نشوء فكرة الله

(١) المسيحية كمقياس ديني

إذا أخذنا المسيحية كنموذج للأديان واعتبرنا نشوءها نجد أن كل ما فيها من العقائد والمراسم مأخوذ من الأديان السابقة لها التي كانت فاشية عند ظهورها. فإله المسيحية — المسيح — كان إنسانًا كما كانت كل الآلهة القديمة عند أول ظهورها. وقد اعتبره المسيحيون الأولون ابنًا لإله تنزيهًا له عن الإنسانية كما فعل اليونانيون مع إسكندر المقدوني. وتجد في المسيحية ما يسمى «بالثالوث الأقدس» وهو عبارة عن إدماج ثلاثة آلهة وهم الأب والابن والروح القدس في إله واحد على مثال ما كان يعتقد المصريون في الثالوث الإلهي المكون من أوزيريس وإيسيس وهوريس. والمسيحيون يعتقدون أن أُم المسيح عذراء. ولا بد أن هذا الاعتقاد قد تسلسل من الاعتقاد المصري القديم الذي كان قائمًا على اعتقاد البكارة في إيسيس أم هوريس. وكذلك ترى إذا بحثت عن الأصل في مراسم المسيحية كالصليب والقبر والكنيسة والهيكل أنها مأخوذة من الأديان المصرية القديمة. كما أن نظام القربان والكهنوت مأخوذ منها أيضًا.

(٢) الأديان والأساطير

الدين عبارة عن قوة خارقة لنواميس الطبيعة يحترمها الإنسان ويعبدها.

وأبسط أشكال الديانات الحاضرة عند المتوحشين لا تحتوي على أكثر من بعض طقوس يقصد بها احترام أشخاص الموتى. فهم لا يميزون بين روح الميت وبين الله الخالق بل يعبرون عن الاثنين بكلمة واحدة. فبعض قبائل الكومبامه في أفريقيا يعبدون روح الميت في موضع بالمحل الذي كان يقيم فيه صاحب الروح قبل موته وإذا كان الميت عظيمًا اعتقدوا أن روحه سكنت جبلًا أو سحابة حتى إذا مرت بهم عبدوه واستمطروه. وهم يسترضون الروح بقربان يقدمونه على قبره. ومن هنا تعرف أصل القربان وأصل الصلاة. فالقربان يقدم اعتقادًا بأن الروح تجوع وتطلب طعامًا والصلاة تقدم استجلابًا للأمطار أو استنصارًا بالآلهة على الأعداء. وقد قيل إن الأديان نبتت من الأساطير — أي مجموعة الخرافات التي تتجمع عادة حول كل دين. ولكن هذا خطأ؛ لأن الأساطير مجرد قصص مبالغ فيها وحكايات حُكيت عن الأشخاص الذين ماتوا وعُبدت أرواحهم وهي ليست أصيلة ولازمة في الدين؛ لأن الفرد من هذه القبيلة التي ذكرناها قد يعبد أباه ولا ينسب إليه أعمالًا خارقة للعادة يتعلل بها في عبادته لروحه، بل يعبده لمجرد موته ليس إلا. وقد يُشتهر شخص في حياته بفروسيته وشجاعته فإذا مات لم تقتصر عبادته على عائلته بل تمتد إلى كل أفراد القبيلة ويعتبرون روحه بذلك رئيسة للأرواح الأخرى.

هذا هو أصل الأديان كلها: يعبد الإنسان أباه أو جده المائت ويسترضيه بالأدعية (الصلاة) والطعام (القربان) فإذا اشتهر ميت عبدته القبيلة كلها وصار إلهًا عموميًّا. وما الأساطير التي تتجمع حول اسمه وتُحكى عنه إلا أعمال كبيرة قام بها في حياته وكبرتها المخيلة في الإنسان فبالغ في حكايتها. والإنسان ميال بطبيعته للمبالغة حبًّا في إتيان الغريب الخارق للعادة لما في ذلك من تمييز الحاكي على أقرانه وإذا تدوولت هذه الأساطير وكثرت حفظها الحفاظ واحترفوها وصاروا بذلك كهنة الدين وأئمته وصارت الأساطير كتب الدين المقدسة.

(٣) حياة الموتى

كثيرون من المتوحشين لا ينظرون إلى الموت كأنه حالة طبيعية لا بد من حصولها للإنسان. والسبب في ذلك أن الموت الطبيعي لا يكاد يوجد عندهم؛ فإنهم أكثر ما يموتون قتلًا أو جوعًا أو عطشًا أو تقطيعًا أو غير ذلك. لهذا السبب تجدهم ينسبون الموت الذي لا يمكنهم تعليله بما ذكرناه للقوى السحرية المجهولة، وكثيرون منهم أيضًا لا يميزون بين الموت الصحيح والإغماء الوقتي. فإذا ما غاب أحدهم عن الحس وانقطع نفسه استرضوا روحه بالرقى وبالأدعية ورغبوها في الرجوع وقد يعود الشخص المغمى عليه إلى الحياة فيلحظون من ذلك أن الروح والجسم شيئان منفصلان. ولما كان التنفس ينقطع في حالتي الإغماء والموت صار «التنفس» بمعنى الروح عندهم كما كان عند أكثر الأمم كالعرب واليونان.

فإذا مات أحدهم اعتقدوا أن روحه سترجع إليه حتمًا واجتهدوا في حفظ جسمه بالتحنيط وتقديم الطعام إليه، ومما ساعدهم على الاعتقاد بحياة الموتى كثرة الأحلام التي يرون فيها أشخاص المائتين. فإن أسهل وأقرب تفسير لهذه المظاهر الطبيعية هو طبعًا الاعتقاد بوجود روح حية تجول بين أصدقاء الشخص المتوفى الذي كانت تسكن جسمه في حياته وقد انفصلت عنه في مماته.

هذا هو أصل الاعتقاد بوجود الأرواح. فإن الإنسان الأول ظن أنه كما ينقطع نَفَسُ الإنسان وقت الإغماء ثم يعود إليه عند الإفاقة كذلك تعود الروح إلى الجسم بعد الموت. وهذا هو البعث. وما كان تقديم الطعام للميت وتقديم ألبسته وأسلحته إليه إلا لتهيئته لاستقبال الروح ولم تنشأ عادة حرق الموتى إلا بعد أن ارتقى الإنسان من فكرة البعث إلى فكرة خلود الروح مستقلة عن الجسد منفصلة عنه انفصالًا تامًّا لا يؤثر فيها مطلقًا حرق الجسم.

وقد نشأت عادة الحرق هذه من الخوف من الموتى ورجوع أرواحهم إلى الأحياء لمعاكستهم والإضرار بهم. وقد يرى القارئ تناقضًا بين عادة حرق الموتى خوفًا منهم وتقديم الطعام إليهم حبًّا فيهم. وسنبين في فصل تالٍ السبب في هذا التناقض غير أنا نثبت الآن حقيقة الخوف من أشخاص الموتى وأرواحهم بدليل القيود التي يقيد بها الشخص عند موته أو بتر أعضائه أو دفنه تحت ركامات الأحجار حتى لا يقوى على التحرك. وهي عادات فاشية الآن بين المتوحشين، والحرق وسيلة راقية من وسائل تعجيز الميت عن معاكسة الأحياء. وقد أدت عادة حرق الموتى إلى اعتقاد انفصال الروح عن الجسم انفصالًا تامًّا، وتكوَّن في مخيلة الإنسان ما يسمى «بالعالم» الثاني الروحي الخيالي. وأصبح الناس بتوالي الزمن وتقدم الفكر يعتقدون أن الحرق يسهِّل للروح الخروج من الجسد والانفكاك منه كأنها كانت مقيدة به في حياته. وقد أدت عادة الحرق هذه أيضًا إلى توهم الروح جسمًا أثيريًّا خياليًّا حتى إنهم كانوا يحرقون مملوكات المتوفى اعتقادًا بأن الروح لا تحتاج في عالمها الثاني الخيالي إلى مادة ما.

(٤) أصل الآلهة

قد رأينا أن متوحشي أفريقيا يعبدون موتاهم وأن القبيلة كلها تعبد أب رئيس القبيلة كأنه رئيس الموتى كما أن ابنه العائش رئيس الأحياء. وما زال الصينيون يعبدون أسلافهم إلى الآن ولا يعترفون بوجود خالق ما غيرهم. وقد كان الإنسان في البدء يعبد الجسم الميت ذاته لعدم استطاعته معرفة ما إذا كان ميتًا أو حيًّا مغمًى عليه. ثم ارتقى من ذلك إلى أن الموت إغماء طويل فعبد الروح. وقد ساعد على جعل الروح إلهًا ثلاثة أشياء:
  • أولًا: المعابد، وهي في الأصل القبر حيث كان يقدم الطعام.
  • ثانيًا: الأصنام وهي في الأصل ذات الشخص المتوفى المحنَّط. ثم لما كان تحنيط الجسم كله صعبًا صاروا يستخرجون أحشاء الإنسان ويحشون جوفة بالجوامد التي لا تتعفن كما كانوا يضعون خرزًا وحجارة في مواضع العين حتى يحفظوا صورة الوجه. ثم لما وجدوا أن التحنيط لا يحفظ الجسم تمامًا صاروا يرسمون صورة المتوفى على غطاء التابوت أو ينحتون صنمًا على مثال الميت. وليس أسهل من أن يصير الصنم الخصوصي صنمًا عموميًّا.
  • ثالثًا: الكهنة وهي الطائفة التي تعيش بخدمة الدين. وهي في الأصل رئيس القبيلة نفسه، وهو ابن الروح الإله وجملة الخدم الذين يقدمون القربان إلى الروح عند القبر؛ أي المعبد.

(٥) الأحجار المقدسة

لم يَجْرِ الإنسان الأول المتوحِّش على أصول المنطق في اختيار عقائده. فإنما هي فكرة خطرت بعمل ما فصارت عادة وتلتها فكرة أخرى في عصر آخر وناقضتها. فلم يرفض عادته القديمة ويتبع الجديدة لأن تلك كان قد أعارها الزمن والتكرار ثوب القداسة وأصبح من الصعب انتزاعه منها مع مناقضتها لأفكاره الحاضرة.

كان الإنسان الأول يعبد شخص الميت ويقدم له الطعام وربما حفظه في بيته ليتعبده. ولكنه حينما تقدَّم وميَّز بين الجسم والروح ظهرت أمامه أشخاص الموتى بهيئة غريبة مخيفة تستطيع أن تحيا في الليل وتُقلق باله وتعاكسه. فاحتفر القبور يحبسها فيها وقيَّدها أو بتر أعضاءها. ولكنه مع ذلك لم ينكفَّ عن تقديم القربان للروح وعبادتها لأن الزمن كان قد قدَّس هذه العادة عنده.

فأصبح يقدم الطعام على القبر. والقبر في ذلك الوقت كومة أحجار مرصوصة فوق الجثة. وليس من البعيد منطقيًّا على الرجل الذي نما وترعرع وشبَّ وهو يرى أمه تضع المأكولات على الأحجار أن يقدِّس هذه الأحجار أيضًا وأن يعتقد أن الروح موجودة بها. من هنا نشأت عادة تقديس الأحجار. وقد قلنا قبلًا إن الأصنام نشأت من تحنيط الشخص الميت أو تصويره. ونقول الآن إنها قد تنشأ أيضًا من أحجار القبر، فإن الذي يقدم الطعام للحجر يتصور له طبعًا جسمًا وبالتالي فَمًا يأكل به. وعلى هذه الطريقة تُنحت الأصنام وترتقي. وقد كان اليونانيون في بدء تاريخهم يعبدون أحجارًا مشوهة لا شكل لها ارتقت إلى أصنام جميلة بتقادم الزمن. وقد كان مناة واللات حجرين يعبدهما العرب كما كان بعل صنم الفينيقيين حجرًا. وقد كان تقديس حجر الكعبة شديدًا عند العرب «حتى إن النبي زعيم التوحيد اضطر أن يدخله في دينه.»

ولما خرج اليهود من مصر حملوا معهم حجرًا كانوا يعتقدون في قداسته وأنه منجيهم من المصريين وهو أصل إلههم؛ فإنهم بارتقائهم جرَّدوا هذا الحجر من مادته واعتبروه خالقًا للعالم كله.

(٦) تقديس الأشياء الأخرى

لم يقدس الإنسان الأحجار فقط بل قدَّس أشياء أخرى أيضًا بجانبها كالأشجار والآبار والبحيرات. وكيفية تقديسه لها جرى على مثال تقديسه للأحجار. فإن الشجرة قد تنمو على قبر المائت فيختلط على العابد أيهما يجب تقديسه فإذا ما عبد شجرة القبر مرة كبر في عينه اعتبار الأشجار الأخرى وقدَّس بعضها، وكذا يفعل في الأشياء الأخرى. وقد كانت العرب تعبد العزى وهي ثلاث نخلات.

(٧) آلهة مصر

قد استخلصنا فيما سبق من الفصول جملة نظريات عن نشوء الأديان عمومًا. ولنأخذ مثالًا على صحة نظرياتنا بتطبيقها على الديانة المصرية. فإننا نرى أن الموميات — أجسام الأموات المحنطة — كانت أول معبودات المصريين. ولم يكن للأمة إله عمومي تتحد على عبادته، بل كان لكل قرية إلهًا خاصًّا أو ربة خاصة يعبدهما سكان القرية مستقلين في عبادتهما عن القرى المجاورة لهم. ونرى أيضًا أن الأصنام نشأت أولًا على مثال الموميات التي كانت توضع معها في تابوت واحد؛ أي كانت خصوصية في بدء اصطناعها لا يقدسها غير أهل الميت ثم عمَّ تقديسها بعد ذلك. ونجد أيضًا أنهم صنعوا الأصنام على مثال الموميات لكي لا تضل الروح إذا أرادت أن تتجسد ووجدت أن الجسم قد طرأ عليه طارئ وأفسده رغم تحنيطه. ونجد أيضًا أن الكاهن كان في أصل نشوئه خادمًا يخدم على قبر الميت. وقد وجد النقابون بعد ألفي سنة من موت الملك خوفو رجلًا كانت مهنته الخدمة على قبر خوفو، وكان يعيش بوقف أسسه هذا الملك منذ ألفي سنة وتوارثته عائلة هذا الكاهن أبًا عن جد. وإنا لنستدل على سبق عبادة أرواح الأسلاف لعبادة الآلهة بِنُدرة ذكر الآلهة وخموله في العصور الأولى ثم اشتهاره وعظم أهميته في العصور المتأخرة. وإذا بحثنا أيضًا عن أصل الإله أوزوريس، وهو أشهر آلهة مصر، نجد أنه كان في أول نشوئه إلهًا صغيرًا محليًّا في أبيدوس (العرابة) نرجح أنه كان جدًّا من جدود حاكمها. فلما نبغ من هذه المدينة مينا أول ملوك مصر وضم إمارات مصر المتفرقة إلى ملك واحد، عمم طبعًا عبادة إله مدينته الخصوصي. وقد قال فلوطرخس المؤرخ إن قبر أوزوريس في أبيدوس. ومن هذا يُفهم أن هذا الإله العظيم لم يكن في أصله إلا شخصًا كبيرًا ربما كان أميرًا على أبيدوس في وقت ما، فلما توفيَ عبد روحَه كلُّ سكان إمارته وعمَّت بعد ذلك هذه العبادة في جميع أنحاء القطر المصري.

(٨) آلهة بني إسرائيل

كان اليهود قبل أن يصلوا إلى التوحيد يعبدون أصنامًا؛ أي تماثيل موتاهم، فكان لكل عيلة صنم صغير هو في الأصل صورة فقيد من العيلة منحوتًا على حجر صغير كانوا يتبركون به ويقدسونه ولم تتلاشَ هذه العادة إلا مؤخرًا عند تغلب التوحيد.

وكانوا يعبدون الأحجار كما كان يفعل العرب. وقد بينَّا السبب في عبادة الأحجار. ونقول الآن إن بعض هذه الأحجار كان يُنحت على هيئة أسطوانة مخروطة القمة كالمسلات إذا كان المدفون رجلًا أو على هيئة الأثداء إذا كان الشخص المدفون امرأة؛ أي إن الأحجار كانت توضع في الأصل لتعريف الميت إذا كان ذكرًا أو أنثى، وكان يرمز للذكر بعضو التذكير.

فلما اكتسبت الأحجار سمة القداسة انتشرت هذه الأساطين وصار ينسب إليها القدرة على إيجاد النسل للمرأة العاقر، فكان يضحي ويصلي لها. وقد كان عند اليهود كثير من هذه الأحجار ولم يكن «بعل» إلا حجرًا من هذه الأحجار آلهة اليهود (ولعل معنى الزواج العربي الذي في هذه الكلمة مأخوذ من هذا المعنى العبراني القديم).

ولنقل الآن إن التوراة قد أقرت بوجود هذه الأحجار كما أقرت أيضًا أبحاث النقابين. ونريد أن نبيِّن الآن أن إله العبرانيين «يهوه» الذي تغلب على كل الآلهة المعاصرة له وتفرد بالألوهية دونها لم يكن في الحقيقة إلا حجرًا من هذه الأحجار — أي أسطوانة ترمز إلى الذكورة كان يراد بها الدلالة على جنس الشخص المتوفى ثم عم تقديسها عند اليهود. والدليل على ذلك أن أنبياء التوراة الذين أرادوا أن يجردوا «يهوه» من كل مادة لم يتمالكوا عن أن ينسبوا إليه بعض أشياء نمَّت بأصله. من ذلك أنهم كانوا يصفونه بأنه «الصخرة القوية» وكانوا ينسبون إليه قوة إيجاد النسل للعواقر، وكادوا لا ينسبون إليه قوة أخرى كأنه أخصائي في هذا الأمر. وفي الضحية التي كان اليهود يقدمونها له — وهي الولد البكر — دلالة على وظيفته كأنهم كانوا يقولون «حيث إنه المُنعم علينا بأولادنا وفي يده حرماننا من النسل يجب أن نضحي له بكرنا.» وقد استعاضوا عن هذه الضحية فيما بعد بقطع قلفة الذكر ورميها إليه. وهو عمل جدير بالالتفات للمعاني الملتفة حوله. وقد ضاعت دلالة هذه العادة الآن وصار الأب «يختن» ابنه لغرض صحي أو ديني مجهول. ويهوه هذا هو الله الذي عبده المسيحيون فيما بعد كما سنبين، وهو الحجر الذي خرج اليهود من مصر به.

(٩) ظهور التوحيد

كان الإسرائيليون يعبدون جملة آلهة لم يكن يهوه إلا واحدًا منها، وسنبحث في هذا الفصل عن الأسباب التي دعت إلى إفراد يهوه بالألوهية دون بقية الآلهة وكيفية نشوئه من الأسطوانة الحجرية الحقيرة إلى الإله الأثيري المتجرد من كل صفة مادية.

من سمات العقل السامي خلطُه في مميزات الآلهة وصفاتها وإشراك الواحد في صفات الآخر. والباحث عن الآلهة المصرية يصعب عليه جدًّا التمييز بين الآلهة وتحديد كل واحد منها في حدود مخصوصة. مثال ذلك أنها كلها قد اكتسبت بتقادم العهد صفة «را»؛ أي الشمس المؤلهة. فكل الآلهة المصرية تتصف بأنها مبعث النور، مع أن هذه الصفة كانت تقتصر على «را» فقط. وقد يكون هذا الخلط هو السبب في الاهتداء إلى الاعتقاد بإله واحد؛ لأن الآلهة إذا تساوت في الصفات وضاعت مميزات الواحد عن الآخر فنيت شخصياتها في بعضها وأصبحت إلهًا واحدًا كثير الأسماء عديد الصفات.

وإذا بحثنا عن الأدوار التي ترقَّى فيها «يهوه» إله اليهود نجد أنه كان في الأصل أسطوانة ترمز إلى الذكورة ثم صار عجلًا، وبعد ذلك استغنى اليهود عن العجل وأبقوا القرون، وما زالوا يرسمون القرون على الهياكل إلى ما بعد التوحيد. ثم اكتسب يهوه صفات الشمس. وكان اليهود يعبدون معه سبعة آلهة أخرى هي السيارات السبعة. فلما ارتقوا إلى التوحيد أفردوه بالألوهية وجعلوا السنة مقسمة إلى أسابيع، كل أسبوع منها سبعة أيام مسمَّاة على أسماء السيارات. وقد كانوا لا يشتغلون يوم السبت؛ خوفًا من غضب أحد الآلهة فلما تسيطر يهوه على الآلهة واستبد بالسلطة صاروا «يستريحون» في ذلك اليوم مجاراةً ليهوه الذي استراح فيه من خلق الدنيا.

وهناك ثلاثة أسباب ساعدت يهوه على التفرد بالألوهية والخروج من الحالة المادية إلى الحالة الروحية:
  • السبب الأول: هو أهمية وظيفته الأصلية للأمة اليهودية وعلو منزلته بذلك في عيون اليهود. نريد بهذه الوظيفة تكثير النسل وتنميته، وهو عمل عظيم لأمة صغيرة كاليهود محفوفة من كل جانب بأعداء أقوياء يجزون منها رجالها في حروبهم المتتالية. فإن أعظم نعمة يُنعم بها إله على أمته في مثل هذه الظروف هي تكثير نسلهم.
  • السبب الثاني: هو غيرة يهوه من كل إله آخر، حتى إنه حتَّم في الوصايا العشر عدم عبادة أي إله آخر أمامه أو معه، وهذه صفة امتاز بها عن أقرانه الآلهة. فطفق عبدته يتحاشون ذكر الآلهة الأخرى ويعتقدون بخطيئة من يعبد سواه.
  • السبب الثالث: هو كراهة الساميين الغريزية للأعمال الفنية؛ لأنهم خياليون بطبعهم يميلون لتصور الأشياء لا لتحقيقها بأيديهم. فهم يكرهون بطبعهم عمل التماثيل وإذا اصطنعوها لم يكن اصطناعهم لها فنيًّا جميلًا يستهوي القلوب ويستوقف الأنظار كتماثيل اليونان. ولما هجم البابليون على أورشليم ودكوا هيكل يهوه وكسروا تمثاله صار اليهود يعبدونه إلهًا مجردًا من كل مادة.

(١٠) الإنسان المؤله

كثير من القبائل والأمم كقبائل أفريقيا وأمة الصين يعتبرون رئيس قبيلتهم أو ملكهم إلهًا مقدسًا قادرًا على إتيان المعجزات. وتأليه الإنسان إنما يُبنى على اعتقاد حلول روح ما من الأرواح الخيالية في جسم الشخص المؤلَّه؛ أي إن الروح تهبط وتتجسد في ذلك الجسم وتتسيطر عليه بعدما تُفقده شخصيته الأولى ويصبح آلة في يدها تفعل ما تشاء به. وأصل هذا الاعتقاد هو غالبًا مظاهر الصرع والجنون والأحلام، فإن الأشخاص الذين يصابون بهذه العوارض يظهرون أمام أهلهم وقبيلتهم كأنهم «سُكنوا» بروح غريبة؛ أي تجسَّدت بجسدهم روح هي غير روحهم الأصلية. وما زال بعض العوام في مصر يتبرَّك بالأبله وينظر لهذيانه كأنه وحي وولاية؛ أي إنهم يعتقدون بلهه آتيًا عن حلول روح في جسمه يجب استرضاؤها. والملك أو رئيس القبيلة أليق الناس بالتأله؛ لأن أسلافه أرباب القبيلة، وابن الإله إله بالطبع. من هنا كانت ملوك مصر وما زال ملوك اليابان والصين آلهة تقدس وتعبد.

على أن هناك أمرًا غريبًا قد يُلقي القارئ في حيرة لأول وهلة؛ نريد به قتل الآلهة. فإن كثيرين من القبائل بل والأمم كانت في قديم الزمان وما زالت تقتل الإله الذي تعبده وتسترضيه طول حياته بل وتقدسه بعد قتله. والسبب في ذلك خوف عبدته من حلول الشيخوخة بمعبودهم؛ لأن للشيخوخة نقائص لا تتفق مع عظمة الألوهية. وأين الفم الأدرد واللعاب السائل والصوت الخافت واليد الواجفة واكونداد الشيخوخة مما ينتظر من إله قوي قادر على محق العالم ودك الجبال وتسيير السحب؟ فالقبيلة تقتل إلهها تبجيلًا لمركزه ورفعة لمقامه فهي تجدد لمن تختاره إلهًا عمرًا — خمسة عشر أو اثنتي عشرة سنة — تقتله عند نهايته تلافيًا لظهور آثار الكبر أو انبثاق غرائز الشبوبية. على أن بعض القبائل بتقدمها استنكرت قتل الملك واستعاضت عن ذلك بقتل أحد المجرمين أو بحرق صورته أو بإدماء الملك لنفسه. كذا كان يفعل أتيس الملك والكاهن معًا على مملكة فرجيا، كما كانت تُحرق صورة أدونيس الملك المؤله. وهاتان العادتان كانتا شائعتين وقت ظهور المسيحية.

(١١) اصطناع الآلهة

قد رأينا مبلغ اعتقاد المتوحشين في قوة الأرواح وحقيقة العالم الثاني عندهم لدرجة أن رئيس القبيلة فيهم قد يأتي بشخص ما ويقص عليه قصة ثم يخبره بأن يبلغها لوالده أو لغيره المتوفى. وكيفية هذا التبليغ تكون دائمًا بقتل الشخص المبلغ. ومنطق هذا العمل عندهم أن الروح مقيدة بالجسد فإذا قُتل الشخص انفكَّت روحه وانطلقت إلى الأرواح الأخرى وبلغتها القصة التي أخبرها بها رئيس القبيلة.

ومن هنا نشأ اصطناع الآلهة. فقد رأينا أن الإله يكون في الأصل روح رجل عظيم — ملك أو رئيس أو أمير — مات وأصبحت روحه إلهًا بذلك. فإذا أرادت القبيلة تأسيس مدينة أو بناء سور لم تنتظر موت عظيم وتستحمي روحه هذه المدينة أو ذاك السور بل تقتل على الفور رجلًا عظيمًا لتكون المدينة في كنف ورعاية روحه. وهذه العادة هي منشأ عادة قتل البشر تحت أسس البيوت وغيرها من المباني العظيمة. فإن الغرض الأصلي منها كان إيجاد روح — إله — لكي يعبده سكان القرية المستجدة. ولكن بتقادم الزمن تنوسي هذا الغرض وصاروا يقتلون الأشخاص على الأسس حتى بعد انقراض الوثنية وظهور التوحيد.

وقد كانت عادة قتل الأشخاص لفك أرواحها شائعة شيوعًا عظيمًا في الزمن القديم، وما زالت شائعة بين المتوحشين، فإن بعض القبائل في غرب أفريقيا يقتلون جملة أشخاص عند بدء القتال ليستنصروا أرواح هذه الأشخاص — التي صارت آلهة — على الأعداء. وكانوا عند بناء سفينة يسفكون دمًا بشريًّا عليها، وما زال أثر هذه العادة باقيًا عند الإنجليز الذين يريقون كمية من النبيذ على السفينة قبل إنزالها إلى البحر. والنبيذ عند النصارى في الكنائس يرمز إلى الدم.

(١٢) آلهة الزراعة

نرانا مضطرين هنا إلى الاستطراد إلى أصل الزراعة مطلقًا؛ لأن المتوحش الذي كان يعيش بصيد الأسماك والحيوانات واجتناء الأثمار البرية يصعب عليه جدًّا أن يعرف أن البذور تُنتج الشجيرات والمحاصيل كما نعرف نحن الآن؛ لأن الاعتقاد بنبت حبة القمح إلى سنبله هو في قياسه تمامًا كالاعتقاد بنبت حمار من ذنبه.

لهذا نظن أن المتوحش اهتدى إلى الزراعة بواسطة القبور ومن هنا نشأت أيضًا آلهة الزراعة. فقد رأينا أن المتوحش يدفن مع الميت طعامًا كالذي كان يأكله في حياته. كاللحم والحبوب والأثمار. وعملية الحفر التي يحتاجها الدفن تفتت التربة، وبالتالي تهيئها لنبت البذور.

فإذا ما دُفن الميت اليوم لا تمضي عدة أيام حتى يرى أهله أن الزرع قد جلل قبره؛ فيعللون ذلك بأن روحه قد رضت عنهم بما قدموه لها من الطعام وكافأتهم بهذه النباتات. ولا يغب عن القارئ أن هذه النباتات تنمو قويةً فوق القبر — أقوى من نباتات نوعها التي في الغابة — لأن لحم الميت وطعامه يصيران سمادًا لها، كما أن تفتيت التربة عند الحفر يزيل الحشائش القديمة ويسهل تغذية النباتات.

لا نعجب بعد ذلك أن نرى المتوحش يعتقد في أن نبات القبر ليس إلا معجزة من معجزات روح الميت. فالمزرعة هي في الحقيقة مقبرة. ولهذا السبب ما زال بعض قبائل أمريكا الجنوبية الوطنيين يقتلون شخصًا عند وقت بذر التقاوي؛ لأنهم بذلك يفكون روحه من جسمه لتكون إلهًا ينمي الزرع. وقد رأينا منطق هذا العمل في الفصل السابق حيث كان يُقتل شخص عند بناء قرية جديدة لكي تكون روحه ربة القرية تحرسها وتبيد أعدائها.

فالإنسان اهتدى إلى الزراعة بواسطة الحبوب التي كان يضعها مع الميت اعتقادًا بأنه سيأكلها ونشأت آلهة الزراعة من اعتقاد أن روح الميت هي التي أخرجت الزرع وصار بالتالي ضروريًّا لكل زرعٍ مِن روحٍ لكي تنبته. وهذه القبيلة التي ذكرناها في جنوب أمريكا إذا قتلت شخصًا عند بذر البذور قطعت جسمه نسائر وأعطت كل مُزارع قطعة لكي يدفنها في أرضه؛ وبذلك يضمن مجيء الروح إلى مزرعته وإنماء زرعها. ولعل حفلة «تبريك الحقول» التي يقوم بها القساوسة في فرنسا حاملين «البرشانة» بين الحقول بقية أثرية من بقايا تلك العادة القديمة؛ لأن البرشانة تمثل عند الكاثوليك جسد المسيح. وقد كان المصريون يذبحون شخصًا أشقر كل سنة لإنماء محاصيلهم، وكان غيرهم كالرومان يستعيضون عن ذبح البشر بذبح الحيوانات كالقطط وغيرها لهذا الغرض عينه أيضًا. وترى هذه العادة ممسوخة في بعض البلاد الأوروبية حيث يستعيضون الآن عن الذبيحة البشرية أو الحيوانية بصورة بشرية يمزقونها ويفرقون أجزائها بعد أن يزفوها في مهرجان بين الحقول.

(١٣) آلهة النبيذ والغلال

رأينا في الفصل السابق أن بعض القبائل كانت ولا زالت تذبح شخصًا أو حيوانًا عند وقت بذر البذور من كل عام. والسبب في تكرار هذا العمل سنويًّا هو اعتقادهم أن روح الذبيحة تتجسد في الزرع وتبعث في المحاصيل فإذا حصد الزارع زرعه من الأرض اعتقد أنه اقتلع الروح أيضًا من الأرض مع الزرع فهو لذلك يذبح ذبيحة أخرى عند بذر البذور الثانية لكي تقوم روحها مقام الروح السابقة وتنمي المحصول الجديد.

وقد يكون بين هذه الذبائح البشرية من كان شخصه ومركزه عظيمين في حياته — وكلما كبر مقام شخص في الدنيا كبر مقامه في العالم الآخر — فتعتبر روحه في مركز أعلى من مراكز الأرواح الأخرى وربما ألَّهوها وخلَّدوا ذكرها بخلاف الأرواح الأخرى التي لا يزيد حد عمرها عن عام واحد؛ أي مدة استواء المحصول فقط. ومن هنا نشأت الآلهة: ديونيس وأتيس وأدونيس.

وقد كانت الذبائح تقدم لهذه الآلهة سنويًّا اعتبارًا بأنها — الآلهة — تتجسد في الذبيحة وتصير هي والذبيحة كائنًا واحدًا فيأخذ كل من المزارعين قطعة من الذبيحة معتقدًا أنها جزء من جسد الآلهة يدفنه في مزرعته لكي ينمي زرعه؛ ولهذا السبب كانت الضحية التي تقدم لهذه الآلهة تسمَّى باسم الإله الذي تقدَّم له — لأنه تجسد فيها — وكان المضحُّون يبكون على الضحية لأنهم إنما يذبحون فيها إلههم. ويجب ملاحظة ما قلناه هنا لما سنقوله عن المسيحية.

(١٤) الضحية والدم

قد رأينا فيما سبق أن للضحية باعثين؛ الأول: هو الاعتقاد بأنها تقدم كطعام للروح أو الإله. والثاني: هو الاعتقاد بأن الإله ذاته يتجسَّد فيها وتُدفن أجزاؤها في الحقول لكي تنمي الزروع.

إلى هنا لم نتكلم عن أكل الناس الأحياء للضحية. فقد رأينا الضحية تجزأ وتدفن في الحقول باعتبار أنها إله، ورأينا القربان أيضًا يوضع للميت اعتبارًا بأنه سيجوع ويأكله. وسنتكلم الآن عن أصل عادة أكل الناس للضحايا.

من الشائع بين عوام مصر أن من أكل قلب ذئب صار قويًّا مثل الذئب، ويعتقدون في الهند أن من يأكل نمرًا يصير شجاعًا جريئًا كالنمر. لهذا لما نشأت عادة ذبح الآلهة المتجسدة في الضحية ورد على خواطر المضحين أن يأكلوا هم أيضًا قطعة من جسم الإله حتى يصيروا مثله في صفاته على نحو ما يفعل أكل الذئب والنمر. فصاروا يضعون جزءًا من الضحية المؤلهة في الأرض ويأكلون جزءًا آخر منها. وهذا صيد العصفورين بحجر واحد: مباركة الحقل وتقوية الجسم. كذا تفعل قبائل الغوند. وكذا أيضًا كان يفعل المكسيكيون؛ فإنهم كانوا إذا أرادوا التضحية قبضوا على أسير من أسرى حروبهم وعاملوه معاملة الملوك مدة عام يقتلونه باحتفال عظيم في نهايته ويأكلونه. وبمضيِّ الزمن ارتقى الإنسان من التضحية البشرية إلى التضحية الحيوانية الحاضرة في أعياده. وفي طريقة الذبح عند العرب والعبرانيين الآن بقايا أثرية من عوائد التضحية القديمة؛ فإنهم يذبحون الآن «باسم الله» ويتطلبون إراقة الدماء من المذبوح والدم هو في العادة الجزء الذي يشتهيه الإله؛ لأنه — بخلاف اللحم — يجف فيظن الرائي أن الإله قد شربه.

قلنا إن الإنسان كان يشرب دم الذبيحة أو يأكل لحمها اعتقادًا بأنه يأكل ويشرب من لحم الإله ودمه. وقد قلنا إنه كان يعتقد بأن روح الضحية روحًا للإله تنحلُّ من الذبيحة عند الذبح وتنتشر في المحاصيل كالكروم والغلال.

من هنا نشأت عادة أخرى وهي أن يأكل المتدين خبزًا أو يشرب نبيذًا باعتقاد أنه يأكل من لحم الإله ودمه؛ لأن روح الإله قد تجسدت في محاصيل الغلال والكروم. والخبز والنبيذ هو ما يأخذه المسيحي من قسيسه باعتقاد أنه يأكل ويشرب من لحم المسيح ودمه.

(١٥) ضحية الافتداء

للضحية كما قلنا اعتباران عند المتوحشين: (١) أنها تقدم كطعام للروح أو للإله. (٢) أنها تقدم كأنها هي الإله ذاته.

وهناك نوع ثالث من الضحايا يقدَّم باعتبار أنه يفدي القبيلة أو الأمة من خطاياها. وقد صُلب المسيح لكي يفدي الناس من خطاياهم؛ أي لكي يكفر عن ذنوبهم.

والأصل في هذه الضحية هو الاعتقاد بإمكان نقل المرض من شخص لشخص أو لشيء لآخر. مثال ذلك أن ملكًا في بتشوانالاند أصيب مرة بمرض ما فأحضر ثورًا وتليت عليه الرقيات وأغرق بعد ذلك في النهر. ومنطق هذا العمل عندهم أن المرض قد انتقل إلى الثور وذهب معه بعيدًا عن الملك. ولا يزال عندنا — نحن المصريين — آثار باقية من هذا الاعتقاد في رقياتنا حيث تزيل الرقية المرض وتلقيه بعيدًا عن المريض بإلقائها بعض أشياء كانت تحرقها في النار وقت الرقية.

وقد نشأ من اعتقاد إمكان نقل المرض اعتقاد إمكان نقل الخطيئة. مثال ذلك أن بعض قبائل أفريقيا يقتل كل سنة شخصين رجلًا وامرأة؛ لكي يكفرا عن خطايا القبيلة. يعتقدون أن خطيئات القبيلة قد انتقلت إلى هذين الشخصين وأنهم بقتلهما يغسلون القبيلة من أدران خطاياها ويبررونها أمام آلهتها، كما كان يقتل الأثينيون شخصًا عند وفود وباء ما على بلدهم اعتقادًا بأن الوباء يموت بموته وينجي الأمة منه، وكما تذري الراقية قطعة الشب التي أحرقتها في النار وقت الرقية اعتقادًا بأنها حملت المرض معها وذهبت بعيدًا عن المريض.

(١٦) العالم قبل المسيح

كان العالم الذي انتشرت فيه المسيحية تابعًا للدولة الرومانية عند بدء انتشار هذه الديانة. وقد كانت هذه الدولة تشمل كل ممالك البحر المتوسط، ودرجت اللغة الرومانية على ألسن التجار فقربت بين هذه الأمم وصبغتهم بالصبغة الرومانية. وقد بعثت التجارة على المهاجرة والنزوح إلى المواني، فكانت الإسكندرية ورومية وأنطاكية ملأى بالسوريين والرومانيين والإسبانيين وغيرهم من الجاليات التي هجرت مواطنها الأصلية، واستعمرت هذه المواني للارتزاق. وقد أدى هذا إلى انتشار الأديان في أصقاع الإمبراطورية وخروجها من أوطانها الأصلية، فكانت الآلهة المصرية تُعبد في إنجلترا ورومية بسبب النزلاء المصريين، كما كان يعبد الإله يهوه في الإسكندرية ومرسيليا بواسطة اليهود. وقد كانت بعض هذه الآلهة تتحد في الصفات فيعبدها الناس وإن كانت أجنبية عنهم إلا أنها تتفق في صفاتها مع أحد آلهتهم. أو كانت الظروف تقتضي عبادة الآلهة الغريبة كما حدث مع البطالسة، فإنهم حينما تولوا حكم مصر عبدوا الآلهة المصرية مع أنهم كانوا يونانيين. وقبيل ظهور المسيحية كانت الأديان الوثنية قد ضعفت أمام الفلاسفة وحصل بذلك اشتياق في النفوس للتوحيد اليهودي. ولو لم يكن يهوه إله اليهود وطنيًّا متعصبًا في ألوهيته يكاد لا يعترف بأمة حقيقية بالجنة غير اليهود لعمَّت عبادته. لهذا تحوَّل الناس إلى العبادة المسيحية؛ لأنها في الحقيقة عبادة الآلهة كلها، لأن المسيحية اشتقت مناسكها وسننها ومراسمها من آلهة مصر وسوريا ورومية وفرنسا وإنجلترا وغيرها، فكانت كل الأمم تعرف شيئًا عنها وتعتقد بصحة بعض سننها وأساطيرها. ومما زاد في الإقبال عليها سهولة طريقة التدين بها وصعوبته عند اليهود.

(١٧) نمو المسيحية

إنا نشك في أن المسيح كان إنسانًا موجودًا. على أننا إذا صدقنا رواية وجوده كشخص ما فإنما نعتقد ذلك باعتبار أنه وُجد وقُتل كضحية مؤلَّهة. وهي الضحية التي قلنا إنها كانت تقدم لآلهة الغلال والنبيذ. فقد كان السوريون المجاورون لليهود يعبدون أتيس إله الغلال، وكان من عادتهم أن يقدموا له ضحية سنوية. ولعل الإشاعة التي فشت بعد ظهور المسيحية عن ذبح اليهود للأطفال قد نشأت عن هذه التضحية. وعندنا سبعة أشياء ترجِّح أن المسيح كان ضحية مؤلَّهة. وهي:
  • (١)

    إذا فحصت عظات بولس في رسائله إلى القورنثيين تجده يصف المسيح كأنه يصف أحد آلهة الغلال تمامًا.

  • (٢)

    أكل تلاميذ المسيح وكل المسيحيين الآن الخبز والنبيذ باعتبار أنهما من جسد المسيح ودمه. وهذا ما كان يفعله تمامًا عبدة أدونيس وأتيس إلهي الغلال؛ لأن الإله يتجسَّد في المحصولات.

  • (٣)

    قول المسيح «أنا خبز الحياة.» «خذوا، كلوا من دمي.» وقد وصفوه بأنه قمحي الوجه وأن شعره كلون النبيذ.

  • (٤)

    أنه دخل أورشليم بهيئة ملك مثل ضحايا أتيس وأدونيس؛ لأن الاعتقاد كان فاشيًا بأن هذين الإلهين يتجسدان في الضحية التي تقدم لهما فيجب إذن إكرامهما ما داما على قيد الحياة. وقد جاء في الإنجيل أنهم وهم يقتلون المسيح ركعوا وهذا يماثل ما كان يفعله كهنة أتيس بالضحايا.

  • (٥)

    ولما دخل المسيح أورشليم كان ممتطيًا حمارًا وقد نثرت أغصان الأشجار على الأرض وهو عين ما كانوا يفعلونه مع ضحية أتيس. وما زال في «أحد الزعف» الذي يسبق العيد الكبير عند النصارى بقية من بقايا أعياد آلهة الغلال.

  • (٦)

    لما قُتل المسيح بكت عليه النساء، مثلما كان يحدث في ضحايا أتيس؛ لأنهم كانوا يعتقدون بأن الإله يتجسَّد فيها، وبالتالي يبكون عليه لأنهم قتلوه.

  • (٧)

    بعثه بعد ثلاثة أيام، مثل أتيس وأدونيس بالضبط، فالمسيح قُتل لغرضين: أنه ضحية مؤلَّهة، ولكي يفدي الشعب من خطاياه (وقد عرفنا أصل ومعنى الفداء).

أما الثالوث فقد جاء للمسيحية من مصر، ونشأ أولًا عند الأقباط لأن أديانهم الوثنية السابقة كانت تحتِّم هذا الاعتقاد.

أما الصليب فقد أتى أيضًا من مصر وتراه للآن على الجعلان. وقد اختلط الموضوع على بطريرك مصري مرة فقال في أحد كتبه عن المسيح إنه «جُعل الله»؛ أي إنه ظن الصليب والمسيح شيئًا واحدًا لأن الجُعل كان يُرسم عليه الصلب.

(١٨) بقايا أثرية في المسيحية

ما زال المسيحيون للآن يعبدون الموتى. وقد كانت الكنائس عند أول تشييدها قبورًا ليس إلَّا. ومركز القديس الآن بين النصارى وقيمته عندهم كمركز رئيس القبيلة المتوفى بين قبيلته بالضبط؛ لأن النصراني يحترم القديس ويتهيبه ويتقرب منه كأنه يعبده عبادةً ولو أنكر ذلك. وقد كانت القرون الوسطى العصر الذهبي لعبادة الموتى والأرواح؛ فإنهم كانوا لا يبنون كنيسة إلا إذا أحضروا لها شهيدًا أو قديسًا دفنوه في هيكلها. وقد تفانوا في هذا العمل حتى إن البندقيين نقلوا جثة مرقس الرسول من الإسكندرية إلى البندقية لكي يضعوها في الكنيسة المسماة باسمه هناك.

ودين الإسلام التوحيدي العظيم لم يتمالك عن تقديس الموتى واعتبارهم. فالمسلمون ما زالوا للآن يتمسَّحون بقبور الأولياء ويتبرَّكون بها ويبنون لهم — للأولياء — المساجد على قبورهم.

نريد بذلك أن الإنسان الذي تشبع بالتوحيد ما زال يحنُّ إلى ميوله الوحشية وتبعثه غريزة التدين الأصلية إلى العبادة الأولى: عبادة الجثث والأرواح.

وترى للآن عند المسلمين أثرًا من آثار العبادات القديمة في مشهد قتل الحسين حيث يمثلون قتل الحسين ويسيرون به في الشوارع باكين ومترحمين عليه كما كان يفعل السوريون في البكاء على أدونيس سنويًّا.

(١٩) الخاتمة

أقول بالاختصار إني أعتقد بأن عبادة الجثث هي أصل لكلِّ العبادات الحاضرة. وأعتقد أيضًا أن الأرواح هي أصل الآلهة الحاضرة. ولكني مع ذلك لا أجزم بصحة استنتاجاتي، وقد يأتي البحث بعكسها في المستقبل. غير أني أقول إن الشواهد التي أتيت بها إثباتًا لنظرياتي هي جزء صغير من مجموعة الشواهد التي عندي، والتي تحاشيت ذكرها منعًا للتطويل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠