العلاقات بين العرب واليونان

العلاقات الودية بين الجمهورية العربية المتحدة وبين اليونان، هي علاقات تقليدية تقوم منذ أجيال على أسسٍ قوية راسخة من المبادلات التجارية والعلاقات الثقافية.

وإنه لمن الحقائق الثابتة أن كلًّا من مصر واليونان، كانت مهدًا لأعرق الحضارات في العالم، ومصدرًا للمعرفة والثقافة الرفيعة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا ومعظم أقطار الدنيا غارقة في ظلمات الجهل والتأخُّر.

ولا ريب أن موقع البلدين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، واقتراب أحدهما من الآخر، وتشابه شعبيهما في كثيرٍ من النواحي الأخلاقية والعادات الشرقية، قد عاون على توثيق أواصر الصداقة وتعزيز العلاقات التجارية بينهما.

ولقد تجلت هذه الصداقة الوثيقة في مناسباتٍ دولية كثيرة، فكانت مصر سباقة على الدوام إلى مساندة اليونان في دفاعها عن قضية قبرص في الأمم المتحدة، كما كانت اليونان في طليعة الدول المعارضة لتقسيم فلسطين، وإلى نبذ الاعتراف بإسرائيل، وقد وقفت إلى جانب مصر خلال أزمة السويس، وأثناء الاعتداء الثلاثي على الأراضي المصرية.

وفي الإقليم المصري جالية يونانية كبيرة، هي أكبر الجاليات الأجنبية، وأكثرها اختلاطًا بشعب مصر، وتعاونًا معه منذ سنوات طويلة، وهي تشاركنا المشاعر وتساهم بقدرٍ ملموس في نشاطنا الاقتصادي.

والصداقة اليونانية العربية عاطفة متأصِّلة في نفوس اليونانيين منذ أجيالٍ عديدة، فقد شاءت الأقدار أن تجعل من مياه البحر الأبيض المتوسط حدودًا مشتركةً للأمتين اليونانية والعربية اللتين لم يعكر صفوَ الصداقة والثقةَ بينهما أيُّ سوء، منذ أن ظفرت اليونان باستقلالها السياسي.

والتعاون بين اليونان وبين الإقليمين الشمالي والجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة وباقي الدول العربية، قد أصبح عنصرًا من العناصر الأساسية في السياسة اليونانية الخارجية.

ففي سنة ١٩٤٧م كانت اليونان هي الدولة الوحيدة بين الدول الأوروبية الأعضاء في الأمم المتحدة، التي أعلنت في المحافل الدولية معارضتها القوية لتقسيم فلسطين. وفي سنة ١٩٥٤م لما أخذت بعض الدول تعد العدة لعقد ميثاق بغداد، جاهرت اليونان أيضًا بتنديدها بهذا الميثاق، الذي دعت إليه سياسةٌ هدفها إثارة الشقاق بين العرب.

ومنذ ذلك الحين لم تدع اليونان فرصة في الأمم المتحدة أو غيرها، إلا وانتهزتها لتأييد مطالب العرب العادلة، وكان من بواعث غبطة اليونان وفخرها أنها بذلت كل ما في وسعها لمساندة مصر إبان أزمة قناة السويس الحادة، كما رحب الشعب اليوناني بعد ذلك ترحيبًا حارًّا بإنشاء الجمهورية العربية المتحدة، التي كان إنشاؤها نصرًا مبينًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ذلك المبدأ الذي لا ينسى اليونانيون أنه طبق في الميدان الدولي لأول مرة، حينما قاموا بثورتهم في عام ١٨٢١م، وظفروا بالاستقلال والحرية.

ولقد برهنت الصداقة اليونانية العربية على قوتها أمام تطورات الأحداث، وهي كفيلة بحفظ كيانها ودعمه في المرحلة الحاسمة من مراحل النهضة العربية الراهنة، تلك النهضة التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وتشبه حركة توحيد إيطاليا وألمانيا التي تمت منذ قرنٍ مضى.

وإنه لمن الحقائق الثابتة أن الشعبين العربي واليوناني مرتبطان بأواصر الصداقة التقليدية القديمة، وهي أواصر لم تتحقق بفضل المصالح المشتركة والتقدير المتبادل فحسب، ولكنها تولَّدت أيضًا من شعورهما بالاعتزاز والفخر؛ لأن كلًّا من الشعبين ورث حضارة متناهية في الرقي والتقدُّم، وحرص كل منهما على أن يكون أهلًا لها عاملًا على إحيائها.

ومما يستحقُّ الذكر في هذا المقام أن التبادل التِّجاري بين الجمهورية العربية المتحدة واليونان، قد زاد بنسبةٍ كبيرة ولا سيما بعد أحداث أزمة السويس.

وتجلَّتْ رغبة الحكومة اليونانية في تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين اليونان والعالم العربي، بعقد الاتفاق الموقع بين الحكومتين في الخامس عشر من شهر أغسطس ١٩٥٨م.

وبفضل هذا الاتفاق أمكن تسوية ما كان معلقًا من مسائل اقتصادية مختلفة بين البلدين.

وقد تعهَّدت الدولتان بمواصلة العمل بإخلاص وتفاهم متبادل؛ من أجل ازدياد التجارة بين البلدين نموًّا ونشاطًا؛ لأن جميع الأسباب، من أدبية ومادية وجغرافية، تدعو إلى توفير عوامل الدوام لهذه العلاقات وازدهارها.

والواقع أن العلاقات الاقتصادية التي تربط الجمهورية العربية المتحدة ودولة اليونان الصديقة هي روابط وثيقة تمتد جذورها إلى الماضي البعيد، كما تدعمها في الوقت الحاضر جالية يونانية كبيرة تقيم في مصر، وتشارك أهلها المشاعر، وتساهم بقدرٍ ملموس في نشاطنا الاقتصادي.

وتنظم العلاقات الاقتصادية بين الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة واليونان اتفاقية للتجارة ترجع إلى عام ١٩٥٣م، وقد اتفق الطرفان على أن يطبق كل منهما على الآخر، على أساس المعاملة بالمثل، شرط الدولة الأكثر رعاية فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية والضرائب غير المباشرة على السلع الاستهلاكية ورسوم أرصفة الموانئ، كما أبرم الطرفان أيضًا اتفاقية للدفع تقضي بأن تسوَّى المدفوعات الناشئة عن العمليات التجارية بينهما على أساس الجنيه المصري.

ولقد بلغ متوسط قيمة واردات الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة من اليونان في الثلاث سنوات الأخيرة١ ٥٫٢ ملايين جنيه مصري، كما بلغ متوسط قيمة صادراته إلى اليونان ٣٫٥ ملايين جنيه مصري في نفس الفترة، وقد تم الاتفاق بين الإقليم الجنوبي واليونان منذ وقتٍ قريب على بعض الأسس التي من شأنها أن تكفل ازدهار العلاقات الاقتصادية بينهما ونموها بما يحقِّق صالحهما المشترك.

وفيما يختص بالإقليم الشمالي فقد زادت صادراته إلى اليونان، مما بلغت قيمته ٣٫٧ ملايين ليرة عام ١٩٥٦م إلى ما بلغت قيمته ٥٫٣ ملايين ليرة عام ١٩٥٧م، وفي الوقت نفسه زادت قيمة الصادرات اليونانية إلى الإقليم الشمالي مما بلغت قيمته ٨٥٣ ألف ليرة عام ١٩٥٦م إلى ما بلغت قيمته حوالي مليون ليرة سورية عام ١٩٥٧م.

ويدخل في التبادل التجاري بين اليونان والجمهورية العربية المتحدة في الوقت الحالي عدد كبير من السلع، ولعل أهم ما تُصدِّره الجمهورية العربية المتحدة إلى اليونان هو: القطن وبذرته والكُسْب والأقمشة القطنية، وأدوات التنجيد والشعير والخضراوات، والموز والإسفنج وعسل السكر والكحول الإثيلي، وفوسفات الجير الطبيعي والبلاط.

وأهم ما تصدره اليونان إلى الجمهورية العربية المتحدة: الزيتون وزيت الزيتون والتبغ والتين والزبيب، والبكلاه والزيوت الحمضية لصناعة الصابون، والرخام وبعض الخامات المعدنية المختلفة، والأدوية والعقاقير والخلاصات النباتية للدباغة، وشفرات الحلاقة والأجهزة الكهربائية والماكينات الحاسبة، وسوستات الملابس عدا سلع أخرى مختلفة.

وفي غضون السنوات الأخيرة التي اقترنت فيها التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط بأزمات سياسية، كان للصداقة اليونانية العربية أثرٌ ملموس في العلاقات التجارية والاقتصادية بين اليونان والجمهورية العربية المتحدة، كما كان لها أثر متزايد في التبادل التجاري بين اليونان وأقطار العالم العربي عامة.

وفي أثناء أزمة سنة ١٩٥٦-١٩٥٧م التي هدَّدت الاقتصاد المصري بعزلة جزئية، استطاعت اليونان على الرغم من قلة مواردها الاقتصادية نسبيًّا، أن تُبدِيَ تضامنها الوديَّ مع الجمهورية العربية المتحدة بتنشيط التبادل العربي اليوناني في حدود إمكانياتها، فقد بادرت اليونان إلى تخصيص جانبٍ مهمٍّ من هذه الإمكانيات؛ لمعاونة الاقتصاد العربي خلال تلك الأزمة، وذلك على الرغم من أنه لم يكن قد مضى سوى وقت قصير على شفائها من جروح الحرب العالمية الأخيرة، التي انتهت بالنسبة إليها في خريف سنة ١٩٤٩م لا في سنة ١٩٤٥م.

•••

وأكبر الجاليات اليونانية في البلاد العربية هي الجالية اليونانية في الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة، ولها فيه تاريخ يستحق الذكر.

فقد بدأت هجرة اليونانيين إلى مصر عندما نشبت حرب الاستقلال، التي خاض غمارها الشعب اليوناني؛ للتخلص من الاستعمار التركي، وعلى أثر المذابح المروعة في جزر بحر إيجيا وقبرص، وفي البيلوبونيز، نزح كثيرون من سكان هذه المناطق لائذين بمصر، فاستقبلهم الشعب المصري راثيًا لنكبتهم، مكرمًا وِفادتهم.

ولما استقرَّ بهم المقام لم يجد هؤلاء المهاجرون ما يردُّون به الجميل، إلا أن يبذلوا لها كل ما أُوتُوا من جهودٍ ومواهب، فساهموا مساهمة فعالة في تنمية البلاد، وشاركوا أهلها مساعيَهم في سبيل التقدُّم والازدهار، ونذكر من هؤلاء: جورج مينوتو، وديمتري كاسداجلي، وإخوان سينادينو، وأنسطاس أفيروف.

وعلى مر الأيام نمت الجالية اليونانية، واتَّسعت دائرة نشاطها، وبدأت تعمل لتنظيم أعمالها في مختلف الميادين الصناعية والتجارية والأدبية، وفي عام ١٨٣٣م عين السيد ميشيل توسيرا أول قنصل لليونان في مدينة الإسكندرية، ثم ما لبث أن أصبح لليونان عدد من وكلاء القناصل في داخلية البلاد، وفي ٢٥ أبريل سنة ١٨٤٣م تم إنشاء أول جمعية للجالية اليونانية في الإسكندرية، وشكلت بعد ذلك عدة لجان للإشراف على المعاهد الدراسية والمستشفيات، ثم شيَّدت أول كنيسة يونانية فتحت أبوابها في ٢٥ مارس عام ١٨٥٦م، وشهد هذا العام تكوين لجنة إدارية للجالية اليونانية.

وفي نحو الثلث الأخير من القرن الماضي كانت الجالية اليونانية تخطو خُطًى فسيحة في طريق الازدهار، وحدث في تلك الآونة أن نشبت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان من جراء ذلك أن قَلَّت صادرات أمريكا إلى الخارج من القطن، فرحل عدد من اليونانيين إلى المناطق الزراعية في داخل البلاد؛ لممارسة زراعة القطن هناك، وتكوَّنت جاليات يونانية في المنصورة (١٨٦٠م) وبورسعيد (١٨٦٥م)، وطنطا (١٨٧٠م) وشبين الكوم (١٨٧٠م)، والمنيا (١٨٧٦م) والمحلة الكبرى (١٨٨٠م).

وقد بلغ عدد اليونانيين في مصر عام ١٨٨٢م حوالي ٣٧٠٠٠، ثم أخذ يزداد سنة بعد سنة حتى بلغ في عام ١٩٥٦م قرابة ٨٥٠٠٠.

ومما يجدر ذكره أن التمثيل السياسي بين مصر وبين اليونان، ظل إلى عام ١٩٥٠م بدرجة وزير مفوض، ومنذ ذلك العام رفعت الدولتان تمثيلهما إلى درجة سفارة.

وساهم اليونانيون في الاقتصاد المصري، وهذه المساهمة اقتضت كثيرًا من الجهود الشاقة والأعمال المتواصلة؛ لكي تصلَ إلى النتائج الطيبة التي وصلت إليها. والواقع أنه ما قام في مصر مشروع اقتصادي ذو شأن، إلا وساهم فيه اليونانيون، وقد وفقوا في ميدان الصناعات توفيقًا كبيرًا، بل كانوا الرواد الأوائل لصناعات حيوية في البلاد، سدَّتْ ركنًا شاغرًا ودرَّت على مصر أرباحًا طائلة، وفتحت للأيدي العاملة أبواب الرزق.

ونذكر من هذه الصناعات: صناعة الدخان، وقد أنشأها نستور جناكليس (١٨٦٤م)، وصناعة الكحول، وأنشأها كوتسكا. وفي الميدان السياحي كان ننجوفتش أول من أقام فنادق كبرى في مصر، منها: شبرد وكونتننتال. كما كان لليونانيين نشاطٌ عظيم في إنشاء البيوت المالية والمصرفية، ومنها: بنك الأنجلو إجبشيان (باركليز فيما بعد واليوم بنك الإسكندرية)، والبنك الأهلي المصري، وذلك إلى جانب البنوك اليونانية، ومنها: يونيان بنك، والبنك الأهلي اليوناني، وبنك أثينا، والبنك التجاري (تيبيجيوري وشركاؤه)، أما في الميدان التجاري فلا يتسع المقام هنا لإيراد أسماء البيوت التجارية اليونانية، وما إليها من المؤسسات الأخرى المماثلة.

وننتقل سراعًا إلى ميدان الزراعة؛ حيث تجلَّت العبقرية اليونانية في ألمع صورها وبخاصة في زراعة القطن؛ إذ ابتكر اليوناني المشهور سكلاريدس القطن المعروف باسمه، والذي لم يكن يُضارعه قطن آخر في العالم بأسره، حتى لقد طبقت شهرته الآفاق، وعقد لمصر لواء الزعامة القطنية في الدنيا كلها، وظل محصوله دعامة الثروة القومية في مصر سنوات طويلة.

كما كان لليونانيين الفضل في إدخال أنواع عديدة من الزراعات التي لم تكن معروفة في مصر، ولا سيما من الفاكهة والخضر.

وتشهد المعاهد العلمية والتعليمية المنبثة في أنحاء البلاد، بما لليونانيين في مصر من نشاطٍ كبير في الميدان الثقافي، ومن معالمه البارزة: مدرسة الفنون والمهن التي أنشأتها أسرة سلفاجو في الإسكندرية، وتحوَّلت فيما بعد إلى مدرسة التجارية اليونانية، وكذلك مدرسة إكسيناس بباب اللوق في القاهرة، واسمها يدل على مؤسسها، أما أقدم المدارس اليونانية في مصر فهي المدرسة العبيدية التي أنشأتها الأسرة العبيدية (اليونانية) خصِّيصى للتعليم المجاني.

وضرب اليونانيون بسهمٍ في أعمال البر والرحمة، فأسسوا كثيرًا من المستشفيات والملاجئ، وفي طليعتها المستشفى اليوناني بالقاهرة، ومستشفى كوتسيكا بالإسكندرية؛ هدية لمصر وعرفانًا بفضلها.

١  آخرها ١٩٥٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤