حمَلَة القماقم والمباخر

شَهِد شارعنا أروع جنازة في تاريخه الطويل، حينما تُوفِّيتْ ست بطة. انعطفَت مُقدمة الموكب إلى الشارع العمومي على حين لم تدبَّ الحركة بعدُ في ذيول المشيِّعين الواقفين داخل السُّرادق في مؤخرة الشارع. تقدَّمتْها فرقة موسیقی حسب الله تعزف لحن الموت التي تنقبض الصدور لوقعه، فيُهرَع الأحياء للفرجة، وتُطِل رءوس النِّساء من النوافذ. وتبِع الفرقة صَفَّان متوازيان من حمَلة القماقم والمباخر، بِدلهم السوداء بوجوهٍ مغضَّنة كالحة. وتهادی النَّعش محمولًا علی الأعناق، يمشي وراءه مباشرةً الأهل وعِلية المُعزِّين، يسبقهم الباشا — زوج الراحلة السابق — وأبناؤها الأربعة؛ منهما اثنان من وكلاء الوزارة، واثنان من مديري العموم، ورُئيَ بين كبار المشيِّعين وزير الحربية، وكثيرون من ضباط الجيش العِظام، ونفرٌ من الشخصيات السياسية والاقتصادية المرموقة. بين هؤلاء جميعًا سار علي صريمة زوج المرحومة الجديد، كاتب حسابات الفرن الإفرنجي، ببدلته العتيقة وطربوشه المتجرِّد، وحذائه الغليظ، وجسمه النحيل القصير، ووجهه الدميم. مشهد مُثير للخواطر مُفجِّر للذِّكريات، قضی بحكم واقعه أن تجمع الجنازة بين الصفوة والكادحين. تابعه المشاهدون على الصفَّين باهتمام، وحاروا غالبًا في تفسير قراره المذهل. شاهدنا الجنازة فيمن شَهِدها من الخلق، ثم مضينا بعد ذلك إلى المقهى. انطلقَت الضحكات من حناجرنا بغير حساب، واندفعنا نُفصح عن انفعالنا. مَنْ مِنَّا لا يعرف ست بطة؟ من منا لم يُعجب بفخامة سراي الباشا، ومن منا لم يُطلِق لسانه على السراي، وما يجري فيها من أحداث؟ وسرعان ما تدفَّقتِ التعليقاتُ ساحبةً الذکريات بلا ضابط ولا نظام.

•••

برافو صريمة، تمكَّنتَ أخيرًا من أن تتحرك بين الباشوات، كأنكَ واحدٌ منهم. لكن اليوم يوم ست بطة؛ فهي صاحبة النصر. ما هي إلا جثَّة لا تُميِّز بين الهزيمة والنصر. إنه يوم علي صريمة، ولو صُفع بعد ذلك على القفا. يا سبحانَ الله يا إخوان! كانت يومًا أجمل وأبهى امرأة في الحي. وكانت السراي تُحفةً لا ينقصها إلا الحرس، والحنطور الأنيق وأول فورد يسير في شارعنا. ما أحلاها وراء الياشمك! كأنها الأميرة عين الحياة. والحقيقة أنَّ الباشا هو المذنب. مهلًا، لا يخلو طريق الإنسان من أزمات، وهي امتحانٌ يكشِف عن قوَّته كما يُعرِّي ضعفه. وما وقع يقطع بأنها كانت امرأةً مستهترة نَزِقة، وما أصابها إلا ما يُصيب زوجاتٍ لا حصر لهن كل يوم. أنتم تطالبون المرأة بأن تكون قديسةً أمَّا الرجل فله أن يفعل ما يشاء. دعنا من آرائكَ الإفرنجية، وبطة لم تكن مجرد امرأة. كانت أمًّا لصبيان وبنات. لماذا يحق للباشا وهو في الخمسين أن يتزوَّج من فتاة في العشرين، فيهجُر أُسرته وذُرِّيته، ولا يجوز للمرأة أن تُخطئ؟ تقاليدنا يا رجل. الأمومة مسئولية وقداسة. طُلِّقتْ في سن اليأس مهجورة وجريحة، وككل محسودةٍ أرَّقَها لهيبُ الشماتة فاجتاحَها اليأس. هذا منطقُ قوَّاد .. ها ها ها. دعه يُدافع عن مامته ها ها ها. ووقع الانفجار وكان مفزعًا. ولم يُحرِّك الأبناء ساكنًا دفاعًا عن شرف أُسرتهم. أليس ذلك بعجيب؟ كانت على أي حال أُمَّهم، ولم يكونوا دونها سخطًا على أبيهم المتصابي. ولا تنس سَطوتَها عليهم. كانوا يقفون بين يديها كالخفراء أمام الباشا المدير، بخلاف أبيهم الذي لم يكن له وزنٌ يُذكر. ما أكثر الضباط المُهابين في ثكناتهم، الوديعين في بيوتهم! كاللواء حمَّاد باشا، مثلًا. ورُبما كانت الحكايات مجرد شائعات! شائعات! لا لا، حتى الخدم كانوا يتغامزون، وعم مجاهد بعد طرده من السراي أقسَمَ أنَّه ما من رجلٍ تردَّد على السراي لشأنٍ ما إلا وكان له معها مغامرة؛ الخُضري .. الجزَّار .. الكوَّاء .. حتى جاء الختام على يد علي صريمة، صلِّ على النبي ولا تقُل شائعات. يا ناس، لو كانت امرأة شبقة، ألم تجد في طبقتها من يُرافِقها؟ خانها الزَّمن يا بطل، وللعمر أحكام، وفي أمثال تلك الظروف تقوم الطبقة الشعبية بالواجب. وفي الوقت المناسب شبَّت ثورة الأبناء. ألم تجئ مُتأخرة عن الوقت المناسب؟ الثورة لا تشبُّ إلا في الوقت المناسب، إنَّه يعني أنهم بلغوا سن الرشد، وتشمَّموا رائحةً كريهة، فأحكموا إغلاق الأبواب، وقالوا بلسانٍ واحد لا مهازل بعد اليوم. وماذا كانت النتيجة؟ نَشبَت ثورةٌ مضادة، وقالت الهانم أنا حُرة وملعون أبوكم. وغَادرتِ السراي مُضحيةً بكل شيء في سبيل شهوتها، ولكن لماذا كانت من نصيب علي صريمة؟ إنه أقبحُ الجميع وجهًا وأحقرُهم مظهرًا؟ يُوجد شيءٌ اسمه السر الباتع ها ها ها. زواجٌ عجيب بين امرأة تُشارِف الستين، ورجل في الثلاثين. سلَّمتْ له نفسها بكل ما تملك من حُلي، وعاشتْ راضيةً في أصغر شقة في شارعنا تُغدِق عليه الحب والمال. زواجٌ متكافئ فيما أرى. هل رأيتموها في أعوامها الأخيرة؟! منظر يُثير الرِّثاء ويشهد للرجل بجميل الصبر. ما هو إلا ثعلب، وكان على علاقة مع شمس بنت بياعة المنزول. له عذره. كل إنسانٍ له عذره حتى الباشا نفسه. ما شاء الله! وإذن فليحيَ الملك وليحيَ الاحتلال. ماتت فلم يُصَوِّت عليها أحد، هُجرتْ وقُوطعَت كأنها لم تنجب بنتًا ولا ولدًا. ربنا لا يحكم عليك. أَشهَد أني رأيتُ علي صريمة دامع العينَين. الثعلب! القلوب أسرار، مثل أسرار الثورة العرابية. لكنه عرف كيف ينتقم من جميع من احتقروه. کیف واتته الجرأة على نشر هذا النَّعي الذي أورد جميع باشوات وبكوات الأسرة؟ ضربة معلم تعلَّم أصولها ولا شك في الفرن، ولكنه جاملَهم فوصف نفسه في النَّعي أحمد صريمة من رجال الأعمال ها .. ها. كفاية، واذكروا حسنات موتاکم. هل وجدنا حسنةً واحدة وسكَتْنا؟ أقول لكم لا يعلم الحقيقة إلا الله. تُرى ماذا يدور بسرائر أبنائها وبناتها اليوم؟ حلمك. سينضح كل إناء بما فيه، وتظل الحقيقة حيث هي. حكاية ست بطة تُذکرني بحکاية ست أوسة! وتُذكِّرني بامرأة العزيز. كفاية .. كفاية .. كفاية دعوها الآن بين يدَي من لا يظلم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤