الكراسي

«قم وبلِّغ رسالتك، أعلنها على الملأ، قل كل شيء، اشرح كل شيء، إنهم جالسون أمامك، شخصيات مرموقة وأخرى مغمورة، كلهم جاء ليستمع إليك، ليعرف مضمون رسالتك التي ستنقذ الأرض والعالم والإنسان والحيوان والبيوت والأشجار، ها هم قد اصطفوا أمامك على الكراسي، زحام فظيع وكراسي في كل مكان، زحام فظيع وكراسي في كل مكان، امتلأت بهم القاعة والرَّدْهة والمدخل والممرات على الجانبين، كراسي وكراسي وكراسي، ومن لم يجد كرسيًّا وقف في الزوايا والأركان أو ربض كالقط العجوز تحت أحد الكراسي، قم يا أخي قم! ما هذا المرض الذي يقعدك عن القيام بدورك وإلقاء خطبتك؟ ألم تسمع عن إرادة الحياة؟ ألم تقرأ عن أناسٍ هزموا أعضل الأمراض وأخبثها في عصرنا المريض؟ وهل يمنعك هذا من الوقوف على خشبة مسرحنا؛ خشبة مسرحنا الذي وقفنا عليه وجلجلت أصواتنا في عز الشباب؟ قم يا أخي وصديقي قم، الجميع ينتظرون خطبتك، الجميع ينتظرون.»

بهذه العبارات المبتورة وأشباهها مضى يناجي نفسه في طريقه من مجاهل العباسية إلى مشارف الروضة. لم يجد مواصلة مباشرة فاستأجر تاكسيًا وطلب من السائق الثرثار أن يقف به على شاطئ النيل بالقرب من الكوبري التليد الذي طالما تمشَّى عليه مع صديقه؛ ليستنشقا الهواء النقي بعد سهرة طويلة وحديث أطول عن المسرح ومشروعاته وأحلامه في غرفته الملبدة بسحب الدخان الكثيفة ورائحة البيرة النافذة، وبعد أن هبط من التاكسي وتخلص من أسئلة السائق عن أخص أموره وجد نفسه وسط المتاهة المزعجة: أبواق سيارات تزعق كأنما ركبت لها حناجر ثيران تساق إلى الذبح … سوق فوضوي اختلط فيه الماشي بالراكب بالدراجات بعربات الكارو بالفولفو والمرسيدس والنصر ومن كل الماركات، وتحسَّر على انتظام المرور وصرامته في البلد الصحراوي الذي قضى فيه سنواته الأخيرة. واكتفى بسؤال نفسه قبل أن يسأل عن العنوان الذي راح يتقلَّب ويطفو ويغطس في ظلمات ذاكرته: كيف صرنا إلى هذا الحال؟ هل سبقنا عرب البادية إلى الحضارة والنظام وتركونا نتصادم في الفوضى والشراسة والوحشية؟ وأدار ظهره للنيل الذي لم يشأ أن ينظر إليه حتى لا يفجع مرة أخرى بالتحسُّر على ركود مياهِه وتيبس شريانه وانسياب سطحه الأملس البليد كظهر حوت عجوز ومريض. وبدأت تفاصيل العنوان تتخبط في صندوق دماغه كالوطاويط السوداء أو العصافير العمياء. آه لو استطاع أن يضع قدمه على الشارع! سيتذكر الكهربائي والرفَّا العجوز على الناصية، وبعدها المقهى الصغير الذي يأوي إليه البوابون وعمال التنظيم وعساكر القسم القريب وصبية الميكانيكية وباعة الجرائد المنهكين وصاحب دكان التموين بوجهه الصغير المنحس كوجه فأرٍ مغبر خرج لتوه من تحت الأنقاض. آه لو يتذكر الكلمة الأولى من الاسم القديم الذي اقترن بالمماليك والسلاطين. هل هي السراي؟ الجامع؟ البوابة أم الباب؟ بل هي الحصن. نعم حصن، وربما مقياس النيل.

ومال على مقلاة ليسأل الشاب الأسمر الذي يقف خلف تلال صغيرة متجاورة من اللب والحمص والسوداني الشهي الرائحة: من فضلك، أليس هنا شارع قريب اسمه الحصن أو المقياس؟ قال الشاب مبتسمًا: إن كنت تريد شارع المقياس فهو خلفك، بعدنا بشارعين، على نفس الرصيف.

أجاب بسرعة: لا، لا، إنه قريب من هنا، ربما الحصن.

قال الشاب وهو يكتم ضحكته: يظهر أنك سائح يا أستاذ، تقصد حصن بابليون؟ إنه هناك في مصر القديمة.

وخرج الشاب من وراء التلال الصغيرة التي تفج منها الرائحة الكثيفة الدافئة ليدلَّه على الطريق فومضت الكلمة في رأسه كشرارة برق خاطف وسأله: القلعة، لعلها القلعة!

ضحك الشاب وهو يشير إلى الأرض: قلعة الروضة؟ لا يمكن أن تقصد قلعة صلاح الدين! وبادله الضحك: لا، لا، ليس إلى هذا الحد! صحيح أنني غبتُ طويلًا ولكني لم أصبح من السوَّاح. وضع الشاب يده على كتفه وقال: خطوتين وتدخل القلعة بنفسك يا حاج، الشارع الذي تريده على اليمين.

شكره وأجزل في الشكر وهو يخبط جبهته بكفه اليمنى خبطة مدوية، وتركه وهو يعتذر له بحكم السن.

شعر بالاطمئنان يعود إليه وهو ينقل قدميه على أرض الشارع الذي طالما قطعه ذهابًا في أول المساء وإيابًا قرب الفجر، وأخذ يقلب بصره بين المحلات والدكاكين والأسوار الحجرية الداكنة الصفرة والبوابات الحديدية الصغيرة والشرفات النحيلة ذات العمدان الملتوية القصيرة كراقصات عاريات البطون، وخيل إليه أن هذه الشرفات تطل فتحاتها في دهشة على الضوضاء الزاحفة والأصوات الجهورية الغاضبة التي لم يكن لها صوت في الزمن القديم. وما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه أمام البيت ذي الشرفات الواسعة في أدواره الثلاثة بلونها الليموني الفاتح. لم يجد صعوبة في العثور على المدخل الذي يقود إليه ممرٌّ طويل كان يتوقف فيه كلما رأى القطة السوداء السمينة وتذكر عنادها وكبرياءها ووجهها المستدير الفاحم السواد الذي كانت تشيح به جانبًا وتمضي في سبيلها كلما حاول الاقتراب منها والمرور بيده على ظهرها. صعد السلم بخطوات ربما كانت أبطأ وأثقل مما تعوَّد عليه، لكنه شعر بالراحة تغمره وتسري في كيانه كله كمياه جدولٍ صافٍ عندما وقف أمام الباب الذي يحمل نفس اللافتة القديمة بنفس الخط الذي كتب به اسم صاحبه على سطح اللوح النحاسي المستطيل الذي بدا له باهتًا أكثر مما كان ومغبشًا ببقعٍ بنيةٍ داكنة تقترب من السواد. لقد سمع من أحد معارفه أن صديقه مريض منذ سنوات، ولكنه لم يسأل نفسه عن نوع المرض وشدته ومداه. كان كل ما يشغله هو أن يزوره ويداعبه ويحيي معه الأيام والليالي التي شاركه فيها في تقديم الكراسي وتقبل التصفيق الحار من الجمهور الصغير بالانحناء والامتنان، وربما خالجه الأمل الغامض في أن الذكريات الحية يمكن أن تبعث أنفاس الصحة والقوة في الجسد المريض الغائب عن المكان والزمان.

ضغط على زر الجرس فتردَّد صوته المشروخ في جنبات الرَّدْهة الواسعة كما كان يفعل تمامًا قبل عشر سنوات، ومال به الخجل الفطري ناحية الحائط كما كان يفعل على الدوام وهو يطرق برأسه ويرد على الصوت المتسلِّل من شرَّاعة الباب دون أن يرفع عينيه. أجاب على الصوت المتسائل قائلًا: أنا عاصم، عاصم النجار.

كان يظن أن نطق اسمه كفيلٌ بتعريف صاحب الصوت الخافت بصديق الشباب وزميل الكفاح القديم، ولكن الصوت المتسائل ارتدَّ إليه في حزنٍ لم يخف عليه: معذرة، هل تسأل عن أحد؟

قال في مرحٍ مكتوم كأنه يستنكر الجهل باسمه أو نسيانه: أنا صديق الأستاذ شهاب إسماعيل.

وملأ صدره بالهواء قبل أن يقول بلهجةٍ اختلط فيها المرح بالدهشة بالعتاب: عاصم، عاصم الذي كان يزوركم كل جمعة وأحيانًا كل يوم بعد انتهاء العروض ولا يخرج قبل الفجر. صديق شهاب وزميله في عرض الكراسي. وقبل أن يفصح عن عجبه الشديد كانت الشراعة قد أغلقت وسحبت يد المزلاج من الداخل وواربت الباب قليلًا — ظل مطرقًا برأسه وإن رفعه قليلًا كي تتمكن سيدة البيت من إدراك خطئها الكبير — وسرعان ما جاءه الصوت الذي لم تغب عنه في هذه المرة نغمة التردد والأسى العميق: أهلًا وسهلًا، لا تؤاخذنا يا أستاذ …

أسرع موضحًا اسمه وهويته المؤكدة: عاصم النجار، يا ما وضعت الحمامة والخليفة أبو بكر على كتفي ومعهما القطة السوداء التي ألف عنها شهاب الكتاب، يا ما لعبت معها و… وردَّ عليه الصوت أكثر وضوحًا وحسمًا: نعم، نعم يا أستاذ، ولكن هديل في الشغل، وأبو بكر في المصنع ويزورنا كل أسبوع أو كلما احتجنا إليه، أما شهاب …

تحشرج صوتها واختنق بالدموع — لم تستطِع أن تُخرج حرفًا واحدًا فأسرع يقول: أعلم أنه مريضٌ من سنوات.

– مريض؟ ادعُ له يا أستاذ.

لم يملك نفسه من الصياح: لا لا، لا تقولي هذا، لقد عرفت أنه حي ويصارع المرض. أجاب الصوت المختنق واتسعت فتحة الباب: نعم يا أستاذ ولكنه لا يحيا ولا يموت.

أوشك أن يندفع نحو الباب ولكنه كبح قدميه في اللحظة الأخيرة: اعذريني يا سيدتي. أنا مقصر، ولكنني كنت خارج البلاد، أرجوك لا تحرميني من رؤية شهاب.

رفعت السيدة وجهها وتأملت وجه الزائر الذي اتضحت ملامحه لعينيها بعد أن تعودت على الظلام الذي غلَّف السلَّم بغلالة بدأت تخف قليلًا. قالت وهي تهز رأسها: ولكنه غائبٌ عن الوعي، لا يعرف أحدًا ولا يزوره أحد.

رد عليها بثقة لم تكن في محلها تمامًا: اسمحي لي بزيارته، بإذن الله سأعيد إليه وعيه، تأكدي من هذا. تفرست عيناها فيه لحظات قبل أن تشعل ضوء الصالة وتفتح له الباب. وظل مطرقًا برأسه خافضًا بصره حتى نبهه صوتها: تفضل، تفضل لتتأكد بنفسك.

دخل من الباب وهو يحيي بصوتٍ متلعثم، وسبقته إلى الحجرة الداخلية ذات الباب الزجاجي العريض. قدَّم إليها باقةَ الورد التي أنساه الارتباك والعتمة أن يناولها إياها عند دخوله وسمعها تقول: البيت بيتك، يمكنك أن تجلس معه كما تشاء. ثم وهي تفتح باب الحجرة وتطل على المريض الممدَّد على السرير السفري الذي بدا هيكله الأبيض العادي كهيكل حيوان بحري في متحف: إنه نائم الآن، أرجوك لا توقظه، ربما يكون من حظك أن يفتح عينيه، وإذا تعبت من الانتظار يمكنك أن تنصرف وتغلق الباب وراءك. أنا مضطرة للذهاب في أمر هام. سأعود بعد ساعة وربما حضرت قبل هديل، أقصد الحمامة. إنها تمر علينا كل يوم قبل الذهاب إلى بيتها. المسكينة تنتظر مثلك ساعات حتى يفتح عينيه، تفضل، اجلس على أحد هذه الكراسي.

كاد أن يقول لها إن حظه سيكون أوفر من حظ الحمامة، لكن السيدة التقطت حقيبتها الجلدية وشكرته على الورد ثم استأذنت مسرعةً وأغلقت باب الشقة وراءها.

وجد نفسه وحيدًا معه في الحجرة الصغيرة التي هبَّت عليه منها رائحة الأدوية النفَّاذة والحيطان البيضاء العارية كأنها في إحدى المستشفيات. كان الضوء شحيحًا والمكان تسبح فيه الظلال الصامتة كأرواح الأسلاف؛ الآباء والأجداد والممثلون والمخرجون الذين ذهبوا ولم يذهبوا وماتوا ولا يزالون أحياء. تأمل الستارة البنية الفاتحة والأوراق والزهور الناحلة الألوان كأنها بقع على لوحة فنان حديث، ونظر إلى الرف الخشبي الصغير الذي رُصَّت عليه الزجاجات وعلب الدواء وربطات القطن والشاش ووعاء الحقن، وبعد أن أحس أنه تشاغل عن المريض الممدَّد على السرير خجلًا أو رهبة بالأشياء المتناثرة في نظام دقيق، تشجع واقترب منه. جلس على طرف السرير ووضع قدميه على المشاية الرمادية التي لاحظ خيوطها المتدلية من أطرافها كشعرات من رأس قطة غاضبة.

كان شهاب ممددًا على مرتبة السرير الصغير بجسده الضخم كأنه عنترة أو هرقل. رأسه ووجهه الملحم المستدير مائل قليلًا ناحية الحائط، وذقنه حليقة ولا أثر للحية الكثة التي نمت واستطالت في وقتٍ من الأوقات حتى كان يداعبه ويسميه أبا ذرٍّ حينًا وزعيم السيخ حينًا آخر، وكذب الكرش الضخم الذي تكور متورمًا أمامه كل ظنونه التي صورت له وهو في الطريق إليه أنه قد أصبح هزيلًا شاحب اللون، وتعجب من المرض الذي يحول إنسانًا إلى حصان هائل القوة والحجم في نفس الوقت الذي يشل فيه حركته ويقيد عقله وأعضاءه بقيودٍ أقسى من الحديد.

لم يدرِ ماذا يفعل. أخذ يتأمَّله من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. كانت أول مرة في حياته ينفرد فيها مع جسد مصمت أصم. إنه صديقه بالتأكيد، لكنه مجردٌ من كل شيء يميز الصديق إلا الجسد الممتلئ كأنه كتلة حجرية محفورة في الجبل. لا شك أنه يأكل ويشرب ويمارس وظائفه الحيوية على أكمل وجه، لكن الحياة التي تباشر سلطانها المهيمن عليه لم تترك له شعاعًا واحدًا من الوعي يمكن أن يساعده على تعرُّف أهله وأصدقائه أو يمكن أن يطل مرة واحدة من عينيه، وها هو يغط في نومه كحصان خرافي ضخم، كيف يعامله أو يعرفه بنفسه وهو كما قالت له زوجته قد غاب عن نفسه وعن كل شيء؟

تقلبت الكتلة الحية على الجنب الأيمن ومدت ذراعها إلى الملاءة الخفيفة عند القدمين وشدتها عليه، وانفتحت العينانِ لحظةً ثم انغلقتا، واستدار الجسد ليواجه الحائط فوجد الضيف نفسه في مواجهة الظهر العريض القوي. قال لنفسه: لماذا لا أجرِّب؟ ألا يمكن أن ترجع إليه لمحة تومض وتشتعل كالبرق في أغصانه وتكتسح الغياب والتحجر من كيانه؟ وإذا كان قد نسي صديقه فهل يمكن أن ينسى التجربة التي زلزلتنا في أول الشباب؟ أخذ يتكلم تاركًا نفسه على سجيته، موقنًا بأن الأمل لا يصح أن يضعف أو ييئس حتى مع المستحيل … وبدأ صوته يتدفق كالأمواج المتلاحقة وهو يصعد فوقها ويسقط ويعاود الصعود: أهكذا يا شهاب لا تحس بصديقك ورفيق كفاحك؟ أيمكن أن تنسى جهودنا وسهرنا في حجرة مكتبك ونحن نعد «الكراسي» ونتناقش حول الديكور والأضواء والإخراج وحركات الممثلين؟ ونجاحنا كل ليلة وأصواتنا المجلجلة وجرينا على الخشبة ونحن نحمل المزيد من الكراسي ونرحب بالمدعوين الوهميين ونجلسهم في أماكنهم ثم نستحم في آخر الليل تحت طوفان التصفيق والهتاف من المعجبين؟ لا لا، لا تُشمت أحدًا فينا، لا تدع أحدًا يقول إن الشهاب قد انطفأ وصار رمادًا، إن عصام قد اغترب ونسي نفسه وفنه في رمال الصحراء، لا تترك الخشبة للأدعياء والكذابين والمهرجين وتجار الشنطة الثقافية وشيوخ الذهب الأسود، قم يا شهاب، أفِقْ من نومك فالعالم ينتظرك. انهض كالعنقاء من الرماد وثبت قدميك على الخشبة، لم يضع كل شيء، لم يتحطم كل شيء، ستقوم الآن أيها الخطيب وتُلقي خطبتك، ستقوم وتقول كل شيء.

لم تبدر من الكتلة الحية بادرة حياة. ظل صوت النفس المتحشرج بالشهيق والزفير يتلاحق في دوامات أشبه بدمدمة بخار ساخنة تتصاعد من فوهة بركان، ونهض عاصم من مكانه على طرف السرير السفري الذي يلمع هيكله بالبياض الناصع كأنه تابوت رخامي. مد ذراعه في هدوء وطاف بها على ذراع شهاب وجنبه الأيمن وظهره العريض الذي أداره له. ثم سحبها بسرعة وهو يمني نفسه بأن الكلمة يمكن أن تنفذ في الحجر وقد تحفر فيه ثقوب الوعي: تعال يا شهاب نتذكر ليلة العرض الأولى. في ذلك المسرح الصغير الذي انتهى عمره القصير بالكارثة. بالطبع لم تنسَ الحريق الذي أتى عليه ولم نفهم أبدًا أسبابه، والتقينا يومها يا شهاب وبكينا وتعاهدنا عهد العنقاء الذي قطعناه أمام الركام المتفحم وكأننا نصلي لإله غامض في قدس أقداسه المحترق، لكن لماذا أبدأ دائمًا من النهاية؟ يظهر يا شهاب أننا عجزنا ولم يبق لنا إلا الذكريات، لكن تعالَ نبدأ من البداية، تعال نرتجل التمثيل الليلة كما تقول إحدى مسرحيات صديق احترق هو أيضًا وبقي مع ذلك حيًّا في صدورنا، تصور معي ساعة انفرجت الستارة. كان الصمت يهيمن على القاعة والخشبة وقطع الديكور والمتفرجين كما يُهيمن الآن على هذا المكان شبه ظلام، وأنا الزوج العجوز أطل من النافذة اليسرى وأترقب وصول المدعوين، وزوجتي العجوز تدخل دون أن أشعر بها وتوقد مصباح الغاز وينتشر النور الأخضر.

الزوجة: لا شك أنك عالم كبير، أنت موهبة يا حبيبي، كان من الممكن أن تصبح رئيسًا أو زعيمًا أو ملكًا أو طبيبًا أو قائدًا — صحفيًّا كبيرًا أو ممثلًا أول أو ماريشالا — لو أنك شئت ذلك فحسب، لو كان لديك الطموح الكافي، لكن ذلك كله سقط في الهوَّة؛ الهوة السوداء.

وأرد عليها أنا الزوج العجوز: فيمَ كان يفيدنا ذلك يا حبيبتي؟ لو حدث لما كانت حياتنا أفضل مما كانت، ومع ذلك فنحن سعداء راضون، أليس كذلك؟ نحن في مركز محترم، وأنا قائد ورئيس على كل حال، وما دمت أعمل حارسًا لهذا البيت فأنا قائد عظيم.

ويرن الجرس بعد ذلك رنينًا متواصلًا، ويتوافد المدعوون أفرادًا وجماعات، ونجري أنا وزوجتي العجوز من بابٍ إلى باب، ندخل ونخرج ومعنا الكراسي والمزيد من الكراسي، ويتوالى رنين الأجراس ويتوافد المدعوون، والكراسي لا تكفي كل المدعوين، والقاعة لا تتسع لكل الصفوف، وأجراس تدوي وأجراس، ومدعوون جدد باستمرار، وأنا أرحب بالضيوف المنهمرين: تفضلوا أيها السادة، تفضلن أيتها السيدات، وأنت أيها الصغير، هنا مكان لك مع السيدة الشابة الجميلة والكولونيل، ادخلوا، ادخلوا. وزوجتي تجري لاهثة من بابٍ إلى بابٍ تحمل المزيد من الكراسي وتصيح: أوه! أوه! ما أكثرهم! المكان يضيق بهم! لا يمكن يا زوجي أن تكون قد دعوت البشرية كلها، لا يمكن أن تكون كل هذه الأعداد مهتمة بسماع الخطيب، وآهٍ منك ومن نسيانك يا زوجي الحبيب!

وأطمئنها أنني لم أنسَ أن أدعو الخطيب وأشدِّد عليه بالحضور. إنها تعلم أنني لست فصيحًا كما ينبغي ولا أفهم في صوغ العبارات الرنانة والكلمات المؤثرة، وبرغم حبها لي، في المسرحية وحدها بالطبع، وبرغم قلقها الدائم عليَّ لأنني أتعب أكثر مما تحتمل سني التي زادت على التسعين، ولأنني لم أرتدِ سترتي الصوفية بالليل، برغم هذا كانت تعلم أن حبي لها أقوى من كل ما أردده بلسان المؤلف، وأنني الطفل اليتيم الحزين الذي يجلس على حجرها ويتعلق بصدرها ويتمنى، على العكس مما تقتضيه إرشادات المخرج والمؤلف، يتمنى أن يتشبَّث بها ويرتبط بقلبها وجسدها بالرباط الأبدي. هل تذكر يا شهاب؟ هل تذكر حبي لزوجتي العجوز هيفاء إبراهيم؟ انتفاضة كل شعرة فيَّ كلما رأيتها، تلعثم لساني واصفرار وجهي وارتعاش شفتيَّ ويدي كلما هممت بتوجيه الكلام إليها أو الرد على أسئلتها وثرثرتها المتواصلة؟ لا يمكن أن تكون قد نسيت. لقد عرضت عليَّ أن تتوسط لتخطبها لي أو على الأقل لتقرب سماءها البعيدة مني، ولَكَم عنفتني وضربتني باللكمات القوية على صدري: تحرك يا حجر! انطق يا صنم! وتحرك الحجر أخيرًا ونطق الصنم فارتدَّت إليه الصدمة من حجر أقسى وصنم أعتى. تزوجت هيفاء بعقد عرفي من الممثل الكبير ذي الصوت القبيح والنظرات الشرسة والعبارات المتورمة، ومرت شهور فرماها عظمًا بعد أن نهشها لحمًا، وسقطت في بحور ظلمات الكومبارس التي لم تطفُ فوقها أبدًا. في نفس العالم السفلي الذي سقطنا فيه يا صديقي ولم نخرج؛ أنت في غيبوبتك الطويلة وأنا في غربتي. لكن لا … لا يا صديقي! آن أوان الخروج والصياح والصراخ! آن أوان الوقوف على الأقدام وتبليغ رسالتنا للمسرح والعالم والأرض والبشرية! لهذا جئت إليك ولا بد أن تسمعني! لهذا جئت ولا بد …

كانت الكتلة الحية قد تحركت وهو لا يدري. انتصب الجسد القصير الممتلئ على الفراش نصف انتصابةٍ وأسند ظهره للمخدة المستطيلة المطرزة بخيوط ذهبية ترسم طاووسًا ملون الريش بذيل أزرق مبالغ في طوله، والتفت عاصم فوجد أمامه عينين مفتوحتين تحدقان في الفراغ. لم يطرف لهما جفن ولم يحسَّا به أدنى إحساس، لكنه امتلأ بالثقة وتيقن من أن الأمل ليس بمستحيل، واقترب منه ووضع كفه الطويلة النحيلة الأصابع على صدره. ظلت العينان تحدقان في الفراغ والكتلة الحية فاقدة لكل أثر للحياة، لكنه لم يفقد الأمل الذي تصور أنه يقترب منه بأسرع مما قدر، وعاود كلامه وهو يذرع المساحة الضيقة ويلف ويدور حول الكرسيين الوحيدين في الغرفة في ذهابه وإيابه: لا بد أنك تابعت كلامي وعايشت الحركة التي ضج بها المسرح.

حضر المدعوون جميعًا ولم يتخلَّف أحد … وربما وقفت صفوف منهم خارج الأبواب لأن القاعة ازدحمت عن آخرها والممرات والزوايا والأركان. كلهم جلسوا على الكراسي الخالية المتراصة صفًّا وراء صف أمام جمهور المتفرجين. الكل حضروا وتجسد الوهم حقيقة ترجف لها القلوب وتتوقف الأنفاس وتذعر العيون. كل الصحفيين والعلماء. كل الحراس والسجناء، الشيوخ والقساوسة والعازفون والنجارون والمهندسون ورجال الشرطة والتجار وموظفو البريد والبرق والأرشيف وعمال السكة الحديد والملاك والمعدمون والمليونيرات والمتسولون ورجال الضرائب والجمارك والبحارة والبناءون والمطربون والخدم المأجورون والأطباء والمصلحون والمتمردون والقانعون واللصوص والنشالون والمعلمون والمخربون … كلهم كلهم يا صديقي … حتى الأشجار والكلاب والقطط الضالة والمترفة التي كتبت عنها … حتى قطتك السوداء السمينة التي كانت تتكبر عليَّ باستمرار وترفض أن أربت على ظهرها الذي يتقوس وينتفش وتتحفز معه مخالبها كلما حاولت أن أمرَّ على رأسها وشعرها، كلهم كلهم جاءوا من جهات العالم الأربع ليستمعوا إليك، نعم إليك أنت بالذات، أنت الذي دعوته ليلقي خطبتي ويبلغ رسالتي الأولى والأخيرة، أنت الخطيب الذي انتظره الجميع وما زالوا ينتظرون.

توقَّف عاصم في وسط الحجرة ورفع ذراعيه إلى أعلى كأنه يتلو صلاة لا يستطيع تأجيلها، ثم اقترب من الكتلة الحية التي ثبتت نظراتها الجامدة في الباب الزجاجي المقابل وقال: نعم لا بد أن تثق بنفسك. لا بد أن تؤديه كما أديته أداء رائعًا قبل عشر سنوات، بل عشرين بل ثلاثين. تقول لماذا؟ وهل يمكن أن تنسى؟ هل يتصور أحدٌ أنك تجاهلت الإمبراطور؟ استمع إليَّ، استمع يا شهاب إلى هذه الكلمات، هذه الكلمات التي تبادلتها مع زوجتي كما يتبادل الحواة الجمرات أو الفرسان الحراب المشتعلة بالنار، وها أنا الزوج العجوز أصيح بزوجتي: يجب علينا إنقاذ العالم!

وترد زوجتي هيفاء كالصدى: سينقذ روحه بإنقاذ العالم.

وأهتف مرةً أخرى: حقيقة واحدة للجميع!

ويرد الصدى الحبيب: حقيقة واحدة للجميع!

وأهتف مرة ثالثة: اسمعوني؛ لأن عندي اليقين المطلق!

تجيب الحبيبة: اسمعوه لأن عنده اليقين المطلق!

ونصرخ معًا بصوت واحد يخرج من حنجرة البشرية: الجميع ينتظرون وصول الخطيب، لا بد أن يصل فقد قاسينا الأمرَّين، انتظروا ولا تيئسوا، حان وقت وصوله.

توقف عاصم النجار في وسط الحجرة وهو يلهث من التعب والصراخ. كان قد مثل الدورين معًا، دور الزوج العجوز والزوجة العجوز ولم يكف عن التلويح بيديه وذراعيه في كل الاتجاهات والتعبير بهما عن شتى الانفعالات والإيماءات، واقترب في ثقة من السرير السفري والكتلة المحدقة في الفراغ وهو يقول: كنا جميعًا ننتظر وصول الخطيب. أتدري من جاء أيضًا ليستمع إليه؟ أنت تعلم بالطبع؛ فأنت الذي لقنت الجميع أدوارهم ومخارج كلماتهم وضبطت حركاتهم وإشاراتهم. من الذي جاء؟ قل أي اسم! تكلم يا شهاب! إنه الإمبراطور! الإمبراطور بنفسه جاء يزورنا! صاحب الجلالة نفسه في دارنا؛ في دارنا! وتنطلق موسيقى وتُنفخ أبواق، ويغمر ضوء وهاج خشبة المسرح والنوافذ والجدران والكراسي والشخصياتِ المرموقةَ والشخصياتِ المغمورةَ التي تجلس عليها والواقفين في الأركان المظلمة والقابعين كالقطط أو الجراء الصغيرة تحت الكراسي والأرائك والمزهوين بالثياب الفخمة المزركشة وأشباه العراة المستورين بالهلاهيل المرقعة والحفاة، ويدوي صوت زاعق يخرج مني كل ليلة أنا الزوج العجوز المحظوظ: سيداتي سادتي! انهضوا أجمعين! مولانا المحبوب بيننا، مولانا سمع استغاثتنا وجاء لينصت بنفسه إلى رسالتي التي سيبلغها له الخطيب، هل تسمعني يا مولاي؟ هل تراني؟ إنني أرى وجه جلالتكم، جبينكم المعظم، والتاج المتلألئ على جبينكم، والإكليل الذي يحوط وجهكم وجبينكم وتاجكم بهالة العظماء والقديسين، لكنني لا أستطيع أن أصل إليكم أو أسمعكم صوتي، أكثر عبيدكم إخلاصًا ووفاءً لا يستطيع أن يشقَّ الزحام ويصل إليكم، لكن الخطيب سيأتي حتمًا، سيُلقي أمام وجهك العظيم خطبتي الهامة، بل استغاثتي يا مولاي العظيم واستغاثة هؤلاء المدعوين وكل الذين لم يتمكنوا من الحضور، استمع إلى الخطيب يا مولاي وأنصف عبدك الذليل، ردَّ الحق لكل هؤلاء العبيد، ولمن يذهبون إلا إليك وأنت النصير، لمن يشكون إلا إليك وأنت الملاذ الأخير.

انتهى عاصم من هتافه وصراخه وشعر أنه قذف سيلًا من الحمم في أذنَيْ شهاب الذي بقي متجمدًا كالصخر العنيد، وأحسَّ بشيءٍ من الإرهاق الذي يقارب الإغماء فشدَّ كرسيًّا وجلس عليه. مال برأسه على المسند الخشن لحظة ثم أفاق على صوت نفذ في أذنه كهبة ريح مفاجئة ممدودة: هوه! هوه! قام من مجلسه كالملسوع ولم تسعه الحجرة الضيقة من الفرح، وازدادت فرحته الطاغية عندما خيل إليه أن العينين المرهقتين تتطلعان إليه في فضول، وعاودت الحمم انطلاقها دون توقف: هيا يا صديقي! هيا فالجميع ينتظرون، والإمبراطور نفسه ينتظرك، مولانا العظيم الذي جاء بنفسه ليسمعك، نعم نعم، الجميع ينتظرون، قم وأدِّ واجبك!

لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ ألست صديقك عصام النجار؟ ألم تلقني كل الكلام الذي قلته وحفظته عن ظهر قلب؟ أتشك في أن الخطيب قد وصل وأنني هتفت صائحًا وهتفَتْ معي زوجتي الحبيبة العجوز … زوجتي الحبيبة المستحيلة التي خانتني كما خانني الأصدقاء: ها هو الخطيب! إنه هو بلحمه ودمه! وصل فعلًا أيها الناس! وصل فعلًا وستستمعون إليه في الحال! نعم يا صديقي شهاب! فتحت الباب الكبير على مصراعيه ببطء وتقدمت في صمت. أشبه برسام أو شاعر من القرون الماضية. على رأسك قبعة من الجوخ الأسود واسعة الإطار وتتدلى على صدرك ربطة عنق كأنها عقدة ضخمة مسترسلة، وتغطي كتفيك ونصفك الأعلى سترة خضراء فضفاضة. كانت لك لحية قصيرة وشارب، لكن لا تكترث بما كان في الزمن القديم. فها أنت تخطو وسط الزحام كأنك تنزلق أو تتزحلق، تسير في طريقك لا تبالي بالأيدي التي تلمس ذراعك لتتأكد أنك موجود بلحمك وعظمك، وأنك جئت وسوف تلقي خطبتك وخطبتي وخطبة الجميع … الخطبة التي ستنقذ العالم وتأخذ بيد البشرية الضائعة، نعم لقد وصلت يا صديقي، والجميع ينظرون إليك بعيونهم وآذانهم وكل خلية في أجسادهم وكل نقطة دم في شرايينهم وأوردتهم. وصلت يا صديقي ولست حلمًا ولا وهمًا.

اقترب منه عصام ومال برأسه الصغير الذي خطه الشيب على رأسه. زعق فيه بصوت دوَّى في فضاء الحجرة الضيقة كأنه يخرج من مكبرٍ فظيعٍ للصوت: قم يا شهاب! قم من الرماد واحترق! وتلألأ كما كنت تفعل كل ليلة! قم وأبلغ رسالتي ورسالتك ورسالة كل هؤلاء. دار حول نفسه عدة دورات وهو يشير بذراعيه في الهواء ولا يكف عن إصدار الأوامر والنواهي والأصوات، وأخذ يذهب ويجيء فوق مربعات البلاط المتتالية البياض والاخضرار وهو يهتف: قم أيها الخطيب! قم أيها الخطيب!

تردَّد الصوت وراءه مرةً ثانية. كان في هذه المرة متحشرجًا وقويًّا كالصفير في مزمار مثقوب، وخُيِّل لعصام أنه صوت آخر لا عهد له به. التفت وراءه بعد أن أخرج نفسه بمشقةٍ من الدور الذي اندمج فيه إلى حد الغياب. كانت الكتلة الحية قد تحركت ومالت بجسدها الضخم إلى الأمام، والعينان السوداوان الواسعتان تحملان تعبيرًا يشبه الحسرة أو الاستغاثة أو التألُّم من العجز والحرمان.

أسرع عصام يلبي النداء الأخرس. أقبل على المريض مندفعًا وهو يفتح صدره ليحتضن رأسه وصدره ويضمهما إليه بشدة، وأخذ يمطره بكلماته التي لم تعد جمرات حارقة بل دعوات مفعمة بالثقة والفوز المحقق: كنت أعرف أن تجربتي ستنجح. كنت أعرف أنه كامنٌ فيك يريد أن يستيقظ ويموج بالحركة والكلام والمعنى. هذا الجنون المسرحي الذي متنا فيه عشقًا وغرامًا وهيامًا. هذا المعبود الذي رحنا نبحث عنه في غربتنا وغيابنا كما يبحث شبح قيس الهائم في مضارب القبائل عن خيمة ليلى. لم نسقط يا صاحبي ولم يسقط المسرح. رغم كل شيء لم ننطفئ يا شهاب ولم نتحوَّل إلى رماد، وإذا كنا قد سقطنا في الحريق الكبير فبإمكاننا أن ننهض من بقايا الرماد والأنقاض والدخان … تعالَ، حاول أن تضع قدميك على الأرض. استند على كتفي ولا تخف. إنهم يتطلَّعون إليك وينتظرون. سيداتي سادتي! مولاي صاحب الجلالة الإمبراطور! مواطنيَّ الأعزاء! يا أبناء الأرض المريضة التي امتلأت بالثقوب وتهددكم كل لحظة بالسقوط منها إلى الظلام؛ إلى المجازر الجماعية والمقابر الجماعية والتلوث الذي يزحف ليغطيكم كالكفن الأسود الكبير وينفذ إلى صدوركم ورءوسكم وأطفالكم وأجنتكم في الأرحام ليفترسها بعد أن افترس الكنوز والْتَهمَ الخضرة التي ورثتموها من أسلافكم. زملائي ورفاقي في الكفاح! أتوجه إليكم دون تمييزٍ في السن أو الجنس أو اللون أو الدين أو المكانة الاجتماعية … أتوجَّه إليكم لأطلب منكم السكوت والخشوع … لأقدِّم إليكم الخطيب.

كان شهاب قد التصق به كطفلٍ هائل الحجم يفتِّش عن ثدي الأم الحنون — وحاول عصام أن يحرِّكه قليلًا ويساعده على مدِّ ساقيه ليلمسا البساط الصغير المفروش أمام السرير. تأكَّدَ له أنه يحرك جبلًا راسخًا بأمر الطبيعة الأقوى منه ومن كل محاولاته، ومد ذراعه فقرَّب الكرسي الذي كان يجلس عليه. وندَّت من المريض آهات متكررة كدفعات زوبعة ساخنة أو دفقات ماء مغلي. صرخ عصام في أذنه: لا بد أن تُلقي خطبتك! لا بد أن تبلغ رسالتي ورسالتك! الجميع ينتظرون. الإمبراطور جاء بنفسه ليسمعك، هيا يا شهاب! ليس من الضروري أن تقف فوق المنصة. لا داعي لأن توزع التوقيعات على الحاضرين. المهم أن تقف كأي خطيبٍ فصيح وراء هذا الكرسي وتنطق بالرسالة. تمامًا كما يفعل أي أستاذ عظيم. إنني أبكي وتبكي معي زوجتي الوفية ويبكي الحاضرون. حتى الإمبراطور يمسح الدموع بمنديله الملكي الشفاف المنسوج من خيوط الذهب والحرير. قم! قم يا شهاب! قف وراء هذا الكرسي وقل كلمتك! قل كلمتنا جميعًا ولا تدع المسرح يسقط.

كما تحدث المعجزات فجأة وبغير قانون أو تدبير، أطلق شهاب صرخة أسد غاضب ينتفض ويفجر قيود الشلل القديم، ولف عصام ذراعيه حول كتفيه وصدره ورفع جذعه الضخم إلى أعلى فاستجاب له. قرَّب منه المسند الخشبي وشدد قبضة يديه عليه، واستطاع المريض أن يشد قامته قليلًا ويلف قبضته على حافة المسند الذي ثبته عصام بكل قوته، وتدافعت الآهات المبتورة والحروف المهشمة من فم الخطيب كالغطيط أو الأنين بغير حساب. أخذ صدره يتحشرج بأنفاسه الملتهبة وهو يدمدم بالحروف وأنصاف وأرباع الحروف: هو … هو … هو … هيه … هيه … هيه … مم … مم … جو … جو … جو … وعصام يتابعه ويشجعه ويربت على ظهره: قل كلمتك للجميع! قلها على الملأ كله! لم يضع كل شيء! لم يتحطم كل شيء! المسرح فيك ولم يحترق! المسرح حي ولن يسقط أو يموت! قل يا شهاب! بلغ رسالتك ورسالتي ورسالة الملايين المقتولين والمنسيين! قل! قل! قل! انفتحت ضلفة الباب الزجاجي على مهل وأطل منها وجه الأم ومن خلفه وجه هديل. استقبلتهما الآهات والتنهدات وشظايا الحروف والكلمات التي صدمت وجهيهما ونفذت في اللحم والجلد والعيون كالإبر المحمية في النار: هو … هو … هو … جو … جو … جو … ميم … ميم … صرخا في نفَسٍ واحد: ماذا تفعل يا مجنون! ماذا تفعل يا مجنون!

ارتفعت قبضة عصام التي كانت تمسك بشهاب وتثبته من كتفيه، وانتفض جسده الذي فوجئ بظهور الوجهين والصراخ الذي انبعث منهما كأنما صدمه وجه قطار مسود يتصاعد منه صفير وحشي. أفلت الجسد الهائل وارتطم بالأرض كصخرةٍ وقعت من أعلى الجبل، وفي لحظةٍ كانت الكتلة الحية ممددة على البلاط لاهثة الأنفاس، وجسدا المرأتين ينحنيان عليها ويولولان. لم يدرِ ماذا يفعل. تحرك في اتجاه الباب المفتوح وهو يتمتم بكلمات محمومة تخرج منه ولا يدري إن كانت قد أفرغت شحنات الرعب والأسف والاعتذار، ووجد نفسه في الصالة يتعثر في مشيته ويطارده نشيج الزوجة والابنة: منك لله! منك لله! وفي طريقه المعتم كأنه يجتاز نفقًا خانقًا إلى باب الشقة وقعت عينه على الباقة التي جلبها معه موضوعة في زهرية من الكريستال اللامع وسط الظلام، والزهور تطل منها كوجوه أطفال موتى يحدقون فيه بعيون متسائلة مذعورة. أغلق الباب وراءه وهو يقول لنفسه: حاولت وحاولت. لكن من قال إنني السيد المسيح؟!١
١  القصة عن زيارة متخيلةٍ للفنان والمخرج المسرحي محمد عبد العزيز رحمه الله الذي أجبره المرض — جلطة في المخيخ — على ملازمة الفراش لما يقرب من ثمانية عشر عامًا متصلة قبل وفاته في صيف العام ألفين وأربعة (٢٠٠٤م) والمعروف أن «الكراسي» ليونسكو كانت من أنجح العروض التي قدَّمها رحمه الله على مسرح الجيب بين أوائل الستينيات ومنتصف السبعينيات — وقد اعتمدت القصة على الترجمة العربية للأستاذ حمادة إبراهيم بسلسلة المسرح العالمي، الكويت، العدد ٣٧، الجزء الأول من الأعمال المختارة ليونسكو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١