تائهة على الصراط (٢)

١

الظاهر أن الدموع كانت لا تزال في عيني أو على خدي عندما سمعتهم يقتربون من الباب. ابنتي وحارستي فتحته عنوةً فارتطم بباب السرير المعدني ودوت الفرقعة التي رجَّت زجاج النافذة وارتجَّت لها جدران حجرتي أو تربتي الضيقة المظلمة، وارتفع صياح ابنتي الذي نفذت سكاكينه الحادة في أذني، مع أنها تعلم تمام العلم أنني أسمع وأفهم: قومي كفاية نوم، حضرة الدكتور حضر بنفسه للكشف عليك.

ثم وهي تشد الستارة الثقيلة وتفتح الشيش على مصراعيه فتنهمر سيول الضوء الذي حرمت من رؤيته وإن لم أحرم من الإحساس بجناحه الكبير الشفاف يرف عليَّ وفوقي وحولي كالروح تسري في كل مكانٍ ولا يرى لها وجه ولا يسمع خطو: ابنك الدكتور حمادة الله يبارك له وصاه عليك. الرجل الطيب لم يتأخر، يالله اعملي لكِ همة، الدكتور مشاغله كتيرة.

جاء صوت الطبيب المطمئن الهادئ كأنه ترتيل شيخ يؤمُّ المصلين: ألف سلامة يا حاجة، الصحة عال والحمد لله، أحسن من آخر مرة بكتير.

هللت ابنتي وحارستي وهي تضحك بصوتٍ عالٍ: مثل الحصان يا دكتور، تاكل الجمل مع الجمَّال، وتسمع وتفهم ولكن …

قاطعها الطبيب وهو يفتح حقيبته ويستخرج بيده السماعة والأجهزة التي وضعها من قبل على صدري وظهري ومعصمي ودماغي: لكن الكلام مقطوع، المنطقة المسئولة كما قلت لكم فسدت خلاياها، ربما تساعد الأدوية في تنبيه الذاكرة، وربما …

قالت ابنتي مسرعةً: أحيانًا تنطق كلمة أو كلمتين، وأحيانًا أسمعها تتشهَّد على نفسها وتذكر اسم الله.

قال الطبيب وهو يمر بالسماعة على ظهري الذي كشفت عنه ابنتي بعنفٍ وسرعةٍ شديدين: وطبعًا اسم الدكتور حمادة وحازم بيه.

ردَّت في أسفٍ كأنها تكتم البكاء: لا والله يا دكتور، حتى اسم أولادها يغيب عنها. أذكرها به فتقول فجأة: وهل أنا تائهة عن أولادي؟

ويقول الطبيب وهو يواصل الفحص الدقيق: ثم تتوه من جديدٍ وتعجز عن النطق بكلمةٍ واحدة.

وترد ابنتي: تمام يا دكتور، كأنك معنا والله.

يستمر الطبيب الذي يبدو أنه نظر في عينيَّ المحمرتين: سنكرر الدواء ونضيف بعض الفيتامينات، الشفاء من الله والمعجزات بأمره لا بأمر الأطباء، المهم أن تعملي كل جهدك لكيلا تبكي الآن.

وهي تضحك بصوتٍ مجلجل: وهل مثلها يعرف الضحك أو البكاء؟ قلت لسعادتك إنها تأكل كالحصان، والمياه البيضاء …

وهو يغلق حقيبته وأسمع صرير قلمه على الورق: نحمد الله على كلِّ حال، المياه البيضاء لا تمنع الدموع، حاولي بكل جهدك.

قالت تُبرئ ذمتها أمام الله: ربنا وحده هو العالم يا دكتور، أنا محبوسة معها في نفس الزنزانة، قدري وحكم الله.

قال لها بنفس الصوت الهادئ العميق: تفضلي، إن شاء الله كل خير، سلمي لي على الدكتور حمادة، يا ساتر، أترككم في رعاية الله.

سمعت الباب يقفل وراءه بشدة. لا بد أنها هي الريح، ولملمت ثيابي وغطيت نفسي وكوَّمت جسدي وتركته يدخل مع وعيي التائه في الظلام الذي أحاط بي من البداية وشعرت أنه اشتدَّ سوادًا بعد أن أغلقت النافذة والستارة والباب. أجل يا بنتي وحبيبتي وحارسة نومي ويقظتي وموتي البطيء الذي تلكَّأ أطول مما تريدين ويريدون. هل قلت إنني تائهة؟ تعرفون أنني أسمع وأفهم ما يدور حولي، وأحيانًا كما قلت تخرج من باب الشفتين كلمةٌ أو كلمتان، لكن ماذا أفعل يا بنتي والأفكار تدوم في رأسي كالعصافير أو الغربان السوداء ولا تستقر في عش الألفاظ؟ وماذا أفعل والإحساسات والمشاعر والأحلام تمور وتفور في داخلي كأمواج البحر التي تعلو وتهبط ثم تذوب وتتلاشى وهي تلهث في لهفةٍ إلى شاطئ الكلمة فتبتلعها رمال الصمت المطبق علي؟ وتسقط الدموع من عينيَّ المظلمتين على جلدي المظلم المتغضِّن داخل خيمتي المظلمة التي نصبت فوقي وحولي وعليَّ ولا أدري متى سترفع أو كيف، وأنت بعيد يا ولدي بعيد، أراك هناك بعيني المظلمة البيضاء وأنادي: تعال يا محمود، تعال، تعال.

٢

تراني مكومةً على السرير وأجلس القرفصاء فتقترب مني وتجلس على حافته. لا بد أنها أبصرت الدموع التي تسح من عينيَّ المحمرتين التائهتين وراء السحابة البيضاء المظلمة فتمد يدها وتربِّت على ظهري وتقدِّم لي المسبحة السوداء ذات الشراشيب الحمراء. أحاول أن أمسكها بأصابعي وأنا أسأل نفسي لماذا تقدمها لي؟ تهت ونسيت يا بنتي، حتى إذا لم أكن نسيت فقد أصبحت عاجزة، عاجزة عن نطق لفظة واحدة. تقرب وجهها الأبيض الصارم الملامح من وجهي وتمسح دمعةً سقطت على خدي وتتصعب على نفسها وعليَّ. لا تحزني يا بنتي ولا تتهمي نفسكِ، أنا قدرك يا حبيبتي وهل نهرب من قدرنا؟ أنا التي جعلتكِ حارسة زنزانتي وحكمت عليكِ بأن تدخليها معي، والعالم يذهب ويأتي والباب مغلق علينا وحدنا. وتسح الدموع فتنهض واقفةً وترف نسمة من ناحيتها فأشعر بجسدها العملاق ورأسها العالية تطل من أعلى، ثم تمضي إلى المطبخ وأسمع صليل المواعين ولهاث الغاز ورنين الملعقة في الأكواب وأعرف أنها ستصنع الشاي وتجلس في الشرفة وتتسلَّى بضجيج الأولاد والجيران والعربات، وأسأل نفسي من أين تأتي الدموع ومن أي بئرٍ خفي تصعد إليَّ وتنحدر من الفتحتين اللتين انطفأ فيهما النور. أظل أعصر دماغي وألتقط الطيور السوداء المرفرفة حتى تعاودني الرؤيا ويخيل إليَّ أنني تذكرت. نعم هي الرؤيا التي تزورني منذ ليالٍ. تزورني ولا تنقطع ليلة واحدة. أخي المرحوم وأختي المرحومة يظهران لي ويمرَّان أمامي مسرعين. يا حسرتي عليكِ يا عالية وأنت تحاولين أن توقفيهما، تحاولين أن تنادي عليهما، تحاولين وتحاولين وتفتحين فمكِ العجوز على اتساعه فلا يخرج اسماهما منه. يا حسرتي عليك، نسيتهما يا ترى أم تذكرتهما في المنام وتهشمت الحروف وابتعدت عن بعضها ولم تتلاحم في لفظ يضغط ويضغط ليخرج من اللهاة إلى الحنجرة إلى اللسان لينطلق مسموعًا من الفم كما ينطلق الغريق من لجج الماء الطامي في البحر. أختي بوجهها المدور الصبوح وشعرها القصير تدير رأسها نحوي وألمح العتاب المحفور على قسمات وجهها الأبيض كالبنور والمحيط كالسوار الأسود بفمها الواسع الدقيق. معها الحق فكم قصرت في حقها ولم أتردد عليها كثيرًا أثناء مرضها، وتمر مسرعةً وطيفها النوراني يجرجر وراءه ذيل ردائها الأبيض الممرغ في الطين، وكأنما تشير بالتفاتة من وجهها الحزين إلى أن هذا الطين هو تقصيري الفظيع في حقها. أجري خلفها وفمي ينفتح وينغلق على الفراغ فتنظر بحزنٍ أوجع وأشد وهي تقول: حتى اسمي أيضًا نسيته؟ ولا تكاد تختفي حتى تلد الرؤيا وجهًا آخر شامخ الرأس أسمر البشرة من لفح الشمس متجهم الوجه واسع العينين. هذا هو وجه شقيقي الذي مات في المستشفى بعد أن فتحوا بطنه وكشفوا علَّته. هذه هي السبابة تشير إليَّ في حزمٍ وتقول بحروف مؤكدة وواضحة: وصيتك الأولاد يا عالية، وصيتك الأولاد. آه يا شقيقي يا حبة عيني، يا من كانت دخلتك عليَّ تسند ظهري أمام زوجي وأولادي وتشبعني وترويني وترد ماء الورد والحياة إلى وجهي المتعب المصفر، وأجري وراءك وأجري وفمي ينفتح ولا يندفع الاسم إلى باب الفم ولا يتركني أيضًا لأتنفس إلا كما تتحشرج الأنفاس في صدور المحتضرين، وتعبر الرؤيا ويغيب الطيب والعيون الواسعة لا تزال تنظر إليَّ بحزنٍ وحزم، والسبابة لا تزال تشير نحوي منبهةً ومحذرة.

وتتوقَّف الرؤيا ولا يتوقف سيل الدموع. أرفع رأسي وأسند ظهري إلى الحائط ويلهمني الله فأتشهد على نفسي وأردِّد اسم الجلالة، بعد قليل أتوه ويسرق الظلام روحي فتغرق في الظلام، وما هي إلا لحظات حتى أراها أمامي وأجدني أنادي عليهما ويسمعان ويتكلمان. أصرخ حين أرى وجهه الأبيض المستدير والنور الإلهي يشع منه والبركة تلف جبينه العريض بعمامةٍ خضراء تلمع كالزمرد وتضيء البئر الذي وقف فيه وصدره المشعر ورأسه المدورة تطفو بارزة منه، وأهتف: أبي، أبي، هل أنت المرحوم أم أنت سيدنا الخضر؟ تزداد الزمردة لمعانًا وتتمايل أشعتها الخضراء على سطح الماء الذي تنثر منه يداه على صدره ووجهه وشعره وهو يضحك ويقول: أنا أبوك يا عالية وأستحم في نبع الخضر. ألم أنصحك وإخوتك دائمًا بالطهر والعفاف والاستقامة؟ تعالَيْ يا صغيرة وتطهري معي، ويقول الصوت الهاتف من بئري الراكد: لم أعد صغيرة يا أبي، أنا الآن عجوز في قبوي المظلم، وتسألني يا أبي: عجوز في قبو مظلم؟ ما زلت عبيطة يا عالية، الجميع هنا شباب يا بنتي، الجميع غلمان وبنات يستحمون في نبع الخلود. ويقول الصوت الخارج من بئري المظلم: والجميع هنا في الظلام يا أبي. في الظلام والضوضاء والغبار والقبور الحجرية، وترد عليَّ مشيرًا بيدك إلى البعيد البعيد: وهذه أمك آتية من هناك، ستلحق بي لأنثر عليها ماء الخلود.

وأنظر بعين القلب فأراها وأتحقَّق منها. هي أمي بلحمها ودمها، بوجهها المستطيل النحيف، بأنفها البارز المنحني كالقوس الكبير، بعينيها الضيقتين المكحولتين من أثر الرمد المستديم. هي نفسها التي أغمضت عينيها بيدي وتشهدت وقرأت عليها الفاتحة ليلة ماتت وصاح الديك قبل أن تلفظ نفسها الأخير وأوصتني عليه وعلى شقيقي الغائب في البلد البعيد. أنادي عليها فتلوح بذراعها وتقول: تعالي يا عالية، الماء كثير والخير كثير والبئر يتسع للجميع. أحاول أن أكلمها فتتطاير الكلمات وتتصادم كالطيور السوداء العمياء ويصيح الديك، وأفتح عيني وأحس بأنفاس الحارسة العملاقة تقف على رأسي: الديوك صاحت من زمان وأنت في سابع نومة، قومي افطري يا حاجة قبل ما الظهر يؤذن. وتلمح الدموع تسح من عيني فتتوقف عن الكلام، وأريد أن أقول لها: هو ديك واحد يا بنتي، هو الديك الذي … لكنني لا أجمع حرفًا مع حرف، وأسأل نفسي وأنا أمر بيديَّ على عينيَّ وخديَّ وآخذ منها طبق اللبن المغموسة فيه قطع الخبز: لماذا لم أرَك هناك يا محمود؟ لماذا لم تظهر لأمك التي تنتظرك؟ متى تأتي يا ولدي، متى تأخذ بيدي؟

٣

الخبط على الباب شديد والأقدام القلقة تضربه بقسوة وبغير توقف. تسرع ابنتي وحارستي فتفتحه ويدخلون صائحين ضاحكين، ويندفع الأولاد والبنات إلى الصالة ويجرون إلى الشرفة وينادون على أبناء الجيران ثم يرجعون بسرعة لفتح الصندوق الذي تتناهى إليَّ أصوات السيرك الدائم فيه ولا أرى صوره؛ أفيال ودببة وخيول وأسود ونباح كلاب وغناء طيور وصياح أولاد وبنات وآباء وأمهات. أسمع صوت حمادة وهو يضع ما في يده على سطح البوفيه: يا ترى الدكتور عوض … أسرعت أخته مقاطعة وهي تأخذ منه ومن أخيه حازم بقية اللفائف والحاجات وترتبها بجوار بعضها: الحالة على ما هي عليه؛ يعني مستقرة.

سأل حمادة: وصف لها حاجة جديدة؟ قالت: كالعادة؛ مقويات وفيتامينات. جلجل صوت حازم بعد أن شخط في أبناء أخيه ووبخهم على الهوسة التي عملوها: مقويات؟ يالله، شدي حيلك يا حاجة. وخطا بضع خطوات في الممر الموصل إلى حجرة أمه، لكنه تراجع ليواجه أخاه الذي برز على سحنته النفور والامتعاض. قال حازم وهو يمر بكفه على صدر أخيه: بذمتك يا شيخ …

نتر أخوه كفه الطرية السمينة: أنت تتكلم عن الذمة؟

أسرع حازم ضاحكًا في سخرية: يا منافق، أنت أيضًا تتمنى هذا من قلبك، أليس كذلك يا طبيب الأرواح؟ أدار حمادة ظهره له وسرح ببصره في الصور المتحركة التي التف حولها الأولاد، ودوت فرقعة شديدة على السلم فأسرع إلى الباب الذي كان لا يزال مفتوحًا وزعق: ألم أحذرك يا طارق من البمب وسنينه؟ يكفينا يا بني ما فينا، ادخل واخرس تمامًا.

هتفت أخته: العيال نفسها تفرح، ربنا يفك ضيقتنا جميعًا.

وضع حمادة نفسه على كرسي بعيد وتعمد أن يعطي ظهره لأخيه وللتلفزيون، وأسند رأسه على يده وراح ينظر إلى الأرض، ثم نهض فجأة كمن لدغته عقرب واتجه إلى حجرة أمه. أدركته أخته قبل أن يفتح عليها الباب وهي تقول: في الأول نفطر وبعدها أصحيها من النوم، هي كويسة وبخير، لا تخف عليها، خف على أختك وعلى نفسك أنت.

قال حمادة باشمئزاز وهو يرجع إلى مكانه: ورائي شغل ومستعجل، أنت عارفة الحال ومسلسل الولادة شغال.

ضحكت الأرملة التي لم تنجب من زوجَيْها السابقَيْن وكأنها تنوح على نفسها أو تعزيها: وآخرتها عنيك لا ترى إلا النور، هم وغم وفي الآخر حفنة تراب، اقعد نأكل لقمة وبعدها تتوكل على الله.

قال بصوت آمر ندم عليه: لا أكل ولا غيره، هاتي أمي أولًا تقعد معانا.

ضحكت أخته وهي تطوح ذراعيها في الهواء: عروسة تقول للبدر قم وأنا أقعد مطرحك، فكر أنت في حالك، مصيرها تفنى أجيال.

تراجع إلى مقعده وهو ينظر شزرًا إلى أخيه وزوجته وأولاده المتحلقين حول سحر الصندوق الملعون، ودخلت حارستي عليَّ فوجدتني جالسة على سريري وتعجبت لأن شفتي تتحركان فهتفت صائحة: أمكم رجعت تسبح وتذكر الله يا أولاد، قومي شوفي أولادك وادعي لهم، هاتي يدك، تعالي.

جرجرت لحمي وعظمي والسقف المائل الذي ينهار عليَّ. فاتت على الحمام ورشت وجهي بالماء وجففته بالفوطة وسحبتني من يدي إلى الصالة، وقامت زوجة حازم من مطرحها وطبعت قبلة على خدي وساعدتني على الجلوس، ووضع حازم يده على كتفي وقبلني أيضًا وصاح ضاحكًا: عود في عين الحسود. ثم وهو يوجه كلامه إلى حمادة الذي أمسك بيدي: والله ورجعت خمسين سنة للوراء، حمادة يريد أيضًا أن يقبلكِ ويقول لكِ شدي حيلك.

هللت أختهما وهي تتجه إلى المطبخ: دقيقة والشاي يجهز، قوموا اقعدوا على السفرة، طيب طيب، ممكن نفطر هنا، تعالي يا حكمت دقيقتين.

جلست وسطهم أسمع وأفهم ولا أنطق. أطراف الكلمات تتلوى وتتصادم وتتبعثر في ظلامي الأبدي وأعجز عن التلفُّظ باسمها. يشخطون في العيال ليهدئوا، يقلبون المعالق في الأكواب الزجاجية، يثرثرون كالعادة في كل شيءٍ وأي شيء. في مذبحة الخليل والانفجار الأخير والمرأة التي قطعت زوجها ووضعته مع أبنائها في أكياس وفضائح الرشاوى والهروب من البلاد والفساد والفساد والفساد.

صوت حازم مرتفع وغاضب وهو يصيح بحمادة: يعني لا أمل على الإطلاق؟ معقول هذا يا مستشار اليائسين؟ وحمادة يؤكد في غضبٍ ويغلق الأبواب: قلت ألف مرة مستحيل، لماذا لا تذهب إلى لندن أو باريس؟ اصرف يا أخي من المال الحلال. يثور حازم ويسب ويلعن وصوته يرتعش برياح الغضب واليأس ويهدِّد أخاه: خسارة فيك الغربة والتعليم على حساب الدولة، فكرت أنك طبيب بحق وحقيق … وحمادة يزعق نافد الصبر ويبدو أنه نهض كذلك واقفًا وصاح قبل أن يفتح الباب ويرزعه وراءه: قلنا مستحيل مستحيل، هل أنا المسيح عيسى عليه السلام؟ سلام يا أمه، سلام يا نظيرة، إذا احتجتِ لشيءٍ عندك التليفون، يالله يا أولاد، يالله.

آه يا أولادي، دائمًا مثل ناكر ونكير، دائمًا مثل الديوك، تحضران مع زوجاتكما كل يوم جمعة وتتكلمان وتتعاركان وتذهبان، مشغولان دائمًا يا أولادي والكل عني مشغول، هل يذكر أحد منكم تعبي وشقائي حتى تتربيا وتكملا التعليم؟ هل تذكران أباكما الطيب الصامت على الدوام؟ كان كلُّ مُنَاه أن يراكم تحت عينيه في الغيط والبيت ويغطيكم بالليل وأنتم نيام. حاربت وصممت ووقفت كالقطة التي تعشش على أولادها وتحميهم من الذئاب والكلاب، وضعت القرش على القرش والجنيه على الجنيه وبعت الحلقان والأساور والمباريم لكي تعلوا وتعلوا إلى النجوم، وفي بيتنا القديم كنا مستورين؛ بيتنا الذي جمعَنا مع البقرة والجاموسة والحمارين والبط والأوز والحمام والدجاج والديك الأحمر السعيد، وصممتم على بيع البيت بعد وفاة أبيكم وجئتم تعيشون في غابة الأحجار والزحام والضوضاء والغبار والكرب العظيم. الله يبارك فيكم يا أولادي. يبارك فيكم ويسامحكم ويخفف عنكم حملي الثقيل. ما هذا الذي أسمعه؟ هل سمعت صياح الديك؟ كيف أقول لكم الديك يصيح والفجر يوشك على الطلوع. تاهت الحروف في الظلام ومن يقرب الدال من الكاف؟ وتهت على الصراط وأنت بعيد يا ولدي محمود، تعال يا حبيبي وخذ بيدي حتى لا أسقط في الجحيم. ألم تسمع يا ولدي صيحته، صيحة الديك الأحمر السعيد؟

٤

لولا صيحة الديك في بيت الجيران لابتلعني الكابوس. لف ملاءته السوداء عليَّ أثناء وجود الأولاد فأغمضت جفوني وغبت عنهم وعن نفسي. وحين فتحت عيني على ظلامي الأبدي كان لا يزال يلفني ويعصرني ويضغط على كل أعضائي، السكون يطوقني ولا أسمع صوتًا من حولي، وابنتي وحارستي تجلس في الشرفة أو ربما أمام الصندوق الملعون الذي تطفح منه سيول الكلمات والدقات والضحكات والصرخات. القطة تأكل أولادها إذا جاعت أو خافت على ضعفهم من قسوة الحياة، أما أن يأكل الأولاد القطة فهذا هو الذي رأيته في الكابوس. كانوا ممددين من حولي وأفواههم الصغيرة النهمة تشفط من ضروعي التي التهبت حلماتها كالجمر ونزفت منها الدماء، والقطة تتلوى وتنفض جسدها ورأسها ويشلها العجز عن إبعادهم عنها. لم يشبعوا أبدًا فراحوا ينشبون مخالبهم في بطنها وصدرها ويدفنون أفواههم الشرهة في الجروح المفتوحة. لم يشبعوا أيضًا فبدءوا يجربون أسنانهم الصغيرة التي تحولت إلى أنياب حادة تنهش الجسد الذي ظل دافئًا بعد أن فارقه السر الإلهي، وبرغم عماي رأيت القطة واقتربت من رأسها ونظرت كأني أنظر في مرآة وصرخت: هي رأسكِ يا عالية، وهذا هو شعركِ وأنفكِ وفمكِ المفتوح من الألم، القطة هي أنتِ يا عالية والجسد المشوه الملوث بالدم والقروح هو جسدك. مع أنكِ يا عالية لا تبصرين ولا تدرين ولا تنطقين ولا تملكين الخروج من عتمة الكابوس. لولا صيحة الديك، نعم هي نفس الصيحة وإن لم يكن هو نفس الديك … رنَّت كالجرس فبدَّد صليلها جيوش العتمة وطارد الفجر الذي طلع منه فلول الكابوس، ووجدتني فجأةً أنزل من الحنطور وأدخل من باب البيت الذي ولدت فيه. كانت عيني قد رفَّت وقلبي قد انقبض خوفًا على أمي التي رجعت من مصر قبل أسبوع. قلت أخطف رجلي وأطمئنُّ عليها وعلى أبي فلا يعلم الموتَ من الحياة إلا علَّامُ الغيوب، ووالله لولا الحمل الثقيل ما تركتكِ يا أمي أبدًا ولا تأخرت عن خدمتكِ ولا ابتعدت لحظةً عن سريركِ الذي ترقدين عليه.

وجدتها ممددةً على الكنبة في القاعة ملفوفةً في الحِرام الأسود الطويل، وحين دخلت عليها وقبلت جبينها ويدها ودعوت لها بالشفاء قالت وهي تحاول أن تفتح شفتيها وتخطف ابتسامة من الوحش اللابد تحت الهدوم وفي زوايا القاعة المظلمة وفوق الصدر الذي يطلع وينزل بالنفس المنقطع القصير: والله بنت حلال وجئتِ في ميعادك، القلب يا بنتي … قلت وأنا أضع يدي على صدرها الراجف المضطرب: سلامتك يا أمه وسلامة قلبك، ربنا وحده هو العالم، والله لولا …

قالت وهي تشير إلى أن أقلبها على جنبها الأيمن: القلب مثل الديك المذبوح يا بنتي.

قلت وأنا أسندها وأعدل مخدتها: سلامتك ألف سلامة.

نظرت إليَّ والبسمة تنور عينيها: ما عاد إلا القليل يا بنتي، ابقي معي اليوم يا عالية ولا تتركيني، من يضمن يا بنتي …

صحت مستنكرة: كل خير يا أمه، إن شاء الله كل خير.

قالت وهي تربت على صدري بكفها ثم تتأوه وتنزلها بسرعة: طبعًا يا بنتي، لقا وجه الكريم كله خير، هل سلمتِ على أبيك؟

فتحت باب المندرة ووجدته في مكانه، متربعًا على الكنبة وأمامه المصحف المفتوح وشفتاه تتحركان وتتمتمان مع حركة النظارة لليمين والشمال. انحنيت وسحبت يده البيضاء ولثمتها فرفع عينيه والتفت إليَّ وشفتاه لا تتوقفان عن الحركة والهمس: بركة أنكِ حضرت، أمكِ بعافية من يومين، خذي بالكِ منها يا بنتي.

قلت في حذرٍ وأنا مطرقة الرأس مغمضة العينين: الحكيم شافها يا أبا؟

قال وهو يشير بيده البيضاء التي لثمتها: الحكيم هو الله يا بنتي، الدواء عندكِ أعطيها منه إذا النفس غاب، روحي يا بنتي والشافي هو الله.

رجعت لأمي فسمعت النفس المطرود ورأيت الصدر الذي يعلو ويهبط كموج البحر في اليوم العاصف العصيب. أمسكت زجاجة الدواء وأردت أن أصب لها ملعقة فهزت رأسها وقالت: دواي أني أخرج من هنا، طلعيني يا بنتي للهوا والنور، طلعيني للسطوح.

ضربت صدري ضاحكة: السطوح؟ وأنت في هذه الحالة يا أمه؟

مدَّت ذراعها وهي تتأوَّه وشدَّتْني من صدر فستاني: المهم أخرج من القبر يا عالية، ساعديني الله يبارك لكِ يا بنتي، ساعديني أموت في الهواء والنور.

قطب جبيني وعبس وجهي وفكرتُ في عواقب المخاطرة ولم أستطع أن أقول شيئًا، وشدَّتْني مرة أخرى من ثوبي وهي تتأوَّه من جديد: يوم واحد في العمر، آخر يوم يا بنتي، يالله يا حبيبتي وتوكلي على الله.

تلعثم لساني ووقف الكلام في حلقي ولم يخرج منه إلا اسم أبي، غامَتْ نظرتها لحظات وحدقت في وجهي قليلًا كأنها تذكرني بما نسيت وقالت: أبوك سيخرج الآن ليصليَ العصر جماعة، خلنا في حالنا يا بنتي واسمعي الكلام. ساعديني أطلع من القبر يوم واحد.

بعد أن سمعت أبي يتنحنح ويفتح الترباس ويغلق الباب وراءه، حاولت أن أتصنَّع المزاح وأرد إليها دعابة واحدة مما غمرتنا به طول العمر.

وتعثر صوتي في ضحكة مهشمة وأنا أقول: ونعصي وليَّ الأمر وكلام الحكيم؟

قالت وهي تحاول أن تصلب ظهرها وتمد ذراعيها لأسندها: الأمر لصاحب الأمر يا بنتي، يالله يا حبيبتي قبل القلب.

ووضعت كفها اليسرى على صدرها بينما كنت أسندها لتنزل على الأرض وأطوق خصرها بقوةٍ وأتحاشى في نفس الوقت أن ترى الجزع المرسوم على وجهي والمطل من عيني. انحنيت وأدخلت فردتي الخف القماشي في قدميها القصيرتي الأصابع اللتين ازداد تورمهما أكثر من أي وقتٍ مضى، وخطوة خطوة أسندت الطفلة التي شابت سوالفها وبرى المرض وتعب العمر جسدها وكأني أسند على جنبي كومة قش جمعتها وأنا صبية صغيرة في موسم الحصاد، وخطوة خطوة نخرج من القاعة المظلمة منذ طفولتي وصباي، ونمر في الطرقة المؤدية إلى وسط الدار، ونطلع سلمة سلمة وأنا أرتجف رعبًا من المجهول، وأتابع أنفاسها المطرودة وشهقاتها بين لحظة وأخرى وأطلق من فمي سيول الدعابات والذكريات وصور الأهل والأحباب في الأمس القريب والبعيد، وتشهدت وصدقت وآمنت بالله ورسله وملائكته ومعجزاته حين دخلنا من باب القاعة التي كانت مخصصة لإخوتي الذكور، ورفعتها بعزم ما فيَّ إلى السرير النحاسي المترب ومددتها عليه. فتحتُ الشبابيك وتركت نسمات العصر تلفح وجهها، ودخلت أشعة الشمس الغاربة ونشرت أجنحة فراشاتها الملونة في كل مكان، واكتسى الوجه الشاحب المخدد بالرضا والسكينة بعد أن عدلتها على الفراش وأسندت ظهرها بمخدة عالية، وتدفق الكلام الذي حبسه الظلام في القاعة السفلية وراح يحطم كل السدود: أخوك الغائب يا بنتي …

قلت ضاحكةً وأنا أجلس بجوارها وأمر بيدي على صدرها وأمسح على ذراعيها وأتحسس نبضها المتسارع: أيهم يا أمي؟ الغائب عذره معه.

قالت: عبد الهادي، يا ما نفسي يحضر ويقرأ عليَّ آيتين.

طمأنتها وأنا أدعو الله أن يغفر كذبي: ربما يحضر اليوم ومعه الشهادة الكبيرة، خليكِ أنت في نفسك يا أمه وادعي له.

– القلب دائمًا يدعو لكم أنت وإخوتك يا بنتي، وأخوكِ عبد الله، يا ترى يا بني أحوالك إيه؟ كنت أعلم أنه قاطعنا منذ سنين وأقسم ألَّا يعتب البيت منذ أن طرده أبي وقال له أمام القريب والبعيد: أنا بريء منك إلى يوم الدين. وسمعت من زوجي سالم الذي سمع من أصحابه على القهوة أن الله فتح عليه وحبب خلقه فيه واشتغل في المباني والسمسرة والشراء والبيع؛ لهذا قلت لها وأنا أستغفر الله أيضًا من الكذب عليه وعليها: بخير يا أمه، وأحواله عال والفلوس تجري في يديه.

سألت في جزع: بعت لكم يا بنتي؟

– نعم يا أمي، كتب لسالم ويسلِّم عليكِ كثير السلام.

غامت في عينيها سحابة شك وعلى شفتيها ابتسامة وسألت: وأخوك الذي أخذوه في الجيش، أوحشني يا بنتي.

– إجازاتهم قليلة يا أمه ومصيره يحضر ويأخذك في حضنه.

تطلعت في وجهي متشككة فأسرعت أقول: الجيش والبلد كلها واقفة في وجه الأعادي، ادعي له يرجع بالسلامة.

رفعت عينيها الضيقتَيْنِ الكليلَتَيْن إلى السقف وتضرعت قائلة: ربنا ينجيه هو وأصحابه ويطمئن أهلهم عليهم، كان نفسي يا بنتي …

انقضى الوقت إلى ما بعد المغرب في السؤال والجواب عن أخبار الحاضر والغائب وسيرة الأقارب والحبايب والجيران. مسحت وجهها وجسدها بالماء ونظفت الحجرة والسرير وقدمت لها جرعة الدواء التي رفضتْها كما رفضَت اللقمة التي جهزتها للعشاء ولم تشرب إلا شفطةً من كوب العرقسوس، ساعدتها أن تصلب ظهرها على السرير وتوجه رأسها للقبلة لتؤدي صلاة التيمم وناولتها السبحة الطويلة التي تلمع حباتها السوداء الكهرمان. سكتت طويلًا وغابت في النوم ثم صحت منه ونهج صدرها كالمجنون وانطلق لسانها بالشهادَتَيْن أكثر من مرة. أخفيت دموعي عنها مراتٍ وحاولت أن أبدوَ طبيعية وأن أكلمها عن أولادي وعن الأيام والسنين التي ستجيء وستكون أحسن من الأيام والسنين التي ذهبت. شعرت أنها تستمع صامتة ولا تفكر في الرد عليَّ. تمد أذنيها وتميل برأسها ورقبتها نحو السطح حينًا وفي اتجاه النافذة حينًا وكأنها تُصغي لصوت تنتظره وتتوقع أن ينطلق بين لحظة وأخرى، وعندما غابت عني تمامًا وعرفت أنها دخلت في غيبوبة الاحتضار وطوقتها بذراعي وأسندت قلبها على قلبي رنَّ صوتُه كالجرس الذهبي. فتحت عينيها ونظرت إليَّ كأنها تقول: ألم أقل لك؟ وأشرق فجر ابتسامة خاطفة وسعيدة على وجهها وفمها وهي تهمس: الديك أذن …

اندفعت قائلة: هل أذبحه وأسويه بسرعة يا أمي؟

قطبت ملامح وجهها وتجعد جبينها ثم ما لبثت الابتسامة أن أشرقت على شفتيها كلمعة البرق عندما سمعت صيحته قبل أن تشهق شهقتها الأخيرة وتميل برأسها على صدري وأمر بأصابع كفيَّ على عينيها وأغمض جفنيها لتنام في سلام، وعاود الديك صياحه من فوق السطوح وعلمني من يومها أن أبتسم وأفرح كلما سمعته وإن لم أعرف أبدًا ماذا أرادت أمي أن تقول ولا أي وصية أوصتني بها على لسانه.

وها أنا الآن أصحو على صيحته من الكابوس الذي كان يبتلعني وأسمع ابنتي تهز كتفيَّ وتهتف متعجبة: الفجر شقشق والظهر أذن وأنت نائمة؟ قومي يا شيخة قومي، الحاج عبد الهادي تكلَّم وعلى وصول، قومي اغسلي وجهك وافطري.

تشهَّدت في سري ورنَّت في سمعي صيحة الديك.

٥

تسحبيني من يدي فأتوكأ عليك وألهث مقطوعة النفس لأرفع الحمل الثقيل. تلفين ذراعك اليمنى حول خصري وتلصقين جذعي العجوز بشجرة جسدك العملاق. عجبت والله ألَّا تصل رأسي إلى صدرك ولا تلمس إلا الطرف الأدنى من ثدييك، مع أني كنت النخلة الطويلة في العائلة كما سماني أبي وأمي، وأحاول أن أشد حيلي وأصلب ظهري. لكن ماذا أفعل وهو السقف المائل الذي ينهار فوق البيت الآيل للسقوط؟ وتصبرين يا بنتي وتمسكين الحيوان الأعجم ليقضي حوائجه ويتخلص من فضلاته ويبلل رأسه وشعره وينظف الجماد الأخرس الذي يجره معه كحجر ضخم وكثيف وكئيب.

تأخذينني إلى الحمام فتمسحين وجهي ورأسي بالماء، وتمشطين الخصلات الهائشة التي تبقت من الضفائر السوداء الطويلة التي كانت تصل إلى ظهري ويحسدني عليها الجميع، ثم تريحينني على السرير المرتب وتحضرين الصينية وعليها كوب الشاي والجبن وطبق اللبن مع الغموس الطري الذي يتحمله طقم الأسنان، وترين يديَّ تتحركان في كل اتجاه، تتشابكان وتتفرقان وتمران على الرقبة والخدين وتتوهان في غير اتجاه ثم تتشابكان وتتفرقان، وتمدين يدك بالمسبحة السوداء الكبيرة وتذكرين اسم الله وأردِّد الاسم وراءك وتُشل يدي وتخرس أصابعي وتحتار فلا تمتد إليها ولا تمسك بها كما فعلت منذ أن فتحت عينيك يا بنتي وعرفت ووعيت، وأسمع ما تقولين أو تصيحين به وأفهم ما تقصدين، ولكن فمي مسدود كباب مغارة ويدي خرساء مصمتة كيد مشلول، وأنظر في عينيك فأحس فيهما العتاب؛ العتاب الصامت المستكين الذي يتكاثف في سحب سوداء تسقط منها دمعة تعاسة حبيسة وبكاء على النفس طوال ليالٍ وأيام بلا عدد، ويتصورك عقلي الكليل وخيالي العاجز العليل مسلسلة معي في نفس القيد الحديدي، ونحن كالعبيد المغلولين من أقدامهم وأيديهم في الدهاليز المعتمة أو وراء قضبان الزنازين أو في قاع السفن التي كانت تحملهم في التصاوير والأفلام إلى أسواق العبيد وتجار العبيد، أرى كل هذا بعيني الثالثة التي نبتت في أغوار بئري المظلمة وأحاول وأحاول وأعجز عن إخراج لفظةٍ واحدةٍ يمكن أن تواسيَك.

رعاكِ الله يا بنتي ووفقكِ وبارك فيك. هذا هو قدركِ كما أسمعكِ تقولين لكل من يكلف نفسه ويسأل عنا من الأقارب والأباعد ومن المتعاطفين والمتشفين. نعم أنا قدركِ يا حبيبتي، قدركِ أنت وحدكِ دون الجميع المنشغلين بأعمالهم وأرزاقهم عني وعنكِ وحتى عن أنفسهم مشغولين. أحس بقلبي وأرى بعيني الباطنة أن عينيكِ تلومان وتعتبان وربما تلعنان أيضًا وتصرخان، لكن هل أنا المسئولة يا بنتي؟ هل يقع ذنبكِ عليَّ وحدي؟ هو قدركِ يا حبيبتي وأنا قدرك. هل صنعته أنا وحدي أم شاركت كذلك في نسج خيوطه؟ وماذا نفعل أنا وأنت وكل أولاد آدم وحواء. هل نملك تغيير المسطور على اللوح المحفوظ؟

عندما أحببت الطيب وتمسكت به هل كنت أنا قدرك؟ ألم يشعر بكِ قلب الأم ويدافع عنكِ دفاع الأم عن وليدها بلحمها وأظافرها وبكل عضوٍ وخلجةٍ ترتعش فيها لتحميَه من الوحش المتربِّص به؟ ألم يجرِ الخُطَّاب عليكِ وتحفَ أقدامهم وتكلَّ أيديهم من الدق على الباب فتكلمت بلسانكِ وذدتُهم عنك؟ محامون وأطباء وموظفون محترمون من الأهالي وأولاد الأعيان ومن البندر والبراري. رفضتِهم جميعًا ورفضتُهم معكِ وعيني تدمع وأنا أراكِ تتقدَّمين في السن والطيب المسكين لم يجهز نفسه وتفوت الشهور والسنين وأنت تنتظرين. كان يسكن معنا في الحارة وكنت أعرف بقلب الأم أنه يحبكِ وأنكِ تحبينه ولا تريدين سواه، وكنت ألاحظ وأفهم وأسكت حين أراكِ تطلين عليه وتكلمينه بلغة الإشارة وتخفين رسائله عن أعين الجميع وأيديهم الطويلة. قالوا: ابن ناس على قد حالهم. وكنت أقول ابحثوا عن الأصل لا عن العز والجاه والأطيان، يكفي اسمه وخلقه، أليس هو الطيب ابن الطيبين؟ وتقدم إليكِ بواسطة خالكِ الذي كان يعرفه ويسهر معه ويحبه مثل كل الشبان في سنه، ووقف أبوكِ ورأسه وألف سيف ألَّا يعطيك للموظف الصغير الغلبان.

واجتهد الطيب وتحدى قدره وانتسب كما أفهمتني للجامعة وتعلم الحقوق. قلت لهم ولنفسي: سيتخرَّج وهو محامٍ قد الدنيا فما هو عيبه يا مسلمين؟ وبعد أن أخذ الشهادة الكبيرة حاربت كالصقر وقاتلت كالذئبة ووقف خالكِ معنا حتى وافقوا عليه، وعشتما بعيدًا في البندر حيث يعمل ويتعب ويسهر مع الكتب الكبيرة ليحصل على الدبلوم بعد الدبلوم. ماذا تريد يا طيب ولماذا لا تشتغل مثل المحامين؟ العمر يفوت يا بني وأنت تضيعه في الكتب والسياسة والخطب والكلام. ويضحك ويضحك ويقول أنا يا حاجة محامي الفقراء والمظلومين، أنا محامي مَن لا محاميَ له وأُومن بالزعيم؛ أعمل في الحزب وأسعى للعدل وأتعب لمستقبل الملايين. لكن صحتك لا تساعدك يا ولدي والروماتيزم في الرجلين والمفاصل لا يعينك على الجري مع السياسة والسياسيين. الشعب هو قضيتي يا حاجة وهو قضية الزعيم. المرض يزيد عليك يا ولدي والعيشة تحتاج للمصاريف وأكوام الكتب الكبيرة على مكتبك وفي الصالة وغرفة النوم وفي كل مكان إلا المطبخ والحمام لن تمدَّ أيديها لك. وتضحك حتى تكركر وتقول سموني الطيب يا حماتي لكي أعطي ولا آخذ، وأنا أعطي الحب لبنتكِ وأعطيه للشعب والمستقبل ولا أطلب شيئًا من أحد ولا أنتظر شيئًا من أي إنسان.

وتمضي الأيام والشهور يا بنتي ومحامي الفقراء والمظلومين موظف بائس صغير، وتسوء علته ويضيع مرتبه في الكتب والسهر مع الزملاء وفي الحقن والأقراص والمراهم والبلابيع، وتمر الأيام والشهور والسنين وليس معك بنت ولا ولد يسليك ويملأ عينيك ووقتك وقلبك المشغول الحزين، وينهزم العسكر وتنكسر البلد ويموت الزعيم فتسودُّ الدنيا في عين الطيب وتزيد العلة ويرقد في البيت يكلم نفسه ويلعن حظه ويكره الدنيا ويكره نفسه، وتلاحظين ذبوله يومًا بعد يوم وانطفاء الحياة في عينيه فتحاولين أن تواسيه وتشجعيه، وتمدين يدكِ إليه بالمرآة لعله يفطن لحاله وينتبه لما جرى له فينتشها منكِ ويرميها على الأرض بعزمِ ما فيه ثم ينزل من فراشه ويسحق الشظايا بقدميه الحافيتين وتغرق الأرض والسجادة في الدماء. كانت أيامًا قاسية عليكِ وعليَّ وعلى الطيب المسكين، وترفق بك القدر عندما ترفق به وسكت قلبه يومًا بعد أن وصل الروماتيزم إليه وظل يزحف عليه بالبرد والوجع والصقيع حتى تجمد فجأة كتمثال متصلب من الثلج أو الملح الأبيض، وأخذتكِ بعد المأتم إلى بيتكِ وبيتنا القديم لتكوني تحت عيني وأكون دمعتكِ وسندكِ وعكازك. حظكِ ولا بد من الرضا بالحظ والمقسوم. لا زوج ولا ولد ولا بنت ولا رغبة عندكِ ولا أمل في غدٍ يأتي بجديد، وبدأت الرجل تسعى واليد تدق على الباب وأنت ترفضين وتصرين وأحيانًا تظهرين بنفسك وتسبين وتلعنين، وتبقين وحيدة مع الطيب وصوره التي تطل عليكِ من الجدران كأنها تذكركِ بالعهد الأمين. صورته وهو قوي متفجر بالشباب، وصورته وهو معك على شاطئ البحر، وصورته وهو مريض وشاحب ونحيل. خياله وهو طموح يخطب أمام الألوف، وشبحه وهو مهزوم ومكسور ويائس بائس يستند إلى عكاز. هذا هو قدركِ يا حبيبتي وأنت مؤمنة وتعرفين أن ربك هو مقسم الأقدار، وتنظرين إليَّ ولا أرى عينيك ولا ملامح وجهك، لكن قلبي يحس ويرى ما تراه عيوني التي غشيتها المياه البيضاء. قلبي يحس ويرى ويسمع ما تقولينه لنفسكِ في كل لحظةٍ أو تقولينه للأهل والأغراب وربما تحسبين أنني لا أسمع ولا أفهم: هي قدري وهو حكم الله. نعم يا حبيبتي وابنتي وراعيتي وحارسة همي وشيخوختي، وأين يهرب الإنسان من قدره إلا إلى قبره؟

تقولين الباب يدق وهذه هي دقة خالك؟ تعال يا عبد الهادي يا بن أمي وأبي فربما يأتي معك الفرج، تعال يا أخي وهات معك ابني وحبيبي ليأخذ بيدي، افتحي الباب يا حبيبتي ليدخل ومعه الوعد أو الوعيد.

٦

لم يكد يدخل من الباب حتى حدثت المعجزة؛ خرجت الحروف كما تخرج الوحوش من الحبس الطويل. تلامست وتعانقت ثم تكورت وانطلقت كالقذيفة من فمي: عبد الهادي … حاولت أن أكمل وفتحت فمي مراتٍ وأغلقته ولكن المعجزة لم تتم. راحت الحروف تتصادم وتصلصل في سقف الحلق ثم تختنق وتتفتت في حشرجةٍ متقطعةٍ خرساء، ويبدو أنه سمعني أو أحس بي فشعرت بملمس قبلته على خدي وفي جبيني، وبضغطة يده الطويلة الخشنة علي يدي. جزاك الله كل خير يا أخي ولا حرمني منك. تدعو لي بالعافية وطول العمر وتضحك وتقول لحظة وأرجع لك، وتجلس في الصالة مع ابنة أختك وتوشوش معها ولا تعلم أنت ولا هي أن الله عوضني في أذني عن عجز العين وشلل اللسان والفم. هل تصورتما يومًا أنني أسمع دبة النملة وأنفاس الريح وزحف الموت في شراييني؟

– بركة أنك طيب وبخير يا خال.

– وكل شيء تم بخير وبفضل الله.

– ربنا يقدرنا على رد الجميل ونتعب لأولاد أولادك في الأفراح.

– في حياتكِ يا بنتي، الدنيا كلها تعب في الأفراح وفي الأحزان، لكن ربكِ هو المعين.

– ونعم بالله يا حاج، وما دام وضعت فيها يدك …

– ويده أيضًا فيها البركة، الحاج متولي التربي وحارس الجبانة. الرجل لم يتأخر وحضر معي بعد صلاة العصر. فتحنا المدفن وقرأنا الفاتحة على أمواتنا وأموات المسلمين. هو الله يستره الذي دلني على تربة ستك الله يرحمها ويحسن إليها. أصل الزحام يا بنتي في الموت وفي الحياة، والنائم تحت الأرض مثل الماشي فوق الأرض. المدفن ازدحم يا بنتي والعقل تاه. فتحنا التربة كأننا نفتح في كوم تراب، الله يرحمك يا أمي.

– صدق من قال يا خال: المتعوس في الدنيا منحوس في الآخرة.

– لكن ربكِ لا يرضى بالظلم يا بنتي. غفقنا التربة بالأسمنت وفرشنا الرمل على الأرضية، مد الرجل يده وأنا معه وسمَّيْنا وركنَّا العظم على جنب، حال الدنيا ومصير الكل يتلاقى، المهم الواحد يطمئن لنومته في الدنيا والآخرة.

– كتر خيرك يا خال، لو كانت في وعيها كنت قلت لك ادخل وطمئنها.

– العلم عند الله يا بنتي، جائز أنها تفهم أكثر مني ومنك.

ضحكت نظيرة وقالت وهي تتجه إلى المطبخ لتعدَّ له كوب الشاي: الله يجازيك يا خال، دائمًا الضحكة على لسانك والقبول في وجهك.

دخل عبد الهادي وهو يبسمل ويحوقل وجلس على حافة السرير، وضع يده في يدي التي راحت تمر عليها وتضغط وتتكلم بدلًا عن لساني. عجزت عن إخراج حرفٍ واحد من فمي، وجعلت أناملي تتلمس أنامله وتلتف حولها وتنطق وتصمت صاعدة هابطة وساكنة متحركة. كنت أريد أن أسأله وأسأله ولكن كيف أخرج وحوش الكلام التي تفترسني بين أقفاصها. كيف أقول وأعبِّر عمَّا يفيض من القلب ثم يقف في اللهاة ويتعثَّر وينكفئ ويسقط في الظلام. أنت يا حبيبي الذي تعرف ما لا يعرفون. يا مَن كنت معي وهو يتلوى من الحمى كالفأر الصغير وأنت تشجعني وتعزيني وتفتح طاقة القدر في عز الظلام. أخذت تقرأ من كتاب الله وتمرِّر يدك الطيبة على رأسه، وحكيت لي وحكيت عن بخت الأم المسعدة التي يموت لها طفل صغير. كان محمود يصارع الوحش أو الملاك وأنت تكلمني عن بختي وسعدي المقسوم. وحياتك يا حامل الشرع وحافظ الكتاب، هل سيظهر محمود يوم يحشر الأموات يوم العرض العظيم؟ هل يجري نحوي ويأخذ بيدي ولا أسقط في الجحيم؟ وأصابعي تسأل وتسأل، تتحرك وتسكن وتصعد وتهبط وتتشابك وتتفرَّق وأنت لا تكف عن تلاوة الآيات وترتيل الدعوات.

وتتم المعجزة مرةً أخرى فتخرج الحروف من الحبس الطويل، تقترب من بعضها وتتلاقى وتتعانق ثم تنطلق فجأةً كمواء القطة العجوز التي رأيتها بعيني الأخرى في الكابوس: محمووود، تعال يا حبيبي، الديك صحا وصاح، تعال يا ولدي وخذ بيدي، تعال، تعال.١
١  هذه القصة مهداة إلى روح أستاذي وصديقي العزيز الدكتور شكري محمد عياد رحمه الله، وقد كتبت القصة بعد قراءة كتابه — الذي كان في الأصل رسالته للماجستير — وهو من وصف القرآن يوم الدين والحساب، أصدقاء الكتاب، ١٩٩٥م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١