سلطان الدولة

كلمة «سلطان» تعني الحجة، وهذا المعنى للسلطان يظهر في الآية: فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، أي بحجة ظاهرة. وآية أخرى تقول على لسان الشيطان: وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، والسلطان يُفيد هنا القوة النافذة للحجة. والوجهتان المادية والمعنوية للسلطان تظهران في كلمة «سُلُط» التي تعني القوائم الطوال، وفي كلمة «سلط» التي تعني اللسان الطويل. وبناءً على ما تقدَّم فإن الحق وما يتجلَّى به من حقائق إنسانية ليست بالوهم، ولا هي بذات طبيعية يبقى تأثيرها عند الدعوة إلى التأمُّل وحسب، بل إنها ذات نزعة البرء réalisation. ونزعة الحق هذه إلى العمل تدل عليها كلمة واجب التي تتضمَّن بحسب اشتقاقها من «وج» معنى الانبثاق. ويكشف عنها ظهور الواجب نفسه كأمر مملًى.

إلَّا أن سلطان الدولة وسيطرة الملك ليسا بالشيء الواحد؛ إذ إن الأول يشرق من علٍ فيُكلِّل من يُشرق عليه بهالة من القدسية: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ، أي الحجة الواضحة التي هي هنا محمد بن عبد الله. وأمَّا سيطرة الملك فتقوم على ارتباط الناس بحاجاتهم، بما لهذه الحاجات من تأثير على مصيرهم. وكلمة ملك تدل على ذلك باشتقاقها من الملك، فمن تملَّك أسباب معيشة الناس أخضعهم عن طريق هذا التملُّك. المشيئة والصلة اللغوية بين حجة وحاجة دليل على سهولة الالتباس بين سلطان الحق القائم على الحجة، وسيطرة الملك التي تقوم على الحاجات، وعلى الاختلاف بالنشأة بين السلطان الحق وسيطرة الحاجات، يقوم اختلاف الناس في الموقف من كلٍّ من الرسول والملك والملك. وإليك موقف أجدادنا في كلٍّ من تلكما الحالتَين المتقدمتَين: كانوا يُحيُّون الملك بعبارة سلبية، وهي «أبيت اللعنة»، بمعنى وقاك الله ممَّا يُسبِّب المذمة. بينما هم كانوا يعتقدون بأن «النبي أولى بهم من أنفسهم»، ومن كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة. كانت تأنف أن تُعطي بعضها بعضًا طاعة الإمارة، فلمَّا دانت لرسول الله بالطاعة لم تكن ترى ذلك لغير رسول الله، قال: فأمر أن يُطيعوا أولي الأمر الذين أمَّرهم رسول الله». إن الولاية هنا لله الحق.

ومع الاختلاف في النشأة بين سلطان الحق وسيطرة المصلحة، فقد ينمو الوعي عند كلٍّ من الأمير والرعية حتى يصل الجميع إلى إدراك الخير في إمامة مجتمع مبدؤه الحرية وشعاره الأخوة؛ وعندئذٍ تعود السلطة إلى الأمة، وعندئذٍ تُصبح القوانين إرادة الجمهور الصريحة. وكلمة أمر تُفيد باشتقاقها من فعل «أم» هذا المعنى، الفعل الذي ترجع إليه كلمتا «أم» و«أمة». وفي الحالتَين المتقدمتَين، في حالة التجرِبة الرحمانية المثالية، وفي حالة الحرية تتخطَّى النفس حدود سلسلة الصور الذهنية متعاليةً نحو مصدر القدسية والسلطان، إنما يستمد قدسيته من تلك النشأة.

إن التجرِبة الرحمانية المثالية من نظام الدولة بمثابة الإلهام من التحفة الفنية. إنها معنًى تُجيب به العناية إجابةً مثلى على ما ارتسم من أوضاع عامة في ذهن الإخوان أعضاء المجتمع. إنها معنًى مزدوج المظهر يبدو على مثال الجنين بين الانبثاق والتشخيص، ولو تفاوت الناس في استجلائه من حيث المعرفة والعمل. إنها معنًى تتوجَّس النفوس عيادته، فيمتلك منهم الشعور بالقلق، كما هي الحالة في كل ولادة. «عمَّ يتساءل النَّاس؟ عن النبأ العظيم»، عن أمر تختلج له النفوس، عن دولة عربية تتفتَّح في ظلها النفوس. فمن الداخل إذن تنبثق المؤسَّسات العامة، وبالتجرِبة الرحمانية يُكشف عنها. وإذا كان النوابغ في السياسة هم ذوي التجرِبة الرحمانية المتميِّزة بوضوح البصيرة وبقوة الشكيمة، فإن الجمهور من النوابغ هو أيضًا بمثابة المخيِّلة من الإلهام في التحفة الفنية، تُوافق الإرادة انسجامها. فعلى الإجماع في الرأي يُقاس صدق العبارة، وخير دليل على إصابة الرجل السياسي في اجتهاده هو الفرح المرافق لنمو الحياة عند الجماعة.

إن حكمة وجود الدولة تظهر في تحقيق الانسجام بين مصالح الفرد وبين حقوق الآخرين، وعلى هذا تقوم الدولة على مبدأ؛ هو أن مصالح الناس تبدر كواجبات في نفوس الفرد. ومن هنا وظيفتا الدولة الإيجابية والسلبية؛ وتُقدَّم السلبية منهما على الإيجابية في الظهور إلى أسبقية الشعور بالواجب على تقدير المصلحة الشخصية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣