أحزان عازف الكمان (٢)

أطل رأسه الأصلع ووجهه الأبيض المستدير كهلال الفجر من فوق أمواج الزحام والضوضاء والصياح بأسماء المشروبات وطرقات قطع النرد على الألواح أمام زبائن لا تكف عن الثرثرة والزعيق والسباب، قال لنفسه وهو يرى صديق صباه يشق بجسده الأبيض المترف تلك الدوائر الجهنمية: كيف تُهنا كل هذا الزمن عن بعضنا؟ ألا يظهر اليوم بعد هذا العمر في حياتي كالمنقذ للغريق المستغيث، أو كالشراع الأبيض الرحيم لمرْكب أو قارب جانح يتمايل للسقوط إلى الأعماق؟ وأي صدفة عجيبة هذه التي جمعتنا أمسِ مساءً على غير انتظار، وفتحت أمامي بابًا للأمل ظننت أنه قد سدَّ إلى أبد الآبدين؟ نعم يا صاحبي! من كان يصدق؟! من كان يصدق؟!

أخذه بالأحضان وقبَّل خدَّيْه قبل أن يدعوَه للجلوس، تنهَّد الصديق وقال: من كان يتصور أن الانفجار السكاني سيطول قهوتنا القديمة أيضًا؟ خبط على يده مرتين ونظر في الوجه الصبوح قبل أن يقول: الانفجار السكاني وحده؟ والوقاحة يا صديقي. قلة القيمة وطول اللسان وضياع الضمير وموت …

ضحك الصديق قائلًا: جئت لأقابل عازف الكمان القديم فإذا بي أمام فيلسوف، ما الذي غيرك إلى هذا الحد؟

تنهد ورفع صوته ليخترق الزحام والضجيج إلى أذن صديقه: ليتني تغيرت حقًّا، أنت الذي تغيرت يا عزيزي بشارة حنا الأسيوطي.

هتف الصديق بصوتٍ جعل جيرانهما على المائدة القريبة يلتفتون مندهشين: وأنا أؤكد أنك تغيرت جدًّا يا عزيزي جورج سامي غطاس.

ضحكا معًا عندما اكتشفا أنهما يناديان بعضهما بالاسم الكامل في ملفات السجلات المدنية، وأنهما فعلا ذلك مساء الأمس عندما وجدا نفسيهما متواجهين للمرة الأولى بعد سنوات طويلة ربما لا تقل عن الثلاثين، كان جورج يتمشى مع شقيقته الكبرى في شوارع الصاغة وحواريها الضيقة التي ترتفع وتهبط فجأة بمن يسير عليها، وكانت اللافتة الملونة وعليها الاسم قد لمست شيئًا خفيًّا في ذاكرته حاول أن يجذبه إلى دائرة الوعي فلم يستطع، ولكنه لم يتردَّد عن دخول المحل وهو يمني النفس بأن تجد شقيقته بغيتها من الحلي الذهبية أو على الأقل تتفرج على ما تريده ريثما ترجع مرة أخرى ومعها ابنتها العروس، دخل المحل بخطًى مترددة وقلبٍ ازداد وجلًا عندما وقع بصره على الوجه القديم المألوف، وقفز الاسم فجأة من مخبئه في بئر الذاكرة المظلم وانطلق كالقذيفة وهو يفتح ذراعيه: بشارة حنا الأسيوطي! رمقه هذا بنظرة حائرة وعقد جبينه ورمش بعينيه لحظة قبل أن يقوم منتورًا من على مكتبه ويفتح ذراعيه للصديق القديم وهو يصيح: جورج سامي غطاس؟ هل هذا معقول؟ مدرسة المبتديان الثانوية والأستاذ يني بطرس مدرس الموسيقى والكمان اللقطة من شارع محمد علي و… بالحضن يا رجل بالحضن!

بعد أن شبعا من الأحضان والقبلات والسؤال عن الأحوال والمشاغل التي حجبتهما عن بعضهما أشار بشارة إلى الضيف الجالس إلى مكتبه وقال يعرفه به: الباشمهندس عزمي إبراهيم، جارك القديم.

نظر إليه جورج وأخذ يتحقق من وجهه فلم يذكر أنه رآه قبل ذلك. قال وهو يسلم عليه بأدب شديد يليق بموسيقي مهذب: ربما كان طفلًا أو صبيًّا صغيرًا أيام كنت أسكن بجوارهم. الأيام تغيرنا يا عزيزي دون أن ندري، تُغيِّرنا ونحن عاجزون عن تغييرها …

ضحك الباشمهندس وهو يشير إلى يد جورج: لكن أمثالكم يغيرونها إذا شاءوا، يحركون الجبال أيضًا إذا أرادوا …

أسرع بشارة قائلًا: تفضلا، تفضلا، الباشمهندس يقصد بالفن، بالموسيقى، باللحن الذي يزلزل الجبال والقلوب و… لكن أين الكمان يا جورج؟

قال هذا وهو يضحك وينظر إلى شقيقته التي كانت تتابع الوجوه بشغفٍ شديد: ولمن أعزف به في الصاغة؟ هل يرضيك أن أعزف لك حتى تغرق في النوم وأحرك أنا الذهب والفضة والألماس إلى جيبي؟ ألا تتذكر قصة الفارابي التي حكاها لنا يني أفندي أيام زمان؟

استمر بشارة في الضحك كأنما أصيب بنوبةٍ لن يفيق منها.

سكت قليلًا ثم ضغط على زر بجانبه فظهر من باب إلى الخلف شاب أسمر وسيم الملامح شديد الحيوية فقال له: شف طلبات البهوات، عندنا هنا كل شيء يا حضرات، تفضلوا، تفضلوا.

وجاءت الطلبات بعد قليل، وانشغل الجميع بما كانوا فيه أو بما جاءوا من أجله. تفرجت شقيقة جورج على قطع عديدة ومشغولات بديعة وأخذت راحتها في السؤال عن الأسعار، وتناول الباشمهندس علبة مكسوة بالقطيفة الزرقاء الغامقة يبدو أنها تخفي في داخلها الهدية التي اختارها قبل حضور جورج وشقيقته، ولما نهض مستأذنًا في الانصراف وضع بشارة يده تحت ذراعه وأخذه على جنب وتهامسا لحظات قبل أن يهتف الجواهرجي بصوت عالٍ: مع السلامة، إلى اللقاء كما اتفقنا، لا لا، اطمئن، لن ننسى، أبدًا. ثم بعد أن هبط العتبات القليلة أمام الدكان غمز لصديقه القديم: موعدنا غدًا مساءً في المقهى القديم بالمنيل، لن تنسى إحضار الكمان معك، أليس كذلك؟!

بعد أن شربا القهوة وعدل بشارة مزاجه بالشيشة ودفع الحساب بالرغم من إلحاح صديقه هبَّ واقفًا وهو يكاد يصرخ: هيا بنا يا جورج نخرج من هذا الجحيم. تعال نشم نسمة تعوضنا عن هذا العذاب (ثم وهو يساعده على حمل صندوق الكمان ورفعه فوق الموائد والرءوس) من يصدق أن هذه هي قهوتنا أيام زمان؟ سنتمشى قليلًا على النيل.

سأل جورج: ولماذا على النيل، هل تسكن في حينا ولا أعلم؟

قال بشارة ضاحكًا: لأني ركنت سيارتي هناك، بالقرب من بيت عزمي الذي لم أزره من مدة طويلة، بالرغم من القرابة التي بيننا من جهة أبي.

قال جورج: ولهذا كنت تزورني ثم تذهب إليهم، أقصد أيام زمان. وضع بشارة ذراعه تحت إبط صديقه وراح يستحضر الماضي البعيد وهو يسأله: نعم، ماذا فعل بنا الزمان؟ عجزنا يا عم جورج والذي كان كان.

ضحك جورج ونظر طويلًا في وجه صديقه: أهل الفن لا يعجزون ولا يموتون.

تساءل بشارة ممتعضًا: هم دائمًا شباب وفهمناها، لكن كيف لا يموتون؟

قال جورج وهو يخبط على ظهر الصندوق الأسود: لأنهم اختاروا موتهم الممتع المحبوب في كل لحظة من حياتهم، أما أنتم يا أهل المال والأعمال، ما علينا، قل لي أنت ماذا فعلت طوال هذه السنين؟

قال بشارة بعد أن خلص ذراعه من ذراع صديقه: بعد أن تخرجت من التجارة كما تعلم وكنت أنت …

قال جورج: كنت أكمل دراستي بمعهد الموسيقي وأكرس حياتي ووقتي للتدريب ليل نهار، أنت نفسك رأيت هذا وأشفقت كثيرًا عليَّ.

قال بشارة: نعم نعم، عشت أنت مع كمانك وذهبت أنا إلى الخليج بعد الحصول بمعجزة على عقد عمل، في دبي ازدادت صلتي بقريبي عزمي وعشنا أيامًا وليالي لا تنسى، أنت أدرى بأجواء الحرية والمتعة هناك.

قال جورج: الحرية والمتعة، وأنا هنا حبيس الجنية النائمة في هذا الصندوق، حبيس سجني وملاذي وقدري ومصيري، وما الذي جعلك ترجع للصاغة وتجلس أمام صناديق الجواهر والمصاغ؟

تنهد بشارة وهو يقلب الذكريات: حكم الآباء على الأبناء يا صديقي، كنت على وشك الالتحاق بعمل مرموق في الشركة الأهلية للتأمين، وإذا بعمك غطاس يدخل عليَّ ذات يوم وهو يلهث من التعب ولا يكاد يلتقط الأنفاس: اسمع يا بني يا بشارة، أبوك الآن رجل عجوز رجله والقبر، علمتك وكبرتك لتقف بجانبي وفي مكاني لا لتسيح في بلاد الله وتدفن نفسك أمام مكاتب الموظفين، اسمعني ولا تتكلم، أنا نذرت نفسي من اليوم لخدمة المسيح والكنيسة، عمك باسيلي راعي أمنا العذراء اتفق معي على كل شيء، انتظر كما قلت لك، المحل الآن هو مسئوليتك، وإيرين ابنة عمك تنتظرك، خذ مفاتيح المحل من أبيك ودعه يسير على الطريق.

قال جورج: وجلست أنت في المحل …

قاطعه بشارة: وتزوجت وأنجبت مهندسًا وطبيبًا ومعلمة ترجمة ولغات، ومشى أبي على الطريق حتى سقط يومًا أمام المذبح وهو يتلو ويعظ المؤمنين، لكن دعنا مني ومن أحوالي، ماذا فعلت أنت بعد سفري وانقطاعنا عن بعضنا لثلاثة أو أربعة عقود؟ أظنك تركت شقتك الصغيرة الجميلة التي كنت أزورك فيها.

قال جورج بعد أن اشتكى مني كل الجيران، الحقيقة أنهم اشتكوا من الساحرة الراقدة في هذا الصندوق لأنها لا تتركهم يهنَئُون بالنوم، أما أنا فكما تعلم عني، وحيد لا أهش ولا أنش، شبح هائم هو الخجل الفطري والحياء المجسَّد.

سأل بشارة: طبعًا طبعًا، وانتقلت إلى شقة أخرى؟

قال جورج: نعم، إلى شقة أخرى أكبر، في هذه المنطقة نفسها، كان شقيقي يسكنها قبل أن ينتقل إلى شقة أكبر في عمارة حديثة، آه، ربنا يحميك ولا يريك، شقة هي الجحيم في الصيف وزمهرير جهنم في الشتاء، لم يكن دخلي يحتمل الاحتفاظ باللؤلؤة الجميلة التي كنت تزورني فيها، لا تتصور يا أخي حسرتي عليها حتى اليوم.

توقَّف بشارة فجأةً أمام بوابة حديدية سوداء تحصر مع سور من السلك باحة فناء صغير يفضي إلى عمارتين في الداخل. قال وهو يشير إلى الناحية اليسرى من العمارة المواجهة التي تمت تعليتها حديثًا: وهذه هي شرفة لؤلؤتك الجميلة التي كنت تطل منها على النيل وعلى جيرانك الذين أزعجتهم وأزعجوك.

قال جورج وهو يقف مترددًا ومذهولًا أمام البوابة: وماذا تنوي أن نفعل هنا؟ هل ما يزال أقاربك هنا؟

قال بشارة وهو يرمقه بنظرة من يعاتبه ولا يصدقه: تقصد من بقي حيًّا منهم؛ الأم ماتت بعد مرض طويل، والبنات تزوجن وتفرقن كلٌّ في ناحية لم يبقَ سوى عزمي وجنَّتك.

تساءل جورج قبل أن يفتح صديقه البوابة الثقيلة العتيقة التي تبدو كأنها منتزعة من بقايا أثر إسلامي أو مسيحي قديم: هل تقول جنَّتي؟!

ضحك بشارة ثم وضع يده على فمه وهمس له: نعم جنتك، هل نسيت اسمها أيضًا؟ أم نسيت أنني أعددت مفاجأة لك، وأنك سترى الآن جنتك وجارتك القديمة وتعزف أيضًا أمامها؟

•••

قال لنفسه وهما يقطعان أول خطواتهما عبر الفناء المسوَّر الذي اصطفت قصارى الزرع الصغيرة والكبيرة على جانبيه: كلا لم أنسَ الاسم يا صديقي ولكنني لم أعرفه أبدًا ولم أسأل عنه، ولماذا أسأل عنه وأنا أرتعش وأنتفض كلما رأيتها ورجَّني تيار صاعق من عينيها الناريتين، وكلما قابلتُها بمحض الصدفة أثناء ذهابها إلى كليتها أو رجوعها منها، فجأة على منعطف طريق أو في دكان من الدكاكين المحيطة أو حين تقع عيني في تاكسي أو حافلة ركاب على وجهها الأسمر المستدير بوجنتيها البارزتين وأنفها المتكبر الشامخ وفمها المزموم في عزم وإصرار يعلوه خطان منسحبان من تحت الخدين إلى الذقن المدبب النحيل؛ تستمر الرعشة والنفضة عدة أيام، وتتجدَّد كلما واجهتها بحكم قدر شقي أو سعيد، لا أحد يعلم بما كنت أفعله لأسكن الاختلاج المتواصل وأهدِّئ من لفح الحمَّى، كنت أسرع إلى سجني الحبيب الخانق داخل لؤلؤتي الصغيرة فأخرج الكمان من الصندوق وأحضنها أعلى الصدر وأجري القوس على أوتارها بما يفيض عن القلب ويلهمه الهاتف والخاطر؛ بلحنٍ يتلوَّى ويتوقَّد بالنار وينبعث منه الدخان والشرار، ولحن ينسكب ويجري في هدوء وأسًى ورضا وتسليم كمركب غامض ينداح فوق سطح البحر الساكن في يوم مشرق. كنت أحيانًا أتمكن من تسجيل اللحن قبل تدوينه على النوتة، وأحيانًا أخرى أصرف النظر عن ذلك وأستصغر شأن الكتابة والتدوين للحن المتوثب الهادر بشلال الدمع والغضب الممتلئ كليلٍ غابت عنه النجوم بظلمات اليأس وكوابيسه، لم يخطر ببالي مرة أن أتجرَّأ وأسألها عن اسمها وأعرفها أيضًا بنفسي، كنت أكتفي بالنظر إليها في صمت وأختزن حزني وعجزي وحيرتي وارتباكي في قرار عميق، أو أقف في شرفتي المطلة على شريط من سطح النيل لأنتظر ساعات؛ خطاها التي يدق كعبها العالي بلاط الفناء كخطى مهرة عنيدة أو فرس حرون، وأنتظر ساعات وعيني معلقة بالنافذة التي أبصرتها مرة تطل منها بمحض الصدفة، جيل خائب نحن وقليل الحيلة، قيَّده الخجل الفطري وألجمته التقاليد وغلَّلت يديه ورجليه ولسانه مواعظُ الآباء والأجداد والتزام الحشمة والحكمة. أين نحن من أجيال تالية حطمت القيود والأغلال وانطلقت تنهب اللذات المشروعة والمحرمة بقوةٍ وشراسةٍ ووقاحةٍ وتبجُّحٍ بالحقوق التي نسيت كل الواجبات؟

– هل أفسدنا شعر المرحلة وأدبها وأغانيها العاطفية وقصصها الدامعة المفجعة، ما الذي أضاعنا بالتحديد وأضاعني أنا دونًا عن كل من عرفت من الصحاب والزملاء والأصدقاء؟ مع ذلك فالخجول العاجز الخائب لا يؤمن جانبه على الدوام؛ فكم من مرةٍ دفعني دافع لا يقهر على الوقوف في الشرفة والعزف على الكمان كأنني على مسرح وأمام جمهور متحمس. إن أَنْسَ لا أَنْسَ تلك الليلة التي وقفت فيها تحت نافذتها بالتحديد ورحت أعزف كالمجنون لحنًا لأغنيةٍ من أغاني أم كلثوم ولحنًا آخر إذا لم تخني الذاكرة — ربما كان هو ضوء القمر لبيتهوفن — تصورت نفسي أتقمَّص شخصية روميو وأسترسل في الأداء تحت النافذة والشرفة الملاصقة لها، وماذا كان جزائي؟ فُتحت درفتا النافذة فجأةً ثم أُغلقتا في عنفٍ ولم يسعفني الوقت ولا العزف لأعرف إن كان هو وجه الحبيبة أو وجهًا آخر، بعدها بلحظاتٍ فُتح عنوةً شباكٌ آخر في طابق أسفل الطابق الذي تعيش فيه المحبوبة المستحيلة، انفجر في الظلام صوت غاضب عارم يسب ويلعن: ناس لا عندهم دم ولا ذوق! انسحبت بطبيعة الحال إلى الداخل ولم أكرِّر المحاولة أبدًا، واختمرت في ذهني منذ تلك الليلة، وبعد أن وصلتني شكاوى الجيران مما سموه وجع الدماغ، فكرة الانتقال إلى مكان آخر يتسع لألحاني وأحزاني، ومسكن آخر يسمح لي بالمران والتدريب المستمر بعيدًا عن كل الآذان بقدر الإمكان.

كنت في ذلك الحين قد تخرجت من المعهد بنجاحٍ وتفوقٍ زاد من إحساسي بهما أن أساتذتي في قسم الآلات عرضوا عليَّ أمر التكليف بتدريس الآلة في المعهد على أمل التعيين في وظيفة معيد ريثما تتم الإجراءات اللازمة، وأضيف إلى هذا نجاح آخر، إذ فوجئت برئيس فرقة الموسيقى العربية يدعوني عبر الهاتف للاشتراك في الفرقة، الأمر أو الأمران اللذان أمَّنا لي دخلًا لا بأس به ويغنيني عن انتظار الأفراح واللهاث وراء الكازينوهات الليلية السيئة السمعة.

لم يكن من الممكن أن يبقى القديس الخائب وحيدًا في كهفه مع وحش الموسيقى الجميل، وجد نفسه يتشجَّع على الفعل بعد أن بدأ يمارس التدريس ويشترك مع طاقم الكمان في الفرقة العربية ويسجل عددًا من شرائطه الموسيقية التي بدأت الإذاعة ترسل بعضها مقرونًا باسمه، وعند عودته ذات يومٍ من عمله المرهق وجد نفسه يجابه وجهًا يحييه بابتسامة ودود وهزة رأس ذات مغزى، كان هو وجه أمها الذي تصور فيه ملامح من وجه أمه الحبيبة التي كانت قد ماتت قبل سنوات قليلة أثناء تجنيده بالجيش، لا يدري حتى كيف ولا من أين واتَتْه الشجاعة الكافية ليتقدم من أم المحبوبة التي لا يعرف اسمها، ويقترب من الجسد الضئيل القصير ويمعن النظر في العينين المرحتين قبل أن يمدَّ يده بالسلام ويضع صندوق الكمان على الأرض، أحسَّت الأم الطيبة بأن الجار الخجول يريد أن يسر إليها شيئًا، عرفها بنفسه — ولم تكن في حاجةٍ إلى تعريف — سألها إن كان من الممكن أن يتشرَّف بزيارتهم على أن يكون ذلك في أقرب وقتٍ ممكن.

زاد انفراج الابتسامة على الفم الرقيق والوجه الحنون كله، وجاءه الصوت الضعيف ليقول: لا بد من التشاوُر مع الأهل وإبلاغ خال البنت، يمكنك أن تزوره في وزارة المالية وتسأل عن وكيل الوزارة للمراجعات الضريبية وستجد ألف من يدلُّك عليه، وعلى العموم لا بد من موافقة جنَّة وأخذ رأيها. سألَتْ في خبثٍ وهي تكاد تضحك: ألم تذهب إليها في الكلية؟ أغمض عينيه وغرق في عرق الخجل والارتباك فلم تنتظر الجواب بل مدَّت يدها بالسلام وذهبت في حال سبيلها.

منعه الخجل وقلة الحيلة من الذهاب إلى الخال الذي فاته أن يسأل عن اسمه، وتهيَّب موقف اللقاء العصيب مع المحبوبة التي تلبست روحه وعقله وأصبحت فكرته الثابتة المتسلِّطة فلم يجد في نفسه القدرة ولا الشجاعة للبحث عنها في الكلية التي لم يسبق له دخولها ولا يعرف طريقة الوصول إليها، ومرَّت أيام قليلة قبل أن يدقَّ بواب عمارتهم الصعيدي العجوز بابه ليلًا ويسلمه مظروفًا صغيرًا وجد فيه بطاقة كتب عليها بخط نسائي واضح ودقيق: «ننتظر تشريفكم بالزيارة مساء الخميس القادم، جيرانك.» شكر البواب وأعطاه ما فيه النصيب، وأمسك بالبطاقة وراح يقرؤها ويُعيد قراءتها قبل أن يضعها في جيب قميصه فوق القلب مباشرة. أصبح الأمر جدًّا لا هزل فيه، فلتَخُض التجربة يا جورج وستخرج منها أنت وكمانك منتصرَيْن، جرِّب جرِّب وكفى تردُّدًا يا جورج.

ظل يردد هذه الكلمات ليل نهار حتى جاء مساء الخميس، لم يخطر على باله أن الأمر تحكمه العادات والأعراف والتقاليد، ولم يدُرْ بخلده أن يطلب من شقيقته الكبرى وزوجها أن يصحباه في لقاءٍ يتم فيه تقارب الأهل مع الأهل ولا مكان فيه لإنسان وحيد، وعندما تذكر ذلك قبل الموعد بقليلٍ وبعد أن أتمَّ ارتداء ملابسه لم يجد مفرًّا من الصعود وحده على سلم الجيران. فتحت الأم له الباب ولم تُخفِ دهشتها من حضوره بمفرده؛ إذ خرجت إلى بسطة السلم بعد أن دعتْه بأدبٍ شديد للدخول وكأنها تنتظر أن تسلم على بقية الضيوف. دخل من الباب فوجد نفسه في ردهة الاستقبال الكبيرة، وفُوجِئ بعددٍ كبير من الرجال والنساء الذين اتخذوا أماكنهم على الكنب والفوتيات والكراسي قبل وصوله بكثير؛ إذ لمح الأكواب والفناجين على الموائد الزجاجية الصغيرة الموضوعة أمامهم. سلَّم على الجميع في مودةٍ ممزوجة بالرهبة، وبالغ في إحناء رأسه كثيرًا أمام كبار السن، وألحَّ عليه الشعور — بعد الجلوس على مقعد وحيد ومواجه للجميع — بأنه الليلة أشد وحدة مما كان في أي وقتٍ مضى من حياته التي قضاها متوحدًا مع كمانه، بل هاجمه الإحساس بأنه مهجور ومتروك للصدف ومُلقًى به في عالم لا يعرف ماذا سيفعل معه، وداهمه الإحساس أيضًا — إزاء الأعين التي تتفرس في وجهه — بأنه ملقى في حلبة صراع تاريخية قديمة وسوف تخرج عليه الوحوش الكاسرة التي ما زالت حبيسة الأقفاص.

رنَّت العبارات المألوفة في سمعه رنينًا عجيبًا: أهلًا وسهلًا، يا مرحبًا بالفن وأهل الفن، سمعناك كثيرًا يا أستاذ قبل أن نتشرَّف برؤياك.

رجع الجميع للحديث الذي كانوا منخرطين فيه بعد أن لاحظوا أن الضيف القصير ذا النظارة الطبية لا يكاد يرفع رأسه المطرقة نحو الأرض، وأنه فيما يبدو قد صمَّم على ملازمة قوقعته وعدم مغادرة شرنقته إلا بعد وقتٍ غير قليل، رجعوا لما كانوا فيه من أحاديث عن الأزمات التي كانت شائعةً في ذلك الحين؛ أزمات زحام المواصلات والكبريت والملح والفكة، خصوصًا وقد اقتربت مواسم الاحتفالات والأعياد. رفع رأسه محاولًا أن يعثر في شبكة الحوار على ثقبٍ يمكن أن ينفذ منه بكلمةٍ أو عبارةٍ أو حتى بابتسامة موافقة أو اعتراض. كانت الأصوات تعلو وتتزاحم وتجأر بالشكوى من الفساد العام والاختناقات في كل الميادين وغياب الحريات في ظل العسكر الذين قبضوا على رقبة البلد وأصبحوا بقدرة قادرٍ هم الساسة وخبراء المال والاقتصاد والزراعة، وربما الفكر والفن أيضًا، وهنا نظر إليه أحدُ الحاضرين وكان قريبًا منه وسأله: نريد أن نسمع رأي واحدٍ من أهل الفن بعد أن سمعتم رأيي عن الفساد المستشري في الجامعة والتعليم في كل مراحله. نظر إليه جورج وأدرك أنه قطعًا من أهل العلم، كما فهم مع استمرار الحوار أنه مدرس بالجامعة وزوج شقيقة المحبوبة التي جاء يطلب يدها، وقبل أن يبلع ريقه ويدير الرد في ذهنه فوجئ برجلٍ نحيل شاحب الوجه بصورة ملحوظة يرفع صوته وصدره يلهث ربما من ربو قديم: لا تتعبوا الضيف الكريم، طوفان الفساد عمَّ وفاض ولا على أيام سيدنا نوح، المهم الآن هو من يصنع السفينة.

ضحك أحد الحاضرين وهو يسعل بشدةٍ ويضع سيجارًا غليظًا في فمه: يصنعها كل المخلصين كما فعلوا في كل الأزمنة السوداء (ثم موجهًا سؤاله مباشرة إلى الضيف الذي بدا له الآن أنهم جميعًا قد جاءوا لرؤيته والاستماع إليه) أليس الفن انعكاسًا للواقع يا أستاذ؟ حتى الموسيقى كما تعلم …

تنحنح جورج وهم بالكلام فقاطعه الرجل النحيل اللاهث الصدر الذي عرف بعد ذلك من سياق الحوار أنه خال المحبوبة ووكيل الوزارة المرموق: الموسيقى؟ وماذا تفعل الموسيقى أو الموسيقيون؟ هل يمكنها أو يمكنهم أن يصدُّوا الطوفان؟ هل تُوقِف الموسيقى زحف جيوش الذئاب والكلاب والعقارب والثعابين؟ ليت الأمور كانت بهذه البساطة!

هبط السكون والوجوم على رءوس الجميع، وأخذ الكل ينتظر ما سيقوله الضيف الذي تشجع واندفع يقول: الموسيقى كغيرها من الفنون تعكس الواقع وروح العصر بطبيعة الحال، لست فيلسوفًا في الفن أو علم الجمال حتى أشرح هذا بالتفصيل، ولكن حتى الموسيقى تعكس الواقع كما قلت ولو من بعيد وبشكل غير مباشر، تذكروا مثلًا أن سيد درويش هو الذي عكس بأغانيه وأناشيده ثورة الشعب الكبرى سنة تسعة عشر، وأن بيتهوفن بسمفونية البطولة عكس روح عصر نابليون وعبَّر عن خيبة أمله هو وجيله في البطل الذي تحوَّل إلى طاغية. ماذا تكون الحياة بغير الفن؟ هل يتصوَّر أحدٌ أن يعيش بدون أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وبقية الملحنين العظام؟

سكت جورج ليلتقط أنفاسه فعاجله الرجل النحيل اللاهث الصدر وهو يسعل سعالًا شديدًا: وهل يمكن للموسيقى أن تغيِّر شيئًا مما نحن فيه؟

قاطعه جورج وكأنه وجد نفسه مضطرًّا للدفاع عن كرامة الفن: الفن يغيِّر الواقع دائمًا، لقد غيره على الدوام ولكن ببطءٍ شديد.

رجع الرجل النحيل يقاطعه: هل يستطيع الفن أن يطعم جائعًا أو يكسو عريانًا أو يضع طوبة فوق طوبة أو يوقف مستبدًا أو لصًّا كبيرًا أو صغيرًا عند حده؟ اسألني أنا عن كم الفساد وخراب الذمم المنتشر في كل مكان، أنا أعمل في وزارة المالية وأراجع بنفسي مدى السلب والنهب للمال العام.

حلقت سحابة جديدة من السكون والوجوم فوق الجميع، واخترقها الرجل النحيل الذي توجه بالسؤال المباشر إلى جورج: لا تؤاخذني يا بني، هل تتصور أن في إمكانك وفي ظروف الفساد والكساد العام أن تفتح بيتًا من الموسيقى؟ لا تؤاخذني بسبب صراحتي، ولكني في موقع المسئولية ولا بد من هذا السؤال.

تلعثم جورج قليلًا وتنحنح عدة مرات قبل أن يرد بصوت واضح وواثق على السؤال الذي فاحت منه روائح الشك وربما الإهانة: أجل، أستطيع بإذن الله، ولكي أدخل في الموضوع وأكون صريحًا مثل سيادتك أخبركم أنني أدرِّس الآن آلة الكمان في معهد الموسيقى ولن تتأخر إجراءات تعييني في أقرب وقت، كما أنني أصبحت عضوًا عاملًا في فرقة الموسيقى العربية ودخلي بحمد الله غير قليل.

نظر إليه الخال نظرةً طويلة قبل أن يحول الحديث وجهة أخرى ومع شخص آخر، وبدأت الأحاديث الجانبية تطغى على الجلسة بجانب الأحاديث الشخصية والعائلية التي جعلت جورج يطرق برأسه من جديدٍ ويدخل شرنقته أو قوقعته التي كان قد غادرها قبل قليل، ولما وجد أن الجميع، بما فيهم المتعاطفون مع الفن وأهل الفن، قد انصرفوا عنه تمامًا وكأنه غير موجود، نهض في أدب وهو يقول وعلى شفتيه بسمة حزينة وفي عينيه ما يشبه العتب على الخال الذي وقف أيضًا مع الآخرين: تشرَّفت بمعرفتكم وإن شاء الله أسمع منكم كل خير. رد الخال وهو يمد يده بالسلام: ونحن تشرفنا بك والله يقدم ما فيه الخير.

أحنى جورج رأسه للجميع، وسلم على كل من مد يده إليه بالسلام، واتجه إلى الباب الذي دخل منه ووجد عنده الأم الطيبة التي استقبلته قبل بداية اللقاء بالأهل والأقارب الذين لم يكد يتعرف عليهم، وعندما هبط على سلم العمارة سأل نفسه وكأنه يغرز بيده خنجرًا حادًّا في صدره: ترى لماذا لم تفكر في الحضور ولو لحظة واحدة للسلام عليَّ؟ أهي التقاليد الصارمة أم الخجل أم الرفض المبدئي للزائر وللموضوع؟

عجز عن كل تفسير أو تبرير، وعندما قابله البواب الصعيدي العجوز بعد ذلك بأسبوع أو أكثر وقال له: الست هانم التي زرت الجماعة من أجلها تمت خطبتها يوم الخميس. سأل جورج في هدوء: تقول خطبت؟ قال البواب: نعم نعم يا بيه، لضابط كبير على كتفه نسر ونجوم. قال جورج بنفس الهدوء: مبروك يا حاج، قل لهم ألف مبروك، وربنا يتمم بخير.

وانصرف مسرعًا كأنه هاربٌ من عاصفةٍ أو إعصار يتقدم نحوه ومعه الغبار والظلام والسواد. كان أعجز من أن يجد الكلمة التي تصف ما حدث، أحس بما لا يستطيع أن يصفه أو يدرك كُنْهه، ووجد نفسه يفتح باب لؤلؤته الصغيرة الخانقة ويسرع إلى صندوق الكمان فيخرجه من مرقده ويضعه على صدره ويواصل العزف كالمحموم أو المجنون طوال ذلك اليوم والأيام والليالي التالية.

•••

تنحى عن المدخل قليلًا لكي يتقدمه بشارة الذي يعرف أهل البيت وتربطه بهم صلة قرابة، وتذكر وهو يصعد الدرجات الخشبية اللامعة ويقلب بصره في الجدران والأنوار وأبواب الشقق الأخرى أنه سبق أن صعد هذا السلم نفسه قبل ما يزيد على الثلاثين عامًا، وأنه قد أصبح أكثر بهاءً ونظافة ولمعانًا مما كان عليه، وهو لا ينسى أنه هبط على هذه الدرجات نفسها وكل خلجةٍ فيه تنتفض بالألم والحسرة والإحساس بالاندحار والخذلان والمهانة، وأشد ما آلمه في ذلك اليوم والأيام التالية أنه قدَّم نفسه — ببراءة الفنان وسذاجته — بلا تمهيد ولا مقدمات لأناس لم يفهموه ولا كان من الممكن أن يفهموه أو يقدروه أو يتعاطفوا معه.

أخرجه من حصار ذكرياته صوت بشارة وهو ينادي باسمه وصوت صبي صغير يدعوه أن يتفضل بالدخول، وما هي إلا لحظات حتى كان عزمي نفسه، بقامته الطويلة وحيويته البالغة ووجهه البشوش، قد ظهر وراء الباب المفتوح وهو يهلل ويحيي بدفء وحرارة بالغين، ويسلم على جورج بترحيب شديد وهو يلتفت إلى بشارة: أعظم هدية منك يا بشارة (ثم وهو ينظر إلى صندوق الكمان) وهذه أجمل فرصة للاحتفال بمناسبتين سعيدتين في وقت واحد؛ تشريف الأستاذ جورج لأول مرة وأرجو ألَّا تكون المرة الأخيرة، مع حفلة عيد ميلاد صغيرة لا بد أن الكمان ستملؤها أنسًا وبهجة. قال هذا وهو يهتف بصوت عالٍ: تفضلوا، تفضلوا (ثم وهو يميل على أذن بشارة ويسر إليه هامسًا) اليوم عيد ميلاد جنة، وأنت تعلم كم هي مريضة.

تفضل الضيفان وراء عزمي والصبي الصغير الذي كان من السهل أن يحدس الزائر بأنه ابنه، وقد أكد عزمي هذا حين قال وهو يشير إلى الأريكة البنية الواسعة وكراسي الفوتي المريحة، هذا هو ابني أنيس، أول العنقود وآخره، أمه تتغيب عنا يومين في الأسبوع بسبب المحاضرات التي تلقيها بجامعة الإسكندرية. لم أستطع أن أؤجل الاحتفال بعد أن تعرفت عليك يا أستاذ جورج؛ لهذا اغتنمت الفرصة العظيمة عندما رأيتك عند بشارة، وسترى بنفسك أنه لم يكن يحتمل التأجيل، هيا يا أنيس، حاول يا بني أن تقوم بالواجب في غياب أمك، اعذرونا يا جماعة على الارتباك والتقصير، وشكرًا لك يا بشارة على هذا الشرف العظيم.

حاول جورج الذي ثبَّت صاحب البيت عليه عينيه أن يقول شيئًا، لكن شفتيه تحرَّكتا قليلًا ولم يخرج منهما صوت. شعر أن الرد الملائم على مجاملة عزمي هو أن يخرج كمانه من جرابه ويعزف شيئًا يحيي به البيت وأهله، وانحنى بالفعل على الصندوق وأخرج رفيقة العمر ووضعها على حجره. لم يغب عنه أن يلاحظ التغير الذي طرأ على الأثاث والسجاد والثريات المتلألئة في السقف عما كان عليه الحال قبل ثلاثة عقود أو أكثر، وأكد هذا ما قاله عزمي وهو يخبط بكفه على كتف بشارة: تغييرات كثيرة كما ترى، لتشعر كم أنت مقصر في زيارتنا. حاول بشارة أن يعتذر بدوامة الأيام والأعمال، وربت عزمي على ظهره وهو يقول مطرقًا برأسه إلى الأرض: ليته اقتصر على الأثاث وحده (ثم وهو يخفض صوته كأنه لا يريد أن يسمعه أحد سواه) بعد مرض جنة المفاجئ كان لا بد من التصرف بسرعةٍ، مات زوجها كما تعلم في حرب ثلاثة وسبعين، وزوجت بنتيها في الأعوام الخمسة الأخيرة مما أرهقها وأتعبها تعبًا شديدًا، وحين فاجأها المرض الملعون وفاجأنا لم يكن من الممكن أن نتركها تعيش وحدها وهي بهذه الحالة فأحضرناها لتعيش معنا ونستطيع رعايتها وتدبير العلاج اللازم لها في كل الظروف (وأضاف وهو يضع يده على وجهه ويكاد يبكي) الأمر لله، هي مأساة كبيرة ولا حيلة لنا. شدَّ بشارة على يده وقال محاولًا أن يخرج صديقه والضيف الحاضر من إطار اللوحة القاتمة: يا أنيس، الحقنا يا بني بالحاجة الباردة قبل الشاي. قال عزمي وهو ينهض متجهًا إلى الداخل ويهتف بصوت مرح يحاول أن يكون طبيعيًّا: يا أنيس، هل غرقت في شبر ماء؟ أين العصير يا بني؟

في هذه الأثناء كان جورج قد أخرج الكمان من الصندوق وأخذ يمر بأصابعه على الأوتار والمفاتيح في رفق وهو يضع أذنه بين الحين والآخر على الجسد الخشبي المحتشد بشتى الأنغام. تطلع أمامه وفوقه وحواليه في هدوء وراحت أجنحة خياله تحلق في سماء اللقاء القديم. لم يسأله أحدٌ أن يعزف شيئًا محددًا، ودون أن يدري وجد نفسه يسبح على أمواج ذكريات القصبجي، كما وجد الحاضرون أنفسهم يغوصون مع اللحن في دهاليز الوجوم والاكتئاب والحنين والندم والحسرة والتسليم للتعاسة الخالية من أي أمل. كانت الصينية وعليها أكواب العصير والمشروبات المتنوعة قد وضعت على المائدة، حتى أنيس الذي أحضرها وقف متجهمًا وكاد أن يغرق في نهر النغم الحزين، واستطاع عزمي أن يخلص نفسه من أسر اللحن المعتم فاقترب من جورج وهو يتكلف الضحك وفي يده كوب من عصير البرتقال وقال له: لاحظ يا أستاذ جورج أننا سنحتفل الليلة بعيد ميلاد، أرجوك أن … رد عليه جورج وهو يضع الكمان بجواره على الأريكة: معذرة يا أستاذ عزمي، سأحاول أن أخرج من جو الذكريات. وأضاف بشارة وهو يربت على يد جورج: ادخل في الجو المرح أرجوك، ستأتي بناتها الآن ومعهن الأزواج والأولاد، هذا ما فهمته من عزمي، الست مريضة جدًّا ولا داعي للمزيد.

دق جرس الباب ودخلت سيدتان شابتان في ملابس ملونة ومبهجة، وظهر وراءهما شابان يفيض وجهاهما بالصحة والنضارة، وضعا علب الهدايا التي يحملانها فوق المائدة المستطيلة وانطلقا إلى الداخل مسرعين بعد تحية عابرة للحاضرين، ونادى عزمي على ابنه: قل لهم يحضروا عمتك يا أنيس، نريد أن نسمع ونأكل ونحتفل معها، أليس كذلك يا حضرات؟

لم تمضِ لحظات حتى ظهر كرسي متحرك يدفعه أنيس من الخلف وتجلس عليه مريضة متصلبة ومتخشبة، رأسها مركون على المسند في أعلى الكرسي وخلف ظهرها وتحت قدميها مسندان آخران من قماش أحمر بخطوط سوداء. صفق بشارة وهو يسرع للمشاركة في دفع الكرسي المتحرك: هابي بيرث داي … هابي بيرث داي تو يو. وردد عزمي وأنيس والزوجان الشابان اللذان ظهرا وراء الكرسي: والليلة عيد، عالدنيا سعيد …

بدأ الجميع ينهمكون في صف الأطباق والأكواب وعلب التورتة والجاتوه والحلويات التي أحضرها الضيوف. حملق جورج في الوجه المتقلص الذي اعوج فكاه وزاغت فيه العينان ولفه التعب والإرهاق وأطبق عليه الهمود والجمود، أخذ يفتش فيه عن الوجه القديم الذي كان يرتعش لمرآه ويحس كأن صاعقة ضربته وداهمته من العينين الناريتين. هل هذه هي جنة التي عشت ثلاثين سنة في جحيم ذكراها؟ أهذا هو الوجه الذي كان يسحرني ويفتنني بملامحه الحادة المضيئة، وأنفه السامق المتكبر، وشفتيه المحمرتين الممتلئتين، وغمازتيه العابثتين الماكرتين تحت الوجنتين البارزتين، والشعر الأسود المسترسل كفرعي صفصاف على شاطئ ترعة أو بحيرة؟ أهذه جنة التي لم أعرف اسمها إلا اليوم، جنة التي كرست حياتي وألحاني ونومي وصحوي ونبضي وأنفاسي لتمجيد اسمها وإحياء جذوة حبي اليائس البائس لها وصونها من الذبول والخمود والسأم؟ ماذا أرى الآن أمامي؟ حطام إنسان أحببته بلا أمل وتوحدت من أجله ورفضت أن يكون لي ملهم أو رفيق حياة سواه؟ كيف تحول إلى صنم متحجر، مجموعة أعضاء متشنجة عاطلة من الحركة والجمال والوعي؟ وأنا الذي حلمت أن أراك عن قرب وأسلم عليك وأبادلك الكلام مرة واحدة ولتكن الأخيرة قبل أن يُغيِّبني قبري؟ ما الذي جرى لكِ وأي لعنة وأي شيطان فعل بكِ ما فعل؟

أفاق جورج على صوت هامس في أذنه. كان عزمي يميل برأسه عليه ويسرُّ إليه بما غاب عنه: إنه الشلل بعيدًا عنك، أصابها في المخيخ ولم نستطع أن نفعل شيئًا، قال الأطباء إنها ستبقى هكذا ولا أمل في أي تحسُّن، أرجوك أن تبدأ العزف حتى نحتفل وننسى.

سأل جورج: وماذا تفضل؟ هل أعزف موسيقى أغاني أم كلثوم أم موسيقى عبد الوهاب أم …

أجاب عزمي: كانت تفضِّل أم كلثوم على أي صوت آخر، يمكنك أن تعزف ما تشاء ويناسب عيد الميلاد، حتى بيتهوفن ممكن، لقد وجدت عندها شرائط كثيرة له. لاحظ أن سمعها ضعيف، تمامًا مثل بصرها، ربما لا تجد أي استجابة من ناحيتها، لكن أرجوك ألَّا تتوقف عن العزف، نريد أن ننعشها ونسليها قليلًا عن مرضها اللعين.

هب جورج والكمان على صدره والقوس يتحرك على الأوتار المشدودة بلحن الليلة عيد، غنى الجميع وراءه وهللوا وصفقوا. لم يبدُ على المريضة المتخشبة أنها أحست بشيء. لم تحول رأسها أو عينيها الزائغتين نحو النغم المنساب ولا نحو التهليل والتصفيق، وتواصل العزف لحنًا بعد لحن وأغنية بعد أغنية؛ شمس الأصيل وهجرتك، مقاطع من غلبت أصالح وسهران لوحدي والأطلال والرباعيات. الكل يتابع ويغني مع الموسيقى الصافية المنسكبة في رقة وحنان، حتى مقطوعتي ضوء القمر ومن أجل إليز اللتين عزفهما جورج باقتدار واستغراق لا نظير له وجدا الاستجابة أيضًا من الجميع. ظل الوجه المائل المسنود على كتف الكرسي المتحرك متصلبًا على ما هو عليه، وبقيت عينا جورج مثبتتين عليه طول الوقت على أمل أن تتحرك فيه عضلة أو يرتجف رمش أو تهتز شفة بكلمة واحدة. كانت تخرج منهما آهة ممطوطة بين الحين والحين، آهة لا يدري أحد كيف يفسرها ولا يعرف إن كانت تعبيرًا عن اليأس والتسليم أم عن الغضب والتمرد العاجز على الشلل الملعون، والمؤكد أن هذه الآهة لم تصل إلى كل الآذان؛ فقد انشغل الصغار والكبار بالرقص حول المشلولة، والتهليل بالغناء على أنغام الموسيقى، ثم بإطفاء الشموع بدلًا من الصنم المسكين الغائب عن كل شيء، والانكباب على التهام الجاتوه وقطع التورته مع الشاي.

وأوقف عزمي الضجيج والضوضاء بإشارة حاسمة من يده التي تحمل علبة صغيرة من القطيفة الزرقاء. صاح على الملأ: جاء وقت هدية عيد الميلاد، اسمحوا لي أن أضع هذا العقد اللؤلئي حول عنق جنتنا العزيزة.

اتجهت نظرات الجميع نحو عزمي الذي وقف خلف المريضة وأخذ يلف العقد الناصع حول رقبتها، لم يبدُ عليها أنها لاحظت شيئًا أو اهتمَّت بشيء، وحتى الآهة التي انطلقت مبحوحة من بين شفتيها الذابلتين لم يكد أحد يحس بها أو يلتفت إليها.

رجع جورج إلى مجلسه على الأريكة التي وضع عليها صندوق الكمان بعد أن شعر بالتعب والإرهاق، وتسمرت عيناه على الوجه المتصلب والعينين التائهتين. غاب هو أيضًا عن الجميع فترة طويلة من الوقت ولم تمتد يده إلى الطبق الكبير الذي وضعه بشارة أمامه. أحس أنه يريد أن يخفي وجهه بين كفيه وينشج بالبكاء كما لم يحدث له طول حياته على الأرض. نهض واقفًا والصندوق الأسود في يده اليسرى واليمنى تتقدم نحو عزمي بالسلام والرأس تميل على أنيس وبشارة لتقبلهما. حاول بشارة أن يثنيه عن الانصراف مؤكدًا أنه سيوصله إلى مسكنه، لكنه اعتذر بضرورة انصرافه بسبب البروفة التي تنتظره في الصباح ولأنه يسكن في نفس الحي ولا داعيَ لتعب صديقه القديم، هز رأسه محييًا الحاضرين، ووقف لحظة في خشوع أمام المريضة كأنه يودع ميتًا أو كأنه شارك لتوِّه في إلقاء التراب على مثواه الأخير. لم يدرِ ماذا قال لعزمي وبشارة ولا كيف اعتذر لهما. كل ما يدريه أنه وجد نفسه يهبط درجات السلم نفسها التي هبط عليها قبل ثلاثة عقود أو يزيد، وأنه شعر كما شعر في المرة السابقة بالاختناق بالعجز عن التعبير عن إحساساته المرتجفة التي لم يجد اللغة ولا الكلمات التي تطابقها أو تدانيها، وسأل نفسه وهو يمشي فوق الممر المفروش بالرمل والحصى ويخرج من البوابة العتيقة: هل ضاع كلُّ شيءٍ سدى؟ هل وضعت نفسي في الجحيم بإرادتي؟ هل عشت ضحية وهم كبير مخبول لم أفق منه؟ أم كنت أجد نفسي بالمرض الموروث في أهلي وجيلي، قال لنفسه وهو يشق طريقه على شاطئ النيل ويلمح الأمواج الملتمعة والمختلجة بأضواء المصابيح وألوانها: ليكن الأمر ما يكون، لن أتوقف عن العزف ولا عن الحياة، سأواصل وأواصل رغمًا عن كل شيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١