الفصل السادس

مغامرة عالم الآثار الأصلع

أمضيتُ الليل على مجموعة من الصخور على منحدر التل، يحجبُ عني الرياحَ جلمودٌ نمَا عليه نباتُ الخلنج طويلًا وناعمًا. كان الجوُّ باردًا؛ إذ لم يكن معي معطفٌ ولا صدرية؛ فقد تركتُهما مع تيرنبول، كما تركتُ في حوزته مفكرة سكادر وساعتي، والأسوأ من هذا كلِّه، غليوني وكيس التبغ. لم يكن معي إلا مالي الذي أخذتُه معي في حزامي، ونحو نصف رطل من بسكويت الزنجبيل في جيب سروالي.

التهمتُ نصفَ هذا البسكويت، وتقوقعتُ على نفسي بشدة بين نباتات الخلنج مما أعطاني نوعًا من الدفء. كانت معنوياتي قد ارتفعت، وبدأتُ أستمتع بلعبة الغميضة المجنونة هذه. حتى الآن كان يُحالفني حظٌّ عجيب؛ فبائع الحليب، وصاحب النُّزل المثقف، والسير هاري، وعامل إصلاح الطرق، ومارمي المغفل، كانوا جميعًا عناصرَ في حظي السعيد الذي ما كنتُ أستحقه. لقد أعطاني نجاحي الأول إلى حدٍّ ما شعورًا بأني سأنجو من هذا الأمر.

كانت مشكلتي الأساسية الآن هي أنني كنت أشعرُ بجوع شديد. حين يُطلق يهوديٌّ النارَ على نفسه في لندن ويُجرَى تحقيقٌ، عادةً ما تورِد الصحف أن المتوفى كان «يتمتع بتغذية سليمة». أذكر أني فكرتُ ذات مرة أنهم لا يمكن أن يُطلقوا عليَّ أبدًا هذا الوصف إذا دققتُ عنقي في حفرة من حفر المستنقع. استلقيتُ على الأرض وأنا أتعذب؛ إذ كان كل ما فعله بسكويت الزنجبيل هو أنه أكَّد ما كنتُ أشعر به من خواء مؤلم وأنا أتذكر كلَّ الطعام الرائع الذي لم أُقدِّر قيمته في لندن. تذكرتُ نقانق بادوك المقرمشة وشرائح لحم الخنزير المقدد الطيبة الرائحة التي كان يُعدُّها، وبيضه المسلوق بطريقة جميلة، الذي كثيرًا ما كنتُ أشمئز منه! تذكَّرتُ أيضًا شرائح اللحم التي كانوا يقدمونها في النادي، ولحمَ الخنزير الرائع الذي كان يُوضع على طاولة الأطعمة الباردة، الذي كانت روحي تهفو إليه. دارتْ أفكاري حول جميع الأنواع المختلفة من الأطعمة وأخيرًا استقرتْ على شريحةِ لحم بقر أحصلُ بعدها على ربع جالون من شرابٍ كحوليٍّ مرٍّ ومعه طبقٌ من الجبن المذاب على الخبز المحمص. وفي خضمِّ تَوْقي الشديد لهذه الأطعمة الشهية غلبني النومُ. استيقظتُ وأنا أشعرُ ببرد قارس وتيبُّسٍ في جسمي بعد ساعة تقريبًا من بزوغ الفجر. استغرقتُ بعضَ الوقت حتى تذكرتُ أين أنا؛ إذ كنتُ متعبًا للغاية ورحتُ في نوم عميق. رأيتُ أولًا السماء الزرقاء الباهتة اللون عبرَ شبكة من نبات الخلنج، ثم حافة التل، ثم حذائي الطويل الرقبة الذي وضعتُه بعناية داخل شجيرة توت بري. رفعتُ جسدي على ذراعيَّ ونظرتُ إلى الأسفل نحو الوادي، وجعلتْني هذه النظرة أشرعُ في ارتداء حذائي وربطه بسرعة جنونية؛ إذ كان ثمة رجال في الأسفل، لا يبعدون عني بأكثر من ربع ميل، وكانوا ينتشرون متباعدين على جانب التل، ويضربون نباتات الخلنج بعِصيِّهم مفتشين فيها. لم يتباطأْ مارمي في سعيه إلى الانتقام.

زحفتُ إلى خارج مجموعة الحجارة تحت غطاء جلمود، ومن هناك دخلتُ في خندق ضحل مائل إلى أعلى سطح الجبل. أدَّى هذا بي إلى أخدود ضيق لجدول مائي، صعِدتُ عن طريقه إلى قمة النتوء الجبلي. من هذا المكان نظرتُ إلى الخلف، ورأيتُ أنهم لم يكتشفوا مكاني بعدُ. كان مَن يطاردونني يتحركون بتؤدة على جانب التل ويتجهون نحو الأعلى.

تركتُ الأفقَ من خلفي وركضتُ ربما نصف ميل، حتى أدركتُ أني كنتُ فوق الطرف العلوي للوادي الصغير. بعدها أظهرتُ نفسي، ولاحظني على الفور أحدُ المرابطين في الحصار، الذي نقل الخبر للآخرين. سمعتُ صيحاتٍ قادمة من الأسفل، ورأيت أن خطَّ البحث قد غيَّر اتجاهه. تظاهرتُ بالتراجع عبر الأفق، لكني بدلًا من ذلك عدتُ في الطريق الذي جئت منه، وفي غضون عشرين دقيقة كنتُ خلف النتوء الجبلي المطلِّ على المكان الذي كنتُ نائمًا فيه. من موقع المراقبة هذا اكتفيتُ برؤية المطاردة وهي تندفع على نحوٍ يائس إلى أعلى التلِّ الموجود في قمة الوادي الصغير وراء توقُّعٍ مضلِّل. كان أمامي أكثرُ من طريق وكان عليَّ الاختيار، فاخترتُ نتوءًا جبليًّا كان يُكوِّن زاوية مع النتوء الذي أقفُ عليه، وبهذا سرعان ما سأجعل واديًا صغيرًا عميقًا يفصل بيني وبين أعدائي. بعث كلُّ هذا الجهدِ الدفءَ في أوصالي، وبدأتُ أستمتعُ بوقتي على نحوٍ مذهل. مع استمراري في طريقي أفطرتُ بقِطَع بسكويت الزنجبيل المتربة المتبقية.

كانت معرفتي بالريف قليلةً للغاية، ولم يكن لديَّ أدنى فكرة عما سأفعله. وضعتُ ثقتي في قوة ساقيَّ، لكني كنتُ مدركًا تمامًا بأن هؤلاء الذين يلاحقونني سيكونون على معرفة تامة بطبيعة الأرض، وأن جهلي بها سيمثِّل عائقًا كبيرًا لي. رأيتُ أمامي بحرًا من التلال، ترتفع عاليًا باتجاه الجنوب، ولكنها تتفرع جهة الشمال إلى نتوءات جبلية عريضة تفصل بين أودية واسعة ومسطحة. بدا أن النتوء الذي اخترتُه يهبط بعد نحو ميل أو اثنين إلى أرض سَبَخة تكمنُ مثل جيب بين المرتفعات. بدا هذا اتجاهًا جيدًا للسير فيه أكثر من أي اتجاه آخر.

كانت خدعتي قد منحتني تقدُّمًا مقبولًا بنحو عشرين دقيقة وكان عرض الوادي الصغير ورائي قبل أن أرى طلائعَ مَن يطاردونني. كان من الواضح أن الشرطة استدعتْ مواهبَ محلية لتُساعدَهم؛ فقد كان يبدو على الرجال الذين أستطيعُ رؤيتَهم مظهر رعاة الأغنام وحرَّاس الطرائد. صاحوا عند رؤيتي ولوَّحتُ لهم بيدي. هبط اثنان منهم في الوادي الصغير وبدآ يتسلقَان النتوء الجبلي الذي كنتُ موجودًا عليه، بينما واصل الآخرون السيرَ على جانبهم من التل. شعرتُ كما لو كنتُ أشارك في لعبة مطاردة مدرسية. إلا أنني ما لبثتُ أن بدأتُ في فقدان شعوري بأنها لعبة؛ فهؤلاء الذين يلاحقونني كانوا رجالًا أقوياءَ في موطنهم. حين نظرتُ خلفي رأيتُ أن ثمة ثلاثةً فقط يلاحقونني مباشرةً، وخمَّنتُ أن الآخرين اتخذوا طريقًا آخر ليقطعوا الطريق عليَّ؛ فمن الممكن إلى حدٍّ كبير أن تكون قلةُ معرفتي بالمنطقة المحلية سببًا في هلاكي؛ ولهذا قررتُ الخروج من هذه الأودية الصغيرة المتشابكة إلى جيب الأرض السَّبَخة التي كنتُ قد رأيتُها من القمة. يجب عليَّ زيادةُ المسافة بيني وبينهم حتى أستطيعَ التخلص منهم، واعتقدتُ أن بإمكاني فعلَ هذا إن استطعتُ أن أجد الأرض المناسبة لهذا الغرض. لو كان ثمة غطاءٌ من نوعٍ ما لكنت حاولتُ مراوغتَهم بعضَ الشيء، لكن على هذه المنحدرات المكشوفة كان بإمكانك رؤيةُ ذبابة على بُعد ميل. وضعتُ أملي في طول ساقيَّ ورجاحة عقلي، لكني كنتُ بحاجة إلى أرض أسهل في السير من أجل ذلك؛ إذ إنني لم أعتَدْ تسلُّقَ الجبال. كم كنتُ أتوقُ لمُهْرٍ أفريقيٍّ جيد!

تحركتُ بنشاط كبير وتركتُ النتوء الذي كنتُ أقف عليه وتوجهتُ إلى الأسفل نحو الأرضِ السَّبَخة قبل أن تظهرَ أجسادُ أيٍّ من المطارِدين في الأفق من ورائي. عبرتُ جدولًا مائيًّا وخرجتُ منه على طريقٍ رئيسيٍّ كان يُشكِّل ممرًّا بين واديَين صغيرَين. كلُّ ما كنتُ أراه أمامي كان عبارةً عن حقل كبير من الخلنج يصعد إلى الأعلى نحو قمة جبلية يُكلِّلُها غطاءٌ غريب من الأشجار. وجدتُ في الحاجز الصخري الموجود على جانب الطريق بوابةً، ومنها كان ممرٌّ مغطًّى بالأعشاب يؤدي إلى الجزء الأول من الأرض السَّبَخة.

قفزتُ من فوق الحاجز الصخري واتَّبَعته، وبعد بضع مئات من الياردات، بمجرد اختفاء الطريق السريع عن الأنظار، اختفى العشبُ وتحوَّل إلى طريق ممهد، من الواضح أنه حَظيَ ببعض العناية. من الواضح أن هذا الطريق كان يؤدي إلى أحد المنازل، وبدأتُ أفكِّر في أن أسلكَه إلى ذلك المنزل. حتى الآن كان الحظُّ قد خدمني كثيرًا، وربما كانت فرصتي المثلى تقبع في هذا المنزل النائي. على أي حال، كانت ثمة أشجارٌ هناك، وهذا يعني وجودَ ما أحتمي به.

لم أسلك الطريق، ولكني سرتُ بحذاء الجدول المائي الذي حدَّه من اليمين، حيث ازداد نباتُ السرخس عمقًا، وشكَّلتِ الضفافُ المرتفعة حاجزًا معقولًا. كان من الجيد أنني فعلتُ هذا؛ إذ ما لبثتُ أن دخلتُ في هذا التجويف حتى رأيتُ، حين نظرتُ إلى الخلف، المطاردين وهم يعتلون النتوءَ الجبلي الذي كنتُ قد نزلتُ منه.

بعد ذلك لم أنظر ورائي؛ إذ لم يكن عندي وقتٌ. لقد ركضتُ بحذاء الجدول، وزحفتُ فوق الأماكن المكشوفة، وخضتُ معظم الوقت في ماء الجدول الضحل. وجدتُ كوخًا مهجورًا به صفُّ أكوام شبحية من الخث وحديقة تُغطِّيها الأعشابُ البرية. بعدها وجدتُ نفسي بين قشٍّ حديث العهد، وسرعان ما وصلتُ إلى حافة مزرعة من نبات التنوب الذي يتطاير في الرياح. من هناك رأيتُ مداخنَ منزل يتصاعد منها الدخانُ على بُعد بضع مئات من الياردات على يساري. تركتُ جانبَ الجدول المائي، وعبرتُ حاجزًا آخرَ، وعلى الفور وجدتُ نفسي في مرجة وعرة. أخبرتني نظرةٌ خاطفة إلى الخلف أنني ابتعدتُ عن أنظار المطاردين الذين لم يعبروا بعدُ أولَ جزء من الأرض السَّبَخة.

كانت المرجةُ وعرةً للغاية، وقُطعت حشائشُها بمنجل بدلًا من جزازة العشب، وزُرعت فيها أحواضٌ من شجر الورد غير النامي. وقف زوجٌ من طائر الطهيوج، وهي طيور من غير المعتاد وجودها في الحدائق، منتصبًا عند اقترابي. كان المنزل الماثل أمامي عبارةً عن بيت مزرعة عادي، إلى جانب جناح أكثرَ فخامة مدهونٍ باللون الأبيض. أُلحق بهذا الجناح شُرفةٌ زجاجية، ورأيتُ عبر الزجاج وجهَ سيد عجوز يراقبني بوداعة. تخطيتُ الحدَّ المكوَّن من حصى التلِّ الخشن ودخلتُ عبر باب الشرفة المفتوح. وجدتُ في الداخل غرفةً رائعة يُغطِّي الزجاجُ أحدَ جانبَيها، وتُغطي كومةٌ من الكتب الجانبَ الآخر. رأيتُ المزيد من الكتب في غرفة داخلية. ووجدتُ على الأرض، بدلًا من الطاولات، وُضِعَتْ خزاناتٌ كتلك التي نراها في المتاحف، مُلئتْ بعملات معدنية وأدوات حجرية غريبة.

في المنتصف كان يوجد مكتبٌ بأدراج على الجانبين ويجلس إليه هذا الرجلُ العجوز الطيب، وأمامه بعضُ الأوراق والمجلدات المفتوحة. كان وجهُه مستديرًا ومشرقًا، مثل وجه السيد بيكويك، وكان يرتدي نظارةً كبيرة ترتكز على طرف أنفه، وكانت قمةُ رأسه لامعةً وصلعاء تمامًا مثل قارورة زجاجية. لم يتحرك قط حين دخلتُ إلى الغرفة، وإنما رفع حاجبَيه الهادئين وانتظر أن أتحدثَ.

لم تكن مهمةً سهلة، أن أُخبرَ شخصًا غريبًا تمامًا، في غضون خمس دقائق، عمن أكون وماذا أريد، وأن أحظَى بمساعدته. لم أحاول فعل هذا؛ فقد كان ثمة شيءٌ غريب في عينَي هذا الرجل الجالس أمامي، شيءٌ يوحي بالذكاء الشديد وعمق المعرفة، جعلني لا أستطيع أن أجد كلامًا لأقوله. فحدَّقتُ فيه وتمتمت فحسب.

قال ببطء: «تبدو في عجلة من أمرك يا صديقي!»

أشرتُ برأسي نحو النافذة؛ فقد كانت تطلُّ على الأرض السَّبَخة عبر فُتحة في المزرعة وتُظهر مجموعةً معينة من الأشخاص على بُعد نحو نصف ميل يشقُّون طريقهم بصعوبة بين الخلنج.

قال: «حسنًا، فهمتُ.» ووضع على عينيه منظارًا ميدانيًّا أخذ يتفحَّصُ عبره بصبر أولئك الأشخاص.

«هل أنت هارب من العدالة؟ حسنًا، سنخوض في تفاصيل هذا الأمرِ على مهلنا. في الوقت نفسه أكره أن يقتحمَ خصوصيتي رجلُ شرطة ريفي أخرق. ادخل غرفةَ مكتبي، وستجد أمامك بابَين. ادخل في الباب الذي إلى يسارك وأغلقه وراءك، وستكون في أمان تام.»

ثم أمسك هذا الرجل غير العادي بقلمه مرةً أخرى.

فعلتُ كما قيل لي، ووجدتُ نفسي في غرفة صغيرة مظلمة تفوح منها رائحةُ موادَّ كيميائية، ولا ضوءَ فيها إلا من نافذة متناهية الصغر أعلى أحد الجدران. كان الباب قد أُغْلِق من ورائي بصوت طقة كأنه بابُ خزينة. وهكذا عثرتُ مرةً أخرى على ملاذٍ غير متوقع.

مع ذلك لم أكن أشعرُ بالراحة. كان ثمة شيءٌ ما يُحيِّرُني بشأن هذا السيد العجوز وربما حتى يُشعرني بالرعب؛ فقد كان متساهلًا للغاية ومستعدًّا لملاقاتي، تقريبًا كما لو كان متوقعًا لمجيئي. كما أن عينَيه كانتا تشعَّان بذكاء مرعب.

لم يصل إلى مسامعي أيُّ صوت في ذلك المكان المظلم. بقدر ما كنتُ أعرف ربما كانت الشرطة تُفتِّشُ المنزل، وإن كانوا كذلك فسيريدون أن يعرفوا ما وراء هذا الباب. حاولتُ أن أتمالك أعصابي في صبر، وأن أتناسى الجوع الذي يعتصرني.

بعد هذا تبنيتُ وجهة نظر أكثر بهجة؛ فهذا السيد العجوز لا يمكن أن يحرمني من تناول وجبة طعام، وأخذتُ أتخيل إفطاري. كان سيسعدني تناولُ لحم الخنزير المقدد مع البيض، لكني أريد أفضل من هذا؛ أريد خاصرة من لحم الخنزير المقدد وخمسين بيضة. ثم، بينما كان لُعابي قد بدأ يسيل ترقبًا لهذه الوجبة، صدر صوتُ طقةِ مزلاجٍ وفُتح الباب.

خرجتُ إلى ضوء الشمس لأجد سيدَ المنزل جالسًا على مقعد وثير ذي مسندَين في الغرفة التي دعاها غرفةَ مكتبه، وأخذ يرمقني بعينَين يملؤهما الفضول.

سألتُه: «هل ذهبوا؟» قال: «لقد ذهبوا. أقنعتُهم بأنك قد عبرتَ التل؛ فأنا لا أحبُّ أن تحُولَ الشرطةُ بيني وبين شخص يُسعدني تكريمه. هذا الصباح يحمل لك الحظُّ السعيد يا سيد ريتشارد هاناي.»

بدا جفناه يرتجفان وهو يتحدث وكادا يسقطان على عينيه الرماديتين الحاذقتين. في لمح البصر تذكرتُ العبارة التي قالها سكادر حين وصف أكثرَ رجل يخشاه في العالم. كان قد قال عنه إن «جفنَيه يمكن أن يرتخيَا على عينيه كغمامة الصقر»، حينها رأيتُ أني قد دخلتُ مقرَّ العدو مباشرةً.

أول ما تبادر إلى ذهني هو أن أخنقَ هذا الشريرَ العجوز وأمضيَ إلى حال سبيلي. كان يبدو أنه توقَّع ما أنتويه؛ إذ ابتسم برفق، وأشار برأسه تجاه الباب خلفي.

استدرتُ فرأيتُ خادمَين كانَا يقفان خلفي وفي يدِ كلٍّ منهما مسدس.

كان يعرف اسمي، لكنه لم يكن قد رآني من قبل. مع تبادر هذه الفكرة على ذهني رأيتُ فرصةً ضئيلة للنجاة.

قلت له بحدَّة: «أنا لا أعرفُ ماذا تقصد. ومَن الذي تدعوه بريتشارد هاناي؟ اسمي إينسلي.» قال وهو ما يزال مبتسمًا: «وماذا في ذلك؟ لكن بالطبع لديك أسماءٌ أخرى. لن نتجادلَ بشأن اسمٍ.»

كنتُ أحاول تمالكَ نفسي الآن، وأدركتُ أن ملابسي لن تخذلني بأيِّ حال من الأحوال؛ فلم أكن أرتدي معطفًا ولا صدرية ولا ياقة. ارتسم على وجهي تعبيرٌ عابس، وهززتُ كتفيَّ.

«أعتقدُ أنك ستسلمني في النهاية، وأنا أُطلق على هذا خدعة دنيئة لعينة. يا إلهي! أتمنى لو لم أرَ هذه السيارة الملعونة، ها هو المال، وعليك اللعنة.» ورميتُ أربعةَ جنيهات ذهبية على الطاولة.

فتح الرجل عينيه قليلًا، وقال: «كلَّا، أنا لن أسلمَك؛ فأنا وأصدقائي سنسوِّي الأمور بأسلوب خاص معك، هذا كل ما في الأمر؛ فأنت تعرف أكثر مما ينبغي يا سيد هاناي. أنت ممثِّل بارع، لكنك لستَ ذكيًّا بما فيه الكفاية.»

تحدَّثَ بثقة بالغة، لكن كان بوسعي أن أرى بصيصًا من الشك يتسلل إلى ذهنه.

صحتُ قائلًا: «آه، أستحلفك بالرب أن تتوقف عن ثرثرتك هذه، فجميعُ القرائن ضدي؛ فأنا لم يحالفْني الحظُّ قط منذ أن رسوتُ على الشاطئ في ليث. ما الضير في حصول شخصٍ مسكين معدتُه خاوية على بعض المال الذي وجده في سيارة معطلة؟ هذا كل ما فعلتُه، ومن أجل ذلك ظللتُ مطاردًا ليومين من رجال الشرطة الملاعين أولئك على تلك التلال الملعونة. أقول لك إني سئمتُ هذا الأمر. بإمكانك أن تفعل ما يحلو لك، أيها الفتى العجوز! نيد إنسيلي لم تعُدْ لديه طاقةٌ للقتال.»

استطعتُ أن أرى أن الشكَّ قد بدأ يتملَّكه.

سألني: «هلا تفضلتَ وأخبرتني بقصة مغامرتك الأخيرة؟» قلتُ له بأنين شحَّاذ حقيقي: «لا يمكنني يا زعيم؛ فلم أتناول لقمة منذ يومين، أعطني طعامًا أسدُّ به رمقي، وبعدها سأُخبرك بالحقيقة كما يعلمها الرب.»

لا بد أن جوعي كان مرتسمًا على وجهي؛ فقد أشار إلى أحد الرجلين أمام الباب. فأحضر قطعةً من فطيرة باردة وكوبًا من الجعة، وانقضضتُ عليهما مثل الخنزير، أو بالأحرى مثل نيد إنسيلي؛ إذ إني كنتُ ما زلت متقمصًا شخصيتي. في وسط تناولي لوجبتي تحدَّث إليَّ فجأة باللغة الألمانية، لكني نظرتُ إليه بوجه خالٍ من التعبير تمامًا كأنه حجرٌ أصمُّ.

بعد ذلك أخبرتُه قصتي، وكيف أني جئتُ إلى ليث على متن سفينة آركإنجيل منذ أسبوع مضى، وأنني كنتُ أحاول الوصول برًّا إلى أخي في بلدة ويجتاون. أشرتُ بغموض إلى أن المال كان قد بدأ ينفد مني حين أسرفتُ في الشراب، وكنتُ قد صرت معدمًا حين وصلتُ إلى فُتحة في سياج من الشجيرات، وحين نظرتُ من خلالها رأيتُ سيارة كبيرة ملقاة في جدول مائي. تفحصتُها لأعرف ماذا حدث، فوجدتُ ثلاثة جنيهات ذهبية ملقاة على المقعد وواحدًا على أرضية السيارة. لم أجد أحدًا ولا أي علامة تدل على صاحبها؛ لذا وضعتُ المال في جيبي. إلا أن رجال القانون بطريقةٍ ما تعقبوا أثري؛ فحين حاولتُ صرْفَ جنيهٍ ذهبيٍّ في متجر خباز، صاحتِ المرأةُ طالبةً الشرطة، وفي وقت لاحق حين كنتُ أغسل وجهي في أحد الجداول، كادوا يُمسكون بي، ولم أنجُ منهم إلا حين تركتُ معطفي وصدريتي من ورائي.

صحتُ قائلًا: «يمكنهم استردادُ المال؛ فأنا لم أستفدْ منه في أي شيء. أولئك الأوغاد يتعقبون رجلًا مسكينًا بكل طاقتهم، أما لو كنتَ أنتَ يا زعيم مَن عثر على المال، ما كان أحدٌ ليُزعجَك.»

قال: «أنت كاذبٌ بارع يا هاناي.»

ثرتُ غضبًا وقلتُ: «توقف عن العبث معي، عليك اللعنة! قلتُ لك إن اسمي إنسيلي، ولم أسمع طوال حياتي قط عن أحدٍ يُدعى هاناي. فأنا أُفضِّل أن تُمسكَ بي الشرطةُ عاجلًا على أن أبقى معك أنت وهاناي هذا ورَجُليك بمسدسيهما ووجهيهما اللذَين يُشبهان وجوهَ القرود … كلَّا، يا زعيم، أستمحيك عذرًا؛ فأنا لا أقصد هذا. أنا مَدين لك بما قدمتَه لي من طعام، وسأكون شاكرًا لك إن تركتني أذهب الآن وقد أصبحتِ الساحةُ آمنةً.»

كانت الحيرةُ الشديدة واضحةً عليه؛ فكما تعلمون لم يكن قد رآني من قبل، ولا بد أن مظهري قد تغيَّر كثيرًا عما كنتُ أبدو عليه في الصور، إن كانت معه صورةٌ لي؛ فقد كنتُ أنيقًا وحسنَ الهندام في لندن، أما الآن فأنا شخص متشرد رثُّ المظهر.

«لا أعتزمُ أن أدعَك تذهب. إن كنتَ كما تدَّعي، فقريبًا ما ستحصل على فرصة لتبرئة ساحتك. أما إن كنتَ كما أعتقدُ أنا، فلا أعتقدُ أنه ستطلع عليك شمسُ يوم جديد.»

دقَّ جرسًا فظهر خادمٌ ثالث من الشرفة.

قال له: «أريد السيارة اللانكستر في غضون خمس دقائق، سيكون موجودًا ثلاثةُ أشخاص على الغداء.»

بعدها نظر إليَّ بثبات، وكان هذا هو أصعبَ اختبار أواجهُه على الإطلاق.

كان ثمة شيءٌ غريب وشيطاني في هاتين العينين الباردتين الخبيثتين الخارقتين للطبيعة واللتين كانتا تشعَّان بذكاءٍ شيطانيٍّ هائل. لقد أبهرتاني مثل عينَي ثعبان لامعتين. تملَّكتْني رغبةٌ شديدة في أن أُلقيَ بنفسي تحت رحمته وأعرضَ عليه الانضمامَ إلى صفِّه، وإذا وضعتم في اعتباركم ما كنتُ أشعر به بشأن الأمر برمَّتِه، فستُدركون أن هذه الرغبةَ لا بد أنها كانت جسديةً تمامًا؛ إذ كانت عبارةً عن ضعف عقل تسحرُه وتسيطرُ عليه روحٌ أكثر قوة. إلا أنني تمكَّنتُ من إبعادها عني لدرجة أنني ابتسمتُ.

قلتُ له: «ستعرفني المرة القادمة يا زعيم.»

تحدَّث بالألمانية إلى أحد الرجال الواقفين عند المدخل وقال: «كارل، ستضع هذا الفتى في المخزن حتى أعود، وستكون مسئولًا أمامي عن حراسته.»

سارَا بي إلى خارج الغرفة وهما يُوجِّهان مسدسًا وراء كل أذن من أذنيَّ.

كان المخزن عبارةً عن غرفة رطبة تقع داخل المكان الذي كان بيتَ المزرعة القديم. لم يكن يوجد بساطٌ فوق الأرض غير المستوية، ولا أيُّ شيء يمكن الجلوسُ عليه فيما عدا مقعد مدرسي. كانت الغرفةُ حالكةَ الظلام؛ إذ كانت مصاريعُ النوافذ مغلقةً بإحكام بالغ. تبينتُ باللمس أنه أمام الجدران كانت توجد صناديقُ متراصةٌ وبراميلُ وأكوامٌ من بعض الأشياء ثقيلة الوزن. كانت تفوح من المكان بأكمله رائحةُ العفن والإهمال. أدار حارساي المفتاحَ في الباب لإغلاقه، واستطعتُ سماعَ حركة أقدامهما وهما يقفان بالخارج للحراسة.

جلستُ في تلك الظلمة الباردة في حالة ذهنية بائسة إلى أقصى حدٍّ. كان الرجل العجوز قد غادر في سيارة لإحضار الشريرَين اللذَين كانَا قد استجوباني بالأمس. كان هذان الرجلان قد شاهداني في شخصية عاملِ إصلاح الطريق، وسيتذكَّراني؛ لأنني كنتُ أرتدي الملابسَ ذاتَها. ماذا كان عاملُ إصلاح الطريق يفعل على بُعد عشرين ميلًا من نطاق عمله، ولماذا تُلاحقه الشرطة؟ يمكن لسؤال أو اثنين أن يجعلاهما يتوصلَّان إلى الحقيقة. من المحتمل أن يكونَا قد التقيَا بالسيد تيرنبول، وربما أيضًا مارمي؛ وعلى الأرجح سيمكنهما الربطُ بيني وبين السير هاري، وعندها ستصبح الأمور بأكملها واضحة وضوحَ الشمس. كيف يمكنني النجاةُ من هذا المنزل الريفي بوجود هؤلاء المجرمين الثلاثة وخادمَيهما المسلَّحَين؟

بدأتُ التفكيرَ بأسًى في الشرطة، التي تكدُّ الآن في تعقُّبِ أثري على التلال؛ فهم على أي حال من أبناء وطني ورجالٌ مخلصون، وسيكونون أكثرَ رحمة بي من هؤلاء الأجانب المتوحشين. إلا أنهم ما كانوا سيستمعون إليَّ. ولم يكن الشيطان العجوز ذو الجفنَين المرعبَين ليستغرقَ وقتًا طويلًا في التخلص منهم. فكَّرتُ في أنه ربما كان لديه بعضُ المعارف الفاسدين داخل الشرطة المحلية. ومن المرجَّح أن يكون قد حصل على خطابات من وزراء داخل الحكومة تنصُّ على حصوله على كافة التسهيلات التي تُمكِّنُه من التآمر على بريطانيا؛ فهذا هو الأسلوب المشئوم الذي تُدار به السياسة في وطننا.

سيعود الرجال الثلاثة من أجل تناول الغداء، وهذا يعني أن فترة انتظاري لن تزيدَ عن ساعتين. كنتُ أنتظرُ ببساطة لحظةَ هلاكي؛ إذ لم أكن أرى أيَّ سبيل للخروج من هذا المأزق. تمنيتُ لو كنتُ أتحلَّى بشجاعة سكادر؛ إذ يمكنني الاعترافُ بأني لم أكن أشعر بأي قدر من الثبات والعزم. الشيءُ الوحيد الذي حفَّزني على المضيِّ قُدُمًا هو شعوري بغضب عارم. كنت أستشيطُ غضبًا من فكرة إحكام هؤلاء الجواسيسِ الثلاثة قبضتَهم عليَّ هكذا. لكَم تمنيتُ لو استطعتُ كسرَ رقبة أحدهم بأي طريقة كانت قبل أن يتخلصوا مني.

كلما كنتُ أفكر أكثر في الأمر كنتُ أزداد غضبًا، وكان عليَّ النهوضُ من مكاني والسير في أرجاء الغرفة. حاولتُ فتحَ مصاريع النوافذ، لكنها كانت من النوع الذي يُوصَد بمفتاح، ولم أتمكَّنْ من تحريكها. من الخارج أتى صوتٌ خافت لنقنقة دجاج في الشمس الدافئة. بعد ذلك بدأتُ أتلمَّسُ الأكياس والصناديق. لم أتمكن من فتْح الصناديق، وبدا أن الأكياس كانت مملوءةً بأشياءَ مثل طعام الكلاب الذي تفوح منه رائحةُ القرفة. إلا أنني في أثناء سيري في أرجاء الغرفة لاستكشافها وجدتُ مقبضًا في الجدار بدا أنه يستحقُّ الفحص.

كان هذا بابَ خزانة في الحائط، وهو ما يُطلق عليه الاسكتلنديون «خزانة جدارية»، وكانت موصدةً. هززتُها، وبدا لي أنها كانت واهية إلى حدٍّ ما. بسبب عدم وجود شيء أفضل يمكنني فعلُه بذلتُ قوَّتي في التعامل مع هذا الباب، مُحْكِمًا سيطرتي على مقبضه بأسناني. عندئذٍ أصدر باب الخزانة صوتَ تحطُّمٍ اعتقدتُ أنه سيدفع حرَّاسي إلى المجيء والاستفسار عما كان يحدث. انتظرتُ قليلًا، ثم بدأتُ في استكشاف أرفف الخزانة.

كان يوجد عددٌ كبير من الأشياء الغريبة بداخلها. وجدتُ عودًا أو عودين من الثقاب القديم داخل جيوب سروالي فأشعلتُهما. احترقَا في ثانية، لكنهما أظهرَا لي شيئًا واحدًا. كان يوجد عددٌ قليل من المصابيح اليدوية الكهربائية على أحد الأرفف. التقطتُ واحدًا منها، ووجدتُ أنه يعمل بكفاءة.

ساعدني المصباحُ اليدوي الكهربائي على مزيد من الاستكشاف. كان يوجد زجاجاتٌ وأشياءُ غريبة الرائحة، كانت بلا شكَّ موادَّ كيميائية من أجل إجراء تجارب، كما كان يوجد ملفاتٌ من سلك نحاسي رفيع وحُزَم كثيرة من شرائح رقيقة من الحرير المعالج بالزيت. كان يوجد صندوقٌ من المتفجرات، والعديد من الخيوط لاستخدامها كفتيل. بعد ذلك عثرتُ في الجزء الخلفي من الرف على صندوق بُنِّيٍّ متين مصنوع من الورق المقوى، وبداخله وجدتُ صندوقًا خشبيًّا. استطعتُ انتزاع غطائه عنوة، فوجدتُ بداخله نصف دستة من القراميد الصغيرة الرمادية اللون، مساحةُ كلٍّ منها بضعُ بوصات مربعة.

أخرجتُ واحدًا منها، ووجدتُه يتفتَّت بسهولة في يدي. ثم شممتُه وتذوقته بلساني، وبعد ذلك جلستُ أفكر. لم يَضِعْ عملي مهندسَ تعدين هباءً، وعرفتُ مادة اللينتونيت حين رأيتُها.

يمكنني تفجيرُ هذا المنزل وتحويلُه إلى فتات باستخدام واحد فقط من هذه القراميد. كنتُ قد استخدمتُ هذه المادة في روديسيا وأعلم مدى قوَّتها. إلا أن المشكلة كانت تكمن في أن معرفتي لم تكن دقيقةً. لقد نسيتُ الشحنة المناسبة والطريقة الصحيحة لإعدادها، ولم أكن متأكدًا بشأن التوقيت. كذلك، لم يكن لديَّ إلا فكرة مبهمة بشأن قوَّتها؛ إذ على الرغم من استخدامي لها من قبل لم أكن أتعامل معها بنفسي.

إلا أنها كانت فرصةً، وفرصتي الوحيدة الممكنة. كانت مخاطرةً كبيرة، لكن في مقابلها كان ينتظرني واقعٌ أسودُ مؤكَّد. إذا استخدمتُها فإن الاحتمالاتِ، بحسب تقديري، كانت تقريبًا خمسةً إلى واحد في صالح أن أفجِّر نفسي ليطيرَ جسدي إلى قمم الأشجار، أما إذا لم أستخدمْها فالاحتمال الأكبر أن أجدَ نفسي في حفرة بطول ست أقدام في الحديقة بحلول المساء. كانت تلك هي الطريقة التي كان عليَّ أن أنظر بها إلى الأمر. كان المشهد قاتمًا في كلتا الحالتين، لكن على أي حال كانت أمامي فرصةٌ لإنقاذ نفسي وإنقاذ بلدي.

حين تذكَّرتُ سكادر الضئيلَ الحجم عقدتُ العزم. كانت هذه تقريبًا هي أبغضَ لحظة في حياتي؛ إذ لم أكن معتادًا على مثل هذه القرارات ذات الطابع البارد. ومع ذلك تمكَّنتُ من استجماع قوَّتي وعقدتُ العزم وتخلصت من الشكوك الفظيعة التي كانت تغمرني. توقفتُ ببساطة عن التفكير وتظاهرتُ بأني أُجري تجربة بسيطة كألعاب جاي فوكس النارية.

أحضرتُ فتيلةَ تفجير وثبَّتُّها في فتيلٍ طولُه قدمان. بعد ذلك أخذتُ ربعَ قرميدة من اللينتونيت ودفنتُها بالقرب من الباب تحت واحد من الأكياس في شقٍّ في الأرضية، مثبتًا فتيلَ التفجير فيها. على حدِّ علمي ربما كان نصفُ هذه الصناديق يحتوي على ديناميت. فإذا كانت الخزانةُ تحتوي على مثل هذه المتفجرات المميتة، فلِمَ لا تحتوي الصناديقُ عليها أيضًا؟ في هذه الحالة سنطير أنا والخادمان الألمانيان في رحلة مهيبة نحو السماء وقد يمتدُّ محيطُ الانفجار إلى نحو فدان حول القرية. كان ثمة خطرٌ أيضًا في أن يتسبَّبَ التفجيرُ في إشعال القراميد الأخرى داخل الخزانة؛ إذ كنتُ قد نسيتُ معظم ما كنت أعرفه عن مادة اللينتونيت. إلا أنه لم يكن ثمة فائدةٌ من البدء في التفكير في الاحتمالات الممكنة. كانت الاحتمالات مرعبة، لكن كان لا بد لي من تقبُّلِها.

احتميتُ تحت عتبة النافذة مباشرة، وأشعلتُ الفتيل. بعدها انتظرتُ لحظةً أو اثنتين. ساد صمتٌ مطبق في المكان عدا صوت خطوات أحذية طويلة ثقيلة في الممر، وصوت النقنقة الوديعة لدجاجات آتيًا من الخارج الدافئ. استودعتُ خالقي روحي، وتساءلتُ أين سأكون بعد خمس ثوانٍ.

بدا أن موجةً من الحرارة تندفع إلى الأعلى من الأرضية، وتعلقُ في الهواء في انتظار لحظة الانفجار. بعدها ظهر وميضٌ أصفرُ ذهبيٌّ اكتسى به الجدار المقابل لي، يصحبه دويٌّ هائل سحق رأسي سحقًا. وقع شيءٌ ما عليَّ، فأصابني في كتفي الأيسر.

بعدها أعتقدُ أني فقدتُ الوعي.

لا يمكن أن يكون غيابي عن الوعي قد استمرَّ أكثر من بضع ثوانٍ. شعرتُ بأني أختنقُ بفعل أدخنة صفراء كثيفة، وجاهدتُ حتى أستطيعَ النهوض على قدميَّ من بين الأنقاض. شعرتُ بهواء منعش يأتي من مكانٍ ما خلفي. كانت دعاماتُ النافذة قد سقطت، وأخذ الدخان يتدفق عبر الشقِّ غير المستوي إلى الخارج حيث كان نهارُ هذا اليوم الصيفي قد انتصف. عبرتُ فوق العتبة العليا المحطمة للنافذة، ووجدتُ نفسي أقف في ساحة بين ضباب كثيف ولاذع. شعرتُ بإعياء واعتلال بالغَين، لكني استطعتُ تحريكَ أطرافي، ومبتعدًا عن المنزل تقدمتُ مترنِّحًا في الضباب على غير هدًى.

سقطتُ في قناة طاحونة مائية صغيرة كانت تجري في قنطرة خشبية على الجانب الآخر من الساحة. أنعشني الماءُ البارد، وكان لا يزال لديَّ من حضور الذهن ما يكفي لأفكر في الهرب. شققتُ طريقي في القناة زاحفًا وسط الطين الأخضر الزلق حتى وصلتُ إلى عجلة الطاحونة. ثم تملَّصتُ عبر فُتحة محور العجلة إلى داخل الطاحونة القديمة وارتميتُ على كومة من القش. اشتبك مسمارٌ بمقعدة بنطالي مُخلفًا قطعةً صغيرةً من قماش بلون مزيج الخلنج.

كانت الطاحونةُ متوقفةً عن العمل منذ وقت طويل. كانت السلالم متعفنةً لفرط قِدَمِها، وفي العُلِّيَّةِ كانت الفئران قَدَّت ثقوبًا هائلة في الأرضية. أصابني الغثيانُ، وشعرتُ بدوار في رأسي، بينما بدا أن كتفي وذراعي اليسرى أُصيبتَا بالشلل. نظرتُ إلى خارج النافذة ورأيت ضبابًا ما زال يُخيِّم على المنزل والدخان يتصاعد من النافذة العليا. رحماك يا إلهي! لقد أضرمتُ النيران في المنزل؛ إذ كنتُ أسمع أصواتَ صيحات مرتبكة آتيةً من الجانب الآخر.

إلا أنه لم يكن لديَّ وقتٌ للتلكؤ؛ إذ كان من الواضح أن هذه الطاحونة مكانٌ سيئ للاختباء؛ فأيُّ شخص يبحث عني كان سيتبع القناة الصغيرة بطبيعة الحال، وكنتُ متأكدًا أن البحث عني سيبدأ بمجرد أن يكتشفوا أن جثتي ليست داخلَ المخزن. رأيت من نافذة أخرى برجَ حمام صخريًّا قديمًا قائمًا على الجانب البعيد من الطاحونة. إذا استطعتُ الذهاب إلى هناك دون أن أترك أثرًا، فربما أعثر فيه على مكان جيد للاختباء؛ إذ ارتأيتُ أن أعدائي، إذا ظنُّوا أن بوسعي الحركة، فسيستنتجون أني قد ذهبتُ صوب الأراضي الريفية المفتوحة، وسيذهبون للبحث عني في الأرض السَّبَخة.

زحفتُ أسفل السلم المكسور، ناثرًا القشَّ من ورائي لأغطيَ آثار أقدامي. فعلتُ الأمرَ ذاتَه على أرضية الطاحونة، وعلى العتبة التي كان الباب يتدلَّى عندها من مفصلات مكسورة. حين استرقتُ النظر إلى الخارج، رأيتُ قطعةَ أرض جرداء مرصوفة بالحصى تفصل بيني وبين برج الحمام، لا يمكن أن تُرى عليها آثارُ الأقدام. ومن رحمة الخالق أنها كانت أيضًا مختفيةً وراء مباني الطاحونة فلا يمكن رؤيتُها من أي مكان من المنزل. تسللتُ عبر هذه القطعة من الأرض، ووصلتُ إلى الجزء الخلفي من برج الحمام وفتشتُ عن مكان للصعود.

كانت تلك واحدةً من أصعب المهام التي اضطلعتُ بها في حياتي؛ فقد كانت كتفي وذراعي تؤلماني ألمًا بالغًا، وكنتُ أشعر بالإعياء والدوار، حتى إنني كنتُ دومًا على وشك السقوط. إلا أنني تمكنتُ من الصعود بطريقةٍ ما. فتمكنتُ، بالاستعانة بالحجارة الناتئة والفجوات الموجودة في البناء وجذر لبلاب قوي، من الوصول إلى القمة في النهاية. كان يوجد حاجزٌ صغير وجدت خلفه مكانًا أستلقي فيه، وبعدها دخلتُ في إغماءة من الطراز القديم.

استيقظتُ ورأسي ملتهبٌ ووهجُ أشعة الشمس في وجهي. ظللتُ راقدًا دون حَراك لوقت طويل؛ إذ بدا أن هذه الأبخرةَ الكريهة قد أرْخَتْ مفاصلي، وغيَّبتْ عقلي. سمعتُ أصواتًا قادمة من المنزل لرجال يتحدثون بصوت أجشَّ وصوتَ محرك سيارة واقفة في مكانها. كانت ثمة فجوةٌ صغيرة في الحاجز الذي كنتُ قد زحفتُ إليه، ومنه استطعتُ رؤيةَ الساحة بعضَ الشيء. رأيتُ شخصين يخرجان من المنزل؛ الأول خادمٌ رأسُه مربوط، ثم شابٌّ أصغرُ سنًّا يرتدي بنطالًا قصيرًا واسعًا. كانَا يبحثان عن شيء ما، وتحركَا صوب الطاحونة. ثم رأى أحدُهما قطعةَ القماش المشبوكة في المسمار، وصاح على الآخر. عادَا كلاهما إلى المنزل، وأحضرَا معهما اثنين آخرَين لينظرَا فيها. رأيتُ الجسم الممتلئ لآسِرِي السابق، وظننتُ أني تبيَّنتُ هيئةَ الرجل المتلعثم في الكلام. لاحظتُ أن جميعهم كانوا يُمسكون مسدسات.

ظلوا يفتشون الطاحونة لمدة نصف ساعة، كنت أستطيعُ سماعَهم وهم ينقرون على البراميل ويرفعون الألواح الخشبية البالية. بعد ذلك خرجوا منها، ووقفوا تحت برج الحمام مباشرةً يتجادلون بعنف شديد. تعرَّض الخادم ذو الضمادة إلى توبيخ عنيف. سمعتُهم وهم يعبثون بباب برج الحمام، وللحظة مرعبة تصورتُ أنهم سيصعدون. بعد ذلك عدلوا عن رأيهم، وعادوا إلى المنزل.

طوال فترةِ بعد الظهيرة الطويلة الحارقة هذه ظللتُ مستلقيًا على ظهري على السطح. كان العطشُ هو المصدرَ الرئيسي لمعاناتي؛ فقد كان لساني جافًّا كالعصَا، وما زاد من سوء الوضع أنه كان بوسعي أن أسمعَ الماء البارد وهو يقطر من قناة الطاحونة. راقبتُ مجرى الجدول المائي الصغير آتيًا من الأرض السَّبَخة، وتبعتُه بخيالي إلى قمة الوادي الصغير، حيث لا بد أنه ينبعُ من نافورة باردة محاطة بسراخس باردة وطحالب. كنتُ على استعداد لأن أدفع ألف جنيه فقط لأغمسَ وجهي في ذلك الماء.

استطعتُ أن أرى جيدًا كاملَ دائرة الأرض السَّبَخة. رأيتُ السيارة تبتعد مسرعةً براكبَين اثنين، ورجلًا يتجه شرقًا على ظهر مُهْرٍ جبليٍّ. قدَّرتُ أنهم كانوا يبحثون عني، وتمنيتُ لهم أن يقضوا وقتًا طيبًا في مسعاهم.

إلا أنني رأيتُ شيئًا آخر أكثرَ إثارة للاهتمام؛ فقد كان المنزل يقع تقريبًا على قمة مساحة ضخمة من أرض سبخة فوق ما يُشبه الهضبة، ولم تكن توجد أيُّ نقطة أعلى منها أقرب من التلال الكبيرة التي كانت على بُعد ستة أميال. كانت القمةُ الحقيقية، كما ذكرتُ من قبل، عبارةً عن كتلة كبيرة معظمها من أشجار التنوب، مع بعض أشجار الدردار والزان. من فوق برج الحمام كنتُ تقريبًا في نفس مستوى قمم الأشجار، وكان بوسعي رؤيةُ كلِّ ما يقع وراءها. لم تكن هذه الأشجارُ كثيفة، وإنما فقط كانت على هيئة حلقة، وبداخلها مساحةٌ بيضاوية من غطاء نباتي أخضر، فكانت تبدو وكأنها ملعب كريكيت كبير.

لم أستغرق وقتًا طويلًا في تخمين طبيعة هذا المكان؛ لقد كان مطارًا صغيرًا، وسريًّا. لقد اختِير هذا المكانُ بدهاء بالغ. فبافتراض أن أحدًا ما راقب طائرةً تهبط فيه، كان سيظنُّ أنها قد ذهبتْ عبر التلِّ إلى ما وراء الأشجار. فبما أن المكان كان يقع على قمةِ مرتفعٍ من الأرض وسط مدرج كبير، فإن أيَّ مراقب من أي اتجاه كان سيستنتج أن الطائرة قد توارتْ عن الأنظار خلف التلِّ. فلا يمكن إلا لشخص على مسافة قريبة للغاية أن يُدرك أن الطائرة لم تذهب بعيدًا بل إنها هبطت في وسط غابة الأشجار. ربما كان سيستطيع شخصٌ يراقب بتليسكوب على أحد التلال الأعلى أن يكتشف الحقيقة، غير أن أحدًا لم يكن يذهب إلى هذه التلال عدا رعاة الأغنام، وهؤلاء لا يحملون نظاراتِ تجسُّس. حين نظرتُ من برج الحمام استطعتُ أن أرى من بعيد خطًّا أزرقَ علمتُ أنه البحر، وازداد غضبي حين فكرتُ بأن أعداءنا أقاموا برجَ المراقبة السريَّ هذا لاستهداف ممراتنا المائية.

بعد هذا فكَّرتُ في أنه إذا عادت الطائرةُ كان ثمة احتمالٌ يبلغ عشرةً إلى واحد أن يُكتشَف مكاني؛ لهذا ظللتُ طوال فترة بعد الظهيرة مستلقيًا وصليتُ من أجل أن يحلَّ الظلامُ، وغمرتني السعادةُ حين غابتِ الشمس وراء التلال الغربية الكبيرة وزحفتْ غشاوةُ الشفق على الأرض السَّبَخة. تأخرتِ الطائرةُ في العودة، وكان الشفقُ قد قطع شوطًا كبيرًا حين سمعتُ صوتَ خفقان أجنحتها ورأيتُها تنزلق إلى الأسفل عائدةً إلى مستقرِّها بين الأشجار. ظلَّت الأضواءُ تومض لفترة وجيزة ورأيتُ حراكًا كثيرًا جيئةً وذهابًا إلى المنزل، ثم حلَّ الظلام وساد الصمت.

حمدًا للرب على أنها كانت ليلةً حالكةَ الظلام؛ فقد كان القمرُ في ربعه الأخير ولم يكن يظهر إلا في وقت متأخر من الليل. اشتدَّ عطشي حتى إنني لم أعُدْ قادرًا على التلكُّؤ أكثر من هذا؛ لذا في نحو الساعة التاسعة، بحسب تقديري، بدأتُ أنزل من فوق البرج. لم يكن الأمرُ سهلًا، وسمعتُ وأنا في منتصف الطريق البابَ الخلفيَّ للمنزل يُفتَح، ورأيتُ وهجَ فانوس على جدار الطاحونة. طوال بضع دقائق مؤلمة ظللتُ متعلقًا بفرع اللبلاب ودعوتُ ألا يأتيَ هذا الشخصُ أيًّا مَن كان إلى البرج. بعدها اختفى الضوءُ، فهبطتُ بهدوء قدرَ استطاعتي على الأرض الصُّلبة للساحة.

زحفتُ على بطني مستترًا بحاجز من الحجارة حتى وصلتُ إلى حافة من الأشجار كانت تُحيط بالمنزل. لو كنتُ أعلم كيف يمكن تعطيلُ هذه الطائرة لكنتُ حاولتُ أن أفعل هذا، لكني أدركتُ أن أي محاولة ستكون على الأرجح عديمةَ النفع. كنتُ متأكدًا من وجود حماية من نوعٍ ما حول المنزل؛ لذا مضيتُ عبر الأشجار زاحفًا على يديَّ وركبتيَّ، أتحسَّسُ بعناية كلَّ بوصة أمامي. وكان من الحكمة أنني فعلتُ ذلك؛ إذ صادفتُ سلكًا على ارتفاع قدمَين تقريبًا من الأرض. لو كنتُ تعثَّرتُ في هذا السلك، لا شك أنه كان سيرنُّ جرسٌ ما في المنزل، وكانوا سيُمسكون بي.

بعد مائة ياردة أخرى عثرتُ على سلك آخر موضوعٍ بدهاء على حافة جدول مائي صغير. كانت الأرض السَّبَخة تقع وراء هذا الجدول، وفي غضون خمس دقائق كنتُ أخوض في نباتات السرخس والخلنج. سرعان ما وصلتُ إلى حافة المرتفع، في الوادي الصغير الذي كانت تنبع منه قناةُ الطاحونة، بعد عشر دقائق كنتُ أتجرَّع كمياتٍ هائلة من الماء المبارك. إلا أنني لم أتوقف عن السير إلا بعد أن أصبح يفصلني عن هذا البيت اللعين نصفُ دستة من الأميال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠