الفصل العاشر

تجمع مختلف الأطراف على ساحل البحر

طلع عليَّ في برادجيت صباحُ يوم من أيام شهر يونيو يكتسي باللونين الوردي والأزرق بينما كنتُ أنظر من فندق جريفن المطل على بحر هادئ، إلى المنارة العائمة في منطقة شاطئ كوك الرملي والتي كانت تبدو في حجم طافية جَرَسِيَّة. على بُعد بضعة أميال جنوبًا وبالقرب من الشاطئ كانت مدمرة صغيرة راسية. كان سكيف، الرجل التابع لماكجيليفراي، والذي كان فيما مضي في البحرية، يعرف هذه السفينة وأخبرني باسمها واسم قائدها؛ لذا أرسلتُ برقية للسير والتر.

بعد الإفطار حصل سكيف من وكيل تأجير المنازل على مفتاح لبوابات السلالم الموجودة في الروف. سرتُ معه على الرمال، وجلستُ في زاوية من زوايا الجروف البحرية بينما ذهب هو لاستكشاف ستة منها. لم أُرِدْ لأحد أن يراني، لكن المكان في هذه الساعة كان شبهَ مهجور، وطوال فترة بقائي على الشاطئ لم أرَ شيئًا عدا طيور النورس.

استغرق أكثر من ساعة في أداء هذه المهمة، وحين رأيتُه عائدًا نحوي، يتفحص قطعة من الورق، يمكنني أن أقول لكم إن قلبي كاد يخرج من صدري. فكما ترون، كان كل شيء يعتمد على أن تثبت صحة تخميني.

قرأ بصوت مسموع عددَ الدرجات في كل سلم. قال: «أربعة وثلاثون، خمسة وثلاثون، تسعة وثلاثون، اثنتان وأربعون، سبعة وأربعون»، و«واحد وعشرون» في الأماكن التي تصبح فيها الجروف أكثرَ انخفاضًا. كدتُ أنتفضُ من مكاني وأصيح.

أسرعنا بالعودة إلى البلدة وأرسلنا برقيةً إلى ماكجيليفراي. أردتُ منه إحضارَ نصف دستة من الرجال، وأمرتُهم بتقسيم أنفسهم بين فنادق محددة مختلفة. بعدها ذهب سكيف إلى استكشاف المنزل على الرأس البحرية ذات الدرجات التسع والثلاثين.

عاد بأخبارٍ حيَّرتْني وطمأنتْني في الوقت نفسه. كان المنزل يُدعى «ترافلجار لودج»، وكان يمتلكه سيدٌ كبير السن يُدعى أبلتون وهو سمسار بورصة متقاعد، وهذا حسب وكيل تأجير المنازل. كان السيد أبلتون يقضي وقتًا طويلًا في المنزل في فترة الصيف، وكان موجودًا فيه الآن وقضى فيه معظمَ هذا الأسبوع. لم يستطع سكيف الحصولَ إلا على قدر قليل للغاية من المعلومات عن الرجل؛ فلم يعرف إلا أنه رجلٌ مهذَّب طاعن في السن، يدفع فواتيره بانتظام، وكان دومًا ما يدفع المال بسخاء لإحدى الجمعيات الخيرية المحلية. ثم بدا أن سكيف قد دخل من الباب الخلفي للمنزل متظاهرًا بأنه وكيل بيع ماكينات خياطة. لم يرَ إلا ثلاث خدمٍ فقط؛ طباخة وخادمة ووصيفة، وكانوا جميعًا من النوع الذي تعثر عليه في منزل محترم من منازل الطبقة المتوسطة. لم تكن الطباخة من النوع الكثير الكلام وسرعان ما أغلقتِ الباب في وجه سكيف، لكنه قال إنه متأكد من أنها لم تكن تعرف شيئًا. وجد بجوار هذا المنزل بناية سكنية جديدة يمكن أن تمثِّل غطاءً جيدًا للمراقبة، وكانت الفيلا الموجودة على الجانب الآخر معروضةً للإيجار، وحديقتها غير مشذبة وكثيفة الشجيرات.

استعرتُ تليسكوب سكيف وذهبتُ قبل الغداء في تمشية على الروف. ظللت خلف صفوف الفيلات، وعثرتُ على موضع جيد للمراقبة على حافة ملعب الجولف. استطعتُ من هناك رؤية خط الغطاء النباتي على طول قمة الجرف، مع وجود مقاعد على مسافات متباعدة، والقطع المربعة الصغيرة من الأرض المحاطة بسياج ومزروعة بشجيرات، من حيث يهبط السلم إلى الشاطئ. رأيت «ترافلجار لودج» بوضوح شديد، وقد كان عبارة عن فيلا مصنوعة من القرميد الأحمر وبها شرفة، وملعب تنس في الخلف، وفي الأمام حديقة زهور من النوع المعتاد وجودُه على ساحل البحر مليئة بزهور الأقحوان ونباتات الغرنوقي النحيل. رأيتُ ساريةَ علمٍ يتدلَّى بتراخٍ منها علمُ المملكة المتحدة الضخم في الهواء الساكن.

بعد قليل لاحظتُ أن أحدًا يغادر المنزل، ويمشي ببطء على طول الجرف. حين وجهتُ التلسكوب نحوه رأيت أنه كان الرجلَ العجوز، مرتديًا بنطالًا صوفيًّا أبيض اللون، وسترة صوفية زرقاء وقبعة من القش. كان يحمل منظارًا ميدانيًّا وصحيفة وجلس على أحد المقاعد الحديدية وبدأ في القراءة. أحيانًا كان يضع الصحيفة جانبًا ويوجه منظاره نحو البحر. ظلَّ ينظر طويلًا إلى المدمرة. ظللتُ أراقبه لنصف ساعة، حتى نهض وعاد إلى المنزل لتناول غدائه، وعندها عُدتُ إلى الفندق لتناول غدائي.

لم أكن أشعر بثقة كبيرة؛ فهذا المسكن العادي المحترم لم يكن ما توقعتُ العثور عليه. ربما كان هذا الرجل هو عالمَ الآثار الأصلع من مزرعة الأرض السَّبَخة المروعة، أو ربما كان شخصًا آخر. كان بالضبط من نوعية كبار السن القنوعين الذين تجدهم في كل ضاحية وكل أماكن العطلات. إذا أردتَ أن تجد أشخاصًا من النوع غير المؤذي على الإطلاق فمن المرجح أن تختار ذلك النوع.

إلا أنه بعد الغداء، وأنا أجلس في شرفة الفندق، ازددتُ حماسًا؛ إذ رأيتُ الشيء الذي آملتُ رؤيته وخشيتُ أن تفوتني رؤيتُه. جاء يختٌ من جهة الجنوب وألقى مرساته في مكان مقابل للروف. بدا أنه يزن نحو مائة وخمسين طنًّا، ورأيتُ أنه ينتمي إلى أسطول الراية البيضاء البحري. لهذا ذهبنا أنا وسكيف إلى الميناء واستأجرنا مراكبيًّا من أجل رحلة صيد في فترة بعد الظهيرة.

قضيتُ فترة بعد ظهيرة دافئة ومسالمة، واصطدنا نحو عشرين رطلًا من سمك القد والبولاك، ومن داخل البحر الأزرق المتهادي استطعتُ رؤية الأشياء على نحوٍ أفضل. رأيتُ فوق جروف الروف البحرية البيضاء الفيلات الخضراء والحمراء، وخاصةً سارية العلم الضخمة في «ترافلجار لودج». حوالي الساعة الرابعة، حين اكتفينا بما اصطدناه، جعلتُ المراكبي يجدف بنا حول اليخت، الذي كان يقف مثلَ طائر أبيض لطيف، مستعدًّا في أي لحظة للهرب. قال سكيف إن بنيتَه تُوحي بأنه لا بد وأن يكون مركبًا سريعًا ومزوَّدًا بمحرك قوي.

كان اسم اليخت «أريادني»، كما اكتشفتُ من قبعة أحد الرجال الذي كان يُلمِّع الحلية النحاسية. تحدثتُ إليه وحصلتُ منه على إجابة بلهجة إيسيكس السريعة. جاء عامل آخر وأخبرني كم كانت الساعة بلهجة إنجليزية لا تخطئها الأذن. دخل المراكبي في جدال مع أحدهما حول الطقس، ولبضع دقائق ظللنا واقفَين في مكاننا بالقرب من الجزء الأيمن من مقدمة السفينة.

فجأة أهملَنا الرجلان تمامًا وانحنيَا على عملهما مع صعود ربان على السطح. كان شابًّا لطيفًا ونظيف المظهر، وطرح علينا سؤالًا بشأن رحلة صيدنا بلغة إنجليزية سليمة. إلا أنه لم يكن ثمة شكٌّ بشأن هويته؛ فشعرُه القصير وشكل ياقته ورابطة عنقه لم تكن تنتمي مطلقًا لإنجلترا.

طمأنني ذلك بعضَ الشيء، لكن لم أستطعِ التخلصَ من شكوكي المستعصية في أثناء عودتنا إلى برادجيت. كان ما يقلقني هو فكرة أن أعدائي كانوا يعرفون أنني كنتُ قد استقيتُ معلوماتي من سكادر، وأن سكادر هو مَن أعطاني الدليلَ الموصل إلى معرفة هذا المكان. وإن كانوا يعرفون بأن سكادر كان يعلم بشأن هذا المكان، أليس من شبه المؤكد أن يُغيِّروا خُططَهم؟ فكثيرٌ من الأمور تعتمد على نجاحهم في مهمتهم ومن ثَمَّ ما كانوا ليخاطروا. كانت المسألة كلُّها تتعلق بقدر معرفتهم بما لدى سكادر من معلومات. لقد تحدثتُ ليلة أمس بثقة عن التزام الألمان دومًا بما يضعونه من خطط، ولكن إن ساورهم أيُّ شكوك بأني أتعقب خُطاهم فسيكونون حمقى إن لم يعملوا على إخفائها. تساءلتُ عما إذا كان الرجل الذي كنتُ قد رأيتُه ليلة أمس قد أدرك أني تعرفتُ عليه. لسبب ما لم أعتقد أنه فعل، وظللتُ متشبثًا بهذا الاعتقاد. إلا أن المهمة بأكملها لم تبدُ أبدًا بمثل صعوبة فترة بعد الظهيرة تلك، التي لا شك أنه كان يُفترض بي الفرح فيها بتحقيق نجاح مؤكَّد.

التقيتُ في الفندق بقائد المدمرة، الذي قدمني سكيف إليه، وتبادلتُ معه بضعَ كلمات. بعدها فكرتُ في قضاء ساعة أو ساعتين في مراقبة «ترافلجار لودج».

عثرتُ على مكانٍ أبعد قليلًا أعلى التل، في حديقة أحد المنازل الخالية. من هذا المكان استطعتُ رؤية ساحة المنزل بالكامل، حيث رأيتُ شخصين يلعبان مباراة تنس. أحدهما كان الرجلَ الكبير السن، الذي كنتُ قد رأيتُه بالفعل، والآخر كان رجلًا شابًّا يلفُّ وشاحًا، به بعض الألوان الزاهية، حول خصره. كانَا يلعبان بحماس شديد، كأنهما رجلان من سكان المدينة يريدان ممارسةَ بعض الرياضة العنيفة من أجل تفتيح مسام جلدهم. لا يمكنك تصوُّرُ رؤية مشهدٍ أكثر براءة من هذا. كانَا يصيحان ويضحكان وتوقفَا لتناول المشروبات، عندئذٍ أحضرتْ لهما خادمةٌ كوبَين من الجعة على صينية. حككتُ عيني وسألتُ نفسي عما إذا كنتُ أكثرَ الأشخاص حمقًا على وجه الأرض؛ فقد كان الغموض والظلام يحيطان بالرجال الذين كانوا يطاردونني في الأراضي السَّبَخة الاسكتلندية في طائرة وسيارة، وعلى وجه الخصوص بهذا الأثري اللعين. كان من السهل ربطُ أولئك الناس بالسكين التي اخترقتْ صدرَ سكادر إلى الأرض، وبمخططات مميتة تُهدِّد السلام العالمي. إلا أنني هنا كنتُ أرى أمامي مواطنَين ساذجَين يمارسان رياضتهما البريئة، وكانَا على وشك الدخول إلى المنزل لتناول وجبة عشائهما الروتينية، حيث سيتحدثان عن أسعار السوق والنتائج الأخيرة لمباريات الكريكت وما يتردد من ثرثرة على ألسنة المحليين. لقد كنتُ أصنع شبكةً من أجل الإمساك بالنسور والصقور، ويا للعجب! سقط فيها طائرَا سمنة بدينان عن طريق الخطأ.

في هذا الوقت وصل شخصٌ ثالث، شابٌّ على دراجة، يحمل حقيبة من مضارب الجولف معلقة على ظهره. التفَّ حول أرض ملعب التنس المكسوة بالحشائش، وتلقَّى ترحيبًا صاخبًا من اللاعبين. من الواضح أنهما كانَا يُمازحانه وبدا مزاحُهما بلغة إنجليزية أكيدة. بعدها أعلن الرجل البدين، وهو يمسح جبينه بمنديل من الحرير، أنه لا بد له من الذهاب إلى الاغتسال. سمعتُ كلماتِه بوضوح عندما قال: «لا بد لي من أغمر نفسي برغوة هائلة. إن هذا سيعمل على إنقاص وزني واختفاء إعاقتي يا بوب. سأتغلب عليك غدًا في مباراة الجولف وسأُدْخِل الكرة في الحفرة بضربة واحدة.» لا يمكنك تصورُ شيءٍ إنجليزيٍّ أكثر من هذا.

دخلوا جميعًا داخل المنزل، وتركوني وأنا أشعر بأني أحمقُ كبير. لقد أضعتُ وقتي في المكان الخطأ. ربما كان هؤلاء الرجال يمثِّلون، لكن إن كانوا كذلك، فأين الجمهور الذي يُشاهدهم؟ لم يكونوا يعلمون بجلوسي على بُعد ثلاثين ياردة بين أشجار الورد. ببساطة كان من المستحيل تصديقُ أن هؤلاء الرجال المليئين بالحماسة كانوا أيَّ شيء بخلاف ما كانوا يبدون عليه؛ ثلاثة رجال إنجليز عاديون من سكان الضواحي محبون لممارسة الرياضة، مملون قليلًا، لكنهم أبرياء على نحوٍ مقيت.

ومع ذلك كانوا ثلاثةَ أشخاص؛ أحدُهم رجل كبير السن، وأحدهم بدين الجسم، والآخر نحيل وداكن البشرة، وكان منزلهم متوافقًا مع ملاحظات سكادر، وعلى بُعد نصف ميل منه كان يقف يختٌ بخاري عليه ضابط ألماني واحد على الأقل. فكرتُ في كاروليدس مستلقيًا ميتًا وجميع أنحاء أوروبا ترتجف وعلى شفير التعرض لهزة ستزلزلها، والرجال الذين تركتهم ورائي في لندن الذين ينتظرون بلهفة الأحداث التي ستشهدها الساعات القادمة. لا شك في أن جحيمًا كان يستعرُ في مكان ما الآن. لقد انتصرتْ جماعة بلاك ستون، وإذا قُدِّر لها البقاءُ إلى ما بعد هذه الليلة في شهر يونيو فستحصد ثمارَ انتصاراتها.

لم أجد أمامي إلا خيارًا واحدًا وهو أن أمضيَ قُدُمًا كما لو أنه لم تكن تُساورني أيُّ شكوك، وإذا كنتُ سأتصرف بحماقة فعليَّ فعلُ هذا بالطريقة المثلى. لم أواجهْ في حياتي قط عملًا كريهًا أكثر من هذا. فكَّرتُ آنذاك أنه أهونُ عليَّ الدخول إلى وكر من أوكار أنصار الفوضى، الذين يحمل كلُّ واحد منهم سلاحَه، أو مواجهة أسد فتَّاك بمسدس صوت، على دخول هذا المنزل السعيد لهؤلاء الرجال الإنجليز الثلاثة وإخبارهم بأن حيلتهم قد انكشفت. كم كانوا سيسخرون مني!

إلا أنني فجأةً تذكَّرتُ شيئًا سمعتُه ذات مرة في روديسيا من العجوز بيتر بينار. وقد استشهدتُ بأقوال هذا الرجل من قبلُ في هذه القصة. لقد كان أفضلَ مستكشف عرفتُه على الإطلاق، وقبل أن يُصبح شخصًا ملتزمًا، كثيرًا ما كان مخالفًا للقانون ومطلوبًا من السلطات. ناقش معي بيتر ذات مرة مسألةَ التنكُّر؛ فقد كانت لديه نظريةٌ خطرتْ على ذهني في هذا الوقت. قال لي إنه باستثناء الحقائق الدامغة مثل بصمات الأصابع؛ فإن السمات الجسدية قلما تُستخدم في تحديد الهوية إذا كان الهارب من العدالة متقِنًا لعمله. لقد كان يسخر من أشياء مثل صبغ الشعر ووضع لحية زائفة ومثل هذه الحماقات الصِّبيانية. فالشيء الوحيد الذي كان يراه بيتر مهمًّا هو ما أطلق عليه «الجو العام».

فإذا استطاع رجلٌ التواجد في محيط مختلف كليًّا عما كان فيه حين رُصد لأول مرة، والأهم من ذلك التكيُّف مع هذا المحيط والتصرف كما لو أنه اعتاد التواجد فيه طوال حياته، فإنه سيتمكن من إرباك أذكى المحققين على وجه الأرض. واعتاد أن يقصَّ عليَّ كيف أنه استعار مِعطفًا أسودَ ذات مرة وذهب إلى الكنيسة وتشارك نفس كتاب التراتيل مع الرجل الذي كان يبحث عنه. فلو أن هذا الرجل قد رآه في صحبة أشخاص محترمين من قبل لكان تعرَّف عليه، لكنه لم يره قط إلا وهو يُروِّع الناس في الحانات بالمسدسات. حين تذكرتُ حديث بيتر هذا شعرتُ براحة حقيقية لأول مرة طوال هذا اليوم؛ فقد كان بيتر رجلًا مسنًّا حكيمًا، وهؤلاء الرجال الذين أُطاردهم كانوا الأفضلَ في مجالهم. ماذا لو أنهم كانوا يُطبِّقون حيلة بيتر؟ فالأحمق هو من يسعى لتغيير شكله، أما الرجل الذكي فيكون مختلفًا لكن دون تغيير شكله.

مرةً أخرى، كانت حكمة بيتر الأخرى هي التي ساعدتني حين كنتُ ألعب دور عامل إصلاح الطريق؛ «إذا كنتَ تؤدي دورًا، فإنك لن تُتقنَه إلا إن أقنعتَ نفسك بتقمُّصِه». وهذا من شأنه أن يُفسِّرَ مباراة التنس. هؤلاء الرجال لم يكونوا بحاجة إلى التمثيل؛ فكلُّ ما فعلوه هو أنهم أدخلوا أنفسهم في حياة أخرى، تصرَّفوا فيها بطبيعية كأنها حياتُهم الحقيقية. بدتْ هذه فكرة مبتذلة، لكن بيتر اعتاد القولَ إن هذا هو أكبر سرٍّ لجميع المجرمين المشهورين.

كانت الساعة في هذا الوقت تقترب من الثامنة، وكنتُ قد عُدتُ والتقيتُ بسكيف لأعطيَه تعليماتي. رتبتُ معه الطريقة التي سينشر بها رجاله، ثم ذهبتُ للتمشية؛ إذ لم أشعر برغبة في تناول العشاء. سرتُ حول ملعب الجولف الفارغ، ثم إلى موضع على الجروف الساحلية أبعد إلى الشمال خلف صفِّ الفيلات.

التقيتُ في الطرق المصنوعة حديثًا ذات الحالة الجيدة أناسًا يرتدون ملابسَ قطنية عائدين من لعب التنس ومن الشاطئ، وشخصًا من خفر السواحل من المحطة اللاسلكية، وحمير ومهرجين عائدين إلى منازلهم. وفي البحر رأيتُ في ضوء الغسق الأزرق أنوارًا على يخت «أريادني» وعلى المدمرة الراسية بعيدًا جهة الجنوب، وخلف شاطئ كوك الرملي رأيتُ أنوارًا أكبر لباخرة تشقُّ طريقها نحو نهر التيمز. كان المشهد بأكمله مسالمًا وعاديًّا مما جعلني أزداد حزنًا في كل ثانية. عقدتُ كلَّ العزم على الذهاب نحو «ترافلجار لودج» في نحو التاسعة والنصف.

في طريقي شعرتُ بشيء من الراحة حين رأيتُ كلبًا من كلاب الصيد يمشي في أعقاب مربِّية أطفال. ذكَّرني هذا الكلبُ بكلبٍ كنتُ أمتلكه في روديسيا، وتذكرتُ حين خرجتُ به للصيد في بالي هيلز. كنا نُلاحق ظبْي ريبك من النوع الكستنائي الفاتح، وتذكرتُ كيف تبِعتُ أنا وهو حيوانًا واحدًا وهرب منا نحن الاثنين تمامًا؛ فكلابُ الصيد تعتمد على حاسة الإبصار، ونظري لا بأس به، لكن هذا الظبي اختفى ببساطة من المشهد تمامًا. اكتشفتُ فيما بعدُ كيف استطاع فعل هذا؛ فأمام التشكيلات الصخرية الرمادية الحديثة التكوين توارى عن الأنظار تمامًا كأنه غرابٌ أمام سحابة رعدية. لم يكن الظبْي بحاجة إلى الركض بعيدًا؛ فكل ما كان عليه فعْله هو أن يقف ساكنًا فيختفي شكله في الخلفية المحيطة.

فجأةً، بينما كانت هذه الذكريات تتلاحق في ذهني، فكرتُ في القضية التي أنا بصددها وطبَّقتُ المغزى من هذه الذكريات؛ فلم تكن جماعة بلاك ستون بحاجة إلى الهرب؛ فقد توارَوا عن الأنظار في المشهد المحيط بهم. لقد كنتُ أسير على الدرب الصحيح، وضعتُ هذا في ذهني وتعهدتُ بألا أنساه قط. الجملة الأخيرة كانت لبيتر بينار.

كان يُفترض برجال سكيف أن يكونوا في أماكنهم الآن، لكني لم أرَ أثرًا لأي شخص. كان المنزل في مكان واضح كأنه سوقٌ يمكن لأي شخص أن يلاحظ وجوده. لم يكن يفصله عن طريق الجرف إلا سياجٌ بارتفاع ثلاث أقدام، وكانت النوافذ في الطابق الأرضي جميعها مفتوحة، وأظهرت الأضواء الخافتة والأصوات الخفيضة المكان الذي كان قاطنوه ينتهون فيه من تناول وجبة العشاء. كان كلُّ شيء علنيًّا وواضحًا كأنه سوق خيري. فتحتُ البوابة الخارجية للمنزل، وأنا أشعر بأني أكبرُ مغفل في العالم، ورننتُ الجرس.

يتأقلم رجل على شاكلتي، جاب العالمَ وذهب إلى أماكنَ وعرة، بطريقة جيدة للغاية مع طبقتَين من البشر، ما نُطلق عليه الطبقات العليا والطبقات الدنيا. إنه يفهمهم جيدًا وهم يفهمونه أيضًا. لقد ألِفتُ التعامل مع رعاة الأغنام والمتسولين وعمال إصلاح الطرق، وتعاملتُ بأريحية كافية مع أناس من أمثال السير والتر والرجال الذين كنتُ قد التقيتُ بهم الليلة قبل الماضية. لا يمكنني تفسيرُ السبب في هذا، لكن هذه هي الحقيقة. إلا أن أناسًا مثلي لا يستطيعون فهمَ عالم الطبقة الوسطى الرغد والقانع، أولئك الأشخاص الذين يعيشون في الفيلات والضواحي؛ فأنا لا أُدرك طريقة نظرتهم للأشياء، ولا أفهم قناعاتهم، وأخشاهم مثلما أخشى أفعى المامبا السوداء. حين فتحَتْ لي خادمة الردهة الأنيقة البابَ كان صوتي متحشرجًا.

سألتُ عن السيد أبلتون، فأدخلتْني. كانت خُطَّتي أن أسير مباشرةً إلى غرفة الطعام، وبظهوري المفاجئ أمامهم سيجفل الرجال من مرآي حين يتعرفون عليَّ وهو الأمر الذي سيؤكد نظريتي. إلا أنني حين وجدتُ نفسي داخل تلك الردهة الرائعة أسرني جمالُ المكان. رأيتُ مضارب الجولف ومضارب التنس، والقبعات والقلنسوات المصنوعة من القش، وصفوف القفازات، وحزمة من عِصِي المشي، التي قد تجدُها جميعًا في آلاف البيوت البريطانية. غطتْ كومةٌ من المعاطف والملابس المضادة للماء والمطوية بعناية بالغة الجزءَ العلوي من صندوق قديم مصنوع من خشب البلوط، كما رأيتُ ساعة خشبية قديمة ذات بندول تدقُّ، وبعض أجهزة تدفئة الفراش النحاسية المصقولة معلقةً على الحائط، وجهاز بارومتر، وصورًا مطبوعة لتشيلترن وهو يفوز بسباق سانت ليجير. كان المكان تقليديًّا ككنيسة أَنْجليكانيَّة. وحين سألتْني الخادمة عن اسمي قلتُه لها تلقائيًّا، فأدخلتْني إلى غرفة التدخين على الجانب الأيمن من الردهة.

أما تلك الغرفة فكانت أسوأ. لم يكن لديَّ وقتٌ لفحصها، لكني استطعتُ أن أرى فوق رفِّ المدفأة بعضَ الصور الفوتوغرافية المؤطرة لمجموعات من الأشخاص، وكدتُ أُقسم بأنها كانت صورًا من مدرسة عامة أو كلية إنجليزية. لم يسعْني إلا إلقاءُ نظرة واحدة خاطفة؛ إذ استطعتُ أن أستجمعَ شتات نفسي وأتبعَ الخادمة. إلا إنني كنتُ قد تأخرتُ كثيرًا. كانت قد دخلت بالفعل إلى غرفة الطعام وأعطتِ اسمي لسيدها، وفقدتُ فرصة رؤية ردَّة فعل الرجال الثلاثة لدى سماعه.

حين دخلتُ إلى الغرفة كان الرجلُ العجوز على رأس المائدة قد وقف في مكانه واستدار لملاقاتي. كان يرتدي ملابس سهرة، من معطف قصير وربطة عنق سوداء، وكذلك كان حال الرجل الآخر، الذي أطلقتُ عليه في ذهني اسمَ الرجل البدين. أما الثالث، وهو الرجل الداكن البشرة، فكان يرتدي بِذْلة صوفية زرقاء اللون وياقة بيضاء ناعمة، وشارة أحد الأندية أو المدارس.

كان أسلوب الرجل الكبير السن رائعًا، قال بتردد: «سيد هاناي؟ هل أردتَ مقابلتي؟ أستميحكما عذرًا يا رفاق، لحظة واحدة وسأعود لأنضمَّ إليكما. من الأفضل أن نذهب إلى غرفة التدخين.»

على الرغم من أنه لم يكن لديَّ ذرةُ ثقة؛ فقد أجبرتُ نفسي على تأدية الدور. سحبتُ مقعدًا وجلستُ عليه.

قلتُ: «أعتقد أننا التقينا من قبل، وأظن أنك تعلمُ ما جئتُ لأجله.»

كان ضوء الغرفة خافتًا، ولكني بقدرٍ ما تسنَّى لي رؤية وجوههم، لعبوا دور الحيرة على أكمل وجه.

قال الرجل العجوز: «ربما هذا، ربما؛ فأنا لا أملك ذاكرة قوية، لكني يؤسفني أن أقول إنه سيتعيَّن عليك أن تُخبرنا ببغيتك يا سيدي، فأنا لا أعلم شيئًا عنها حقًّا.»

قلتُ، وقد بدا لي طوال الوقت أني أتحدثُ بكلام أحمقَ تمامًا: «حسنًا إذن. لقد جئتُ لأخبرَكم بأن اللعبة انتهت؛ فأنا معي إذنٌ بإلقاء القبض عليكم أنتم الثلاثة.»

قال الرجل العجوز، وقد بدتْ عليه صدمةٌ حقيقية: «القبض، إلقاء القبض علينا؟ يا إلهي الرحيم! لماذا؟»

«بتهمة قتل فرانكلين سكادر في لندن في الثالث والعشرين من الشهر الماضي.»

قال الرجل العجوز بصوت يغلب عليه الذهولُ: «لم أسمع بهذا الاسم من قبل مطلقًا.»

تحدَّث أحدُ الرجلين الآخرين، فقال: «إنها قضية قتل بورتلاند بليس. لقد قرأتُ عنها، يا إلهي، لا بد أنك مجنون يا سيدي! من أي جهة أنت؟»

قلت له: «من سكوتلاند يارد.»

بعد ذلك ساد الصمتُ لبرهة من الوقت. كان الرجل العجوز يُحدِّق في طبقِه ويحاول الإمساكَ بثمرة جوز؛ وهو الشكل النموذجي للحيرة البريئة.

بعد هذا تحدَّث الرجل البدين بصوت مرتفع، وتلعثم بعضَ الشيء كأنه يحاول انتقاءَ كلماته.

قال: «لا تضطربْ يا عمي. إن هذا كلَّه خطأٌ سخيف، لكن هذه الأشياء تحدث أحيانًا، ويمكننا بسهولة تصحيحُ الأمر؛ فلن يصعب علينا إثباتُ براءتنا، يمكنني إثباتُ أنني كنتُ خارج البلاد في يوم الثالث والعشرين من مايو، كما أن بوب كان في دارٍ لرعاية المسنين. أما أنت فقد كنتَ في لندن، لكن بإمكانك تفسيرُ ما كنت تفعله هناك.»

«صحيح يا بيرسي! بالطبع هذا سهل للغاية. يوم الثالث والعشرين! لقد كان ذلك هو اليوم التالي لزفاف أجاثا. دعني أتذكَّر. ماذا كنتُ أفعل؟ لقد أتيتُ في الصباح من ووكينج وتناولتُ الغداء في النادي مع تشارلي سايمونز. ثم، أجل، لقد تناولتُ العشاء في مطعم «ذا فيشمونجرز». أتذكَّرُ هذا؛ لأن المشروب الذي تناولتُه فيه لم يناسبْني، وشعرتُ في صباح اليوم التالي بصداع شديد جرَّاء شرب الخمر. وفوق كل هذا، هذا هو صندوق السيجار الذي أحضرتُه معي من العشاء.» وأشار إلى غرض على الطاولة وضحك بعصبية.

قال الشابُّ موجهًا الكلام إليَّ باحترام: «أعتقدُ يا سيدي أنك ستُدرك أنك مخطئ. نحن نريد مساعدة القانون مثل جميع مواطني إنجلترا، ولا نريد أن تبدوَ سكوتلاند يارد بمظهر أحمق، أليس كذلك يا عمي؟»

ردَّ الرجل العجوز الذي بدا أنه قد استعاد صوتَه: «بالطبع يا بوب. بالطبع، سنبذل كلَّ ما في وسعنا لمساعدة السلطات. لكن … لكن هذا كثير للغاية. ولا يمكنني التغاضي عنه.»

قال الرجل البدين: «كم ستضحك نيلي. لطالما قالت إنك ستموت من الملل؛ لأن لا شيءَ يحدث في حياتك. والآن ما حدث لك يفوق كلَّ وصف.» ثم بدأ يضحك بكل سعادة.

«يا إلهي، أجل، تخيَّلْ ذلك! يا لها من قصة نحكيها في النادي. حقًّا يا سيد هاناي، أفترضُ أنه يجدر بي الشعور بالغضب حتى أُظهرَ براءتي، لكنَّ الأمر مضحكٌ للغاية! حتى إنني أكاد أغفر لك ما أشعرتَني به من خوف! لقد كنتَ تبدو متجهمًا للغاية، لدرجة أنني ظننتُ أني ربما كنتُ أمشي في نومي وأقتل الناس.»

لا يمكن لهذا أن يكون تمثيلًا؛ فقد كان حقيقيًّا على نحوٍ محيِّر. شعرتُ بحرج شديد، وأولُ ما تبادر لي فعله أن أعتذر وأنسحب. إلا أنني قلتُ في نفسي لا بد لي من إنهاء ما بدأتُه، حتى ولو أصبحتُ مدعاةً لسخرية بريطانيا بأكملها. لم يكن الضوءُ القادم من الشموع على طاولة الطعام ساطعًا بما يكفي، وللتغطية على ارتباكي نهضتُ من مكاني، وسرتُ إلى الباب وأضأتُ المصباح الكهربائي. جعلهم الضوءُ الساطع المفاجئ يَطرِفون بأعينهم، ووقفتُ أتفحَّص الوجوه الثلاثة.

حسنًا، لم يُفِدْني هذا في شيء؛ فأحدهم كان عجوزًا أصلعَ، والآخر كان بدينًا، والثالث كان داكنَ البشرة ونحيلًا. لم أجد شيئًا في مظهرهم ينفي كونهم الثلاثة الذين طاردوني في اسكتلندا، لكني لم أجد شيئًا أيضًا يؤكِّد هذا. لم أستطع ببساطة تفسيرَ السبب في عدم عثوري على ما يُشعرني بالراحة، وأنا الذي حدَّقتُ في عينَي رجلين وأنا عامل إصلاح الطريق، وحدَّقتُ في عينَي رجل آخر وأنا نيل إينسلي، بخلاف تمتُّعي بذاكرة قوية وقدرات معقولة على الملاحظة. لقد كانوا يَبدون تمامًا كما يدَّعون، ولا يمكنني التيقنُ من هوية أيٍّ منهم.

وهناك في غرفة الطعام الرائعة هذه، حيث لوحات من حفر الكليشيهات معلقة على الجدران، وصورة لسيدة عجوز ترتدي مريولًا معلقة فوق رفِّ المدفأة، لم أرَ أيَّ شيء يربط هؤلاء بأشرار الأرض السَّبَخة. رأيت صندوق سجائرَ فضيًّا بجواري، ورأيتُ أنه قد فاز به حضرة المحترم برسيفال أبلتون، من نادي سانت بيدا، في دورة للجولف. كان لزامًا عليَّ التمسكُ بشدة بكلمات بيتر بينار حتى أمنعَ نفسي من الانسحاب مسرعًا إلى خارج هذا المنزل.

قال الرجل العجوز بأسلوب مهذَّب: «حسنًا، هل اطمأننتَ بفحصك، يا سيدي؟»

حِرْتُ جوابًا.

«أتمنى أن تُدركَ أنه مما يتفق مع واجبك أن تتخلَّى عن هذا الأمر السخيف. أنا لن أُقدِّم أي شكوى، لكنك سترى كم هو مزعج للأشخاص المحترمين.»

هززتُ رأسي.

قال الرجل الشابُّ: «يا إلهي، إن هذا أكثرُ مما ينبغي!»

سأل الرجل البدين: «هل تقترح أن تذهبَ بنا إلى مخفر الشرطة؟ ربما يكون ذلك هو أفضلَ مخرج من هذا الموقف، لكني لا أعتقدُ أنك سترضى بالشرطة المحلية. من حقِّي أن أطلب منك رؤية الإذن الذي تحمله، لكني لا أريد التشكيك في نزاهتك؛ فأنت فقط تؤدي واجبك. لكنك لا بد أن تعترف بأن الأمر محرجٌ للغاية. ما الذي تقترح فعله؟»

لم يكن أمامي سوى استدعاء رجالي وإلقاء القبض عليهم، أو الاعتراف بخطئي والخروج من المكان. شعرتُ بذهول من المكان بأكمله؛ بجوِّ البراءة الواضح، ليستْ براءةً فحسب، بل ارتباكٌ صادق صريح وقلق ظاهر على وجوه الرجال الثلاثة.

تأوهتُ في داخلي وقلتُ: «آه يا بيتر بينار!» وللحظة كدتُ أن ألعن ما بي من غباء بالغ وأطلب منهم مسامحتي.

قال الرجل البدين: «في الوقت الحالي أقترحُ أن نلعب مباراة بريدج؛ فهذا سيُعطي السيد هاناي وقتًا لمراجعة نفسه، وأنتم تعلمون أننا كنَّا في انتظار لاعب رابع. هل تُجيد هذه اللعبة يا سيدي؟»

قبلتُ الدعوة كما لو كانت دعوةً عادية في أحد النوادي. لقد سيطر الأمرُ بأكمله على تفكيري. دخلنا إلى غرفة التدخين حيث وجدتُ طاولة اللعب مُعدَّة، وقُدِّم لي ما أدخِّنه وما أشربه. أخذتُ مكاني على الطاولة فيما يُشبه الحلم. كانت النافذة مفتوحة وضوء القمر كان يغمر الجروف الساحلية والبحر بمدِّه المرتفع بضوء أصفر. أما رأسي فكان يعجُّ بالأفكار الحمقاء. استعاد الرجالُ الثلاثة هدوءَهم، وأخذوا يتحدثون بأريحية بالكلام العامي الذي يمكنُك أن تسمعه في أي نادٍ للجولف. لا بد أني بدوتُ غريبَ الشكل وأنا جالس هناك معقود الحاجبَين وعيناي تجولان في المكان.

كان رفيقي في اللعب هو الشابَّ الداكنَ البشرة. أنا أُجيد لعبة البريدج، لكن لا بد أنني كنتُ سيئًا في تلك الليلة. لاحظوا أنهم تسببوا لي في الشعور بالحيرة، وأشعرهم ذلك براحة بالغة. ظللتُ أنظر إلى وجوههم، لكنها لم تُظهر شيئًا لي. لم يكن الأمر أنهم بَدَوا مختلفين؛ فقد كانوا مختلفين بالفعل. ظللتُ متمسكًا بيأسٍ بكلمات بيتر بينار.

ثم حدث شيءٌ ما جعلني أنتبهُ.

وضع الرجل العجوز أوراقَه على الطاولة ليُشعل سيجارًا. لم يلتقط السيجار في التوِّ، بل أسند ظهرَه للخلف في مقعده للحظة، وأخذ ينقرُ بأصابعه على ركبتَيه.

لقد كانت هي نفسها الحركة التي تذكرتُها حين وقفتُ أمامه في مزرعة الأرض السَّبَخة، والخادمان يوجِّهان مسدسَيهما إلى رأسي من الخلف.

أمر بسيط لم يستمرَّ إلا لثانية واحدة، وكانت ثمة احتمالات ألف لواحد أن أكون في هذه اللحظة مركِّزًا في أوراقي وأغفل ملاحظتَه. لكن هذا لم يحدث، وعلى الفور اتضح كلُّ شيء أمامي. لقد انزاحت غمامةٌ من ذهني، وأصبحتُ الآن أنظر إلى الرجال الثلاثة وأنا متيقن تمامًا هويتَهم الحقيقية.

دقَّت الساعة الموضوعة على رف المدفأة معلنةً العاشرة.

بدا وكأن الوجوه الثلاثة تتغير أمام عينيَّ، وتكشف لي عن أسرارها؛ فالرجل الشاب كان هو القاتل. ورأيتُ فيه الآن وحشية وقسوة، بينما لم أرَ في السابق سوى روح دعابة. تأكدت أن سكِّينَه هو الذي أسقط سكادر صريعًا على الأرض. ولا بد أن شخصًا على شاكلته هو مَن أطلق الرصاص على كاروليدس.

أما ملامح الرجل البدين فقد بدت وكأنها تنطمس وتتشكَّل من جديد، وأنا أنظر إليها. لم يكن لديه وجهٌ، بل مئات الأقنعة، التي كان يستطيع أن يضع منها ما شاء. لا بد أن هذا الرجل كان ممثلًا بارعًا. ربما كان هو مَن انتحل شخصية اللورد ألوا الليلةَ السابقة، وربما لا، فلم يَعُد هذا مهمًّا. تساءلتُ عما إذا كان هو أولَ من تعقَّب سكادر، وترك له بطاقته. لقد قال سكادر إنه كان يتلعثم في الكلام، ويمكنني تخيلُ ما يمكن أن يُضيفَه تمثيلُ هذا التلعثم من رعب.

إلا أن هذا الرجل المسن كان أفضلَ مَن في المجموعة. لقد كان عقلًا خالصًا، إنسانًا متبلد المشاعر متحجر القلب وماكرًا، يُشبه في قسوته مطرقةً تعمل بالبخار. والآن بعدما زالت الغشاوة عن عيني تساءلتُ أين رأيتُ الخير فيه. كان فكُّه كالصلب البارد، وعيناه فيهما ذلك اللمعان اللاإنساني الذي تراه في أعين الطيور الجارحة. واصلتُ اللعب، وفي كل ثانية كان المزيدُ من الكراهية يتسلَّل إلى قلبي، حتى كدتُ أختنق، لدرجة أني لم أستطِع أن أُجيبَ رفيقي في اللعب حين خاطبني. لم يكن بمقدوري تحمُّلُ صحبتهم أكثر من هذا.

قال الرجل العجوز: «أوف! يا بوب! انظر إلى الساعة. من الأفضل أن تفكر في اللحاق بقطارك.» ثم استدار إليَّ وقال مضيفًا: «لا بد لبوب من الذهاب إلى البلدة الليلة.» بدتْ نبرةُ صوته الآن زائفةً لأقصى حدٍّ. نظرتُ إلى الساعة، وكانت تقترب من العاشرة والنصف.

قلت: «يؤسفني القولُ إن عليه إلغاءَ رحلته.»

قال الشاب: «آه، اللعنة، لقد ظننتُ أنك قد تخلَّيتَ عن هذا الهُراء. ببساطة لا بد لي من المغادرة. يمكنني أن أترك لك عنواني، وسأعطيك أي ضمانة تطلبها.»

قلت: «كلَّا، يجب أن تبقى.»

أعتقدُ أنهم في تلك اللحظة أدركوا أنه لا طائلَ من مواصلة الخدعة؛ ففرصتهم الوحيدة كانت في إقناعي بأني أتصرفُ بحماقة، وقد فشلوا في هذا. إلا أن الرجل العجوز عاد مرةً أخرى للكلام.

«أنا سأكفل ابن أخي. ينبغي أن يُرضيَك ذلك، يا سيد هاناي.» أكان هذا محضَ خيال، أم أني لاحظتُ بالفعل قدرًا من التعثر في سلاسة ذلك الصوت؟

لا بد أن الأمر كان كذلك، لأنني حين نظرتُ إليه، كان جفناه قد ارتخيَا كغمامة الصقر بالطريقة التي طبعها الخوفُ في ذاكرتي.

هنا أطلقتُ صافرتي.

وفي لحظةٍ انطفأتِ الأضواء. والتفَّت ذراعان قويتان حول خصري، تُغطِّيان الجيوب التي يُتوقع للمرء أن يحمل مسدسًا فيها.

صاح صوتٌ بلغة ألمانية: «بسرعة يا فرانز، الحذاء الطويل الرقبة، الحذاء الطويل الرقبة!» وبينما كان يتكلم رأيتُ اثنين من رفاقي يظهران على المرج المضاء بضوء القمر. قفز الشاب ذو البشرة الداكنة نحو النافذة، ومرَّ عبرها، وعبر السياج القصير قبل أن تستطيعَ أيُّ يد الإمساكَ به. أما أنا فقد أحكمتُ قبضتي على الرجل المسن، وبدتِ الغرفة ممتلئةً بالأشخاص. رأيتُ الرجل البدين ممسوكًا من رقبته، لكنَّ عينيَّ كانتا تبحثان في الخارج حيث أسرع فرانز متخطيًا الطريق نحو المدخل المسور المؤدي إلى درجات السُّلم المؤدية إلى الشاطئ. تبعه أحدُ الرجال، لكن لم تكن لديه فرصةٌ للحاق به؛ فقد أوصد المجرمُ الهارب بوابةَ السلالم خلفه، ووقفتُ أنا أحدِّق فيهما، وأنا أُطبق بيدي على رقبة الرجل المسن، طوال الفترة التي يمكن أن يستغرقها المرءُ في النزول على تلك الدرجات حتى يصل إلى البحر.

فجأةً أفلت أسيري من قبضتي واندفع نحو الجدار. صدر صوتُ طقطقة كما لو أن رافعة قد جُذبت. صدر بعد هذا صوتُ دويٍّ منخفض من بعيد، من مكان ما تحت الأرض، ورأيتُ عبر النافذة سحابة من غبار أبيض تندفع إلى الخارج من حول درجات السُّلم.

أضاء شخصٌ ما الضوء.

فرأيتُ الرجل العجوز وهو ينظر إليَّ بعينَين متأججتَين.

صاح قائلًا: «إنه بأمان. لا يمكنك اللحاقُ به في الوقت المناسب … لقد ذهب … منتصرًا.» وأضاف، بالألمانية: «لقد حققتْ جماعةُ بلاك ستون نصرًا عظيمًا.»

رأيتُ في هاتين العينين أكثر من مجرد شعور بانتصار عادي. لقد كانتَا في السابق مغطَّاتَين مثل عينَي طائر جارح، لكنهما الآن تلمعان بكبرياء الصقور. لقد اشتعلتْ فيهما حرارةٌ بيضاء متعصبة وأدركتُ لأول مرة الأمرَ المفزِع الذي كنتُ أتصدَّى له. لقد كان هذا الرجل أكثرَ من مجرد جاسوس؛ لقد كان هذا الرجل بطريقته البغيضة تلك وطنيًّا.

وبينما كانت الأغلال تُوضع حول معصمَيه قلتُ له آخر كلماتي.

«أتمنى أن يستمتع فرانز بانتصاره جيدًا. يتعين عليَّ أن أُخبرَك أن يخت «أريادني» وقع تحت سيطرتنا منذ ساعة.»

بعد ثلاثة أسابيع، كما يعلم العالم أجمع، اندلعت الحربُ. انضممتُ إلى جيش كيتشنر الجديد في الأسبوع الأول من الحرب، وبسبب خبرتي في حرب ماتابيلي حصلتُ على رُتبة كابتن على الفور. إلا أنني أعتقدُ أنني كنتُ قد قدَّمتُ أكبرَ خدماتي لبلادي قبل أن أرتديَ الزيَّ العسكري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠