كتَّاب النضال

(١) أديب إسحاق

شامي المولد والمربى، لبناني المنشأ، مصريُّ الهوى، عربي النزعة، كاتب نضال. تعلم العربية والفرنسية في مدرسة الآباء اللعازاريين، واضطر إلى الكدح والسعي لأجل المعاش فبكر في مغادرة المدرسة؛ ليشتغل وظيفة في إدارة الجمرك براتب مائتي غرش، فدرس التركية في أوقات فراغه. قال الشعر صبيًّا فنظم وكتب، ثم انضم إلى والده في خدمة بريد بيروت، فأطل على دنيا أدبية جديدة استهوته؛ فهام بها وعاف لأجلها الوظيفة، وبرز في ساحة تلك البيئة عارضًا قلمه، وهكذا أدركته حرفة الأدب.

تفتقت براعم موهبته الأدبية قبل الأوان، فبشر بها معلمُه أباه والغلام لما يبلغ العاشرة، ثم تحققت تلك النبوءة في بيروت، فعُهد إلى الفتى وهو في السابعة عشرة بتحرير جريدة «التقدم» فلاحَ في سماء الأدب كوكب جديد.

كان مع عمله الصحفي يؤلف ويترجم عن الفرنسية، وانتمى إلى جمعية «زهرة الآداب» ثم صار رئيسها فعرف الناس الأديب الخطيب، بعدما عرفوا الأديب الشاعر الناثر فشنها غارة شعواء على العبوديتين: «الطائفية والمدنية». وكان بوقًا صارخًا في بيداء الخمول يدعو النائمين إلى الهبوب والمطالبة بالحرية والاستقلال. وفي التاسعة عشرة شارك في تأليف «آثار الأدهار»، وعرَّب أندروماك لراسين، ثم آزر صديقه سليم النقاش في تأليف المسرحيات وتمثيلها وسافر إلى الإسكندرية ملتحقًا به، فكانت جوقتهما أول جوقة تمثيلية عربية تخطت الحدود، وتجاوزت تخوم بيروت مهد المسرح العربي. فعرَّب أديب رواية شارلمان، ونقَّح أندروماك، وألف رواية «غرائب الاتفاق»، وكان في هذا كله مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا.

وراودته الصحافة فسار مشمرًا، إلى القاهرة، حيث عرف الإمام الثائر السيد جمال الدين الأفغاني، فالتقت النار بالنار والتهمت الأخضر واليابس، فقاسى الرجلان ما قاسيا من نفي وتشريد. أنشأ أديب جريدته «مصر» فرحب بها محبو الإنشاء العالي، واندفع كاتبها هائجًا كالبركان يرسل نورًا ونارًا؛ فحركت الهمم وأعادت عزَّ دولة اليراع، فرأى الناس البلاغة تمشي في أسواقهم كأنها أهل الكهف. كانت لهجتها غريبة الوقع في النفوس، تدفع وتزجر، وتنهى وتأمر.

ثم أصدر مع صديقه النقاش جريدة «التجارة» يومية، وظلت «مصر» تظهر أسبوعية.

وغاص أديب في السياسة من قدميه إلى قرنيه؛ فاضطرته الأحداث السياسية إلى الفرار فهرول إلى باريس، وكأنه أبى أن تقف المعركة، ويضع أوزار النضال فأصدر في عاصمة الفرنسيين — كهف الأحرار ومعقلهم — جريدة «القاهرة» متوِّجًا أولى نشراتها بهذه العبارة: «ما تغيرت الحقيقة بتغير الاسم، بل هي «مصر» خادمة مصر.»

وكتب مقالات بالفرنسية عن أحوال الشرق وما يعتلج في صدر الزمان من طبخات دولية، فأصغى إليه العالم الغربي، وهناك عرف كثيرين من كبار ساسة فرنسا وعلمائها وشعرائها. روي عن فيكتور هيغو أنه قال لمن كانوا في حضرته — على أثر انصراف أديب منها: «هذا نابغة الشرق.»

وحضر جلسات عديدة في مجلس النواب الفرنسي؛ فثقف السياسة وتفاقم هواه للخطابة وازداد إقدامًا فيها. ولكن برد باريس أثَّر فيه؛ فتمكنت منه علة الصدر فقفل إلي وطنه يتداوى بهواء بلاده وشمسها. وعاد يحرر جريدة «التقدم» في بيروت، فكانت بينه وبين الآباء اليسوعيين معركة «التعليم الإلزامي ومجانية التعليم»؛ فبثَّ أفكارًا وآراء تشبعت بها نفسه بباريس.

ولما تغيرت الأحوال في مصر دعي إليها، وعين مديرًا لقلم الإنشاء والترجمة بوزارة المعارف، ورخص لجريدته «مصر» بالظهور، وقام بأعباء وظيفة أخرى مع وظيفته وهي كتابة سر مجلس النواب، ومنح الرتبة الثالثة، وسلمه عزيز مصر براءتها يدًا بيد.

وكانت الثورة العرابية فعاد إلى بيروت، ثم رجع إلى الإسكندرية بعد احتلالها، فأعيدت البضاعة إلى مصدرها، بعد أن زار أديب السجن زيارة قصيرة وقال فيه شعرًا. وفي بيروت طبع رواية «الباريسية الحسناء» التي عرَّبها.

وأطبق داء السل كمَّاشته على ذلك الصدر الجياش الواسع؛ فأشار الطب بمناخ مصر، فأُذِنَ له بالرجوع إليها، ولكن حلقة العمر كانت قد ضاقت، فانقلب على أعقابه إلى لبنان، ومات في مصيفه بحدث بيروت ولما يكمل تسعة وعشرين عامًا.

وانتدب أهله كاهنًا؛ ليصلي عليه فامتنع عن مرافقة جثمانه وإدخاله الكنيسة، ما لم يكتب والده، بخطه وتوقيعه: إن ولده عاش كاثوليكيًّا ومات كاثوليكيًّا. وتدبر العقلاء القضية بالتي هى أحسن ومشى الدليل أمام أديب إلى بيته الأخير، ورخص له بدخول عالم الأبدية …

هكذا جمع الموت، أخيرًا، بين أديب والشدياق في خراج قرية واحدة. عاشا مهاجرين أعرابيين، ثم ناما تحت السماء التي أوحت لهما ما أوحت من أدب وحرية فكر، وطلاقة لسان وطلاوة بيان. فرَّ نسر لبنان الشدياق ينشد حريته في الآفاق، فكان يستقر أعوامًا حيث يحل، أما أديب فقضى عمره القصير شريدًا طريدًا. إن قصر عمر أديب لم يمكنه من الاستقرار فهو لم يتجاوز عمر القمر؛ فما اكتمل حتى امَّحق، ولكن البقية الضئيلة من تغاريد هذا الطائر الفذ تدلنا عليه دلالة لا لبس فيها ولا إشكال، كما قال في رثائه صديقه الأديب إسكندر العازار:

كان رايتنا في علم اللسان، وآيتنا في صناعة البيان، وغايتنا في حب الإنسان، وكان، والله، فتى ولا كالفتيان، كان زهرة الأدب في الشام، وريحانة العرب في مصر، عاش حر الضمير فكرًا وقولًا وفعلًا، ومات حر الضمير فكرًا وقولًا وفعلًا، فلْيبكه ضمير الأحرار ولْتندبه الحرية. نشأ وطنيًّا خالصًا صحيحًا، وعاش جنديًّا لأشرف الأصول وأسمى الغايات، وأنفق في خدمتها من روحه ما كان ينفخ في القلم من الروح، وجاهد جهادًا حسنًا فمات شهيدًا حميدًا.

  • عصره: كان أديب في عصر التناحر على المسألة الشرقية، ونشأ في أرض كانت الناس ترزح فيها تحت نير الإقطاعين: الديني والمدني، فكيف تنفَّستَ تملأ خياشيمك روائح استبداد تضيق لها الصدور، وتنكمش النفوس. رسالات دينية أجنبية تتناحر على شطنا اللازوردي، يخدمون قيصر معتقدين أنهم يخدمون الله، يقفون أمام مخازنهم كالتجار في أسواق الكساد، كلٌ ينادي على سلعته يجذب هذا ويتمسك بأذيال ذاك، داعيًا إياه إلى دكانه زاعمًا أنَّ عنده البضاعة الصحيحة، وأن بضائع سواه مزجاة، ودرهمه زيف … وقامت بين هؤلاء وهؤلاء عشيرة الماسونية تشجب الشيعتين وتدعو الناس إلى الإخاء والحرية.

    أما المواطنون، فأفادوا من تناحر الفريقين — الكالثوليك والبروتستانت — علمًا وثقافة، فاستنارت الأفكار واستضاءت الأذهان، وهكذا جنينا من عوسج التعصب تينًا، ومن قطربه عنبًا … جنينا ثمار علم يانعة وجهتنا توجيهًا لم يكن في حسبان من دعونا إلى مآدبهم الجدلية، وكثيرًا ما يؤدي بك الجدل إلى حيث لا تريد.

    نشأ أديب في زمن بلغ فيه سيل الركاكة الزنار، كان يحاربها «صقر لبنان» في جوائبه، داعيًا إلى البلاغة والنسج على نول السلف، فما كاد يسمع — بعد صراعه الطويل في تعليم الجيل — صوت أديب حتى أُعجب به وراق له نهجه، فاثنى عليه وترجى خيرًا بعد عناء وجهاد طويلين. وكانت تلك الحقبة حقبة إنشاء المعاهد العلمية؛ فمن كلية أميركية إلى كلية يسوعية، إلى مدارس بلدية، كالحكمة والبطركية والمدرسة الوطنية للبستاني، ثم قام إلى جانب هذه جمعيات أدبية تعالج المواضيع العامة، وتهمس ما استطاعت لتحرك الهمم محاربةً الاستبداد، ساعية وراء تحرير العقول. كانت هذه الحقبة غنية بالعلماء كالشدياق مالئ الشرق والغرب، والبستانيين واليازجيين، والأسير، والأحدب، والدبس، والشميل، وصروف، وزيدان، كل هذه العناصر كانت تتفاعل في بيروت حين برز أديب للميدان فكان من أمره ما كان. تعرض الشدياق للكثلكة لنكبة أنزلوها بأخيه، أما أديب فتعرض لكل سلطة مستبدة سيان عنده الدينية منها والمدنية، وانتمى إلى الماسونية فازدادت نار ثورته اتقادًا ووقودًا.

    وقد اجتمع الشدياق وإسحاق على حب مصر والشرق، فعاشا ينافحان ويناضلان وظلا كذلك حتى مدَّ الدهر يده وانتزع من بين أصابعهم العَلم، فمات الشدياق بعد ما شبع من السنين، وقُصف غصن حياة أديب، ولكن نضاله القصير العمر كان سمينًا خطبه، وجليلًا شأنه، كما قال أبو تمام في قلم ابن الزيات.

    وإليك إحدى كلمات أديب في مقال — دولة العرب — التي تحسب أنها كتبت أمس، فبعد أن عدد أمجاد العرب العلمية والسياسية والأدبية قال:

    يندهش من يلقاهم مقتصرين من العلم على ما لا يجلب خيرًا، ولا يدفع ضيرًا يعقدون مذاهبهم فيه بالأوهام، أو بأضغاث أحلام، أو ينيطون أسبابها بالسماء فيخطئون من حيث يريدون الإصابة، ويصيبون من حيث لا يعلمون. وينذهل إذ يجدهم راضين عن الكسلة المتراهبين، والجهلة المتجاذبين، يقبلون منهم أكفًّا لا تعرف الطهارة، ويستحلبون منهم أبدانًا أنفت منها الستارة، حتى صار الكسل عندهم من المعايش، والخمول من المفاخر، والجهل من الملاجئ، والذهول من الكرامات، كأن لم يبق فيهم من عالم عامل يبدد الأوهام، ويبدي الحقيقة للأفهام.

    إلى أن قال: «كلا والله ثم كلا: إنهم لا يعدمون عالمًا ناصحًا، ولا نزيهًا صادقًا، ولا نبيهًا همامًا، وإنما أولئك نفر يمنعهم الخوف من الإقدام، ويردعهم اليأس من الاهتمام.»

    ثم يصف الدواء فيقول: «ما ضرر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم الرسائل، بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى مكان يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصوات متفقة المقاصد كأنها من فم واحد: قد جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة تَلِيها العاصفة، فذَرتْ حقوقنا فصارت هباء منثورًا، وألمت بنا القارعة ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم نغن بالأمس ولم نكن شيئًا مذكورًا. فهلم ننشد الضالة ونطلب المنهوب، لا تقوم بأمر ذلك فئةٌ دون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن إخوان، تجمعنا جامعة اللسان، فكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان.»

    «أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له من صدى، أم يخافون أن يذهب ذلك الاجتهاد سدى، أم لا يعلمون أن مثل هذا الاجتماع منزهًا عن المقاصد الدينية، منحصرًا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفًا من أكثر النحل العربية، يزلزل الدنيا اضطرابًا، ويستميل الدول جذبًا وإرهابًا، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ولا هم يحزنون.»

    أعلمت إلى ماذا كان يدعو أمته أديب إسحاق؟ إلى جامعة عربية! هكذا يكون الرجل السابق لزمانه، والثمر الطيب قبل أوانه. وليقم الشدياق وإسحاق والريحاني فيروا ما تحقق من أمانيهم.

  • خَلْقه وخُلُقه: كان أديب طويل القامة والعنق مع انحناء قليل، عظيم الأنف، عريض الجبهة بارزها، جهوريَّ الصوت، لطيف الحديث، ذكيًّا، نبيهًا، حاد الذهن، اشتهر بالخطابة والإنشاء فكان إذا خطب أفصح وأعرب، وإذا كتب سحر الألباب بحسن البيان مع السلاسة والبلاغة، وهو قدوة المنشئين وعمدة الكتاب.

    أما الذي يتراءى لي من مخلفاته الكتابية ومن أسلوبه فهو أنه ناري الشعور متقد الخاطر، ثوري من الطراز الأول، كأنه كان في رفقة الحجاج يوم دخل الكوفة، وقد انتشر النهار … يرسل عباراته الخرقاء فتئِزُّ أزير السهم، وقد فارق الوتر، جملٌ كأنها مقطوعة على نمط واحد، لا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، يشد بعضها بعضًا، فتؤلف مقالته كتيبة جامحة، إذا أخذتها منفردة لا تحس لها أثرًا عظيمًا، ولكنها تؤلف «كلًّا» تخرج منه النفس وقد ملأها هذا الكلام اندفاعًا واستبسالًا، وما أظن إبعاده مرات عن مصر في خلال مدة قصيرة إلا ناتجًا عن هذا الكلام الحاد الذي يفعل في النفوس فعله العجيب، لصدوره عن نفس منفعلة، متأثرة بكل ما تقول، مخلصة لما تدعو إليه، تنادي بمصر للمصريين، وكلها إيمان ويقين بما تدعو الناس إليه: «ومصر — ولا حياء في الحب — بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب، وخلقت باكورة غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبًا، ولبست ثوب الأمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة، ولست أول محب زاده البعد وجدًا، ولم ينكث على الصد عهدًا، فحذار أهل مصر إن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون والأرصاد.»

    يسير أديب الهويناء قاذفًا نظرات كالْتِفاتات النسر، ولكنه أبدًا في انتظار. يتطلع هنا وهناك على فريسة لقلمه، حتى إذا لاحت له كان قيد الأوابد حقًّا، وأنشب فيها مخالب قلمه. هجاء يذيب الشحم ويقرض اللحم. اسمعه بأي لهجة ينافح عن بلاده كاتبًا أجنبيًّا اسمه شارم غبريل: «أتقول، وأنت أكذب القائلين، إن السوريين أرباب كذب ونفاق، ودناءة أخلاق، لا مروءة لهم ولا حياء، ولا همة فيهم ولا خلاق؟! كذبت وربِّ المروءة، وما هي أول فِرْية منك، فقد رميت من قبل نزالة اليونان في مصر بهذا القول، فجاءك النذر من الصديق جوسيو: «ردَّ ما كذبتَ أو تكون من الخاسرين»، فأبيت فدعاك للنزال، يحسب أن في عروقك دم الرجال، فتسترت بأذيال فواجر الغدر، فعلم أن مثلك لا يعامل معاملة الشرفاء، فصفعك كما يصفع الأنذال.

    وتَذكرُ بعض مخدراتنا بالسوء ابتهارًا، وتُورد في ذلك حكاية حال من سفر بحر وصحبة فتى، وتزلف والد … فهلا ذكرتَ يا ابن الطاهرة، مكارم الكرائم حيث دببت، وحيث شببت، وحيث تأدبت، فلا تحرجنا فتخرجنا من الذود إلى الإقدام، ومن الجواب إلى الخطاب. إنا نعرف منكم ما لا تنكرون، ونعلم ما لا تجهلون.

    ثم طبعت هذا القول الهراء يا سقيم الطبع، فأين تركت ماء الحياء، ومن أين جلبت لوجهك جلد خنزير؟!

    عفوًا سادتي، عما ترون بي من سورة الغضب، ولكن هو الوطن، والعرض والقوم، ومن ذا الذي لا يغضب لقومه أن ينالهم لسان مبتذل ساقط لئيم … قد عرفت هذا الرجل الذي جاءكم ضيفًا نزيلًا، وأكرمتموه، فجعل أعراضكم مناديل.

    ويا مسيو غبريال شرم هذه أولى رسائلي إليك تنوب عن يدٍ يقصرها بعد المسافة عنك، فطب نفسًا. إنك التمست الشهرة بين قومك بما افتريت على السوريين والمصريين من قبلهم، وإني لأجعل لك بين قومي ذكرًا، يجدده المستقبحون عصرًا فعصرًا.»

  • إنشاؤه: تعرض أديب لوصف أسلوبه الإنشائي، فقال عندما أصدر جريدته في الإسكندرية:

    رأيت أن أصرف العناية والاجتهاد إلى تهذيب العبارة، وتقريب الإشارة؛ لتقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وأعذب وجوه الكلام، وانتقاء اللفظ الرشيق، للمعنى الرقيق، متجنبًا من الكلام ما كان غريبًا وحشيًّا، أو مبتذلًا سوقيًّا.

    ثم قال في تمهيد لمطلب مطوَّل عنوانه «الشرق»: «قد التزمت لهذا المطلب أسلوب التقرير، وعدلت فيه عن منهج الخطابة الشعرية؛ لاعتقادي بأن الأسلوب الخطابي وإن كان أسرع تأثيرًا في القلوب، وأحسن وقعًا في الأذهان، إلا أنه قد يميل بالكاتب إلى جانب التخيل الوهمي في مكان التقرير العلمي، فيرتفع بيانه عن المدارك التي سبقت إليها الملكات الصناعية الحسية فلم يبق بها من محل لملكة الخيال المسماة شعرًا، فيفوت الغرض المقصود من البيان والبلاغة، وهو تقرير المعاني في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام؛ ولهذا سأرسل فيه الكلام إرسال مقرر مبين، ولا أتكلفه تكلف منمق مزين، فإن أحكام التقرير منافية لهذا التمويه الذي يسمونه بديعًا.»

    هذا ما حكاه أديب عما كان يتعمده في إنشائه، وإذا عدنا إلى مطالعة سيرة حياته رأينا أن كل من ترجموا له ذكروا عبارة قالها أستاذه لأبيه: إن ولدك سيكون «قوَّالًا»، أي شاعرًا؛ لأن السجع كان يَرِد في كلامه عفوًا. أجل، إن السجع قِوام فن أديب، فهو يعتمد على تنميق التعبير وترجيعه وتدبيجه، يحييه بكلمات ترقص بما فيها من جناس وتضادٍّ، وينصب لغرضه شباك الاستعارات والكنايات والتشابيه. نثر كأنه الشعر، يرصعه بأبيات إما من الشعر القديم أو من نظمه هو، فيأتي مقاله عجاجًا زاخرًا حين يحتدُّ ويشتد كقوله: «هو الظلم حتى تمطر السماء بلاء، فتنبت الأرض عناء، فلا تجد على سطحها إلا جسومًا ضاوية، في ديار خاوية، وقلوبًا تحترق، في بلاد تحت رق.»

    وهو يراعي الموسيقى في نثره أكثر من شعره، فيتعمد ما كانت تتعمده مدرسة ابن العميد من أفعال مختلفة تتحرك لها الجملة فتحرك قارئها توًّا، وإن ذهب أثرها من عقله بعد حين.

    والذي ألاحظه أن الحريري تلا تلو البديع، ونحا ناصيف اليازجي نحو الحريري، أما أديب فأحيا بيان كتَّاب القرن الرابع. ففي مقالاته حدَّة البديع، وتنسيق الصاحب، وبلاغة الخوارزمي، وهجوم الحجاج للاستيلاء على المبادرة، عاش أديب مبادرًا أبدًا؛ ولذلك لم يذق طعم الراحة إلا حين أقعده الداء …

    كل مقالات الأديب خُطب تستثير الهمم، ومنبرها صحيفته التي تُقيم وتُقعد على حدِّ ما قال، وقد كانت تقع في نفوس أولياء الأمر المصريين في ذلك الزمن العصيب؛ أحسن وقع فأجلُّوا قدر الأديب، وحفظوا له تلك اليد حتى سلمه الخديو بيده براءة الرتبة الثالثة كما مرَّ.

    كان الأديب خفيرًا للمسألة المصرية، واقفًا على سلاحه أبدًا، حتى يهيب بالشرق أجمع: «إذا هبت عواصف الفتنة فذرت رماد المداجاة عن جمر ضغائن الدول، وصار الشرق، من أطراف الروم إلى البحر الأحمر، محشرًا للعساكر يتنازلون فيه، ويتجاولون على أرض يملكونها، وغنيمة يصيدونها وسطوة يريدونها، وقوم يستعبدون …

    وإذا انقضَّت صقالبة الشمال على بقايا الأناضول، واندفعت ألمان الوسط على فضالات البلقان، ووقعت حيتان بريطانيا على سواحل مصر، وجزائر بحر الروم، وترامت نسور الفرنسيس على فينيقية وبلاد السوريين، وتداعى أبناء الرومان على تونس الغرب وما يليها، ورجعت عساكر الإسبانيين إلى الغرب الأقصى، فماذا يحل بالشرقيين وكيف يتقون البلاء؟! وهم على ما نرى من شغف القلوب، وقوة الخلاف، وتفرق الكلمة … فهم في غفلة الساذج، وخدر السكران، وكسل المهموم، لا ينتفعون بما يعلمون، ولا يسألون عما يجهلون.

    وإذا جادت الحكمة بماء السلم فأهمدت ذلك الجمر، وعاد الشرق من جهاته الأربع مجتمعًا للتجار والصناع من جالية الغرب يتَّجرون فيه … وإذا انتشرت جالية الألمان في شبه جزيرة البلقان، تحيي الموات، وتنتحل الصناعات، وانبثَّ تجار الإنكليز والفرنسيين والإيطاليين وسائر الأمم الغربية يجمعون الثروة بما يتجرون، وما يستخرجون من كنوز الأرض … فأي مكان يكون للشرقيين في عالم الوجود وهم على ما نشهد؟»

    لقد نحا الأديب نحو الشدياق في تنبيه الشرق والانتصار له، والشدياق هو أول من دبج مثل هذه الفصول ببلاغة، ولكن لكل منهما روح. فالشدياق بَعُد عن تقليد القديم، أما إسحاق فأعاد لنثر القرن الرابع عصره اللامع — كما ترى — من تماسك عبارة، وموسيقى راكضة كأنها النهر في مجراه، يمده خياله الرائع، وتعبيره البارع. ويحيي كلامه بما يتقد في أحشائه من حمية، ليس للشدياق حمية إسحاق، كما أن ليس لإسحاق تهكم الشدياق؛ فكلاهما عالج قضية مصر والشرق كما أوحت إليه طباعه.

    ومن مَرِّكَ بعباراته أظنك قد أدركت أسلوبه كل الإدراك، وإذا اطلعت على أثره — الدرر — تبين لك أن حذق الرجل لغة الغرب لم يحول إنشاءه عن أسلوب العرب. ولأديب رسائل مجموعة في الدرر، وهي مطبوعة على غرار رسائل أبي بكر ومعاصريه، فهؤلاء كانوا أساتذته في الفن، وحسبه أنه ضارعهم، ليس في رسائله شأن يعنينا كثيرًا إلا رسالة كتبها عام ١٨٨٢ إلى جبرايل مخلَّع على أثر استظهار الإنكليز على مصر، ومما جاء فيها:

    نحن في زمان لا يشبه الأزمنة، وحال لا تماثل الأحوال، فيومنا مشتبه الخبر، وغدنا مجهول الأثر، ورئيسنا ليس بأعلم من المرءوس بما تؤدي إليه الحوادث؛ ولذلك تلجلجت الألسنة وترجرجت الأقلام، وتهدجت الأصوات، فصار الاعتزال كرامة، والخمول سلامة … فالخمول هو الراحة لأمثالي في مثل هذه الأيام، ولا سيما إذ لم أر معارضة ولم أجد نفورًا، ولكني ما رأيت مساعدة ولا إغراء بالظهور، فأنا على حالة الرضى بالرزق الحاصل، والذكر الخامل، حتى تستقر الحال، وينجلي ليل الأشكال.

    وأديب كان أعدى عدو للأجنبي، وما انفك يندد ويصيح حتى قضى.

  • أديب الشاعر: قلنا إن أديب إسحاق كاتب سياسي مناضل، ومن دعاة حرية الفكر وأحد رسلها المبكرين في الشرق العربي، وهو ممن يؤمنون بالعقل، وقد ظهرت مواهبه الخطابية في جمعيات بيروت مثل: «زهرة الآداب»، و«شمس البر»، و«زهرة الإحسان»، وإنه كان في عصره من أشهر الخطباء حتى ذكره الزعيم الخالد سعد زغلول في مقدمة الذين تأثر بهم خطابيًا. أما أديب الشاعر فهو في نثره أشعر منه في شعره، وإن كان فياض القريحة، يرسل القريض عفو الطبع. الرجل خطيب أولًا ولهذا أبدع في نثره، أما شعره فسوف نريك منه نماذج، ونتولى الحكم عليه معًا.

    قال أديب الشعر في أغراضه المعهودة: غزل وتشبيب، ومدح ورثاء، ووصف وقائع حال في ميدان السياسة والهوى، وقد كان للتراسل بين الأدباء شأن — كما عرفت — فخاض أديب هذه الغمرات أيضًا.

    وجارى أديب عصره في نظم الألغاز وحلها، ولم يحرم التاريخ الشعري من جهود قريحته، فقال يؤرخ موت شاب من بني الخوري مات بداء الهواء الأصفر «الكوليرا»:

    فتلونا فيه بالتاريخ أن
    قصف الغصن هواء أصفر

    [قصف الغصن هواء أصفر = ١٨٧٥]

    وكان يبدأ بعض مقالاته بأبيات من الشعر، وعلى أثره مشى ولي الدين يكن وغيره، وكان يخمس ويشطر على نسق أهل عصره، حقًّا إن في الأدب أزياء تبطل ثم تعود، وهي كالأنواع فقلَّما تنقرض انقراضًا كليًّا.

    وقد نظم في السجن كأبي نواس ولكن شتان بين السجينين؛ هذا سجين هوى أُمَّة عظيمة كمصر، وذاك سجين جام وغلام. ومما قال في سجنه من قصيدة بعثَ بها إلى محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب المصري:

    أمولاي هذا نظم حرٍّ وتلوه
    كلام سجين أوثقته المآثر
    أتوه بنكر وهو للعرف مرتج
    وجازوه بالخذلان وهو مناصر
    أيُبعد ذو فضل، ويُدنى منافق
    ويُسجن وافٍ، حين يطلق غادر
    ويكرم جاسوس عن الصدق حائد
    ويظلم هَمَّام على الحق سائر
    بذا قضت الأيام ما بين أهلها
    معايب قوم عند قوم مفاخر

    ثم نظم قصيدة تاريخية وصف بها حوادث مصر سنة ١٨٨٢، وقد نشرت في الجزء الخامس من تاريخ مصر للمصريين، وهي من الطراز الذي سبق.

    وللأديب أبيات شعر عائرة منها ما لا يعرف أنه له كقوله:

    قتلُ امرئٍ في غابةٍ
    جريمة لا تغتفر
    وقتل شعبٍ آمنٍ
    مسألة فيها نظر
    والحق للقوة لا
    يُعطاه إلا من ظفر

    ومنها ما يُعرف أنه له، وهي أبيات يدور أكثرها على ألسن الأدباء:

    إنما المرأة مرآةٌ بها
    كل ما تنظره منك ولكْ
    فهي شيطان إذا أفسدتها
    وإذا أصلحتها فهي ملَكْ

    لقد وعدتك أنْ سنشترك في الحكم بعد عرض النماذج، أما أنا فقد قلت كلمتي فلك أنت أن تقول ما تشاء.

  • أثره في الذرية: إن لأديب إسحاق أثرًا بينًا في أسلوب إنشائنا الأدبي، فهو وإن لم يبدع أسلوبًا سهلًا جديدًا كالشدياق فقد أعاد للنثر رواءه وفخامته. اقتفى أثر الشدياق واضع أسس أدب المقالة في جمله الأدبية والسياسية، وتوغل في الترصيع والتدبيج حتى سمى هو ما يكتبه بالأسلوب الشعري؛ لعمق التخيل فيه والتعمل.

    وقد أثر هذا الأسلوب في الأجيال المتعاقبة؛ فاقتُفِي أثر إسحاق زمنًا، فبدت ملامح أسلوبه في جميع من كتبوا «المقالة» بعده، وإذا أطلتَ النظر في أسلوب جبران في أول عهده، ترى فيه هذا العنصر، إنما بشكل آخر.

    وإذا أخذت مثلًا نجيب الحداد رأيته نسخة طبق الأصل عن إسحاق، وإن كان دونه سجعًا وتخيلًا، وشدة أسر. وكذلك إبراهيم اليازجي في صدر مقالتيه: الزهرة والقمر. إن هذا الأسلوب الإنشائي لا تزال آثاره بينة ظاهرة في إنشاء الكثيرين من الكتاب.

(٢) محمد عبده

ولست أبالي أن يقالَ محمد
أبلَّ أمِ اكتظت عليه المآتمُ
ولكنَّ دينًا قد أردتُ صلاحه
أحاذر أن تقضي عليه العمائم

هذا ما روي عن الإمام أنه قاله عند الاحتضار. ولد محمد عبده في الريف من أبوين فقيرين، ولما كُلِّف طلب العلم أُدخل الكتاب، ولكنه خرج منه خروج الشعرة من العجين. ثم عاد بعد حين فقرأ القرآن في أحد الجوامع، وتحوَّل إلى الأزهر على كرهٍ منه فحصَّل العلوم الشرعية والعربية، واتصل بالأفغاني وأخذ عنه علم الفلسفة والكلام فكان أنبغ من تلمذوا له. وقد قال الأفغاني ساعة ودَّع مصر: «قد تركت لكم محمد عبده.»

عُيِّن مدرسًا للتاريخ والأدب بدار العلوم، ثم شكروا له خدماته فلزم بيته في بلده … وعين بعد عام كاتبًا في جريدة الوقائع المصرية، فنقد فيها الحكومة ووزارة المعارف … وكانت ثورة عرابي فاتُّهِمَ أنه أفتى بعزل الخديوي توفيق باشا، ونُفي إلى بر الشام، فأقام سنة ببيروت كان فيها مدرسًا، ثم ذهب إلى باريس ليلتقي بأستاذه الأفغاني، فأصدرا معًا «العروة الوثقى»، فكان السيد الأفغاني مديرًا لها، والإمام محررًا.

ولم تكن العروة وثقى فانفصمت بعد عدة أشهر، وعاد عبده إلى بيروت فدرَّس بالمدرسة السلطانية، وأصلح منهاجها. وفي بيروت ألف رسالة التوحيد وشرح مقامات البديع، ونهج البلاغة، وعرب رسالة الأفغاني في الرد على الدهريين، وعفا عنه الخديوي فعاد إلى مصر وتقلب في مناصب عديدة أهمها عضوية مجلس إدارة الأزهر، فجاهد لإصلاحه. وظل يكتب مناضلًا حتى مات تاركًا تفسيرًا لستة أجزاء من القرآن أطلق لنفسه حريتها فيه، ولم يتقيد بأحد. ورد على هانوتو ورنان، وألف كتاب الإسلام والنصرانية.

وصفه لنا معلمنا الشيخ سعيد الشرتوني الذي اتصل به وصادقه في بيروت. كان ذلك يوم جاء خبره فبكى أستاذنا في الصف، وبعد أن كفكف عبراته قال: «كان الإمام أسمر مربوعًا، له عينان يشع منهما نور، وهيبته كالأسد. حليم كريم، محب لبلاده وللناس. كاتب متين، وشاعر رصين، وخطيب. غايته إنقاذ الشرق من الجهل، بتعليمه الدين الصحيح.»

وها نحن ننقل لك شيئًا من مقال له عن «الانتقاد»؛ لنعرفك على أسلوبه المرسَل لا المسجَّع:١

الانتقاد لغة: النظر في الدراهم وغيرها؛ لمعرفة صحيحها من فاسدها، وصحيحها من زائفها. ومنه انتقاد الكلام لتمييز فاسده من صحيحه وغثه من سمينه. على أن الانتقاد طريق من أوسع طرق الارتقاء، وإن أربابه قادة الناس إلى المراتب العليا من مراتب الكمال والجمال، فلا عجب أن يعرف العقلاء قدرهم، ويحيوا ذكرهم ويصدعوا بأمرهم. وحيث كان الانتقاد ميتًا كان الفن ساكنًا لا حراك له نحو التقدم، ولا حياة لأهله.

وبعدما جعل الإمام الانتقاد أصح دليل على رقي الناس قال: «إن النقد ازدهى عند العرب في عصر نهضتهم، ثم توارى حين تأخروا. وكذلك الفرنجة فإنه لم يكن عندهم انتقاد يوم كانوا في تأخر، ولما تقدَّموا أَنشئوا للنقد الجرائد والمجلات … حتى أنك لا تكاد تجد مؤلفًا يؤلف عند الإفرنج إلا اسْتُهدِف لسهام الانتقاد والمنتقدين من كل صوب وناحية، بل قد صارت عادتهم أن لا يعرض مؤلف للبيع حتى يعرض على الجرائد لانتقاده فيسمع الناس به ويعرفوا قيمته. والمؤلفون منهم أرغب الناس في توطيد دعائم الانتقاد وتقوية ساعد المنتقدين؛ لعلمهم أن جلب الفائدة منه عائد عليهم، فلذلك تراهم يرضخون لحكم المنتقد أخطأ في اعتقادهم أو أصاب، ويعتبرون نقدهم فضلًا عليهم وجميلًا معهم. وإذا اقتضت الضرورة أن يردوا عليه صدَّروا الرد بالاعتذار عن ذلك … كل ذلك حرصًا على الانتقاد أن تخبو ناره.

وأبلغ الكتاب قلمًا، وأقومهم رأيًا، وأجزلهم لفظًا، وأَرَقُّهم نثرًا ونظمًا، هم أشد الناس عرضة للانتقاد. وقد يميل المنتقدون عليهم كل الميل، ويتحاملون عليهم شديد التحامل، فينتقي الكتَّاب من انتقاد النقاد ما أصابوا فيه، ويغضُّون عما أخطئوا، وكثيرًا ما ينقلون انتقادهم عليهم إلى كتبهم، إما إقرارًا بصحته، أو إظهارًا لخطَئِه، أو لغير ذلك من الأغراض.

والانتقاد بين علماء الإفرنج دليل على رعاية مقام المنتقَد عليه والاحتفاء بشأنه. والتدقيق في الانتقاد دليل الاهتمام بما يُنتَقد. والواسعون في الفهم يعتبرون تشديد المنتقد عليهم مزية لهم، ويفضلون إظهاره لمعايبهم على مجرد مدحه لهم وإطرائه.

وإذا رأوا من المنتقد تساهلًا وتسامحًا ساءهم ذلك، وحملوه محمل الاستصغار لقيمة تآليفهم، وقوة عقلهم …»

ثم قال في الناقد:

يلزم أن يكون الناقد بصيرًا خبيرًا يتحرى الصدق في القول، والإخلاص في النية، منصفًا، عادلًا، باحثًا، منقبًا، قاصرًا النظر على ما قيل، مغضيًا عمن قال. ولا حقَّ للمنتقَد عليه أن يحقد على الناقد إذا أبان معايب تأليفه، ولم يسترضه بمدح ذاته وصفاته، أو إذا لم يغض عن نَقِيصة أتاها سهوًا أو عمدًا.

هذا وصف وجيز لحال النقد والناقدين عند الأوروبيين. وأما نحن المشارقة فقد خبت عندنا نار النقد، منذ غابت عنا شمس معارف العرب وعلومهم.

وختم الإمام مقاله هذا متمنيًا ألا يكون الانتقاد مخاصمة ومشاتمة، ومهاترة ومشاجرة، وتمنى على أصحاب الجرائد إشهار الانتقاد في البلاد.

هذا ما رأينا نقله لك لتعرف أن هذا الرائد المصلح يجول في كل بحث ومطلب، ويناضل على كل جبهة، ثم لنعرفك على هذا الأسلوب الرصين الذي لا غبار صنعة عليه.

(٣) شبلي الشميل

هو إحدى حلقات تلك السلسلة الذهبية، أدرك الشدياق، وناصيف اليازجي، وإسحاق، ومشى مع صروف وزيدان رفيقي المدرسة، فتوغل زيدان في دياميس التاريخ على ضوء هلاله، وانصرف صروف إلى بساتين العلوم الحديثة يقتطف منها زهورًا فواحة وثمارًا يانعة، أما الشميل فجعل وكده العلم والفلسفة. جرته دراسته الطبية إلى بحث «الأنواع» فسد ثغرة وملأ فراغًا، تحدث عن العلم والفسلفة بأسلوب أدبي رفيع فكان نسيج وحده.

قال صروف: جاء الشميل المدرسة الكلية الإنجليزية — الجامعة الأميركية اليوم — سنة ١٨٦٧ وله من العمر حوالي سبعة عشر عامًا فتجاورنا على مقعد المدرسة سنتين. شاب قصير القامة، أسمر اللون، مرتد الثياب الفرنجية يوم كانت نادرة الاستعمال. هو من كفر شيما ضيعة أستاذنا ناصيف اليازجي، وأنا من ضيعة الشدياق، وكلانا يود أن يحتذي بابن بلده، فكنا نتنافس في اقتفاء أثرهما.

والشميل ابن بيت علم، أخواه ملحم وأمين معلمان، ولهما تآليف في الفلسفة، وأبوهم من أدباء عصره. وفي سنة ١٨٧١ ترك شبلي المدرسة إذ صار طبيبًا جسمانيًّا، ثم عالمًا صريحًا، وفيلسوفًا جريئًا لا يحابي أحدًا. كان حاد الذهن، سريع التصور، نابغة في التعليل، ألمعيًّا في اكتشاف الحقائق. وكان أشهر الأطباء في التشخيص الطبي فكأنما يُوحى إليه. وبلغت منه الفراسة أنه علل حوادث كثيرة بالاستهواء الذاتي قبل شيوع هذا العلم في أوروبا.

وهو — فوق ذلك — ذو ذاكرة ماضية، وقوة استحضار فائقة. أنيس المحضر، حسن المحاضرة، فكه الحديث، طلق المحيا، بشوش، مخلص، منصف، ذو شجاعة أدبية تفوق الحد، متغطرس على الظالمين، متواضع للضعفاء البائسين، كريم لم يستفد من علمه، ولو حرص على ماله حرصه على مقالاته، لكان من الأغنياء ولعاش ميسورًا موفورًا. كان واسع الرواية، قوي الحجة، متحمسًا لمعتقده.

وهذا النابغة العظيم هو زعيم فكرة التطور والنشوء والارتقاء في عالم الضاد. حاز شهادة الطب يوم كانت معركة النشوء والارتقاء حامية الوطيس في الغرب، فنقل رحاها إلى الشرق. قرأ عنها في المدرسة سنة ١٨٧١ فهزئ بها، ولكنها شغلت باله، فظلت تعمل في عقله الباطن، حتى خطب عند نَيْلِه الشهادة في موضوع: «اختلاف الحيوان والإنسان بالنظر إلى الإقليم والغذاء والتربية»، وكل ذلك عن غير قصد منه. ورحل بعد نيل الشهادة إلى أوروبا والأستانة فاطلع على المذهب في كتب أصحابه، وكأنه يعلل تحوله إلى هذا الموضوع فيقول: «إن تربيتي المدرسية لم تسمني بطابعها، فإن اعتلال صحتي في حداثتي لم يسمح لي بأن أكون من متخرجي المدارس، ما خلا الطب.»

أثار الشميل قضية فلسفة النشوء والارتقاء فقامت حولها القيامة، وإن كنا نقرؤها اليوم كما نقرأ فرضًا حسابيًّا. ولست أبعد بك كثيرًا، أيها القارئ العزيز، فقد جئت والدي — بعد عودتي من المدرسة — بخبر أحدث بيني وبينه ما أحدثت فلسفة النشوء والارتقاء بين الشميل ومناظريه. جرني غرور الصبا والعلم فقلت لمن جاءوا للسلام علي وامتحان عبقريتي: الأرض تدور. فزأرني والدي، ولكني لم أعبأ بعارض جفنيه ومضيت في حديثي. فإذا به يعض على شفته السفلى عضة تُرعب، فلم أسكت. أما الناس فكانوا يسمعون براهيني على دوران الأرض، وهم يضحكون علي، وأنا أحسبهم يضحكون لي، ولكن المرحوم والدي نزل أخيرًا إلى الميدان، فخطَّأني وخطأ جميع الكتب، وسب ديك العلماء، وحجته الدامغة هو أن بابنا الشمالي يظل على الشمال، والشمس تغيب وراء جبل معاد، وتظل تغيب هناك … وكان مسك الختام: سد بوزك. فسددناه مؤقتًا …

لسنا ندرس الشميل الدرويني فعلى من يهمه الأمر أن يرجع إلى كتبه التي طبعت سنة ١٩٨٤ ثم أعيد طبعها في سنة ١٩٠٩ على حساب الأجاويد والأنصار، وأولهم الأب بولس الكفوري والدكتور أيوب ثابت وغيرهما من أحرار رجال الفكر والقلم، ثم أصحاب الأكياس الوارمة. أما الذي يعنيني هنا فالشميل الأديب النابغة الحر الفكر الذي لا يؤمن بغير العلم، والعلم العملي وحده، وقد قال في ذلك:

إن اليوم الذي ينصرف فيه الإنسان عن تنميق الكلام إلى إتقان العمل هو اليوم الذي تتقوَّم فيه طباعه، فتقل سخافته، ويكثر جده، ويقل رياؤه، وينشط من الذل، ويرتقي ارتقاء حقيقيًّا، ويحق له حينئذ أن يعد نفسه إنسانًا.

وإذا بحثنا الشميل الأديب فكأنا تناولنا الشميل كله بقضِّه وقضيضه، فهو لم يفارق عمود فكرته في كل ما كتب، فكأنه استعان ببيانه لإيضاح ما في وجدانه. أسلوب إنشائي؛ تارة ينحو فيه نحو الشدياق معلم الجيل في بساطة العبارة، وخفة الروح، وحينًا ينهج نهج أديب إسحاق الخطابي فينقضُّ على الموضوع انقضاضًا.

فالشميل كاتب جدلي، مطبوع على الأسلوب الخطابي، ينمُّ أسلوبه على لبنانيته. تقرأ مجموعته من أولها إلى آخرها، فلا تحس أدنى أثر للهجة المصرية، بل بالعكس فإنك ترى لونًا صارخًا من الأسلوب اللبناني وإليك مثلًا هذا التعبير: «كم أنت متمسك بما نشأت عليه؟ فأنا كنت مثلك وأكثر.» ومثل هذه العبارة كثير في مقالاته.

والشميل عاش وله في كل عرس قرص، يكتب باللغة الفرنسية كما يكتب بالعربية، لم يدع مسألة سياسية أو اجتماعية إلا ومد إليها مبضعه. عالج جميع قضايا عصره الاجتماعية، ورمى جميع الأهداف بأسلوب علمي منطقي. ندَّد بتنميق الكلام ثم تأنق وسجع، فبحث الحقائق العلمية متذرعًا بالخيال وسحر البيان.

أما فلسفة الشميل فمعرِّية؛ نحا نحو أبي العلاء في تفكيره، وحسبك منه «رسالة المعاطس» برهانًا، والشميل وجودي بكل ما في هذه الكلمة من معنى وقوة.

قال الشعر ولكن شعره دون نثره، قاله لإثبات نظريته محاولًا تقديمها لك على طبق أنيق من الخيال، محلولة في إكسير أتْركُ لك نعتَه:

هو الحب إكسير الوجود بلا مرا
ولولاهُ ما كان الوجود كما ترى
فكلُّ الذي تلقاه في الكون سرهُ
وهاديهِ في أفعاله كيفما نحا
هو الحيُّ مولودًا، هو الميتُ فانيًا
هو النجم قد أسرى، هو الصبح والدجى
هو الكلُّ في كلٍ، معيدًا ومبدئًا
وما نحنُ إلا فيه من صور الفنا
وليس فناء ما نراه، وإنما
هو العود للأولى، هو البعث للألى
قضوا فحيينا، وانقضينا بعودنا
إليهم، وغير «الكل» ليس له بقا

أظنك توافقني — بعد ما قرأت — على تسميتي هذا الضرب من الأدب بالصوفية العلمية، وعلى عدِّي الشميل وجوديًّا، وإن كان الأدب يغلب على ألوانه جميعًا.

(٤) عبد الرحمن الكواكبي

الرجل سبط أسرة حلبية عريقة ذات شهرة وصيت، ويعود نسبه إلى السيد إبراهيم الصفويِّ أحد أمراء أردبيل العظماء، وهو سليل بيت علم، درس العلوم الشرعية في المدرسة التي أنشأها جدوده وإليهم نسبت، ثم وقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة، وأتقن العربية والفارسية والتركية. أنشأ جريدة الشهباء، ونزع فيها إلى الإصلاح، وحرية القول والفكر؛ فحُبس، ففر إلى مصر، وطاف أقطار العالم فزار أقاليم عديدة، ثم عاد إلى المحروسة.

قال زيدان: «كان الكواكبي واسع الصدر، معتدلًا في كل شيء، عطوفًا على الضعفاء حتى سماه الحلبيون «أبا الضعفاء».»

وجاء في الرائد العصري أنه: «كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس، ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه؛ ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين، ومع تمسكه بالإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها، كان بعيدًا عن التعصب يستأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء؛ لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة.»

اشتهر هذا الكاتب الخطير بكتابين: أمِّ القرى، وطبائع الاستبداد. فأمُّ القرى كتاب تخيل الكواكبي فيه أنَّ مؤتمرًا عقد بمكة المكرمة في موسم الحج عام ١٣١٦، فاختار لهذا المؤتمر اثنى عشر عضوًا، منتدبين عن جمعية أعضاؤها من كل قارة وقطر.

أما شعار الإخوان في هذه الجمعية فهو: لا نعبد إلا الله، وأما مبايعتهم فعلى عهد الله بالجهاد والأمانة.

كان أساس البحث في مؤتمر «أمِّ القرى»، وهو موضوع الكتاب، على هذا السؤال: ما هو سبب تعمم الفتور وملازمته لجامعة هذا الدين — الإسلامي — كملازمة العلة للمعلول، بحيث أينما وُجِدَتِ الإسلامية وُجِد هذا الداء، حتى توَّهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان.

ونوقش هذا الموضوع نقاشًا صريحًا واضحًا، ولما جاء دور السيد الفراتي — أي الكواكبي — بحث أسباب الفتور دينية ومدنية، فتكلم عن ٨٦ سببًا منها الديني والمدني والسياسي والأخلاقي إلخ، أما عصارة الرأي فكانت كما قال المتنبي:

وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجم

ثم أشار إلى نظرة الأتراك للعرب، وأيد زعمه بعبارات من لسانهم، وبعد أن عدد كثيرًا من أقوالهم فِينا، قال: إن العرب لا يقابلونهم إلا بهذا المثل: ثلاث خلقن للجور والفساد؛ القمل، والترك، والجراد.

أما كتابه الثاني؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد فنسب إلى الرحالة «ك» أي الكواكبي، وخير ما يوصف به هذا الكتاب هو تلك العبارة التي جاءت بعد العنوان: «كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدًا بالأوتاد»، ثم يقول في المقدمة:

وبعد فأقول وأنا المضطر للاكتتام حسب الزمان، الراجي اكتفاء المطالعين الكرام بالقول عمن قال: إنني في سنة ١٣١٨ وجدت زائرًا في مصر على عهد عزيزها ومعزِّها حضرة سمي عم النبي العباس الثاني، الناشر لواء الحرية على أكناف ملكه، فنشرت في بعض الصحف الغراء أبحاثًا علمية سياسية في طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد.

ثم ينتقل إلى مقدمة هذه الفصول التي جمعها في كتاب فيتحدث عن كتَّاب السياسة في الشرق والغرب حتى إذا تناول العرب بالكلام قال:

وأما العرب منهم فقليلون ومقلُّون، والذين يستحقون الذكر منهم فيما نعلم: رفاعة بك وخير الدين باشا التونسي، وأحمد فارس والمبعوث المدني، ولكن يظهر لنا الآن أن المحررين السياسيين من العرب قد كثروا بدليل ما يظهر من منشوراتهم في الجرائد والمجلات في مواضيع كثيرة.

لم يتبع الكواكبي خطة معاصريه في السجع، ولم يتنطع في اللغة ولم يتحذلق؛ فهو مناضل ضد كل استبداد حتى استبداد المقلدين، وقد حدد الاستبداد بقوله:

الاستبداد لغةً هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما تنبغي الاستشارة فيه، ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها هي أقوى العوامل التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكُّم رؤساء بعض الأديان وبعض العائلات، وبعض الأصناف فيوصف بالاستبداد مجازًا، أو مع الإضافة.

أما في اصطلاح السياسيين فهو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف تبعة، وقد تطرق مزيدات على هذا المعنى فيستعملون في مقام كلمة «استبداد» كلمات استعباد، واعتساف، وتسلط، وتحكم. في مقابلتها كلمات: شرع مصون، وحقوق محترمة، وحسٌّ مشترك، وحياة طيبة، ويستعملون في مقام صفة «مستبد» كلمات: حاكم بأمره، وحاكم مطلق، وظالم، وجبار. وفي مقابلة حكومة مستبدة كلمات: عادلة، ومسئولة، ومقيدة، ودستورية …

هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المترادفات والمقابلات، وأما تعريفه بالوصف، فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرَّف في شئون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب، ولا عقاب محققين.

إلى أن يقول وهو يريد السلطان عبد الحميد — وإن قال في التمهيد إنه «غير قاصد بها — أي مقالاته — ظالمًا بعينه، ولا حكومة مخصصة»:

المستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس؛ ليسدَّها عن النطق بالحق.

ثم يقول:

المستبد إنسان والإنسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب، فالمستبد يودُّ أن تكون رعيته كالغنم دَرًّا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا. وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خدمت، وإن ضربت شرست، بل عليها أن تعرف مقامها هل خُلقت خادمة للمستبد، أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه. فإن شمخ هزت به الزمام، وإن صال ربطته. وفي هذا المقدار كفاية لمعرفة ما هو الاستبداد بالإجمال والمباحث الآتية كافلة بالتفصيل.

ثم يتكلم عن مرتع الاستبداد، فيقول أجمل قول: «العوام هم قوت المستبد وقوَّته بهم؛ عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويُهِينُهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته. وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه كريم، وإذا قَتل ولم يمثِّل يعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نَقَمَ عليه منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة.»

والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، فإذا ارتفع الجهل زال الخوف وانقلب الوضع؛ أي انقلب المستبد رغم طبعه إلى وكيل أمين يهاب الحساب، ورئيس يخشى عادل الحساب، وأب حليم يتلذذ بالتحابِّ.

ثم قال:

وضع الناس الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلبَ الموضوع؛ فجعل الرعية خادمة للرعاة كأنها خلقت لأجلهم فقبلوا وقنعوا، كما أن الاستبداد استخدم قوتهم المجتمعة وهي هي قوة الحكومة على مصالحهم لا لمصالحهم فارتضوا ورضخوا.

ولما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس من أهم الأمور أطلقت الأمم الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنية القذف فقط، ورأت أنَّ تحمُّلَ مضرَّة الفوضى في ذلك خيرٌ من التحديد؛ لأنه لا ضامن للحكام أن يجعلوا الشعرة من التقييد سلسلة من حديد، يخنقون بها عدوتهم الطبيعة أي الحرية، وقد حمى القرآن قاعدة الإطلاق بوضعه قاعدة: «لا يضارَّ كاتب ولا شهيد.»

وفي فصل عنوانه: «الاستبداد والترقي» تخطى إلى القول: «وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبَتْ وتألَّمت، كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها … وعندئذ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة لا ينفك عنها حتى تموت، ويموت هو بموتها.»

هذه الفكرة قالها أديب إسحاق قبل السيد الكواكبي ولكن هذا لا يضيره.

ثم توغل السيد في هذا البحث، فتصور نفسه يخاطب قومه ليحرك قلوبهم، فنحا في الكلام نحوًا جميلًا يكاد يكون ابتكارًا في أسلوب المقالة فابتدأ هكذا:

يا قوم، ينازعني — والله — الشعور هل موقفي هذا في جمعٍ حيٍّ أُحَيِّيه، أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة.

يا قوم، لستم أحياء عاملين ولا أمواتًا مستريحين، بل أنتم بينَ بينَ في برزخ يسمى التنبت ويصح تشبيهه بالنوم.

يا قوم — هداكم الله — ما هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم، وعز كريم، أفلا تنظرون إلخ.

يا قوم — وقاكم الله من الشر — أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع، وشرف القدوة، مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص عل كل عتيق، إلخ.

نعم يا قوم، عافاكم الله، ويا قوم، أعيذكم بالله، ويا قوم، شفاكم الله، ويا قوم، رحمكم الله، ويا قوم، حماكم الله، ويا قوم، هون الله مصابكم، ويا قوم، سامحكم الله، وظل يقول يا قوم يا يقوم حتى فرغ جرابه، وهيهات أن يفرغ.

ثم انتقل من يا قوم إلى الشرق فخطابه خطابًا يبتدئ كل مقطع منه ﺑ «رعاك الله يا شرق.»

ويختم كتابه بالقول: «إن الله — جلت حكمته — قد جعل الامم مسئولة عن أعمال من حكَّمته عليها وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلَّها الله لأمة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمة رشدها استرجعت عزَّها، وهذا مثال. وهكذا لا يظلم الله الناس بل الناس هم أنفسهم يظلمون.»٢

هذا هو الكواكبي أحد الروَّاد المناضلين في العهد الحميدي، ولعله أمرُّهم لسانًا، وأعنفهم هجومًا، وربما كان موقد نار اليقظة القومية العربية، فبينما كان حزب تركيا الفتاة يدعو إلى تجديد دم الحكم التركي كان الكواكبي يهتف: فلْنُلقِ عنا نيرهم … ثم كان الذي كان.

(٥) مصطفى كامل

تعلم أولًا في المدارس المصرية، فحاز جائزة التفوق في الامتحان أمام الخديوي توفيق باشا، ولحق بمدرسة الحقوق المصرية، ثم فصل منها، وسافر إلى فرنسا حيث أتم دروسه، ونال الليسانس من كلية طولوز وهو لم يبلغ العشرين بعد.

وخرج إلى العالم مسلحًا بعلومه ليغوص في بحر السياسة ولا يكون له همٌّ إلا المطالبة بالجلاء. فألَّف لتأييد مطلبه كتاب المسألة الشرقية، وحياة الأمم، والرق عند الرومان، ورواية فتح الأندلس التمثيلية، والشمس المشرقة؛ فحبب الشعب بالحرية والاستقلال، فالتفَّ حوله الشباب، وصار ذلك الزعيم بلا منازع.

كان شعاره السياسي «مصر للمصريين»، فخاطب الدول كتابيًّا، وكتب فصولًا كثيرة في الموضوع، وأصدر أخيرًا جريدته اللواء بالعربية أولًا، ثم بالفرنسية والإنكليزية؛ ليبلغ صوته دول الأرض.

ورأى الحاجة ماسة إلى تأليف حزب منظم فألَّف الحزب الوطني الذي انْتُخِب رئيسًا له طول الحياة.

وإذا لم يتسع المجال للتحدث عن تطوافه في الشرق والغرب، فلنتحدث ولو قليلًا عن صفاته، فقد كان هذا الزعيم المناضل عصبي المزاج، شديد التطرف في آرائه، مخلصًا لها، ثابتًا عليها. يرجع إليه فضل إيقاظ الشعب المصري، وتمهيد السبيل للزعيم زغلول، ومن جاءوا بعده من الأحياء الذين هم خارج نطاق بحثنا.

كان هذا العظيم من خطباء العالم المعدودين مسلحًا بصوت جهوري تستحليه ولا تنفر منه. قوي البديهة متدفق البيان رائعه. يعرف كيف يأسر سامعيه ببراعة استهلاله، وكيف يترك في نفوسهم أثرًا بليغًا بحسن ختامه، تؤيده في جميع مواقفه محبته العنيفة لوطنه، وإباؤه المملوء كرامة قومية.

كان داعيةً عنيف الكلام، ولكنه لم يدعُ إلى استعمال القوة والعنف، بل كان يتذرع دائمًا بالسلم ليبلغ الغاية والقصد، يشبه في مواقفه الخطابية أديب إسحاق الذي اقتدى كل من جاءوا بعده بأسلوبه ووقفته، كما قال الزعيم الآخر الخالد سعد زغلول.

(٦) قاسم أمين

جده أمير كردي، تلقى علومه أولًا في مدارس وطنه، ثم بُعث إلى أوروبا فدرس علم الحقوق، وعاد ليشغل مناصب عديدة في القضاء.

وأشهر كتبه «تحرير المرأة»، ثم كتاب «المرأة الجديدة»، وهو دفاع عما كتبه «تحرير المرأة» الذي أقام الشرق وأقعده، وكأن هذا الكتاب تعديل لما في كتاب تحرير المرأة من تطرف. لقد رد على قاسم كثيرون، أما أبلغ ردٍّ كان فهو هذه الحكاية، إن صدق الرواة: قيل إنه جاءه واحد يومًا يطلب مقابلة «مدامته»، فقال قاسم أمين: أنت غلطان يا أخي! زوجتي أنا!

فأجابه الرجل: نعم مدام قاسم بك أمين. ألست أنت المطالب برفع الحجاب وإطلاق حرية المرأة، فابدأ بنفسك، اسمح للست أن تقابلنا لنتبعك!

وبعد، فليس قاسم أمين أول من طالب بحرية المرأة المسلمة، فالكتاب الأتراك وأحمد فارس الشدياق الذي أصدر جوائبه في عاصمتهم، كانوا أول الداعين إلى ذلك لكثرة اختلاطهم بالأجانب.

وقد استدرك قاسم أمين فقال: «سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة، فأقول: نعم، ولكنها ليست في الإسلام، بل في العوائد، وطرق المعاملة التي يحمد الكمال فيها.»

وقد نشر لقاسم أمين كتاب ثالث سمي «كلمات لقاسم بك أمين»، ومن هذه الكلمات قوله: «إن الذي مدحك بما ليس فيك إنما هو مخاطب غيرك.»

تعصب أهل الدين، وغرور أهل العلم هما منشأ الخلاف الظاهر بين الدين والعلم، لا تكمُل أخلاق المرء إلا إذا استوى عنده مدح الناس وذمهم إياه.

ومن كلماته أيضًا، وهو رأي له في اللغة:

لا أدري ما هي غاية الكتاب إذا أرادوا التعبير عن اختراع جديد، إنهم يجهدون أنفسهم في البحث عن كلمة عربية تقابل الكلمة الأجنبية المصطلح عليها، كاستعمالهم — مثلًا — كلمة السيارة بدلًا من كلمة الأوتوموبيل، فإن كان القصد تقريب المعنى إلى الذهن، فالكلمة الأجنبية التي اعتادها الناس تقوم بالوظيفة المطلوبة.

وإن كان قصدهم إثبات أن اللغة العربية لا تحتاج إلى اللغات الأخرى، فقد كلفوا أنفسهم أمرًا مستحيلًا؛ إذ لم توجد، ولن توجد لغة مستقلة عن غيرها مكتفية بنفسها.

هذا هو أحد روادنا الذين سعوا للتحرر، وإنا لم نضعه هذا الموضع لبلاغته وفصاحته بل لمنزلته الاجتماعية التي كان لها أثر بعيد في النهضة الحديثة، فالغاية من الكتابة الإصلاح، وهذا كان قصد قاسم أمين حين يكتب.

(٧) فرح أنطون

كانوا يقولون في تحديد الكاتب: فلان يطبق المفصل، وصرنا نقول اليوم: يطبق المنهاج … كانت المعرفة عيارًا للعلم، فصارت الشهادة قِبلة يُصلى عليها، وكيف يجعلها دبر ظهره من يراها مفتاح قفل الغد …

أما فرح أنطون فهو كغيره من الرواد — تلاميذ ذلك الزمان — لا تعادل درجته العلمية الشهادة التكميلية من مناهج اليوم، ولكنه أخرج إلى عالم الأدب ما تقصر عنه دكاترة الأدب والفلسفة.

بزغ نجم فرح أنطون الأدبي مع هلال القرن العشرين — ١٩٠٠ — فحمل إلى العالم العربي وحي رسالته الجامعة الشاملة، فطعَّم الألباب، ونوَّر العقول. حلَّ هذا البلبل الشادي دوح وادي النيل فحنا عليه حنو المرضعات على الفطيم، وما انفك يعمل حتى صار ثالث اثنين: «المقتطف» للعلم، و«الهلال» للتاريخ، و«الجامعة» للأدب والثقافة العامة، فكان رائد النهضة الفكرية الحرة في الشرق العربي.

حمل فرح على منكبيه رسالة الفكر الإنساني فأدتها «جامعته» في سبع سنوات فقط، ثم انفتل من جهاده يسعى وراء الرغيف؛ لأن الثقافة لا تطعم من جوع ولا تؤمن من خوف.

كان الشدياق يهدر كالجمل الأورق، وأديب إسحاق يزأر في عرين المنابر ويطاعن خيلا من فوارسها التعصب، ويحمل على أعداء الحرية حملات حجَّاجية، فما تواريا حتى أمدَّت البلاد بعثتها الأولى بغطريف جديد نازَلَ القديمَ المسيطر بصمصامة الحق، فانجلى الغبار عن نصر من الله وفتح قريب. ففرح أنطون ابن تاجر طرابلسي زوى عينيه عن صندوق أبيه فأدركته حرفة الأدب … سفح على المهارق ريق شبابه، فما اكتهل حتى شبَّ في صدره الأمل، فحمل «جامعته» إلى أميركا يوسع لها في مجالس تلك الدنيا العريضة، ولكنه رجع من بلاد الدولار على الريق، فاحترف الأدب الرائج يلتمس به قوت من لا يموت، وظل يتحرق على حياة الفن للفن حتى قضى سنة ١٩٢٢ في الثالث من تموز، وليس له إلا كفاف يومه.

ماذا عمل الرجل في الخمسين إلا عامين، وأية رسالة أدى؟

الجواب: وأية رسالة لم يؤدِّ؟ فهو الذي عرف سواد الشرق الأدنى ببوذا وكنفوشيوس، وأطلعهم على شرائع حمورابي، وهو أول من أذاع فلسفة تولستوي، وكان له مع الإمام محمد عبده جولات موفقة حول ابن رشيد وفلسفته شغلت العالم العربي حصةً من الزمن. وهو من أرانا وجه جون روسكين النبيل، ونشر تعاليم روسو وبرنردين دي سان بيار، وترجم قسمًا كبيرًا من رائعة نيتشه، زاراتوسترا، وأخيرًا اهتدى إلى مكسيم غوركي، فترجم أشهر رواياته «ملفا»، وهو الذي اكتشف تعاليم كارل ماركس قبل أن تحمرَّ روسيا البيضاء.

وفرح هو الذي عرَّفنا ﺑ «رينان» وإذا كان عرفه جدي شخصيًا حين وقف على أطلال الهيكل الروماني القائمة كنيسة عين كفاع على أسسه الضخمة الحجارة، أجل عرفه ولكنه ما عرف منه إلا رجلا فرنجيًّا حلَّ عمشيت وغزير، وكان يعرف السريانية، ويأخذ بعض الحجارة الأثرية من الكنائس العتيقة.

قام فرح بكل هذا يوم لم يكن يحلم الشرق إلا بقديمه، ويرى كل الخير فيه. فهو القصصي الاجتماعى الأول في قصصه: الدين، والعلم، والمال، والوحش الوحش الوحش، وأورشليم الجديدة، ومريم قبل التوبة وغيرها. وصاحب المسرحيات كابن الشعب، وصلاح الدين وغيرهما، كتبها للمعاش فعاش بها المسرح العربي حينًا، وتركت في وفتها دويًّا اجتماعيًّا.

عشقت نفسُ فرح الحرية في كل ميدان، ونظر إلى أهمية التربية، فترجم آراء جول سيمون، وظاهرَ قاسم بك أمين في معركة «تحرير المرأة»، وهو لم ينس أعاظم رجال الغرب العصاميين، فترجم لهم؛ ليحث الشرق على النهوض، وما أحلى ما ابتدأ به كلامه متحدثًا عن باكون وشكسبير: مشاهير الناس آلهة للناس في هذه الحياة، ولكنهم آلهة لا تعبد إلا بعد الممات. وقد ابتدأ حين تكلم عن هيغو، وذكرى ميلاده المئوية بكلمة لكاتب دنمركي شهير: إن ظهور أعاظم الرجال منحة من السماء.

ولا يهمل فرح الفلاسفة؛ فيعرفنا بأوغست كونت وفلسفته الحسية، كما أذاع سيرة فيليكس فور تحت هذا العنوان: «من معمل الدباغة إلى رئاسة الجمهورية»، ثم لم ينس العلم؛ فترجم لبرتلو هاتفًا: «المجد للعلماء.»

وعلى قلة بضاعته من الشعر نراه يحدد حافظ إبراهيم وأحمد شوقي تحديد بصير، ويدل على مقامهما العتيد في صرح نهضتنا الحديثة.

هذا هو تلميذ الصف الثالث. ما كان ثانويًّا ولا جامعيًّا، فليتعلم شبابنا ليعرفوا لا ليحوزوا مجموعة شهادات كأنها من طوابع البريد … فالشهادات لا تشرِّف إلا من يشرفها بعلم واسع عميق.

شخصيته: أتخيل فرح أنطون كالموسوسين، وكأني أراه حائرًا، هادئًا، يفكر أبدًا، ويحلل القضايا التي تثقل ظهر أمته، لا يدري بما ينفس عنها، ولا كيف يعالج أدواءها، فلجأ إلى كهوف الدهور ينشر على قومه تعاليم أهلها، فترك لنا هذا الميراث الخالد. لم يكن فرح أنطون من أصحاب العبارات الملساء الجوفاء، ولا الكلمات التي تملأ الماضغين. لم يكن يعنيه من الفصاحة إلا الإبانة والظهور. أسلوبه ساذج، يهمه أن يؤدي ما يعتلج في خاطره؛ ولهذا فاض أسلوبه رقة وحنانًا، وعبر عن نفسه التي تجرحها النظرة الثابتة. ومن نظر إلى الأزاهر التي قبلتها هذه النحلة الدائبة يدرك ما في جرَّتها من عسل.

لم تهمه البلاغة كما أهمت أديب إسحاق، ولا القوالب كما نجدها عند نجيب الحداد. كان للرجل هدف يرمي إليه، فهو كاتب أدبي عملي لم يبرز إلى السياسة كالشدياق وإسحاق. كان فرح يحرث كرم الفكر، وينقِّيه عن العليق والقندول؛ لينمو ويثمر. وما أرى الثائرين والمتمردين بعده إلا تلاميذ له، فهو الذي شق لهم الطريق، وأضرم في النفوس نار الثورة الوجدانية.

في فرح أنطون شخصيتان: المؤلف والمترجم، ولكن الاثنتين واحدة؛ يترجم رواية الثورة الإفرنسية لديماس، كما يؤلف ثورة العرب في «أورشليم الجديدة» روايته الخالدة. لم يكتب الرواية إلا لغرض، ولم يخطَّ كلمة إلا دفاعًا عن مبدأ سام، أو سعيًا وراء مثل أعلى. ومن يقرأ تحيته لتمثال الحرية يعلم كيف مزج صوفية الشرق بعملية الغرب، حتى إذا آب بالفشل، ودَّع العالم الجديد بخطبته الخالدة أمام شلال نياغرا. ففرح هو الفكر المحرر حديثًا من عبوديته، فلا يكاد يرى أخًا معتوقًا مثله حتى يصافحه مهنئًا، ويتمنى الفرج للمسجونين الآخرين.

أما آثاره في طور الفن للفن فأربعة وعشرون مجلدًا، وتآليفه في طور المعاش خمسة عشر، وهو في كل ما ألَّف وترجم لم يتحول عن خطته إلا بمقدار.

كان اسم رنان يفزع المتدينين في الغرب، وكان هذا الاسم في الشرق مرادفًا للكفر والإلحاد، ألم يقل حافظ إبراهيم راثيًا الإمام محمد عبده، ذاكرًا ما له من فضل:

وقفت لهانوتو ورينان وقفة
أمدَّك فيها الروح بالنفثات
ولكن فرح ترجم أخطر كتبه — يسوع — فحملق الشرق به، ونظر إليه الكثيرون، ولكنه لم ينثنِ. وعندما احتفلت فرنسا بإزاحة الستار عن تمثال رينان عمد فرح إلى آثاره، وترجم «صلاة رينان عند الأكروبول»، ثم علق عليها، وهاكم نموذجًا من ذلك التعليق:

يا أثينا العظيمة، اسمحي لنا بعد صديقك العظيم — رينان — أن نوجه إليك رجاءنا، وسؤالنا نحن الشرقيين، ليس لك أن تتكبري علينا كثيرًا فبيْنَنا وبينك قرابة قديمة: أتذكرين أيتها الإلهة أولئك الأسرى الذين كان يخطفهم بحارة جزائرك في لارخبيل، من شواطئ صور وصيدا، ويسوقونهم إلى بلادك؟

إن هؤلاء الأسرى كانوا من مساعديك على تمدين قومك، وتعليمهم الفنون الجميلة، وهم قواعد نهضتك، ففي عروقك إذن أيتها العذراء الجميلة شيء من دماء شرقية، فبحرمة هذا النسب نناشدك: ابعثي إلى الشرق — جدك القديم — شيئًا من سنا نورك العظيم، علمينا أن ننسى أهواءنا ومصالحنا الخصوصية، علمينا أن نجهر بمعتقدنا، ولا نخاف فيه قوات الأرض والسماء، أفهمينا معنى الحق والواجب والعدل والعقل؛ لنتخذها نجومًا نهتدي بها في ظلمات الحياة، افتحي عيوننا فنكون مخلصين في طلب الإصلاح، مهتمين بالجميع على السواء، وأن نبدأ بأنفسنا.

بثي فينا روح التساهل المطلق، وبهذا كمال النهضة الشرقية.

وإذا كنا لا نشاهدها في زماننا، فحسبنا أن يشاهدها أحفاد أحفادنا ولو بعد عشرين عقبا.

ولما حمل فرح «جامعته» إلى أميركا طامعًا بالرزق قال الشاعر أحمد محرم يخاطبه:

إن كنت لا تبغي لنفسك راحة
فأرحْ مطيَّك والدنى وبنيها
وتعب فرح الشرقي في ميدان الدولار؛ لأن صوفيته الشرقية حالت دون ذلك، وهاك مقطعًا من خطابه أمام شلال نياغرا، فهو يدلك بعض الدلالة على روحية أديبنا، وسبب إخفاقه:

قد غيَّروا أرضك ومن عليها أيها الشيخ، وهم يظنون أنهم جملوها، وما جمالهم إلا كجمال المرأة الدميمة؛ زخرف خارجي، وطلاء سطحي، حكَّ هذا الطلاء قليلًا تجد تحته جيفة منتنة. كنت أجمل منك اليوم حين كان شاطئاك ملجأ للمتوحشين، ومعتركًا للنمور والأسود، وملعبًا للذئاب والتماسيح، ومرقصًا للدببة والقردة.

كان يومئذ جمالك وحشيًّا طبيعيًّا، يقشعر له جلد التصور، ويرتد عنه طرف الخيال مذعورًا.

كان يومئذ جمالك جمالًا حقيقيًّا، أما اليوم فقد أسروك كما تؤسر الأسود في الأقفاص، وتجعل فرجة للناس، قد أصبح شاطئاك مرتعًا لذئاب ونمورة ودببة وقردة من جنس جديد، لها طباع تلك، ولكنها تمشي على قائمتين: إن روحًا مادية هائلة هبت على العالمين فضعضعت المبادئ، وزعزعت الشرائع، وسحقت الأديان والآداب، وساقت الناس بعصا الحاجة الحديدية إلى مبادئ هائلة، جعلتهم ذئابًا هائلة، تتعادى وتتسلح تأهبًا لاقتتال أفظع من اقتتال الذئاب، والشعوب يأكل في داخلها كبيرُها صغيرها، وقويُّها ضعيفها، كما تفعل أسماكك، والكمال للدولار وحده.

١  نشر في المقتطف عام ١٨٨٨.
٢  أم القرى ص١٥١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢