الفصل التاسع عشر

البوصيري وشوقي

للبوصيري قصيدة مشهورة تسمى «البدرة» عارضها شوقي بقصيدة سماها «نهج البردة»، وقد رأينا أن نوازن بين هاتين القصيدتين؛ لنقف على مبلغ البوصيري وشوقي من العلم بأسرار الإسلام، وقد عُني هذان الشاعران بدرس الشريعة لإظهار ما فيها من المحاسن، ودرء ما يوجه إليها من الشبهات، وسيكون موقفنا في درس هاتين القصيدتين موقف المؤرخ، وقد تؤرخ الأفكار كما يؤرخ الأشخاص، وحسبنا أن ندل القارئ على مواطن الضعف فيما صبغ من الأفكار بصبغة إسلامية، وللقارئ بعد ذلك رأيه، فإن شاء مضى في البحث والتنقيب، وإن شاء رضي واكتفى بما عليه عامة الناس، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

حياة البوصيري

هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله بن صنهاج. كان أحد أبويه من (أبو صير) والآخر من (دلاص) فركبت له منهما نسبه، وقيل: (الدلاصيري) لكنه اشتهر بالبوصيري، وكان يعاني صناعة الكتابة والتصرف ويباشر الشرقية ببلبيس١.

والبوصيري شاعر مصري ظريف من شعراء القرن السابع تجري في شعره النكت المستملحة، وله في شكوى حاله والتذمر من الموظفين قصائد لا تخلو من ذكاء، وفي شعره وصف للحالة الاجتماعية في عصره، وأحسبه من الصادقين، فهو يذكر أن الموظفين كانوا يسرقون الغلال، وأنه لولا ذلك ما لبسوا الحرير، ولا شربوا الخمور، وأن من الكتاب طائفة تنسكت وعُدت من الزهاد مع أنها تملأ بطونها بالسحت، وتأكل مال اليتيم، ويذكر أن القضاة خانوا الأمانة، وبرروا خيانتهم بتأويل القرآن والحديث، ويذكر أن المسلمين والأقباط كانوا مختلفين، فكان المسلمين يقولون: لنا بمصر حقوق، ونحن أولى الآخذين، وكان القبط يقولون: نحن ملوك مصر، ومن سوانا هم الغاصبون، وكان اليهود يستحلون مال الطوائف أجمعين.

وفي ذلك يقول:

نَقَدتُ طوائفَ المُستخدمينا
فلم أرَ فيهمُ رجلًا أمينا
فقد عاشرتهمْ ولبثتُ فيهمْ
مع التجريبِ من عمري سِنِينا
فكُتَّابُ الشَّمالِ همو جميعًا
فلا صَحِبَتْ شِمالُهُمُ اليَمِينا
فَكَمْ سَرقُوا الْغِلالَ وما عَرَفْنا
بهم فكأنَهْم سرقوا الُعُيْونا
ولولا ذاك ما لَبِسُوا حريرًا
ولا شَرِبُوا خُمُورَ الأندَرِينا
ولا رَبَّوا من المردانِ مٌردًا
كَأَغْصانٍ يَقُمْنَ وَيَنْحَنِينا
وَقَدْ طَلَعَتْ لِبَعْضِهِمُ ذُقونٌ
ولكِنْ بَعْدَما حَلقُوا ذُقونا
وَأَقْلاَمُ الجَماعَة جائِلاتٌ
كأَسْيَافٍ بأَيْدِي لاعِبِينا
وقَد ساومْتَهُمْ حَرْفًا بحَرْفٍ
وكلُّ اسْمٍ يَحُطوا مِنه سينا
أَمولَايَ الوَزير غَفَلتَ عَمَّا
يُتِمُّ مِنَ اللّئَام الكَاتِبِينَا
تَنَسَّك مَعشَرٌ مِنهُم وَعُدُّوا
مِن الزُّهَّاد والمتُتَوَرِّعينا
وَقِيلَ لَهُمْ دُعاءٌ مُسْتَجابٌ
وَقَدْ مَلَئُوا مِنَ السُّحْتِ البُطُونا
تَفَقَّهَتِ القُضاةُ فَخانَ كُلٌّ
أَماَتَهُ وَسَمَّوْهُ الأمِينا
وما أَخْشَى عَلَى أَمْوَالِ مِصْرٍ
سِوَى مِنْ مَعْشَرٍ يَتَأَوَّلُونا
يَقُولُ المُسْلمُونَ لَنا حُقوقُ
بها ولَنَحْنُ أَوْلَى الآخِذِينا
وقَالَ الْقِبْطُ نحنُ ملوكُ مصرِ
الْمُلُوكُ وإنْ سوَاهُمُو هُم غَاصِبُونا
وَحَلَّلتِ الْيَهُودُ بِحِفظِ سَبْتٍ
لَهُمْ مَالَ الطَوَائِفِ أَجْمَعِينا
وما ابنُ قُطَيَّبةٍ إلاَّ شَرِيكٌ
لهُمْ في كُلِّ مَا يَتَخَطَّفُونا
أغارَ عَلَى قُرَى (فَاقوسَ) مِنْهُ
بِجَوْرٍ يَمْنَعُ النَّوْمَ الجُفُونا
وَصَيَّرَ عِيْنَها حِمْلًا وَلكِنْ
لِمَنْزِلِهِ وَغَلَّتَها خَزِينا
وَأَصْبَحَ شُغْلُهُ تَحْصِيلَ تِبْرٍ
وكانَتْ رَاؤُهُ مِنْ قبْلُ نُونا
وَقَدَّمَهُ الَّذِينَ لَهُمْ وُصُولٌ
فَتَمَّمَ نَقْصَهُ صِلَةُ اللذينا
وفي دَارِ الْوِكالَةِ أَيُّ نَهْبٍ
فَلَيْتَكَ لَوْ نَهَبْتَ النَّاهِبِينا
فَقَام بِهَا يَهٌوديَّ خَبِيث
بَسُوم المُسْلمين أذىَّ وهونا
إذَا ألْـقَـى بِها مُوسى عَصاهُ
تَـلَـقَّـفَـتِ الْقَوَافِلَ والسَّفِينا
وَشـاهِـدُهُمْ إذَا اتُّهِمُوا يُؤَدِّي
عَـنِ الْـكُلِّ الشَّهَادَةَ وَاليَمِينا

وهذه القطعة ذكرها صاحب فوات الوفيات من قصيدة طويلة يذكر أنها كانت مشهورة، وشهرتها فيما نرى لا ترجع إلى قيمتها الأدبية؛ لأنها قصيدة ضعيفة تغلب عليها الابتذال، وإنما ترجع شهرتها إلى ما فيها من التنديد بالموظفين، والناس يبغضون الموظفين حين يعرفون بالطمع والاستبداد. ولهذه القصيدة قيمتها من الوجهة التاريخية، فهي شاهد على اختلاف الطوائف في مصر وعلى ما كان يجري إذ ذاك بين المسلمين والنصارى واليهود، وهي كذلك شاهد على عيوب الإدارة في ذلك الحين.

ومن شعر البوصيري فيما يجري مجرى الدعابة قوله في الحديث عن جارية راودها عن نفسها فأنكرت عليه الشيب والضعف:

أهَوىَّ والمَشيبُ قَد حال دُونه
والتَّصَابي بَعدَ المَشِيبِ رُعُونَهْ
أبَتِ النَّفْسُ أنْ تُطِيعَ وقالَتْ:
إنَّ حبيَّ لا يدخل القنينهْ
كَيف أعصِي الهَوَى وطينَة قَلبي
بالهَوَى قَبْلَ آدمَ مَعْجُونَهْ
سَلَبَتْهُ الرُّقَادَ بَيْضة خِدْرٍ
ذاتُ حُسْنٍ كالدُّرَّة المَكْنُونَهْ
سُمْتُها قُبْلَة تُسَرُّ بها النَّفْـ
ـسُ فقالت: كذا أكونُ حزينهْ
قُلْتُ لا بُدَّ أنْ تسِيري إلى الدَّ
ارِ فقالتْ: عسى أنا مجنونهْ
قلتُ سيري فإنِّني لَك خيرٌ
مِنْ أب رَاحمٍ وَأُمٍّ حَنُونَهْ
أنَا نعم القَرينِ إنْ كُنتِ تَبغيـ
ـينَ حلالًا وأنتِ نعمَ القرينهْ
قالتِ اضرِبْ عَن وَصلِ مِثلي صَفحًا
واضرب الخلَّ أو يصيرَ طحينهْ
لا أرَى أن تَمَسَّني يَدُ شَيخٍ
كيف أرضى به لطشتي مشينهْ
قُلْتُ إنِّي كَثيرُ مَالٍ فقالَتْ:
هَبكَ أنتَ المُبَارزُ القارُونهْ

وهذا أيضًا شعر ضعيف، ولكن فيه «حكاية ظريفة» من حكايات مولانا الشيخ رضي الله عنه وأرضاه!

وأظرف من هذه القطعة أبياته التي بعث بها إلى ناظر الشرقية، وكانت له حمارة استعارها منه الناظر فأعجبته، فكتب على لسانها إليه:

يا أيُّها السَّيِّدُ الذي شَهِدَتْ
ألفاظهُ لي بأنهُ فاضلْ
ما كانَ ظَنِّي يَبيعُنِي أحَدٌ
قطُّ ولكنْ صَاحِبِي جَاهلْ
لو جَرَّسُوهُ عليَّ مِنْ سَفَهٍ
لقلتُ غيظًا عليه يستاهلْ
أَقصَى مُرَادِي لَوْ كُنْت في بَلدِي
أَرعى بِها في جَوانِبِ السَّاحِلْ
وبعدَ هذا فما يَحلُّ لكمْ
أخذِي؛ لأنَّي مَن سَيِّدي حَامَلْ

وقد استظرف ناظر الشرقية هذه الأبيات، ورد إليه الحمارة، ولم يكن فيها من الزاهدين!

ونحن نستملح كذلك قصيدته التي بعث بها إلى أحد الوزراء في شكوى حاله، وهي قصيدة طريفة، يذكر فيها أنه فقير، وأن أبناءه لا يجدون ما يأكلون، وأنهم يتحسرون لفقد الكعك أيام الأعياد، وأن امرأته زارت أختها وشكت إليها سوء الحال، فأشارت عليها بضربه، ونتف ذقنه شعرة شعرة. وفي تفصيل ذلك يقول وهو يخاطب ذلك الوزير:

إليكَ نَشْكُو حالَنا إننا
حَاشَاكَ مِن قَومٍ أُولِي عُسْرَهْ
في قِلَّةٍ نَحُنُ ولكِن لَنَا
عائلة في غاية الكَثْرَهْ
أُحدِّثُ الموْلَي الحديثَ الذي
جَرَى عليهم بالخيطِ والإبرَ
صاموا مع الناس ولكنَّهمْ
كانوا لَمِنْ يبصرُهم عِبرَه
إن شَربوا فالبِئْرُ زِيرٌ لهُمْ
ما بَرِحَتْ والشَّرْبَة الجَرَّه
لهم من الخبيزِ مسلوقة
في كل يومٍ تشبهُ النشرَه
أقولُ مهما اجتمعوا حولها
تنزَّهوا في الماءِ والخضره
وأقبلَ العيدُ وما عندهم
قمحٌ ولا خبزٌ ولا فطره
فارْحَمْهُم إنْ أبْصَرُوا كَعْكَة
في يدِ طفلٍ أو رأوا تَمْرَه
تشخصُ أبصارُهمو نحوها
بشهقة تتبعُها زفرَه
كم قائلٍ يا أبَتا منهمُ:
قَطَعْتَ عَنَّا الخُبْزَ في كَرَّه
ما صِرْتَ تأتينا بفلس ولا
بِدِرْهَمٍ وَرِقٍ وَلا نُقْرَه
وَأنتَ في خِدْمَة قَوْمٍ فَهَلْ
تخدمهمْ يا أبتا سُخرهْ
ويومَ زارتْ أمهمْ أختها
والأختُ في الغيرة كالضَّرَّهْ
وأقبلتْ تشكو لها حالها
وصبرها مني على العسره
قالت لها كيفَ تكونُ النسا
كذا معَ الأزواجِ يا غِرَّهْ
قُومِي اطْلبي حَقَّكِ منه بِلا
تَخَلفٍ منكِ ولا فَترَه
وإنْ تَأَبَّى فخُذي ذَقْنَهُ
أوَّ انتفيها شعرة شعره
قالت لها ما عادتي هكذا
فإنَّ زوجي عنده ضجره
أخافُ إن كلمتهُ كلمة
طَلَّقَني قالتْ لها بَعْرَه
وهونَتْ قدري في نفسها
فجاءت الزوجةُ مُجْتَرَّه
فقاتَلتنِي فتَهَدَّدتُهَا
فَاستَقبَلتْ رَأسِي بِآجرَّه
وَحَقُّ مَنْ حالَتُهُ هذِهِ
أَنْ يَنْظُرَ المَوْلى لهُ أَمْرَه
وفي هذه القصيدة كثير من التعابير المصرية، ولا تزال بقاياها موجودة في بلبيس٢.

قصيدة البردة

تعد قصيدة البردة أول قصيدة قيمة في مدح الرسول ولم تكن المدائح النبوية مما يتكلم فيه الشعراء، والبوصيري هو الذي ابتكر هذا النوع، أو هو الذي بسطه وأطال فيه القصيد، فإن قصائد الكميت بن زيد في مدح آل البيت تعتبر نواة لهذا الفن الذي أكثر منه المولّدون، وقد مدح الرسول في حياته، مدحه كعب بن زهير بلاميته المشهورة التي يقول في أولها:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا
إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ

ومدحه الأعشى بداليته التي يقول فيها:

فَأَقسَمْتُ لا أرْثي لهَا مِنْ كَلالَةٍ
ولا منْ وحي حتّى تُلاقي محمّدا
نبيٌ يرى ما لا ترونَ، وذكرهُ
أغَارَ، لَعَمْرِي، في البِلادِ وَأنجَدَا

ويرتاب الدكتور طه حسين في قصيدة الأعشى، ويظنها من وضع الرواة، وهي على فرض صحتها ليست من المدائح النبوية، وكذلك بانت سعاد؛ لأن المدح الذي جرى على لسان كعب والأعشى لا يزيد شيئًا عن غيره من المدح الذي جرى في ذلك العهد موجهًا إلى الملوك، أما المدائح النبوية فتمتاز بعدّ شمائل النبي وسرد ما في الرسالة من المحاسن الباقية، ودفع ما وُصم به الرسول من النقائص والعيوب. وهي فوق هذا كله تقال وتنشد تقربًا إلى الله، وهي عند الصوفية من جملة الأوراد.

البردة

وقد حدثنا البوصيري عن سبب وضعه للبردة، فقال: «كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله منها ما كان اقترحه علي الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير. ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها ودعوت وتوسلت، ونمت فرأيت النبي فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة فانتبهت ووجدت فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي ولم أكن أعلمت بذلك أحدًا، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله ورأيت رسول الله يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة. فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك وشاع المنام».

وفي هذه القطعة دلالة على عقلية البوصيري، فهو رجل فيه طيبة وسذاجة، كأكثر الصوفية، فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لآية يتلوها، أو قصيدة ينشدها، كما برئ البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية — لا سمح الله — ما استغنى بالبردة عن الطبيب! ولعل حكاية البوصيري هذه هي سبب ما سار بجانب البردة من الخرافات، فقد ذكر بعض الشراح لكل بيت من أبياتها فائدة، فبعضها أمان من الفقر وبعضها أمان من الطاعون! وهذا النوع من الغفلة قديم، فقد كان الزمخشري يذكر شيئًا من مثل هذا عن سور القرآن … ونلاحظ كذلك أن البوصيري كرر عبارة خمس مرات في هذه الفقرة الصغيرة. وتكرار الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه من وساوس المتأخرين، وقد زاد البوصيري على ذلك في القصيدة المصرية: فهو يدعو الله أن يصلي على النبي وشيعته وصحبه عدد الحصى والثرى والمدر وعدد نجم السماء ونبات الأرض وعدد وزن مثاقيل الجبال وقطر جميع الماء والمطر، وما حوت الأشجار من ورق، وعدد الحروف المقروءة والمكتوبة وعدد الوحش والطير والأسماك والأنعام، وعدد الجن والأنس والأملاك، وعدد الذر والنمل والحبوب والشعر والصوف والريش والوبر، وعدد ما أحاط به العلم المحيط وما جرى به القلم والقدر، وعدد نعم الله على الخلائق مذ كانوا ومذ حشروا، وعدد ما كان في الأكوان وما يكون إلى يوم البعث، وتكون هذه الصلاة بهذا التحديد:

في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ يَطْرِفونَ بِها
أهْلُ السَّمَاواتِ والأَرْضِينَ أَوْ يَذَرُوا
مِلْءَ السَّمَاواتِ والأَرْضِينَ مَعْ جَبَلٍ
والْفَرْشِ والْعَرْشِ والكُرْسِي وما حَصَرُوا
مَا أَعْدَمَ اللهُ مَوْجودَا وأَوْجَدَ مَعْـ
ـدُومَا صَلاةً دَوَامَا لَيسَ تَنْحَصِرُ
تَسْتَغْرِقُ العَدَّ مَعْ جَمْعِ الدُّهُورِ كَمَا
تُحِيطُ بِالحَدِّ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ

وهذا النمط من الصلاة على النبي لم يكن معروفًا في صدر الإسلام وإنما هو تصرف من غلاة الصوفية أمثال صاحب دلائل الخيرات.

والبردة بعد هذا كله مشهورة في جميع الأقطار الإسلامية، وقد كانت جزءًا من الهدية التي قدمها ابن خلدون إلى تيمورلنك، ولهذه الهدية قيمتها في تقدير الحياة العقلية عند المتقدمين.

نهج البردة

أما نهج البردة فقصيدة وضعها شوقي تذكارًا لحج الخديوي السابق سنة ١٢٢٧هـ، وقدمها إليه بكلمة صغيرة، ثم شرحها المرحوم الشيخ سليم البشري شرحًا وجيزًا بينًا، قال في نهايته: «ولو أن الكاتب عمد إلى كل بيت ففسر غريبه، وفصل مجمله، وأفشى معناه، ونزل عند مغازيه، وعرض على وجوه العربية مفرده ومركبه، وأرسل الإشارة إلى كل ما وقع له من دقائق البلاغة وفنون البديع وطلب القصة التي يومأ إليها فيه، ووازن بينه وبين ما يجانسه من الشعر ويسايره من الكلام، وغير ذلك مما يجري في شرح الكلام ويدخل في أبواب نقده وتفسيره، لطال القول وتجاوز القصد».

وكنا نسمع في مجالس أهل العلم بالأدب أن الشيخ سليم البشري لم يشرح نهج البردة، وإنما الشرح لابنه الشيخ عبد العزيز إن شاء أيده وإن شاء نفاه٣. ولهذا الشرح مقدمة وضعها محمد بك المويلحي، وهي مقدمة تتناسب مع ما كتبت له، فقد حقق فيها أن الشعر باب من أبواب الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، وأتعب نفسه في التفرقة بين الشعر وبين القرآن، ووصل إلى: «أن القرآن ليس بشعر، وما هو من الشعر بشيء، وأين هو من الشعر؟ والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء من معانيه، وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟» ثم قال: «فإذن لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت»، وكان الظن بصاحب عيسى بن هشام أن يعرف أن الكلام في تحريم الشعر وإبحاته، مما ينبو عنه الذوق في القرن العشرين!!

تلك كلمة وجيزة قلناها تمهيدًا للموازنة بين البردة ونهج البردة وإنَّا لنرجو أن يكون في هذا التمهيد بعض الغَنَاء.

١  توفي البوصيري سنة ٦٩٥هـ وله قبر مشهور في الأسكندرية، يتصل به مسجد كبير تدرس به العلوم الدينية.
٢  ما كتب هنا عن البوصيري هو أصل ما في كتاب: المدائح النبوية في الأدب العربي والمؤلف يفلس أحيانًا فينقل معانيه من كتاب إلى كتاب، وهي ليست بسرقة؛ لأنها تشبه نقل الدنانير من جيب إلى جيب في الثوب الواحد، أليس كذلك؟ بلى، أيها المؤلف!
٣  غضب الأستاذ عبد العزيز البشري من هذا الكلام، وساجلنا في جريدة البلاغ، وهو يؤكد أن أباه رحمه الله هو صاحب الشرح، ونحن نؤكد من جانبنا أن الشيخ عبد العزيز هو الذي كتب ذلك الشرح، وكان الشيخ سليم رحمه الله غنيًا بفضله الحق عن مثل هذا الفضل المفتعل، ولكن هذا ما وقع. وليت شعري كيف نطمئن إلى الأخبار الأدبية إذا عز علينا أن نحقق خبرًا قامت الشواهد على صحته، ونحن شهود العصر الذي وقع فيه.
ولهذه القصة تفاصيل يراها القارئ في كتاب: أكواب الشهد والعلقم فليرجع إليها هناك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤