خطاب

(أُلقي هذا الخطاب أمام الفرقة العليا في مدرسة هارفارد للاهوت في مساء يوم الأحد، ١٥ يوليو من عام ١٨٣٨م. وكان أمرسن قد دُعي لإلقائه لا من موظفي المدرسة، ولكن من طلبة الفرقة العليا. وقد اعترض كثير من رجال الدين على ما جاء بهذا الخطاب، حتى إن موظفي المدرسة قد تنصلوا علنًا من تبعته. وانقضى زهاء الثلاثين عامًا قبل أن يُدعى أمرسن مرة أخرى للخطابة في هارفارد.)

إنها لنعمة في هذا الصيف المتلألئ أن يستنشق المرء أنفاس الحياة؛ فالعشب ينمو وبراعم الأزهار تتفتح، والمراعي مرقشة بألوان الزهور النارية والذهبية. والهواء يموج بالطير، ويحلو برائحة الصنوبر وريحان جيلعاد والبرسيم الجاف الجديد. والليل لا يبعث في القلب الكآبة بظلاله التي ترحب بها النفوس. وخلال الظلام الشفاف ترسل النجوم أشعتها التي تكاد أن تكون روحانية. وإن الإنسان ليبدو تحت هذه النجوم كأنه طفل صغير وكرته الأرضية ألعوبة، والليل البارد يرطب الدنيا كأنه نهر، ويعد العيون مرة أخرى للفجر القرمزي. إن لغز الطبيعة لم يبدُ قبل اليوم أكثر من ذلك سعادة؛ فلقد نالت المخلوقات جميعًا ما شاءت من حنطة ونبيذ، والصمت الذي لا يُشق والذي لازمته الوفرة من قديم لم يقدم حتى الآن كلمة من كلمات التفسير. وإن المرء ليُكره على تبجيل كمال هذا العالم الذي تتناجى فيه حواسنا. ما أفسحه، وما أغناه، وأية دعوة من كل خاصة من خواصه يقدمها لكل موهبة من مواهب العقل الإنساني! إن العالم في تربته المثمرة، وفي بحره الصالح للملاحة، وفي جباله المعدنية والحجرية، وفي غاباته وأحراشه، وفي حيواناته، وفي أجزائه الكيميائية، وفي قوى الضوء ومسيره، والحرارة، والجاذبية والحياة، إن العالم في كل ذلك قمين بأفئدة عظماء الرجال وقلوبهم يخضعونه ويستمتعون به. وإن التاريخ ليسره أن يكرِّم المزارعين والميكانيكيين والمخترعين والفلكيين، ومشيدي المدن والقواد.

ولكن عندما يتفتح العقل ويكشف عن القوانين التي تسير في العالم وتجعل الأشياء كما هي، حينئذٍ تتضاءل الدنيا العظيمة فورًا إلى رسم أو أسطورة من أساطير العقل. إن الروح الإنساني ليتساءل في لهفة إلى المعرفة لا ينطفئ أوارها: «ماذا عساي أن أكون؟ وما هو الكائن؟» انظر إلى هذه القوانين السباقة، التي يستطيع إدراكنا الناقص أن يراها تميل في هذا الاتجاه أو ذاك، ولكنه لا يراها كاملة الاستدارة، أنظرة إلى هذه العلاقات التي لا حصر لها، تتشابه مرة، وتختلف أخرى؟ ما أكثرها، ولكنها واحدة! وإني لأحب أن أدرس، وأحب أن أعرف، وأحب أن أعجب دائمًا. إن أعمال العقل هذه كانت في كل العصور تسلية الروح البشري.

ولكن جمالًا أعذب وأقوى وأشد خفاءً يظهر للإنسان عندما يتفتح قلبه وعقله للإحساس بالفضيلة. إنه حينئذٍ يتعلم شيئًا أعلى منه، يعلم أن وجوده لا حد له، وأنه إنما وُلد للخير والكمال، برغم المكانة الدنيئة التي جلبها له الشر والضعف. إن ما يقدسه لا يزال ملكًا له، ولو أنه لم يدرك ذلك حتى الآن، وإنما ينبغي له أن يدركه. إنه يعلم معنى تلك الكلمة العظيمة، بالرغم من أن تحليله يعجز عن وصفها. إنه عندما يستطيع ببراءته أو بإدراكه العقلي أن يقول: «إنني أحب الحق، والصدق جميل دائمًا في الداخل وفي الخارج. أيتها الفضيلة، أنا لك، خلصيني، استخدميني، سوف أخدمك، ليلًا ونهارًا، في الكبير والصغير، حتى لا أكون فاضلًا، بل أكون الفضيلة نفسها.» عندما يقول ذلك يتحقق الغرض من الخليقة، وتتحقق إرادة الخالق.

إن الإحساس بالفضيلة تقديس لوجود بعض القوانين الإلهية وابتهاج بها. فبهذا الإحساس نستطيع أن ندرك أن هذا الدور الساذج الذي نلعبه في الحياة ينطوي على مبادئ تذهل العقل، وإن بدا في حركات تافهة. إن الطفل وسط ألاعيبه يتعلم تأثير الضوء، والحركة، والجاذبية، والقوة العضلية. وفي لعبة الحياة الإنسانية يتفاعل الحب والخوف والعدالة والشهوة والإنسان وكل ما هو مقدس. وهذه القوانين تستعصي على التعبير الصحيح عنها. إنها لا تُكتب على الورق، أو يُعبَّر عنها باللسان. إنها تستعصي على التفكير المثابر، ومع ذلك فنحن نقرؤها كل ساعة بعضنا في وجه الآخر وفي فعاله، وفي ضمائرنا. إن الصفات الخلقية التي تتركز جميعًا في كل عمل أو فكر فاضل، ينبغي لنا أن نميزها في الكلام، وأن نصفها أو نشير إليها بالتعداد المضني لكثير من التفصيلات. ولما كان هذا الإحساس هو لب الدين، فدعوني ألفت أنظاركم إلى الأهداف الدقيقة له. فأعدد لكم بعض أنواع تلك الحقائق التي يظهر فيها هذا العنصر جليًّا.

إن الإدراك الفطري للإحساس الخلقي هو تبصُّر بكمال قوانين الروح، وهذه القوانين تنفذ نفسها بنفسها، خارجة عن الزمان والمكان، ولا تخضع للظروف. ولذا فإن في روح الإنسان عدالة جزاؤها سريع وشامل. من يعمل عملًا صالحًا يكرم في حينه، ومن يعمل عملًا طالحًا ينقبض من مجرد قيامه بهذا العمل الطالح. ومن يخلع الدنس، يلبس بذلك الطهارة. وعندما يصبح الإنسان عادلًا في صميمه، فإنه يحقق إرادة الله؛ لأن سلام الله، وخلود الله، وجلالة الله، سوف تتمثل في كل ما يفعله الرجل العادل. وإذا كان الرجل يتظاهر ويخدع، فهو إنما يخدع نفسه، ولا يتفق مع وجوده. الرجل أمام الخير المطلق عابد خاضع تمام الخضوع، غير أن كل خطوة يخطوها في هذا السبيل إلى أسفل هي خطوة إلى أعلى. الرجل الذي ينكر ذاته يدركها.

انظروا كيف تعمل هذه الطاقة السريعة الجوهرية في كل مكان، تصلح الأخطاء، وتصحح المظاهر، وتجعل الحقائق منسجمة مع الأفكار. وأثرها في الحياة، وإن أدركته الحواس في بطء شديد، إلا أنه في النهاية أكيد كما هو كذلك في الروح. هذه الطاقة تجعل الإنسان سيد نفسه، يصف عمله الصالح بالخير وخطيئته بالشر. فإن صفات الأشياء تُعرف دائمًا. والسرقات لا تغني، والإحسان لا يُفقر، وجريمة القتل تنطق بها الأسوار الحجرية. وأقل أثر من آثار الخداع كوصمة الغرور — أو محاولة إيجاد تأثير حسن أو مظهر ملائم — يلوث النتيجة فورًا. أمَّا إن نطقت صدقًا فإن الطبيعة والأرواح كلها سوف تعينك على التقدم إلى الأمام تقدمًا غير منظور. انطق الصدق، وسوف يسندك كل حي وأعجم، بل إن جذور الحشاش نفسها التي تنمو على الأرض لتبدو كأنها تهتز وتتحرك لكي تشهد لك. وتأكدوا كذلك من كمال القانون وهو يطبق نفسه على ما بين الناس من صلات، ويصير قانون الجماعة. فكما نكون يكون رفاقنا. الطيب بالتشابه يبحث عن الطيب، والخبيث بالتشابه يبحث عن الخبيث. ولذا فإن الأرواح تسير إلى الفردوس أو إلى الجحيم بإرادتها.

هذه الحقائق كانت توحي دائمًا إلى الإنسان بالعقيدة السامية التي تؤمن بأن الدنيا ليست نتيجة لقوًى متعددة، وإنما هي نتيجة لإرادة واحدة وعقل واحد، وهذا العقل الواحد ناشط في كل مكان، في كل شعاع من أشعة النجم، وفي كل مويجة من مويجات البِرْكة. وكل ما يقف في سبيل هذه الإرادة يفشل ويتعرقل في كل مكان؛ لأن الأشياء هكذا خُلقت، ولم تُخلق على صورة أخرى. الخير إيجابي، والشر شخصي محض، وليس مطلقًا، فهو كالبرودة التي هي انعدام الحرارة. الشر كله موات أو عدم. أمَّا الخير فهو مطلق وحقيقي. وعلى قدْر ما عند الإنسان من خير، يكون ما لديه من حياة؛ لأن كل شيء يصدر عن روح واحدة تُسَمَّى بأسماء مختلفة، كالحب والعدالة والاعتدال، حسب تطبيقها في مختلف النواحي، كما يُسَمَّى المحيط بأسماء مختلفة على الشواطئ المختلفة التي يرتطم بها. كل شيء يصدر عن روح واحدة ويتآمر معها. وما دام الإنسان يهدف إلى أغراض طيبة فإنه يزود نفسه بقوة الطبيعة كلها، وكلما بَعُدَ عن هذه الأغراض حرم نفسه القوة، وحرم نفسه كل مُعين، وينكمش وجوده عن كل تيار بعيد، ويتضاءل ثم يتضاءل، حتى يصبح ذرة أو قطرة، ويصير السوء المطلق موتًا مطلقًا.

وإدراك قانون القوانين هذا يوقظ في العقل إحساسًا نسميه الإحساس الديني، وهو الذي تنشأ عنه سعادتنا القصوى. وما أعجب سحره وسلطانه! إنه جبل من الهواء، وهو الذي يعطر العالم. هو مرٌّ وميعة يابسة وكلورين وحصا البان. إنه يعلو بالسماء والجبال، وهو أنشودة النجوم الصامتة. به يسلم العالم وتحلو الإقامة فيه، ولا يكون ذلك بالعلم أو بالنفوذ. ربما كان أثر الفكر في الأشياء باردًا جامدًا، لا يلتمس غاية أو وحدة، ولكن إشراق الإحساس بالفضيلة في القلب يعطينا «القانون العام»، ويؤكد لنا أن هذا القانون يسود جميع الطبائع، فتبدو العوالم والزمان والمكان والأبد، كأنها تنفطر من السرور.

هذا الإحساس سماوي إلهي، هو سر سعادة الإنسان، هو الذي يجعله غير محدود. وعن سبيله تعرف الروح نفسها أوَّلًا. وهو الذي يصحح الخطأ الأكبر في الإنسان الصغير، الذي ينشد العظمة باتباع العظماء، ويأمل أن يستمد الفائدة «من غيره»، وذلك لأن هذا الإحساس يريه أن مصدر الخير في نفسه، وأنه — كغيره من الناس جميعًا — منفذ إلى أعماق العقل. حينما يقول «ينبغي لي»، وحينما يدفئه الحب، وحينما يختار العمل الصالح العظيم بتبنيه من العلا، حينما يفعل ذلك تتخلل روحه الأناشيد العميقة من «الحكمة العليا». حينئذٍ يستطيع أن يتعبد، وأن يعظم بالعبادة، لأنه لا يستطيع أن يتخلف عن هذا الإحساس. وفي أسمى تحليق للنفس، لا يمكن أن يُقهر الصواب، أو يتفوق على الحب شيء.

وهذا الإحساس أساس من أسس المجتمع، وهو يخلق بالتتابع كل صور العبادة. إن مبدأ التقديس لا يموت أبدًا، والإنسان الذي يقع فريسة للخرافة، أو للمتع الحسية، لا يفقد البتة رؤى الإحساس الخلقي. وكذلك يكون كل ما يعبر عنه هذا الإحساس مقدَّسًا وثابتًا على قدْر طهارته. وما يعبر عنه هذا الإحساس يؤثر فينا أكثر مما تؤثر كل المركبات الأخرى. وعبارات الأزمنة القديمة التي تعبر عن هذا الورع ما برحت جديدة عطرة. وقد كانت هذه الفكرة دائمًا أشد تعمقًا في نفوس الناس في الشرق التقي المتأمل، لا في فلسطين وحدها حيث بلغت أطهر صورة من صور التعبير، ولكن في مصر كذلك، وفي بلاد الفرس والهند والصين. وكانت أوروبا دائمًا مدينة بدوافعها الإلهية إلى العبقرية الشرقية، فإن ما قاله هؤلاء المنشدون المقدسون وجده عقلاء الرجال جميعًا ملائمًا صادقًا. والأثر الفريد ليسوع المسيح على البشر — وليس اسمه مكتوبًا في تاريخ هذا العالم بل محفور فيه حفرًا — لدليل على الفضل العظيم لهذه التعاليم المتغلغلة في النفوس.

وما دامت أبواب المعبد مفتحة، ليلًا ونهارًا، أمام كل إنسان، وما دام الكهان الذين ينطقون بهذا الحق لا يكفُّون، فإنه لا يبقى سوى شرط واحد صارم، وذلك هو الفطرة السليمة. فإن الحق لا يدخل النفس مبتذلًا، وإنك في الواقع لا تستطيع أن تتلقى من روح أخرى علمًا، وإنما تتلقى حافزًا. ما يبشر به غيرك لا بد أن تجده صادقًا في نفسك أو تنبذه. وإن كلماته، وتبعيتك له — أيًّا كان هو — لا تجعلك وحدها تتلقى منه شيئًا. بل على النقيض من ذلك، فإن في انعدام هذا الإيمان الأوَّلي بذور التدهور. فكما يكون المد يكون الجَزْر. وإذا زال هذا الإيمان، أصبحت الكلمات نفسها التي صدرت عنه أو الأعمال التي قام بها زائفة مؤذية، وبذلك تنهار الكنيسة، والدولة، والفن، والأدب، والحياة. إذا نسينا مبدأ تقديس الطبيعة الإنسانية أُصيبت النظم بالعلة التي تجعلها تتضاءل. كان الإنسان فيما مضى كل شيء، وهو اليوم زائدة تدعو إلى القلق، وحيث إن «الروح العليا» الكامنة في كل شيء لا يمكن تحاشيها كلية، فإن المبدأ الذي يبشر بها لا يحتمل هذا التناقض، وهو أن الطبيعة الإنسانية المقدسة تُنسب إلى شخص أو شخصَين، وتُنكر على بقية الأشخاص، بل وتُنكر في غضب شديد. لقد فقدنا مذهب الإلهام، واغتصب المبدأ الوضيع — مبدأ أكثرية الأصوات — مكانة مبدأ الروح. ولا توجد المعجزات والنبوءات، والشعر، والحياة المثالية، والحياة المقدسة، إلا باعتبارها تاريخًا قديمًا فحسب؛ فهي ليست من عقائد الناس أو من آمالهم، وتبدو مضحكة حينما يُشار إليها. والحياة تكون مدعاة للهزل أو للإشفاق بمجرد ما تختفي عن الأبصار أغراض الوجود السامية، ويصبح الإنسان قصير النظر، ولا يستطيع أن يلتفت إلا إلى ما يخاطب الحواس.

هذه الآراء العامة — التي لا ينازعها أحد ما دامت عامة — تجد لها أمثلة وافرة في تاريخ الأديان، وبخاصة في تاريخ الكنيسة المسيحية، وفي هذه الكنيسة وُلدنا جميعًا ونشأنا، وستشرعون يا أصدقائي في تعليم الصدق الذي تتضمنه هذه الحقيقة. وإن لها لأهمية تاريخية كبرى. ولستم بحاجة إلى أن أحدثكم عن كلماتها المباركة التي كانت عزاء الإنسانية. وسوف أحاول أن أؤدي واجبي نحوكم في هذه المناسبة بالإشارة إلى خطأين في إدارة الكنيسة، يتضخمان يومًا بعد يوم من وجهة النظر التي اتخذناها منذ حين.

إن يسوع المسيح ينتمي إلى الجنس الصادق من الأنبياء، ولقد رأى بعين مفتوحة لغز الروح، وجذبه انسجامها الشديد وفتنة جمالها، فعاش فيها، وكان وجوده هناك. وهو وحده في التاريخ كله الذي قدَّر عظمة الإنسان. رجل واحد كان مخلصًا لما في نفسك وما في نفسي. رأى أن الله يجسد نفسه في الإنسان، ويتقدم دائمًا من جديد لكي يستولى على دنياه. وفي عيد الذكر لهذه العاطفة السامية يقول: «أنا مقدس، والله يعمل من خلالي، ويتكلم من خلالي. إن أردت أن ترى الله فانظر إليَّ، أو انظر إلى نفسك إذا كنت كذلك تفكر كما أفكر أنا الآن.» ولكن أي تحريف عانى مبدؤه وعانت ذكراه في عصره، وفي العصر الذي تلاه، والعصور المتعاقبة! ليس هناك مبدأ من مبادئ «العقل» يمكن أن يُعلَّم عن طريق «الفهم». إنما أصغى فهم الإنسان إلى هذه النغمة العالية من بين شفتَي الشاعر، وقال في العصر التالي: «هذا هو الله (يهوه) نزل من السماء، وسأقتلك إن قلت إنه كان إنسانًا.» واحتلت تعابير لغته وضروب فصاحته مكانة صدقه، ولم تُبن الكنائس على مبادئه، وإنما بُنيت على استعارته ومجازه، وصارت المسيحية أسطورة، كما صارت من قبل التعاليم الشعرية اليونانية والمصرية. تحدث عن المعجزات لأنه أحس بأن حياة الإنسان معجزة، وكل ما يعمل الإنسان معجزة، وعرف أن هذه المعجزة اليومية تشرق كلما ارتفعت الشخصية. غير أن كلمة المعجزة كما تنطق بها الكنائس المسيحية تعطي معنًى زائفًا. إنها كالحيوان الخرافي، ولا تتفق والطبيعة التي تتمثل في البرسيم المزهر والمطر المتساقط.

وأحس بالاحترام لموسى والأنبياء، ولكنه لم يشعر بأن وحيهم الأوَّل يصلح للبقاء للساعة الراهنة وللإنسان الحالي، أو يصلح أن يكون وحيًا أبديًّا في القلب. ولم يعطف على هذه الفكرة. وهكذا كان المسيح إنسانًا حقًّا. ولما رأى أن القانون الكامن في أنفسنا متسلط لم يرضَ له بالخضوع، وأعلن شجاعة، وبيده وقلبه وحياته أن هذا القانون هو الله. هذا هو المسيح، كما أظن، الروح الوحيدة في التاريخ التي قدرت قيمة الإنسان.

  • (١)

    من وجهة النظر هذه ندرك العيب الأوَّل للمسيحية التاريخية. لقد وقعت المسيحية التاريخية في خطأ يفسد كل محاولة لنشر الدين. فإنها تبدو لنا — كما بدت عدة عصور — كأنها ليست مذهب الروح، وإنما مبالغة فيما هو شخصي وما هو إيجابي، مبالغة في الطقوس. ولقد اهتمت — ولا تزال تهتم — في مبالغة شديدة بشخص المسيح، ولكن الروح لا تعرف الأشخاص، إنها تدعو كل فرد إلى أن يمتد حتى يبلغ دائرة الكون بأسرها، وهي لا تؤثر شيئًا سوى المحبة التلقائية. بَيْدَ أن هذه المسيحية التي تشبه الملكية الشرقية، التي قامت على التراخي والخوف، قد جعلت صديق الإنسان رجلًا مؤذيًا له. والطريقة التي يُحاط بها اسمه بعبارات كانت فيما مضى نفحات من الإعجاب والمحبة، ولكنها تحجرت الآن في ألقاب رسمية، هذه الطريقة تقتل كل عطف كريم أو محبة. وكل من يستمع إليَّ يحس أن اللغة التي يُوصَف بها المسيح في أوروبا وأمريكا ليست من أساليب الصداقة والحماسة لقلب طيب نبيل، ولكنها لغة خاصة رسمية، تصور نصف إله، كما كان الشرقيون أو الإغريق يصفون أوزيرس أو أبولو. لو قبلتم التعاليم التي فُرضت عليكم فيما مضى بطريقة السؤال والجواب فأوذيتم بها لوجدتم أن الأمانة نفسها وإنكار الذات إنما كانتا من الخطايا الكبرى إذا لم تتصفا باسم المسيحية. وإن المرء لخيرٌ له أن يكون «وثنيًّا يرضع لبان مذهب بالٍ» من أن يُخدع في حقه الإنساني، فيأتي إلى الطبيعة ويجد أن الأسماء والأماكن، والبلدان والمهن — ليست وحدها — بل كذلك الفضيلة والحق، قد حُبست واحُتكرت. بل إنك لن تكون رجلًا. لن تملك الأرض، لن تجرؤ على العيش في سبيل القانون الأبدي الذي يحل بك، ويصحب الجمال الأبدي الذي تعكسه لك الأرض والسماء في كل صورة جذابة. وإنما ينبغي لك أن تُخضع طبيعتك لطبيعة المسيح. ينبغي لك أن تقبل تفسيرنا وترى صورته كما ترسمها العامة.

    إن خير الأمور ما يُسلمني إلى نفسي. وإن المذهب الرواقي العظيم: «أطع نفسك» ليُثير في نفسي السمو والرفعة. ما يُظهر الله في نفسي يعززني، وما يُظهر الله خارج نفسي يجعلني زائدة جلدية أو غدة دهنية، فلا تبقى علة ضرورية لوجودي. وإنما تزحف عليَّ ظلال النسيان قبل الأوان، فأموت إلى الأبد.

    المنشدون المقدسون أصدقاء فضيلتي، وعقلي، وقواي. إنهم ينبهونني إلى أن الأشعة التي تومض في عقلي ليست لي، إنما هي لله، وإلى أنهم كانوا يملكون مثل هذه الأشعة، ولم يعصوا رؤى السماء، ولذا فإني أحبهم. عنهم يصدر الإيعاز النبيل، الذي يدعوني إلى مقاومة الشر، وإلى أن أُخضع الدنيا، وإلى أن أكون. وعلى هذه الصورة وحدها يخدمنا المسيح بأفكاره المقدسة. أمَّا أن يهدف إلى أن يهدي الإنسان بالمعجزة، فذلك تدنيس للروح. الهداية الصادقة، والمسيح الصادق، إنما يتم اليوم — كما كان يتم دائمًا — بتقبل العواطف الجميلة. وحقًّا إن روحًا عظيمًا غنيًّا كروحه إذا هبط بين قوم سذَّج كان له الرجحان، فيشمل العالم، كما فعل روحه. هؤلاء السذج يبدو لهم أن الدنيا وُجدت له، ولم يُشربوا روحه فيروا أنهم لا يكبرون أبدًا إلا إذا ثابوا إلى أنفسهم، أو إلى الله في أنفسهم. وإنها لمنفعة يسيرة أن تعطيني شيئًا، ومنفعة كبرى أن تمكنني من أداء شيء بنفسي. ولسوف يأتي الوقت الذي يرى فيه الناس جميعًا أن هبة الله للروح ليست في القداسة التي تزدهر وتتسلط وتستبعد كل شيء سواها، وإنما هي في الخير العذب الطبيعي، خير كالذي عندك والذي عندي. هي الهبة التي تدعو خيرك وخيري إلى أن يوجد وأن ينمو.

    وإن العسف الذي تنطوي عليه نغمة الوعظ العامة لا يُسيء إلى يسوع أقل مما يُسيء إلى الأرواح التي يدنسها. إن الوعاظ لا يدركون أنهم لا يجعلون بشرى المسيح سارة، وإنهم ينزعون عنه شارات الجمال وصفات السماء. إنني عندما أشاهد رجلًا جليلًا مثل أبامينونداس أو واشنطن، وعندما أرى بين معاصريَّ خطيبًا صادقًا أو قاضيًا عادلًا، أو صديقًا حميمًا، وعندما أهتز لما في القصيدة الشعرية من موسيقى وخيال، حينئذٍ أرى جمالًا يُشتهى. وإن موسيقى المنشدين العنيفة التي تغنت بالإله الحق في كل العصور لترن في أذني فيطمئن لها كياني البشري اطمئنانًا أشمل من ذلك. وإذن فلا تحطوا من شأن حياة المسيح ومحاوراته فتخرجوها من دائرة هذا السحر، وذلك بعزلها وتخصيصها. دعوا هذه الحياة وهذه المحاورات تقع في نفوسنا كما هبطت، حية دافئة، جزءًا من الحياة البشرية ومن منظر الطبيعة ومن اليوم السعيد.

  • (٢)

    والعيب الثاني في الطريقة التقليدية المحدودة لاستخدام فكرة المسيح نتيجةٌ للعيب الأوَّل، وذلك هو أن القانون الخلقي، قانون القوانين الذي يُدخل وحيه العظمة — بل الله نفسه — في الروح المتفتحة، ذلك القانون لا يُكشف عنه باعتباره منبع التعاليم السائدة في المجتمع. فصار الناس يتحدثون عن الوحي كأنه قد أُوحي به وانتهى من عهد قديم، كأن الله قد مات. وإن هذا الضعف في الإيمان ليخنق الواعظ نفسه، كما يصبح خير النظم صوتًا مترددًا غير فصيح.

    ولا مراء في أن الاتجاه إلى جمال الروح يؤدي إلى الرغبة بل والحاجة إلى تلقين الآخرين المعرفة نفسها والمحبة ذاتها؛ فإن الفكرة إذا حُرمت التعبير عنها تبقى عبثًا على عاتق صاحبها. مَنْ يَرَ فلا بد له دائمًا من القول، لا بد له من التحدث عن حلمه بطريقةٍ ما، فينشره على صورةٍ ما في جد وسرور، فهو يمثِّل معبود روحه مرة بقلم الرصاص على لوحة التصوير، وأخرى بالإزميل في الحجر أو في البروج وممرات الكنائس المصنوعة من الجرانيت، ومرة في الأناشيد ذات الموسيقى الناعسة، ولكن أحلامه أوضح ما تكون وأثبت ما تكون في الألفاظ.

    والرجل الذي تستهويه هذه البراعة يصبح لهذه الأحلام قسيسًا أو شاعرًا، وكلتا الوظيفتين قد وُجدتا منذ خُلقت الدنيا. ولكن انظر إلى شرط الوظيفة أو حدها الروحي. إن الروح وحدها تستطيع أن تعلِّم، فلا يقدر على التعليم أي رجل دَنِس، أو أي إنسان مادي، أو كاذب، أو رقيق. وإنما الذي يعطي هو وحده الذي يملك، والذي يخلق هو الكائن، والرجل الذي تهبط عليه الروح، والذي تتحدث الروح بوساطته، هو وحده الذي يقدر على التعليم؛ فالشجاعة، والورع، والمحبة والحكمة، يمكنها أن تُعلِّم. ويستطيع كل إنسان أن يفتح بابه لهذه الملائكة، ولسوف تأتيه بهبة الألسنة. أمَّا الرجل الذي يهدف إلى الكلام كما تمكِّنه الكتب، وكما تقول مجامع العلماء، وكما ترشد الآراء الشائعة، وتهدي المصالح، ذلك الرجل إنما يهذي، وخيرٌ له أن يسكت.

    ولهذه الوظيفة المقدسة تعتزمون أن تكرسوا أنفسكم، ووددت لو أحسستم بواجبكم كأنه نبض الرغبة والأمل. فإن وظيفتكم في مقدمة الوظائف في هذه الدنيا، وقد بلغت من الحق حدًّا لا يجعلها تحتمل نقصًا من الزيف. ومن واجبي أن أقول لكم إن الحاجة إلى إلهام جديد لم تكن في أي وقت من الأوقات أشد مما هي الآن. ومن الآراء التي عبرت لكم الآن عنها تستنبطون عقيدتي المؤلمة — التي يشاركني ويعتقد فيها معي عدد عديد — في التدهور الشامل للإيمان في المجتمع الذي يكاد أن يبلغ الموت في هذه الأيام؛ فالروح لم تتعظ، والكنيسة كأنها تترنح وتئول إلى السقوط، وتكاد حياتها كلها أن تبيد. وفي هذه المناسبة، من الجرم أن يتلطف معكم متلطف — أمله ورسالته أن يعلمكم العقيدة المسيحية — فيخبركم أن هذه العقيدة قد بُلِّغت.

    لقد حان الوقت لكي ترتفع التمتمة المكبوتة التي يتمتم بها الرجال المفكرون ضد القحط الذي أصاب كنائسنا، وذلك الأنين الذي يصدر عن القلب؛ لأنه حُرم العزاء والأمل والجلال الذي لا يأتي إلا من تثقيف الطبيعة الخلقية، يرتفع فيُسمع خلال سِنة التراخي، ويعلو على طنين العمل المألوف. هذا العمل العظيم الخالد يقوم به الواعظ لم يُؤَدَّ بعدُ. الوعظ تعبيرٌ عن الإحساس الخلقي عند تطبيقه على واجبات الحياة. خبِّروني في كم كنيسة، وعن طريق كم من المبشرين، يُدفع الإنسان إلى الإحساس بأنه روح لا يُحَد، وإلى أن الأرض والسموات تتخلل عقله، وأنه يتشرب دائمًا روح الله؟ وأين اليوم الذي يرن فيه ذلك الصوت الذي يدفع قلبي بموسيقاه إلى سكنى الفردوس، فيؤكد أن أصله في السماء؟ أين أسمع مثل تلك الكلمات التي كانت في العصور القديمة تجذب المرء فيترك كل شيء ليتبعه، يترك الأب والأم والبيت والأرض والزوج والولد؟ أين أسمع القوانين العظمى للوجود الخلقي التي ينطق بها الناطق فتملأ مسمعي، وأشعر بالتكريم عندما أهِبُ أقصى جهدي وأحر عواطفي؟ إن اختبار الإيمان الصادق يجب — من غير شك — أن يكون في قدرته على سحر الروح والتسلط عليها، كما تتسلط قوانين الطبيعة على نشاط الأيدي، يتسلط علينا هذا الإيمان إلى حد أننا نجد المتعة والشرف في طاعته. يجب أن يختلط الإيمان بضوء الشمس المشرقة والشمس الغاربة، وبالسحاب الزائل، والطير المغني، وأنفاس الزهور، بَيْدَ أن يوم الدين (يوم السبت) قد فقد الآن عند القسيس سناء الطبيعة، إنه يوم بغيض يسرنا انقضاؤه. وإنا لنستطيع أن نجعل — بل إنا لجاعلون فعلًا — حتى جلوسنا فوق مقاعد الكنيسة خيرًا لنا من ذلك بكثير وأقدس وأحلى.

    وكلما اغتصب منبرَ الخطابة رجلٌ رسمي، خُدع العابد وانتابته الكآبة. إننا ننكمش عندما تبدأ الصلاة التي لا تسمو بنا وإنما تقضي علينا وتسيء إلينا. وإنا حينئذٍ لنتوق أن نلتف في أرديتنا ونلتمس — ما استطعنا ذلك — مكانًا معتزلًا لا نستمع فيه إلى أحد. أصغيت مرة إلى واعظٍ فأغراني بشدة أن أقول إني لن أقصد الكنيسة مرة أخرى، فالناس كما ظننت يذهبون إلى ما ألِفوا الذهاب إليه، وإلا لما قصد المعبد أحد في المساء. إن عاصفة ثلجية تهب حولنا، هذه العاصفة حقيقية، وليس الواعظ إلا خيالًا، وإن العين لتحس التباين الأليم عندما تنظر إليه، ثم تنظر من النافذة خلفه إلى تلك الظاهرة الجوية الجميلة، ظاهرة التثليج. لقد قضى حياته عبثًا. ليست لديه لفظة واحدة تدل على أنه ضحك أو بكى، تزوج أو أحب، أُثني عليه أو خُدع أو اغتم. وإذا كان قد عاش وعمل، فإنَّا لم نكتسب من ذلك حكمة. إنه لم يتعلم سر مهنته الرئيسي، وهو أن يحوِّل الحياة إلى الحقيقة. ولم يبث في مبادئه واقعة واحدة من كل خبرته. هذا الرجل حرث وزرع وتكلم واشترى وباع، وقرأ الكتب، وأكل وشرب، وآلمه رأسه، ونبض قلبه، وابتسم وكابد، ومع ذلك ليس في كل حديثه تلميح أو إشارة إلى أنه عاش أبدًا. ولم يرسم خطًّا واحدًا من التاريخ الحقيقي. إنما يُعرف الواعظ الحق بهذا: إنه يشرح للناس حياته، الحياة التي اكتوت بنيران الفكر. أمَّا الواعظ السيئ فلا تستطيع أن تقول من موعظته في أي عصر من عصور الدنيا عاش، وهل كان له ابن وولد، وهل كان مالكًا لعقار أو معدِمًا، وهل كان يسكن المدينة أو الريف، أو أي واقعة أخرى في تاريخ حياته. وإنه ليبدو عجيبًا أن يقصد الناس الكنائس، كأن بيوتهم لا تسلي البتة، فآثروا هذا الضجيج الذي لا ينم عن معنًى. ويدل ذلك على أن في الإحساس الخلقي قوة جاذبة ترسل بصيصًا ضئيلًا من الضياء على الملل والجهل وقد اتخذا اسمه ومكانته. إن المستمع الكريم على ثقة من أن قلبه يُمس أحيانًا، وعلى ثقة من أن هناك ما يُبتغى، وأن هناك الكلمة التي يمكنها أن تحقق الهدف. وعندما يستمع إلى هذه الكلمات الباطلة، يعزي نفسه؛ لأنها تَمُتُّ بالصلة إلى ذكرياته عن ساعات أحسن منها، ولذا فهي تقعقع ويعلو صوتها دون أن يصدها شيء.

    لست أجهل أننا حينما نقدم الموعظة التي ليست لها قيمة لا يكون ذلك دائمًا عبثًا باطلًا، فإن لبعض الناس آذانًا طيبة تستمد من كل طعام تافه غذاءً للفضيلة. وهناك حقيقة شعرية تختفي في الأدعية والمواعظ العادية. وهي وإن كانت تُذكر في حماقة يمكن الإصغاء إليها في حكمة؛ لأن كل دعاء منها أو موعظة تعبير مختار انطلق في لحظة من لحظات الورع من روح مكتئبة أو مبتهجة، وقد جعلت براعة الصياغة العبارة شيئًا مذكورًا. إن الدعوات — بل والعقائد الثابتة — في كنائسنا أشبه شيء بالبرج الفلكي في دندره أو الآثار الفلكية عند الهندوس، تنعزل انعزالًا تامًّا عن أي شيء مما يوجد في حياة الناس وأعمالهم. إنها تشير إلى أعلى نقطة بلغتها المياه في وقت من الأوقات. غير أن هذه الدماثة هي من الطيبين المتدينين حدٌّ للشر والأذى. إن الصلاة الدينية عند كثير من الناس تنبعث عنها آراء وعواطف أخرى مخالفة. وليست بنا حاجة إلى لوم المصلي المهمل، بل إنا لنشفق عليه من سرعة ما يلاقي من جزاء على استرخائه، ووا حسرتاه على الرجل التعس الذي يُدعى إلى اعتلاء المنصة ولا يُعطِي خبز الحياة. إن كل ما يقع تهمة له. هل يطلب المعونة للإرساليات الأجنبية والداخلية؟ ما أسرع ما يعلو الخجل خدَّيه عندما يقترح على أبناء دائرته الدينية أن يرسلوا مالًا على بُعد مائة أو ألف ميل لإمداد طعام يسير كالذي عندهم في بلدهم، وربما كان خيرًا له أن يسير المائة أو الألف ميل هربًا من هذا الموقف. أم هل يحث الناس على طريقة ربانية للعيش، وهل يستطيع أن يطلب إلى زميل له أن يأتي إلى الاجتماعات الدينية يوم السبت، في حين أنه وهم جميعًا يعرفون أن أقصى ما يتوقعونه هناك ضئيل؟ وهل يدعوهم دعوة خاصة للعشاء الرباني؟ إنه لا يجرؤ على ذلك. وإذا كان القلب لا يدفئ هذه الشعائر، فإن صورتها الجوفاء الصارخة تصبح واضحة، فلا يستطيع أن يجابه رجلًا ذا فطنة ونشاط ويدعوه بغير وجل. وماذا عساه قائل في الشارع للقروي الجريء الذي يكفر بالله؟ إن القروي الكافر يرى الخوف في وجه القسيس وهيئته ومشيته.

    دعني لا أصم إخلاص هذه الدعوى بالتغاضي عن حقوق الرجال الأخيار. إنني أعرف وأقدِّر نقاء الضمير وصرامته عند عدد كبير من رجال الدين. إن ما تحتفظ به الصلاة العامة من حياة إنما مرده إلى فئة مبعثرة من الرجال الأتقياء، الذين يعظون الناس هنا وهناك في الكنائس، والذين يقبلون أحيانًا في رقة بالغة مذاهب الأقدمين، بَيْدَ أنهم لم يقبلوا من غيرهم — ولكن من قلوبهم — الدوافع الحقيقية للفضيلة، ولذا فهم لا يزالون يرغموننا على حبهم ورهبتهم لقداسة أشخاصهم. ثم إن الاستثناء لا يُلتمس في وُعَّاظ قلائل بارزين بمقدار ما يُلتمس في أحسن ساعاتنا جميعًا، في آمالنا الصادقة. أجل، في لحظات الإخلاص عند كل إنسان، ولكن مهما يكن الاستثناء، فمن الحق مع ذلك أن التقاليد من مميزات الوعظ في هذا البلد، وهو يصدر عن الذاكرة، ولا يصدر عن الروح، وهو يرمي إلى المألوف، ولا يرمي إلى الضروري والأبدي، وإن المسيحية التاريخية بذلك تحطِّم قوة الوعظ، بصرفه عن كشف الطبيعة الخلقية عند الإنسان، حيث يكون السمو، وحيث مصادر الدهشة والقوة. وما أقسى ما في ذلك من ظلم لذلك القانون — وهو فرحة الأرض بأسرها — الذي يستطيع وحده أن يجعل الفكر عزيزًا غنيًّا، ذلك القانون الذي تحذو حذو صحته الأكيدة المدارات الفلكية فلا تجيد الاحتذاء. لقد انقلب هذا القانون هزلًا وانحطت قيمته، ولم يُذكر بخير أو بحمد، بل ولم ينطق أحد بصفة من صفاته أو كلمة من كلماته. وإن منبر الخطابة بإغفاله هذا القانون إنما يغفل سبب وجوده، ويتحسس شيئًا لا يدركه. ولِنَقْصٍ في هذه الثقافة اعتلت روح الجماعة وفقدت إيمانها، وهي ليست بحاجة إلى شيء حاجتها إلى تربية مسيحية صارمة عالية رواقية، كي تعرف نفسها وتعرف اللاهوت الذي يتكلم بوساطتها. إن الإنسان اليوم ليخجل من نفسه، وهو يتوارى ويتسلل في هذه الدنيا، يقصد التسامح معه ويقصد الإشفاق عليه. وقلَّ أن تجد في كل ألف عام رجلًا يجرؤ على الحكمة وعلى الخير، فيستقطر دموع النوع البشري ويستمطر بركته.

    ولقد مرت عصورٌ أمكن فيها بالتأكيد أن يظهر إيمان أكبر في الأسماء والأشخاص وسط ركود التفكير في بعض الحقائق؛ فقد وجد البيورتان في إنجلترا وأمريكا في مسيح الكنيسة الكاثوليكية وفي العقائد الموروثة من روما مجالًا لورعهم الشديد وتشوُّقهم إلى الحرية المدنية. غير أن مذهبهم آخذ في التلاشي، ولم ينشأ مذهب آخر ليتخذ مكانته. ولا أحسب أن أحدًا يستطيع أن يقصد إحدى كنائسنا، وأفكاره معه، دون أن يحس أن ما كان للكنيسة من سلطان على الناس قد ولى أو هو في سبيل الانتهاء. لقد فقدت الكنيسة سيطرتها على عواطف الأخيار ومخاوف الأشرار. وفي الريف، وفيما يجاورنا من بلاد، أصبحت نصف الدوائر الدينية «تنشد لمجرد النشيد» على حد التعبير المحلي. وبدأت البوادر تدل على أن الأخلاق والدين تختفي من الاجتماعات الدينية. سمعت رجلًا متدينًا يقيم لليوم الديني وزنه يقول في مرارة القلب: «يبدو أنه من الإثم أن يقصد المرء الكنيسة يوم الأحد.» وليس الباعث الذي يدفع الأخيار إلى هناك اليوم سوى الأمل والانتظار. وما كان فيما مضى أمرًا عارضًا، وهو أن يلتقي في يوم من الأيام الأخيار والأشرار في الدائرة الدينية، والفقراء والأغنياء، والعلماء، والجهلاء، والشباب والشيوخ، كما يلتقي الزملاء في بيت واحد، دليلًا على المساواة في حق الروح؛ قد صار دافعًا ذا أهمية قصوى إلى الذهاب إلى هناك.

أظن أنني في هذين الخطأين — أيها الأصدقاء — أجد أسباب انهيار الكنيسة والجحود القاتل بالله. وأية كارثة أكبر من فقدان العبادة يمكن أن تحل بأمة من الأمم؟ إن ذلك يؤدي إلى تدهور كل شيء، وذلك يدعو النابغين إلى هجر المعابد لارتياد الأسواق ومجالس الشيوخ. ويصير الأدب ماجنًا، والعلم باردًا. ولا تستضيء عيون الشباب بالأمل في عوالم أخرى، وتخلو الشيخوخة من الوقار. ويعيش المجتمع للتوافه، وبعدما يموت الناس لا نذكرهم.

وقد تسألونني الآن يا إخواني: ماذا نستطيع أن نصنع في هذه الأيام البائسة؟ إنني وصفت لكم العلاج في أساس شكواي من الكنيسة، إننا أوجدنا بين الكنيسة والروح تباينًا. وفي الروح يجب أن نلتمس الخلاص. حيثما يحل الإنسان يحل التجديد، إنما القديم للأرقاء. إذا جاء الإنسان باتت جميع الكتب مقروءة، وصار كل شيء شفافًا، وكل الديانات صورًا. الإنسان هو المتدين، وهو محدث العجائب، وإنه ليُرى وسط المعجزات، وكل الناس يباركون ويلعنون. والإنسان الصادق وحده هو الذي يقول لا ونعم فقط. إن جمود الدين، والزعم أن عصر الإلهام قد ولَّى، وأن الإنجيل قد استغلق، والخوف من الحط من شخصية المسيح بتمثيله في صورة رجل، كل ذلك يدل في وضوح كافٍ على خطأ علمنا بالدين. وواجب المعلم الصادق أن يُرينا أن الله كائن اليوم، لا كان فيما مضى. وإنه يتكلم، لا تكلم وانتهى. إن المسيحية الصادقة — أقصد إيمانًا كإيمان المسيح في قدرة الإنسان التي لا تُحد — قد ضاعت. ولم يَعد أحد يعتقد في روح الإنسان، وإنما يعتقد الناس في رجل أو شخص هرم وولى. ويلي! إنني لا أرى أحدًا يسير وحيدًا. إنما يسير الناس قطعانًا إلى هذا القديس أو ذلك الشاعر، غافلين عن الله الذي يرى في الخفاء. إنهم لا يستطيعون الرؤية في الخفاء، ويؤثرون أن يكونوا عميانًا وسط الجماهير. إنهم يحسبون أن الجماعة أحكم من روحهم، ولا يدركون أن روحًا واحدةً، وأن روحهم أحكم من العالَم بأسره. انظروا كيف أن أممًا وأقوامًا تسبح فوق بحر الزمن ولا تخلف وراءها موجًا خفيفًا يدل على المكان الذي طَفَتْ فوقه أو غاصت فيه، في حين أن روحًا واحدًا طيِّبًا يجعل اسم موسى، أو زينون، أو زرادشت، مقدَّسًا إلى الأبد. ليس هناك من يحاول ذلك الطموح الصارم كي يصبح «نفس» الأمة و«نفس» الطبيعة، وإنما كل فرد منكم يود أن يكون تابعًا سهلًا لفكرة من أفكار المسيحية، أو رابطة من الروابط الطائفية، أو رجلًا من الرجال البارزين. وإنك لو تركت علمك الخاص بالله، وتركت عاطفتك، واتخذت علمًا ثانويًّا، كعلم القديس بولس، أو جورج فوكس، أو سودنبرج، بَعُدت عن الله عامًا بعد عام ما دامت هذه الصورة الثانوية، فإذا دامت الصورة — كما هي اليوم — قرونًا، فإن الهوة تنفرج إلى حدٍّ لا يكاد أن يعتقد الناس معه أن فيهم شيئًا إلهيًّا.

وإني أنصحكم قبل كل شيء أن تسيروا وحدكم، وأن ترفضوا النماذج الطيبة، حتى تلك التي يقدسها الناس في خيالهم، وتشجعوا على محبة الله بغير وسيط أو حجاب. وسوف تجدون من الأصدقاء من يكفي لأن يطلعكم على أمثال وزلي وأوبرلين، والقديسين والأنبياء لكي تقتدوا بهم. اشكروا الله على هؤلاء الرجال الأخيار، ولكن ليقل كل منكم «أنا كذلك إنسان.» إن التقليد لا يمكن أن يرتفع فوق النموذج، والمقلِّد يحكم على نفسه بضَعف لا رجاء فيه، وإنما يخترع المخترع؛ لأن الاختراع لديه طبيعة، ولذا فإن لاختراعه سحرًا. أمَّا المقلِّد فالطبيعي عنده شيء آخر: إنه يحرم نفسه جماله كي يقرُب من جمال إنسان آخر.

كل منكم منشد من منشدي الروح القدس وُلد حديثًا، فلينبذ وراءه كل تقليد، وليعرِّف الناس مباشرة بالله، وليُراعِ كل منكم أوَّلًا ذلك فحسب: إن السائد والمألوف والسلطة والمتعة والمال، ليست له شيء يُذكر — ليست ضمادات على أعينكم تمنعكم من النظر — وإنما أريدكم أن تعيشوا مع ميزة العقل الذي لا يُحَد. ولا يشغلنكم شاغل عن زيارة جميع الأسر، وكل أسرة، في حدود دائرتكم الدينية بين الحين والحين. وعندما يقابل أحدكم رجلًا أو امرأةً منهم، فليكن له إنسانًا مقدسًا، وليكن له فكرًا وفضيلةً. ولتجد الآمال المحدودة لهؤلاء الرجال والنساء لديكم أصدقاء، ولتجد غرائزهم الممتهنة متنفسًا طيبًا في جوكم. ولتعرف شكوكهم أنكم سبقتموها بالشك، وليشعر إحساسهم بالتعجب أنكم سبقتموه بالعجب. إنكم إن وثقتم في أنفسكم ظفرتم بثقةٍ أكبر في نفوس الآخرين. وبرغم ما عندنا من حكمة في الأمور المادية، وبرغم ما في نفوسنا من استرقاق للعادات يحطم الروح، فإنا لا نشك في أن الناس جميعًا لديهم أفكار سامية، وإن الناس جميعًا يقدرون ساعات الحياة الحقيقية القليلة حق قدرها. إنهم يحبون أن يُسمَعوا وأن يُشاهَدوا وهم يحلمون بالمبادئ. إن المقابلات القليلة التي اجتمعنا فيها — في سنوات موحشة من عمل رتيب وخطيئة — بالأرواح التي جعلت أرواحنا أحكم، والتي عَبَّرت عما كُنَّا نفكر فيه، والتي أخبرتنا بما كُنَّا نعلم، والتي سمحت لنا أن نكون ما كُنَّا في دخيلة أنفسنا، هذه المقابلات نجدها مضيئة في الذاكرة. أدوا للناس واجب القسيس، يتبعوكم — في حضرتكم وغيبتكم — بمحبتهم كالملائكة.

ولتحقيق هذا الغرض ينبغي لنا ألا نهدف إلى مراتب عادية من الجدارة. ألا نستطيع أن نترك — لمن يحب ذلك — الفضيلة التي تلمع لكي تظفر بثناء الجماعة، ونقتحم نحن الأماكن النائية المنعزلة القمينة بالتقدير والجدارة المطلقة؟ ما أيسر أن نبلغ مستوى الخير في الجماعة! وما أرخص الحصول على ثناء الجماعة! ويكاد جميع الناس أن يقنعوا بهذا التقدير الميسور. غير أن أول أثر من آثار الاتصال بالله هو إهمال هذا التقدير. من الناس مَن لا يمثل ولا يخطب، ولكنه ذو أثر. هؤلاء أعظم من الشهرة ومن الظهور. إنهم يزدردون الفصاحة، وكل ما نسميه الفن والفنانين يبدو لهم شديد الصلة بالمظاهر والأغراض القريبة، وبالمبالغة في كل ما هو محدود وأناني، وبكل ما يفقد الصفة العالمية. إن الخطباء والشعراء والقواد إنما يعتدون علينا كما تعتدي علينا النساء الحسناوات، أي بمقدار ما نتسامح ونخضع. استصغر شأنهم بما لديك مما يشغل العقل. استهن بهم — وإنك لتستطيع ذلك جِدًّا — بالأغراض العالمية العليا، استهن بهم يحسوا توًّا أنك صاحب حق، وأنه ينبغي لهم أن يضيئوا في الأماكن الدنيا. إنهم يشعرون كذلك بحقك؛ لأنهم وإياك معرضون لفيض الروح العليمة بكل شيء، التي تتبدد أمام ظهيرتها الوهاجة الظلالُ الضئيلة ودرجاتُ الذكاء المختلفة في المؤلفات التي نحسبها أحكم من غيرها أو أحكم من كل شيء.

دعنا في مثل هذا الاجتماع الرفيع ندرس السمات الكُبرى للاستقامة: هي حب للخير شديد، واستقلال عن الأصدقاء، حتى لا تُنقص الرغبات المتعسفة عند أولئك الذين يحبوننا من حريتنا، ولكي نقاوم من أجل الحق تلك الشفقة التي تتدفق بغير حساب، ونناشد عواطف أرقى من هذه العواطف، وكذلك نوع من الامتياز البارز، الامتياز الذي لا يأبه برأي الناس، ولكنه في صميمه وفي ظاهره فضيلة، من المسلم به أنها تخطو الخطوة الصحيحة الجريئة الكريمة دون أن يفكر أحد في الثناء عليها (وهو أسمى صفة نعرف بها هذا العنصر الجميل). إنك تمتدح المهرج إذا قام بعمل طيب، ولكنك لا تثني على الملاك. والصمت الذي نتقبل به جدارة الجدير كأنها أقرب شيء في الدنيا إلى الطبيعة، هو أعلى من كل تصفيق. أمثال هذه الأرواح — عندما تظهر — هي حرس الفضيلة الإمبراطوري، وهي المَعين الدائم، هي التي تتحكم في الأقدار. وليس المرء بحاجة إلى الثناء على شجاعتها، فهي قلب الطبيعة وروحها. أيها الأصدقاء، إن لدينا لموارد لم نستغلها، ومن الناس من ينهض منتعشًا حينما يستمع إلى تهديد، ومن الناس من تأتيهم الأزمات رشيقة مستحبة كالعروس، وهي الأزمات التي تُفزِع أكثر الناس وتصيبهم بالشلل؛ لأنها لا تتطلب منهم القدرة على التبصر والتدبر، وإنما تتطلب الإدراك والسكون والاستعداد للتضحية. يقول نابليون عن مسينا إنه لم يكن نفسه حتى بدأت رحى المعركة تدور ضده. وعندما بدأ الموتى يسقطون حوله صفوفًا، تيقظت قدرته على الجمع بين الأشياء، فارتدى ثياب الفزع والنصر في آن واحد. وكذلك الحال في الأزمات الوعرة، وفي القدرة على الاحتمال التي لا تكل، وفي الأغراض التي لا تعبأ بالعواطف فتُظهر الملاك الخفي. ولكن هذه أمجاد لا نكاد نذكرها أو نتطلع إليها دون ندم أو خجل. ولنحمد الله على وجود هذه الأشياء.

والآن دعنا نبذُل ما استطعنا من جهد كي نعيد إشعال النار الخامدة التي أوشكت أن تنطفئ على المذبح. إن مساوئ الكنيسة القائمة الآن ظاهرة. وإنا لنتساءل مرة أخرى: ماذا نصنع؟ إني أعترف أن كل محاولة للتفكير في عبادة جديدة وإقامتها على شعائر وصور جديدة يبدو لي عبثًا باطلًا. إن الإيمان يصنعنا ولا نصنع الإيمان، والإيمان يصنع صوره الخاصة به. وكل محاولة لاستنباط نظام ما محاولة فاترة فتور العبادة الجديدة التي أوجدها الفرنسيون لإلهة «العقل». إنها اليوم لَعِبٌ وزينة، ولكنها تنتهي غدًا بالجنون والقتل. وخير لكم أن تتنفسوا أنفاس الحياة الجديدة عن طريق الصور القائمة فعلًا؛ لأنكم إن دبت فيكم الحياة وجدتم هذه الصور مرنة وجديدة، وعلاج نقائصها هو الروح أوَّلًا، والروح ثانيًا، والروح في كل حين. إن بابوية بأسرها من الصور تستطيع نبضة واحدة من نبضات الفضيلة أن ترفعها وتحييها. لقد أعطتنا المسيحية ميزتَين لا تُقدران؛ أولاهما: «اليوم الديني»، وهو بهجة الدنيا بأسرها، التي يشرق ضياؤها فيلقى ترحيبًا في برج الفيلسوف كما يلقاه في المصنع أو غرفة السجن، ويوحي في كل مكان — حتى للأدنياء — بكرامة الكائن الروحاني، فليقم هذا اليوم دائمًا محرابًا ترد المحبة الجديدة والإيمان الجديد والمشهد الجديد إليه سناءً أبهى من سنائه الأوَّل للبشر. وثانيتهما: فكرة الوعظ، أو حديث المرء للناس. وهو بطبيعته أكثر الأدوات وأكثر الصور مرونة. وماذا يمنعكم اليوم، في كل مكان، فوق المنابر، وفي قاعات المحاضرات، وفي البيوت والحقول، وحيثما ترشدكم دعوة الناس، أو ترشدكم ظروفكم، ماذا يمنعكم من التفوُّه بالحق الذي تعلمتموه من حياتكم ومن ضمائركم؟ ماذا يمنعكم من تشجيعكم لقلوب الناس المترقبة الواهنة بأمل جديد وكشف جديد؟

إني لأتطلع إلى الساعة التي يتكلم فيها في الغرب كذلك ذلك الجمال العلوي الذي افتتنت به أرواح أولئك الشرقيين، وبخاصة أولئك العبريون، الذين تحدث الأنبياء من خلال شفاههم لكل زمان. إن الكتب المقدسة العبرية والإغريقية تتضمن عبارات خالدة كانت للملايين خبز الحياة. ولكن هذه العبارات ليس لها تكامل الملاحم، متقطعة، لا تبدو للذهن منظمة مرتبة. وإني لأتطلع إلى المعلم الجديد الذي يتابع هذه القوانين المشرقة، حتى يراها كاملة الاستدارة، ويرى جمالها الكامل الشامل، ويرى العالَم مرآة الروح، ويرى التطابق بين قانون الجاذبية وطهارة القلب، ويثبت أن ما ينبغي أن يكون، أو الواجب، هو والعلم والجمال والسرور شيء واحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤