الفصل الأول

الفيلسوف الحائر

١

قال حاكم المدينة لصاحبيه حين سكت الغناء: ما أجمل هذا الصوت! ما أذكر أني سمعت قط شيئًا يقاربه عذوبة وسحرًا.

قال «كلكراتيس»: إنه ليأتي من بعيد.

قال «أندروكليس» في شيء يشبه الذهول: ويدعو إلى بعيد.

والتفت الحاكم إلى المغنية وهو يقول: من علمك هذا الصوت يا ابنتي؟ فقد ملأت به أسماعنا وقلوبنا وعقولنا منذ الليلة!

قالت الفتاة في تحفظ شديد، مصدره حياء شديد: لقد أخذته عن أمي يا مولاي، وأخذته أمي عن جدتي، وهو صوت شائع متوارث في مدينتنا منذ الزمان القديم، يتغنى به الفتيات الحسان إذا خرجن مع الصبح يستقبلن الفجر المضيء الرطب بوجوههن المشرقة الوضاءة، ويملأن جرارهن من ماء النيل. يتغنين به فرحات مرحات، كأنما يترجمن به عن فرح الطبيعة المستيقظة، ومرح الصبح النشيط. ومع ذلك فما سمعت أمي تتغنى هذا الصوت مرة إلا رأيت على وجهها كآبة وشحوبًا، وأحسست في غنائها حزنًا تنفطر له القلوب. وقد سألتها عن ذلك فأعرضت عني مرات، ولكنها كانت تعاود الغناء فتعاودها الكآبة التي تغشي وجهها، ويعاودها الحزن الذي يشيع في صوتها ويفيض على الجو من حولها حسرة وألمًا، فأعود أنا إلى السؤال وألح فيه. فلما طال عليها ذلك مني أنبأتني نبأ هذا الصوت، وعرفت منها أن جدتي لم تكن تتغناه إلا ثار في نفسها حزن عميق وتَحدَّر من عينيها دمعٌ غزيرٌ.

وما أكثر ما تخرج الأشياء عن أطوارها وتجري الأمور في أجيال المحدثين على غير ما كانت تجري عليه في أجيال القدماء! كان هذا الصوت صورة الحسرة واللوعة، وترجمان الجزع واليأس عند جدَّاتنا في الزمان الأول، فإذا هو الآن عند أترابنا من أهل هذا الجيل صورة الفرح والمرح، وترجمان اللذة والغبطة والسرور.

ولقد تغنيت هذا الصوت في كثير من المجالس، وتردد به صوتي في كثير من قصور الحكام والسادة، فما رأيت أحدًا سمعه، ثم ذاقه، ثم فهمه على وجهه، ثم شاركني فيما أجد من عاطفة وما يملأ نفسي أثناء غنائه من شعور، قبل أن أراكم الليلة، وقبل أن أسمع سؤالكم عنه وقدركم له وحكمكم عليه.

ثم أمسكت الفتاة عن الحديث، أو انقطع صوتها انقطاعًا، حبسته في حلقها عبرةٌ أمسكتها الفتاة إمساكًا، ولكنها تفجرت من عينيها دموعًا متحدرة على خديها الجميلين.

هنالك أسرع «أندروكليس» في شيء من الدعابة الخفيفة إلى الفتاة فقبل بين عينيها، ومسح هذا الدمع المتحدر وهو يقول: مهلًا يا ابنتي! ما ينبغي لهاتين العينين أن تبكيا، ولهذا الوجه الجميل أن يغسله الدمع، ونحن بعدُ لم نجتمع للبكاء والحزن، وإنما اجتمعنا للغناء واللهو. فانتقلي بنا من هذا الصوت الحزين المحزن إلى لون آخر من ألوان الغناء. خذي في بعض هذه الأغاني التي تملأ جو الساحل بهجة وسرورًا، والتي يتنقل بها أولئك الفتيات على مجالس السمار وأصحاب العبث مع ما يتنقلن به من طاقات الورد والياسمين.

قال «كلكراتيس» في صوت هادئ كأنما يملكه صاحبه في شيء من العنف والشدة على نفسه: دعنا من دعابتك ومجونك، وأرحنا من فرحك ومرحك، فما أهون الدعابة والمجون، وما أيسر الفرح والمرح! وإننا لفي ذلك منذ نصبح إلى أن نمسي، وإننا لفي ذلك منذ نمسي إلى أن يتقدم بنا الليل. يا عجبًا للذين لا يسأمون اللذة، ولا يضيقون باللهو، ولا يحتاجون بين حين وحين إلى شيء من الحزن يردُّ نفوسهم إلى بعض أطوار الجدِّ ويصور لهم الحياة على أنها شيء غير هذا الباطل الذي لا ينقضي، والعبث الذي لا يزول. إن لصوتك هذا يا ابنتي لنبأ، فحدثينا به وقُصيه علينا! فقد شاركناك في ذوقه وفهمه، فما أجدرنا أن نشاركك في العلم بما له من تاريخ!

قالت الفتاة مترددة متحفظة وقد نظرت إلى حاكم المدينة نظر المستأذنة المستأمنة، فأشار إليها برأسه ويده أن امضي فليس عليك بأس.

قالت الفتاة: إن لهذا الصوت تاريخًا لو عرفه أصحاب السلطان لحظروا غناءه على فتيات الريف.

قال الحاكم: سأعرفه ولك عليَّ ألا أُحدث في أمره شيئًا.

قالت: فإنه صيحة من تلكم الصيحات التي انبعثت من نفوس الشعب حين فُرض عليها دين المسيح وصُدَّت في قوة وعنف عن دين الآباء والأجداد. ألم تسمعوا إلى ألفاظه؟ ألم تفهموا معانيه؟ إنها تسأل عن نجم كان يشرق في السماء إذا تقدم الليل، وكان يبعث مع أشعته إلى نفوس الناس لذة وحبًّا وأملًا، وكان الناس ينتظرون مطلعه ليتلقوا أشعته التي كانت تحمل إليهم الحياة، وتجدد في نفوسهم الأمل، وتمس قلوبهم بأجنحة الحب المحرقة. فلما فُرض عليهم الدين الجديد فرضًا وأخذوا بالإعراض عن حياة آبائهم وأجدادهم أخذًا عنيفًا، أعرضوا كارهين عن هذا النجم، فأخذوا لا ينتظرون مطلعه، ولا يستقبلون أشعته، ولا يرسلون نفوسهم إليه إذا جنهم الليل إلا أقلهم؛ فقد كانوا يترقبونه خفية ويستقبلون أشعته سرًّا، ويرسلون إليه نفوسهم من وراء الحجب. وكأنَّ هذا النجم قد أنكر إعراض عباده عنه، وضاق بجحودهم لما كان يُسدي إليهم من يد، ويصنع فيهم من معروف، أو كأنه أشفق من هذا الإله الجديد الذي ملأ عليه أرجاء الأرض وآفاق السماء، فترقبه عباده الليلة بعد الليلة، والليالي بعد الليالي ولكنهم لم يجدوه، وأرسلوا إليه نفوسهم ولكنها عادت إليهم باليأس والإخفاق، وبالحسرة واللوعة، وبالجزع والقنوط.

فهذا الصوت سؤال ساذج، توجهه النفوس الساذجة إلى السماء الصامتة وإلى النجوم الخرساء، تسألها عن نجمها الذي أضلته ما خطبه؟ وأين يمكن أن يكون؟ وهل لها إليه من سبيل؟ فلا ترجع عليها السماء جوابًا، ولا ترد عليها النجوم صدى، كأنما أدركها الصمم، وكأنما عُقدت ألسنتها عن الكلام. ومع ذلك فما كان أكثر ما تسمع السماء والنجوم لأهل الأرض! وما كان أكثر ما يسمع أهل الأرض لحديث السماء والنجوم!

قال «كلكراتيس»: فهو ذاك يا ابنتي! وإنك لتتحدثين إلينا بحديث أنفسنا، وتعرضين علينا صورة قلوبنا، فما أكثر الذين يلتمسون هذا النجم أو نجمًا يشبهه في السماء فلا يجدونه! وما أكثر الذين يسألون عن هذا النجم أترابه التي تبدو إذا جنَّ الليل فلا يظفرون منها بشيء!

قال «أندروكليس»: إن النجوم صماء قد آذاها صوت هذه النواقيس التي تقرع من كل بيعة في كل قرية، وفي كل وجه من وجوه المدن، فتملأ الجو بهذا الرنين والطنين، وتبسط بين أصوات الناس وأسماع النجوم حجابًا صفيقًا لا يخترقه السؤال ولا ينفذ منه الجواب.

قال حاكم المدينة وهو يتكلف الوقار ويتصنع الهيبة: مهلًا! إنكم تُلحدون في دين قيصر! وإنكم تعلمون أنَّ قيصر قد أعدَّ للملحدين في دينه عذابًا شديدًا، وإني أنا الموكل بهذا العذاب. لقد آمنتك يا ابنتي على نفسك وعلى صوتك هذا الجميل، فلا بأس عليك! ولكن خذي إن شئت في غير هذا الغناء، أو أريحي نفسك لنأخذ نحن في غير هذا الحديث.

وخلا الحاكم بعد ساعة إلى صاحبيه، ولكنه لم يخض معهما في لون آخر من ألوان الحديث، وإنما حذرهما وحذر نفسه أيضًا من هذا التهاون والتفريط، وذكرهما وذكر نفسه أيضًا بأن قيصر لا يعرف هوادة في الإلحاد، ولا لينًا مع الملحدين، وبأن الوثنية إثم يعاقب عليه القانون أشد العقاب: تُصادر فيه الثروة، وتُستصفى فيه الأموال، وتُسفك فيه الدماء.

قال الحاكم: وقد أقامني قيصر كما تعلمان حفيظًا على دينه، كما أقامني حفيظًا على سياسته ومدبرًا لأمره في هذا الإقليم، فكيف به لو ارتفع إليه بعض ما نحن فيه! وكيف به لو علم أنه قد آمنني على الدين فأنا أخونه في الدين، وأعين اثنين من صديقي على مثل ما أمعن فيه من خيانة!

قال «أندروكليس»: هوِّن عليك فإنا لم نزد منذ الليلة على ما تعودنا أن نفعل وأن نقول منذ أعوام، قبل أن تلي الحكم وبعد أن وليته، ولم يرتفع إلى قيصر من أمرنا شيء، فماذا يخيفك؟ وماذا يدعوك إلى هذا الغلو في التحفظ والإغراق في الاحتياط؟ أمشفق أنت من هذه المغنية المصرية التي لا يبلغ صوتها ما وراء غرفتك وحجراتك، ولا تتصل الأسباب بينها وبين أحد غيرك من الناس؟

قال حاكم المدينة: بل أنا مشفق من جواسيس قيصر الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، والذين يندسون في كل بيئة وينسلون إلى كل مكان، ويتلطفون حتى يعرفوا أسرار البيوت ويظهروا على دخائل النفوس، ثم يرفعون ذلك إلى قسطنطينية فتصدر فيه الأوامر بما تعلمون. وما صرفت الحاشية والندماء حين انتصف الليل، وما صرفت هذه المغنية آنفًا، وما تعجلت الخلوة إليكما قبل إبانها لنفرغ لما تعودنا أن نفرغ له من عبادة آلهتنا الذين نحبهم ونؤثرهم على النحو الذين يحبون أن يُعبدوا عليه، وإنما أردت بما تعجلت من هذه الخلوة أن أحذركما وأحذر نفسي، وأن أذكركما وأذكر نفسي، وأن أستشيركما في حدث طارئ وخطب ملم. فقد ارتفعت الأنباء إلى قسطنطينية بأن شيئًا من التهاون في الدين قد أخذ يشيع في هذا الوجه الذي يلينا من وجوه الدولة، وبأن جماعة من المعلمين والفلاسفة قد أخذوا يظهرون إنكارهم؛ لما كان من اضطهاد المعلمين والفلاسفة الوثنيين في بلاد اليونان، وقد أخذوا يجهرون بشيء من الدعوة للدين القديم، يظهر الآن يسيرًا لا يكاد يُحس، ولكنه يوشك أن يقوى ويشيع وينبث في أطراف الأرض، فيعظم الشر، ويكثر الفساد، وينقبض دين المسيح عن أرض قد استقر فيها سلطان المسيح.

وقد انتهى إلي، اليوم، أمر قسطنطينية أن أتنبه لذلك، وأنهض لمراقبته ومقاومته، وآخذ الذين يظهر في سيرتهم إلحاد أو شيء يشبه الإلحاد بأقصى ما أملك من الشدة والعنف.

قال «أندروكليس»: فهذا سعي القسيسين وكيد الرهبان.

قال الحاكم: أو سعي المنافسين وكيد الخصوم. ومهما يكن من شيء فالحذر أيسر ما يجب علينا، والاحتياط أولى ما يجمل بنا.

قال «كلكراتيس»: إني قد ضقت بحياتكم هذه البغيضة التي لا سماحة فيها ولا يسر، ولا راحة فيها ولا لين. تضييق على النَّاس في حياتهم حين يغدُون وحين يروحُون، وفي سيرتهم حين يجتمعون وحين يتفرقون، وفي أحاديثهم حين يَلقى بعضهم بعضًا، وفي نجوى ضمائرهم حين يَخلو أحدهم إلى نفسه أو يدير في رأسه بعض ما يدير من الرأي.

من الذي فرض لكم على الناس هذا السلطان؟! ومن ذا الذي أباح لكم أن تنفذوا إلى نفوس الناس وضمائرهم، ولا تسألوهم عما يعملون حتى تسألوهم عما يرون؟! وما ينبغي لكم مع ذلك أن تسيطروا من أعمال الناس على شيء ما لم يبدوا لكم صفحتهم أو يُظهروا لكم مقاومة وعصيانًا.

فكيف بسؤالهم عن رأي العقل وحديث الضمير؟! أليس قد قال المسيح الذي يفرض قيصر على الناس طاعته ودينه: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»؟ فما بال قيصر يتجاوز حدوده، ويغير على ما ليس له، ويدخل بيننا وبين نفوسنا، ويندس بيننا وبين آلهتنا! أليس يكفيه أن هدم المعابد، ودمر الهياكل، وألغى الديانات ومزق أصحابها كل ممزق، وثأر للذين استشهدوا في سبيل المسيح، فجعل للأوثان شهداء امتحنوا في أنفسهم وأهلهم وأموالهم حتى محوا من الأرض محوًا؟! أليس يكفيه أن يبلغ هذا كله حتى يدخل بين المرء وضميره، ويندس بين المرء ونفسه؟! أليس يكفيه أن يبسط سلطانه على الأجسام حتى يحاول أن يبسط سلطانه على القلوب والعقول؟! وكيف السبيل له إلى استذلال القلوب والعقول؟! إني لألقى أعوانه وعماله بما يرضيهم ويرضيه، فأكف عن نفسي أذاهم وأذاه، ولكني أكتم فيما بيني وبين نفسي ما أشاء من الأمر، وأُدير في رأسي ما أحب من الرأي، وأتقدم بالدين والطاعة والحب في قلبي لمن أوثر من الآلهة. والأمر يستطيع أن يستقيم بين قيصر وبيني على هذا النحو من النفاق الذي تستقيم عليه أمور الناس كلهم فيما بينهم من علاقة أو صلة. فما بال قيصر يكلف نفسه ما لا يطيق، ويحمل الناس من الأمر ما لا يحبون ويريد أن تخلص له قلوبهم وسرائرهم، كما تذعن له أجسامهم وظواهرهم!

إنه لا يبلغ من ذلك شيئًا، ولكنه يضيع قوته عبثًا ويفني جهده في غير طائل، ويحرج الناس ويرهقهم من أمرهم عسرًا، وينتهي آخر الأمر إلى أن يصرفهم عن حبه، ويزهدهم في طاعته، ويملأ قلوبهم بغضًا له وإنكارًا عليه؛ وقد يدفعهم إلى أن يعصوه ويثوروا بسلطانه حين يجدون إلى العصيان والثورة سبيلًا.

قال حاكم المدينة: على رسلك! هدئ من هذه الحدة، وهوَّن من هذه الشدة، واخفض من هذا الصوت! فإني قد صرفت الحاشية والخدم والحجاب، ولكني لا آمن أن يكون قد تخلف منهم وراء الأستار أو دون الأبواب من يتسمع علينا. وما أرى بعد ذلك إلا أنك تريد قيصر على ما لا يلائم أخلاق القياصرة. فمتى رأيت صاحب السلطان الواسع العريض يرضى من الناس بأيسر الطاعة، ويقبل منهم ظاهرًا من الخضوع، ولا يكلفهم أن يُخلصوا له الحب ويصفوه مودة قلوبهم وخاصة نفوسهم، فإن ظَفر منهم بما يريد فذاك وإلَّا حملهم عليه كرهًا، وخيل إلى نفسه بل أقنع نفسه بأنه يستطيع أن يصل إلى القلوب من نفس الطريق وبنفس الوسائل التي يصل بها إلى الأجسام؟! والسلطان بطبعه طاغية، لا يقره في حدوده، ولا يرده عن الظلم والجور إلا سلطان مثله يعدله ويوازنه ويَحول بينه وبين الجموح.

فهل تعرف سلطانًا يعدل سلطان قيصر؟ وهل تعرف قوة توازن قوة قيصر؟ وهل تعرف في الأرض فردًا أو جماعة أو مظهرًا من مظاهر الطبيعة يستطيع أن يرد قيصر إلى الحد إن همَّ قيصر أن يتجاوز الحد؟!

قال «كلكراتيس»: فإن أصحاب هذا الدين الذي يفرضه علينا قيصر يزعمون أن هذه القوة ليست في الأرض ولكنها في السماء، وأنها أضخم ملكًا وأعظم بطشًا وأوسع سلطانًا من كل ما يملك قيصر، وأنها خليقة أن تكبحه إذا جمح، وترده إذا طغى.

قال «أندروكليس»: هذا كلام يقال، وما أستطيع أن أومن لهذه القوة حتى أراها، وما أستطيع أن أذعن لها حتى أرى أثرًا من آثارها أو مظهرًا من مظاهرها. فما أكثر ما يطغى قيصر ويبغى! وما أكثر ما يجور عماله ويظلمون، فلا تردهم هذه القوة ولا تصدهم، وكأنها تدفعهم إلى البغي دفعًا، وتمد لهم أسباب الظلم والجُور!

قال حاكم المدينة وعلى ثغره ابتسامة لا تخلو من سخرية: فإنكما تجهلان من هذا الأمر أكثر مما تعلمان.

تجهلان أن بين الأرض والسماء حلفًا منذ فرض الدين الجديد على الناس، وأن قيصر يمثل هذا الحلف وينطق عنه، فإذا أجاز قيصر أجازت السماء، وإذا منع قيصر منعت السماء، وإذا حل قيصر أو عقد فإنما يحل ويعقد بأمر السماء. وما ينبغي أن تنكرا من ذلك شيئًا. وقد كان أمر قيصر في ظل الدين القديم على مثل ما هو عليه في ظل الدين الجديد: كان ينطق بلسان «جوبتير»، ويبطش بيده، ويمزق بسلاحه، ويحرق بناره أولئك المستضعفين من النصارى، فهو الآن ينطق بلسان المسيح، ويبطش بيده، ويصبُّ بأسه على الأثينيين.

قال «كلكراتيس»: إن دل هذا على شيء فإنَّما يدل على أن قيصر إنما ينطق بلسان نفسه، ويبطش بيد نفسه، ويصبُّ على الناس ظلم نفسه وجورها! وما كان «جوبيتير» ليكلف القياصرة ما تكلفوا من شطط. ولست أعرف المسيح، ولكني ما أظنه أقل رحمة للناس ورفقًا بهم من «جوبيتير» وما أرى إلا أن قيصر يبغي علينا ويبغي على آلهتنا كما يبغي على إلهه هو.

قال «أندروكليس»: فالأمر كما تقول. ولكن ما الذي تستطيع أن تفعل؟ وما الذي تريد أن تفعل؟ إنك لا تستطيع أن ترد على قيصر أمره، ولا أن تلقى بَغيه وعدوانه بما يشبهما من البغي والعدوان. فليس لك إلا أن تذعن فتحيا، أو تأبى فتموت.

قال حاكم المدينة: والخير في الإذعان! لأن الحياة خير من الموت، فنحن نعرف الحياة، ونبلو لذَّاتها، ونذوق آلامها، ولا نعرف من أمر الموت وما وراءه شيئًا. ويجب أن تكون للآلهة أسرار لا تستطيع عقولنا أن تبلغها أو ترقى إليها. فما لإله قيصر لا يصد قيصر عن ظلمه! وما لآلهتنا لا تحمينا من هذا الظلم؟! كأنما انصرف إله قيصر وانصرفت آلهتنا عن الأرض وما يقع فيها من بغي وعدوان، وعن الناس وما يجني بعضهم على بعض من ظلم وجور.

قال «أندروكليس»: وما يدريك؟! لعل ما يحدث في السماء ونجومها ليس خيرًا مما يحدث في الأرض، ولعل وراء هذا الكون من عظيم الأمر ما يشغل الآلهة عما يحدث فيه من الأحداث.

قال «كلكراتيس»: وإذًا؟!

قال حاكم المدينة: وإذًا فلنلق الحياة كما نستطيع، ولنحتمل منها ما نطيق، ولنأخذ من لذَّاتها ما يتاح لنا، ولنؤد إلى قيصر ثمن هذه اللذات طاعة وإذعانًا نُخلص فيهما ما وسعنا الإخلاص، وننافق فيهما إن اضطررنا إلى النفاق.

قال «كلكراتيس»: فنحن في ذلك منذ عرفنا أنفسنا لا نعصي لقيصر أمرًا، ولا نخرج عما رسم لنا من الحدود.

قال الحاكم: بل أنتما تعصيان له بعض الأمر، وتخرجان عن بعض ما رسم لكما من الحد. فأنتما لا تشهدان الصلاة، ولا تختلفان إلى الكنائس، ولا تُظهران تعظيم المسيح، ولا تُقدمان إلى القسيسين والبطارقة ما يصلح رأيهم فيكما. وقد كنت مثلكما حينًا من الدهر، وما أظنني خالفتكما فيما أخالفكما فيه من ذلك إلا لأن المنصب يفرض عليَّ أن أشهد الصلاة وأختلف إلى البيع، وأظهر للدين ورجاله ما أظهر من التعظيم. وقد نفعني ذلك كما تريان ولم يضرني شيئًا.

ثم أطرق صامتًا فأطال الإطراق، ثم رفع رأسه وقال مبتسمًا: وأحسبه نفعكما أيضًا. فما يمنعكما أن تذهبا مذهبي، وتسيرا سيرتي، وتعلنا لقيصر ما يريد إعلانه، وتُضمرا لأنفسكما وآلهتكما ما تحبان! إنكما لا تُنكران ذلك من أمري، فما لكما لا تعرفان منه مثل ما أعرف، ولا تأتيان منه مثل ما آتى؟!

قال «أندروكليس»: لأنا لا نريد أن نرقى إلى مثل ما رقيت إليه من منصب، ولا أن نظفر بمثل ما ظفرت به من قوة وسلطان، ولأن ما لنا يغنينا، وجاهك يحمينا، وهذه الحياة تُرضينا.

قال حاكم المدينة: فإن عجز جاهي منذ الآن عن حمايتك؟

قال «كلكراتيس»: فإنه النذير بالقطيعة إذًا.

قال حاكم المدينة: لا تتعجل القضاء على صديقك، ولا تسرع إلى سوء الظن به! فإني لا أريد قطيعتكما ولا أقدر عليها، وإنما هو خطب ألمَّ، فأنا أستعينكما عليه، وأستشيركما فيه، فأعيناني وأشيرا عليَّ. وإنكما لتعلمان أني ما أملك لكما ولا لنفسي من غضب قيصر شيئًا. فلنجمع أمرنا، فإمَّا طاعة لقيصر من ثلاثتنا ووراءها ما وراءها من الحظوة والنعيم، وإمَّا معصية لقيصر من ثلاثتنا ووراءها ما وراءها من البؤس والضُّر ومن عذاب قد ينتهي إلى الموت.

قال «أندروكليس» ضاحكًا وهو ينظر إلى زجاجات وأقداح قد وضعت من القوم غير بعيد: ما أرى إلا أنك قد بدأت تذيقنا هذا العذاب. فهذه الزجاجات القائمة تدعونا، وهذه الأقداح المصفوفة تغرينا، وأنت تشغلنا عنها بما تخوفنا من أمر قيصر وبأسه بعد أن حرقت أجوافنا بما قدَّمت إلينا من طعام، وجففت حُلوقنا بما صَببت علينا من نذير. فلنسق هذه الأقداح الظامئة، ولنطفئ هذه الأجواف المحترقة، ولنرطِّب هذه الحُلوق الجافة، ولنقدم الطاعة إلى «دينوزوس» في ظلمة الليل، والإذعان إلى قيصر في وضح النهار.

ثم نهض فخيل شيئًا من رقص «دينوزوس»، وأسرع إلى المائدة فملأ قدحًا قدم منه قطرات إلى «دينوزوس»، ثم صبه في فمه صبًّا، ثم ملأ الأقداح الثلاثة فقدم إلى صاحبيه، وعاد إلى مجلسه وفي يده قدحه يحسو منه حسو الطير ويقول: لست أرى بهذه القسمة بأسًا: الليل ﻟ «دينوزوس»، والنهار لقيصر. وإن شئتما فليكن النهار قسمة بين قيصر والمسيح: لقيصر شطر النهار، وللمسيح شطره الآخر. ولكنكما كُنتما تقولان إنَّ بين قيصر والمسيح حلفًا فلا حاجة إذًا إلى أن نقسم النهار بينهما، فلنقدم النهار كله إلى قيصر فسيرضى المسيح، كما كان عامة الناس يُقدمون عمرهم كله لقيصر فيرضى «جوبتير»، أما أنا فهذا الرأي يُرضيني كل الرضا، يحقق آمالي ومآربي، ويُرضي حاجاتي ومنافعي، ويُرضي بنوع خاص رأيي وفلسفتي. فما يَمنعني أنْ أكون من عامة الناس حين تغمرنا الشمس بضوئها هذا الفظيع الذي لا يخفى عليه شيء ولا يستتر من دونه أحد، وأن أكون من خاصتهم حين يغمرنا الليل العطوف الأمين بظلمته الحصينة المتينة التي لا تُظهرنا إلا على نفوسنا، والتي تتيح لشخصياتنا أن تسترد ما فقدت من حرياتها في ضوء النهار، والتي لا يلمع فيها إلا هذه الأشعة الضئيلة التي ترسلها إلينا النجوم كأنها التحية الخفية يرسلها الحبيب إلى عاشقه بمأمن من الرقباء. قال ذلك ثم أفرغ قدحه في جوفه، ونظر إلى صاحبيه في شيء من الإشفاق والازدراء وهو يقول: ما أقل نشاطكما للشراب! وما أشدَّ فتوركما عن «دينوزوس»! ما كنت أحسب أن خوف قيصر يغنيكما عن نبيذ ساموس. أفرغا قدحيكما فإنَّ جوفي يحرقه الصدى. وما أدري فيم هذا القصر الضخم، والمنصب الفخم، والثراء العريض؟ هلم يا سيدي فادع لنا بعض إمائك يغنين ويرقصن ويطفن علينا بالأقداح والأكواب، فما عُبدَ «دينوزوس» بخير من الغناء والرقص والشراب.

قال «كلكراتيس» في هدوء يملؤه الجدَّ وقد غشى وجهه العبوس: ليس الأمر من اليسر بحيث تظن. وما أرى إلا أن خوف قيصر هو الذي يدفعك إلى الشراب ثم إلى السكر.

قال «أندروكليس»: أخطأت يا صديقي! سأخاف قيصر طول النهار، فلآمنه أثناء الليل. وإنما أدعوكما إلى «دينوزوس» لأننا قد عدونا عليه، وجرنا عن طريقه! فنحن مدينون له بالليل كله، وقد صرفنا عنه بعض هذا الليل إلى قيصر، فلنحذر أن ينكر ذلك من أمرنا، فيسخط علينا إله الليل «دينوزوس»، وإله النهار قيصر.

وكان الصديقان قد أفرغا قدحيهما، فنهض «أندروكليس» نشيطًا مرحًا فملأ الأقداح الثلاثة، وقال لحاكم المدينة: أتريد أن تدعو إماءك أم تأذن لي في أن آتي هذه الحركة التي تأتيها فيستجيب لك الخدم؟ إنما هي يدٌ تضرب يدًا فيَصل الصوت إلى من ندعو.

قال «كلكراتيس»: مهلًا! فإني في حاجة إلى لحظات أخلو إليكما فيها، فما أحب أن نفترق وأنا أطوي عنكما بعض الأمر.

قال حاكم المدينة: وما ذاك؟

قال «كلكراتيس»: ذاك أني لا أرى رأيكما، ولا أعرف لقيصر سلطانًا على قلبي، ولا أحب أن أعبد إلهًا لا أعرفه، ولا أُريد أن أضيف إلى آلهتي إلهًا جديدًا! لأنهم يكفونني ويغنونني من كل إله. والآن فادع إماءك إن شئت، ولنعبد «دينوزوس» على ما بيننا من اختلاف الرأي: أُخلص له ولأصحابه من أهل الأولمب، وتشركون معهم إلهًا جديدًا أو إلهين جديدين.

قال حاكم المدينة: فإن هذا لا يحل المشكلة، ولا ينتهي بنا إلى غاية نرضاها.

قال «كلكراتيس»: سنستأنف الحديث في ذلك إذا كان الغد، فدعني أفكر، وادع إماءك وندماءك! فقد جُرنا وأسرفنا في الجور على «دينوزوس».

ودق حاكم المدينة يدًا بيد، فما هي إلا لحظات حتى فُتحت الأبواب، وانفرجت الأستار، وأقبل الجواري حسانًا صباحًا يحملن فنون الزهر، وألوان الفاكهة، ويتهيأن للرقص والغناء.

٢

ولم يجلس «كلكراتيس» لأصدقائه من الغد كما تعود أن يفعل وجه النهار من كل يوم، ولم يفرغ لذلك العبد الذي جعله على ثروته وخزائن ماله، ولا لهذا العبد الذي وكل إليه تدبير القصر وأمر الخدم والرقيق، كما تعود أن يفعل آخر النهار من كل يوم! بل لم يستطع عماله وأصحاب تجارته الواسعة أن يرفعوا إليه شيئًا من أمرهم كما تعودوا أن يفعلوا كلما تولى النهار؛ لأنه احتجب ذلك اليوم منذ رجع من قصر الحاكم قبل أن يُسفر الصبح بقليل. أوى إلى مضجعه فاستوفى حظه من راحة هادئة ونوم مطمئن، ثم نهض مع الظهر فأدَّى لجسمه الذي تعود أن يؤديه له من العناية والرياضة، ثم خلا إلى نفسه يفكر فيما كان بينه وبين صديقيه من حديث، ويدير رأيه فيما عسى أن يتخذ من سيرة ويسلك من طريق. وكان صادقًا كل الصدق مصممًا كل التصميم حين أعلن إلى صديقيه في لهجة الحازم العازم أنه يأبى أن يُقسم حياته بين قيصر وبين ضميره، وأن يُظهر لقيصر ما يرضيه من الإيمان بالدين القائم، ويُخفي في نفسه ما يُرضيها من الإخلاص للدِّين الوثني القديم. وكان يعلم حق العلم، أنَّ صديقه الحاكم لا يتقدم إليه في مصانعة قيصر وموادعة السلطان إلا مؤثرًا له بالخير، مشفقًا عليه من الشر. ولعل صديقه الحاكم كان يحتاط لنفسه بعض الشيء حين كان ينصح بالمصانعة والموادعة. ولكن أيُّ غرابة في هذا وصديقه إنسان فيه ضعف الناس وقوتهم، وفيه أثرة الناس وإيثارهم؟!

والشيء الذي ليس فيه شك ولا ريب، هو أن صديقه كان مخلصًا صادق النية حين أعلن إليه وإلى صاحبه أنه يستعينهما على خطب ألمَّ، ويستشيرهما في حادث طرأ، ويريد أن يكون معهما على طاعة قيصر إن أزمعا الطاعة، وعلى عصيان قيصر إن أرادا العصيان.

ولو أن «أندروكليس» كان صُلبَ الرأي جريء القلب مستمسكًا بتراث آبائه حريصًا على حقه في حرية الضمير، لاستطاع الصديقان أن يحملا صديقهما أنْ يُحكِّموا أمرهم بينهم، وأن يلتمسوا لأنفسهم مخرجًا من هذا الضيق، يلتمسون هذا المخرج بالحيلة أو بالضعف.

ولكنَّ «أندروكليس» رجل لين النفس، فاتر الرأي، لا يحفل بدين قديم أو جديد، ولا يُقدر تراث الآباء ولا كسب الأبناء! بل هو لا يفكر في أمس ولا في غد، وإنما يفكر في يومه الذي يعيش فيه، يُعرض عما مضى، ولا ينتظر ما سيأتي، ولا يؤمن إلا بما يرى، وبما يرى في الساعة التي هو فيها. فإلهه الذي يعبده ويُخلص له هو نفسه، يبتغي لها اللذة والنعيم، ويدفع عنها الألم والشقاء ما وجد إلى ذلك سبيلًا. وهو من أجل ذلك مضطرب الرأي، أو لا رأي له، يُنكر اليوم ما عرف بالأمس، وقد يعرف الآن ما كان يُنكر منذ حين.

وقد آثر «أندروكليس» العافية، وأشار بالطاعة والإذعان، فوافق رأيه ومشورته هوى الحاكم، وإيثاره للراحة والهدوء، وحرصه على الاستمتاع بلذة الأمن والقوة والسلطان والجاه، والاندفاع مع الأمل القوي البعيد الذي لا يعرف حدًّا يقف عنده ولا غاية ينتهي إليها.

فلم يبق بعد اتفاق هذين الصديقين ﻟ «كلكراتيس» إلا أن يختار بين اثنتين: فإما أن يشايع صديقيه على ما أحبا، وليس إلى ذلك من سبيل؛ لأنَّه لا يريده، ولو أراده لما استطاعه ولا قَدر عليه. وإما أن يُخالف صديقيه، ولكن على ألا يؤذيهما ولا يسوءهما ولا يُعرضهما لشر يأتيهما من قبل السلطان، ولا يُلقى في روعهما أنه مقاطع لهما أو ساخط عليهما! فهما لا يستحقان مقاطعة ولا سخطًا، وقد نصحا له جهدهما، وآثراه بما يؤثران به نفسيهما. وهذه الخطة هي التي آثرها «كلكراتيس»، ولكنه يلتمس إليها السبيل، ويبتغي إليها الوسيلة؛ فيفكر ويُطيل التفكير دون أن يهتدي إلى المذهب الذي يربح منه صديقيه من غير أن يَشق عليهما أو يسُوق إليهما بعض ما يكرهان.

وقد فكر في الموت. وأي شيء كان أيسر من التفكير في الموت بالقياس إلى أولئك المثقفين المفلسفين من اليونان في ذلك العصر، ولا سيما حين كانوا يحتفظون بالوثنية أو بظل منها! فقد علمهم شيوخهم وأساتذتهم من أتباع «أبيقور» وأصحاب الرواق أن حياة الفرد ليست شيئًا، وأن موت الفرد ليس شيئًا، وقد ضُربت لهم الأمثال مرات ومرات، فما أكثر أولئك الذين كانوا يكرهون الحياة فيخرجون منها مزدرين لها أشد الازدراء، مكبرين لأنفسهم أشد الإكبار! يرون شيئًا من العزة في أنهم دخلوا الحياة غير مُريدين ولا مُختارين، فأتيحت لهم لذَّاتها، وفرضت عليهم آلامها وهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذه اللذات الحلوة، وأن يتمسكوا بهذه الآلام المرة، كما يستطيعون أن يجتثوا حياتهم من أصلها اجتثاثًا فيلغوا اللذات والآلام جميعًا، ويُثبتوا لكل إنسان ولكل إله ولأنفسهم قبل كل إنسان وكل إله أنهم أكبر من اللذة، وأكبر من الألم، وأكبر من الحياة نفسها.

نعم! فكر صاحبنا في الموت واستحضره، وكاد يُطيل الوقوف عنده، وكاد يأخذ في تدبيره أمره وأمر الذين سيتركهم من ورائه وما سيورثهم من ثروة ضخمة وغنى عريض. ولكنه أحس أن نفسه لا ترغب في الموت، ولا تطيب عن الحياة، لا إشفاقًا من الموت، ولا تهالكًا على الحياة، بل رغبة في المعرفة، واستزادة من لذَّة العلم. فالموت ليس شيئًا، والحياة ليست بذات خطر، ولكنْ بين هذا الموت وهذه الحياة شعوره هو بأنه موجود، وعلمه هو الذي يتزايد بين حين وحين، فيظهره على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سيكون. ولو أنه استيقن أن وراء الموت علمًا، أو أن وراء الموت شيئًا خليقًا أن يعلم، لما تردد في الإسراع إليه! ولكنَّه لا يعرف ما وراء الموت، بل هو يقطع بأن ليس وراء الموت علم ولا عالم ولا معلوم والموت آتٍ لا محالة، فما له يتعجله! والموت يسعى إلى الإنسان، والإنسان مدفُوع إلى الموت دفعًا، فما باله لا ينتظر هذه الساعة التي لا بد من أن تلُمَّ به! وما باله لا يستمتع بهذه اللذة الغالية النادرة التي لا تقدر ولا تقوم: لذة العلم والمعرفة! وهو يفكر في هذا كله متعمقًا له، مستغرقًا فيه، يسأل نفسه: أي الأمور أهون لقاءً وأيسر احتمالًا: إرضاء صديقيه بطاعة قيصر، وتكلف ما يقتضيه ذلك من النفاق، أم إسخاط صديقيه وإسخاط قيصر والتعرض لما يستتبعه ذلك من آلام النفس وأحزان القلب وألوان الأذى، أم إراحة نفسه وإراحة صديقيه وإراحة قيصر من هذا كله باستقبال الموت والإسراع إليه؟ ثم يخطر له أن أكثر الناس مستيقنون بأنَّ الموت لا يختم وجود الإنسان، وإنما ينقله من طور إلى طور، ويخرجه من حياة ليدخله في حياة أخرى. وهو يستعرض في هذا أحاديث الناس من اليونان وغير اليونان على اختلاف أزمانهم، وعلى اختلاف هذه الأحاديث فلا تطمئن نفسه إلى شيء منها، ولا يرى فيها إلا ألوانًا من الأحلام، وفنونًا من التماس العزاء. ثم يذكر «سقراط» ومصرعه وأحاديثه، وما كان بينه وبين أصحابه من حوار في خلود النفس، وإذا هو قد نسي قيصر ونسي المسيح ونسى صديقيه، ولم يذكر إلا شيئًا واحدًا هو لذَّة هذا الحوار، وعذوبة هذا الحديث الذي قرأه مرات لا يحصيها، فلم يؤمن به ولم يطمئن إليه، ولكنَّه مع ذلك لا يزداد إلا كلفًا بقراءته، وحرصًا على الاستمتاع بما تُثير هذه القراءة في نفسه من لذَّة خالصة لا يُفنيها الاستمتاع بها وإنما يزيدها ويُضاعفها، كأنَّها الكنز لا يفنيه استغلاله، وإنما يغنيه وينميه، وإذا هو يعمد إلى «فيدون» وينقطع إلى قراءته عن كل خاطر، وعن كل شيء، وعن كل إنسان.

٣

ولكن عبدًا يدخل مترفقًا، وينبه سيده متلطفًا، وينبئه أنَّ «أندروكليس» يستأذن عليه. ولستُ أدري أرضى صاحبنا عن مقدم صاحبه الذي كان يُحبه ويُؤثره، أم سخط على هذه الزيارة لأنَّها ستصرفه عن صحبة أفلاطون الذي لم يكن يعدل بصحبته شيئًا. ولكنَّه أذن لصديقه من طرف اللسان بالدخول، ثم مشى في قراءته لم ينتظر صديقه، ولم يخف للقائه، ولا تهيأ لاستقباله. ويدخل الصديق فيراه عاكفًا على كتابه، ماضيًا في قراءته، فيمهله حينًا، ثم يمهله حينًا، ثم يسعى إليه فيمسه مسًّا رفيقًا ويقول له في صوت عذب: ما أرى إلا أنا نتهيأ للموت! فقد سنَّ لنا القدماء قراءة «فيدون» قبل أن نغمد الخناجر في صدورنا.

ويسمع «كلكراتيس» حديث صاحبه، فينهضُ إليه مذعورًا كأنَّما أقبل من نوم عميق تضطرب فيه أجمل الأحلام وألذَّها. نهض إليه مذعورًا وهو يقول: ها أنت ذا؟! لقد أذكر أني أنبئت بمقدمك، وكنت أُريد أن أفرغ من بعض الحديث قبل أن أخف إليك، ولكنك تعلم سحر أفلاطون.

قال «أندروكليس»: أعلمه حقَّ العلم، وأجتنب النظر فيه كلما احتجت إلى نفسي ورأيي وبصيرتي، ولا أُقبل عليه إلا حينَ أريد أن أستريح من هذا كله. ثمَّ أنا على كل حال لا أقرأ «فيدون»، وما أعرف أني نظرت فيه منذ تركت مجالس الدرس. ذلك لأنَّي لم أفكر في الموت بعد، وما أحب أن أفكر فيه، وما أريد أن ألقاه إلا فجاءة وعلى غير موعد أو انتظار. وإنك لتعلم أني لا أعدل بالفجاءة شيئًا، وأني لا أكره شيئًا كما أكره التدبر والتوقع وتقدير العواقب. وإذا أردتني على أن أُنبئك بذنب الناس والآلهة والكون عندي، فهو أنهم جميعًا قد تواطئوا على أن يُلقوا في صدورنا، ويطبعوا في قلوبنا ونفوسنا، أنَّ الموت ضربة لازب ليس لنا عنه منصرف. فهذا هو الشيء الوحيد الذي أعلمه علم يقين، وأنتظره على شدة كرهي للانتظار. وما أشد ما كنت أحب أن نُخدع عن الموت، ونُغر عن مقدمه، ونجهله الجهل كله، حتى نُختطف اختطافًا على غير علم به ولا توقع له!

أليس من أجمل الأشياء وأحسنها في نفوسنا أنا لا نعرف ما يضمر الغد، وما تُخبئ لنا الساعة المقبلة التي لم نبلغها بعد؟! صدقني إنَّ حظ الإنسان من هذا الوجود رديء حقًّا! فقد كان يجب أن يعلم كل شيء كما يعلم الآلهة أو أن يجهل كل شيء كما يجهل الحيوان، فأما أن يضطرب بين هاتين الطبقتين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فشيء لا يطاق.

قال «كلكراتيس»: ما تزال مشغوفًا بالمزاح، كلفًا بالدعابة والعبث.

قال «أندروكليس»: برئت إليك الآن من المزاح، وبرئت إليك من الدُّعابة والعبث، إنما أعرض عليك دخيلة نفسي، ولو استطعت أن أخرج قلبي من بين جنبي لتَنظر فيه لما رأيت في صفحة من صفحاته مزاحًا ولا عبثًا، إنما هو الجدُّ كل الجدِّ، والحزن كل الحزن؛ لأنِّي لم أكن إلهًا ولا حيوانًا. وهذا وحده هو الذي يحبب إليَّ دين «دينوزوس»! لأنه بما يشيع فينا من النشوة بهذا الشراب الذي علمنا اعتصاره من الكرم يُرضيني كل الرضا؛ لأنه يرفعني إلى طبقة الآلهة حينًا، ويخفضني إلى طبقة الحيوان أحيانًا، ويخرجني دائمًا عن هذا الطور السخيف، طور الإنسان الذي فطر منافقًا بطبعه، له عقل يقربه من الآلهة ولكنه قاصر ضعيف، وله جسم يُقربه من الحيوان، ولكن العقل يفسد عليه غرائزه فيحول بينه وبين راحة الحيوان.

ومن هنا لا أدري ما الذي يغضبك على صديقنا وعليَّ. وينأى بك عن أن ترى رأينا، وتذهب مذهبنا، وتقبل مشورتنا، فتجعل النهار لقيصر والمسيح، وتجعل الليل لنفسك وﻟ «دينوزوس». إنا لم نشر عليك ببدع من الرأي، ولم نكلفك كما لم نكلف أنفسنا ما يخالف الطبيعة التي فطرنا عليها. وما أشك في أن «جوبيتير» وأصحابه من آلهتنا الأعزاء لا يُنكرون علينا ذلك ولا يلوموننا فيه. وهبهم فعلوا، فإن جوابي لهم حاضر، فهم المسئولون لأنهم خلقونا منافقين، وجعلوا لنا جسم الحيوان القوي، ونفس الإله الضعيف. ولو قد أرادوا لجعلونا أمثالهم آلهة لا ندين بالطاعة لأحد إلا لكبيرنا «جوبتير.» ولو قد أرادوا لجعلونا فصائل من الحيوان، لا يتقدم إليها قيصر ولا كسرى ولا فرعون بعبادة هذا الإله أو ذاك. ومن يدري؟! لعلهم لو جعلونا فصائل من الحيوان؛ لأحسنوا إلينا أكثر مما تظن! فمن الحيوان ما يتقدم له الناس بأنواع العبادات، وفنون الطاعة، وضروب القُربان، ومن يدري؟! لعلنا لو كنا حيوانًا أن نعبد في طرف من أطراف الأرض، وأن يقتتل الناس حول ديننا وعبادتنا، كما يقتتلون حول دين المسيح وعبادة «أبلون». وأنا بالطبع لا أتحدث إلا عن اليونان ولا آسي إلا لليونان؛ فاليونان وحدهم هم الناس، وما يعبأ الآلهة بغيرهم من الشعوب.

قال «كلكراتيس»: ألم يُتعبك هذا الحديث الذي لا ينقطع، وهذا الهراء الذي لا ينقضي؟! أتراك تقدمت إلى «دينوزوس» بشيء من العبادة فأفرغت في جوفك بعض الأقداح التي تطلق لسانك بهذا الهذيان؟! ولكنك قد جعلت النهار لقيصر، أفتراك جُرت عليه وسرقت منه بعض النهار؟!

قال «أندروكليس»: ثم تزعم بعد ذلك أني أمزح وألهو وأنت المغرق في المزاح واللهو! فأنا قبل كل شيء لا ألغي ولا أهذي، وإنما أتحدث إليك بالجد كل الجد، وأنا بعد ذلك لم أجُر على قيصر ولم أسرق منه بعض النهار! لأنَّ قيصر لم يُحرِّم الخمر، ولا ينهي عن التهام الأقداح. وأنا أستطيع أن أعرف لقيصر حقه، وأن أرضي مع ذلك «دينوزوس» أعلن حب قيصر، وأسر طاعة «دينوزوس» في الليل والنهار جميعًا. ثم أنا بعد هذا وذاك لا أتحرج من الجُور على قيصر إذا أمنت شره ومكره. ولعلي أجد في خداعه والعبث به بعض اللذَّة. فقد علمنا خداع الآلهة والعبث بهم، فكيف برجل مثلنا لا يمتاز منا إلا بهذه الحماقة التي تخيل إليه أنه رجل ممتاز، وأنه ليس كغيره من الناس.

صدقني أيها الحبيب، أرح نفسك من اليقين! فإنَّ اليقين لا يليق بالناس، وإنما يليق بالآلهة. والحياة كلها لا تستحق اليقين، ولا تعدل ما يُكلف أصحابه من الألم والحسرة.

إنَّ اليقين ثباتٌ واستقرار، وإنَّ الحياة مُضيٌّ وزوال. فاستقبل الحياة المتنقلة بما يلائمها من هذا الشك الذي ينقل نفسك معها من طور إلى طور. وما لي أكشف لك عن خبيئة نفسي، وما أظنك إلا عرفتها منذ اتصلت بيننا العشرة، وطالت بيننا المخالطة! فأنا أشير عليك وعلى صديقنا بأن نجعل جهر أمرنا لقيصر وإلهه الجديد، وسره ﻟ «دينوزوس» وأصحابه القدماء. وما أظن أنك ترى هذه المشورة تصدر عن رجل يؤمن بالدين القديم أو بالدين الجديد. فطبيعة الدين لا تحتمل شركة ولا اقتسامًا. ومن أباح الشركة في الدين فقد ألحد فيه. وأنا أبيح هذه الشركة، وأكثر المعاصرين لنا يبيحونها ويتخذونها لأنفسهم مذهبًا.

فالدِّين عندي، كما هو عند هؤلاء المعاصرين، وسيلةٌ لا غاية، وطريق لا غرض. طاعة قيصر وإلهه تكفل لنا الأمن على الحياة والثروة والأمل في المجد والجاه والسلطان. وطاعة «دينوزوس» وأصحابه تكفل لنا لذَّة الحياة ونعيمها وإمتاع نفوسنا وأجسامنا بما تثيره اللذة والنعيم من ضُروب الإحساس والشعور. وما أظنك تصدق أن أمثالنا من الفلاسفة المثقفين يستطيعون أن يطمئنوا إلى «جوبتير» وأصدقائه، إلا أن يلغوا عقولهم إلغاءً، أو يُردوا إلى سذاجة القدماء ردًّا، ويعودوا كأولئك الذين كانوا يعيشون بغرائزهم قبل أن ينشأ العقل وقبل أن يُحدث الفلسفة للناس.

فالوثنية الآن سبيلُ اللذَّة وراحة النفس. والمسيحية الآن سبيلُ المجد والثروة والاستعلاء في الأرض. فكن كغيرك من الناس، وكن شجاعًا كصاحبيك؛ فهما قد عرفا طبيعة الأشياء والناس، ويريدان أن يلائما بين حياتهما وهذه الطبيعة. وهما يُصارحان أنفسهما بهذه الملاءمة، ولا يريدان أن ينافقا مع أنفسهما! لأنهما يريان في النفاق مع قيصر وإلهه ورعيته الكفاية كل الكفاية.

قال «كلكراتيس» وقد جعل الغيظ يسري في نفسه ويظهر في صوته قليلًا قليلًا: لستُ أدري إلام تريد بكل هذه البراعة التي تصطنعها من حديثك كأنك أحد السفسطائيين. وما أظن أن «جورجياس» كان يستطيع أن يُزين الرياء والنفاق والمداراة والمجاراة، والتهالك على اللذة، وإيثار العافية، وموادعة الناس، ومصانعة السلطان بخير مما زينتها. ولكن ما رأيك في أني أكره هذه الخصال كلها أشد الكره، وأمقت الأخذ بها فضلًا عن الاندفاع إليها أشد المقت، ولا أرى أن أكون منافقًا مع نفسي، ولا أرى كذلك أن أكون منافقًا مع الناس، لا أوادع غيري، وإنما أريد أن أكون حرًّا طلقًا، لا أطمئن إلى السجن، ولا أذعن للقيد. وأنا أعرف أن هذه خطة تملؤها الأخطار، ولكني لا أكره الأخطار ولا أهابُها، وإنَّما أحتقرها وأزدرِيها. أليس أقصاها وأقساها، وأشدها ثقلًا، وأمرها مذاقًا، هو الموت. فإذا كنت لا أحفل بالموت فإني خليق ألا أحفل بما هو أيسر منه شأنًا وأهون منه أمرًا.

وأنا مثلك، لم أطمئن قط فيما بيني وبين نفسي إلى آلهتنا القدماء، ولا إلى وثنتينا الموروثة. وإنما اتخذتهم واتخذتها رمزًا لهذا اللون من الحياة الذي أرضاه وآلفه، ولم يخطر لي بعد أن أتحول عنه، ولا أريد أن أتحول عنه! لأن في هذا التحول رضا قيصر والأمن من مَعرة الناس.

فأنا إذًا لا أثُور حفاظًا للآلهة ولا دفاعًا عن الدين، وإنما أثُور حفاظًا لنفسي ودفاعًا عن حريتي. وقد يكون من الحق أننا ظُلمنا حين لم ننشأ آلهة ولم نُخلق من طبقة الحيوان، وإنما جُعلنا شيئًا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولكن ما رأيك في أنَّي لا أكره هذه الطبيعة المذبذبة ولا أضيق بها، وإنما أحبها وآلفها، وأريد أن أستغلها إلى أقصى حدود الاستغلال، فأمنح عقلي كل حظه من الحرية، وأمنح جسمي كل حظه من اللذة، وأحتمل نتائج هذه اللذَّة وتلك الحرية مهما تكن قاسية، ومهما تستتبع من آلام.

ما لقيصر ومالي! إني لم أُنازعه في عرشه، ولم أُمانعه في ملكه، ولم أُشاركه في قصره، ولم أبتغ إليه وسيلة، ولم ألتمس عنده حظوة، ولم أسأله منصبًا من مناصب الحكم، ولا منزلًا من منازل الشرف. بل لم أقم دون ظلمه وجُوره حين صبهما عليَّ، فأخذ من مالي غير حقه، وكلفني ألوانًا من العمل ليس له أن يُكلفني منها شيئًا.

أفلا يُرضيه مني هذا كله؟! أفلا يقنعه مني أن أُعطيه كل ما أعطيته في غير مقاومة ظاهرة ولا كراهة بادية، حتى يأبى إلا أن يدخل بيني وبين نفسي، ويُفرض عليَّ شعورًا لا أجده، ودينًا لا أحبه؟!

ماذا أقول؟! إنه يُفرض عليَّ شعورًا لا يجده هو، وإنما يتكلفه تكلفًا، ودينًا لا يؤمن به هو، وإنما يتصنعه تصنعًا. وما آبي عليه كما لا آبي عليك وعلى صديقنا أن تُنافقوا في الدين وفي غير الدين إيثارًا للعافية، أو استزادة من لذات الحياة ونعيمها. وإنَّما آبي عليه وعليكما أشدَّ الإباء، أن تحملوني على ما تحبون أن تحملوا أنفسكم عليه من هذا النفاق الذي يستتبع إلغاء العقل، وابتذال القلب، وبيع الضمير.

قال «أندروكليس»: إنك إذًا لثائر يا صاحبي لا على قيصر وحده، بل على الناس جميعًا.

قال «كلكراتيس»: فإن أعجبتني هذه الثورة، فمن يستطيع أن يمنعني منها أو يردني عنها، دون أن يكون ظالمًا لي جائرًا عليَّ! ثم إن أعجبني أن أمتنع على الظلم والجور، وأوثِر الموت على حياة لا تطيب إلا بهما، فمن يستطيع أن يمنعني من الموت أو يردني عنه!

قال «أندروكليس»: لا أحد! ومن أجل ذلك كنت تفكر في الموت. ومن أجل ذلك كنت تقرأ في هذا الكتاب، تُريد أن تُزين لنفسك ما زيَّنه سقراط من الخلود، قبل أن تتجاوز هذا الباب الذي يقوم بين الحياة والموت.

قال «كلكراتيس»: أما أنَّي فكرتُ في الموت فهذا حق، ولست بدعًا من الذين فكروا فيه قبلي. ولئن تعجلته فلن أكون بدعًا من الذين تعجلوه. وأما أني التمستُ العزاء في جوار «فيدون»، فهذا خطأ! لأني لم ألتمس عزاء، ولم أطلب خلودًا، ولم أفكر فيه، وإنما تحدثت إلى نفسي بالموت، ثم أعرضت عن هذا الحديث! لأن خطب قيصر أهون من ذلك، ولأني ما يزال لي في الحياة أرب. ثم ذكرت هذه الآية من آيات أفلاطون، فأقبلت عليها أستمتع بما فيها من سحر البيان، وما أكثر ما قرأتها، وما أكثر ما سأقرؤها! إني لا أخاف الموت ولا أكره حديثه، كما تخافه أنت وتكره حديثه.

قال «أندروكليس»: فقد أرضيتني، ورددت إلى نفسي طمأنينتها، أنبأتني بأنك لن تتعجل الموت؛ لأن لك في الحياة أربًا. وخطب قيصر، وخطب الناس جميعًا، وخطب الآلهة أيضًا، أيسر وأهون من أن نتعجل في سبيله الموت وما يزال لنا أرب في الحياة. ولكن المشكلة ما زالت قائمة! فإن قيصر يأمر عماله، ومنهم صديقنا، أن يشتدوا في حمل الناس على دين المسيح، وأخذهم بالجد في ذلك أخذًا حازمًا عنيفًا، إن احتاجوا إلى الحزم والعنف.

فماذا ترى لنفسك؟ وماذا ترى لصديقنا؟ وماذا ترى لي؟

قال «كلكراتيس»: وما أرى لصديقنا ولا لك إلا ما رأيته أنت وقبله صديقنا. فإني لا أريد ولا أستطيع أن أحملكما على ما أريد، وأستطيع أن أحمل عليه نفسي.

قال «أندروكليس»: وعلامَ تريد أن تحمل نفسك؟

قال «كلكراتيس»: على معصية قيصر.

قال «أندروكليس»: أو تفعل؟

قال «كلكراتيس»: نعم.

قال «أندروكليس»: فإن عاقبة هذا العصيان لن تمسَّك وحدك، ولكنها ستمسَّنا جميعًا. ولست أخفي عليك أني لا أريد أن أتعرض للأذى؛ لأن لي في الحياة ولذتها أربًا. فإذا تحدثت إليك الآن ناصحًا بالتؤدة والأناة، فإني مخلص في النصيحة غير متهم؛ لأني سأخالفك وآمن كيد قيصر وأذاه. إنما أنصح لك بالأناة إشفاقًا عليك أنت. وأنا أعلم أني لن أستطيع إكراهك على الحياة إن آثرتَ الموت، ولا على الدعة إن آثرت العذاب، وإن كان موتك يُشقيني، وعذابك يُؤذيني. ولكني أشفق على صديقنا، وما أراك إلا مشفقًا عليه مثلي. فإنَّ عصيانك لقيصر سيضطره إلى إحدى اثنتين كلتاهما شر: فإما أن يجاريك فيشاركك في الشقاء، وإما أن يجاري قيصر فيدفع إلى البطش بك، وما أراه يفعل. أفكرت في هذا كله؟ أقدرت هذا كله؟

قال «كلكراتيس»: فإني ما زلت في التفكير والتقدير منذ اليوم.

قال «أندروكليس»: وإذًا؟

قال «كلكراتيس»: وإذًا فلستُ أدري. لقد دعاني الموت فأبيتُ أن أستجيبَ له، وأنا حريصٌ أشدُّ الحرص على ألا أوذيكما. وما أرى إلا أن الأرض واسعة، والفضاء عريض، وأنَّ في الهجرة عنكما والزوال عن هذا الإقليم ما يُرضيني وإن شقَّ عليَّ، وما يُؤمنكما وإن كان فراقي عليكما عسيرًا.

قال «أندروكليس»: تريد أن تزول عن هذا الإقليم، وتهاجر من هذه الأرض! ولكنك تعلم أن أمر قيصر ليس مقصورًا على هذا الإقليم، ولا موقوفًا على هذه الأرض. فأنت إذًا تريد أن تتعرض للأذى أو للموت على ألا يأتيك الأذى والموت من يد صديقك.

قال «كلكراتيس»: فإني لا أريد الموت، ولا أرغب في الأذى، ولا أهاجر من أرض قيصر إلى أرض قيصر، إنما أزول عن ملك قيصر كله.

قال «أندروكليس»، وقد أخذه الدهش والحزن: تزول عن ملك قيصر، وتلجأ إلى أرض البرابرة، وتدع حضارتنا وعاداتنا وتُراثنا وما في حياتنا من نعيم وخفض، إلى حياة مجهولة، وقوم مجهولين، وغربة ما ندري ماذا تُضمر لك من الأخطار! فأنت تُريد إذًا أن تسلك سبيل أولئك الفلاسفة من اليونان الذين لجئوا إلى عدونا من الفرس، وأتاحوا لكسرى ما كنا نحتكره من العلم والفلسفة والمعرفة، وأتاحوا له قوة لم يكن يملكها، وقدرة على حربنا والكيد لنا والظهور علينا لم يكن له منها حظ.

قال «كلكراتيس»: ما ألوم أولئك الفلاسفة الذين فرُّوا بعقولهم إلى أرض عدونا من الفرس، فربما كان العقل آثر من الوطن، وآثر من الصديق، وآثر من الناس والأشياء جميعًا.

ولكن هون عليك! فلن أسلك طريق أولئك الفلاسفة إلى بلاد الفرس؛ لأنَّي لا أريد أن أخرج من رق قيصر لأدخل في رق كسرى، وما أريد أن أفر من دين المسيح لأكره على دين المجوس! إنما أريد أن أهاجر إلى أرض لا سلطان فيها، وليس لأحد عليها ملك. إلى أرض لا يُكره الناس فيها على ما لا يُحبون. إلى أرض لا أكون فيها رعية ولا سوقة، وإنما أكون فيها ملكًا.

ثم رفع إلى صديقه نظرة حزينة وقال: لا يعجلك الدهش عن الاستماع لي والفهم عني! فإني لا أهرب من ملك قيصر لأُفرض ملكي على الناس. ومن لي بالملك وأسبابه! إنما أُريد أن أكون ملكًا لنفسي، لا أملك أحدًا، ولا يملكني أحد.

قال «أندروكليس» وقد رد إلى هدوئه فأغرق في الضحك: فأنت تريد أن تهاجر إلى الصحراء، وأن تكون راهبًا فيها من رُهبان «دينوزوس»! رأيٌ طريف لا أرى به بأسًا. إن للنصرانية رهبانها الذين يقيمون في الأديار والصوامع، في المدن وفي أطراف الصحراء. فأنت تريد أن تجعل للوثنية رهبانها وأديارها وصوامعها.

رأيٌ طريف لا أرى به بأسًا. لقد أخذ النصارى عن الوثنية علمها وفلسفتها. فما للوثنية لا تأخذ عن النصرانية نُسكها ورهبانيتها!

ما أرى إلا أننا سنلهو بهذا الرأي لهوًا متصلًا، حين نخلو إلى صديقنا وإلى «دينوزوس» إذا جنَّ الليل.

قال «كلكراتيس»: لا تسخر ولا تمزح! فما فكرت في رهبانية ولا نُسك. وقد قلت لك إن لي في الحياة أربًا، وما أريد أن أتخذ لي في طرف من أطراف الصحراء صومعة ولا ديرًا. وماذا أصنع في الصومعة والدير، وأنا لم أرض حاجتي بعدُ من لذَّات الحياة ونعيمها! لا أريدُ أن أعتزل الناس، وإنما أريد أن أعتزل السلطان.

لن نلهو الليلة بهذا الرأي كما تظن، ولكننا سنتدبره ونطيل الحديث فيه. فما زلت أعتمد عليكما، وعلى ما تضمران لي من مودة، وما تُخلصان لي من حب. وما زلت أعتقد أنكما ستهونان عليَّ من هذا الأمر ما أراه عسيرًا.

قال «أندروكليس»: لقد كان خُيل إليَّ أني فهمت عنك، ولكنك تردني إلى الغموض والحيرة. فلعلي أفهم عنك حين نخلو إلى صديقنا. وما أظن إلا أنه قد آن لنا أن نسعى إليه.

٤

وأقبل الصديقان من ليلتهما على قصر الحاكم، فحاد بهما الحُجاب عن طريق الحجرات الخاصة التي كانت تشهد ما يأخذان فيه مع صديقهما من سمر ولهو ومجون، وسلكوا بهما طريق بهو من أبهاء الاستقبال. فلمَّا سألا عن ذلك قال الحُجاب إن سيدهم لم يفرغ للسمر بعد، وما يظنون أنه سيفرغ له الليلة.

قال «أندروكليس»: فإنا ننتظره كما تعودنا أن نفعل حتى يفرغ لنا.

قال أحد الحجاب: بل هو ينتظركما. وقد تقدم إلينا في إدخالكما عليه إذ أقبلتما، وفي تعجلكما إن تأخر قدومكما على القصر.

قال «كلكراتيس»: وما ذاك؟

قال الحاجب: ما ندري! ولكن مولانا قد خلا منذ ساعة غير قصيرة إلى راهب شيخ من الرهبان ما أرى إلا أنكما تعرفانه! فقد رأيت مولانا يتلقاه مكبرًا له، حفيًّا به في كل شيء من التبسط والإسماح، كأنَّ له به عهدًا قديمًا.

قال «أندروكليس»: راهب شيخ يلقاه الحاكم حفيًّا به، مكبرًا له، متبسطًا معه. من عسى أن يكون؟!

قال «كلكراتيس»: وهو يريد أن نلقاه، ويتعجل مقدمنا إن أبطأنا! أفتراه قد دعا هذا الراهب ليعظنا ويفقهنا في الدين؟ إنه ليحرق السفن من ورائه، ولا يكفيه أن يسمع لمشورتك، بل يسرع إلى العمل بها إسراعًا. ما أشد حرصه على رضا.

ولم يمكنه «أندروكليس» من إتمام مقالته، وإنما غمزه مسرعًا وقال للحاجب: أفلا تريد أن تستأذن لنا؟

قال الحاجب: نحن لسنا في حاجة إلى ذلك! فقد أمرنا أن نُدخلكما عليه فورًا.

ثم مضى أمامهما وتبعاه، ثم انفرجت لهما الأستار واجتمعت من دونهما. ولم يكادا ينظران إلى هذا الراهب الشيخ الذي كان يتحدث إلى صديقهما في أناة وهدوء، حتى أخذهما الدهش، ودفعا إلى الشيخ دفعًا وهم يصيحان بصوت واحد: كلينيكوس!

ونهض الشيخ لهما في رزانة ووقار، فضمهما إليه، وقبلهما تقبيل الوامق المشوق، وبارك عليهما في غير تكلف ولا تصنع، وهو يقول: فقد أذن الله لي أن أراكم جميعًا قبل أن أترك هذه الأرض.

قال «كلكراتيس»: فإنك قد تركت هذه الأرض عن رضًا وتعمد. وما أدري ماذا أزعجك عنها! وما علمت قط ماذا صرفت عما كنت فيه من حياة ناعمة وعيش لين. وما كنت أحسب أن فراق الأصدقاء يهون عليك إلى هذا الحد، وأن نفوس الناس تتجافى عن أوطانها على هذا النحو.

وهم الشيخ أن يجيب، ولكن «أندروكليس» قال متعجلًا: عجبًا للذين ينكرون على الناس، ولا ينكرون على أنفسهم. فإني أشاركك فيما تقول لكلينيكوس، ولكني أحب أن تقوله لنفسك. ثم التفت إلى حاكم المدينة قائلًا: ولكنك تجهل من أمره كل شيء. فاعلم أنه قد أزمع الهجرة عن هذه الأرض، وهو الآن يفكر في مهاجره الذي يقصد إليه ويستقر فيه.

وأظهر الحاكم دهشه وإنكاره. ولكن الراهب الشيخ نظر إلى «كلكراتيس» نظرة حب وحنان، وقال: فقد مسك إذن جناح من رحمة الله وأنت تريد الفراغ له، والخروج لطاعته عن حياتك الناعمة، وعيشك اللين، وأيامك المقبلة التي قد تكون حافلة، إن انتظرتها، بالسلطان والجاه. فلا تلتمس مهاجرًا ولا تفكر فيه، ولكن ارتحل معي من الغد، أو ارتحل في أثري إن احتجت إلى أيام تصلح فيها أمر من تترك وراءك من الأهل والصديق: فما أراك تجد ديرًا أرفق بك من ديرنا، وما أراني أُهدي إلى ديرنا خيرًا منك.

قال «أندروكليس»: فإنك لم تأت للقائنا إذًا، وإنما أتيت للتفريق بيننا. وما كفاك أن انتزعت نفسك من وطنك وصديقك انتزاعًا حتى تريد أن تنتزع «كلكراتيس»!

قال الراهب مبتسمًا: لو استطعت أن أنتزعكم جميعًا، وأُخرجكم عما أنتم فيه، وأهديكم إلى هذا الدير، أو أُهدي إليكم الحياة في هذا الدير، لكنت أسعد الناس وأخلقهم بالغبطة والابتهاج. فإنَّ الله لم يُتح لأحد منا نعمةً تعدل القدرة على استنقاذ الناس من أنفسهم، واستخلاصهم له من آثام الحياة وسيئاتها. وأي شيء آثر عند الرجل الكريم من أن يستنقذ صديقه من الشر، ويهديه سبيل الخير! وإني ما أقبلت عليكم لأنتزع منكم أحدًا، ولا لأنتزعكم من أنفسكم وأوطانكم، وإنما دُعيت فأجبت، ثم سنحت الفرصة فأنا أنتهزها.

قال «كلكراتيس» ضاحكًا: فإن نفسي لم تنضج بعد لحياة الدير، وما أرى أنها قريبة النضج.

قال حاكم المدينة باسمًا وهو يلتفت إلى الراهب: فإني قد دعوتك لأيسر من هذا. وإني أستطيع الآن، وقد حضر هذان الصديقان أن أظهرك وأظهرهما على جلية الأمر؛ فإنك لا تعلم منها شيئًا، وهما لا يعلمان منها إلا قليلًا.

قال الراهب: وما ذاك؟

قال حاكم المدينة: فإن مكانك منا بحيث تعلم، وقد كنت لآبائنا صديقًا، وكنت بنا رفيقًا. وكثيرًا ما عقدت بنا الآمال، ونطت بنا الأماني. وكثيرًا ما تحدثت إلينا وإلى آبائنا بأنك تدخرنا لتجارتك الواسعة، في أقطار الأرض العريضة. ثم كانت رحلتك تلك إلى بلاد العرب، ثم كانت عودتك منها، ثم كان اعتزالك للحياة والأحياء، وانقطاعك لله في ذلك الدير البعيد القائم في طرف من أطراف الصحراء.

أعرضت عنا ولم تفكر فينا، ولم تحفل بما ألم أو ما كان يمكن أن يلم بنا من الأحداث والخطوب. وما ندري ماذا صنعت بتجارتك الضخمة، وثروتك الواسعة. وما أتحدث إليك في ذلك عاتبًا ولا لائمًا! فإنك لم تسئ إلينا، ولم تقصر في ذاتنا، وإنما ألهاك عنا ما ألهاك من أهلك ومالك ونفسك. إنما أذكرك بهذا كله لتعلم أنك إن نسيتنا فإننا لم ننسك، وإن شغلت عنا فإنا لم نشغل عنك. ثم لتعلم أني لم أدعك ولم ألجأ إليك، إلا لأنا تعرضنا لما نحتاج معه إلى رأيك ومشورتك، وإلى سلطانك العظيم على نفوسنا، وتأثيرك العميق في قلوبنا، فاعلم الآن أن قد ارتفعت الأنباء إلى قسطنطينية بأن هذين الصديقين يرتابان في دينهما، ولا يتحرجان من الإعراض عنه، وقد يستبيحان في بعض خلوتهما العبث به والإلحاد فيه. وجاء إليَّ الأمر من قسطنطينية أن أمتحنهما وأكشف جلية أمرهما، فإن ظهرت منهما على ريبة، أخذتهما بالتوبة أخذًا شديدًا، فإما قبلاها، وإما أخذتهما بالعذاب الشديد. وما أخفي عليك، وما أظنني أستطيع أن أخفي عليك أن ما ارتفع من أمر الصديقين إلى قسطنطينية حق كله، بل هو بعض الحق؛ فإنهما لا يرتابان وحدهما في الدين ولا يعبثان وحدهما بالدين، وإنما يشاركهما في الريبة والعبث ثالث لهما، هو الذي يتقدم إليه قيصر في تخييرهما بين التوبة والعذاب. وما أحسب إلا أن الأنباء ارتفعت إلى قيصر بأمري، كما ارتفعت إليه بأمرهما. وما أحسبه إلا يمتحنني بهذا الأمر الذي أصدره إليَّ. وقد أشرت، بعد أن دعوتك، إلى صديقي بهذا الخطب في شيء من التلطف والتلميح. فأما أحدهما، وهو «أندروكليس»، فقد أظهر مرونة ولينًا وحسن استعداد لاتقاء الفتنة. وأما الآخر فتستطيع أن تنظر إليه، فإن ما يظهر على وجهه من العبوس والثورة خليق أن ينبئك ببعض أمره إن لم ينبئك به كله.

وهم «كلكراتيس» أن يتكلم، ولكن الراهب قال في صوت رقيق رفيق: إني لأرحمكم يا بني وأرثي لكم، لا من شك قيصر فيكم وارتيابه بكم، وتعريضه إياكم للفتنة والبلاء! فذلكم أيسر الخطب وأهونه، بل من شككم في الدين وارتيابكم به، وإعراضكم عنه وإلحادكم فيه. ولكني على ذلكم لا ألومكم ولا أنكر عليكم، وإنما أفهم موقفكم حق الفهم؛ فإن هذه الحياة التي تحيونها، وهذه البيئة التي تضطربون فيها، وما يختلف بين أيديكم كل يوم من الحوادث، وما يعرض من الأمر، وما ترون من سيرة القادة والسادة والوعاظ والهداة، كل ذلك خليق أن يُشَكِّكم فيما تشكون فيه، ويريبكم بما ترتابون به، ويدفعكم إلى ما تندفعون إليه من هذه الحياة العابثة الماجنة التي لا ترجو لأحد ولا لشيء وقارًا.

وكيف ألومكم أو أنكر عليكم وقد أنفقت أكثر عمري فيما تنفقون فيه شبيبتكم! ولولا هذه الرحلة وما رأيت وما سمعت وما بلوت فيها وما تبينت، لما كنت إلا واحدًا منكم، يشارككم في العبث واللهو إن قدر على مشاركتكم فيهما، أو ينعم باستمتاعكم بالعبث واللهو إن ردته السن عن أن يأخذ بحظه منهما.

ولو تعرفون يا بني هذه اللوعة التي تحرق قلبي تحريقًا، وهذه الحسرة التي تفرق نفسي تفريقًا، وهذا الندم اللاذع الذي لا يفارقني يقظان ولا نائمًا، لو تعرفون هذا أو بعض هذا، لرحمتم أنفسكم مما أرحمكم منه، ولعدلتم بأنفسكم عن هذه الطريق التي عدلت بنفسي عنها، ولكني لا أدري كيف أنقل إلى قلوبكم ما أجد في قلبي، وكيف أشيع في نفوسكم بعض ما يشيع في نفسي، كيف أبين لكم بعض ما تبين لي من أن هذه الحياة باطل كلها، ومن أننا ننشأ آثمين، ولا نخطو في حياتنا خطوة ولا نتقدم في عمرنا لحظة، إلا علقت بنا أدران الإثم، ولصقت بنا أوضار الخطيئة، ومن أننا لو خلونا إلى أنفسنا، وانقطعنا عن الناس جميعًا، وعن الأشياء جميعًا، وفرغنا للندم على ما قدمنا وقدم آباؤنا الآثمون الخاطئون، والاستغفار مما جنينا وجنى آباؤنا المذنبون المسيئون، لما أزلنا عن أنفسنا بعض ما علق بها من إثم، ولما غسلنا عن قلوبنا بعض ما لصق بها من وضر. وما أعرف مع هذا كله أن إظهاركم على بعض ذلك يتأتى بالحوار والخطاب، أو يتاح بالحجة والدليل، وإنما هي رحمة من الله تمس العقول، فتكشف لها عن الحق، وتهديها سواء السبيل.

قال «كلكراتيس»: فإن هذه الرحمة لم تمس عقولنا بعد، وما أدري أتمس عقولنا في يوم من الأيام. وإذا كنا لم نرحل رحلتك إلى بلاد العرب ولم نرَ فيها ما رأيت ولم نبل فيها ما بلوت، فنحن معذورون إن لم نضق بحياتنا هذه ذرعًا، ولم نخرج عنها ونسلك طريقك تلك التي سلكتها إلى الدير.

وصدقني أني لا أكره أن تمسني هذه الرحمة التي مستك، بل لا أتمنى إلا أن تمسني فتهديني إلى مثل ما اهتديت إليه، أو إلى غير ما اهتديت إليه، ولكنها تخرجني على كل حال من هذه الحياة التي أخذتُ أمقتها أشد المقت، وأضيق بها أعظم الضيق.

قال «أندروكليس»: ولكني لا أمقت هذه الحياة ولا أضيق بها، ولا أريد أن تمسني هذه الرحمة، ولا أبتغي إلا أن أترك وما أنا فيه من خفض العيش ولينه، وأنا زعيم بإرضاء قيصر وبإرضاء المسيح أيضًا.

قال الراهب: أما إرضاء قيصر فيسير، والناس جميعًا أو أكثرهم يبلغون من رضا قيصر ما يريدون، وإنما هي الطاعة والإذعان، والاختلاف إلى الكنائس، وشهود الصلوات، وإظهار التكريم للقسيسين والرهبان. وأما إرضاء المسيح فشيء آخر بعيد كل البعد عن أن يكون من اليسر والسهولة بحيث تظن.

قال «أندروكليس»: فحسبي أن أرضي قيصر! لأني أعرفه وأومن به، وأرجو نعمته وأخشى نقمته. فأما المسيح فما أرى أن له عليَّ حقًّا قبل أن يظهر نفسه لي ويمسني بهذه الرحمة التي مسك بها. وأنا أرجو ألا يفعل؛ فإنه إن فعل كلفني مثل ما كلفك من اطِّراح الحياة ولذاتها، وما يملؤها من هذا النعيم ذي الألوان المختلفة الذي لم أقض منه حاجتي، وما أحسب أني سأقضيها في يوم من الأيام.

قال الراهب ملتفتًا إلى الحاكم: وأنت ماذا تقول؟

قال الحاكم مبتسمًا مستخذيًا: يشق عليَّ أني لا أستطيع أن أقول إلا ما قاله «أندروكليس».

قال الراهب: فإني لا أملك لكما من الله شيئًا، وما أنا من الذين يحبون الحوار في الدين، وما هيأت نفسي لذلك وما مرَّنتها عليه، وما أقدر لكما إلا على الصلاة والدعاء. فأما أنت يا «كلكراتيس»، فإني أرى، من اضطراب نفسك وثورة ضميرك وترددك بين ما ترى وما لا ترى، أن لك شأنًا.

قال «أندروكليس» ملتفتًا إلى الراهب ضاحكًا له: أتعلم أي صورة يثيرها موقفك هنا الآن في نفسي؟

قال الراهب: نعم! تتحدث إليك نفسك بأني ذئب قد وقع في القطيع، فهو يتخير بين شائه الشاة التي تلائمه ويسهُل عليه اختطافها، وتُخيل إليك نفسك أن «كلكراتيس» هو هذه الشاة، وأني سأحاول انتزاعه من أهله وصديقه ووطنه. ثم تتحدث إليك نفسك هازئة بي وساخرة مني بأن «كلكراتيس» بعيد كل البعد على أن يكون شاة، وبأني سأرتد عنه خاسئًا حسيرًا. ولكن نفسك تكذبك يا بني، فما أنتم بالقطيع، وما أنا بالذئب، وإنكم لألسنُ مني، وإنكم لأقدر مني على الحوار والانتصار على الخصم. وما أنا بطامع في «كلكراتيس»، وما هو في حاجة إلى أن يقاومني ويدفعني عن نفسه، وقد أنبأني آنفًا بأن رحمة الله لم تمسسه بعد، وأنه لا يكره أن تمسه، بل لا يتمنى إلا أن تمسه، وأنا أعلم أن رحمة الله قريب من الذين يطمعون فيها ويطمحون إليها. فلست أرجو أن يرحل معي «كلكراتيس»، ولعلي لا أرجو أن يلحق بي إلى الدير. ولكني لست أيأس أن يمسه الله برَوح منه، فيخرجه من تردده، وينقذه من اضطرابه الذي يُشقيه.

قال «كلكراتيس»: فإني لست مترددًا ولا مضطربًا، ولكني مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هذه الحياة التي يأخذ قيصر بها الناس ويريد أن يأخذنا بها. ويُواطئه صديقاي على أن يأخذا بها نفسيهما، شرٌّ كلها لا تليق بالرجل الكريم، ولا يستطيع ذو العقل أن يطمئن إليها. فأنا أريد عازمًا أشد العزم أن أفر بعقلي منها إلى مكان بعيد لا تستطيع أن تبلغه، ولا يستطيع سلطان قيصر أن يصل إليه.

قال الراهب: إني يا بُني لم أختلف إلى مجالس الفلاسفة كما اختلفت إليها، ولم أقرأ من كتبهم مثل ما قرأت أو بعض ما قرأت، وإنما أنفقت حياتي في التجارة ومعالجة المنافع العاجلة، ومع ذلك فقد يخيل إليَّ أنك تريد أن تحمل نفسك شططًا! فإنا لم نمنح العقل لنفر به من الشر، بل لنواجه به الشر ونقهره ونظهر عليه. وما أظن أنا مُنحنا العقل لنتخذه وسيلة إلى الأثرة، وطريقًا إلى الراحة والنعيم. كذلك يفكر كثير من الناس! ولكنهم، فيما أعتقد، يخدعون أنفسهم ويضللون عقولهم، ويخفون ما يملأ قلوبهم من الضعف وحب النفس والعجز عن احتمال تبعات العقل. إن العقل يا بُنيَّ فيما أرى نور؛ ومن طبيعة النور أن يهزم الظلمة لا أن ينهزم لها. وإن العقل يا بُنيَّ فيما أرى سلاح ماضٍ حديد! ومن طبيعة السلاح أن يهزم العدو ويظهر صاحبه عليه، ويحمله على المقاومة والجهاد في أقل تقدير، لا على الهرب والفرار لأول بادرة تبدر أو شرٍّ يخاف.

قال «كلكراتيس»: فإن استيقنت أن هذه الظلمة التي تحيط بي أشدُّ كثافة وصفاقة، وأكثر تراكمًا وتلاحقًا من أن يبددها هذا النور الضئيل الذي يضطرب في رأسي، وإن استيقنت بأن العدو الذي يهاجمني ويأخذني من كل وجه أضخم قوة وأعظم بأسًا وأكثر عددًا من أن أهزمه بهذا السلاح الذي في يدي.

قال الراهب: فإن الواجب عليك مع هذا أن تثبت لهذه الظلمات الكثيفة الصفيقة المتراكمة المتلاحقة؛ فإنها مهما تبلغ من الكثافة والصفاقة فلن تمحق هذا النور الضئيل الذي يضطرب في رأسك. وإن الواجب عليك أن تثبت لهذا العدو الذي يسعى إليك من كل وجه، ويريد أن يأخذك من كل نحو، فإنه مهما تضخم قوته ويعظم بأسه، فلن يستطيع أن يفلَّ سلاحك هذا الماضي الحديد، ولا أن ينتزعه من يدك انتزاعًا.

وقد ضُربت لك الأمثال من قبل: ضربها لك أبو الفلاسفة إن كنت فيلسوفًا، وضربها لك صاحب الدين إن كنت ديانًا. فإن سقراط لم يفر بعقله من الأثينيين فيما أعلم، ولكنه قبل منهم السجن، وتلقى منهم الموت، ثم لم يلبث أن ظهر عليهم آخر الأمر. وإن المسيح لم يفر بدينه من اليهود ولا من الرومان، وإنما قبل منهم ما صبوا عليه من عذاب، وتلقى منهم ما أعدوا له من شر، ثم انتصر عليهم آخر الأمر.

كلا! إنك لا تريد أن تفر بعقلك يا بُني! فالعقل أشجع وأرفع وأمضى من أن ينهزم للسلطان أو يتقيه بالفرار؛ وإنما تريد أن تفر براحتك ولذاتك وبما لك في الحياة من أرب. إنما تريد أن تفر لأنك تستشعر الضعف عن المقاومة، وتحس العجز عن الثبات لهذه المحنة التي تدبر لك وتسلط عليك. إن العقل خير كله فيما أرى، ولست أعتقد أنه يغري بالأثرة أو يحرض على الفرار. إن الدوافع التي تدفعنا إلى الشر لا تأتينا من عقولنا، لأن عنصر العقل خير كله، وإنما تأتينا من شهواتنا وغرائزنا. فانظر بأي شهوة أو بأي غريزة تريد أن تفر. ولكن إياك أن تظن أنك تؤثر عقلك بالعافية أو تحسن إليه بالهرب!

قال «كلكراتيس»: فأنت إذًا تغريني بانتظار الموت؟!

قال الراهب: فإنك منتظر للموت في كل لحظة، وفي كل مكان، وفي كل طور من أطوار حياتك.

قال «كلكراتيس»: أرى أنك تريد لي أن أتعرض للفتنة وما يتبعها من الشر والنكر وألوان المكروه.

قال الراهب: لا أريد شيئًا، وإنما أستنبط النتائج من مقدماتها. فإن كنت حريصًا على عقلك مؤثرًا له مؤمنًا به، فإن العقل لا يعرف الهزيمة ولا يحبها، ولن تكون أول من تعرض للفتنة وألوان المكروه في سبيل الرأي والعقل، ولن تكون آخرهم. وإن كنت حريصًا على الراحة والعافية مؤثرًا لهما فسواء عليَّ وسواء على الرأي والعقل، أسلكت إلى هذه الراحة والعافية سبيل صديقيك فخادعت الناس ونافقت معهم، أم سبيل الفرار والهجرة فخادعت نفسك وآثرت مخادعتها على مخادعة الناس؛ لأن ذلك أيسر لك وأهون عليك.

قال «كلكراتيس»: لم أكن مترددًا ولا مضطربًا قبل لقائك، فأما الآن فإنك قد أفسدت عليَّ أمري كله.

قال الراهب: لم أفسد عليك شيئًا يا بُنيَّ؛ لأن أمرك كان كله فاسدًا، ولأنك كنت تخدع نفسك بالآمال والأماني، وتخيل إليها أنها أكرم من نفس صديقك ومن نفوس الناس جميعًا. أليست تفر برأيها وتهرب بحريتها؟! فأين هي من النفوس التي تقبل الضيم وتحتمل الذل؟! وكانت هذه الكبرياء تغريك وتطغيك، وتحملك على أن تؤله نفسك بالعبادة من دون الآلهة جميعًا. فأما الآن فقد أظن أن الأمر تبين لك، وأنك ستطيل التفكير قبل أن تنحاز إلى دين قيصر مع صديقيك، أو إلى دين نفسك في ذلك المهاجر البعيد. ولكن أحب أن تعلم أن كلا الدينين باطل مهين عند العقل الذي يخيل إليك أنك تُكبره كل الإكبار.

قال «أندروكليس»: كلا الدينين باطل مهين! فأنت إذًا تنكر دين قيصر والمسيح؟!

قال الراهب: أنكر دين قيصر، ما في ذلك شك، ولكن دين المسيح شيء ودين قيصر شيء آخر. وما لجأت إلى الدير إلا لأفرغ من قيصر وأشباه قيصر للمسيح.

ثم سكت قليلًا ثم قال: بل للمسيح ولانتظار ما سينكشف عنه الدهر بعد قليل.

قال حاكم المدينة: فسينكشف الدهر عن شيء بعد قليل إذًا؟

قال الراهب: ما أشك في ذلك يا بُني! فقد تحدثت به الكتب، وكان الناس يُضمرون انتظاره فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم أخذت بوادره الآن تبتدر، وجعلت الآيات تتحدث إلى من يفهم عنها بأن مقدمه قريب.

٥

وارتفع الضحى من الغد، فإذا الراهب الشيخ والفيلسوف الشاب ماضيان في حديثهما الذي كانا فيه من الليل، فقد انتقلا به إلى بيت «كلكراتيس» حين همت أستار الليل أن تنجاب عن وجه النهار.

انتقلا بحديثهما دون أن يقطعاه أو ينصرفا عنه، ودون أن يشغلهما عنه انهزام الليل المظلم وانتصار الصبح المشرق، وهذا السهر المتصل الذي كان خليقًا أن يعييهما ويضنيهما. ولأمر ما شغلهما هذا الحديث عن هذا كله، وعن أكثر من هذا كله: فلم يشعرا بحاجة إلى الراحة ولا بنُبُوٍّ عن العادة، ولا برغبة في طعام أو شراب، وإنما مضيا أمامهما في الحديث نشيطين له، مستمتعين به، كما يمضي المسافر في طريق جميلة سهلة، يملؤه النشاط وينأى به كل النأي عن الكلام والملال، وعن التقصير والقصور.

وكان الراهب الشيخ يقول لصديقه الشاب في هدوء ودعة، وفي ابتسام يوشك أن يكون ساخرًا لولا أن الشيخ كان أشد وقارًا وأعظم إيمانًا من السخرية، كان الراهب الشيخ يقول لصديقه الشاب وادعًا باسمًا: إنك يا بُني تُسرف في أمر العقل، وتحمله أكثر مما يطيق أن يحتمل، وتدفعه حيث لا ينبغي أن يدفع، فإنك لا تصدر عن العقل حين تحب وتُبغض، ولا تصدر عن العقل حين تجوع وتظمأ، وإنما تصدر في ذلك كله عن غرائز قد ركبت في طبعك، وسيطرت على مزاجك. وقد يستطيع عقلك أن يفهم هذه الغرائز، وقد يستطيع أن يمسها ببعض التنظيم، وقد يعجز في كثير من الأحيان عن فهمها وتنظيمها.

وما أدري يا بُني لمَ تؤمن بسلطان الغرائز على جسمك، ولا تؤمن بسلطانها على نفسك؟ بل ما أدري لمَ تؤمن بأنَّ للغرائز على نفسك سلطانًا في بعض الأمر، وتجحد أن يكون لها سلطان في بعضه الآخر؟

قال «كلكراتيس»: فإني لا أفهم عنك ما تقول منذ اليوم.

قال الراهب الشيخ: فقد فهمت عني كل ما قلته منذ التقينا، أفتراك قد نال منك الجهد وأدركك التعب؟

قال «كلكراتيس»: كلا! ما رأيتني قط كما أراني الآن نشيطًا إلى الحديث راغبًا فيه، مستزيدًا منه، مشغوفًا به. ولكن أوضح مقالتك فإن فيها بعض الغموض.

قال الراهب: فإن جسمك يا بُنيَّ يألم إذا مسه الجوع أو الظمأ دون أن يكون لعقلك في ذلك تأثير قليل أو كثير، وإن جسمك يا بني يبرأ من الألم حين ترد عنه الجوع بالطعام، وحين ترد عنه الظمأ بالشراب. ولو أُوتيت عقل الناس جميعًا لما استطعت أن تردَّ عن جسمك ألم الجوع والظمأ حين يحتاج إلى الطعام والشراب، ولما استطعت أن تردَّ على جسمك ألم الجوع والظمأ حين يدركه الشبع والري. فإني أرى يا بني أنَّ لنفسك غرائزها كما أنَّ لجسمك غرائزه، وأنَّ غرائز النفس كغرائز الجسم لا تصدر عن العقل ولا تنشأ عنه، وإنما تصدر عن الطبع وتنشأ عن المزاج، وحاجة النفس يا بُنيَّ إلى الإيمان كحاجة الجسم إلى الطعام والشراب، تألم إن فقدت الإيمان، وتستريح إن ظفرت به، ليس للعقل في ذلك أثر. فكن أعقل الناس، وكن أحزمهم وأصرمهم وأمضاهم عزمًا، فلن يغير ذلك من نفسك شيئًا إن كانت طبيعتها طبيعة النفس الإنسانية التي فطرت كما فطرت نفوس الناس على الإيمان.

قال «كلكراتيس»: فإني لا أنكر من ذلك شيئًا، وما أنكر حاجة نفسي إلى أن تؤمن، وعجزها عن حياة الكفر والجحود، وإنما أحاورك في موضوع هذا الإيمان، وفي السبيل التي تؤدي إليه.

قال الراهب الشيخ: فإني يا بني أرى أن في العقل تمردًا وغرورًا. قد خضعت له طائفة من الأشياء، وذلت له بعض صور الطبيعة، فظن أن كل شيء يجب أن يخضع له، وأن كل صورة من صور الطبيعة يجب أن تذعن لسلطانه. والحوادث مع ذلك تثبت له من يوم إلى يوم، بل من لحظة إلى لحظة، أنه لم يعلم من الأمر إلا أقله، ولم يستذلَّ من صور الطبيعة إلا أيسرها وأهونها شأنًا. وإن غرور العقل يا بني قد زين له أن يجعل للطبيعة قوانين، ويفرض عليها قيودًا وأغلالًا، وألا يؤمن بها ولا يرضى عنها إلا أن خضعت لقوانينه، ورسفت في قيوده وأغلاله. ولكن قوانينه لم تحط بكل شيء، ولكن قيوده وأغلاله لم تبلغ كل شيء. وما زالت الطبيعة حرة طلقة، وما زالت أكبرَ من العقل وأوسع من سلطانه وأبعد من مرماه. وما زالت أحداث تحدث لا يستطيع العقل إنكارها، ولا يستطيع تفسيرها، ولا يستطيع إخضاعها لقوانينه ولا لقيوده وأغلاله.

هي متمردة على العقل لأنها أقوى منه. وهو متمرد عليها لأن الغرور قد أفسد عليه أمره، وأنساه أنه حديث السن، قليل الحول والطول، وأن الطبيعة أقدم منه عهدًا، وأبعد منه مدى. ما أجدر العقل يا بُنيَّ أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما حوله، لو أنه عرف قدر نفسه، فلم يخرج عن طوره ولم يسرف في التمرد والغرور.

إنَّك يا بُنيَّ لا تستطيع أن تُفسر بعقلك كيف يحيا الميت بعد أن مات وشبع موتًا: ومع ذلك فقد نهض الميت من قبره، وقد قرأت عليك ذلك في الإنجيل، وما أنكرت منه شيئًا! لأن الناس جميعًا قد عرفوه واطمأنوا إليه. وإنك يا بني لا تستطيع أن تفسر بعقلك كيف يبرأ الأكمه والأبرص؛ لأن قائلًا يقول له ابرأ! ومع ذلك فقد برئ الأكمه والأبرص حين أُمر أن يبرأ، وقد قرأت عليك ذلك في الإنجيل فلم تنكره؛ لأن الناس جميعًا قد عرفوه. وإنك يا بني لا تستطيع أن تفسر بعقلك كيف يمشي الرجل على الماء، ولا كيف تشبع الجماعة الضخمة مما يقوم بأود الرجل الفذ! ومع ذلك فقد كان هذا كله، قرأته عليك في الإنجيل فلم تنكر منه شيئًا! لأن الناس جميعًا قد عرفوه. فكن في إحدى هاتين المنزلتين، ولا تتذبذب بينهما: فإما أن تعرف ما عرف الناس، وإذًا فلتؤمن بما آمن به الناس! وإما أن تنكر ما عرف الناس، وإذًا فما أدري لم تطمئن إلى آلهتك القدماء، وإن أمرهم لأدنى إلى المحال وأشد إغراقًا في السخف، وأبعد مما يستطيع عقلك أن يُسيغ!

قال «كلكراتيس»: فإني أستطيع أن أنكر ما عرف الناس إلا أن يعرفه عقلي. وإني لا أرى على نفسي بأسًا من أن أنكر الآلهة القدماء كما أنكر الإله الجديد الذي يحدثني عنه الإنجيل ما دام عقلي لا يستطيع أن يسيغ من أمره ولا من أمرهم شيئًا.

قال الراهب: بل أنت لا تستطيع هذا يا بني! لأن نفسك عاجزة عن أن تحيا بغير إيمان، كما أن جسمك عاجز عن أن يحيا بغير الطعام والشراب.

إن جسمك لا يستطيع أن يقيم على الجوع، وإن نفسك لا تستطيع أن تقيم على الجحود، وإنك مضطر إلى أن تؤمن بآلهتك القدماء، أو بإلهنا هذا الجديد القديم الأبدي الخالد. فاختر لنفسك بينه وبينهم، وانظر أي الدينين أقرب إلى ما تحتاج إليه نفسك من الحب والرحمة، ومن العطف والحنان، ومن البر والتقوى. وأي الدينين أولى إلى ما يحتاج إليه عقلك من الارتفاع عن الصغائر، والتنزه عن الآثام، والتطهر من الرجس.

قال «كلكراتيس»: ما أشد ما أفسدت عليَّ أمري! وما أشد ما سلطت عليَّ من الاضطراب.

قال الراهب الشيخ: قلت لك يا بُنيَّ إني لم أفسد عليك شيئًا؛ لأنَّ أمرك كان كله فاسدًا؛ إنما رأيت الأمور قد اختلطت عليك، فاجتهدت في أن أهون عليك التمييز بين المختلط منها. وما أظن أن ذلك يستقيم لك في هذه اللحظة التي أنت فيها! ولكنك في حاجة إلى الأناة والروية، وإلى التلبث وطول التفكير. فأمهل نفسك ورضها على عبادة «دينوزوس» وأصُحابه، فما أراها تستجيب لك. ثم رُضها على الكفر المطلق والجحود الخالص، فما أراها تقيم على ذلك أو تطمئن إليه. ثم رُضها على حبِّ هذا الإله الجديد الذي يبشر به الإنجيل، وانظر فلعل رحمةَ الله أن تمسَّها، ولعل قلبك أن يذوق حلاوة هذا الإيمان الذي أنعمُ به منذ انتهيت إلى ذلك الدير.

وإني، يا بُنيَّ، راحلٌ عنك وعن صديقيك منذ اليوم، وكاره أن يظن بي صاحبك ما ظنه حين كان يزعم أني قد أتيت أخطفك من بينهما. فاستقبل أمرك هادئًا مطمئنًّا، وانظر إلى أي شيء ينتهي بك النظر والتفكير.

قال «كلكراتيس»: فما أرى أني سأدعك ترتحل عني، وما أرى أني أستطيع في هذه الأرض مقامًا.

قال الراهب: فما أستطيع يا بُنيَّ أن أقيم.

قال «كلكراتيس»: لن ترحل وحدك.

قال الراهب مشرق الوجه: فأنت إذًا تريد أن تتبعني؟

قال «كلكراتيس»: نعم! لا لأني آمنت بما تؤمن به، واطمأننت إلى ما تطمئن إليه، ولكن لأني أجد في حديثك أنسًا لم أجده في حديث إنسان قط، وأرى في قُربك رحمة وحنانًا لم أجدهما في قُرب إنسان قط، وأرى أن هذه الدار تنبو بي، وأن الناس من حولي عدوٌّ لي، وأنك وحدك الصديق، وأن دارك وحدها هي دار الخفض والدعة والهدوء.

ثم صمت الفتى صمتًا طويلًا، ولكن دموعه الغزيرة المنحدرة تحدثت عن نفسه الحائرة المضطربة أصدق الحديث.

هنالك نهض الراهب الشيخ فضمه وقبله وبارك عليه.

٦

وبلغ الراهب الشيخ ديره بعد أيام، فإذا الفيلسوف الفتى يستقبله مع المستقبلين حفيًّا به مشوقًا إليه، يسأله في لهفة وحنان، وفي محبة وبر عما احتمل من مشقة، وما صادف من عقبة، وما لقي من عناء في سفره البعيد. والراهب يجيبه هادئًا مطمئنًّا وادع النفس مستريح القلب، لا يظهر دهشًا لمكانه في الدير، كأنه كان مستيقنًا أنه سيلقاه حيث يلقاه الآن. حتى إذا استقر به مكانه، وخف إلحاح أصحابه عليه بالتحية والسؤال، وفرغ لصديقه الفتى شيئًا، سأله: كيف انتهيت إلى هذا الدير؟ وكيف نجدك فيه؟

قال الفتى: لقد أحسست منك يا أبت ترددًا في اصطحابي، وإحجامًا عن مرافقتي، وإشفاقًا من أن يظن بك صاحباي أنك قد خطفتني من بينهما خطفًا، كما كنت تقول، فلم ألح عليك، بل لم أعد عليك طلب الإذن في صحبتك. وإنما تلقيت ضمك لي وتقبيلك إياي، وهذه البركة التي مستني بها، تلقيت هذا كله منك على أنه قبول لما طلبت إليك، قبولٌ صدر من قلبك إلى قلبي، وانتقل من نفسك إلى نفسي، وإن لم يُبلغه لسانك إلى أذني. ومن هنا أظهرت المضي فيما كنت ماضيًا فيه من سخط على قيصر، ورغبة في الهجرة، وبحث عن الأرض التي أهاجر إليها. وذهبت من مساء ذلك اليوم إلى قصر الحاكم، فلقيته ولقيت «أندروكليس» ولقيتك معهما وسمرنا فيما سمرنا فيه، وافترقنا حين تقدم الليل، لم يحس صاحباي أني تقدمت خطوة فيما كنت أفكر، أو تأخرت خطوة عن الموقف الذي كنت قد انتهيت إليه. ولكن أمري كله كان قد دُبِّر بين أول النهار وآخره. ولما فارقتكم لم أعد إلى بيتي إلا لألم به إلمامة قصيرة. ولما تلقيت الصبح من غد تلك الليلة كنت قد فصلت عن المدينة منذ ساعات. ثم لم يرتفع الضحى، ولم تزُل الشمس، حتى كنت بعيدًا عن إقليم صاحبي. وما أدري بعد ماذا كان من أمره وأمر «أندروكليس»، حيث علما أني قد فارقت المدينة فراق من لا يريد أن يعود إليها. وما أدري إلا أنهما قد ضاقا بهجرتي هذه ضيقًا شديدًا، فإنهما يحبانني ويأنسان إلي، ويحرصان الحرص كله على صحبتي.

وقد كنت أريد أن أجزيهما برًّا ببر وإحسانًا بإحسان، ولكن ماذا أصنع وقد فرقت بيننا طبائعنا وأمزجتنا على هذا النحو الذي رأيت! على أني قد تركت ورائي من الأمر ما ينبئهما بأني كنت لهما صديقًا، وعلى مودتهما حريصًا فقد جعلت إلى حاكم المدينة تدبير ثروتي وإنها لعريضة، والإشراف على أموالي وإنها لضخمة، وتقدمت إليه في أن يقوم في ذلك مقامي ثلاثة أعوام! فإن رجعت إلى المدينة فذاك، وأنا زعيم أن أعرف له حسن خلافته لي فيما تركت ورائي، وإن لم أرجع، وما أراني راجعًا، فإن مالي يقسم أثلاثًا: له الثلث، وﻟ «أندروكليس» الثلث، والثلث الأخير لهذا الدير.

وقد حملت معي ما استطعت حمله من مال وجوهر، ومن عرض ورقيق، فقدَّمته إلى رئيس الدير ليبر به من تعود أن يبرهم من الضعفاء والبائسين والمحتاجين إلى المواساة والعون.

وأقمت في هذا الدير أنتظر عودتك لأستشيرك وأستخبرك، وأسألك عما أصنع وعما أريد؛ فإني لا أدري ماذا أصنع، ولا أعرف ماذا أريد.

قال الراهب الشيخ في صوت يملؤه الحنان والحب: لقد تعجلت نفسك يا بُنيَّ، وكنت خليقًا أن تستأني وتصطنع الريث! فإنك صائر آخر الأمر إلى قرار ترضاه وتطمئن إليه. ولو قد أقمت بين أهلك ومالك وصديقك لما أخر ذلك ما قدر لك من الانتهاء إلى ما يطمئن إليه قلبك الذي لا بد له من أن يطمئن، وإلى ما تستريح إليك نفسك الحائرة، ويخرج به عقلك من الشك إلى اليقين.

إنك يا بُنيَّ لست من هؤلاء الناس الذين تُفرض عليهم الحيرة ضربة لازب، وينفقون أعمارهم في الشك الذي يُهلك النفوس، أو الذي يقلقها ويُعنيِّها، أو الذي يضطرها إلى التهاون والاستمتاع باللذات. لست من هؤلاء في شيء؛ ولكنك من الذين فُطروا على الحزم والعزم، الذين لا يشكون إلا ليستيقنوا، ولا يقلقون إلا ليطمئنوا. فأقل عليك للوم، واطمئن إلى الراحة في هذا المكان الهادئ البعيد، وأرسل نفسك على سَجيتها، ودعها تفكر ما وسعها التفكير، ودعها تشك ما امتدت لها أسباب الشك؛ فلست أخشى عليها من هذا كله شيئًا.

قال الفتى: ما سمعت كاليوم كلامًا أحسن موقعًا في النفس، ولا أيسر مسلكًا إلى القلب، ولا أقدر على تهدئة الضمير. لقد كنت أريد أن أفر بعقلي من قيصر وطغيانه، فإني الآن قد فررت إليك من عقلي وجموحه. فأشعر نفسي هذا الهدوء الذي تعرف كيف تذيعه في النفوس، وأزِلَّ عنِّي هذا الاضطراب الذي لا أستطيع عليه صبرًا، ولا أملك له احتمالًا. أرحني من عقلي فقد سئمته وبَرمت به، وأصبحت له مبغضًا، وعليه مضغنًا.

قال الراهب الشيخ: رفقًا بنفسك يا بُنيَّ، وإنصافًا لعقلك هذا المسكين الذي تعبث به كما يعبث الطفل بلعبته. لقد كنت منذ أيام تحكمه في أمرك كله، وتسلطه على نفسك وعلى كل شيء، وتراه وحده الحكم الذي ترضى حكومته، والقاضي الذي لا يُردُّ قضاؤه. فها أنت ذا قد أصبحت ترفض عقلك رفضًا، وتنبذه نبذًا، وتأبى صحبته. لقد كان عقلك يتمرد عليك، فأصبحت أنت تتمرد على عقلك. أليس من الممكن أن تجد لنفسك طريقًا وسطًا، وأن تصاحب عقلك مصاحبة الصديق للصديق لا مصاحبة العبد للسيد؟

قال الفتى: وهل إلى ذلك من سبيل؟ لقد كلفني عقلي ما لا أطيق. ما عرضت عليه شيئًا إلا شك فيه، ولا دعوته إلى شيء إلا ارتاب به، ولا رغبته في شيء إلا رغب عنه، حتى بغض إليَّ كل شيء وزيَّن في قلبي حب الموت. ولقد رأيتني يوم أقبلت أنت إلى المدينة أقرأ «فيدون» تهيؤًا للموت. ولولا أن بيان أفلاطون شغلني عن نفسي وعن الموت، لما حمدت عاقبة ذلك الشك الذي كنت فيه.

قال الراهب وهو يضحك: فإن أمرك يا بُنيَّ لا يخلو من فكاهة. ما أسرع ما فرقت بين نفسك وعقلك! وما أسرع ما أنشأت بينهما هذه الخصومة، كأنهما شخصان مختلفان قد أصبح كل منهما لصاحبه عدوًّا! ومع ذلك فأين الحدود التي تفرق بين هذين الشخصين؟! إن عقلك يا بني هو الذي يتحدث الآن، وهو الذي كان يتحدث أمس. قد كان عقلك مسرفًا في الإيمان بنفسه فكان طاغية متمردًا، ثم هو الآن مسرفٌ في الارتياب بنفسه فهو ذليل مستكين. وكلتا الحالتين مرضٌ يجب أن تَبرأ منه لتنتهي إلى هذه المنزلة الوسطى، فتؤمن بعقلك إلى حد، وتجحد سلطانه إلى حد، وتأخذه بما ينبغي من التواضع الذي يتيح له الفهم والتفكير وإصلاح أمرك في الحياة، ويتيح لنفسك الإيمان واليقين وهذا النحوَ من الغذاء الروحي الذي لا تستطيع أن تحيا بدونه.

والأمر بينك وبين عقلك، يا بُنيَّ، أيسر جدًّا مما تظن. لم تفكر قط في المعجزات ولم تقف عندها. فلما أظهرتك على أطراف منها اطمأن إليها ضميرك، ولم يسترح لها عقلك، فهذا مصدر ما أنت فيه من الاضطراب. ولو قد استطعت أن تُلقي في روعك أن هذه المعجزات التي تخرق العادة وتخالف مألوف العقل من قوانين الطبيعة ليست في نفسها إلا مظاهر طبيعية كغيرها من المظاهر، إلا أن سلطان العقل لم ينبسط عليها، لعرفت أن سلطان العقل لم ينبسط ولا يمكن أن ينبسط على كل شيء. والله يجري هذه المعجزات على أيدي رسله وأنبيائه ليظهر العقل على أنه ما زال ضعيفًا قاصرًا، وعلى أن علمه ما زال بعيدًا، وسيظل بعيدًا عن أن يحيط بكل شيء. فخليق أن يذكر هذا ولا ينساه، وأن يسلك طريقًا مستقيمة متواضعة إلى ما يريد من الحق، فإنه هالك إن لم يسلك هذه الطريق. وما أرى يا بُنيَّ أن أمر هذا العقل سيصلح إلا حين يجري الله المعجزة الكبرى.

قال الفتى: المعجزة الكبرى! وما عسى أن تكون؟

قال الراهب الشيخ: هي هذه التي يفهمها العقل حق الفهم، ويُكبرها كل الإكبار. يفهمها فلا يستطيع لها إنكارًا، ويُكبرها فلا يستطيع عليها تمردًا ولا طغيانًا.

قال الفتى: وتظن أن هذه المعجزة واقعة يومًا ما؟

قال الشيخ: بل هي واقعة، وما أرى إلا أن وقتها قد أظلنا! فإن الله أحب لعباده وأرأف بهم وأعطف عليهم، من أن يخلي بينهم وبين هذا الطغيان العقلي الذي هم فيه.

ولقد تعهد الله عقل الإنسان، ينشئه وينميه، ويمده بالقوة شيئًا فشيئًا، ويُظهر له المعجزات بين حين وحين، يعصمه بذلك من الغرور، ويحفظه من الطغيان، ويعدل به عن السبيل الجائرة، وهو يُقدِّر أن هذا الطفل سيبلغ أشده يومًا ما، وسيستطيع أن يضع نفسه موضعها وألا يتجاوز بها حدَّها، ولا يخرج بها عن طورها المقسوم لها. فإذا بلغ العقل أشده وانتهى إلى هذه المنزلة من النضج، أنزل الله عليه السكينة، وأظهر له المعجزة الكبرى التي تتجه إليه، وتنفذ إلى أعماقه، وتضطره إلى الإيمان بها عن فهم وروية ويقين، لا عن خوف وفزع وإذعان.

قال الفتى، وقد أخذ منه الشغفُ والكلفُ والشوقُ مأخذًا عظيمًا كاد يخرجه عن صوابه: وترانا نبلغ هذا الوقت الذي ينضج فيه العقل لفهم هذه الآية الكبرى وحمل هذه الأمانة العظمى؟

قال الشيخ: فقد نضج العقل يا بُنيَّ، وإنه ليدعو هذه الآية بكل ما فيه من قوة، وإنه ليتجه إلى السماء اتجاه المتلهف المشوق، يستنزل منها هذه الآية. ولو استطاع لطار إلى السماء، ولكنه قد فقد جناحيه منذ أهبط إلى هذه الأرض، كما يقول أصحاب أفلاطون؛ فهو مضطر إلى أن ينتظر رسالة الله، وإلى أن يصبر حتى يأتيه اليقين.

قال الفتى: وكيف عرفت نضج العقل وقربه من هذا الوقت الذي يخرج فيه من الظلمة إلى النور، ومن القلق إلى الاطمئنان؟

قال الشيخ: لقد حدثتك ببعض ما رأيت في رحلتي تلك إلى بلاد العرب. وما أرى إلا أن حديثي ذاك قد أدخل على نفسك بعض القلق الذي أنت فيه، كما أدخلت رحلتي على نفسي هذا القلق الذي انتهى بي إلى هذا الدير.

فانظر يا بني، كما أنظر، إلى الناس من حولك! ألست ترى يأسًا من كل شيء، وضيقًا بكل شيء، وانتظارًا لشيء لا يعرفون ما هو، وطموحًا إلى مثل أعلى يلمحونه ولا يستطيعون تصويره ولا تصوره؟ ثم انظر إليهم وفكر في أمرهم، أرأيتهم قد اضطربوا وساءت أحوالهم وفسدت الصلات بينهم كما تراهم الآن؟! إن هذا لشيء يُراد يا بُنيَّ، وما كان الله ليدفع الناس إلى هذا اليأس المهلك إلا وهو يُقدر لهم رحمة تخرجهم منه، ويهيئ لهم نورًا يمحو عنهم ظلمته القاتمة.

أقم يا بني معي؛ فإني لا اقيم في هذا الدير عبثًا، وإني لم أختره دون غيره من الأديار التي تنبث غير بعيد من مدينتا إلَّا ولي في اختياره أرب.

قال الفتى: وما ذاك؟

قال الشيخ: هو هذا النبأ الذي أنتظره، وما أشك في أنه سيبلغني أو في أن بشائره ستبلغني عما قليل. أقم يا بُنيَّ! لقد رأيت بشائر هذا النبأ يتبع بعضها بعضًا في تلك البلاد التي أقمت فيها أعوامًا. وما أشك في أن هذه البشائر ستتجاوز هذا الوجه من أقطار الأرض وستبلغنا. ولو استطعت أن أقيم في البلاد التي ظهرت فيها تلك الآيات لما زُلت عنها، ولكنها ليس لي بوطن! فأنا أقيم منها غير بعيد، وأنتظر أنباءها من يوم إلى يوم. ولقد حدثت بأحاديثها إلى رهبان هذا الدير، فاضطربوا لها كما تضطرب لها أنت الآن، وكما اضطربت لها أنا من قبل. ومنهم شاب آرامي من أهل الجزيرة استخفته هذه الأحاديث؛ فلم يملك نفسه ولم يستطع أن ينتظر كما ننتظر في هذا الدير المطمئن، ولكنه ارتحل عنا، وأمعن في الصحراء إلى أقرب موضع ممكن من هذه البلاد! واتخذ لنفسه هناك صومعة يقيم فيها، قريبًا من الجادة حيث تمر القوافل التي تحمل إلينا تجارة تلك الأرض، يريد أن يسبقنا إلى العلم بهذا النبأ العظيم. وقد عودنا إذا مرت عليه القوافل فسألها واستقصى أخبارها، أن يزورنا فيحدثنا بما سمع وبما نقلت إليه القوافل. وإنه ليحدثنا بالأعاجيب يا بُنيَّ، وإن موعد زيارته قد أظلَّنا! فهذا أوان مرور القوافل في تجارتها إلى أرض الشام. وما أراك ستطيل المقام هنا قبل أن ترى «بحيرَى» مقبلًا علينا بأخبارها ينثرها بيننا فرحًا، مرحًا، مبتهجًا، كأنه الفتى الكريم، يجد اللذة كلها في أن يهب للناس ما جمع من ماله.

أقم يا بُنيَّ! لقد كان عقلك ينكر المعجزات، ويزعم أنه لن يؤمن حتى يرى. فسيرى عقلك يا بُنيَّ. سيعيش في عصر المعجزات. وسيكون حظك خيرًا من حظي ومن حظ أمثالي الذين تقدمت بهم السن. سنرى نحن البشائر وقد لا ندرك جلية الأمر. أما أنت فسترى البشائر كما نراها، وقد تبلغ من صريح الأمر ما لا نبلغ، وتنال من الفوز ما لم يقدر لنا أن ننال.

قال ذلك وانهلت من عينيه عبرات غزار احتبس لها صوته في صدره. فنهض الفتى إليه وقبله وفداه، وما زال به حتى عاد إلى ما كان عليه من الهدوء والوقار. فقال في صوت مطمئن: انتظر يا بُنيَّ! فليأتينك النبأ غدًا أو بعد غد. وإذا بلغت ما لم نبلغ وانتهيت إلى ما لم ننته نحن إليه، فاذكرنا من حين إلى حين، وقل لنفسك إنا كنا نتحرَّق شوقًا إلى بعض ما تجد من راحة أو نعيم.

٧

وقد أقام الفتى في هذا الدير أيامًا طوالًا، مضطربًا بين شك يقسو عليه حتى يكاد يهلكه، واطمئنان يشيع في نفسه حتى يفتح له إلى الأمل أبوابًا عراضًا. يخلو إلى نفسه ويعرض أمره، فيظهر له مظلمًا قاتمًا وبشعًا منكرًا! يوئسه، أو يكاد يوئسه من كل شيء، ويسلط عليه من شياطين الحيرة ما ينغص عليه يقظته، ويذود عنه نومه، أو يفسد عليه أحلامه إن غلبه النوم.

وكان يفزع من هذا الشك أحيانًا إلى كتب الفلاسفة، يطيل النظر فيها والوقوف عندها، فلا يبلغ من مصاحبتها ومعاشرة أصحابها شيئًا. ومع ذلك فقد كانت هذه الكتب، فيما مضى من حياته، غذاء لنفسه وقلبه وعقله، يجد فيها من اللذة ونعمة البال ما لا يشبهه إلا ما كان يجده صاحباه من اللذَّة في عبادة أولئك الآلهة القدماء بما كانوا يحبون أن يعبدوا به من ألوان اللهو والعبث والمجون. وكان يفزع من هذا الشك أحيانًا إلى الكتب المقدسة، يطيل النظر فيها، والوقوف عندها، فيفهم أحيانًا، ويعجز عن الفهم أحيانًا أخرى، ولا يطمئن قلبه في حال من الأحوال.

كانت نفسه تحدثه بأن وراء هذه المعجزات التي تمتلئ بها التوراة والإنجيل وقلوب الناس وأحاديثهم، حقًّا لا ينبغي أن يكون فيه شك. ولكن عقله كان عاجزًا عن أن يُسيغ هذه المعجزات، أو يحسن الإذعان لها والرضا عنها، فكان الفتى مقسمًا، إذا نظر في الكتب المقدسة، بين إيمان يشيع في قلبه ويدعوه إلى الرضا والاطمئنان، وشك يشيع في عقله ويدعوه إلى التمرد والجموح. وكان يجد في هذا التناقض بين قلبه وعقله ألمًا لاذعًا عميقًا عنيفًا، زهده في كل شيء، ويكاد ينتهي به إلى الجنون أو ما يشبه الجنون.

هنالك كان يفزع من قلبه وعقله، ومن كتب الفلاسفة وأسفار الدين، إلى حنان ذلك الراهب الشيخ، فيجد عنده بعض ما كان يحتاج إليه من الراحة وهدوء البال، ويجد عنده هذا الحب الذي يشعره الشجاعة والصبر، ويذكي في نفسه جذوة الشوق إلى هذه البشائر التي كان يسمع عنها ولا يراها، ويتحرق شوقًا إليها ولا يجد ما يخفف لوعته أو ينقع غلته.

وإنه لمع أستاذه الشيخ ذات يوم، وقد اصفرَّ وجه النهار، وشاعت الكآبة فيما يحيط بهما من الحياة والأحياء، وهدأت لذلك نفوسهما، كأن هذا الحزن الشائع الهادئ قد مسهما بجناحه فأشاع فيهما شيئًا من الكآبة والهدوء انخفضت له أصواتهما شيئًا، فهما يتحدثان حديثًا يشبه الهمس، ولو استطاعا لآثرا الصمت، ولبلغ كل منهما قلب صاحبه من طريق هذا الصمت العميق! ولكنهما كانا يتحاملان ويتكلفان الحديث، وقد كاد السأم يبلغ نفس الراهب الشيخ الذي كان لا يعرف سأمًا ولا مللًا، والذي كان يذود عن صديقه الشاب كل سأم وكل ملل. ولكن انتظارهما قد طال وأسرف في الطول، ولم يأتهما النبأ الذي كانا ينتظرانه، ولم يزرهما بحيرى الذي كان خليقًا أن يزورهما منذ عهد بعيد! فقد مرَّت القوافل إلى الشام، وليس من شك في أنها قد أمعنت في بلاد الروم، فباعت واشترت وعادت إلى أوطانها، ولم يأت «بحيرَى» ولم يأتِ من نبئه قليل ولا كثير، أقول: إنهما ذات يوم لفي هذا الحديث الشاحب الكئيب، وقد كاد السأم وطول الانتظار ينتهيان بهما إلى اليأس، وإذا ضجيج يدنو منهما، وإذا هما ينصتان كأنما يريدان أن يتعرفا مصدره. ولكن الضجيج يدنو حتى يبلغ الدير! وينهض الشيخ وصاحبه الفتى ليعرفها من أمره ما يجهلانه! فما أسرع ما يمتلئ قلب الشيخ إيمانًا ورضا! وما أسرع ما يضطرب قلب الفتى إشفاقًا وخوفًا!

هذا «بحيرَى» قد أقبل، ولم يقبل وحده، وإنما أقبل معه عدد غير قليل من الناس، وقد أهمهم أمر ذو بال! فهم يلغطون في كثير من الدهش والحيرة، منهم من ينكر، ومنهم من يعرف، منهم من يرضى، ومنهم من يسخط، وأهل الدير يسألون ويستنبطون فلا يظفرون من الجواب إلا بهذا اللغط الذي تختلط فيه المعرفة والإنكار، والتصديق والتكذيب، والشك القاتم واليقين المشرق. فأما «بحيرَى» نفسه فقد كان خارجًا عن طوره، يأتي من الحركات بيده ووجهه وجسمه كله ما لم يتعود أهل الدير الإتيان به.

وكان كلما دنا من الراهب الشيخ ازداد هيامه وتولهه، حتى إذا رآه عدا إليه عدوًا، ولم يكد يبلغه حتى ألقى نفسه بين ذراعيه، وجعل يضمه ويقبله ويقول في صوت يقطعه البكاء ويبلله الدمع الغزير: لقد رأيت! أقسم لقد رأيت! أشهد بالمسيح والصليب لقد رأيت! لقد رأيت واقتنعت. لن يبلغ نفسي الشك بعد اليوم. لقد رأيت! أقسم لقد رأيت!

والراهب الشيخ، يهدئه ويبارك عليه، ويسأله عما رأى، ويدعوه إلى أن يقلل من هذه الأيمان، ويخفف من هذه الحدة، ويرد نفسه إلى صوابها واطمئنانها شيئًا، ويحدثه بجلية ما رأى وخلاصة ما اقتنع به، وما يزال الراهب الشيخ بهذا المُتَوَلِّه الهائم حتى يرد عليه بعض الهدوء، ويظفر منه وممن حوله بشيء من الأناة والوقار.

ثم يسأل الراهب الشيخ صاحبه «بحيرَى»، وقد اطمأنت نفسه، أن يقص عليه بدء حديثه.

فيقول …

٨

من شاء فليشك، ومن شاء فليستيقن. أما أنا فلن يجد الشك إلى نفسي سبيلًا بعد اليوم. لقد تأذن الله بأن كل شيء من حولنا سيتغير. فطوبى للذين يبلغون الآية الكبرى! وطوبى للذين يرونها فتقبلها قلوبهم مطمئنة إليها، وتقبلها عقولهم مؤمنة بها؛ ورحمة للذين تقصر بهم آمالهم عن بلوغ هذا الوقت السعيد؛ والويل كل الويل للذين يرون ثم لا يؤمنون!

قال الراهب الشيخ: فحدثني يا بني بما رأيت، حتى إذا فرغت من حديثك فكن كما شئت مبشرًا ومنذرًا.

قال «بحيرَى»: لقد رأيته، ما يبلغني في ذلك شك، وما يمسني فيه ريب.

قال الشيخ: من هذا الذي رأيته؟

قال «بحيرَى»: هو الذي سيغير من حولنا كل شيء. وهو الذي سيتم ما جاء به الأنبياء والرسل. هو الذي سيحقق ما بشرت به الكتب المقدسة. هو الذي سيصدق ما امتلأت به التوراة والإنجيل.

وكان الذين يسمعون هذا الحديث قد أخذت عليهم ألبابهم واختلطت عليهم أمورهم؛ فكانوا يسمعون ومنهم الشاك المرتاب، ومنهم المشوق إلى التصديق المشغوف بالإيمان، الذي لا ينتظر إلا أن تهدأ عن هذا المتحدث ثورته، فيفصح عما في نفسه ويعرب عما يريد أن يقول.

وكان الراهب الشيخ والفيلسوف الفتى قد بلغا من هذا الشوق أقصاه حتى كأنهما استحالا شوقًا خالصًا.

فلما طال على الراهب الانتظار، وكاد يفقد الصبر، قال لصاحبه «بحيرَى» وهو يتكلف الأناة والهدوء: مهلًا يا بني! إن كنت تريد أن نصدقك فاقصص علينا أمرك! فإن إطالة التشويق توشك أن تنتهي بك وبنا إلى اليأس المهلك!

قال «بحيرَى»: إنك لتعلم لماذا تركت هذا الدير منذ عهد بعيد، ولماذا أمعنت في الصحراء حتى اتخذت صومعتي في أقرب مكان من هذه البلاد التي حدثتنا عنها بالأعاجيب. لقد أقمت في هذه الصومعة كما تعلم، أنتظر من أنباء تلك البلاد ما كنت تنتظر، وأترقب من أخبارها ما كنت تترقب. وإنك لم تكذبني فيما نقلت إليك من أحاديث الناس عما حدث في تلك البلاد بعدك من أحداث، يرونها ولا يفهمونها، ويتناقلونها ولا يستطيعون لها تفسيرًا، ولكنهم إذا رأوا منها شيئًا أو سمعوا من أخبارها طرفًا ثم أعياهم الفهم والتأويل، قالوا: إن لهذا شأنًا.

ولقد كنت أحدثك بما أسمع من الأعاجيب، فكنت تقول وكنت أقول معك كما يقول هؤلاء الناس: إن لهذا كله لشأنًا. ولكنك أنت كنت تعلم هذا الشأن. ولكني أنا كنت أعلم هذا الشأن! لأننا نجده عندنا مكتوبًا في الكتب. ولأننا نجد علمه عندنا موروثًا عن الأحبار والرهبان.

ألسنا ننتظر أن يظهر في تلك البلاد رجل يُتمُّ الله على يده ما بدأ من رسالته إلى الناس؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: فإني أقسم لقد رأيته!

قال الراهب وهو يهز رأسه وقد ظهر على وجهه الشك المؤلم: ما أرى يا بُنيَّ إلا أنك قد أخطأت أو خُدعت! فإن أوان هذه الرسالة لم يأت بعد وإن كان قريبًا.

قال «بحيرَى»: ومن زعم لك أن أوان هذه الرسالة قد آن؟!

قال الراهب الشيخ: ألم تنبئني أنك قد رأيته؟!

قال: بلى! قد رأيته، أقسم لك رأيته. ولكنه ما زال صبيًّا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره المبارك بعد.

قال الراهب وقد أشرق وجهه: أما الآن فعسى أن تكون مصيبًا. أستطيع أن أسمع لحديثك. كيف رأيته وكيف عرفته؟

قال «بحيرَى»: لقد رأيته ولقد حميته. بل ماذا أقول! غفرانك اللهم، فأنت وحدك الذي تملك حمايته وتبلغ منها ما تريد حتى يُتمَّ أمرك، ويُبلِّغ رسالتك إلى الناس.

قال الراهب الشيخ: قل يا بني، فقد شققت علينا وكلفتنا أكثر مما نطيق.

قال «بحيرَى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أنه سيولد في تلك الأرض التي كان فيها ما حدثتنا به من أمر الفيل؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أنه سيولد يتيمًا يموت عنه أبوه وهو جنين؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: أنشدك الله، ألسنا نعلم أن أحداثًا عظامًا ستحدث يوم مولده يُحسها الناس ولا يتبينونها؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: ألسنا نعلم أنه سيفقد أمه ولمَّا يتجاوز السادسة من عمره؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: ألسنا نعلم أنه سيفقد جده ولمَّا يتجاوز السابعة من عمره؟!

قال الراهب الشيخ: بلى!

قال «بحيرَى»: ثم ألسنا نعلم أنه سيظل في كفالة عم له يحميه ويرعاه حتى يبلغ أشده، ثم يقوم دونه حين يجد الجد ويتألب عليه عدوه من المشركين؟!

قال الراهب الشيخ: بلى! كل هذا نقرؤه فيما نقرأ من كتبنا، أو نتوارثه فيما نتوارث عن أحبارنا ورهباننا.

قال «بحيرَى»: ثم ألسنا نعلم آخر الأمر أن الله قد ميزه من غيره من الناس بعلامة مادية تُرى وتُحس ويعرفها الراسخون في العلم ولا يرتاب فيها إلا المبطلون أو الجاهلون؟!

قال الراهب الشيخ: بلى! هي هذا الخاتم بين كفيه.

قال «بحيرَى»: فإذا حدثتك بأني قد رأيت هذا الصبي، ورأيته مع عمه هذا الذي يكفله، وعرفت أن اسم هذا الصبي محمد، وأن اسم أبيه عبد الله، وأن اسم جده عبد المطلب، هذا الذي رأيته أنت عند أبرهة وحدثتنا من أنبائه بما تعلم.

قال الراهب الشيخ وقد اضطرب لهذا الحديث أشد الاضطراب: وإنك لتزعم أنك قد رأيته؟!

قال «بحيرَى»: اللهم اشهد أني رأيته، ورأيته مع عمه أبي طالب، وعلمت ما حدثتك به من أنَّ أباه قد مات عنه جنينًا، وعلمت ما أشرت إليه من أنَّ أمه قد ماتت عنه في بعض الطريق ولمَّا يتجاوز السادسة من عمره، وعلمت أنه عاد إلى وطنه تكفله أَمَةٌ ورثها عن أبيه فبلغته مأمَنَهُ وردته إلى جده الذي كفله وحماه. ثم علمت أن جدَّه هذا قد مات عنه وأوصى به إلى عمه، وأن عمه قد قام دونه يكلؤه ويرعاه ويؤثره على ولده، وأن الصبي يبادله حبًّا بحب ويجزيه حنانًا بحنان. ولقد حدثني عمه أنه خرج في تجارته مع قومه، فكان يجد ألمًا مبرحًا لفراق هذا الصبي، ولكنه كان يشفق عليه من مشقة السفر وجهد الطريق. فلما كان اليوم الذي فصلت فيه القافلة تعلق الصبي به وجعل يتوسل إليه في أن يستصحبه، ويزعم له أنه لا يستطيع المقام إلا في كنفه. فصادف دعاء الصبي هوى في نفس الشيخ فاستصحبه، ومرَّ به على صومعتي فيمن مرَّ من قومه وهم يقصدون قصد الشام.

قال الراهب الشيخ وقد بهره ما سمع وقد أطرق القوم من حوله سكوتًا كأنما عقدت ألسنتهم فلا يستطيعون أن يديروها في أفواههم: ولكن كيف عرفته؟ وكيف اهتديت إلى مكانه من قومه؟

قال الراهب: فهذه هي الآية التي ستقنعك كما أقنعتني، وستزيل عن نفسك الشك كما مَحته من نفسي محوًا. أنشدك الله أتعلم أني عندك صادق ثقة مأمون؟

قال الراهب الشيخ: اللهم نعم!

قال «بحيرَى»: نعم رأيت هذا، ولكني رأيته وحدي، ولم يره أحد من أولئك الذين كانوا يصحبون الصبي. فإذا حدثتك به فإنما أحدثك بما رأيت وبما لم يرَ غيري من الناس. فأما هؤلاء فقد ظنوا بي الظنون وأما أنت …

قال الراهب الشيخ: فما أنكر شيئًا مما تقول.

قال «بحيرَى»: وأعجب من هذا أني كنت قد أنبئت بما رأيت! قد ألقى ذلك في روعي أثناء النوم في صورة مجملة غامضة، ولا أكاد أتبين منها إلا أني أحسست في تلك الليلة أن سيحدث لي حدث ذو بال إذا كان الغد. فأصبحت وإني لأنتظر شيئًا، وأضحيت وإني لمستيقن أن سيحدث لي بعض الأمر. وما هي إلا أن يرتفع الضحى وإذا أنا أطلع من أعلى الصومعة فأرى ما يملؤني روعة وروعًا: أرى هذا الصبي ينفرد بهذا الظل دون أن يشعر بذلك أحد، ودون أن يلتفت هو نفسه إليه أو يشعر به، حتى إذا دنت القافلة وحطت رحالها، جعل الصبي كلما انتقل انتقلت معه سحابته تلك، تُظله وتقيه حر الشمس، ولا يشعر بذلك أحد، ولا يفطن لذلك إنسان. وأسأل من حولي: أيرون ما أرى؟ فإذا هم كغيرهم من الناس لا يرون. وأدعو القوم إلى طعام قد أعددته لهم لما رأيت ولما كان قد ألقي في روعي! فكلهم يستجيب لدعوتي إلا هذا الصبي، فإنهم يخلفونه في رحالهم. فأسأل وألح في السؤال، حتى أعلم أنهم قد حضروا جميعًا طعامي إلا هذا الغلام، فألح في حضوره فيحضره القوم، وإنهم ليتلاومون على أن خلفوه! حتى إذا رفع القوم أيديهم عن الطعام، أخذت أحتال حتى أخلو إلى الشيخ الذي يصحب هذا الصبي. فما أزال أسأله وأستقصي أمره، حتى أعرف من حال الصبي ما حدثتك به. ثم أتحدث إلى الصبي نفسه، فيا للوجه المشرق المطمئن يُنبئ عن نفس مشرقة مطمئنة! ويا للصوت العذب ينبئ عن خلق عذب! ويا للحديث الكريم يُنبئ عن قلب كريم! وإني لأسأل الصبي وأستحلفه بأوثان قومه، فلا أرى منه إلا نفورًا وازورارًا، وإذا هو يُنبئني بأنه لم يبغض شيئًا قط كما يبغض هذه الأوثان. فأستحلفه بالله ليصْدُقني الحديث فيما أسأل عنه، فيجيبني إلى ما أردت. وأنا أسأله عن أمره، جليِّه وغامضه، وعما ينبغي أن يحدث له يقظان، وعما ينبغي أن يحدث له نائمًا، وعما ينبغي أن يحدث له مجتمعًا إلى الناس، وعما ينبغي أن يحدث له خاليًا إلى نفسه، فلا يجيبني إلا بما كنت أنتظر أن يجيبني به.

هنالك لم يبق في نفسي إلا أن أرى هذه الآية المادية بين كتفيه، فأنظر فأرى، فأقبل هذا الخاتم الكريم. وقد امتلأ قلبي حبًّا للصبي، وبرًّا به، وإشفاقًا عليه من يهود؛ فإنهم يعرفون من أنبائه مثل ما نعرف، وينتظرون من أمره مثل ما ننتظر، ولكنهم يشفقون منه ويريدون به السوء.

وإذا أنا أتقدم إلى عمه الشيخ أن يعود به أدراجه، وأن يبالغ في حمايته وحياطته وصيانته من كيد يهود.

وإذا الشيخ يسمع لي في غير تردد، ويستجيب لي في غير مشقة، ويعود أدراجه بالصبي، ينتحل لذلك العلل والمعاذير، ويكل إلى بعض قومه أن يخلفه في تجارته.

ثم يطرق «بحيرَى» شيئًا كأنه يفكر فيما يريد أن يقول، وكأنه يريد أن يكره نفسه على كتمان بعض الأمر، ولكنه يعجز عن هذا الكتمان، ويرفع رأسه إلى الراهب الشيخ ويقول في صوت هادئ مطمئن: ولم يكد الشيخ يعود أدراجه بالصبي حتى يقبل عليَّ هؤلاء — ويشير إلى بعض من صحبه — يلومونني أعنف اللوم، ويشاورونني في البغي على هذا الصبي. ولكن الله قد تأذن ليعصمنَّه من كل شر، وليحمينَّه من كل مكروه. ولولا ذلك لما رددتهم عما كانوا قد دبروه.

قال الراهب الشيخ: ما أرى يا بني إلا أنك قد حدثتنا حديثًا صدقًا! فطوبى لهذا الصبي! وطوبى لمن يصحبه! وطوبى لمن يدرك عهده ويؤمن به! وطوبى لك فقد رأيت ما لم نرَ، وكنت موفقًا حين أبيتَ إلا أن تسبقنا إلى أعماق الصحراء، لتسبقنا إلى العلم بأنبائها. ثم التفت إلى صديقه الفيلسوف الشاب فإذا هو واجم، مغرق في الذهول، فيمس الراهب الشيخ كتفه كالمنبه له، ثم يسأله: أسمعت؟

قال الفيلسوف الفتى: نعم!

قال الراهب الشيخ: فماذا ترى؟ وماذا تقول؟

قال الفيلسوف الفتى: فإني أستأذنك وأستأذن هذا الأخ الكريم في أن أترك هذا الدير إذا تركه، وفي أن أعيش معه في صومعته؛ لأنتظر معه أنباء الصحراء؛ فإن أنباء الصحراء هذه هي التي ستُنجيني من الشك، وتُؤمنني من الخوف، وتُدنيني من اليقين.

٩

قال بحيرى وهو يبتسم: اسبقني أيها الأخ الكريم إلى الصومعة إن شئت، فأقم فيها ما أحببت، وانتظرني ما وسعك الانتظار! فقد أعود إليها وقد لا أعود.

قال الراهب الشيخ: ما أفهم عنك منذ الآن يا «بحيرَى»! أصادفٌ أنت عن الصومعة، وصارف أنت نفسك عن أنباء الصحراء بعد أن انتهت إليك تباشيرها؟ وما أحسب إلا أنها ستتواتر، وسيتبع بعضها بعضًا في غير انقطاع، حتى يبلغك النبأ العظيم، إن امتدت بك الحياة إلى أن يأتي النبأ العظيم.

قال «بحيرَى»: إني لأحمق إن أقمت في هذه الصومعة أنتظر الأنباء في طرف من أطراف الصحراء، وأنا أعلم أين مستقر هذه الأنباء، وأين دار الأمن والرحمة ومهبط الوحي والرسالة. ولقد همت نفسي أن أصحب الشيخ وابن أخيه إلى مكة فأقيم معهما. ولكن الله قد صرفني عن ذلك صرفًا عنيفًا لأمر يُراد، فتردد خاطره في قلبي، ولكن لساني لم ينطلق به. ثم مضى الشيخ وابن أخيه، ونازعتني نفسي إلى أن أتبعهما وألحق بهما، ولكني صُرفت عن ذلك صرفًا عنيفًا لأمر يُراد. وما أرى إلا أن الله يريد أن يحفظ على الصحراء سرَّها مكتومًا مستورًا لا يظهرنا منه إلا على أيسره وأهونه، إلا على هذا الذي يطمعنا فيه ويشوقنا إليه، ولا يدنينا منه، ولا يبلغنا جليته. ولولا ذلك لما انعقد لساني حين هممت أن أعرض صحبتي على الشيخ. ولولا ذلك لما صرفت ركائبي إلى هذا الدير حين هممت أن أوجهها إلى جوف الصحراء.

قال الراهب الشيخ: فأنت تعلم يا بُنيَّ أن الله يظهرك على هذا الأمر قبل إبانه، وتريد مع ذلك أن تمانع ما عرفت من تدبير الله!

قال «بحيرَى»: الله يعصمني من أن أمانع تدبيره، وأخالف عن أمره، أو أتمرد على قضائه. ولكن الصومعة لم تصبح لي منزلًا ولا مقامًا، وإن لي في العراق لأربًا. وإنك لتعلم أن صديقنا «نسطور» ينتظر من الأنباء هناك مثل ما كنت تنتظر أنت هنا؛ لأنه يتوقع من الأمر مثل ما تتوقع. وإني لخليق أن أسرع إليه كما أسرعت إليك، فأنبئه بمثل ما أنبأتك به. وما أدري بعد ذلك أأعود إلى الصومعة أم أمعن في أرض العرب، لعلي أقرب من مكة. فأقيم منها بحيث تبلغني الأنباء، وتنتهي إليَّ البشائر، في وقت أقصر من ذلك الوقت الذي كانت تبلغني فيه وأنا مقيم بهذه الصومعة في طرف من أطراف الشام. فإن شاء هذا الأخ الكريم أن يسبقني إلى الصومعة فذلك له، وإن شاء أن ينتظر عودتي إليك إن عدت ليصحبني إلى الصومعة فذلك له.

قال الفيلسوف الفتى: وإن شئت أن أصحبك إلى صديقك «نسطور»، وأن أشاطرك ما تدبر من المخاطرة والمغامرة.

قال «بحيرَى»: فذلك لك. ولكنك رجل من الروم، والأمر بين من في العراق ومن في الشام على ما تعرف من الفساد والنكر. ولست آمن أن تتعرض لبعض الشر أو يلم بك بعض المكروه، فأما أنا فليس عليَّ من ذلك بأس! لأني من أهل العراق أسير سيرتهم، وأتكلم لغتهم، وأنا بعد معروف بكثرة الرحلة والتنقل في أطراف الأرض، مأمونٌ على أمر القوم، لا يتهمونني، ولا يشفقون مني على شيء.

قال الفيلسوف الفتى: فإنك قد أمعنت في أرض الروم ولم تلق كيدًا، فدعني أصحبك إلى أرض الفرس، فلعلي أن أجد فيها من الأمن مثل ما وجدت أنت في هذه البلاد. ولا بأس عليك إن كانت الأقدار قد أرصدت لي بعض ما يكره الناس ويخافون؛ فإني لا أكره شيئًا ولا أخاف شيئًا ولا أحب شيئًا كما أحب الخروج من أرض قيصر.

قال «بحيرَى»: فهيئ نفسك إذًا للرحلة؛ فإن الصبح لن يجدنا في هذا الدير.

قال الراهب الشيخ في صوت حزين: فأما أنا فليس يعنيكما من أمري قليل ولا كثير، أنا الذي فتح لكما أبواب الأمل، وهداكما إلى طريق النجاة هذه التي تبتدئان سلوكها وأرجو أن تبلغا آخرها. ثم ها أنتما هذان تنصرفان عني مسرعين، كلاكما يؤثر نفسه بالخير والعافية، وليس منكما من يفكر فيمن يترك وراءه من الخليل والصديق.

قال الفيلسوف الفتى وهو يقبل صديقه الشيخ: إن شئت فاصحبنا، فما نمنعك من ذلك ومما نردك عنه. ولكنك حين أقبلت على هذا الدير قد تركت وراءك أصدقاء لم تحفل بهم ولم تفكر فيهم. فأنت قد سننت لنا هذه السنة، وفتحت لنا هذه الطريق.

قال الراهب الشيخ: فإني لا أنكر عليكما شيئًا، ولا ألومكما في شيء، ولو استطعت لكنت ثالثكما، ولكني مقيم هنا حتى يأتي أمر الله؛ فامضيا راشدين. وإذا لم يقدر لنا اللقاء في هذه الأرض فلا أقل من أن نطمع عندكما في مودة القلب ووفاء الضمير.

وأسفر الصبح فلم يجد هذين الشابين في الدير، وإنما وجد الراهب الشيخ وحيدًا مطرقًا مغرقًا في التفكير، كأنما أرسل نفسه لتشييع صاحبيه، وهو ينتظر أن تعود إليه.

١٠

ولست أدري بماذا رجعت نفس الشيخ إليه بعد أن انصرفت عن صاحبيه وقد أمعنا في الصحراء. ولكنها لو اطلعت على ضمير «كلكراتيس» ثم حدثت الشيخ بما رأت، لأثارت في قلبه حزنًا شديدًا؛ فقد أمعن الرفيقان في سفرهما البعيد، مستبشرين أول النهار، قد غمرهما نوره المشرق الذي ملأ الصحراء حتى امتزجا به امتزاجًا، وأحسَّ كل واحد منهما كأن نفسه ليست إلا قبضة من هذا النور القوي الخفيف قد شاعت في عقله، وقلبه وجسمه، فإذا هو فرح مرح، يندفع أمامه لا يلوي على شيء. ولولا فضل من وقار لانطلق لسانه بالغناء. وما له لا يفعل وكل شيء من حوله مشرق، مبتهج يتغنى أو يدعو إلى الغناء!

ولكن الضحى يرتفع، وحرارة الشمس تبلغ جسم هذين الرفيقين وتثقل عليهما وتردهما إلى شيء من الأناة والروية، وإذا نفس الفيلسوف الشاب تنقبض قليلًا قليلًا، ويدنو بعضها من بعض حتى تنحاز إلى مكانها من رأس صاحبها أو من قلبه، من جسمه على كل حال، فهي كائن ممتاز لا يشيع في الفضاء ولا يمتزج بما حوله، وإنما هو في حيزه الذي قسم له. يحُس نفسه ويفكر فيها ويعكف عليها، ويستحضر من أمره ما مضى، ويريد أن يستعرض من أمره ما لم يتكشف عنه الغيب بعد.

وإذا الفيلسوف الشاب يذكر بدء قصته، وينتهي إلى هذا الحديث الطريف الغريب الذي سمعه من «بحيرَى» حين آذنت شمس الأمس بالغروب، فأذهله عن نفسه، وأرقه بقية ليله، وأزعجه عن الدير وعن صديقه الشيخ، كما أزعجه حديث ذلك الشيخ منذ حين عن صديقه وأهله وعن مدينته التي استقبل فيها الحياة وعرف فيها لذَّات الشباب.

وقد كان هذا كله خليقًا أن يدفع «كلكراتيس» إلى بعض الحديث؛ فإن هذه العواطف المضطربة والذكريات القوية المختلفة قلَّمَا ترضى بالكتمان أو تطمئن إلى السكوت. ولكن الفتى أُغرق في صمت غامض عميق، ظاهره استقرار النفس وهدوء البال، ومن ورائه صراع عنيف، بين قلب يُشرق فيه نور اليقين فيملؤه رجاءً وأملًا، وعقل تكتنفه ظُلمة الشك فتدفعه إلى القنُوط واليأس دفعًا. فما زال الفتى بعد هذا الذي اختلف عليه من أطوار الحياة، وبعد ما قرأ في الكتب وما سمع من صديقه الشيخ، وبعد هذا الحديث الطريف الذي سمعه من «بحيرَى» حين انحدرت الشمس إلى مستقرها الغربي أمس، ما زال الفتى بعد هذا كله، وبرغم هذا كله، كما كان حائرًا مضطربًا، مولَّه النفس يكاد يُمزقه الصراع بين قلبه وعقله تمزيقًا. قد زهد في آلهته القدماء منذ عهد بعيد، وتبين له أن لم يكن يُخلص لهم الدين حين كان يعبدهم مع صاحبيه إذا جنهم الليل في قصر الحاكم، وإنما كان يتخذ عبادتهم وسيلة إلى إرضاء نفسه، وقضاء مآربه، وتحقيق لذَّاته المادية التي كانت تأتيه من اللهو والعبث، وتحقيق لذة معنوية أخرى كانت تأتيه من هذا الامتياز الذي كان يخرجه عما ألف الناس، ويمكنه من عصيان قيصر، والمخالفة على أمر السلطان.

وهو قد نظر إلى دين المسيح فأطال النظر، وفكر فأطال التفكير، ولكنه أعرض عنه في أول الأمر أشدَّ الإعراض؛ لأن القانون كان يفرضه، ولأن السلطان كان يأخذ الناس به أخذًا، ويبطش بالراغبين عنه والملحدين فيه. وما ينبغي للدين أن يُكره الناس عليه إكراهًا، وأن تُفرضه القوة القاهرة على النفوس فرضًا، وإنما هو ينبوع رحمة وحنان يجب أن تصبو إليه عن رضًا، وتهوى إليه القلوب عن محبة وشوق.

ثم حدثه الراهب الشيخ بما حدثه به من المعجزات التي يقص الإنجيل أنباءها، وتجتمع قلوب الناس على الإيمان بها والإكبار لها، ومن هذه البشائر التي رأى أولها في رحلته تلك، وما زالت تتواتر ويقفو بعضها إثر بعض، حتى كان ما سمعه أمس من رفيقه هذا الذي يسايره مغرقًا مثله في صمت عميق. سمع حديث هذه البشائر، وتلك المعجزات، فمال إليها قلبه، واستراح ضميره! ولكن عقله ما زال لها منكرًا، وعنها مزورًّا؛ لأنه عقل فيلسوف، قد نشأ على حكمة اليونان ومنطقهم، ولم يتعود أن يطمئن إلى ما يخرج عما لهذه الحكمة والمنطق من قانون.

كان هذا كله حديث نفس الفتى منذ ارتفع الضحى، وثقلت عليه حرارة الشمس. وكان يجد في هذا الحديث عناءً شديدًا، وهمًّا ثقيلًا! فهو لم يتحدث به إلى نفسه مرة ولا مرتين، وإنما كان يتحدث به إليها ويسمعه منها، مصبحًا وممسيًا، مضطربًا في الأرض ومطمئنًّا في مضجعه. فلما طال عليه الجهد وبرح به الألم، تكلم، لا راغبًا في الكلام ولا منتظرًا منه دواء لدائه أو شفاء لعلته، ولكن ليخرج نفسه من طور إلى طور، وليشغلها عن هذا الصراع العنيف الأليم بين قلبه الذي يريد أن يطمئن، وعقله الذي لا يريد، أو لا يستطيع، أن يتحول عن الشك.

قال «كلكراتيس» لرفيقه بحيرى: أرأيت لو أني حدثتك بما قصصت علينا من أنباء هذا الصبي العربي أكنت تصدقني أو تطمئن إلي؟

قال «بحيرَى»: فإن الأمر مختلف أشد الاختلاف.

قال «كلكراتيس»: وما ذاك؟

قال «بحيرَى»: فإني لا أصدق الناس جميعًا، ولا أكذب الناس جميعًا. وأنا آمن لمن عهدي به الأمانة والصدق، وأرتاب فيمن عهدي به الخيانة والمين. وللحق بعد آياتٌ تدل عليه، وعلامات تهدي إليه. ونحن لم نبتكر أمر هذا الصبي العربي ابتكارًا، ولم نخترعه من عند أنفسنا، وإنما حفظته الكتب، وتحدثت به النبوات، وتناقله الصالحون الصادقون من أحبارنا ورهباننا، يورثه بعضهم بعضًا، ويعهد بانتظاره بعضهم إلى بعض، ويتواصون بترقبه واستقصاء أنبائه؛ حتى إذا بدرت بوادره، وظهرت بشائره، أقبلوا إليه فمنحوه ما يملكون من نصر وتأييد. ولقد أقبلت إلى هذا الدير الذي فصلنا عنه منذ حين، وإني لأنتظر من هذا الأمر ما أنتظر، وأرقب من أخباره ما أرقُب. فما هي إلا أن يقبل صديقنا «كلينيكوس» فيقص علينا بدء حديثه، ونعلم منه مثل ما علمت، حتى تشيع في قلبي ثقة قوية بأن لهذا الحديث شأنًا، فأطير على هذا الدير إلى صومعتي تلك في طرف من أطراف الشام. وما أكاد أستقر فيها حتى تتواتر إليَّ الأنباء، وتتوالى إليَّ الأعاجيب، ثم ينتهي الأمر بي هذا العام إلى ما علمت. وما أدعوك إلى تصديق، وما أردك عن تكذيب، وما أفرض عليك شيئًا، وما أحظر عليك شيئًا، ولكني رأيت فآمنت، وسمعت فصدقت، ثم حدثت بما رأيت وما سمعت رجلًا من أهل العلم فآمن وصدق، وسأحدث من أعرف من أهل العلم، وما أرى إلا أنهم سيؤمنون ويصدقون، وينتظرون كما أنتظر أن تظهر هذه المعجزة التي لا تدع سبيلًا إلى الشك، ولا طريقًا إلى الارتياب.

قال «كلكراتيس» في صوت هادئ حزين، ولكن فيه نغمة الحرص على المعرفة، والشوق إلى اليقين، والعجز مع ذلك عن بلوغ ما يريد: إن قلبي ليؤمن لك، ولكن عقلي يأبى عليك.

قال «بحيرَى»: فأنت في حاجة إلى أن تخلق خلقًا جديدًا، وتولد مرة أخرى، لترى الأمر كما نراه، وتفهمه على وجهه.

قال «كلكراتيس» وفي وجهه ابتسامة يائسة: إني لا أفهم عنك. لقد قرأت هذا في الإنجيل، قاله المسيح لرجل من يهود، كان يشك في أمره كما أشك أنا الآن، يرضى قلبه ويسخط عقله. ولكني لا أسألك كيف أولد مرة أخرى، وإنما أسألك كيف السبيل إلى أن أولد مرة أخرى؟ كيف السبيل إلى أن أغير هذا العقل فأرده إلى اليقين الذي يخرجه من الشك؟ أو كيف السبيل إلى أن أغير هذا القلب فأرده إلى الشك الذي يخرجه من اليقين؟ فأنا شقي بهذا التناقض الذي أجده بين عقلي وقلبي. وما أرى أني سأستريح إلا أن يشكا معًا أو يطمئنا معًا. فأما أن يذهب أحدهما نحو الشرق، ويذهب الآخر نحو الغرب، فهذا العذاب الذي لا يُطاق، وهذه الحياة خير منها الموت.

قال «بحيرَى»: إني لأرحمك وأرثي لك، ولكني لا أحب أن تيأس من رحمة الله، أو تقنط من روحه. فخذ نفسك بالصلاة، وأقم عليها ما استطعت فقد يمسك الله بجناح من رفقه وعطفه، فيخرجك من الظلمة إلى النور.

قال «كلكراتيس»: فإني لا أجد إلى الصلاة سبيلًا، ولقد أخذت بها نفسي أخذًا شديدًا، فحاولت الصلاة صامتًا، وحاولت الصلاة ناطقًا، فجعلت كلما أدرت منها جملة في نفسي أدار عقلي، أو أدار الشيطان، جملة أخرى تكذبها وتنفيها.

قال «بحيرَى»: فإني لا أملك لك من الله شيئًا. وأكبر الظن أنك في حاجة إلى هذا الألم العنيف الذي يبهر العقل، ويملأ النفس، ويستغرق الضمير، والذي لا يأتي إلا من التجارب والخطوب. ثم أطرق لحظة كأنه يفكر وكأنه يدعو خواطره من بعيد، ثم رفع إلى رفيقه وجهًا مشرقًا يصور نفسًا مطمئنة، وقال في صوت خافت، كأنه صوت الصلاة: أرأيت أننا نصلي فنسأل الله أن يكفينا شر التجارب، ويعصمنا من مكر الدهر وآلام الخطوب! فمن يدري؟ لعل من الخير أن تصلي فتسأل الله أن يبلوك بالتجارب، ويمتحنك بالخطوب؛ فإن التجارب تمحص القلوب، وإن الخطوب تطهر النفس، وإن المحن تصفي الضمير، وإن هذه الآلام الطارئة على غير انتظار والملمة في غير رفق، تكُف من غلواء العقل، وتخفف من كبريائه، وترده إلى التواضع، وتشفيه من داء الغرور.

قال «كلكراتيس»، وقد انهمرت من عينيه دموع غزار: عسى أن يكون ذلك! ولكني في حاجة إلى أن أرى لا إلى أن أسمع، وإلى أن أشهد لا إلى أن أقرأ في الكتب. ما قصدي إلى العراق، وإن همي لفي الحجاز! ما رحلتي إلى صديقك «نسطور»، وإن شفائي لعند ذلك الصبي العربي اليتيم!

١١

وهل عرفت الفكرة اللازمة التي لا تريم، والخاطر الملح الذي لا يفصل عن صاحبه ولا يرفَّه عليه! فإني لا أعرف شيئًا أشد منهما على النفس، ولا أشق منهما على العقل، ولا أفتك منهما بالأعصاب. وما أرى إلا أنك ترثي مثلي لهذا الفيلسوف الرومي الشاب حين علم أنه لم يكد يلقي إلى رفيقه جملته تلك حتى لزمته هذه الفكرة فلم تفارقه، وألح عليه هذا الخاطر، فلم يجد إلى التخلص منه سبيلًا.

وجعلت هذه الجملة تذهب وتجيء في رأسه كما يذهب المنشار ويجيء في الخشبة التي يريد أن يشقها: «ما قصدي إلى العراق، وإن همي لفي الحجاز! ما رحلتي إلى «نسطور» وإن شفائي لعند ذلك الصبي العربي اليتيم!»

وهمَّ الفتى ألف مرة ومرة أن يصرف عنها نفسه، ويحول عنها تفكيره، فلم يوفق من ذلك لشيء، وإنما جعلت هذه الجملة تدور في رأسه دورانًا متصلًا، حتى خيل إلى الفتى أنها لون من هذيان الحمى، وجعل يتصور في نفسه أنه مريض، وأن شفاءه في العناية بجسمه، لا في الذهاب إلى العراق ولا في التحول إلى الحجاز، ولا في الرحلة إلى «نسطور»، ولا في القصد إلى ذلك الصبي العربي اليتيم. وجعل الفتى يمتحن نفسه مغرقًا في الصمت، ويمتحن نفسه مندفعًا في الكلام، فإذا هو لا يستطيع أن يخلص من هذا الخاطر اللازم له الملح عليه.

وكذلك انقضى النهار، وكذلك أقبل الليل فجلل الصحراء بظلمته القاتمة، والفتى فريسة لخاطره هذا المُلح، لا ينقذه منه ضوء النهار، ولا يصرفه عنه ظلام الليل. وصاحبه يرفق به، ويعطف عليه، ويواسيه حينًا بالحديث، ويسليه حينًا آخر بما يظهر له من مناظر الصحراء المختلفة المتشابهة. ولكن الفتى لا يسلو ولا يتعزى، وإنما هو خاطره المُلح قد ملأ قلبه وشغل نفسه، وملك عليه أمره كله. ولولا بصيص ضئيل من نور العقل كان يضبط أعصابه بعض الضبط، وينظم حركاته بعض التنظيم، لما شك الفتى ولا شك صاحبه في أن عارضًا من الجنون ألمَّ به، فأنساه ماضيه، وشغله عن مستقبل أمره، ورده إلى حال لا يصلح معها التفكير ولا التقدير.

وقد انتهى المسافران ومن كان يتبعهما من الغلمان، حين تقدم الليل، إلى حصن ضخم شاهق من هذه الحصون التي كانت تنبث في الصحراء بين الشام والعراق، والتي كان يقيم فيها الجند حراسًا للحدود محافظين عليها، وكان يأوي إليها السفر الذين يضطرون إلى عبور الصحراء.

انتهى الرفيقان وأتباعهما إلى هذا الحصن حين كاد الليل ينتصف، فلم تُفتح لهم أبوابه، ولم يحاولوا استفتاحها، وإنما أجمعوا أمرهم أن ينفقوا بقية الليل في ظله، حتى إذا أسفر الصبح ألموا به، فأصلحوا من شأنهم، وتزودوا لمرحلتهم، ثم استأنفوا سفرهم البعيد. وما هي إلا ساعة حتى اندمجت هذه الجماعة الضئيلة في هذا الهدوء الشامل من حولها، فأصبحت جزءًا منه، لا تحس نفسها، ولا يحسها أحد.

وكان الفتى قد طمع في أن ما تكلف من جهد السفر وما احتمل من مشقته، سيدفعه إلى النوم الهادئ المريح، فينسى فكرته اللازمة ويصرف عن خاطره المُلح، ويسترد ما أضاع من قوة، ويجدد ما فقد من نشاط. ولم يكذب النوم أمله ولم يخلف ظنه، وإنما أسرع إليه فأظله بجناحيه، وأفاض عليه شيئًا من هذا السكون الذي يجد فيه الجسم راحة، وتجد النفس فيه براءة من أوضار الحياة، وتخفيفًا من أثقالها. ولكن الفتى يفيق بعد ساعة ويفتح عينيه فإذا ظلمة الليل ما زالت جاثمة على الصحراء، وإذا أشعة ضئيلة تضطرب في هذه الظلمة فلا تستطيع أن تجلوها ولا أن ترقق من كثافتها. ويستجمع الفتى نفسه المشردة، وخواطره المتفرقة، فإذا ثاب إليه رشده نظر من حوله كأنما يبحث عن شيء لا يجده، وقد كان في حقيقة الأمر يبحث عن مصدر صوت سمعه حين أفاق، ولعله هو الذي أيقظه. والفتى لا يشك في أنه لم يسمعه في الحلم، وإنما سمعه في اليقظة، أو سمعه بين اليقظة والنوم.

وكان هذا الصوت غليظًا خشنًا، وكان مع ذلك هادئًا تشيع فيه السخرية، وكان يقول: «عجبت للذين يريدون ولا يفعلون، ويعزمون ولا يتممون، ويقصدون إلى العراق وهمهم في الحجاز، ويرحلون إلى «نسطور» وشفاؤهم عند الصبي العربي اليتيم.»

على أن الفتى لم يلبث أن عرف نفسه وأنكرها معًا؛ عرف نفسه وفكرته اللازمة له وخاطره الملح عليه، وأنكر نفسه هذه المضطربة التي عجز النوم عن أن يقهرها، فإذا هي تفكر نائمة كما كانت تفكر يقظى، وإذا هي تردد في الحلم وفي جنح الليل ما كانت تردده حين كانت مستيقظة في ضوء النهار. ويعود الفتى إلى مضجعه وقد جمع إليه إرادته كلها وعزمه كله، وأنفق جهدًا غير قليل ليرد عن نفسه هذا الخاطر الملح، ودعا النوم كأشد ما يكون دعاء للنوم، ولكن النوم كان قد نأى عنه، ولكن الصوت كان لا يزال يصل إلى سمعه، يأتيه من خارج، يأتيه من هذا الجو المحيط به، لا من دخيلة النفس ولا من أعماق الضمير. فلا يشك الفتى في أن إنسانًا يناجيه ويغريه، فيسأل: «من المتكلم؟» ولكنه يسمع صوت نفسه فيرتاع، وقد كان يسمع ذلك الصوت الغريب فلا يحس خوفًا ولا روعًا.

هنالك ينهض الفتى من مضجعه، ويمشي أمامه خطوات، ثم يتحول فيمشي خطوات أخرى عن يمين، ثم يتحول فيمشي خطوات إلى شمال، فلا يرى أحدًا، ولا يحس شيئًا! فيعود إلى مكانه قلقًا بعض الشيء، مستشعرًا بعض الخوف. ولكنه لا يكاد يستقر حتى يبلغه صوت آخر يأتيه من بعيد، فيه عذوبة ورقة وحنان، ولكنه يسمعه ولا يفهم عنه شيئًا. فينهض مرة أخرى، ويمضي شطر الوجه الذي يأتيه منه الصوت، وما يزال يسعى خائفًا يترقب، حتى يخيل إليه أنه يرى شخصًا ماثلًا، فيدنو منه في بعض الحذر والرفق، حتى إذا كان منه غير بعيد تبينه فإذا هو رفيقه الراهب «بحيرَى» قائمًا يصلي وقد رفع وجهه إلى السماء، وهو يتمتم في لغته السريانية التي يسمع لها الفتى فلا يفهمها. وما كان أشد حاجة الشاب إلى أن يدنو من صاحبه، فيمس كتفه، ويدعوه إلى معونته، ويتحدث إليه بأمر هذا الصوت الذي سمعه! ولكنه ينظر إلى رفيقه فإذا هو غارق في صلاته، لا يحس مكانه منه، ولا يحس شيئًا من حوله، ولعله لا يحس نفسه أيضًا. فيكره الفتى أن يصرفه عن هذه الصلاة، وأن يخرجه من هذه الحال التي يود لو أُتيح له شيء مثلها أو قريب منها. ويعود أدراجه ويستقر في مكانه، ويدعو النوم كأشد ما يستطيع له دعاء، وينفق جهدًا عنيفًا ليذود عن نفسه كل خاطر. وها هو ذا قد أخذ يستريح، ويحس هذا الفتور الذي يشيع في أعضائه كأنه يبشره بمقدم النعاس، فيستسلم له، ويود لو استطاع أن ينغمس فيه انغماسًا.

ولكنه يسمع الصوت الغليظ الخشن، الهادئ الساخر، يعيد جملته تلك: «عجبت للذين يريدون ولا يفعلون، ويعزمون ولا يتممون، ويقصدون إلى العراق وهمهم في الحجاز، ويرحلون إلى «نسطور» وشفاؤهم عند الصبي العربي اليتيم.»

هنالك يستوي في مجلسه وقد امتلأ رعبًا، وكظم صيحة عنيفة كادت تسبقه إلى الهواء، فتنبه النائمين من أتباعه وتلفت إليه هذا الراهب المستغرق في الصلاة. ولكن فضلًا من حياء أمسك عليه نفسه ورده إلى بعض الروية والأناة؛ فقد جعل يسَّائل: ما هذا الصوت؟ ومن أين يأتيني؟ إن كنت قد سمعته حالمًا أول الأمر فلست بالحالم الآن. ثم يمتلئ قلب الفتى أمنًا ودعة واطمئنانًا، وإذا هو يرى في نفسه ما لم يكن يقدر، ويطمئن إلى ما لم يكن يطمئن إليه، ويستيقن أن هذا الصوت لم يبلغه إلا لأمر يُراد.

لا ينبغي إذًا أن يمضي في طريقه إلى العراق، ولا أن يصمم على رحلته إلى «نسطور»! فإن الله لا يريد له ذلك ولا يعينه عليه. ولا بد من أن يعود أدراجه حتى يبلغ الدير، فيفضي بأمره كله إلى صديقه الشيخ، ويتزود عنده بشيء من هذه الراحة التي يعرف كيف يشيعها في ضميره، وهذا اليقين الذي يعرف كيف يملأ به قلبه. وها هو ذا ينهض، وها هو ذا يمضي أمامه حتى يبلغ رفيقه الراهب، فيراه ما زال ماثلًا يتمتم في لغته السريانية وقد رفع وجهه إلى السماء لا يحس شيئًا، ولعله لا يحس نفسه. فينظر الفتى إليه ويطيل النظر، وكأنه يريد أن يؤذنه بانصرافه عنه وتحوله إلى الدير. ولكن الراهب مستغرق في صلاته، فما إخراجه منها وما صرفه عنها! وهذا الفتى يتحول عن صاحبه مسرعًا، ويمضي أمامه لا يلوي على شيء وما هي إلا لحظات تمضي حتى يصير الفتى سرًّا مكتومًا في هذا الضمير الغامض الذي يأتلف من ظلمة الليل وامتداد الصحراء.

١٢

ثم ينبلج الصبح عنه، فإذا هو كامل القوة، موفور النشاط، باسم الثغر، مبسوط الأسارير، لا يظهر عليه الإعياء، وإن كان قد تكلف مشقة سفر متصل لم يسترح من جهده إلا هذه الساعات القليلة التي كانت إلى التعب أقرب منها إلى الراحة، وإلى الخوف المضني أدنى منها إلى الأمن والهدوء. وإنما يظهر على وجهه شيء آخر يصور نفسًا راضية، وقلبًا مطمئنًّا، وينم بأن الفتى قد برئ من هذا القلق الذي كان يساوره ويفسد عليه أمره. ولا غرابة في ذلك! فقد كان يريد أن يرى وأن يشهد. أوليس قد رأى وشهد! إنه لم يرَ شخصًا ماثلًا يصدر إليه هذا الصوت الذي رده عن العراق وحوله إلى الدير، ولكنه قد سمع هذا الصوت سمعه غير مرة، وسمعه يأتيه من خارج نفسه، لا من دخيلتها ولا من أعماقها، فما ينبغي لعقله أن يشك، وما ينبغي لبصيرته أن ترتاب، وما ينبغي لعزمه أن ينثني عما صمم عليه. إنه مأمور بالقصد إلى الحجاز؛ فليقصدن إلى الحجاز بعد أن يستقر حينًا في الدير، ويتزود من صديقه الشيخ ببعض اليقين.

وهو يمضي أمامه يغمره ضوء الصبح المشرق، وينعشه نسيمه البارد؛ ويشيع النشاط في جسمه ونفسه لذَّة غريبة يذوقها ولكنه لا يستطيع تصويرها ولا يحسن وصفها إن حاول هذا الوصف. والغريب من أمره أنه كان يمضي أمامه دون أن يسأل نفسه: أماض هو في طريقه إلى الدير أم هائم هو في غير طريق؟

وما شكه في استقامة الطريق له واعتدالها أمامه، وهو قد سلكها أمس، وهو لا يسلكها اليوم إلا مأمورًا، فإن الذي أمره أن يعود أدراجه يهديه سبيله إلى العودة، ما يتطرق إليه في ذلك شك ولا ريب. فليمضِ أمامه، وليمضِ لا ملوِّيًا على شيء ولا حافلًا بشيء، وليبعد الخطى فإن الأمد بعيد! وما ينبغي أن يدركه الليل مرة أخرى قبل أن يبلغ مأمنه وينتهي إلى غايته.

ومن الحق أنه لم يسلك هذه الطريق أمس راجلًا، وإنما كانت تخب به الركاب. ومن الحق أيضًا أنه لم يكن دليل نفسه أمس، وأنه لم يعرف معالم الطريق ولم يثبتها! فهو خليقٌ أن يخطئ القصد، وأن يجُور عن السبيل. ولكن هذه الخواطر لا تلم به ولا تعرض له، فهو مشغول بما يملأ قلبه من أمن، وما يغمر نفسه من اطمئنان. وهو مشغول بهذه الثقة التي أراحت عقله، واضطرته إلى الدعة والهدوء، وجردته من ذلك السلاح الخطر الذي كان يناضل به في ذلك الصراع الأليم.

لقد كان يريد أن يرى، فقد رأى. ولقد كان يريد أن يشهد، فقد شهد. وما من شك في أن الأيام ستتكشف له عن معجزات أخرى أعظم خطرًا، وأعمق أثرًا، وأنبه شأنًا من هذه المعجزة التي أسرَّها الليل إليه، ومن تلك المعجزات التي قصها الرهبان عليه. فليمضِ أمامه واثقًا! فقد انجلت عنه الغمرة، وآذنت محنته بالزوال.

ومن الحق أنه لم يمض في الصحراء أمس وحيدًا ولا صفر اليد، وإنما كان له رفيق يأنس به ويستريح إليه، وأتباع يعينونه على بعض الأمر ويصلحون له من الشئون ما لم يتعود أن يصلح لنفسه، ويحملون له من الزاد والمئونة ما يقيم أوده، ويعصمه من الظمأ والجوع. وهو الآن يمضي في الصحراء وحيدًا لا رفيق له ولا تبع، ولا مئونة معه ولا زاد. ولكن هذا الخاطر لم يلُم به ولم يعرض له؛ لأن قلبه مشغول عن هذه الصغائر بما يملؤه من عظائم الأمور. وآية ذلك أن الضحى قد ارتفع، وأن الشمس قد أوشكت أن تزول، وأنه على ذلك يمضي في طريقه آمنًا هادئًا، لا يحس ألمًا ولا تعبًا، ولا يدعوه جسمه إلى طعام أو شراب، ولا يجد حاجة إلى شيء إلا إلى أن تبعد خطاه، وأن يدفعه نشاطه حتى يبلغ مأمنه، وينتهي إلى غايته، ويلقى صديقه الشيخ، قبل أن تجنه ظلمة الليل.

وما من شك في أنه سيبلغ من ذلك ما يريد. وما من شك في أن هذا الصوت الذي أزعجه من مضجعه لم يرد به إلا خيرًا، وهو خليق أن يبلغه مأمنه قبل أن يدركه الجهد أو يمسه الضر.

وكذلك مضى الفتى أمامه واثقًا لا يعرف القلق ولا الشك إلى نفسه سبيلًا، سعيدًا بهذا الأمن الذي فارقه منذ عهد بعيد، والذي عاد إليه الآن يؤنسه في وحدته، ويذود عنه وحشة الصحراء.

لن يسمع إذا جنه الليل ذلك الصوت الغليظ الخشن يردد في هدوئه الساخر تلك الجملة اللاذعة. لقد أراد ففعل. ولقد عزم فتمم. وأي دليل على ذلك أصرح وأوضح من هذه الخطى البعيدة التي تقطع الصحراء دون أن يجد لها كلالًا أو يدركه منها سأم! كلا! لئن سمع صوتًا في هذه الليلة المقبلة ليسمعن صوتًا حلوًا عذبًا مشجعًا، يملؤه ثقة ويدفعه إلى المضي والإقدام. وقد أخذت حرارة الشمس تخف بعد شدتها، وأخذ وجه النهار يدركه الشحوب، وأخذت الظلمة بعد حين تنتشر على الصحراء كأنها السيل المندفع لا يذر شيئًا أتى عليه إلا غمره واكتسحه اكتساحًا، ولم يبلغ الفتى مأمنه، ولم ينتهِ إلى غايته، ولم يعرف شيئًا من هذه المعالم التي تقوم غير بعيد من الدير.

ولكن لا بأس؛ فإنه يسعى راجلًا، وقد كانت تخب به الركاب أمس. وأكبر الظن أنه إذا مضى في طريقه وباعد بين خطاه، واحتفظ بهذا النشاط الذي لم يفارقه طول النهار فسيبلغ الدير حين يتقدم الليل. وأكبر الظن أنه لن تمضي ساعات حتى يرى هذه المعالم، ويتبين هذه الأضواء الضئيلة المضطربة التي تخفق في ظلمة الليل وتمضي إلى بعيد كأنها تدعو إلى الدير أمثاله هؤلاء الذين أضنتهم الصحراء وأعياهم السفر البعيد.

والفتى يمضي وظلمات الليل تتكاثف ويركب بعضها بعضًا، وهذه الأشعة الضئيلة التي تنحدر من السماء تحاول أن تشق هذه الظلمات فلا تكاد تبلغ من ذلك شيئًا. ومع أن كل شيء قد كان صامتًا من حول الفتى في تلك الصحراء الموحشة أثناء النهار، فقد يخيل إليه أن اللغط من حوله قد أخذ يظهر شيئًا فشيئًا، قد أخذ يظهر قليلًا ضئيلًا كأنه قطعٌ متفرقة تحملها الريح، ثم يشتد ويتدانى قليلًا قليلًا، ثم يتلاصق وينعقد ويأخذه من كل مكان، وإذا هو يسمع أصواتًا مشتبكة تأتيه من كل وجه: تأتيه من أمام إذا مضى إلى أمام، وتأتيه من وراء إذا وقف متفكرًا مستخبرًا، وتأتيه من يمين وشمال، ولو صدق نفسه وآمن لخياله لاعتقد أن هذه الأصوات تنجم له من الأرض، وتهبط عليه من السماء، وهي على كل حال تغمره من جميع أقطاره وتكاد تغرقه. ولكنه لم يفقد رشده، ولم يضل صوابه؛ فهو يشهد هذا كله شاعرًا به، محققًا له، مفكرًا فيه. ثم لا يلبث أن يرده إلى أصله ويضيفه إلى مصدره. فهو قد سافر يومًا كاملًا لم يذق فيه من الراحة إلا ما لا يغني، ثم هو قد استأنف السفر يومًا كاملًا لم يذق فيه طعامًا ولا شرابًا، ولم يأخذ فيه من الراحة بقليل ولا كثير. وهذا الليل قد تقدم وهو ما زال ماضيًا أمامه، ولعله يحس تقارب الخطى وشيئًا من الكلال قد أخذ يتمشى في أطرافه. فهذا الإعياء من غير شك هو أصل هذا اللغط ومصدر هذه الأصوات التي تأخذه من كل وجه. وويل للنفوس القوية من الأجسام الضعيفة! إن نفسه لكاملة القوة، مجتمعة النشاط، قادرة كل القدرة، وحريصة أشد الحرص على أن تمضي حتى تبلغ الدير. ولكن هذا الجسم الضعيف قد أخذ يفتر ويتهالك، ويعجز عن مجاراة هذه النفس القارحة. فليت الله لم يبتل النفوس بالأجسام! وليته أتاح لهذه النفوس حياة مجردة من المادة، مطهرة من هذه الأدناس والأوضار! ولكن الأصوات تلغط ويتكاثف لغطها في سمع الفتى كما تتكاثف ظلمة الليل أمام عينيه. ولكن جسم الفتى يفتر ويفتر، ويثقل ويشتد ثقله حتى تعجز نفس الفتى عن حمله، وتود لو تخرج منه فتلم بالدير ثم تطير إلى الحجاز حيث الصبي العربي اليتيم.

ولكن خُطى الفتى تقرب وتقرب، وإذا هو يحس أنه يتحرك دون أن يتقدم، وينظر فإذا هو قائم مكانه قد فارقته قوته وفارقه نشاطه، وأحس حاجة إلى الراحة لا يستطيع لها مقاومة، ولا يجد منها بدًّا!

الراحة! ولكن كيف السبيل إليها؟! وأين يبتغيها وهو في هذا المكان الموحش الذي لا يعرف له أولًا ولا آخرًا! أما أمس فقد استطاع أن يطلب الراحة مع أصحابه في ظل ذلك الحصن الضخم الشاهق في السماء. وقد كان يظن أنه سيطلب الراحة من ليلته في ذلك الدير الذي لا ينبغي أن يكون بعيدًا، لولا ضعف هذا الجسم النحيف الذي يقعد به وليس بينه وبين الغاية إلا أمد قريب.

ومع ذلك فويل للذين يريدون ولا يفعلون! وويل للذين يزعمون ولا يتممون! وهو قد أراد ولا بد من أن يفعل. وقد عزم ولا بد من أن يتمِّم ما عزم عليه. ومن الحق أنَّ جسمه لا يعينه، وأنَّ خطواته لا تطاوعه. ولكن لا بأس! فليرفه عن هذا الجسم شيئًا، وليمنحه من الراحة نصيبًا، وليجلس هنا في هذا المكان الموحش الذي لا يعرف له حدًّا. ولكن ليحتفظ بقوته ويقظته، وليدفع النوم عن نفسه دفعًا، حتى إذا استراح الجسم ساعة أو بعض ساعة، أنهضه وكلفه السعي حتى يبلغ المأمن، وينتهي إلى الغاية، ويصل إلى الدير.

وخيل إلى الفتى أنه جلس، وإن كان الحق أنه خر من أقطاره صريعًا. وظن الفتى أنه محتفظ بقوة نفسه، ويقظة ضميره وذكاء قلبه، ونشاطه كله، وأنه سينهض بعد حين فيمضي إلى غايته. وقد هم أن ينهض بعد حين. ولكن ماذا! إنه ليحاول النهوض فلا يجد إليه سبيلًا. وإنه ليحاول أن يحرك بعض أطرافه فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وإنه ليسمع ذلك اللغط الذي كان يسمعه منذ لحظة ولكنه يتميزه الآن بعض الشيء؛ فهو ليس صوتًا منعقدًا كثيفًا، ولكنه أصوات متفرقة، تتنادى وتتجاوب كأنها أصوات قوم يتحدثون. ثم يحاول أن يفتح عينيه فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. أين هو؟ ما خطبه؟ ماذا ألمَّ به؟ إنه ليجد ثقلًا في أطرافه، وعجزًا عن الحركة، وعجزًا حتى عن أن يفتح عينيه. وإن عقله مع ذلك لحاضرٌ يقظ، ولكنه يحس كأنه يتحرك على غير إرادة، أو كأنه محمول على شيء يمضي به دون أن يتحققه أو يعرف ما هو.

ثم تنجلي عن الفتى ظلمات نفسه شيئًا فشيئًا، وتثوب إليه خواطره قليلًا قليلًا، ويحضره عقله ورشده حقًّا، ويمتلئ قلبه بالحقيقة الواقعة التي تملؤه رعبًا وجزعًا، وإذا هو يصيح صيحة منكرة، صيحة المستغيث الواله، فلا يجد لصيحته صدى، ولا يسمع لها جوابًا، ولكنه يحس كأنه محمول على شيء يمضي به مسرعًا، وهذه الأصوات تدفعه دفعًا وتحثه حثًّا عنيفًا. ليس من شك في أنه أسير، قد أسره بعض الناس، أو أسره بعض الجن التي كانت تلغط في الصحراء. لشد ما ود لو استطاع أن يفتح عينيه وينظر من حوله. فليس من شك في أن الذين أسروه قد عصبوه. وهو يستغيث ويلح في الاستغاثة، ويئن ويلح في الأنين، فلا يسمع إلا أصواتًا تتضاحك، وقومًا يتنادون، وحثًّا لهذه المطية التي تحمله.

ثم تمضي ساعة وساعة، وإذا هو يحمل فيحط على مطيته، ثم تحل العصابة عن عينيه فينظر فيرى. ويا هول ما يرى! يرى نفسه طريحًا على الأرض في ظل خيمة غليظة خشنة، وقد أحاط به نفر نحاف الأجسام، سمر الوجوه، يتطاير من عيونهم الشرر، ولكنهم مع ذلك يرفقون به، ويعطفون عليه، ويحطون عنه الأغلال، ويَردون إلى يديه حريتهما، ولكنهم يحتفظون برجليه في القيد، ثم يقدمون إليه في سخرية رفيقة شيئًا غليظًا من طعام وشراب.

١٣

وقد أحس الفتى بعد هذه الساعة الأليمة أن هزيمة العقل وفلسفته قد كانت منكرة حقًّا أمام طبيعة الجسم وغرائزه. فلم يكد يرى ما قدم إليه من طعام وشراب حتى أقبل عليه في نهم لم يألفه، فازدرده ازدرادًا، لم يصده عنه غلظه وجفوته، ولم يصرفه عنه بُعد ما بينه وبين ما كان قد ألف من لين الطعام ورقيق الشراب. بل لم يصرفه عنه ما كان يجد من ذل الإسار بعد عزِّ الحرية، ومن خيبة الأمل بعد تلك الأماني العراض التي ملأت حياته حين كان في المدينة يلهو ويعبث مع صديقيه، وحين كان في الدير ينتظر ما سيتكشف عنه الغيب له ولصديقه الشيخ من الآيات الكبار، وحين تحول عن رفيقه «بحيرَى» ومضى عائدًا أدراجه مذعنًا لذلك الصوت الغليظ الخشن الذي سخر منه في هدوء. كل ذلك لم يخطر له، ولم يُثر في نفسه غيظًا ولا حنقًا، ولم يغره بامتناع ولا إباء حين قدم إليه الطعام والشراب، وإنما استعرضه وفكر فيه، وذاق مرارته واحترق بلوعته بعد أن شفى ألم الجوع والظمأ، وبعد أن استرد جسمه قوته ونشاطه. ولو أننا اطلعنا على دخيلة نفسه حينئذ لرأيناه خجلًا مستخذيًا، ووجلًا محزونًا، ويائسًا من هذا العقل الذي كان يؤمن به ويذعن له، ويرى أنه أقوى ما ركب في الإنسان من غريزة، وأعز ما منح للإنسان من سلطان. وها هو ذا الآن يراه ذليلًا منكسرًا، لا يقدر على مقاومة، ولا يثبت لمناضلة، ولا يمتنع على غرائز هذا الجسم الضعيف الذي كان يحقره ويزدريه. على أن الفرصة قد أتيحت ﻟ «كلكراتيس» ففكر على مهل، وروى في أناة، وقلب أمره على وجوهه كلها، وتذوق مرارة حاله الجديدة حتى استقصى أدق ما فيها من ألم، وأخص ما فيها من ندم؛ فهو لم يكد يفرغ من طعامه وشرابه ويشعر أن جسمه قد استرد شيئًا من طعام وشراب، واستردوا حظًّا من قوة ونشاط، وإذا هم يتنادون ويتناجون وتختلف بينهم الألفاظ والألحان والإشارات، وهو يرى ويسمع ولا يفهم شيئًا. ثم يقبلون إليه فيردون يديه إلى الغل وعينيه إلى الظلمة، ويحملونه حيث يشدونه على مطيته تلك التي كان يحسها منذ حين تسرع به في السير إسراعًا رفيقًا.

هو إذًا لم ينزل حيث نزل ليقيم ويستقر. وإنما ألم بمكان من الصحراء ليستريح وليستريح هؤلاء الذين أسروه وعدوا عليه. وهو إذًا لم يبلغ مأمنه، ولم ينتهِ إلى غايته بعدُ. ولكن ما ذلك المأمن؟ وما هذه الغاية؟ وماذا يريد به هؤلاء القوم؟ وإلى أين يحملونه؟ ولماذا يهينونه؟ لقد رآهم يتحدثون باللفظ واللحظ فلم يفهم عنهم، وهو الآن يسمعهم يتناجون في أصوات ترتفع وتنخفض وتتشكل أشكالًا مختلفة بين ذلك، فلا يفهم عنهم شيئًا. وهو يسأل نفسه: كيف انتهى إليهم وكيف انتهوا إليه؟ فلا يجد لهذا السؤال جوابًا. وإنما يذكر تلك الساعة الأليمة التي رأى نفسه فيها قائمًا في الصحراء ولا يستطيع أن يتقدم ولا أن يتأخر، وقد اكتنفته ظلمة الليل القاتمة، وغمره لغط تلك الأصوات المنكرة التي لا تبين. ثم لا يذكر بعد ذلك كيف انتهى إليهم وكيف انتهوا إليه. ماذا كان ذلك الصوت الغليظ الخشن الذي عجب منه وهزئ به، وأغراه بالتحول عن العراق إلى الحجاز، وبالرغبة عن «نسطور» إلى الصبي العربي اليتيم؟ أكان صوتًا قد صدر عن ناصح له، رفيق به عاطف عليه، أم كان صوتًا صدر عن ساخر منه، عابث به مضمر له الكيد والغرور؟ ثم يذكر الفتى حديث رفيقه «بحيرَى»، وما زعم له من حاجته إلى التجارب والخطوب، ليرتد عقله عن الكبرياء إلى التواضع، وعن الغرور إلى الاعتدال. وترتسم على ثغره ابتسامة حزينة أليمة حقًّا. لقد كانت أبواب السماء مفتحة حين تحدث إليه رفيقه عن التجارب والخطوب. فما أسرع ما سلطت عليه التجارب وأغريت به الخطوب! لقد كانت هذه التجارب والخطوب مسايرة له ولرفيقه في الصحراء، تريد أن تدنو منهما فلا تستطيع؛ لأن مكان هذا الراهب الكريم كان يمنعها من الدنو. فما هي إلا أن تحتال حتى تستدرج هذا الفتى وتبعده عن رفيقه الذي وقاه الله شر التجارب والخطوب. فما يكاد يبعد عنه حتى تنساب إليه من كل سبيل. لقد خلص لها وفرغت له فلتذقه مرارتها خالصة، ولتصب عليه آلامها ممضة لاذعة، ولترد عقله إلى التواضع، ولتباعد بينه وبين الكبرياء والغرور.

ثم يخيل إلى الفتى كأن عقله قد وقف عن التفكير، وكأن قلبه قد عجز عن الشعور حينًا، وكأنه في شيء يشبه النوم وليس بالنوم، وكأنه يسمع ذلك الصوت الغليظ الخشن وهو يبعث في الفضاء قهقهة عالية ملؤها السخرية والاستهزاء؛ فيعود الفتى إلى شعوره الأليم، وتفكيره العقيم، وإذا هو يسأل نفسه مرة أخرى عن هذا الصوت: ما هو؟ وما عسى أن يكون؟ وترتسم على ثغره ابتسامة أخرى فيها سخرية مرة، واستهزاء حزين. فهو يسأل نفسه: ألا يمكن أن يكون هذا الصوت الذي أغراه بالعودة وورطه في هذه الكريهة، صوت إله من هؤلاء الآلهة القدماء الذين كان يعبدهم ويقبل عليهم في المدينة مع صاحبيه، ثم لم يلبث أن شك فيهم، وتنكر لهم وأعرض عنهم واستجاب لصديقه الشيخ، وجعل يبحث عن إله جديد دون أن يبلغه أو يهتدي إليه، فأضاع نفسه بين قديم كان يعرفه، وجديد لا يألفه! لقد أعرض عن عبادة «دينوزوس» وأصحابه منذ عهد بعيد. ألا يمكن أن يكون «دينوزوس» قد أرسل إليه بعض أتباعه ليسخر منه ويعبث به، ويرده آخر الأمر إلى دينه القديم؟

ولكن الابتسامة الحزينة الساخرة التي كانت ترتسم على ثغر الفتى تتسع شيئًا فشيئًا! وإذا شفتاه تنفرجان عن ضحك عالٍ وقهقهة تملأ الفضاء. ولو أتيح له أن يرى لرأي هؤلاء النفر من حوله وقد ارتسم عليها شيء من العجب لهذا الأسير الغريب الذي تختلف على وجهه الابتسامات وتنفرج شفتاه عن الضحك المرتفع البعيد.

ولكن الفتى مشغول عما حوله وعمن حوله، ساخر من كل شيء ومن كل إنسان، وساخر من نفسه قبل كل شيء وقبل كل إنسان، وساخر بنوع خاص من هذا الخاطر السخيف الذي عرض له، ومن هؤلاء الآلهة القدماء الذين أخذ يفكر فيهم والذين لم يخلص لهم الدين في يوم من الأيام؛ ولن يخلص لهم الدين في يوم من الأيام؛ لأنهم لم يستطيعوا قط أن يبلغوا عقله أو قلبه.

هو ساخر من كل هذا، وهو مُمعن في لون آخر من ألوان التفكير يملأ نفسه حزنًا إلى حزن، ويفعم قلبه ألمًا إلى ألم، ويضيف في نفسه ذلة إلى ذلة وانكسارًا إلى انكسار. لقد ضاق بقيصر وبغي قيصر، حين كان آمنًا في المدينة، وادعًا بين صديقيه، مستمتعًا بالثروة الواسعة والجاه العريض، مهيأ لأن يضيف إليهما بسطة الملك وضخامة السلطان. لقد أنف من قيصر وبغي قيصر، وكره أن يدخل قيصر بينه وبين ضميره، وأزمع الهجرة عن أرض قيصر، تلك التي يستذل فيها الناس وتحمل فيها الرعية على ما لا تحب، إلى أرض أخرى يصبح فيها ملكًا لنفسه، لا يتحكم فيه أحد ولا يبغى عليه سلطان. لقد هاجر من أرض الذلة والهوان إلى أرض العزة والكرامة. لقد أصبح ملكًا لنفسه، ولكنه ملك لا يستطيع أن يفتح عينيه، ولا أن يحرك يديه، ولا أن ينهض على قدميه. ملك عانٍ ذليل موثق، قد شد إلى مطية تسرع به إلى حيث لا يريد بل إلى حيث لا يعلم، وهو لا يملك من أمر نفسه شيئًا، بل هو عاجز كل العجز عن أن يفهم من هؤلاء القوم الذين يطوفون به ويسعون من حوله، إلى أين يذهبون به وماذا يهيئون له؟

ليسخط الآن على ظلم قيصر وبغيه، وليحمل الآن عاقبة تفكيره في الهجرة وامتناعه عن سلطان قومه وقوانين وطنه، فقد بلغ من ذلك ما كان يريد وأكثر مما كان يريد. ثم تعود إلى الفتى خواطره التي كانت تملأ رأسه آنفًا، فيذكر حديث رفيقه الراهب عن التجارب والخطوب، وأثرها في رد العقل إلى التواضع والاعتدال، وصرفه عن الكبرياء والغرور. ما أصدق هذا الحديث وأدناه إلى الحق! إن الفتى لمستسلم للقضاء، مذعن للقدر، قد وطن نفسه على الصبر، وأخذها باحتمال المكروه. وهل يستطيع أن يطمع في غير الصبر، أو أن يفكر في النُّبُوِّ عن الضيم والامتناع على المكروه! كلا! إنما هو أسير عانٍ لا يملك من أمر نفسه شيئًا. وآية ذلك أن المطية تسعى به مسرعة رفيقة إلى حيث لا يعلم ولا يريد، وأنه قد أخذ يحس الظمأ ويجد ألمه محروقًا لاذعًا، وهو لا يستطيع أن يشفي هذا الظمأ؛ لأنه لا يستطيع أن يفهم هؤلاء النفر من حوله حاجته إلى الشراب. يتكلم فلا يفهمون عنه، ويريد أن يشير بيده فلا يستطيع، ويود لو يشير بلحظه فلا يستطيع؛ فقد حيل بين عينيه وبين الضوء. هو يعلم أنه لا يملك إلا الصبر والإذعان، ولكنه مع ذلك يعالج نفسه على أن يكون صبورًا مذعنًا، حتى لو أتيحت له الحرية وخُلِّيَ بينه وبين أن يريد وأن ينفذ ما يريد.

وهو يتصور أن هؤلاء النفر الذين ظلموه وبغوا عليه قد ثابوا إلى العدل فردوا إليه حريته، وحطوا عنه الأغلال، وفكوا عنه القيود، وخلوا بينه وبين الأرض الواسعة والفضاء العريض. ثم يعاهد نفسه لئن فعلوا ذلك ليقيمن بينهم أسيرًا قانعًا بالإسار، ذليلًا راضيًا بالذل، عبدًا مخلصًا في خدمة مواليه؛ لأن حديث التجارب والخطوب قد وقر في نفسه واستقر في أعماق ضميره، ولأنه قد ضاق بطغيان عقله وكبريائه، وبما كلفه الطغيان والكبرياء من بطر وأشر ومن جهد وعناء.

وكذلك أنفق «كلكراتيس» ثلاثة أيام ذليل الجسم أسيره، عزيز النفس طليقها. ينزل به سادته حيث يريدون النزول، فيحطون عنه الغل، ويردون إليه الضوء، ويقدمون إليه ما يقيم أوده من الطعام والشراب، ثم يرحلون به متى أرادوا وقد ردوه إلى سواد الظلمة وثقل الأغلال.

وهو عن ذلك راض، وله مذعن، وإليه مطمئن، لا يفكر حتى في أن يسأل نفسه ماذا يُراد به؟ وإلى أين يقصد به؟ وما عسى أن ينفعه هذا السؤال! وما عسى أن يجدي عليه التفكير فيه! إنما هي محنة لا بد من أن يحتملها أراد ذلك أو لم يرده، وخطبٌ لا بد أن يصبر عليه رضي عن ذلك أو كرهه. فالخير في أن يستقبل المحنة باسمًا لها، وأن يحتمل الخطب راضيًا به؛ فذلك أكرم له من جهة، وأهون عليه من جهة أخرى، وأدنى إلى ما أمره به رفيقه من ملابسة التجارب والخطوب، وإلى ما أوصت به فلسفة القدماء من أن يريد المرء ما هو كائن إذا عجز عن تحقيق ما يريد.

فلما كان اليوم الرابع نزل القوم وأنزلوه، وحطموا عنه أغلاله، وردوا إلى عينيه ضوء النهار، وأطعموه وسقوه. وانتظر أن تمضي ساعة وبعض ساعة، وأن يعود به القوم إلى الغل والظلمة والرحيل. ولكنهم لم يفعلوا، وإنما تركوه حر اليدين والعينين، وأطلقوا رجليه من القيد شيئًا، خلَّوا بينه وبين بعض الحركة البطيئة الثقيلة، في حدود هذه الخيمة الخشنة التي ضربت عليه! وجعل أفراد من رجال ونساء يقبلون عليه فينظرون إليه! فمنهم من يعجب به، ومنهم من يعجب له، ومنهم من يضحك منه، ومنهم من يظهر له الرثاء! وكلهم يُقبل فينظر ثم ينصرف. ويُقبل المساء فيُقدم إلى الفتى طعامه الجافي وشرابه الغليظ، ثم يخلي بينه وبين النوم. ويُقبل الصباح بعد ليل طويل لم يذق فيه النوم إلا غرارًا، لا لأنه ضيق بحاله، كاره لمكانه، بل لأنه لا يقضي العجب من هذه الخطوب التي اختلفت عليه من سمع الصوت الغريب الذي تغنته تلك الفتاة الجميلة في قصر حاكم المدينة.

وقد ألف الفتى حياته هذه في قيده الثقيل وفي خيمته الخشنة، بل أخذ يألف الذين يدخلون عليه ويحملون إليه طعامه وشرابه بين حين وحين، بل أخذ يفهم عنهم بعض الحركات والإشارات، وأخذت نفسه تعي بعض ما يديرون بينهم من الألفاظ. وأخذوا هم يألفون إشاراته وحركاته، ويجدون شيئًا من الأنس إلى محضره، ويشعرونه بذلك بالإشارة واللحظ واللفظ، ويودون لو استطاعوا أن يفهموا عنه أكثر مما يفهمون، وأن يفهم هو عنهم أكثر مما يفهم.

وتتصل الأيام وتتبعها الليالي، والإلف يزداد من حين إلى حين بين الأسير ومواليه. وهؤلاء أطفال الحي وصبيانه يختلفون إلى خيمته فيُطيلون فيها المقام، وتتصل بينه وبينهم فنون من اللعب الهادئ والدعابة الحزينة. وما ينقضي شهر حتى يفقد الفتى كل وحشة، وحتى تطيب نفسه بهذه الحياة، وحتى يتسرب إلى قلبه شيء من الحب لهؤلاء الصبية الذين يلزمونه، ولا يكادون يفارقونه إلا حين يفرقهم عنه الليل.

وقد أخذ الفتى يشعر بأن الرضا عن هذه الحياة الجديدة قد أصبح هينًا عليه ومألوفًا له، لولا هذا القيد الثقيل الذي يقارب بين خطاه، ويحد من حركته، ولولا هذا الحظر الثقيل الذي يضطره إلى خيمته هذه الضيقة الخشنة، ولا يكاد يبيح له الاستمتاع بالفضاء الواسع والهواء الطلق إلا قليلًا، ولولا خواطر كانت تلمُّ به فتثير في نفسه آلامًا لاذعة بين حين وحين، تذكره بمن ترك وراءه في المدينة من الأهل والصديق، وبما ترك وراءه في الدير من حب ذلك الراهب الشيخ، وبما لا يزال يتمنى في قوة وعنف من الرحلة يومًا ما إلى الحجاز، والظفر يومًا ما بلقاء ذلك الصبي العربي اليتيم.

ويرتفع الضحى ذات يوم، والفتى غارق في الدعابة واللعب مع هؤلاء الصبية الذين ملئوا عليه خيمته، وإذا ثلاثة نفر من الذين أسروه وحملوه إلى هذا المكان قد أقبلوا، ففرقوا الصبية في بعض العنف، حتى إذا دخلوا إليه أقبلوا عليه فأنهضوه وأخرجوه من خيمته، ومضوا به، حتى إذا بلغوا به مكانًا بعيدًا عن الحي شيئًا سلوا سيوفهم فأروه بريقها، وهزوا رماحهم فأروه اضطرابها، ونثروا كنائنهم فأروه سهامها الرقيقة الحادة. وكانوا إذا سلوا السيوف أشاروا بها إلى رأسه، وإذا هزوا الرماح أداروها إلى صدره، وإذا نثروا الكنائن أنبضوا قسيهم فأبعدوا بها الرمي، ثم أشاروا بأيديهم إلى الجهات الأربع من أمامه ومن ورائه وعن يمينه وعن شماله. وقد فهم الفتى عنهم حق الفهم، وعرف أنهم ينذرونه بالموت إن حاول الهرب، ويرغبونه في الحياة المطلقة من القيود والأغلال إن أذعن لهذا الرق الذي فرض عليه. وما كان الفتى الفيلسوف في حاجة إلى هذا النذير! فقد عاهد نفسه منذ حين على الصبر والإذعان، والرضا بحكم الإسار. ولكنه أظهر لهم بالإشارة واللحظ ما أرادوا من طاعة واستكانة، فردوه إلى خيمته وتركوه فيها لحظة، ثم عادوا إليه فخلصوه من القيد، وخلوا بينه وبين الضوء والهواء، وألبسوه ثياب الرقيق.

١٤

والنفس راغبةٌ إذا رغبتها
وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقنع

وقد كانت نفس «كلكراتيس» راغبة في كثير، فأصبحت الآن قانعة بالقليل الذي ردت إليه، بل بأقل من هذا القليل. وأين أيامه هذه التي ينفقها في حي من أحياء كلب بن وبرة من أيامه تلك التي كان ينعم بها في مدينة عظيمة من مدن الروم؟! لقد كان سيدًا يأمر في قصره الفخم، وأرضه الواسعة، وغلمانه الذين لم يكن يحسن أن يحصيهم والذين كانوا يمثلون عنده أجناسًا مختلفة من الناس. وكان إذا أظله المساء من كل يوم ارتقى إلى قصر الحاكم فنادمه وشاركه في مرحه وفرحه. وكان الذين يعرفونه من أهل المدينة لا يشكون في أن السلطان صائر إليه يومًا ما. وكان مع ذلك غير راضٍ عن نفسه، ولا قانع بحظه، ولا مكتف بهذه الحرية التي كان يستمتع بها؛ وإنما كان يرى نفسه ذليلًا مهينًا أسيرًا لسلطان قيصر، وكان يرغب في أن يخرج من هذه الذلة والهوان إلى عزة يتصورها ولا يستطيع أن يجد لها مثلًا. فأين تلك الحياة الحافلة بفنون اللذات وألوان النعيم من هذه الحياة الجديدة المتواضعة، أو هي أقل من المتواضعة، والتي يقضيها بين هؤلاء السادة الكرام، لا ساخرًا منها، ولا ساخطًا عليها، بل قانعًا بها كل القناعة، راضيًا عنها كل الرضا؟! لقد عرف جسمه المترف غلظ الثياب وخشونتها، والنوم على الأرض الصلبة بالعراء، وعرف الاستيقاظ في السحر، وعرف خدمة الناس بعد أن كان الناس يخدمونه. بل عرف رعي الإبل والشاء والتطويف بألبانها مع الصباح على هؤلاء السادة يسقيهم منها، ولا يشرب إلا إذا ارتووا وأرضوا حاجتهم من الشراب. وعرف ما هو أكثر من ذلك وأشد إمعانًا في هوان الأمر وضعة الحال، ولكنه مع ذلك لا ينكر شيئًا، ولا يأسى على شيء. ولعل حياته لا تخلو من بعض الغبطة؛ فقد رأى حياة جديدة لم يألفها، وعرف بالمشاهدة أجيالًا من الناس لم يكن يحقق من أمرهم شيئًا، وإنما كان يقرأ عنهم في الكتب، ويسمع عنهم في أحاديث النهار وأسمار الليل. بل هو قد تعلم لغتهم واستطاع أن يتحدث إليهم، وأن يسمع منهم، وأن يبلو أخلاقهم السمحة، وطباعهم الساذجة، ونفوسهم النقية، وقلوبهم الذكية، فلا يرى من هذا كله إلا ما يسره ويرضيه، وإلا ما يعجبه ويبهره أحيانًا. لقد كان سيدًا مطاعًا يأمر في عدد ضخم من الغلمان والرقيق، ولكنه الآن يذكر سيرته في غلمانه ورقيقه ويوازن بينها وبين سيرة سادته معه وأمرهم فيه، فيرى فرقًا عظيمًا وبونًا بعيدًا.

كان سيدًا كما يفهم الروم هذه الكلمة، مستعليًا على غلمانه، لا يراهم يشبهونه من قريب أو بعيد، ولا يكاد يفهم مشاركتهم له في الحياة، ولا يرى أنهم أهل ليحفل بهم أو يفكر فيهم أو يعنى ببعض أمرهم. إنما كان يكِلُ تدبيرهم إلى واحد منهم هو صاحب القصر، وكان يتخذهم أدوات لثروته وجاهه، ولذَّته ونعيمه، ولم يخطر له قط أنهم خليقون ببعض الرفق، مستأهلون لبعض الرأفة، وإنما كان مؤمنًا بأن له عليهم كل الحق، وليس لهم عليه إلا أن يعيشوا، وهم لا يعيشون لأن من حقهم العيش، وإنما يعيشون لأن في حياتهم له منفعة وأربًا.

وقد كان يدفعهم الجهد الثقيل المضني إلى بعض الكلال والتقصير، فلم يكن يعنى أو لم يكن ينزل إلى إصلاحهم وتأديبهم؛ لأنهم لم يخلقوا لإصلاح ولا تأديب، ولأن التفكير فيهم إضاعة للوقت، والعناية بهم تبديد للجهد، والفراغ لهم إهدار للكرامة. فكان يُسلط بعضهم على بعض، ويجعل بأسهم بينهم شديدًا، ويجني من شقائهم سعادة، ومن بؤسهم نعيمًا، ومن ألمهم لذة، ويجني من موتهم الحياة أحيانًا، ولا يرى في ذلك إثمًا ولا ضيرًا، ولا يُنكر من ذلك قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن ذلك كله كان يتفق مع فلسفته وثقافته التي كانت تقسم الناس إلى فريقين: فريقًا خلقوا للأمر وهم السادة، وفريقًا خلقوا للطاعة وهم العبيد.

وهو الآن ينظر إلى سيرة سادته معه وأمرهم فيه، فيرى عجبًا. هؤلاء القوم الغلاظ الجفاة، الذين يحيون حياة خشنة كلها غلظة وشظف، قد رقت قلوبهم لهؤلاء العبيد، وعطفت نفوسهم عليهم، فهم يخلطونهم بأنفسهم في أكثر ألوان الحياة، لا يكادون يمتازون منهم في شيء إلا في هذه الأمور التي ترضي غرور الرجل البدوي.

هم لا يكلفونهم جهدًا إلا وهم يتكلفون مثله، ولا يحملونهم مشقة إلا وهم يتحملون مثلها، ولا يؤثرون أنفسهم من دونهم بطيبات الحياة، وإنما يشاركونهم عن طيب نفس وقرة عين فيما يتاح لهم من هذا الرزق اليسير الذي تنبته لهم الأرض حين يبلها الغيث. وهم لا يستمتعون بنعمة طارئة أو لذة عارضة إلا أشركوهم في بعض ما يستمتعون به. وإذا استأثروا من دونهم بشيء فإنما يستأثرون بالجهد والمشقة: يستأثرون بالحرب مدافعين ومهاجمين، مغيرين على العدو وذائدين عن الحرمات. وهم بعد لم يتحضروا ولم يتثقفوا، ولم يبنوا المدن، ولم يشيدوا القصور، ولم يستمتعوا بألوان اللذة والترف، ولم يذوقوا علم أرسطاليس، وفلسفة أفلاطون، ولكنهم على فطرتهم الأولى، أو هم لم يجاوزوا فطرتهم الأولى إلا قليلًا.

فكر «كلكراتيس» في ذلك تفكيرًا متصلًا طويلًا، فتغير رأيه في أشياء كثيرة، وكون لنفسه قيمًا أخرى مخالفة لتلك القيم التي كان يقدر بها الحياة حين كان روميًّا متحضرًا مترفًا. وما له لا يفعل وقد أصبح عبدًا بدويًّا يعيش عيشة الأعراب؛ فليفكر تفكير الأعراب إن استطاع إلى ذلك سبيلًا.

والواقع أنه شارك هؤلاء الأعراب في كل شيء، فأخلص لهم الحب، وأضمر لهم النصح، واستيقن فيما بينه وبين نفسه أنه واحد منهم، يسوءه ما يسوءهم، ويسُّره ما يسرهم، وإن فراقهم إن أُتيح له سيكون عليه عسيرًا وإليه بغيضًا. ولعله لو مهدت له سبل الإفلات من هذا الرق لأبى أن يفارق هؤلاء الناس الذين استرقوه وبغوا عليه. ولم يفارقهم وهو لم يفقد عندهم من عزته وكرامته شيئًا، وهو لم يستمتع قط بحرية نفسه واسعة مطلقة بعيدة الآماد كما يستمتع بها في هذا الطور من أطوار حياته؟ إنه أسير الجسم، ولكنه حر العقل إلى أبعد مدى. أسير الجسم إلى حدٍّ ما؛ فقد يكون من العسير عليه أن يحاول الهرب أو الإفلات، ولكنه حر فيما دون ذلك، يذهب ويجيء إلى أي وجه أحب، وعلى أي نحو أراد. وقد وثق به سادته واطمأنوا إليه؛ فهم يكلون إليه أموالهم ويأمنونه عليها، ويثقون بتدبيره لها وذياده عنها وعنايته بها. فإساره ظاهر لا يكاد يكون له ظل من الحق. فأما حرية عقله فلم تُمس ولم يضيق عليه منذ أقام بين هؤلاء الناس. لم يسألوه قط عن رأيه، ولم يمتحنوه قط في دينه، ولم يراقبوه قط فيما ينكر أو يعرف من الأمر. وقد فكر الفتى فيما يمكن أن يكون لهؤلاء الناس من رأي ودين، فأعجبه من أمرهم ما رأى وإن كان لم يرضه لنفسه، ولم يتخذه لها رأيًا ودينًا.

لم يرهم قط يعبدون إلهًا أو يتقربون إليه بالطاعة وفنون الضحايا، وإنما سمعهم يديرون بينهم أسماء آلهة يذكرونها ولا يحققونها، ويظهرون الخوف منها والإكبار لها، ولكنهم لا يبذلون في إرضائها وتملقها جهدًا ما. هم أحرار الأنفس أحرار الضمائر، كأنما اشتقوا حرية نفوسهم وضمائرهم من حرية هذا الهواء الطلق الذي يتنفسونه ويعيشون فيه.

وهم أحرار الأجسام أيضًا، لا تقيدهم المدن ولا تحبسهم القصور والدور، ولكنهم ينزلون ويرحلون متى دعتهم حاجتهم إلى أن ينزلوا أو يرحلوا. حرية مطلقة يستمتع بها الجسم، وحرية مطلقة تستمتع بها النفس والضمير.

كل ذلك كان يعجب الفتى ويرضيه. وكل ذلك كان يعزيه عما فقد، ويسليه عما احتمل، ويغريه بالإقامة على حب هؤلاء الناس والوفاء لهم. ولكن شيئًا واحدًا لم ينسه قط ولم تسل عنه نفسه قط، وإنما كان ذكره له يزداد، وشوقه إليه يقوى ويشتد، وتفكيره فيه يتصل، ولا سيما إذا جنه الليل وخلا إلى نفسه وأبى أن يأوي إلى خيمته، أو يطمئن في مضجعه، وآثر الجلوس في العراء مسرحًا طرفه أمامه يرى حينًا ولا يرى حينًا آخر، مرسلًا نفسه في هذه الصحراء تهيم في غير وجه وتذهب في غير طريق وكان تفكيره فيه يتصل إذا أصبح فطرد الإبل أمامه إلى مراعيها، ثم انتهى إلى حيث يستطيع أن يخلي بينها وبين ما ترعى من الكلأ والعشب، ويفرغ هو لنفسه يريد أن يستقصي أخبارها، ولضميره يريد أن يتعمق أسراره، وهو هذا المكان البعيد الذي كان يعيش فيه ذلك الصبي العربي اليتيم.

الصبي! كلمة كانت تجري على لسانه وتتردد في ضميره؛ لأن العادة قد أجرتها على لسانه ورددتها في ضميره منذ ذلك اليوم البعيد الذي قضاه مع رفيقه «بحيرَى» في الصحراء. وكم مضى بعد ذلك اليوم من أيام! وكم انقضى بعد ذلك اليوم من أشهر وأعوام! وكم تغير بعد ذلك اليوم من شأن! وكم حدث بعد ذلك اليوم من أمر؟! لقد كان هو في ذلك اليوم فتى روميًّا غض الشباب، نضر الجسم، قارح النفس. لقد أخذ شبابه يتولى عنه، وأخذ جسمه يفقد نضرته، وقد أخذ وجهه يتجعد ويربد، وقد أخذ قلبه يهدأ، وقد أخذت نفسه تحس الفتور. ليس هو الآن فتى روميًّا، ولكنه عبد كهل قد تقدمت به السن ونيف على الأربعين، وقد ثقل جسمه ونفسه بعض الشيء، فهو لا يسرع إذا مشى، ولكنه يسعى في رزانة وأناة. وهو لا يسرع إذا تحدث، ولكنه يتكلم في ريث ووقار. وهو لا يسرع إذا فكر، وإنما تخطو نفسه إلى خواطرها وآرائها خطوات متقاربة تسيطر عليها الدعة والهدوء.

ليس هو فتى روميًّا الآن، ولكنه كهل قد بلغ الشيخوخة أو كاد يبلغها! فما ينبغي أن يكون ذلك الصبي العربي صبيًّا كما كان حين رآه «بحيرَى» وتحدث عنه بتلك الأعاجيب. لقد مضت الأيام وتبعتها الأيام، وقد مرت السنون وتبعتها السنون، ولقد صار هو كهلًا، فيجب أن يكون ذلك الصبي العربي قد صار فتى غض الشباب نضر الجسم، قارح النفس، بعيد الهم، ذكي القلب، كريم الخلق، سمح الطبع، معتدل المزاج.

من لهذا الكهل الرومي الغريب بأنباء ذلك الفتى العربي الذي يقيم في واد بعيد من أودية الحجاز؟ ماذا جد من أمره؟ ماذا أحدثت له الأيام؟ عم تكشف الغيب؟ أتراه قد أنبئ ببعض ما خبئ له وما خبئ للناس على يديه؟ أتراه قد أظهر أمره أو كاد يظهره؟ إن هذا الحي من كلب بن وبرة ليضطرب في جانب من الأرض العريضة، يذهب فيه ذات اليمين وذات الشمال، ويذهب فيه إلى أمام وإلى وراء، ولكنه لا يبعد ولا يدنو من هذه الطرق التي تمر منها القوافل آتية من الحجاز أو عائدة إليه.

وما أكثر الذين ينزلون بهذا الحي من كلب بن وبرة من أفراد الناس وشذاذ الآفاق! فيدنو منهم هذا الكهل الرومي، ويتصل بهم، ويتوسل إليهم بالوسائل، ويسألهم عن الحجاز، فينبئونه عنه بما يعلمون وما لا يعلمون. ويسألهم عن هذا الفتى القرشي ويسميه لهم، فينكرونه ولا يعرفون من أمره شيئًا، ولكنهم يثنون على قريش ويعجبون بمفاخرها ومآثرها، ويثنون على رهطه الأدنين ويذكرون ما لهم من المآثر والمكرمات، ثم ينصرفون إلى غير وجه من هذه الأرض البعيدة العريضة التي لا يعرف الطرف لها مدى، ولا تنتهي العين منها إلى حد.

من لهذا الكهل الرومي بشيء من أنباء السماء؟ فقد كانت الأحاديث متصلة مستفيضة في أديار الرهبان وصوامع الأحبار بأن أنباء السماء قريبة. أفتراها قد بلغت إلى الناس؟ أفتراها تبلغه يومًا من الأيام؟ أفتراه يستطيع أن يسعى إليها يومًا من الأيام؟ ما إقامته بين هؤلاء القوم الكرام من كلب بن وبرة في ناحية من نواحي الصحراء غير بعيد من الشام، وإن همه لفي واد من أودية الحجاز، وإن شفاءه لعند فتى من قريش يقال له محمد بن عبد الله؟!

ما أكثر ما كانت تخطر هذه الخواطر على «كلكراتيس» فتملأ نفسه، وتفعم قلبه، وتشيع فيه شوقًا جديدًا وحنانًا عظيمًا، وترسل من عينيه دموعًا غزارًا، وتصعد من جوفه زفرات تكاد تحرق قلبه تحريقًا، وتغريه من حين إلى حين ببعض الأمر، ولكنه لا يلبث أن يثوب إلى نفسه، ويثوب إلى رشده، ويذكر ذلك العهد الذي أشهدا الله وضميره عليه حين كان موثقًا إلى تلك المطية التي كانت تسرع به في الصحراء إسراعًا رفيقًا.

ليصبرن على المحنة، وليثبتن للخطب، وليقيمن على الوفاء لظالميه والباغين عليه حتى يبلغ الكتاب أجله! فإن الله لم يصب عليه هذه التجارب، ولم يمتحنه بهذه الخطوب إلا وله في ذلك أرب وحكمة.

فليصبر على المحنة إذًا، وليثبت للخطب حتى يبلغ الكتاب أجله. ولكن ألم يأنِ للكتاب أن يبلغ أجله بعد؟!

١٥

بلى! قد أنى للكتاب أن يبلغ أجله، وأن يبلغه في وقت أقصر جدًّا مما كان يقدر هذا الكهل الرومي الذي ما نزال نحتفظ له باسمه الرومي القديم «كلكراتيس»، وإن كان سادته لا يعرفون له هذا الاسم، وإن كان هو نفسه قد كاد ينسى هذا الاسم وما يتصل به من الذكرى، وأصبح لا يذكر إلا اسمه العربي الجديد الذي اشتق من الساعة التي أسر فيها، وهي مطلع الصبح فسمي «صبيحًا».

أنى للكتاب أن يبلغ أجله في وقت أقصر جدًّا مما كان يقدر صبيح، وعلى نحو أغرب جدًّا مما كان يقدر أيضًا. وهل جرى أمر من أموره على نحو ما فكر أو قدر! ألم تكن حياته كلها ألوانًا من الخطوب يتبع بعضها بعضًا على غير انتظار منه لها ولا ترقب منه لوقوعها؟! من كان يستطيع أن يتكهن له بأن سيأوي مع صديقه الشيخ إلى الدير، أو سيرحل مع رفيقه «بحيرَى» إلى العراق، أو سيقع أسيرًا في أيدي هذا الحي من أحياء العرب، أو سيقضي أعوامًا طوالًا لا يسمع فيها صوتًا روميًّا، ولا يتحدث فيها إلى رجل رومي، ولا يقرأ فيها كتابًا من كتب الروم، ولا يحاور فيها راهبًا من رهبانهم، ولا حبرًا من أحبارهم، ولا فيلسوفًا من فلاسفتهم، وإنما يلتحف شملة الأعرابي، ويتكلم لغة الأعراب، ويروي أشعارهم كأحسن ما يرويها الأعراب الفصحاء، ويدعى بهذا الاسم الغريب فيجيب؟!

ومن كان يستطيع أن يتكهن له بذلك أو ببعض ذلك؟! ولكنه على بعده وغرابته قد وقع له وجرى عليه! وهو جالس ذات يوم في أعقاب النهار وقد امتلأت نفسه بهذه الخواطر التي صورناها آنفًا، وهو مقسم بين الاستسلام لها والاسترسال فيها، وبين النهوض إلى إبله هذه المتفرقة ليجمعها وليدفعها أمامه إلى حظائر الحي. فقد تولى أكثر النهار ومنزل الحي بعيد. إنه لفي ذلك وإذ هو يسمع كلبه ينبح عن بعد، فينبهه ذلك بعض الشيء، وإذا أشخاص ترفع له لا يكاد يحققها أول الأمر، ثم تدنو منه شيئًا فشيئًا، فينظر فيرى رجلًا شيخًا نبيل المنظر مهيبًا، قد أقبل على راحلته، ومن حوله غلمان ثلاثة كأنهم أتباعه في السفر وأعوانه على جهد الطريق.

فلما رأى «صبيح» ذلك نهض متثاقلًا، وسعى حتى دنا منه، فيسأله الشيخ عن حيه من هم؟ فيجيب صبيح. ثم يسأله الشيخ عن اسمه وعن موطنه الأول، فيجيب صبيح في أناة ووقار يشبهان الإعراض والفتور. ولكن الشيخ لا يكره ذلك ولا ينكره، وكأنه استعذب صوت العبد واستلذ لغته؛ فهو يطيل معه الحديث، ويلح عليه في السؤال. فإذا عرف أنه رومي الموطن، تحدث إليه عن بلاد الروم حديث العالم بها، الملم ببعض شئونها وأخبارها. على نحو ما كان العرب في ذلك الوقت يعرفون بلاد الروم ويفهمون ما يبلغهم من أنبائها.

ولكن حديث الشيخ يثير في نفس صبيح شوقًا وحنانًا، ورغبة في الاستطلاع وشغفًا بالتزيد من هذا الحديث، وإذا صوته الفاتر يسترد شيئًا من نشاط ويشيع فيه شيء من حرارة. وإذا وجهه الذي لم يكن يظهر عليه اكتراث أو احتفال تظهر فيه آيات العناية بما يسمع من الشيخ والرغبة في التزيد منه.

ويطول الحديث شيئًا بين الشيخ والعبد، وقد شغل كل منهما بصاحبه فلم يذكر الشيخ حاجته، ولم يحفل العبد بواجبه. وتمضي لحظات غير قصار، ثم يتنبه صبيح فيعتذر إلى الشيخ من تقصيره وينسبه. فإذا انتسب الشيخ وجم العبد وجومًا شديدًا، وظهرت عليه آيات الذهول أو ما هو أكثر من الذهول. وامتلأت نفس الشيخ لذلك عجبًا! فقد انتسب الشيخ إلى قريش، وتحدث مالئًا فاه بأنه من أهل مكة وسكان الأباطح وجيران البيت الحرام، وأن سادته لا يسمعون اسمه، ولا يعرفون مكانه من قريش ومنزله من الحرم حتى يتلقوه لقاء لا يتلقونه أحدًا آخر من غير هذا الحي من قريش، جيران الله، وسدنة بيته الكريم.

والشيخ يقول: هذا كله مزهوًّا به، ممعنًا فيه، مالئًا به ما بين شدقيه، كأنه يمتلئ عزة وأنفة كلما أجرى منه على لسانه لفظًا. والعبد يسمع هذا مبهورًا مسحورًا قد ملك عليه أمره، وكاد يذهب عنه عقله. ويظن الشيخ أن العبد مفتون باسم قريش وموطنها؛ لكثرة ما سمع من ذكر قريش، ولكثرة ما عرف من تقديس العرب لهذا الموطن الحرام. ولكن العبد يفجؤه بهذا السؤال: فأنت إذًا تعرف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟

قال الشيخ باسمًا معتزًّا: نعم! سيدنا وابن سيدنا. ومن ذا الذي لا يعرف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب! ولكن ما علمك به؟ وما ذكرك له وأنت عبد رومي لا علم لك بمثل هذه الشئون؟!

قال صبيح غير حافل بهذا السهم الذي وجهته إليه كبرياء هذا الشيخ العربي القرشي: متى آخر عهدك به؟

قال الشيخ ضاحكًا: آخر عهدي به! آخر عهدي به ثلاثة أعوام وبعض عام. ولكن ما علمك بمحمد؟ وما سؤالك عنه؟

قال صبيح: ثلاثة أعوام وبعض عام! هذا كثير. ولعل كثيرًا من الأحداث أن يكون قد طرأ في هذا الردح من الزمان.

قال الشيخ: أبن يا غلام، ما علمك بهذا السيد من سادة قريش؟ وما سؤالك عنه؟ وما إلحاحك في هذا السؤال؟

قال صبيح: فكيف تركته حين فارقته؟

قال الشيخ وقد أخذ يتميز غيظًا: تركته سيد قومه، على خير ما يحبون له وعلى خير ما يحبون منه. ولكن ما أنت وذاك؟ امض بنا إلى سادتك فقد أخرتنا عن القصد، وصرفتنا عما نحن في حاجة إليه.

قال صبيح، وقد أخذت دموع هادئة تتساقط على وجهه، وقد ازداد صوته عذوبة، وحديثه رقة، وقد أخذ بزمام الراحلة: على رسلك يا مولاي! فإني انتظر هذا الحديث منذ أعوام طوال. وإنك لو تعلم شوقي إليه وكلفي به، وما احتملت في انتظاره من ألم، وما تكلفت من جهد، وما عانيت من لوعة، لرفقت بي، وأشفقت علي، وتلطفت معي في الحديث.

قال الشيخ: ما رأيت كاليوم غلامًا روميًّا يعنى بأمر فتى من قريش. ثم رق له وعطف عليه وقال: سلني من أمر محمد عما أحببت يا بني؛ فما أرى إلا أن لإلحاحك في السؤال عنه شأنًا!

قال صبيح: ألم يكن قد جهر بأمره حين تركته في مكة؟

قال الشيخ وقد أخذ يعجب مما يسمع، وقد أخذت نفسه تتنبه وتثوب: جهر بأمره! وأي أمر يا بني؟ وهل لمحمد أمر يسره ويريد أن يجهر به؟

قال صبيح: فقد كان الغيب يحجب أمره إذًا حين تركته؟

قال الشيخ: أبن يا بني! فإني لا أفهم عنك منذ الآن. ما أمر محمد هذا الذي تسأل عنه؟ فإني لا أعرف لمحمد أمرًا، وإنما أعرفه فتى كريمًا من قوم كرام، قد امتاز من أترابه بما لم نألف من طهارة النفس وشرفها، ومن سماحة الخلق وكرمه، ومن التنزه عن الصغائر والارتفاع عن الدنيات، وإنا لنحب ذلك منه ونحبه له، وتمتلئ قلوبنا إعجابًا به وعطفًا عليه، وإنا لنضربه مثلًا لشبابنا، ونأخذهم بأن يتأثروه ويقتدوا به، فلا نكاد نبلغ من ذلك أيسر ما نريد؛ لأن هذا الفتى من فتيان قريش قد قدر له حظ من الكمال لم نألفه قط! فإنا لا نراه يومًا من أمره على خير إلا رأيناه من الغد وقد ارتقى إلى خير مما عرفنا. أبِنْ يا بني! ما أمر محمد هذا الذي تسأل عنه، وتنتظر أن يجهر به؟ ثم أشار الشيخ إلى غلمانه أن أنيخوا الراحلة، ففعلوا وأعانوه على النزول، واتخذ مجلسًا، ودعا إليه صبيحًا فأجلسه قريبًا منه، ثم أشار إلى غلمانه فتنحوا شيئًا. فلما فرغ للعبد وفرغ العبد له قال: أفصح يا غلام عن أمرك! فإن حديثك قد أهمني.

قال صبيح: فأفصح أنت يا سيدي عن أمرك؛ فإن احتفاءك بحديثي وإصغاءك إلي، ونزولك عن راحلتك، وتنحية غلمانك، وحرصك على أن تستقصي ما عندي، كل ذلك يهمني ويعنيني كما يهمك حديثي ويعنيك.

قال الشيخ: فتعلم يا بني أني رجل من قريش أنكرت من أمر قومي شيئًا كثيرًا، وهاجرت من أرضهم أطلب في بلادك وعند قومك ما لم أجد في بلادي وعند قومي. وقد طوفت في بلادك ثلاثة أعوام وبعض عام! وها أنا ذا أعود منها يائسًا مخيب الأمل؛ لأني لم أجد فيها ما كنت أبتغي، ولأني سأجد في بلادي ما كنت أكره، وسألقى من قومي ما كنت أنكر، أو سأفارق هذه الحياة ولما أظفر بما أريد.

قال صبيح وقد أخذ منه الشوق مأخذه: ماذا أنكرت من قومك؟ وماذا ابتغيت عند قومي؟

قال الشيخ: أنكرت من قومي دينهم هذا الجافي الغليظ.

وابتغيت عند قومك دين إبراهيم فلم أجده. وها أنا ذا أعود إلى بلادي وفي نفسي حسرة الحرمان واليأس، وشيء ضئيل من أمل مع ذلك.

قال صبيح متلهفًا: شيء ضئيل من أمل!

قال الشيخ: نعم! فقد زعم لي راهب من رهبانكم في البلقاء منذ ثلاثة أعوام أن هذا الدين الحنيف الذي أطلبه لا يوجد في بلاد الروم، ولا ينتظر أن يظهر عند النصارى أو اليهود.

قال صبيح: وإنما يرجى أن يظهر في مكة حيث كنت تقيم!

قال الشيخ: وما علمك بذلك، فقد أنبأني به راهب البلقاء؟

قال صبيح: نعم! ويرجى أن يظهر على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا الذي كنت أسألك عنه وعن أنبائه.

قال الشيخ وقد ملكه العجب، وكاد يطير شغفًا بأن يعلم ما عند صبيح: من أنبأك بهذا؟ ومن أظهرك عليه؟

قال صبيح: فإني يا سيدي رجل من الروم، قد أنكرت ما عند قومي، وخرجت مثلك أبتغي خيرًا مما عندهم، فعرفت كثيرًا، ثم هممت أن أستقصي النبأ، وأبلغ الغاية، وأنتهي إلى الحجاز، وأرى هذا الفتى القرشي الذي تظاهرت أنباء الأحبار والرهبان وأخبار الكتب والنبوات على أنه النبي الذي أظلنا زمانه، فحل بي ما ترى، وأصبحت راعيًا للإبل في حي من كلب بن وبرة!

واتصل الحديث بين الشيخ وصبيح وقتًا طويلًا، حتى أنكر الحي غيبته، وأشفقوا أن يكون قد أغار عليه وعلى إبله بعض المغيرين. ولكنهم رأوه مقبلًا يسعى، وينبئهم بأن شيخًا من سادة قريش الأباطح قد ألم بهم يسمى زيد بن عمرو.

وقد احتفى القوم بضيفهم الكريم، وقَرَوْهُ كأحسن ما يكون القِرى، وأنزلوه منهم أحسن منزل. ولكنهم عجبوا من أمره إذ رأوه حين يتقدم الليل وهموا أن يتفرقوا عنه يدعو إليه صبيحًا ذلك العبد الرومي، ويتقدم إليه في أن ينفق معه ما بقي من الليل. لم يفهم الكلبيون من هذا السيد القرشي كلفه بهذا العبد، وشغفه به وحرصه على صحبته! ولعلهم أن يكونوا قد أحسوا في نفوسهم بعض الموجدة! فقد كان هذا الشيخ القرشي خليقًا أن يستعين على أرق الليل بالتحدث إلى الأكفاء والنظراء من سادات كلب وأشراف العرب، ولكنه يؤثر بالحديث عبدًا روميًّا لا يعرف من هو، ولا من أي موطن جاء. على أنهم لم يظهروا من موجدتهم هذه شيئًا، ومضوا في إكرام ضيفهم إلى ما أحب. قال بعضهم لبعض: شيخ مقبل من بلاد الروم، فلا بأس أن يصطفي هذا العبد الرومي ليتحدث إليه ببعض ما رأى، ويسأله عن بعض ما لم يفهم.

وأنفق صبيح مع زيد بن عمرو ليلة لم تعرف النوم، وإنما عرفت أحاديث متصلة مختلفة، ذكر فيها كل منهما لصاحبه ما عرف وما أنكر، وما بحث وما استقصى، وما اهتدى إليه من علم، وما هو منتظر من جلية الأمر. فلما أسفر الصبح وتقدمت سادات كلب إلى ضيفهم بما أحب من القِرى، وهمَّ زيد بن عمرو أن يرتحل عنهم، رغب إليهم في شيء لم يسمعوه حتى ازداد عجبهم له وإنكارهم إياه. قال زيد بن عمرو: يا معشر بني كلب! إن لي عندكم حاجة ما أظنكم تردونني عنها أو تأبونها عليَّ! فما رأيت منكم إلا خيرًا! وما عرفت منكم إلا كرمًا ونبلًا.

قال قائلهم: ما تشاء يا سيد قريش؟

قال: عبدكم هذا الرومي هبوه لي أو بيعوه مني! فإني على صحبته حريص. وما ضاع العرف بين قريش الأباطح وبين حي من أحياء العرب، قريب منها أو بعيد عنها.

قالوا: لقد طلبت يسيرًا، وابتغيت سهلًا قريبًا، وإن كنا لنؤثر هذا العبد الرومي ونحب ما بلونا من أخلاقه، وما عرفنا من سيرته، وأمانته في أموالنا وأسرارنا، فهو لك.

قال زيد بن عمرو: يدٌ محفوظة يا معشر بني كلب. فأما وقد وهبتم لي هذا العبد فأصبح ملك يميني وطوع يدي، فاشهدوا أني أعتقته، وملكته أمر نفسه من فوري. وهو بعد ذلك حرٌّ في أن يذهب إلى أي وجه من وجوه الأرض شاء.

قال الكلبيون: لقد وفت ذمتك يا شيخ قريش. ونحن جيران لهذا الرجل وأدلاء له حتى يبلغ مأمنه.

قال صبيح وقد أقبل على زيد بن عمرو يقبله ويبارك عليه وإن دموعه لتنهل على خديه غزارًا: وفت ذمتكم يا معشر العرب. والله ما كرهت جواركم، ولا شنأت الإقامة فيكم، ولا رغبت نفسي عن ودكم. ولو خيرت لما عدلت بصحبتكم شيئًا، ولكنه أمر يُراد. وما أنا بعائد إلى بلاد الروم ولا رغبة لي فيها، ولا أرب لي عند أهلها، وإن كنت قد خلفت فيها من الصديق والخليل ما لا تزال تؤثره نفسي بالحب والحنان، ولكني ماضي مع هذا الشيخ من سادة قريش، مقيم معه في الحرم، وفي جوار بيتهم هذا الكريم، فإن له ولي لشأنًا عجبًا.

١٦

وانصرف زيد بن عمرو وصاحبه الرومي حين زالت الشمس يقصدان الحجاز، وليس لهما حديث إلا هذا الفتى القرشي اليتيم، وما أراد الله به من كرامة، وما قدر الله على يده للناس من نجاة، وإن زيدًا ليقص على صديقه الرومي بدء حيرته في مكة مع نفر ثلاثة من أصحابه: ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، يقول لصاحبه وإن فمه ليملؤه الضحك، وإن وجهه ليغمره البشر: لقد أراني مع أصحابي ذات يوم نشارك قومنا من قريش في عيد من أعيادنا مسرورين محبورين، تهتز أعطافنا أريحية وكرمًا، ونريد أن ننتهز فرصة هذا العيد لنذيع في فقرائنا وذوي الحاجة من قومنا ما نستطيع أن نذيع فيهم من الخير والمعروف، فنرى قومنا يطيفون بوثن من أوثانهم يكرمونه ويكبرونه، ويلثمونه بشفاههم، ويمسحونه متهيبين بأيديهم، وينحرون عنده الإبل والشاء، فننظر وننظر، ونهم أن نفعل، ولكننا نرد عما هممنا، ونجدد العزم على أن نشارك قومنا، ولكننا نرد عن ذلك مرة أخرى ردًّا عنيفًا. وإذا بعضنا ينظر إلى بعض، وإذا بعضنا يفهم عن بعض، وإذا نحن نخلص نجيًّا. وإذا نحن نضحك حتى ما نملك أنفسنا من الضحك، ونحزن حتى ما نملك أنفسنا من الحزن. نضحك حين نرى سادة قريش وأشراف العرب يطيفون بحجر من هذه الأحجار التي تطؤها الأقدام، وتعمل فيها الفئوس، وتسخر في أغراض الناس وحاجاتهم، وهم يكبرونه ويعظمون أمره، ويتقدمون إليه بالعبادة والطاعة. ونحزن حين نرى هذه الأحلام قد استحالت إلى سفه لا يشبهه سفه، وحين نرى ما صار إليه أمر قريش من هذه الجهالة الجهلاء، ومن هذه الضلالة العمياء، وفيهم مع ذلك بيت الله، ومقام أبيهم إبراهيم، وقد ورثوا مع ذلك دينه فأضاعوه ولم يحفظوا منه شيئًا.

نعم! ضحكنا حتى كاد يقتلنا الضحك، وحزنا حتى كاد يملكنا الحزن، وانصرفنا إلى رحالنا وقد أزمعنا أن نلتمس لأنفسنا الخير ما وجدنا إلى الخير سبيلًا.

فأما ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وأنا فقد ارتحلنا عن مكة بعد خطوب وألوان من الجهد، نلتمس الدين عند أهل الكتاب من يهود، وعند أهل الكتاب من نصارى الروم.

وأما عبيد الله بن جحش فقد أقام في مكة حائرًا ينتظر. ولم ندر إذًا ماذا كان ينتظر. ولكني قد علمت الآن أنه كان ينتظر أن يهبط دين إبراهيم من السماء على مقام إبراهيم في الأرض، من طريق فتى من فتيان قريش. إني لأذكره الآن وأتمثله وأراه وكأني أسمع له. لم يشاركنا في عيدنا ذاك، وما رأيته قط يشاركنا في عيد من أعيادنا تلك التي كنا نقيمها حول الأوثان. لقد فهمت الان، لقد كنت أراه يعتزلنا إذا عكفنا على أصنامنا. ولقد كنت أعجب من أمره. ولقد هممت غير مرة أن أسأله ما باله لا يأخذ مع قومه فيما يأخذون فيه؟ وما باله لا يطوف بالكعبة إلا فردًا؟ ولكني كنت أُرد عنه ردًّا كلما هممت بسؤاله. وكثيرًا ما سألت نفسي: ما الذي يصرفني عنه حين كنت أقبل عليه؟

لقد فهمت الآن! ما كان الله ليختار لرسالته رجلًا عكف على صنم، أو تقرب إلى وثن، أو شارك قومه في بعض الإثم.

لقد كان محمد منزهًا عن حب الأصنام والقرب منها، وعن عبادة الأوثان والعكوف عليها، وعن مشاركة قومه فيما كانوا يغرقون فيه من الآثام. ولقد كان محمد يعيش وحده، وإن كنا نرى أنه كان يعيش معنا! لقد فهمت الآن!

ثم يطرق زيد بن عمرو إطراقًا طويلًا، ثم يرفع رأسه إلى صاحبه قائلًا: ولكني لم أتمم لك الحديث. لقد ارتحلنا من مكة إلى بلاد الروم، فجعلنا نسأل اليهود عن دين إبراهيم، فيعرضون علينا ما عندهم، فلا نرضاه ولا نطمئن إليه. ثم عدلنا عنهم إلى رهبان النصارى وأحبارهم، فما يكادون يقرءون علينا كتبهم ويظهروننا على بعض ما عندهم من العلم حتى يؤمن صاحباي وتطمئن قلوبهما إلى النصرانية. فأما ورقة بن نوفل فقد أخذ منها بحظه، ثم عاد إلى وطنه على أن يقيم فيه على عبادة الله وإكبار المسيح.

وأما عثمان بن الحويرث فلم تعجبه النصرانية وحدها، ولكن أعجبته بلادك فهام بها، وفتن بحضارتها، ومضى إلى قسطنطينية ليعيش فيها عيشة الروم، ويموت فيها ميتة الروم. وأما أنا فلم يعجبني أمر النصارى كما لم يعجبني أمر يهود. رأيت في هذا وذاك أشياء لم أفهمها ولم أذقها، ولم أحس ملاءمتها لقلب هذا العربي الساذج السمح اليسير. وما شككت في أن اليهود والنصارى قد عقدوا أمورهم تعقيدًا، وأخرجوها عن طبيعتها السمحة ويسرها الأول. فجعلت أطوف على أدياركم في الجزيرة والشام، حتى لم أدع منها ديرًا إلا طرقته، وسألت من فيه من الأحبار والرهبان. فلم أجد عند أحد منهم شيئًا، وإنما هو كلام أسمعه ولا أفهمه، وعلم أحفظه ولا أحصله، وألغاز لا أهتدي إلى حلها، وأسرار يعجزني كشفها، حتى أنتهي إلى صومعة في البلقاء، يقيم فيها راهب فذٌّ لا يعايشه أحد؟ فأسأله عن دين إبراهيم، فينبئني بما أنبأتك به من أن دين إبراهيم ليس في بلاد الروم، ولكنه سيهبط على بلاد العرب، وقد آن أوان ظهوره فيها. فأعود إلى وطني، وألقاك في بعض الطريق، وإذ أنت تعلم من الأمر ما أعلم، وتنتظر منه ما أنتظر، بل أنت تعلم أكثر مما أعلم، وتنتظر أكثر مما أنتظر.

قال صبيح وقد بهره ما سمع: فإنك قد علمت من أمري ما علمت، ورأيت أن حيرتك في بلادك لا يشبهها إلا حيرتي في بلادي. وإني قد طوَّفت في الأرض كما طوَّفت أنت فيها، وانتهيت من الأمر إلى مثل ما انتهيت أنت إليه. وما أرى إلا أن الله قد استنقذنا من الحيرة، ورد إلى قلوبنا الثقة والاطمئنان. ولئن بلغنا الحجاز وانتهينا إلى هذا الفتى القرشي لنكونن أسعد الناس به، وأحرص الناس على اتباعه.

قال زيد بن عمرو: ولنمنحنه ما نملك من نصر وتأييد، ولنعيننه على إظهار أمره وتبليغ رسالته إلى الناس، وليعلمن الخطاب بن نفيل عمي الذي كان يؤذيني ويغري بي السفهاء من شباب قريش أني لم أكن واهمًا ولا متكلفًا.

قال صبيح: نعم! ولكن متى نبلغ الحجاز؟ ومتى ننتهي إلى سيد قريش؟

قال الشيخ: ليس الأمد بيننا وبين مكة بعيدًا، وإنما هي أيام وليال، ننفق أكثرها في هذا الحديث الذي يعيننا على السفر، ويحمينا من أنصابه وأوصابه، ويجدد عزيمتنا، ويثبت قلوبنا، ثم ننتهي إلى ما نحب، ونظفر بما نريد.

ولكنهما لم ينتهيا إلى ما أحبا، ولم يظفرا بما أرادا، وإنما مرا بأرض بني لحم، فطمع اللخميون فيهما، وظنوا أن عندهما مالًا وثراء، فيعدون عليهما فيقتلونهما.

ويصرع الحنيف العربي، والفيلسوف الرومي، وإن لسانيهما ليذكران محمدًا، وإن قلبيهما ليطمئنان إلى ذكره، وإن عمودًا من نور ليهبط من السماء حتى يبلغهما، ثم يفصل منهما مصعدًا في الجو وقد حمل بين ثناياه نفسين كريمتين.

قال ابن إسحاق: وحدثت أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب — وهو ابن عمه — قالا لرسول الله : استغفر لزيد بن عمرو. قال: «نعم! فإنه يبعث أمة وحده.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١