيتَين وشعره الطويل.»

استطاعت أن تتخيله وهو يبتسم لها كما كان يفعل حين كانا في منزلَيهما بينما هما جالسان بين الورود. لا بد أنه سيُسَرُّ برؤيتها، وبمعرفة المسافة الطويلة التي قطعتها من أجله، ومدى أسف كلِّ من في المنزل لعدم رجوعه. أوه، كم شعرت بفرحة وفي نفس الوقت خوف!

ارتقيا السُّلم، وكان في خِزانة صغيرة أعلاه مصباح مشتعل. وقفت وليفة الغراب في وسط الطابق، وأخذت تتلفَّت حولها وتُحدق إلى جيردا، التي انحنَت احترامًا لها كما علَّمَتها جدتها.

قالت وليفة الغراب: «لقد أثنى خطيبي عليكِ أفضل الثناء يا سيدتي الصغيرة. إن قصتكِ مؤثرة جدًّا. فلتأخذي المصباح وسأسير أنا أمامكِ. سنأخذ هذا الطريق مباشرةً، فلن يُقابلنا أحدٌ فيه.»

قالت جيردا: «أشعر كأن ثمَّة شخصًا وراءنا»؛ إذ مر بها مسرعًا شيء ما مثل ظل على الجدار؛ ثم تراءت لها خيول ذات شعور مسترسلة وقوائم رفيعة، وصيادون، وسيدات وسادةٌ على صهوات خيل، تمرق سريعًا مثل الأشباح.

قالت وليفة الغراب: «ما هي إلا أحلام؛ فهي تأتي لتحمل أفكار الأشخاص العظام بعيدًا. وهذا أفضل، فما دامت أفكارهم قد خرجت هكذا، فسيتسنى لنا أن نراها وهم في الفراش بأمان أكثر. أتمنى أن يكون قلبكِ ممتنًّا لنا حين تصعدين إلى مراتب الشرف والحظوة.»

قال لها غراب الغابة: «لكِ أن تتأكدي من ذلك تمامًا.»

ثم دخلوا القاعة الأولى، التي كانت جدرانها مزيَّنة بستائرَ حريرٍ وردية اللون مطرزة بزهور صناعية. وهنا مرَقَت بجانبهم الأحلام مجددًا، لكن سريعًا جدًّا حتى إن جيردا لم تستطع أن تتبين الشخصيات العظيمة. وبدَت كل قاعة أروعَ من التي سبقتها، وهو ما كان جديرًا أن يُصيب أي شخص بذهول. وبعد برهة بلغوا حجرة نوم. كان سقفها مثل قمة نخلة ضخمة، ذات أوراق زجاجية من أغلى أنواع البلَّور، وفي منتصف الحجرة عُلِّق سريران، يشبه كلٌّ منهما الزنبقة، على عمودَين من ذهب. كان أحدهما أبيضَ، وكانت الأميرة تضطجع فيه، والآخر أحمر، وهو الذي كان على جيردا أن تبحث فيه عن كاي الصغير.

أزاحت إحدى الأوراق الحمراء فرأت ظهر رقبة بنية صغيرة. أوه، لا بد أنه كاي! نادت اسمه بصوت عالٍ وحملت المصباح فوقه، فعادت الأحلام مندفِعةً في الغرفة على صَهْوة حِصان. وحين استيقظ وأدار رأسه، وجدت أنه ليس كاي الصغير! كان الأمير يُشبهه فحسب؛ لكنه كان شابًّا ووسيمًا. هنا أطلَّت الأميرة من فراشها الشبيه بالزنبقة البيضاء، وسألت ما الأمر. أجهشت جيردا الصغيرة بالبكاء وأخبرتها بالقصة، وكل ما فعله الغرابان ليُساعداها.

قال الأمير والأميرة: «يا لكِ من طفلة مسكينة!» ثم أثنَيا على الغرابَين، وقالا إنهما ليسا غاضبَين منهما لما فعلاه، وإنهما سيُكافئانهما هذه المرة، لكن على ألا يُكرَّرا هذا ثانيةً.

ثم سألت الأميرة الغرابَين: «هل تودان الحصول على حريتكما؟ أم تُفضلان الترقية لمرتبة غربان البلاط، ليكون لكما حق الحصول على كل فوائض المطبخ؟»

انحنى الغرابان والتمَسا أن يكون المنصبُ ثابتًا؛ فقد تَفكرا في كبر سنِّهما، وقالا إنه سيكون من المطمئنِ أن يَشعرا أنهما قد تحسَّبا له.

figure

ثم نزل الأمير عن فراشه وتركه لجيردا — وكان هذا أقصى ما يمكنه القيام به — فاستلقت فيه. ضمَّت جيردا يدَيها الصغيرتَين معًا وحدَّثَت نفسها قائلة: «كم يُحسِن الجميع معاملتي، بشرًا كانوا أم حيوانات!» ثم أغمضت عينَيها وغطَّت في نوم هانئ. وجاءت إليها كل الأحلام مجددًا، لكن في شكل ملائكة هذه المرة، يجرُّ أحدها زلاجة صغيرة، كان يجلس عليها كاي الذي أخذ يُومِئ برأسه لها. لكن لم يكن كل هذا إلا حلمًا، إذ تبدَّد بمجرد أن استيقظت.

وفي اليوم التالي اكتست بالحرير والمخمل من رأسها لأخمص قدمَيها ودُعِيَت لقضاء عدة أيام في القصر والترويح عن نفسها؛ لكنها لم تطلب سوى حذاء عالي الرقبة وعربة صغيرة وحصانًا لجرِّها، حتى تتمكن من الخروج بحثًا عن كاي في العالم الفسيح.

لكنها لم تحصل على حذاء عالي الرقبة فحسب وإنما على غطاء من الفراء لتدفئة اليدَين أيضًا، وأصبحت في غاية الأناقة؛ وحين صارت مستعدة للذَّهاب، وجدت عند الباب عربة من الذهب الخالص وقد وُضِع عليها شعار نبالة الأمير والأميرة براقًا كأحد النجوم، وكان السائق والخادم والمرافقون جميعًا يرتدون تيجانًا ذهبية على رءوسهم. وساعدها الأمير والأميرة نفسهما على ركوب العربة وتمنَّيَا لها التوفيق.

رافقها غراب الغابة، الذي صار متزوجًا الآن، طوال الأميال الثلاثة الأولى؛ وقد جلس إلى جانب جيردا؛ إذ إنه لا يُطيق الركوب وظهره لمقدمة العربة. أما زوجته، فوقفت عند عتبة الباب تُرفرف بجناحَيها، فلم تَستطِع الذَّهاب معهما لأنها صارت تُعاني من صداع منذ توليها المنصب الجديد؛ من الإفراط في الأكل بلا شك. كانت العربة معبَّأة بكمية كافية من الكعك، وكان يوجد أسفل المقعد فاكهة وبسكويت الزنجبيل.

هتف الأمير والأميرة: «الوداع، الوداع»، وبكت جيردا الصغيرة، وبكى الغراب، وبعد بضعة أميال ودَّعها الغراب كذلك، فكان هذا الفراق أشدَّ حزنًا. لكنه طار إلى شجرة ووقف عليها يخفق بجناحَيه الأسودَين حتى غابت عن ناظِرَيه العربة التي كانت ساطعة مثل شعاع الشمس.

القصة الخامسة

اللصة الصغيرة

مضت العربة وسط غابة كثيفة، حيث أضاءت الطريق مثل شعلة نار، وأبهرَت عيونُ بعض اللصوص، الذين أبَوْا أن يتركوها تمرُّ دون أن يتعرضوا لها.

قال اللصوص وهم يتقدمون مُسرعين باتجاهها ويُمسكون بالخيل: «إنها من الذهب! إنها من الذهب!» ثم وجهوا ضربات قاتلة إلى المرافقين الصغار والسائق والخادم، وجذبوا جيردا الصغيرة إلى خارج العربة.

قالت اللِّصة العجوز، التي كانت لها لحية طويلة، وحاجبان متدلِّيان فوق عينَيها: «إنها سمينة وجميلة، فقد كانت تتغذى على المكسرات. إنها مثل حَمل مسمن؛ كم سيكون مذاقها شهيًّا!» وبينما كانت تقول هذا أخرجت سكينًا لامعة، ذات وميض مرعب. ثم صرخت السيدة العجوز من الألم في اللحظة نفسها، إذ كانت ابنتها، التي كانت متعلقة بظهرها، قد عضتها في أذنها، فقالت الأم: «أيتها الفتاة الشقيَّة»، وبهذا انشغلت عن قتل جيردا.

قالت اللصة الصغيرة: «إنها ستلعب معي، وستُعطيني غطاء يدَيها المصنوع من الفراء وثوبها الجميل، وستنام معي في فراشي.» ثم عضَّت أمها مرة أخرى، فضج اللصوص كلُّهم بالضحك.

قالت اللصة الصغيرة: «سأذهب في جولة بالعربة»، وكان لها ما أرادت؛ إذ كانت مدلَّلة وعنيدة.

جلست هي وجيردا في العربة وانطلقتا فوق أرومات الأشجار والأحجار، متوغِّلتَين في الغابة. كانت اللصة الصغيرة في حجم نفسه جيردا تقريبًا، لكنها كانت أقوى؛ كان مَنكِباها أعرضَ وبشَرتُها أدكن؛ وكانت عيناها حالكةَ السواد، تلوح فيهما نظرة حزينة. وقد أمسكت جيردا الصغيرة من خصرها وقالت لها:

«لن يُقدِموا على قتلكِ ما دمتِ لا تُضايقينني. أعتقد أنكِ أميرة.»

قالت جيردا: «لا»؛ ثم قصت عليها حكايتها كلها وكم كانت تحب كاي الصغير.

رمقَتْها اللصة الصغيرة بنظرة جادة، ثم هزت رأسها قليلًا وقالت: «لن يكونوا هم من يقتلونك إن غضبت منكِ؛ فسأفعل هذا بنفسي.» ثم جفَّفَت دموع جيردا ووضعت يدَيها في الفراء الجميل، الذي كان في غاية النعومة والدفء.

توقفت العربة عند فناء قلعة أحد اللصوص، التي كانت جدرانها مليئة بالشقوق من أسفلها لأعلاها. وكانت الغربان تدخل من الثقوب والشروخ وتخرج منها، فيما كانت تتقافز كلاب ضخمة من فصيلة البولدوج، التي بدا كلُّ واحد منها قادرًا على ابتلاع إنسان؛ إلا أنها لم يُسمَح لها بالنباح.

في القاعة الكبيرة القديمة المعبَّأة بالدُّخان أُشعِلَت نار متوقدة على الأرض الحجرية. ولما لم يَكُن هناك مدخنة فقد تصاعد الدخان إلى السقف ووجد لنفسه مخرجًا. وكان الحساء يغلي في مرجل كبير، وأرانب أليفة وبرية تُشوَى على السيخ.

قالت اللصة الصغيرة بعد أن تناولت هي وجيردا شيئًا من الطعام والشراب: «سوف تنامين معي أنا وكل حيواناتي الصغيرة الليلة.» وأخذت جيردا الصغيرة لزاوية في القاعة فُرِشَت ببعض القش والأبسطة. وكان فوقهما على قُضبان وعِصيٍّ أكثر من مائة حمامة بدت كلها نائمة، لكنها تحركت قليلًا حين اقتربت منها الفتاتان الصغيرتان. قالت اللصة الصغيرة: «إنها كلَّها ملكي»، وأمسكت بأقربها إليها، وحملَتها من ساقَيها، وراحت تهزُّها حتى خفقت بجناحَيها. ثم صاحت وهي تدفعها إلى وجه جيردا: «قبِّليها.»

ثم استأنفت كلامها وقالت وهي تُشير إلى عدد من القضبان المثبَّتة في الجدران، بالقرب من إحدى الفتحات: «هنا تجلس حمامتا الغابة. ستطير الشقيَّتان مباشرةً إن لم تُحبَسا جيدًا. وها هو حبيبي العجوز «با».» وجرَّت إليها حيوان رنة مقيد من قرنه كان يوجد حول عنقه حلقة نُحاسية لامعة. ثم أضافت: «نُضطَر إلى ربطه بإحكام شديد وإلا هرَب منا هو الآخر. إنني أُداعب رقبته كل مساء بسكِّيني الحادة وهو ما يُخيفه خوفًا شديدًا.» واستلَّت اللصة سكينًا طويلةً من صدع في الجدار، ومرَّت به برِفق على رقبة الرنة، فأخذ الحيوان المسكين يرفس، وضحكت اللصة الصغيرة وشدَّت جيردا لتنزل معها إلى الفراش.

سألتها جيردا وهي تنظر إلى السكين في خوف بالغ: «هل ستحتفظين بتلك السكِّين أثناء النوم؟»

أجابت اللصة الصغيرة: «دائمًا ما أنام والسكِّين بجانبي. لا أحد يعلم ما قد يحدث. لكن احكي لي الآن مرةً أخرى كل شيء عن كاي الصغير، ولماذا خرَجتِ تبحثين عنه في العالم الفسيح.»

أعادت جيردا عليها قصتها مرة أخرى، بينما كانت الحمامتان البريتان اللتان في القفص فوقهما تَهدِلان، والحمامُ الآخر نائمًا. بسَطَت اللصة الصغيرة إحدى ذراعَيها على رقبة جيردا، وحملت في الذراع الأخرى السكين، وسرعان ما غطَّت في سُبات عميق مُطلِقة شخيرًا عاليًا. لكن لم تستطع جيردا أن تُغمِض عينَيها على الإطلاق؛ فلم تكن تدري ما إذا كانت ستَحيا أم ستموت. جلس اللصوص حول النار يُغنُّون ويحتسون الشراب. لقد كان مشهدًا فظيعًا بالنسبة لفتاة صغيرة مثلها.

ثم قالت حمامتا الغابة: «كوكو، لقد رأينا كاي الصغير. كان طائر أبيض يحمل زلاجته وكان هو جالسًا في عربة ملكة الثلج التي مضَت في الغابة بينما نحن كنا راقِدَين في عُشنا. وقد نفخَت فينا، فمات كل الصغار، ما عدا نحن الاثنَين. كوكو.»

صاحت جيردا: «ماذا تقولان؟ إلى أين كانت ملكة الثلج ذاهبة؟ هل تعلمان أي شيء عن الأمر؟»

«في الغالب كانت مسافرة إلى منطقة لابلاند، حيث هناك ثلوج وجليد دائمًا. فلتسألي حيوان الرنة المربوط بحبل هناك.»

قال حيوان الرنة: «أجل، يوجد هناك دائمًا ثلوج وجليد، وإنه مكان رائع؛ إذ يمكن القفز والركض بحرية في أنحاء السهول الجليدية اللامعة. ولدى ملكة الثلج خيمة صيفية هناك، لكن قلعتَها المنيعة موجودة في القطب الشمالي، في جزيرة تُسمَّى سبيتزبيرجين.»

تنهدت جيردا وقالت: «يا عزيزي كاي، كاي الصغير!»

قالت اللصة الصغيرة: «لا تتحركي وإلا جرحتكِ بسكِّيني.»

في الصباح أخبرتها جيردا بكل ما قالته لها الحمامتان البريتان، فبدا على اللصة الصغيرة اهتمام كبير، وهزت رأسها وقالت: «هذا كله كلام، هذا كله كلام.» ثم سألت حيوان الرنة: «هل تعلم أين لابلاند؟»

قال حيوان الرنة وقد لمعت عيناه: «ومن عساه يعلم أفضل مني؟ فقد وُلِدَت وترعرعت هناك، واعتادت الركض وسط السهول المغطاة بالثلوج.»

قالت اللصة الصغيرة: «فلتُنصتي لي، لقد رحل كل رجالنا؛ أمي وحدها هنا وستظل هنا، لكنها دائمًا ما تحتسي شرابًا من زجاجة كبيرة عند الظهيرة، ثم تنام قليلًا بعد ذلك؛ عندئذٍ سأفعل شيئًا من أجلكِ.» وقفزت من الفراش، وتعلقت برقبة أمها، وشدت لحيتها، وهي تصيح: «صباح الخير يا نعجتي الصغيرة!» فقرصتها أمها في أنفها حتى احمرَّ بشدة؛ إلا أنها فعلَت هذا كله حبًّا لها.

حين خلَدَت الأم للنوم ذهبت اللصة الصغيرة إلى حيوان الرنة وقالت: «أودُّ كثيرًا أن أُداعب رقبتك بسكيني عدة مرات أخرى، فهذا يجعلك تبدو مضحكًا للغاية، لكن لا بأس؛ سوف أحلُّ حبلك وأُطلِق سراحك، حتى تستطيع الذهاب إلى لابلاند؛ لكن لا بد أن تُسْدي لي معروفًا وتحمل هذه الفتاة الصغيرة إلى قلعة ملكة الثلج، حيث رفيقها في اللهو. لقد سمعت ما قالته لي، فقد تحدثت بصوت عالٍ بينما كنت أنت مُنصِتًا.»

قفز حيوان الرنة من الفرحة، ووضعت اللصة الصغيرة جيردا على ظهره وكانت حكيمة بحيث ربطتها عليه، بل أعطتها وسادتها الصغيرة لتجلس عليها.

قالت اللصة الصغيرة: «إليكِ حذاءكِ العالي الرقبة المصنوع من الفراء، فسوف يكون الجو باردًا جدًّا؛ لكنني يجب أن أحتفظ بغطاء اليدين، فهو جميل جدًّا. إنكِ لن تتجمَّدي من دونه؛ فها هو قفاز أمي الدافئ الكبير والذي سوف يصل إلى مرفقَيك. دعيني أُلبِسكِ إياه. الآن تبدو يداكِ مثل يدَي أمي.»

لكن جيردا بكَت من الفرحة.

قالت لها اللصة الصغيرة: «أنا لا أُحب أن أراكِ حزينة. لا بد أن تشعري الآن بالسعادة. وإليكِ شريحتَي خبز وقطعة لحم، حتى لا تتضوَّري جوعًا.»

رُبِطَت هذه الأشياء على ظهر حيوان الرنة، ثم فتحت اللصة الصغيرة الباب، وحايلت الكلاب الضخمة حتى تدخل، وقطعت الحبل الذي كان حيوان الرنَّة مربوطًا به بسكِّينها الحادة، وقالت: «فلتنطلق الآن، لكن اعتَني جيدًا بالفتاة الصغيرة.» مدَّت جيردا إلى اللصة الصغيرة يدها التي وضعَتها في القفاز الكبير وقالت: «الوداع»، وانطلق حيوان الرنَّة فوق أرومات الأشجار والأحجار، عبر الغابة المترامية، وفوق المستنقعات والسهول، بأسرع ما استطاع. عوَت الذئاب ونعقَت الغربان، فيما ارتعشت عاليًا في السماء أضواء حمراء تشبه ألْسِنة اللهب والتي قال عنها حيوان الرنة: «إنها أنوار الشفق القطبي، انظري كيف تُومض!» وظل يركض ليلًا ونهارًا أسرع فأسرع، لكن حين بلَغا لابلاند، كان الخبز واللحم قد نفدا.

القصة السادسة

السيدة اللابلاندية والسيدة الفنلندية

توقف الاثنان عند كوخ صغير بدا مزريًا جدًّا. كان الكوخ ذا سقف مائل يكاد يُلامس الأرض، وباب شديد الانخفاض حتى إنه كان على سكانه الزحف على أيديهم وركبهم عند الدخول والخروج. لم يكن أحدٌ هناك سوى سيدة عجوز من أهل لابلاند كانت تُنظف سمكًا على ضوء مصباح يعمل بزيت الحيتان.

أخبر حيوان الرنة السيدة بقصة جيردا بعد أن قص عليها قصته التي بدَت له أهم. أما جيردا فقد أنهكها البرد للغاية حتى إنها لم تقوَ على الكلام.

قالت السيدة اللابلاندية: «أوه، يا لكما من مسكينَين! ما زال أمامكما طريقٌ طويل. ولا بد أن تُسافرا أكثر من مائة ميل أخرى حتى تصلا إلى فنلندا؛ فملكة الثلج تعيش هناك الآن، وتشعل ألعابًا نارية زرقاء كلَّ مساء. سأكتب بضع كلمات على سمكة مجففة، فليس لديَّ ورق، ولتأخذها مني إلى السيدة الفنلندية التي تعيش هناك، وهي تستطيع أن تُعطيك معلومات أفضل مما أستطيع أنا.»

هكذا بعد أن تدفَّأت جيردا وحصلت على بعض الطعام والشراب، كتبت السيدة كلمات قليلة على سمكة مجفَّفة وطلبت من جيردا الاهتمام بها بشدة. ثم ربطتها على ظهر حيوان الرنة مجددًا، فقفز عاليًا في الهواء وانطلق بأقصى سرعة. وظلت أنوار الشفق القطبي الزرقاء الجميلة تلمع طوال الليل.

وبعد فترة قصيرة، وصلا إلى فنلندا وطرَقا مدخنة كوخ السيدة الفنلندية، إذ لم يكن له باب. ثم زحفا للداخل الذي كان شديدَ الحرارة حتى إن السيدة كانت ترتدي ملابسَ قليلة جدًّا. وكانت ضئيلة الجسم وقذرة للغاية. وقد فكَّت ثوب جيردا الصغيرة وخلعت عنها حذاءها المصنوع من الفِراء وقفازها، وإلا ما كانت ستقوى على احتمال الحرارة؛ ثم وضعَت قطعة ثلج على رأس حيوان الرنة وقرأت ما كان مكتوبًا على السمكة المجففة. وبعد أن قرأَته ثلاث مرات حفظته عن ظهر قلب، وألقت السمكة في إناء الحساء، فقد كانت تعلم أنها صالحة للأكل وهي لا تُهدِر أي شيء قط.

أخبرها حيوان الرنة بقصته أولًا، ثم بقصة جيردا الصغيرة، فطرفت السيدة الفنلندية بعينَيها الذكيَّتَين، لكنها لم تنبس بكلمة.

قال حيوان الرنة: «إنكِ ماهرة جدًّا. أعلم أنكِ تستطيعين طيَّ كلِّ الرياح التي في العالم في قطعة من الحبل. وإذا حل البحار عقدة واحدة، حظي برياح مواتية؛ وإذا حل العقدة الثانية، هبت رياح عاتية؛ لكن حين يحلُّ الثالثة والرابعة، تهب عاصفة تقتلع غابات بأكملها. ألا تستطيعين منح هذه الفتاة الصغيرة شيئًا يجعلها في قوة اثنَي عشرَ رجلًا، حتى تتغلَّب على ملكة الثلج؟»

قالت السيدة الفنلندية: «قوة اثنَي عشرَ رجلًا! إنها لن تكفي على الإطلاق.» لكنها ذهبَت إلى رف وأنزلت لفافة كبيرة من الجلد نُقِش عليها حروفٌ غريبة، وتركتها تنسدل وظلت تقرؤها حتى سال العرق من جبينها.

لكن حيوان الرنة توسَّل إليها بشدة من أجل جيردا الصغيرة، ونظرت إليها جيردا بعينَين رقيقتَين مليئتَين بالدموع حتى إن عينَيها بدأت تطرف مرة أخرى. ثم أخذت حيوان الرنة إلى زاوية وهمست له وهي تضع على رأسه قطعة ثلج جديدة: «إن كاي الصغير مع ملكة الثلج بالفعل، لكن كل ما هناك يروق له جدًّا حتى إنه يُعتقد أنه أفضل مكان في العالم؛ وهذا لأن لديه قطعةَ زجاج مكسور في قلبه وشظية زجاج صغيرة في عينه. لذا، لا بد من إخراجهما، وإلا فلن يعود إنسانًا مرة أخرى، وستظل ملكة الثلج متحكمة فيه.»

«لكن ألا يُمكنكِ إعطاء جيردا الصغيرة شيئًا للتغلب على هذه القوة؟»

قالت السيدة: «لا يُمكنني أن أمنحها قوة أكبر من التي لديها بالفعل، ألا ترى كم هي قوية، وكيف يُجبَر البشر والحيوانات على خدمتها، وكيف مضت في العالم الفسيح دون أن يمسَّها سوء، كل هذا وهي حافية القدمَين؟ لا يُمكِنني أن أمنحها أي قوة أعظم من التي لديها الآن، والتي تَكمُن في نقاء قلبها وبراءته. إن لم تستطع بنفسها الوصولَ إلى ملكة الثلج وإزالة شظيتَي الزجاج من كاي الصغير، فليس بإمكاننا أن نُساعدها. تبدأ حديقة ملكة الثلج بعد ميلَين من هنا. فلتحمل الفتاة الصغيرة إلى هناك، ثم أنزلها عند الشجيرة الكبيرة القائمة في الثلج، والمغطاة بالتوت الأحمر. لا تبقَ هناك لتُثرثر، ولكن عُد إلى هنا بأسرعِ ما تستطيع.» ثم رفعت السيدة الفنلندية جيردا الصغيرةَ على ظهر حيوان الرنة، وجرى بها بأسرعِ ما أُوتِيَ من قوة.

لكن بمُجرَّد أن شعرت الفتاة الصغيرة بالبرد القارس صاحت: «مهلًا، لقد نسيت حذائي وقفازي.» لكن حيوان الرنة لم يَجرُؤ على التوقف، وظل يجري حتى بلغ شجيرة التوت الأحمر. هناك أنزل جيردا، وقبَّلها، وانحدرَت على خدَّيه دموع لامعة فياضة؛ ثم تركها وجرى عائدًا بأسرع ما استطاع.

وقفت جيردا المسكينة هناك، بلا حذاء ولا قُفاز، في وسط أرض فنلندا الباردة الكئيبة المليئة بالثلوج. ركضت جيردا بأسرع ما استطاعت حين أحاطت بها مجموعة كاملة من ندف الثلج. لكن لم يبدُ أنها سقطت من السماء، إذ كانت صافية تمامًا وتومض فيها أنوار الشفق القطبي. ركضَت ندف الثلج بطول الأرض، وكلما اقتربت منها بدَت أكبر حجمًا. تذكرت جيردا كم كانت تبدو كبيرة وجميلة من خلال العدسة الحارقة. لكن هذه كانت أكبر حجمًا حقًّا وأفظع بكثير، فقد كانت حرس ملكة الثلج، وكانت حية وبأشكال غريبة للغاية. كان بعضها يبدو مثل قنافذ ضخمة، والبعض الآخر مثل حيات تتلوى برءوس ممدودة، وبدا القليل منها مثل دببة سمينة صغيرة ذات شعر منتصب؛ لكن كلها كانت بيضاء بياضًا ناصعًا، وكلها كانت ندف ثلج حية.

راحت جيردا تُردِّد «الصلاة الربانية»، وكان البرد شديدًا حتى إنها استطاعت أن ترى أنفاسها تخرج من فمها مثل البخار، وهي تنطق الكلمات. وبدا أن البخار تزايد مع استمرارها في الصلاة حتى اتخذ شكل ملائكة صغيرة، والتي زاد حجمها حين لمست الأرض. كانت كلها تعتمر خوذًا وتحمل رِماحًا ودروعًا، وقد ظل عددُها يزداد أكثر فأكثر، حتى صارت حشدًا كاملًا أحاط بجيردا حين انتهت من صلاتها. وحين رشقت ندف الثلج المرعبة برماحها تحطمت مائة قطعة، فاستطاعت جيردا الصغيرة أن تمضي بشجاعة وطمأنينة. وراحت الملائكة تمسد على يدَيها وقدمَيها، حتى تمنحها شعورًا بالدفء وهي تمضي مسرعة إلى قلعة ملكة الثلج.

لكن الآن لا بد أن نرى ماذا كان يفعل كاي. في الحقيقة، لم تكن جيردا الصغيرة تشغل باله، وآخر ما كان قد يخطر له أنها قد تكون واقفة أمام القصر.

القصة السابعة

قصر ملكة الثلج وما وقع فيه في النهاية

كانت جدران القصر مصنوعة من ثلوج منجرفة، ونوافذه وأبوابه من رياح عاتية. وكان بداخله أكثر من مائة حجرة، كأنها تشكَّلَت من ثلوج ذرَّتها الرياحُ معًا. وامتد أكبرُها لعدة أميال. وكانت كلها مضاءةً بنور الشفق القطبي المتألق، وكانت واسعة وخالية للغاية، وفي غاية البرودة واللمعان!

لكن لم يكن هناك أيُّ أشكال من التسلية؛ ولا حتى حفل راقص للدببة الصغيرة، حيث يمكن أن يكون صوت الرياح هو الموسيقى، وترقص الدببة على قوائمها الخلفية وتستعرض أسلوبها الراقي في الرقص. ولم يكن هناك ألعاب مسلية ولا حتى جلسة نميمة على طاولة الشاي لإناث الثعالب الشابة. لقد كانت قاعات ملكة الثلج خالية وشاسعة وباردة.

كان يُمكن رؤية وهج أنوار الشفق القطبي الخافق بوضوح من أي مكان في القلعة، سواء ارتفعت عاليًا أو انخفضت في السماء. وكان في وسط هذه القاعة الخالية اللامتناهية من الثلوج بحيرةٌ متجمدة، انقسم سطحها إلى ألف قطعة؛ كل قطعة تُماثل الأخرى حتى إنها كانت تبدو مثل عمل فني رائع، وفي وسط هذه البحيرة كانت تجلس ملكة الثلج حين تكون في المنزل. وكانت تُسمي البحيرة «مرآة العقل»، وتقول إنها الأفضل، وفريدة من نوعها بالطبع، في العالم.

figure

كان كاي الصغير مزرقًّا تمامًا من البرد — في واقع الأمر، يميل للسواد — لكنه لم يكن يشعر بذلك؛ فقد قبَّلَته ملكة الثلج لتذهب عنه رجفة البرد، وكان قلبه بالفعل كتلةَ جليد. كان يجرُّ بعض القطع الحادَّة المستوية من الثلج من مكان لآخر ويضعها معًا في أوضاع شتَّى، كأنه يُريد أن يُشكِّل منها شيئًا ما، تمامًا كما نُحاول تكوين أشكال متنوعة من قطع الخشب الصغيرة، التي نُسمِّيها «الأحجية الصينيَّة». كانت أشكال كاي معقَّدة للغاية؛ فقد كانت هي لعبة العقل المعتمدة على الثلج، وكانت الأشكال تبدو في عينَيه مميزة جدًّا وذات أهمية كبرى؛ وهو الرأي الذي يرجع لشظية الزجاج التي ما زالت عالقة في عينه. كوَّن كاي أشكالًا كاملة عدة، تشكل كلمات مختلفة، لكن كان ثمة كلمة لم يستطع أن يُشكِّلها قط، رغم أنه تمنَّى ذلك بشدة. كانت الكلمة هي «الأبدية».

كانت ملكة الثلج قد قالت له: «حين تستطيع معرفة السبيل لذلك، فستصبح سيد نفسك، وسأمنحك العالم بأسره وحذاء تزلج جديدًا.» لكنه لم يتمكَّن من إتمام هذا الأمر.

قالت ملكة الثلج: «لا بد أن أُسرِع الآن بالرحيل إلى بلاد أدفأ جوًّا. سوف أذهب وأُلقي نظرة داخل الفوهات السوداء التي على قمم الجبلَين المشتعلَين، اللذَين يُسمَّيان إتنا وفيزوف. سوف أكسوهما باللون الأبيض، وهو ما سيكون أفضلَ لهما ولثِمار الليمون وعناقيد العنب.» وطارت ملكة الثلج بعيدًا، تاركة كاي الصغير وحيدًا تمامًا في القاعة الكبرى التي بلغ طولها أميالًا عديدة. جلس كاي وطالع قطع الثلج التي كان يلعب بها، فاستغرق في تفكير عميق وهو جالس بلا حَراك حتى إنه ليُخيَّل للشخص أنه كان متجمدًا.

في هذه اللحظة نفسها دخلت جيردا الصغيرة من الباب الكبير للقلعة. كانت الرياح العاتية تعصف حولها، لكنها تلَت صلاةً تضرُّعًا للرب، فهدأَت الرياح وكأنها كانت ذاهبة للنوم. مضَت جيردا حتى وصلت إلى القاعة الكبيرة الخاوية ولمحت كاي. وقد عرَفَته في الحال؛ فانطلقت إليه وأحاطت عنقه بذراعَيها وتشبثت به وهي تصيح: «كاي، عزيزي كاي الصغير، لقد وجدتك أخيرًا!»

لكنه كان جالسًا في سكون تام، متسمرًّا وباردًا.

سكبت جيردا الصغيرة دموعًا حارة، سقطت على صدره، وتخللَت إلى قلبه فأذابت كتلة الثلج، وأزاحت قطعة الزجاج الصغيرة التي كانت عالقة فيه. عندئذٍ نظر إليها، فغنت له:

تتفتح الزهور ثم تذوي،
لكن المسيح الطفل دائمًا سيبقى.

انفجر كاي في البكاء. بكى بشدة حتى انزلقت شظية الزجاج من عينه. هنا تعرف على جيردا وقال في فرح: «جيردا، عزيزتي جيردا الصغيرة، أين كنتِ طوال هذا الوقت، وأين كنت أنا؟» ثم نظر في كل ما حوله وقال: «كم كان الجو باردًا، وكم يبدو المكان واسعًا وخاليًا!» ثم ضم جيردا، وضحكت هي وبكت من الفرحة.

كان منظرهما يُثير في النفس أشد البهجة حتى إن قطع الثلج نفسها راحت ترقص، وحين اعتراها التعب واستلقت على الأرض شكلت من نفسها حروف الكلمة التي قالت ملكة الثلج إن على كاي أن يكتشفها حتى يستطيع أن يُصبِح سيدَ نفسه ويحصل على العالم بأسره وحذاء تزلج جديد.

قبلَت جيردا وجنتَيه فصارتا متوردتَين؛ وقبلَت عينَيه حتى صارتا لامعتَين مثل عينَيها؛ وقبلَت يدَيه وقدمَيه، فصار مُعافًى تمامًا ومبتهجًا. ولتعود ملكة الثلج إلى المنزل متى أرادت، فها هي وثيقة الحرية خاصته ماثلة أمامه، ممثَّلة في الكلمة التي أرادتها، ومكتوبة بحروف براقة من الثلج.

ثم أخذ كلٌّ منهما يد الآخر وخرَجا من قصر الثلج العملاق. وتحدثا عن الجَدة والورود التي على السطح، وأثناء سيرهما كانت الرياح هادئة، والشمس ساطعة. وحين بلَغا شُجيرة التوت الأحمر، كان حيوان الرنة واقفًا في انتظارهما هناك وقد أتى معه بأنثى رنة شابة، ممتلئة الضرع، فشرب الصغيران من حليبها الدافئ وقبَّلا فمها.

حمل الاثنان كاي وجيردا إلى السيدة الفنلندية أولًا، حيث تدفَّآ تمامًا في الحجرة الحارة وحصلا على إرشادات حول رحلتهما إلى الوطن. بعد ذلك ذهبا إلى السيدة اللابلاندية، التي كانت قد فصَّلَت لهما ملابسَ جديدة وجهزت زلاجتهما. ركض حيوانا الرنة إلى جانبهما واتبعاهما حتى حدود البلد، حيث كانت أول الأوراق الخضراء قد بزغت من براعمها. وهنا افترقا عن حيوانَي الرنة والسيدة اللابلاندية، وودع كلٌّ منهما الآخر.

ثم بدأت العصافير تزقزق، وامتلأت الغابة أيضًا بأوراق خضراء نضرة، ومنها خرج حصان جميل، تذكرته جيردا، فهو الذي كان يجر العربة الذهبية. كانت تمتطيه فتاة صغيرة، على رأسها قبعة حمراء لامعة وفي حزام ثوبها مسدسات. كانت هي اللصة الصغيرة، التي سئمت من البقاء في المنزل؛ كانت متجهة شمالًا، وتنوي إن لم يُناسبها هذا أن تُجرب أي منطقة أخرى في العالم. وقد تعرفت على جيردا في الحال، وتذكرتها جيردا، وكان اللقاء سارًّا.

قالت لكاي الصغير: «إنك شخص رائع بحيث تهيم على وجهك على هذا النحو. أود أن أعلم ما إن كنت تستحق أن يذهب أي أحد إلى نهاية العالم حتى يعثر عليك.»

لكن جيردا ربتت على وجنتَيها وسألتها عن الأمير والأميرة.

أجابتها اللصة الصغيرة: «لقد ذهبا إلى بلاد أجنبية.»

سألتها جيردا: «والغراب؟»

أجابتها: «أوه، لقد مات الغراب. وصارت زوجته أرملة الآن وترتدي حول رِجلها قطعة من صوف أسود. إنها تنتحب بطريقة مثيرة للشفقة جدًّا، لكن هذا لا يهم. فلتخبريني الآن كيف استطعتِ أن تعودي به.»

أخبرتها جيردا وكاي بكل ما جرى.

قالت اللصة الصغيرة: «أخيرًا صارت الأمور على ما يرام.»

ثم أمسكت بيدَيهما ووعدتهما أن تزورهما إن مرت بالبلدة في يوم من الأيام. ثم انطلقت على الحصان بعيدًا في العالم الواسع.

أما جيردا وكاي فقد اتجها لدارهما يدُ كلٍّ منهما في يد الآخر، وبينما هما يتقدمان بدا الربيع أكثرَ بهاءً بزرعه الأخضر وزهوره الجميلة. وما لبثا أن تعرفا على البلدة الكبيرة التي عاشا فيها، والأبراج الطويلة للكنائس التي كانت أجراسها الجميلة تُردِّد دويًّا مبهجًا، وهُما يدخلانها ويجدان طريقهما إلى باب جدتهما.

صعد الاثنان إلى الحجرة الصغيرة، حيث بدا كل شيء كما كان تمامًا. كانت الساعة القديمة تدق «تك، تك»، وتُشير عقاربها إلى الوقت، لكن حين ولجا من الباب إلى الحجرة أدرك الاثنان أنهما كبرا وصارا رجلًا وامرأة. كانت الورود بالخارج على السطح متفتحة بالكامل وتُطِل من النافذة، وكان هناك المقاعد الصغيرة التي جلسوا عليها صغارًا. جلس كل من كاي وجيردا على مقعده وأمسك بيد الآخر، فيما تلاشى من ذاكراتهما قصر ملكة الثلج بفخامته وبرودته وخوائه مثل حلم مزعج.

جلست الجدة تحت أشعة شمس الرب الساطعة، وراحت تتلو بصوت عالٍ من الكتاب المقدس قائلة: «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات.» فنظر كلٌّ من كاي وجيردا في عينَي بعضهما وأدركا في الحال كلمات الأغنية القديمة:

تتفتح الزهور ثم تذوي،
لكن المسيح الطفل دائمًا سيبقى.

وهكذا جلس الاثنان هناك وقد صارا شابَّين، لكن كان قلب كلٍّ منهما قلبَ طفل، وكان الوقت صيفًا؛ صيفًا دافئًا جميلًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢