سلطات الدولة

كنت قد عبَّرت عن رأيي في التجرِبة عامة، فقلت إنها إمَّا طبيعية ومحل وقوعها المكان، وإمَّا رحمانية ومحل تجَلِّيها الوجدان. وهي تبدو مشاركةً وجدانيةً بين «أنا» و«الأنام»، تنبعث منها المشاعر التي تختلج بها نفوس الآخرين، وتنبعث منها أيضًا المعاني المتضمَّنة في رموز البيئة حية. وبينما تبقى العلاقة بين الشكل والوظيفة طارئةً في التجرِبة، فإن العلاقة المذكورة أصيلة في التجرِبة الرحمانية، كعلاقة العين بالرؤية، أو علاقة القصيدة بإلهامها، أو علاقة العمل بالنية.

ولكن العلاقة بين الشكل والوظيفة في التجرِبة الرحمانية، وإن كانت أصيلةً على مثال علاقة الشعور ببوادره في الهيجان كالخجل مثلًا؛ فإن تدخُّل الإرادة تدخُّلًا حُرًّا في إنشاء العبارة يُؤدِّي إلى إحلال المصطلح محل الأصالة، كما يظهر الأمر جليًّا في اختلاف اللغات على الرغم من أن جذور الكلمات في عبارة الهيَجان الطبيعية، إلى تطوُّر العبارة هذا من صورة تبعث بمعناها إلى رمز ذي دلالة، تُرجع فهم معالم الإنسانية المتبلورة في البيئة، منوطًا بأمرين معًا؛ بتوافق بين الذهن وبين وجهة نظر الذين اصطلحوا عليها في وضع الرمز، وبفسحة الخيال محل تنسيق الرموز؛ أي إن مدى نفوذ الذهن إلى كُنه المجتمع يتناسب مع الأصالة والهمة.

ينتج عن ذلك أن الأوضاع الاجتماعية التي ترتسم في أذهان الإخوان تحث من تمثَّلت لديهم على الاستجابة بدور معنًى مشترك، وإن هم تفاوتوا في وضوح هذا المعنى، وعندئذٍ تُصبح نفوس المجتمع الواحد إخوانًا في الروح، نفوسهم مثقلة بمعاني الأوضاع العامة، كلٌّ منهم يشعر بما تتمخَّض عنه الجماعة، وكلٌّ منهم يرجو ولادة معنى الحياة العامة. وإنما النوابغ من العوام أزهار سبَّاقة تُبشِّر بقرب الموسم. ومتى انبعث المعنى من النفس ألزمها بأمر الحقيقة قولًا وعملًا إلزام الطفل أمه بأمر القيام بأوده.

هكذا تبدو الحياة الاجتماعية ذات بنيان رحماني-مثالي، تبدو معنًى منبعثًا من النفس، وتبدو معنًى ذا نزعة، ينزع إلى استكمال شروط ماهيَّته بإنشاء العبارة المحقِّقة له. والناس تُصبح بنعمة المعنى المنبعث منهم شركاء وأعضاء يلتزم بعضهم ببعض، ويلتزم الجميع بمقتضيات الوضع الأمثل.

تلك هي التجرِبة الرحمانية المشتركة بين أعضاء الهيئة الاجتماعية، تنزع إلى التحقُّق فتحمل الذين تجلَّت فيهم على العمل إخوانًا في سبيل تحقيقها، وتلك هي أصول ثقافة الأمة، نظام قيمها ومصدر حياتها العامة.

هذا ولمَّا كانت الحياة استعدادات ونظامًا في الاستعدادات، فقد أصبح الفرد مفتقرًا لمعونة الجماعة من أجل تحقيق الانسجام بين الحاجات وبين منظومة الحياة. والقبح والظلم وهما زيغ الواقع عن الحقيقة، يحثَّان الإرادة على العودة إلى الاعتدال في بنية الجسد وإلى العدالة في بنية المجتمع، يحثَّانها على ضوء المثل الأعلى. وهاك مثالَين نستمدُّهما من خبرتنا الخاصة، محاولين أن نستدلَّ بهما على الإفصاح من وجهة نظرنا.

حينما كنت أذهب إلى دكَّان الحلَّاق وأنا طفل، كنت أنتظر دوري في غالب الأحيان. وأنا في انتظار دوري كنت أجلس على أول كرسي بجانب الشارع متأمِّلًا، وكلَّما كنت أرى فيهم خللًا كنت أُقوِّم الخلل بالخيال؛ كأن أُقوِّم ظهر الأحدب، وأُسوي بين الكتفَين إذا كان أحدهما منخفضًا عن الآخر … إلخ. وكنت أواصل تقويم المعوجِّ وإصلاح الخلل حتى كان التعب يأخذ مني كل مأخذ. فهل لهذا العمل المرهق من تفسير غير إصلاح الواقع المنحرف على ضوء الصيغة المثلى للبشر؟ حتى لكأن الأفراد نُسخ من مستنسخ تشف عنه المسطرة.

ثانيًا: وحينما كنت طفلًا كنت أتردَّد على مكتب والدي، وكنت أستمع إلى الحديث الذي كان يدور بينه وبين موكِّليه. وما كنت أرتدع عن الثورة عليه إذا استشفيت من حديثه بأنه يُبالغ في تقدير الأمور من أجل الحصول على أجر أكبر، حتى لقد طلب والدي من والدتي بأن تحجزني في البيت؛ لكيلا أسيئ إلى أعماله في المحاماة. هكذا يطغى الشعور بالعدالة على المصلحة عند الناس حتى الأطفال منهم، بل هكذا تبدو حقوق الآخرين واجبات منبثقةً من علٍ في النفس، من فوق مستوى المصالح والحاجات. وإذا اشتق الذهن العربي كلمة «عدالة» من عدل، فمن عد «العدد»، فقد أدرك حدسًا علاقة العدالة بالنظم. وإذا اشتق هذا الذهن من ذات المصدر عِدلَي الفرس والاعتدال في الجسد، فقد دلَّ على حدسه في نظام الحقوق في المجتمع. وإن نظام وظائف الجسد إنما هو صورة مجازية لنظام المجتمع. ونحن نكشف عن مقوِّمات حياتنا الجسمانية والاجتماعية بما يعتري نظام هذه المقوِّمات من عطب أو من خلل.

ولمَّا كانت أوضاع المجتمع ترتسم في الأذهان، وكانت الأوضاع المرتسمة تدعو معانيها إلى البدور في الوجدان، فقد أصبحت النفوس حوامل بما يتمخَّض عنه المجتمع، وقد أصبح السبَّاقون من أعضائه يُساعدون بطريق الإيحاء النفوس المتعثِّرة بالولادة، فيكشفون عمَّا تتمخَّض هذه من حالة. هكذا يُصبح بعضهم من الآخرين محط الآمال والأماني النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. مَثَلُ الآيات في نزعتها إلى التحقُّق كمثَل الحياة نفسها في إنشائها الجسد. وكما أن الحياة تُرمِّم عطبها، فكذلك الذهن يقوم على شفق الآيات المنبلجة عن النفس الواقع المعوج، وهكذا يظهر الإصلاح العام كقدر محتوم على الأعضاء ظهور المخاض عند الولادة. وكلمتا «واقع» و«حق» تُشيران إلى العلاقة بين واقع المجتمع وبين حقيقته على مثال علاقة العظم من حقه. وإذا ما ارتسمت الأوضاع العامة متقاربةً في الذهن، بزغت حكمة وجود هذه الأوضاع الحقيقية في النفس كما تسطع الشمس في الظهيرة، وعندئذٍ تذبل الميول والغرائز أمام بهائها، فتبهت الحاجات والأغراض. إنها حقيقة، الأوضاع الاجتماعية منها صورة مستفاضة. إنها أمنية تدأب النفوس على تحقيقها بإنشائهم الهيئة الاجتماعية، أبلغ بتمثُّلها إياها فأبلغ. وعلى قدر ما يُطابق واقع الأمر الحقيقة، تنبعث من النفوس مشاعر النشوة والمسرَّة.

ولكن الإنسان حرٌّ في تعيين موقفه بين حاجاته وبين الحق، هو بين إقباله عليها وبين إعراضه عنها؛ ففي الإقبال إحياء، وفي الإعراض كبت للفعَّالية، ولا سيَّما أن الخيال من الحدس في الشئون الإنسانية، من حيث استجلاؤه إياه، ومن حيث إزكاء نزعته للتحقُّق، على مثال الجسد في تأثيره على نمو الميول وتطوُّرها، أو على مثال بوادر الهيَجان في تأثيرها على انكشاف المشاعر. ومن هنا كان الاعتقاد بأن الإنسان على مثال باريه الإله يملك القدرة على الإبداع، إبداع خيال يشترك به مع العناية في تعيين مصيره. مثَل الإنسان في استجلائه الحدس بالخيال كمثَل العناية في إعدادها الشروط الطبيعية التي تُؤدِّي إلى تحويل الجنين من مصوَّر إلى حي ذي نفوذ في نسيج الكائنات.

وهل يقف شأن الإنسان عند إبرائه الحدس، فاشتراكه مع العناية في إنشاء شخصيته ذاتًا؟ أوَلا يُنشئ من تجارِبه المحفوظة ذكريات، ومن أمانيه الممثَّلة في الحاضر مخطَّطًا يستقل به عن مقتضيات المكان والزمان، فيجعل بهذا الاستقلال البيئة الطبيعية وفق مشيئته؟ إنه إذ يُنشئ الخيال ويرسم المخطَّط يستند إلى صور جذورها في الجملة العصبية. ومن هنا كان ظهور شبَه آخر بين الإنسان والإله، ألا وهو إيجاد عادات ذات نزعات تنزع إلى حفظ المبدعات، كما تنزع الكائنات إلى البقاء. وهكذا يُصبح المرء مبدعًا وحافظًا لمبدعاته.

ذلك هو نظام الحياة، يتأرجح بين الانبثاق والمساومة، بين انبثاق قيمه من صميم الحياة كما تتفتَّح هذه الحياة عن أشكال الأعضاء، وبين المساومة مع البيئة تبعًا لوجهة النظر التي اتجهت إليها الأحياء.

ومن هنا كان تقسيم الدول بالمبدأ إلى نوعَين؛ دولة ذات بنيان رحماني مثالي (انبثاقي)، يغلب فيها الطابع الأخلاقي. ودولة يقوم كِيانها على الاقتصاد والسياسة.

أفلم يظهر طابع الثقافة على الدولة التي وضع أسسها محمد بن عبد الله، تلك الدولة التي جاهد العرب من أجل نشر رسالتها في العالم؟ حتى إذ بذل أجدادنا دماءهم أثناء الفتوحات، فإنما كانوا يبغون إقامة عدل عربي بين البشر. وأمَّا أمر تطهير ديار العرب من النفوذ الفارسي البيزنطي، فقد نتج نتاجًا طبيعيًّا عن رسالة العروبة للعالم.

جرت العادة بأن يُوزَّع سلطان الدولة على سلطات ثلاث؛ تشريعية وتنفيذية وقضائية. وكان ذلك منذ وضع أفلاطون كتابه الجمهورية. وأمَّا الحقيقة فإن كل امرئ تنطوي نفسه على بذور ثقافة أمته، وعلى نظام قيمها، وهو ينزع إلى إحقاق الحق في نفسه، وإلى أن يكون حكَمًا بين الآخرين. وإن مقوِّمات إنسانيته هذه ذات سلطان على الإرادة، تدعوها إلى العمل بمقتضاها. وتشير إلى الحقيقة المتقدِّمة الآية: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ (الثقافة) وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ (الشريعة) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (القضاء). وإن ما كانت تحمل نفس محمد بن عبد الله كانت ترتقبه نفس كل عربي، وإن تفاوت الناس فيما بينهم بوضوح البصيرة وفي القدرة على الإفصاح عنه قولًا وعملًا. ومؤتمر فقهاء مكة وحلف الفضول ووقعة ذي قار … كل ذلك كان يُنبئ بالأحداث المقبلة.

ولكن إذا كان كل عضو في الهيئة الاجتماعية تنطوي تجرِبته الإنسانية على نزعتين؛ نزعة يستجلي بها معنى التجرِبة، وأخرى يعمل بموجبها، فإن النزعتين ليستا على نفس المستوى من الوضوح عند الجميع؛ فمنهم من يتغلَّب عليه الميل إلى الاستجلاء (الاستقطاب الذهني)، ومنهم من يتغلَّب عليه الميل إلى العمل (القيادة). وأمَّا الجمهور فهو الحكَم في الحد من شطط الخيال عند النوابغ في استجلائهم الحقائق، وفي الحد من شطط الإرادة واستسلامها إلى الأهواء عند القادة.

(١) السلطة التشريعية أو وظيفة إصدار القوانين

اصطلح أجدادنا على كلمتَين يُعبِّرون بهما عمَّا نعني نحن المعاصرين بكلمة «قانون»، والكلمات المصطلح عليهما هما؛ الشريعة والسنة. ونحن نستجلي حدس أجدادنا في الأمر بتحليل الكلمتَين المذكورتَين من وجهة نظر اشتقاقهما اللغوي. نستدل على معنى الشريعة بصورتها الحسية «الشارع»، وهناك صورة حسية أخرى تزيد من وضوح الأولى، وهي المشرعة بمعنى مورد السابلة، أو الطريق المؤدي إلى المنهل.

وإذن فالحدس المنطوي في شرع الذي هو مصدر اشتقاق الشريعة، والشارع والمشرعة يتضمَّن معنى العلاقات بين الناس، تلك العلاقات التي يُؤدِّي استقطابها متقاربةً بالذهن إلى الحقيقة الإنسانية متجليةً في النفس.

وعندما نقرن كلمة «شريعة» مع كلمة «فقه»؛ ينكشف لنا مبدأ القواعد الاجتماعية. وها نحن نستعين هنا أيضًا بتحليل الكلمة على تبيان ما نعني بما تقدَّم. إن كملة «فقه» ترجع بالاشتقاق إلى صوت غليان الماء: فق، فقفق. وهي تتضمَّن خيال الفقاقيع التي تتفتَّح عن داخلها، وخيال الفقاقيع هذا تشترك فيه الأفعال التي ترجع إلى ذات الأرومة: فقأ الدملة، فقح الكلب عينَيه، فقص النقف … إلخ. وذلك ما يوحي بأن الحقيقة الإنسانية التي هي مبدأ الشريعة تتجلَّى للنفس تجليًّا، تنبثق من الصميم انبثاقًا، لا تدرك من الخارج، وبناءً على ذلك فإن الشريعة هي مجموعة من الحقائق الإنسانية صيغت للناس في قواعد يسلكونها في علاقاتهم بعضًا مع بعض. وإن المنهج في الشئون الإنسانية هو الفقه، لا التجرِبة التي تقوم على الحدس (الإحساسات).

وتمييزًا للشئون الإنسانية من الأشياء نعود مرةً أخرى إلى الحديث في هذا الصدد، فنقول: إننا نفقه الشئون الإنسانية ونُدرك الأشياء. وكلمتا «فقه وإدراك» توحيان بمعناهما الخاص؛ توحي الأولى بمعنى الانبثاق: فقهت النفس الأمر تفتَّحت عن معناه، وتوحي الثانية بمعنى بلوغ الغرض. ومع هذا الاختلاف في المنهج بين الفقه والإدراك، فإن كلمة «شيء» وكلمة «شئون» ترجعان بالاشتقاق إلى نفس النشأة اللغوية، فتُشيران إلى علاقة الأشياء والشئون بمشيئتنا. فإذا كانت الشئون تجليات الحقيقة الإنسانية، فإن الأشياء صور ترتسم حدودها بالميول والغرائز.

ولكن إذا كان اللسان العربي يدلُّ على أن الإنسان يرى الحقيقة كونيةً كانت أو أخلاقية، من خلال بنيته الخاصة، ملتبسةً بصورة مجازية، فإن الدلالة لا تعني أن الحقيقة ليست بذاتها. وهل لانتصار العلم من مغزًى غير استقلال الحقيقة عمَّا يلتبس بها من أوهام؟ أفلم تبدأ الحضارة الحديثة بإزالة الوهم الحاصل من التباس المعقول بالمحسوس (ظهور الشمس بمظهر الكوكب المتنقل يوميًّا من الشرق إلى الغرب، ناثرًا ضياءه في الفضاء من أجل إنارة سبيل الإنسان). وإذا كانت الوجهة الطبيعية للحضارة الحديثة قد بدأت باكتشاف المنظومة الشمسية، والأرض فيها جرم من بين الأجرام السماوية، فإن الوجهة الإنسانية لهذه الحضارة تتوقَّف معرفتها على النفوذ إلى معنى الشئون الإنسانية من خلال العبارة المجازية، التي استعان بها الفقيه للتعبير عن الحقائق المتجلية.

وهكذا كان خلال الإنسان من التباس النهجَين؛ نهج الحوادث الطبيعية، ونهج الشئون الإنسانية، بقدر ما كان من الناس الحقيقة بالصور الدخيلة عليها من الوهم، هو أن الحقيقة الكونية قائمة بالمكان، وقوامها النسبية، «نسبة التمدُّد في المعادن للحرارة مثلًا». وأن الحقيقة الإنسانية مطلقة تبدر في النفس من فوق المكان. وعن الاختلاف في النشأة بين الحقيقة الإنسانية وبين الحقيقة الكونية نتجت أمور هامة؛ منها اتِّصاف الأولى بصفة القدسية، والثانية بالدنس. إلى اتصاف الحقيقة الكونية بالصفة القدسية يرجع أمر الالتباس بين الشريعة والديانة. «الشريعة الموسوية والشريعة المحمدية مترادفتان للديانة الموسوية وللديانة المحمدية والإسلامية»، وإليها يرجع التباس السحر والعلم أيضًا. ومن النتائج التي تترتَّب على الاختلاف بين الحقيقة الإنسانية والحقيقة الكونية؛ أن الأولى تتضمَّن الدعوة إلى الالتزام وليس الواجب، لا معرفةً لحقيقة الإنسانية في نزوعها إلى العمل، بينما الحقيقة الكونية تبقى دعوتها على حدود التأمُّل في الأسباب، ولو أدَّى التأمُّل إلى اكتشاف الطبيعة وإلى إقامة الصناعة على هذه القوانين.

وأمَّا السُّنة فهي طريقة الأبطال، طريقة الذين يسبرون أغوار الوجدان مستجلين الحقائق المنطوية عليها نفس الإنسان. يُلخِّص المسيح منهج سبر أغوار الوجدان هذا إذ يقول: أنا الطريق، ومن ثَمَّ يُتمِّم القول إذ هو يُضيف إليه عبارة: أنا الحياة، أنا الحق. فكأن المسيح يعني بهذا القول أن من سلك سبيل البطل ارتقى إلى ينبوع الحياة، ومن بلغ هذا المستوى تجلَّى له الحق متلألأً. إنه لقول يدل على أن الإنسانية والحقيقة صنوان، وأن الحياة تبلغ حكمة وجودها بتفقُّه الحقيقة.

والحقيقة أن الشريعة امتداد للحياة، فكما أن كلًّا من الأحياء يبدأ رشيمًا (من رشم بمعنى رسم)، ومن ثَمَّ يتبرعم من الرشيم أعضاء ذات وظائف معيَّنة (أجهزة الهضم والتنفس)، فكذلك تنبثق من النفوس أعضاء الهيئة الاجتماعية معاني هي قوام العلاقات بين الإخوان. وإذا تميَّزت المعاني المنبثقة عن الأعضاء بالقدسية، فإن القدسية ترجع إلى نشأة المعاني من فوق دائرة الميول، وحاجاتها دائرة مغلقة.

تبدأ الشريعة بدايةً بسيطة، تبدأ بالعرف كما تبدأ الحساسية بحس اللمس عند الأحياء، ولكن إذا ما تيسَّر للهيئة الاجتماعية ظهور نوابغ فيها، تحوَّل العرف من حدس مبهم إلى بصيرة نيِّرة. وينتقل الحدس من عهد الناموس إلى عهد روح القدس؛ وعندئذٍ يُصبح النوابغ من العوام بمثابة العين من الخلايا الأخرى في الجسد.

هكذا تقوم الهيئة الاجتماعية على تجرِبة رحمانية مشتركة بين الأعضاء، وليس العرف والقوانين إلا معاني هذه التجرِبة الإنسانية، منبثقة من نفس الإخوان. ومن هنا التباس الأخلاق والشريعة في المجتمعات ذات البنيان الرحماني. ألا تعني كلمة واجب في اللسان العربي معنى الانبثاق، «وجب» من «وج»، بإلحاق حرف «باء» إلى هذا المخرج. ومن هنا نزوع المجتمعات ذات الطابع الأخلاقي إلى الثبات.

ولكن ثمة مبدأ آخر يستعين به موقف الإنسان من الأنام، وهو العقل أموره، فيستحضر من الماضي التجارب المحفوظة ذكريات، ومن المستقبل الأماني المشرقة في أفق الحياة، فينشأ من هذه وتلك مخطَّط يُجابه به الناس الأشياء. من نظر في العواقب سلم النوائب.

وهكذا يُصبح العقل أداةً تُلائم الطبيعة، فيُعوض بالحرية على الحياة ما تبلور من إمكانياتها في الأعضاء، بحسب مقتضيات البيئة. وهناك مصدر آخر للتشريع، ألا وهو موقف الإنسان جملةً من الأشياء، الموقف الذي نُسمِّيه وجهة نظر المشرِّع في الحياة، أو فلسفته في الكائنات. وإذا اختلف التشريع المعاصر بين روسيا الشيوعية وألمانيا النازية وإنكلترة الديمقراطية، فذلك يرجع إلى الاختلاف في نبرة الإيقاع بين كلٍّ من الفلسفة المادية (الاقتصاد)، والفلسفة الحيوية (العرق)، والفلسفة الروحانية (الفرد). وتبعًا لطبيعة النشأة تختلف الشرائع في الاستعداد للتطوُّر؛ ففي الشريعة ذات الطابع الانبثاقي تلتبس الأحكام بالواجبات، فيبدو العرف أصل القانون ملتصقًا بالحياة، وإذن فيقل الاستعداد للمساومة، تكثر المقاومة لعاديات الزمن. إن هذا النوع من التشريع إن اتصف بالقدسية بطابع نشأته الانبثاقية، فإنه يجنح إلى المطلق، فإلى الاستبداد، مَثَلُه كمثَل الأخلاق، مستوحًى من المبدأ من الحدس المنطوي في نفوس الناس أعضاء الهيئة الاجتماعية.

وفي الشريعة ذات الطابع العقلي تلتبس الأحكام بالوسائل في علاقتها بالغاية، وذلك ما يجعل شريعةً كهذه تقوم على مبدأ المساومة، وذلك ما يجعلها أيضًا ذات مرونة، تتقدَّم في تلاؤمها مع تطوُّر البيئة.

وأمَّا الشريعة المستوحاة من العقيدة فهي على مثال القصيدة، تقوم على معنى تجرِبة المشرِّع المضفي رواءه على الأحكام الموضوعة، كما تقوم القصيدة على الإلهام المستفاض على كلمات متعارف على معانيها عند الجماعة.

ولمَّا كانت العقيدة استجابة الذهن استجابةً مفسرةً لظروف البيئة، فقد أصبحت متانتها ككلٍّ في تماسكها وفي شمولها، سببًا من أسباب جمودها، سببًا من أسباب إعاقتها الحياة عن التكيُّف مع تحوُّل مجرى الحوادث.

ومع أن الشريعة ترجع بالنشأة إلى أصول مختلفة، فهي في كل الأحوال تخضع لإرادة الإنسان الحرة، وذلك هو سبب الاختلاف بين القانون المدني وبين القانون الطبيعي. إن الحوادث الطبيعية يُؤثِّر بعضها في بعض تأثيرًا مباشرًا كتأثير الحرارة في المعدِن مثلًا، بينما يقوم القانون المدني على تصوُّرات متمثِّلة في الذهن، وكل ما يتمثَّل في الذهن يخضع للإرادة، يزكو إذا أقبلت عليه فتبنَّته، ويضمر إذا هي أعرضت عنه، حتى إن القانون الاقتصادي ليس بمستثنًى عن القوانين الإنسانية. إن العلاقة بين الميول وبين حاجاتها، وإن كانت مستقلَّةً عن الشعور، فهي مع ذلك تخضع لتدخُّل الإرادة، ما دامت الحاجات نفسها ترجع إلى صور ماثلة في الذهن.

هكذا تطوَّرت الشريعة من عرف ذي نشأة في مشيئة العناية، إلى قانون تُقرُّه الإرادة.

من الذي يضع الشريعة وكيف يتم وضعها؟ وما الغاية التي ترمي إليها من وضعها؟

وأمَّا الإجابة على السؤال الأول فيستلزم عرضًا موجزًا لبعض المسلَّمات التي عليها يقوم التفكير الحديث في الشئون الإنسانية. وأولى هذه المسلَّمات هي أن النفس الإنسانية تنطوي على مقوِّماتها انطواء الجسد على الغرائز، وتنطوي على عقل مؤهِّل لمعرفة الحقيقة ولتميُّزها من الخطأ، وتنطوي على وجدان ذي صبوة إلى الفضيلة، والعلم خير دليل على أن ما يبني العقل بناءً سليمًا تُؤكِّده التجرِبة، والصناعة مصداق لوجهة النظر المتقدمة. كما أن نمو المجتمع وعمرانه هما دليلان على صلاح الوجدان، لتميُّز الخير من الشر، ولنزعة الإنسان إلى الفضائل التي بها تستكمل النفس شروط كِيانها.

وهناك مسلَّمة أخرى تُلازم الأولى وهي الحرية، حرية تعيين الإنسان مصيره بإرادته مستقلًّا عن كل سلطة؛ وذلك يعني أن الإنسان هو الحكَم في الفصل بين خيره وشره، وهو المرجع في تقرير كل ما تستكمل به حياته شروط طبيعتها. وما دام الإنسان اجتماعيًّا بالطبع، وما دامت حاجاته حصيلة عمل جمعي، فكيف يستقل بالمصير عن الآخرين؟

هكذا تبدو مسلَّمة ثالثة ملازمة للمسلَّمتَين اللتين تقدَّمنا بعرضهما، والمسلمة الثالثة هي أن الشريعة تُمثِّل الإرادة العامة، ليس الناس متساوين في الأهلية لإدراك الحقيقة ولمعرفة الخير فحسب، إنهم متساوون أيضًا في الاشتراك في تعيين مصير الجماعة. وإذا تفاوت الناس، فليس التفاوت في مقوِّمات الحياة، بل في وضوح البصيرة، وفي قوة الشكيمة لدعم الحقيقة. وهكذا أصبحت المسلَّمة «الجمهور مصدر السلطة» أساسًا من الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.

ونحن نُضيف إلى المسلَّمات المتعارف عليها في الحضارة المعاصرة تأمُّلاتنا وتجارِبنا الخاصة.

يتميَّز الإنسان عن الأحياء الأخرى بأنه يتخطَّى الدائرة المغلقة بين الغرائز والحاجات إلى صعيد الحق والحرية. ويفقه الإنسان في صعوده البنيان الرحماني المشترك بينه وبين الأنام، في ما وراء التجارب الحسية (الملأ الأعلى)؛ وعندئذٍ يزدان الوجدان بالآيات التي هي معانٍ يتجلَّى بها البنيان الرحماني، كما تزدان السماء بالنجوم؛ وعندئذٍ يُصبح هو عضوًا في هيئة عليا وحكمًا في العلاقات بينه وبين الآخرين، وهكذا تبدو حقوق الآخرين منبعثةً من نفسه واجبات تدعوه إلى إحقاق الحق في نفسه وفي العالم.

إن استحالة الإنسان من حي بين الأحياء إلى ذات تتم على المراحل الآتية؛ ينجم في نفسه البنيان الرحماني المشترك حدسًا ذا نظام، ومن ثَمَّ يتشخَّص الحدس في صورة تنزع إلى استكمال شروط ماهيتها، وأخيرًا تدعو الصورة الإرادة إلى الإفصاح عنها وإلى تعديل الواقع القائم، ثُمَّ بما تقتضيه طبيعتها.

وبناءً على ما تقدَّم فإن طبعة البنيان الرحماني وتحويل حقائقه المستحيلة إلى قواعد (شريعة) يملك عليها الناس في علاقاتهم، هي مقوِّمات الطبيعة الإنسانية.

وصفوة القول إن المواطنين كلهم جميعًا يُساهمون في صنع الشريعة، ينبثق العرف عن نفوسهم سليقة، ويُوضِّح النوابغ منهم ما تجلَّى عفو الخاطر، فيجعلونه قواعد حقوقيةً واضحةً بيِّنة. والتفاوت فيما بينهم في القدرة الذهنية على إنشاء الخيال الذي به يتم إيضاح الحدس في النظام. وأمَّا الحدس نفسه فهو مشترك بينهم، بحيث يُصبح الجمهور مرجعًا في تميُّز الصواب من الشطط في خيال النابهين. وهل للتجرِبة السياسية من معنًى غير معنى المساهمة في إنشاء الشريعة التي سيخضع بها المرء في حياته الخاصة؟ وإذا ما تخلَّى عن حريته لمشيئة غيره، حتى أمسى أداة الأغيار؛ هبطت منزلته دون البهيمة.

ينتج عمَّا تقدَّم أن الإخوان المواطنين ملزمون بالتعاون بعضهم مع بعض على إبلاغ كلٍّ منهم مستوى الحرية، المستوى الذي يُؤهِّله للمساهمة عن وعي في تقرير المصير العام، وذلك يستلزم مراعاة مبادئ تكافئ الفرص والعدالة الاجتماعية. وكيف يتم الاصطفاء بين الإخوان للمهام العامة ذات النظام الرتيب (الترتيب) بين الإخوان، إذا لم تتساوَ الناشئة في شروط المعيشة؟ وهل يرتفع إلى مستوى فهم الشئون العامة، ويتفرَّغ لها من لم يضمن مقوِّمات حياته الاقتصادية؟ وهل يشترك الدخيل المقيم بين ظهراني الجماعة في وضع الشريعة؟

فإذا كانت الدولة جملة معانٍ تبدر في النفوس نتيجةً للتجاوب الرحماني بين الإخوان وبينهم وبين البيئة الإنسانية، فإن الدخيل عليهم أقل استعدادًا للمساهمة في إنشاء المؤسَّسات العامة: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ.

وأمَّا ما زعم أعلام الأقوام الهندية الأوربية أن الدخيل يتصف بالنزاهة، فإنه زعم يدل على أن المحبة (التعاطف الرحماني) هي السبيل إلى كل معرفة إنسانية، وأن البنيان المشترك بين ذوي القربى هو المدخل إلى المحبة.

مَثَلُ الأعيان (من العين) من الجمهور كمثَل الأم من ولدها؛ فقد تنفصل الأم عمَّا يُحيط بها حتى تنقطع حواسها — أثناء النوم — عن العالم، ولكن قلبها يظل متَّصِلًا بمهجة كبدها، وكذلك يبقى وُجَهاء القوم (من الوجه) محل التقاء نزعات الجمهور. شتان بين الولد الذي تتمخَّض عنه الأحشاء، وبين الولد المتبنَّى الذي يُداعب مشاعر الأمومة! وإذا كان الأخلاط يُعوِّضون عن المبادئ المنبعثة عن نفوسهم في إنشاء الشريعة بجملة قوانين يشترك العقل مع وجهة النظر في الحياة، فإن النجاح يبقى على حدود العلاقات الاقتصادية، غير أن الأمة الأصيلة القائمة مؤسَّساتها على الحدس في البنيان الرحماني، تبقى بمقدار عمق جذورها، مغلقةً على الأغيار. وأمة كهذه جديرة بإنجاب نوابغ متَّصفين بالنزاهة والبصيرة والعزيمة. أمة كهذه جديرة بإنجاب نوابغ تنكشف بصائرهم عن مقوِّمات الحياة العامة، بحيث تنهل النفوس الظمآنة للحقيقة. مَثَلُ الشريعة كمثَلِ الحياة نفسها، يتراوح انكشافها بين آفاق متفاوتة بالرفعة، وبين السطح والأغوار، بين أنماط تُسيطر عليها المادة (التفكير بالمادة، توارد الخواطر بالاقتران) وبين تنفق عنها العبارة والعمق مقياس للأصالة.

ومع ما تقدَّم فإن الحياة المشتركة بين المواطنين والدخلاء تُجيب في الأزمات الحادة بتفتُّح النفوس عن الحدس الذي يُصبح فيما بعدُ قاعدةً مستحبة، اللهم إذا عقد الدخيل النية على التعاطف مع أماني الجماعة.

وأمَّا السؤال الثاني فنجيب عليه بما يلي:

يستجلي الذهن الحدس بالخيال، والخيال من الحدس بمثابة الجسد في نموه من الكشف عن الاستعدادات. والذهن يهتدي على شفق الذكاء (من ذكاء بمعنى الشمس) في اختياره عناصر الخيال، اهتداء الجسد بالنشوة في اختياره الغذاء. وهكذا يتضح الحدس بصدق العبارة، بصدق التجاوب بين مصدره وبين مراحل تطوُّر العبارة، وذلك يستلزم قسطًا كافيًا من الأصالة ومن القدرة الذهنية في متابعة إنشاء العبارة التي بها تتحوَّل من معنًى مبهم إلى البصيرة نيِّرة.

وينتج عن ذلك أن الشباب (من شب) واللؤم (من لم) والعته، كل ذلك يُعيق عن المساهمة في إنشاء الشريعة.

فإن يكُ عامر قد قال جهلًا
فإن مَظِنة الجهل الشباب
«النابغة»

وكيف لا؟ ما دام الشباب يتلمَّس طريق الأماني، وما دامت سرعة نموِّه تجعله عُرضةً للهيجان والأهواء. إن الشباب يبقى خاضعًا لقدر جسده عاجزًا عن استجلاء الحقائق الاجتماعية السياسية، بقدر ما يبقى نموُّه سريع التطوُّر. ومَثَلُ الأهواء في حجبها الحق عن النفس كمَثَلِ غيم الربيع في حجبها الشمس عن الرؤية، ما خلا في فترات عابرة.

هذا وإن الجملة العصبية تُؤهِّل نموَّها فيما بعد استقرار الجسد حوالي اﻟ «٢٤» سنةً من العمر. أليست الخلايا المتفرِّعة في هذه الفترة الطويلة من العمر عند الإنسان إعدادًا لقواعد حياة اجتماعية سياسية؟ وهكذا ما قد بدا مبهمًا في الشباب يُصبح واضح المعالم في الكهولة، والكهولة من الكاهل بمعنى المساهمة في أعباء المجتمع.

وأمَّا اللئيم فقد ضمرت فيه قواعد الحياة الإنسانية، فيجنح إلى الاستبداد وإلى اتخاذ إخوانه، من فقدان القدرة على التعاطف معهم رحمانيًّا، أداة على مثال الأشياء، بحيث يُصبح سلوكه الشاذ مصدرًا للجرائم، وذلك ما يجعله مقصِّرًا عن القيام بالأعباء العامة.

وأمَّا المعتوه فيفتقر ذهنه إلى القدرة التي بها يُنشئ العبارة إنشاءً يُوضِّح به قواعد الحياة الإنسانية.

هناك آفتان تتعثَّر بهما الإرادة في دعمها الحق، أولاهما: الفاقة والترف.

قيل لزرقاء اليمامة: من أعظم الناس في عينَيك؟ قالت: من كانت بي إليه حاجة! إن تملك بعض المواطنين بمرافق حياة الآخرين يُعيق هؤلاء في اختيارهم الأكثر الأهلية من يُمثِّلهم في الندوة القومية، وذلك ما يُسبِّب الخلل في سير أعمال الدولة.

وهناك آية تُشير إلى سبب الخلل في الجانب الآخر من الحياة العامة: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. إن الترف آفة كل نظام، وخير وسيلة لبقاء رؤية الآراء واضحة الاعتدال، وفي تلألئ الآراء تثبت الإرادة على الحق، ويرتدع صاحبها عن الاسترسال لطغيان المصالح (الإغراء والإرغام). وعلى قدر ما تظهر إرادة الجمهور مستقلَّةً عن أهواء ممثلي الأمة، تأتي الشريعة صادقةً في تعبيرها عمَّا يتمخَّض نفوس الجماعة من حقائق.

ومع ذلك فقد تتوه الإرادة عن الحق عن قصد أو غير قصد، بحيث تدعو الحيطة الجمهور لانتخاب ممثليه على مبادئ واضحة بينة، وذلك يستلزم سلب الجمهور ثقته من ممثليه إذا هم قصَّروا عمَّا اتُّفق عليه بينهما. هناك تدابير أخرى يتقي بها الجمهور خطر تقصير ممثليه عن أمانيه، وهي أن يحق لكل مواطن اقتراح القانون على مجلس الأمة، وأن يحق له الاعتراض على قانون أقرَّه مجلس الأمة، شريطة أن يشترك فريق من المواطنين في الاقتراح أو في الاعتراض، بطريق الاستفتاء العام؛ كأن تُعرض الأمور على الجمهور ويُدعى كل مواطن لإبداء الرأي في دائرة من دوائر البلدية.

وهكذا تعود السلطة التشريعية إلى الجمهور، فيُصبح كل مواطن حُرًّا في تقرير مصيره حسبما شاء. وهكذا تُصبح الشريعة صورةً صادقةً لأماني المواطنين.

والآن نُجيب على السؤال الثالث فنقول: إن غاية الشريعة هي غاية الحياة نفسها، وليست الإنسانية إلَّا غاية كمال الحياة، والدولة إنما هي الشخصية الواعية لعهد العرف، والموجِّهة له في الوجهة التي تُؤدِّي إلى انكشاف عبقرية الأمة، من جهة، ومن جهة ثانية إلى السيطرة على الظروف الطبيعية التاريخية، ومع ذلك فإن الدولة معنًى يقوم بالمواطنين، ممَّا يجعل الشريعة تقترب من كمالها بمقدار ما تستوفي الشروط التالية:
  • أوَّلًا: استكمال كل المواطنين شروط حياته الخاصة.
  • ثانيًا: سيطرة المجتمع على ظروف البيئة، إنسانيةً كانت أو طبيعية.
  • ثالثًا: تجلِّي عبقرية الأمة، التي هي من الشريعة ذاتها بمثابة الإلهام من القصيدة.

تقوى الدولة بقوة أعضائها المواطنين، وهؤلاء يقوَون ببلوغ كلٍّ منهم الازدهار والحرية. ولمَّا كانت حاجات كلٍّ من المواطنين يتطلَّب إعدادها جهودًا مشتركة، فقد أصبح من المترتَّب على الدولة أن تُيسِّر لأعضائها الحصول على الحاجات في الحدود التي تضمن لهم الصحة والكرامة. هذا ولمَّا كانت الدولة هي الصورة المثلى لما تتمخَّض عنه نفس الجمهور من أمانٍ مشتركة، فقد أصبح من واجب الدولة وقاية أعضائها من كل إغراء وإكراه يُضلِّل إرادتهم في اختيار عناصر الصورة الممثِّلة للأماني المشتركة، وذلك ما يجعل السياسة إيجاد الانسجام بين مستلزمات حقيقة الأمة، وبين مقتضيات طبيعة المواطنين، بين مثَل أعلى تتلخَّص فيه الأماني، وبين واقع ذي ميول ونزعات تتحقَّق في ظروف طبيعية تاريخية معيَّنة، وهكذا تُصبح وظيفة الدولة الأولى والأساسية هي أن تُبقي المواطنين على حدود الاعتدال والعدالة، على حدود مقوِّمات الفطرة الإنسانية، فتقيهم من أن يكونوا عبيد نزواتهم أو عبيد الآخرين.

لم تكن مهمَّة الدولة تبقى عند تدريب الجمهورية على الحرية وإعداد الأسباب المؤدية إليها وإبقاء المواطنين على مستواها، بل إنها تهدف أول ما تهدف إليه السؤددَ والعزة القومية. لا تكفي شكيمة المواطنين لحماية مجالهم الحيوي، يجب عليهم إعداد العدة أيضًا. إن الغلبة للمتفوِّقين في العتاد، والتفوُّق يتناسب مع تقدُّم العلم والصناعة.

تظهر جدارة المسئولين عن مصير الأمة بإبلاغهم كفاءات المواطنين حد كمالها، وباستثمارهم خيرات الوطن في حدود إمكانيات الحضارة المعاصرة. يقف رجال الدولة من الظروف الطبيعية السياسية موقف البارع في فن الشطرنج من لعبته، يُسيطر عليها بمقدار ما هو حر في التصرُّف فيها.

ولمَّا كانت الحياة معنًى مبدعًا وموجِّهًا لمبدعاته، بُغية استجلاء ذاته أوضح فأوضح، فقد أصبحت مهمَّة الدولة العليا توجيه مظاهر الحياة العامة والمؤسَّسات الاجتماعية في الوجهة التي تسبر بها أغوار الوجود أعمق فأعمق. وليست الأمة إلَّا نزوع المعنى المستجلى إلى التحقيق، تحقُّقًا تنطبع بطابعه الشئون الإنسانية. إن شأن الدولة نقل المواطنين أعضاءً في المجتمع، ينساقون بالسليقة إلى ذوات يتصرَّف كلٌّ منهم في مصيره وفي المصير العام بملء حريته. كما أن شأنها أن تنقل المفاهيم الإنسانية المتبلورة فيها الحياة عفو الخاطر إلى آيات بيِّنة متلألئة. ولكن مهمَّة الدولة في هذا الشأن تبقى في حدود الإعداد، دون التدخُّل في الصميم الذي هو محراب العناية.

في الجمهورية المستكملة شروط كِيانها تبقى السعادة والفضيلة مقترنتَين، والواجبات مع المصالح منسجمتَين. في دولة كهذه، المواطنون إخوان متساوون في المقوِّمات الإنسانية، كلٌّ منهم يرى مصلحته في تحقيق المصلحة العامة. وإن تفاوتت المراتب بينهم، فإن الولاية لدى الحساسية المثالية، لمن سبق الآخرين في استجلاء حقيقة الأمة، وفي رفع أثقال الجمهور.

إن الشريعة في إنشاء الحياة من الحقوق والواجبات. إنها فن يشترك فيه جميع المواطنين، كلٌّ منهم بحسب مؤهِّلاته، والهداية لمن تتجسَّد فيهم أماني المجموع. والعدالة في نظام الكفاءات بحيث تتناسب الرفاهية مع الحاجة لممارسة المواهب في خدمة الجماعة.

هكذا ترفع الدولة بالمواطنين من الغريزة إلى صعيد الحرية، فتمد كلًّا منهم بالأساليب التي تجعله يُنشئ على ضوء المثل الأعلى شخصية، ويشترك في إنشاء شخصية الأمة. مَثَلُ الجميع للجمهورية كمَثَلِ الأنشودة، تعكس أعضاؤه رواء المجموع، كلٌّ بحسب مؤهِّلاته ومن مستوى مواهبه.

(٢) السلطة القضائية أو وظيفة إصدار الأحكام

  • (١)

    كلمتا «شر» و«شرارة» مشتقَّتان من نفس المصدر، وذلك يعني أن حدس الشر يتضمَّن معنى العدوى: الفتنة. وهاك ما ورد في الحديث بصدد العدوى.

    «إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلَّا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرت العامة.»

    أوَلا يتحوَّل الشر إلى فتنة يتعدَّى أذاها حدود المعتدي والمعتدى عليه إلى الجماعة؟ فمهمَّة القضاء هي إذن من الشر بمثابة الماء من الشرارة، أي إطفاء غليل الحقد عند الناس.

  • (٢)

    وكلمة «ظلم» تُفيد الانتقاص من الحق، بالنظر إلى تكوين الكلمة اللغوي من إلحاق حرف «م» ﺑ «ظل»، الحرف الذي يُعبِّر بحسب حدوثه عن التحديد والانتقاص، وذلك بانغلاق الشفتين. فكان المجتمع في الحدس العربي مماثل بالتكوين للسماء، لكلٍّ من أعضائه فلكه (ظله)، كما لكلٍّ من الكواكب مدارها. وإذا ما اعتدى على أحد المواطنين؛ سبَّب الاعتداء بما يُحدثه من خلل في نظام الحقوق قلقًا في جميع النفوس، والقلق المنبعث يحملهم على إحقاق الحق وإرجاعه إلى نصابه، ولكن إذا تقاعس المظلوم عن حماية حقيقته؛ انتابه الشعور بالحقد والحقارة. والكلمتان «حق» و«حقارة» مشتقَّتان من الحق بإلحاق حرفَي «دال» و«راء»؛ أمَّا الأولى فتعني توقُّف الفرد عن العمل على استرداد حقه، وأمَّا الثانية فتعني استسلامه لمشيئة من استهان به، وذلك تبعًا لما يُوحي حدوث كلٍّ من الحرفَين المتقدمَين «دال» و«راء».

    وكلمتا «قصاص» و«جزاء» تتضمَّنان معنى إرجاع الحق إلى نصابه ممن اعتدى أو تطاول على غيره، فانتقص من قدره الذي هو ظله في المجتمع، وذلك باشتقاقهما من قصَّ ومن جزَّ.

  • (٣)

    وكلمة «حق» هي وكلمة «حق» مشتقَّتان من نفس المصدر، وهذه الأخيرة هي الصورة الحسية لمفهوم الحق والتعريف بالإشارة له. وبناءً على هذه النشأة اللغوية للكلمة، فإن الحق من الإنسان بمثابة الحق من العظم، أي جرنه، وكما أن خروج العظم من حقه يبعث القلق في النفس، فكذلك تقصير الواقع عن الحقيقة، يبعث القلق في النفس. وكلمة واقع نفسها تُفيد باشتقاقها من وقع معنى الهبوط والتقصير.

    ومع ما تضمَّنته كلمة «حق» من نزعة مثالية في الحدس العربي، فإن الحقيقة وهي تجلِّي الحق أو استفاضته، كانت تعني بالنسبة لأجدادنا المجال الحيوي، حدود انكشاف الشخصية.

    نحمي حقيقتنا وبعض
    القوم يسقط بين بينا
    «امرؤ القيس»

    هكذا يتناسب حق الإنسان مع قدره، ويتبع قدره قدرته في الإفصاح عن أماني الأمة أو في خدمة الجماعة.

    ولمَّا كان الإنسان ذا بنيان رحماني، وكان حق الآخر ينبثق من نفسه واجبًا؛ فقد أصبح الاعتداء على الحق يُثير الحمية، فيتضمَّن الدعوة إلى رفع الحيف عن المظلوم، والقضاء هو الهيئة المكلَّفة نيابةً عن الجمهور بأمر الحراسة على نظام الحقوق، وبأمر التنكيل بمن تُسوِّل نفسه له إحداث الخلل في النظام.

  • (٤)
    وكلمة «عدالة» تُشير بصورتها الحسية: عِدلَي الفرس، إلى الاتزان في النظام. حدس شعاره الميزان، ومن هنا تبدأ الحكمة المأثورة: العين بالعين والسن بالسن. وتعبيرًا عن هذه الحقيقة وردت الآيات: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ … إلخ.

    وهناك كلمة مرادفة للعدالة، ألا وهي الإنصاف. ومن غريب الأمر أن كلتا الكلمتَين «الإنصاف» و«العدالة» تتضمَّنان حدس العدد، النصف وعد. وإلَّا أن الإنصاف يقوم على التساوي فيُمثِّل المجتمع في حالته الابتدائية، قبل ظهور الوظائف المتفاوتة في القيمة لخدمة الجماعة. وإلى هذه النشأة في الأسرة يرجع معنى الحنان والرأفة في الكلمة. ومن هنا نستدل على أن العدالة في الحدس العربي هي نظام في الحقوق، في العلاقة بين أعضاء المجتمع. ومن هنا يبدو الشبه في التكوين بين المجتمع والأنشودة؛ هذه تقوم على الإلهام وعلى نظام يتجلَّى به الإلهام، وذاك يقوم على حقيقة مُثلى تتجلَّى بنظام من القيم. وأمَّا القبح والظلم فهما شعور بالخلل في النظام.

    ولمَّا كانت القيم مفهومات ذات قاعدة في الجملة العصبية، فقد أصبح الاعتداء على نظام الحقوق سببًا في إحداث الخلل في شخصية المعتدي. عندئذٍ يكون الحكم العادل بطريق الكفاءة عاملًا في ترميم العطب الحاصل من جرَّاء الجريمة. وتعبيرًا عن الحقيقة المتقدِّمة نزلت الآية: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.

    هكذا يدعو القصاص النفس اللئيمة إلى التأمُّل على ضوء الحق في الجريمة، تأمُّلًا تبعث به القاعدة التي غارت في الجملة العصبية من جرَّاء الجريمة. شأن الحياة هنا كشأنها في ترميم كل عطب يعتريها.

    ألم يُعبِّر الذهن العربي عن حدسه في ملاحقة الجريمة، صاحبها باشتقاقه كلمة «جريمة» نفسها من «جر». وهناك كلمات أخرى تُشير باشتقاقها إلى نفس الحقيقة، مثل كلمة «عقاب من العقب»، وكلمة «ذنب من ذنب». وتعبيرًا عن نفس الحقيقة اشتُّقت كلمة «ثواب» هي و«الثوب» من نفس المصدر.

    وبناءً على ذلك فإن أمر تعيين وزن الجريمة يعود إلى عاملَين؛ عامل مقدار الخلل الذي أُحدث في نظام الحياة، وآخر مدى وعي المجرم أثناء اقترافه الجريمة (النية والمقاومة التي تلقَّاها، النية من مقاومته على الجريمة أثناء تنفيذها). وكلمة «سرقة» تُشير إلى ذلك بتركيبها من «سر» بمعنى العمل، وحرف «قاف» المعبِّر عن المقاومة، مقاومة حق الآخرين لعمل الجريمة.

    وإليك الطريقة التي اختارها أجدادنا في إحقاق الحق بصورة عفْوية.

    فإن المتخاصمَين يلجئان بملء إرادتهما إلى حُكَّام معروفين بالبصيرة والنزاهة، وكان الحكَم يستنير بالعرف على توضيح حدسه في عدالة القضية المختلف عليها، وكان الحكَم مستقلًّا عن كل سلطة غير سلطة العرف وقرار الوجدان.

    ونحن الذين نعيش في ظل دولة تتجسَّد فيها نزعتنا إلى إحقاق الحق، يجب أن نقتدي بخُطى أجدادنا في هذا الشأن، على أن يقوم القانون مقام العرف. وأمَّا القضاة فيجب أن يخضعوا لانتخاب المواطنين أسوةً بأعضاء الهيئة المشرِّعة، أي النوَّاب، شريطة أن تتوفَّر في المرشَّح للقضاء الأمور التالية: إجازة في الحقوق، وشهادة ممارسة المحاماة خلال مدة يُحدِّدها القانون، وتزكية في حُسن السلوك المهني من قِبَل نقابة المحامين، وتزكية أخرى من القضاة الذين رافع أمامهم في القضايا العامة. ولئلا يشط القاضي عن مبدأ الدستور والقوانين التي أُقيمت على الدستور، يجب أن يخضع لإشراف مدَّعٍ عام يُمثِّل المجلس التشريعي في مراقبة تحقُّق العدالة في الأحوال العامة والخاصة.

    ولمَّا كان القانون محصلة عوامل منها مقوِّمات الإنسان الأخلاقية، ومنها البنيان الرحماني للمجتمع، ومنها وجهة نظر المجتمع في الحياة، ومنها ما تُقيم الإرادة الحرة من عهد … إلخ.

    لمَّا كان الأمر كذلك، فقد أصبحت القوانين عُرضةً للتطوُّر، فابتعاد مضمونها عن نظام الحقوق القائم الحي في نفوس الجماعة، ممَّا يدعو القاضي إلى الاستنارة بهيئة من المحلَّفين الممثِّلين للوجدان في تطوُّره مع تبدُّل الأزمان. ونظام المحلَّفين هنا كان يستعين به قُضاتنا في أحكامهم في بابل، وعندئذٍ تستكمل الأحكام شروط العدالة.

(٣) السلطة التنفيذية أو وظيفة تنفيذ القوانين والأحكام

التجرِبة الإنسانية معرفة وعمل، والعمل فيها واجب مملًى على الإرادة. ولمَّا كانت التجربة الإنسانية مشاركةً وجدانيةً بين الذين اختبروها، فقد أصبحت معرفتها رأيًا مشتركًا بينهم، وعملها نزعة يتسابقون إلى تحقيقها. وهكذا يقوم المجتمع على مبدأ الأخوة، ويقوم الأكثر رشدًا من بينهم بالهداية والقدوة، بل هكذا يُصبح كل الناس ملوكًا يجمع كلٌّ منهم في شخصه السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، إلَّا أن الأكثر أهليةً من بينهم ينوب عنهم في ممارسة السلطة ممارسةً فعلية.

وإذا بدأ السلطان يحمل هالةً من القدسية، فإن الهالة ليست بغير روعة الواجب ذي النشأة السماوية (من فوق سلسلة الحوادث الطبيعية)، الممثلة فيه أمنية الهيئة الاجتماعية. ولمَّا كان السلطان هو الحق في نزعته إلى تحقيق ذاته، فقد أصبح كلُّ من تجسَّد فيه الانحراف مثار السخط عند الناس. أفلم يشتق الرأي العامة كلمة «شيطان» من الشطط؟ أوَلم يشتق هذا الرأي كلمة «طاغوت» من الطغيان؟ إن أسطورتَي فرعون ونمرود لم تزالا ماثلتَين للأذهان. وقد ميَّز الإسلام بين الحالتَين بكلمتَي «نبي ومسيطر»، الأولى تُجسِّد الواجب فيُصبح صاحبها النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وقد قال المسيح في هذا الصدد: «يقول الحق، ولا ينظر إلى وجوه المتخاصمين.» والثانية تُمثِّل انطلاق شهوة الحكم بلا رادع أخلاقي يردعها. المسيطر من سطر، أي أملى أهواءه على الآخرين. إذن فالرئاسة تنعقد على من يتمتَّع بالميزتَين هاتَين؛ الشعور بقدره الأخلاقي، والمقدرة على النفوذ في مصير الجماعة. وهكذا يُصبح المسئولون عن الأمور ممثِّلين لأماني الأمة ودائبي السعي لتحقيقها.

وكلمة «رئيس» تدل بصورتها الحسية «الرأس» على أن رجل الدولة في الحدس العربي، محل آمال الجماعة، مَثَلُه بذلك كمَثَلِ الرأس ملتقى العقل والإرادة. والمثلان الآتيان يكشفان عن الحدس العربي في الأمر:

من علت همته طال همه. وسيد القوم أشقاهم.

وإليك ما ورد على لسان أحد شعرائنا الأفوه الأودي في خصوص إدارة الشئون العامة:

لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم
ولا سَراة إذا جُهَّالهم سادوا
إذا تولَّى سَراة الناس أمرهمُ
نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

وإليك قولًا آخر في لزوم الإمارة:

إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم (النبي محمد).

وهاك بعضًا من خبرة أجدادنا في الصفات التي يجب أن يتحلَّى بها المسئولون عن الشئون العامة:

وإنما الناس بالملوك وما
تُفلح عُرب ملوكها عجم
«المتنبي»
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يومًا على الأحساب نتَّكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
«المتوكل الليثي»

وقد قال الرسول في الكفاءة للعمل ما يُؤيِّد ذلك:

«من ولي أمر المسلمين شيئًا فولَّى رجلًا ويجد من أصلح للمسلمين منه؛ فقد خان الله ورسوله.» وقد فسَّرت الآية التالية بذات المعنى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، أي اجعلوا الوظائف لمن لها بأكْفاء؟

وقلدوا أمركم لله دركمُ
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عضَّ مكروه به جزعًا

وقد أفصح الرسول أيَّما إفصاح في الحديث التالي عن الصفات الأساسية لرجل الدولة:

«إن الله يُحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويُحب العقل عند حلول الشهوات.»

ونحن نستخلص من تجارِب أجدادنا في الحكم ما يلي؛ أوَّلًا: إنه يجب أن يُناط بأمره إلى هيئة عريقة في تمثيل أماني الجماعة. وثانيًا: أن يتم انتخاب الهيئة انتخابًا حُرًّا من قِبَل الجماعة، على اعتبار أن الجمهور مصدر كل سلطان، وأن السلطة التشريعية الممثِّلة للجمهور أصل، والسلطة التنفيذية امتداد لها ومسئولة عن تصرفاتها أمامها.

وأمَّا الوسيلة المؤدية إلى الغرض فهي أن يقوم المجلس النيابي بانتخاب مجلس الوزراء المكلَّف بإدارة الشئون العامة للدولة، وأن ينتخب كلٌّ من المحافظات هيئة المديرين المكلَّفين بإدارة الشئون الخاصة بالمحافظة. ومن أجل تنسيق العمل بين مجلس الأمة وبين كلٍّ من مجالس المحافظات من جهة، من أجل مراقبة سلوك ممثِّلي السلطة الموكول إليهم أمر تنفيذ القانون. من جهة ثانية يترتَّب على المجلس النيابي أمر انتخاب نائب ينوب عن الجمهور بالقيام بالمهمة. وأمَّا الشرط الأساسي لاختيار الموظفين فهو أن يكونوا أكْفاء للمهام. وللكفاءة معنيان؛ معنًى فني وآخر أخلاقي.

ولكن لمَّا كان الإنسان كما وصفه أحد شعرائنا بما يلي:

النفس راغبة إذا رغَّبتها
وإذا تُرَدُّ إلى قليل تقنع

وكما وصفته الآية: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي. لمَّا كان الأمر كذلك، فقد وجب على الجمهور صاحب السلطان الاشتراك مع الهيئة، الهيئة الممثلة في مراقبة المسئولين عن إدارة الشئون العامة. وهل من وسيلة للمراقبة خير من تبادل الناس فيما بينهم الخبرة في جو من الحرية؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣