الكتاب الثاني

إنيد

١

في عصر أحد أيام ذلك الربيع، كان كلود يجلس على مجموعة درجات السُّلم الطويلة المصنوعة من الجرانيت التي تؤدي إلى مبنى المجلس التشريعي في دنفر. كان يُلقي نظرةً على بقايا ساكني الجروف الموجودة في هذا المبنى؛ وعندما خرج تحت أشعة الشمس، اخترقت الرائحة الخافتة للحشائش الحديثة الجَزِّ أنفَه وأقنعَتْه بالبقاء. تلك كانت المرة الأولى التي يجزُّ فيها عاملو البستان الحشائش في تلك الأرض. كانت جميع المُروج على التل لامعةً بزهور النرجس البَرِّي والزنابق. هبَّ ريحٌ خفيف ودافئ فوق الحشائش وجفَّف قطرات المياه. هطَلَت أمطارٌ في وقت العصر، وكانت لا تزال السماء زرقاء وتُلوِّح بالأمطار التي تحملها السُّحبُ السريعة الحركة.

غاب كلود عن المنزل منذ ما يقرب من شهر. أرسله والده كي يزور رالف والمزرعة الجديدة، وانطلق من هناك إلى مدينتَي كولورادو سبرينجز وترينيداد. استمتع بالسفر؛ ولما عاد الآن إلى دنفر شعَر بالوحدة التي عادةً ما تغمر أبناء الريف عندما يكونون في المدينة؛ الشعور بأنهم لا علاقة لهم بأي شيء يدور حولهم، بأنهم غير مُهمِّين لأي شخص. تجوَّل في أنحاء كولورادو سبرينجز وهو يأمُل لو كان يعرف بعض هؤلاء الناس الذين كانوا يخرجون من المنازل ويدخلون إليها؛ لو كان بإمكانه التحدث إلى بعض هؤلاء الفتَيات الجميلات اللاتي يراهنَّ يَقُدن سيَّاراتهن ويَجُبْن الشوارع؛ إذ كان يتمنَّى لو يُبادِلهن بعض الكلمات فقط. وبينما كان يتمشَّى في التِّلال في صباح أحد الأيام، مرَّت بجواره فتاةٌ ثم أبطأت سيَّارتها، وسألَته إن كان بإمكانها أن تُوصِّله إلى أي مكان. كان كلود سيعتقد أنها ليست أبدًا من نوع الفتَيات الذي يمكن أن تتوقَّف لتُقِلَّه معها، ولكنها فعلَت ذلك وتحدَّثَت معه بودٍّ طوال طريق العودة إلى المدينة. استغرقَت الرحلة عشرين دقيقة أو نحو ذلك، ولكن كان هذا أفضلَ ما حدث له في تلك الرحلة. عندما سألَته عن المكان الذي سينزل فيه، قال إنه أنتلرز، وتورَّدَت وَجْنتاه بشدة لدرجةِ أن الفتاة لا بد أنها عرَفَت من فورها أنه لم يكن يُقيم هناك.

تساءل في عصر هذا اليوم عن عدد الشباب المُحبَطين الذين جلسوا هنا على أعتاب مبنى المجلس التشريعي، وراقَبوا الشمس وهي تَغرُب خلف الجبال. دائمًا ما كان الجميع يقولون إنه لَشيءٌ جميل أن تكون في مرحلة الشباب، ولكنه كان شيئًا مُؤلِمًا أيضًا. لم يعتقد أن الأشخاص الأكبر سنًّا مرُّوا قطُّ بمِثل هذا البؤس الذي مرَّ به. في ذلك المكان وتحت أشعة الشمس الذهبية، كانت كُتَل الجبال تنقسم إلى أربع سلاسل جبلية مُنفصِلة؛ وكلما غاصت الشمس، علَت قِمم الجبال في الأفق، الواحدة تِلو الأخرى. كان مَشهدًا بهيًّا لم يَزِد الألم في صدره إلا حِدَّة. سأل نفسه مُتوسِّلًا الحصول على إجابة عن المشكلة التي يُعاني منها. لا بد له من الإجابة على هذا قبل أن يعود إلى المنزل.

كان تمثال كيت كارسون وهو يمتطي صَهوة حِصانه الموجود في وسط الميدان يُشير تجاه الغرب، ولكن اندثر تمامًا ذلك المعنى عن الغرب. كانت لا تزال هناك أمريكا الجنوبية؛ على الأرجح كان يستطيع أن يعثر على شيءٍ أسفل بَرزخ بنما. هنا، كانت السماء أشبَه بغِطاء يُغلَق على الأرض؛ ربما كان بإمكان والدته رؤيةُ قِدِّيسين وشهداء من ورائه.

كان يعتقد أنه سيَتجاوز كلَّ هذا في الوقت المُناسِب. حتى والده كان مُضطرِبًا في شبابه ورحل إلى مكانٍ جديد. لقد كانت عاصفةً هدأتْ أخيرًا، ولكن يا للأسف أنه لا يمكن فِعل شيء حيالها! إنها إهدار للطاقة؛ حيث إنها أحد أنواع الطاقة، نهض على قدمَيه ووقف عابسًا أمام ضوء الشفق، وغاص بعيدًا وسط أفكاره المُتصارِعة لدرجة أنه لم ينتبه إلى غريبٍ صَعِد إليه من الدرجات السفلية ووقف كي ينظر إليه.

أخذ الغريب يتفحَّص كلود باهتمام. رأى شابًّا يقف حاسِرَ الرأس على مجموعة درجات السُّلم الطويلة، قابضًا يدَيه كأنه موقوفٌ للقبض عليه، وشَعره الأصفر بلون الرمال، ووجهه الضارب إلى السُّمرة، وهيئته المُتوتِّرة ذات لون نُحاسي تحت أشعة الشمس المائلة. لو كان بإمكان كلود أن يعلم كيف بدا لذلك الغريب، لَصُعِق.

٢

في صباح اليوم التالي، ترجَّل كلود من القطار في فرانكفورت، وتناوَل إفطاره في المحطة قبل أن تستيقظ المدينة. لم تكن أُسرته تتوقَّع وُصوله؛ ولذا قرَّر أن يمشيَ إلى المنزل ويتوقَّف عند الطاحونة كي يرى إنيد رويس. ففي النهاية، الأصدقاء القدامى هم الأفضل.

غادَر المدينة من الطريق المُنخفِض المُتعرِّج بطول النُّهَير. كان لأشجار الصَّفْصاف جميعها أوراقٌ صفراء جديدة، وكانت براعم الحور القطني اللَّزِجة على وَشْك أن تتفتَّح. كانت الطيور تُغرِّد في كل مكان، وكان يرى — بين الفَينة والأخرى — جَناح طائر كردينال رائع عَبْر أغصان أشجار الصفصاف المُتناثِرة.

لا تخلو حقول القمح المُغبرَّة والصفراء من مَسْحةِ لونٍ أخضر؛ كانت هناك ملايين السنابل التي تُشبِه الأصابع الصغيرة التي تعلو وتلوح بخفَّة في ضوء الشمس. وناحية الشمال والجنوب، كان بإمكان كلود رؤيةُ آلات زراعة الذُّرة وهي تتحرَّك في خطوطٍ مُستقيمة عبر الأفدنة ذات التربة السمراء المحروثة على نحوٍ ناعم جدًّا، لدرجةِ أن تَذْروها الرياح على هيئةِ سُحبٍ من الغبار على جانب الطريق. عندما هبَّت زوبعة، اجتاحت رياحٌ صغيرة لطيفة الحقولَ المفتوحة، وتشكَّلَت دوَّامات من التربة الناعمة التي دارت في الهواء وسقطت ثانيةً فجأة. بدا كأنَّ كل عمود سياجٌ عنده طائر قنبر يُغرِّد لكل من هو صامت؛ كان يُغرِّد لمساحة الأرض الكبيرة المحروثة، والخيول الثقيلة في المباني المُصطفَّة على طول الطريق، والرجال الذين يُوجِّهون الخيول.

على جانبَي الطريق، كانت تُطلُّ زهور الهِندباء البرية بوجوهها الصافية اليانعة من تحت الحشائش الذابلة وحُزَم عُشْب البلوستم الجاف. إذا تصادَف وخطَى كلود فوق إحداها، فإن رائحتها الحادَّة كانت تجعله يُفكِّر في ماهيلي التي ربما كانت خارج المنزل هذا الصباح تحفر في المرج بسكِّين التقطيع المكسورة الخاصة بها؛ لتضع أوراق الهِندباء في مِئزرها. كانت دائمًا ما تذهب من أجل الحصول على هذه الأوراق بشيء من السِّرية كل يوم في الصباح الباكر؛ إذ تتسلَّل بطول جانبَي الطريق وتنحني قريبًا من الأرض كأنها تخشى أن يكشفها أحدٌ ويصرفَها بعيدًا، أو كأنَّ زهور الهِندباء من الحيوانات البرية التي يجب اصطيادها وهي نائمة.

كان كلود يُفكر وهو في طريقه كيف كان يُحبُّ أن يأتيَ مع والده إلى الطاحونة. لم يكن يعي شيئًا عن عملية الطحن حينذاك؛ كذلك كان منزل الطاحونة وزوجة صاحبه غامضَين له، حتى إنيد كانت غامضةً قليلًا، إلى أن لَعِب معها في يومٍ ما بين نباتات التيفا تحت أشعة الشمس الساطعة. اعتادا اللعبَ في صناديق القمح المدروس، ومشاهدةَ الدقيق وهو يخرج من القادوس، وتغطيةَ أنفُسهما بالغبار الأبيض.

أَحبُّ ما في الأمر كان الذَّهابَ إلى مكان الساقية المُعلَّقة وهي تقطر في كهفها المُظلِم؛ إذ يدخل بصيصٌ مُتعرِّج من أشعة الشمس من بين الشقوق لِيَتراقص فوق الوحل الأخضر ونباتات البلسم المُرقَّطة التي تنمو في الصخور الطينية. الطاحونة كانت مكانَ التباينات الحادَّة؛ الشمس الساطعة والظلال المُظلِمة، الصوت المُجلجِل والهدوء الشديد لصوت قطرات المياه. تذكَّر مدى اندهاشه في أحد الأيام عندما رأى السيد رويس لابسًا قفَّازًا ونظَّارةً وقد أخذ يُنظِّف أحجار الرَّحى، واكتشف كم هي أشياء غير مُؤذِية. أخذ يضرب عليها صاحب الطاحونة بمِطرقةٍ حادَّة حتى تطايَر الشَّرر منها، وكانت لا تزال في يدِ كلود بقعةٌ زرقاء؛ حيث دخلَت رقاقةٌ من الحجر الصوَّان تحت الجلد عندما اقترب أكثرَ من اللازم.

لا بد أن استمرار جايسون رويس في تشغيل الطاحونة يرجع إلى حبِّه لها؛ إذ إنها لم تَعُد تُدرُّ مالًا كثيرًا الآن. ولكن الطاحونة أول عمل له، وهو لم يعثر على أشياء كثيرة تستحقُّ اهتمامه بها وحُبه لها في حياته. في بعض الأحيان، كان يُمكن أن يُصادِفه المرء بملابس عامل الطاحونة المُغبرَّة بالدقيق؛ لأنه أعطى العامل إجازة. ومنذ وقتٍ طويل، لم يَعُد يعتمد على ارتفاع منسوب المياه وانخفاضه في نُهَير لافلي كريك من أجل توليد الطاقة؛ لأنه ركَّب مُحرِّكًا يعمل بالبنزين. أصبح السدُّ القديم الآن «مثل سِنَّة مُسوَّسة»، كما يُسمِّيه أحد العمال، ونمَت عليه الطحالبُ وأجَمةٌ من أغصان الصفصاف.

لم تَسِر قطُّ الشئونُ العائلية للسيد رويس على نحوٍ جيِّد مِثل عمله. لم يُرزَق بولد، ولم ينجح إلا في تنشئة فتاتَين فقط من بين خمس فتَيات. يقول الناس إن منزل الطاحونة رطبٌ وغير صحِّي. ولم يستطع السيد رويس الإبقاءَ على العمَّال في الطاحونة مدةً طويلة حتى بنى كوخًا ووظَّف رجلًا مُتزوِّجًا كي يتولَّى شئونها. إنهم كانوا يشتكون من كآبة المنزل وعدم الحصول على ما يكفي من الطعام. وفي كل صيف، كانت السيدة رويس تذهب إلى مِصحَّة خاصة بنظام الأكل النباتي في ميشيجان، حيث تعلَّمَت العيش على المُكسَّرات والحبوب المُحمَّصة. لا شك أنها كانت تُعِد طعامًا لعائلتها، ولكن لم يحدث أن قدَّمَت وجبةً في النهار يمكن أن يتطلَّع إليها المرء مُبتهِجًا أو يتناولها مسرورًا. ولذا، اعتاد السيد رويس أن يتناول العشاء في الفندق في المدينة. ومع ذلك، تميَّزت زوجتُه ببعض الإنجازات الرائعة في الطهي. كانت تُعِد خبزًا لا غبار عليه. وعندما كان يقترب مَوعد عشاء في الكنيسة، فدائمًا ما كانت تُدعى من أجل تحضير صلصة المايونيز الرائعة أو كعكة أنجل فود الخاصة بها؛ لا شك في أنها أخَفُّ كعكة إسفنجية بين أي مجموعات من الكعك.

لما كانت السيدة رويس لا تكفُّ عن التفكير بصحتها، فهذا جعلها تبدو كأنها تُصارِع حزنًا خفيًّا أو يفترسها ندمٌ يُهلِكها. وولَّد ذلك لديها نوعًا من الانعزال. لقد كانت تعيش بطريقةٍ مختلفة عن الآخَرين، وتلك الحقيقة جعلتها مُتشكِّكةً ومُتحفِّظة. كانت لا تشعر أن أحدًا يفهمهما ويحوطها بالتعاطف إلا عندما تكون في المصحة تحت رعاية أطبائها المحبوبين.

انتقل تشكُّكها إلى بنتَيها، وصبَغ مشاعرهن تجاه الحياة بالعديد من الطُّرق البسيطة. نشأت هاتان الفتاتان وهما يشعران بأنهما مُختلِفتان؛ ولذا لم تُكوِّنا صداقاتٍ حميمة. جلاديس فارمر كانت هي الفتاةَ الوحيدة في فرانكفورت التي تُكثِر الذَّهاب إلى منزل الطاحونة. ولم يُفاجأ أحدٌ من ذَهاب كارولين رويس — الابنة الكبرى — إلى الصين في مَهمَّة تبشيرية، ولا من عدم اعتراض أمها على سفرها. على أي حال، كان الناس يقولون إن نساء عائلة رويس يتمتَّعن بالغرابة؛ ولما ذهبت كاري أمَلوا أن تنشأ إنيد وتُصبح أقرَب إلى أبناء قريتها في تربيتهم. لقد كانت تلبس ملابسَ أنيقة، وتأتي كثيرًا إلى المدينة بسيَّارتها، وكانت مُستعِدَّة دومًا لإنجاز أعمال من أجل الكنيسة أو المكتبة العامة.

إضافةً إلى ذلك، كان أهل فرانكفورت يعتقدون أن إنيد بالغةُ الجمال، وهي صفةٌ تُشجِّع على الاندماج في المجتمع. كانت نحيفةً ولها رأسٌ صغير وجميل، وبشرةٌ شاحبة وناعمة، وعينان غائمتان كبيرتان سوداوان برُموشٍ كثيفة. الخطُّ الطويل المُمتد من شحمة أُذنها إلى طرَف ذقنها أضفى على وجهها ضربًا من الجمود، ولكن النساء العجائز — وهنَّ أفضلُ النُّقاد في تلك المسائل — يَعتبرن أن هذا المَظهر كان ينمُّ عن حَزْم وكرامة. كانت حرَكتها سريعةً ورشيقة، كأنها تمسح الأشياء بفُرشاة بدلًا من أن تَلمسها؛ بحيث يُوحي مَظهرها بأنها تُحلِّق بجسدها النحيف وتنزلق بعيدًا عن الأشياء المُحيطة بها. عندما كانت تُقدِّم مدرسةُ الأحد مَشاهد تمثيلية صامتة أو مُتحرِّكة، كانت تُختار إنيد من أجل تجسيد شخصية نيديا — فتاة بومبي الكفيفة — والشهيدة في لوحة «المسيح أو ديانا». شحوبُ بشرتِها والميلُ الخانع لجبهتها وعيناها السوداوان الثابتتان، كل ذلك كان يجعل من يراها يظن أنها «من المسيحيين الأوائل».

في صباح ذلك اليوم الذي كان أحدَ أيام شهر مايو، عندما كان كلود ويلر يُسرِع الخُطى باتجاه الطاحونة، كانت إنيد في الساحة واقفةً بجانب تعريشة كروم مُقامة بالقرب من السياج، إذ خرجَت من تحت ظلال الأشجار الكثيفة. كانت تعزق الأرض التي حُرِثت بالأمس وتعمل أخاديد لإسقاط البذور فيها. عند مُنعطَف الطريق بالقرب من شجر الصفصاف القديم المُتشابِك، رأى كلود فستانها الوردي المُعالَج بالنشا، وقلنسوتها الشمسية البيضاء الصغيرة. فتقدَّم مُسرِعًا.

نادى وهو يتقدَّم إلى السياج: «مرحبًا، هل تزرعين؟»

إنيد التي كانت محنيَّة في الزراعة في تلك اللحظة استقامَت بسرعة، ولكن من دون أن تجفل. «عَجبًا، كلود! ظننتُ أنك كنت في مكانٍ ما في الغرب. هذه مُفاجأة!» نفضَت الغبار عن يدَيها وصافحتْه بأصابعها البيضاء الليِّنة. ذراعاها، العاريتان من أسفل الكوع، كانتا رفيعتَين، وبدَتا باردتين كأنها ارتدَت ملابس الصيف قبل أوانها.

«عُدتُ لتوِّي هذا الصباح. أنا مُتوجِّه إلى المنزل. ماذا تزرعين؟»

«زهور بازلَّاء عطرية.»

«دائمًا ما تزرعين أجوَد أنواع هذه الزهور في القرية. عندما أرى مجموعةً منها في الكنيسة أو في أي مكان، أتعرَّف عليها دومًا.»

اعترفَت قائلةً: «نعم، أُحقِّق نجاحًا كبيرًا في زراعة زهور البازلَّاء العطرية. الأرض خِصبةٌ هنا، وتتعرَّض لقدرٍ كبير من أشعة الشمس.»

«ليست زهورُ البازلَّاء العطرية فحَسْب. لا أحد لديه زهورُ الليلك أو الزهور المُتسلِّقة هذه، وأظن أنك الوحيدةُ في مُقاطَعة فرانكفورت التي لديها كَرْمة ويستاريا.»

«زرعَت أمي تلك الزهورَ منذ مدةٍ طويلة، عندما قَدِمت إلى هنا أول مرَّة. إنها تُحب كرمة الويستاريا كثيرًا. أخشى أن تذبل منَّا في أحد فصول الشتاء القارس هذه.»

تحدَّث بإعجاب: «أوه، سيكون هذا وصمةَ عار! اعتني بها جيدًا. يجب عليكِ تخصيصُ قدرٍ كبير من الوقت للاعتناء بهذه الأشياء على أي حال.»

اتَّكأت إنيد على السياج، وأزاحت قَلَنسوتها الصغيرة إلى الخلف. «أظنُّني أهتمُّ بالزهور أكثرَ من اهتمامي بالناس. كثيرًا ما أحسدك يا كلود؛ لديك العديد من الاهتمامات.»

فُوجِئ كلود. «أنا؟ يا إلهي، ليس لديَّ العديد من الاهتمامات! لقد بلَغَت مني التعاسةُ مَبلغًا عظيمًا. لم أهتمَّ بالذَّهاب إلى الكلية حتى كان عليَّ التوقفُ عن الذَّهاب، ثم شعرت بالأسف لأنني لم أستطع العودة. أظن أن الحزن بشأن ذلك أتعبَني طوال الشتاء.»

نظرَت إليه باندهاشٍ هادئ. «لا أعرف السبب وراء تعاستك؛ فأنت لك مُطلَق الحرية.»

«حسنًا، ألا تتمتَّعين بالحرية أنتِ أيضًا؟»

«لستُ حُرة كي أفعل ما يحلو لي. الشيء الوحيد الذي أريده حقًّا هو السفر إلى الصين ومساعدةُ كاري في عملها. تظن أمي أني لا أتمتَّع بالقوة الكافية. ولكن كاري لم تكن قوية هنا مُطلَقًا. إنها أفضلُ في الصين، وأظن أنه قد أكون كذلك هناك.»

شعَر كلود بالقلق. لم يرَ إنيد منذ جولة مَركبة الجليد؛ إذ كانت حينها أكثرَ مرحًا من المَعتاد. وبدا الآن أنها أصبحت فاترةَ الهمَّة. «يجب أن تتخلَّصي من تلك الأفكار يا إنيد. ما ينبغي لك أن تَهِيمي على وجهك بمُفرَدك هكذا. فهذا يُحوِّلك إلى إنسانٍ غريب الأطوار. ألا يوجد الكثير من أعمال التبشير التي يمكن المشاركةُ فيها هنا؟»

تنهَّدَت. «هذا ما يقوله الجميع. ولكن لدينا جميعًا هنا فرصة لمعرفة الحق، فقط لو استطعنا استغلالها. لكن تلك الفرصة غير مُتاحة لهم. لا أتحمَّل التفكير في كل هؤلاء الملايين الذين يعيشون ويموتون في الظلام.»

نظر كلود إلى المنزل الكئيب الكائن خلف أشجار الأرز، ثم نظر إلى الحقول اللامعة الناعمة التربة. شعَر كأن له يدًا في حزن إنيد. لم يكن نِعم الجارُ لها في العام الماضي. «الناس هنا أيضًا يمكن أن يعيشوا في الظلام، إلا إذا حاربوه. انظري إليَّ. أخبرتُكِ أنني ظلِلتُ مُكتئبًا طوال فصل الشتاء. نشعر جميعًا بوجودِ ودٍّ كبير فيما بيننا، ولكننا نتعثَّر في خُطانا ولا نجتمع معًا أبدًا. أنا وأنتِ صديقان قديمان، ولكننا نادرًا ما يرى أحدُنا الآخَر. تقول أمي إنكِ ظللتِ تَعِدينها مدةَ سنتَين بأن تُجهِّزي نفسك وتَزوريها. لماذا لم تأتي؟ كانت ستَسعَد بزيارتك.»

«سأفعل إذَن. ما دامت والدتُك أحبَّت ذلك.» توقَّفَت للحظة، وأخذت تُبرِم خيوط قلنسوتها وهي شاردةُ الذهن، ثم انتزعتها من رأسها بحركةٍ سريعة ونظرت إليه في الضوء الساطع مباشرةً. «كلود، لم تصبح حقًّا مُفكِّرًا حرًّا، أليس كذلك؟»

ضحك بملء فيه. «عَجبًا، ما الذي جعلَكِ تظنِّين ذلك؟»

«يعرف الجميع أن إرنست هافل كذلك … ويقول الناس إنك وإياه تقرآن ذلك النوع من الكتب معًا.»

«هل لذلك عَلاقةٌ بصداقتنا؟»

«نعم، له علاقة. تضاءل قدرُ الثقة الذي أشعر به تجاهك. قلقتُ من ذلك قلقًا كبيرًا.»

قال بسرعة: «حسنًا، كُفِّي عن هذا القلق. أحد الأسباب أنني لا أستحقُّه.»

هزَّت رأسها بلوم وقالت: «أوه، نعم، أعلم ذلك! لو أنَّ للقلق أيَّ منفعة …»

أمسَك كلود بدعامتَي السياج اللَّتَين توجدان بينهما بكِلتا يدَيه. «سيكون له منفعة! ألم أُخبرك أنه يوجد الكثير من أعمال التبشير التي يمكن المشاركةُ فيها هنا؟ أهذا هو السبب الذي جعلَكِ مُتحفِّظةً تجاهي في السنوات القليلة الماضية؛ لأنك تعتقدين أنني مُلحِد؟»

تمتمَت: «تعلم أنني لم أُحبَّ قطُّ إرنست هافل.»

لما غادَر كلود الطاحونة مُتوجِّهًا إلى المنزل، شعَر أنه عثر على شيء قد يُساعِده في فصل الصيف. يا لها من فرصةٍ رائعة أن يُعرِّج على إنيد ويتحدَّثا بمفردهما من دون أن يُقاطِعهما أحد؛ من دون أن يرى وجهَ والدتها، الذي تضَع عليه دائمًا المساحيق، ينظر إليه من خلفِ ستارةٍ مُنسدِلة! كانت السيدة رويس تبدو دائمًا كبيرةً في السن، حتى منذ وقتٍ طويل عندما كانت تأتي إلى الكنيسة مع بنتَيها الصغيرتين؛ لقد كانت امرأةً نحيلة تلبس حذاءً صغيرًا بكعبٍ عالٍ وقبعةً كبيرة بريشٍ مائل لأسفل، وكان فستانها الأسوَد مُرصَّعًا بالخرز الطويل والكهرمان الأسوَد الذي يُعطي لمعانًا ويُحدث صوتًا؛ مما يجعلها تبدو صُلبة من الخارج مثل الحشرة.

كان عليه أن يُساعِد إنيد على الخروج والاختلاط أكثرَ بالآخرين. لقد كانت تقضي وقتًا طويلًا مع أمها، ومع أفكارها الخاصة. الزهور والبعثات الخارجية؛ حديقتها ومملكة الصين العظيمة، كان هناك شيءٌ غير عادي ومُثيرٌ في اهتماماتها. وشيءٌ رائع للغاية أيضًا. يجب أن تكون المرأة مُتديِّنة؛ الإيمان كان العطرَ الطبيعيَّ لعقلها. وكلما زاد عدمُ معقوليةِ ما تؤمن به، زادت حلاوةُ الإيمان. لقد كان يعتبر قصة قصيدة «الفردوس المفقود» أسطورةً مثل ملحمة «الأوديسة»، ولكن عندما تقرؤها والدته عليه بصوتٍ عالٍ، لم يكن يعتبرها جميلةً فحسب، بل حقيقية أيضًا. المرأة التي ليس لها أفكارٌ مُقدَّسة عن الأشياء الغامضة البعيدة ستصبح مُملَّة وعادية مِثل الرجل.

٣

في الأسابيع القليلة التالية، كثُرَت زيارات كلود بالسيارة إلى منزل الطاحونة في الأمسيات الجميلة كي يصطحب معه إنيد إلى فرانكفورت لمشاهدة عرض سينمائي أو الذَّهاب إلى مدينة مُجاوِرة. المِيزة في هذا الشكل من الرفقة أنه كان لا يضع ضغطًا كبيرًا على قدرات المرء في الكلام. يمكن أن تظلَّ إنيد صامتةً على نحوٍ مُثير للإعجاب، ولا تتحرَّج أبدًا من الصمت أو الكلام. لقد كانت هادئةً وواثقة من نفسها طوال الوقت، وكان هذا أحدَ أسباب مهارتها في قيادة السيارات؛ لقد كانت أفضلَ كثيرًا من كلود في الحقيقة.

لما تقابَلا بعد الكنيسة في أحد أيام الأحد، أخبرت كلود أنها تريد الذَّهاب إلى هاستنجز للتسوُّق، ورتَّبا بحيث يأخذها يوم الثلاثاء في سيارة والده الكبيرة. كانت تلك المدينة تبعد مسافةَ سبعين ميلًا تقريبًا جهةَ الشمال الشرقي، ومن فرانكفورت، كانت هذه الرحلة غير مُريحة في حالة استخدام القطار.

في صباح يوم الثلاثاء، وصل كلود إلى منزل الطاحونة قُبيل سطوع الشمس فوق الحقول الرطبة. وجد إنيد تنتظره في الرواق الأمامي لابسةً مِعطفًا ثقيلًا قصيرًا فوق رداءٍ ربيعي. ركضَت إلى البوَّابة وانسلَّت وجلست على المَقعد بجانبه.

«صباح الخير يا كلود. لم يستيقظ أحد. سيكون يومًا رائعًا، أليس كذلك؟»

«بلى. إن الطقس أدفَأُ قليلًا بالنسبة إلى هذا الوقت من العام. لن تحتاجي إلى هذا المِعطف مدةً طويلة.»

وجدا الطُّرق فارغة في الساعة الأولى. جميع الحقول كانت رماديةً من الندى، وكانت تنزل أشعة الشمس المبكرة فوق كلِّ شيء بسطوعٍ شفَّاف لنار أُضرِمَت لتوِّها. وبينما كانت السيارة تقطع الأميال من دون ضوضاء، كان عمقُ السماء وزُرقتها يَزيدان، وتتفتَّح الأزهار على جانبَي الطريق وسط الحشائش التي يَعْلوها الندى. والآن، أصبح هناك أناسٌ وخيول على كلِّ تل. وبعد مدةٍ وجيزة، بدآ يمرَّان بأطفال في طريقهم إلى المدرسة، توقَّفوا ولوَّحوا بصناديقِ طعامهم اللامعة تجاه المسافرين. وصلا إلى هاستنجز بحلول الساعة العاشرة.

بينما كانت إنيد تتسوَّق، اشترى كلود حذاءً أبيَض وسروالًا من القطن المتين. شعَر أنه مهتمٌّ بملابس الصيف أكثرَ من المُعتاد. تقابَلا في الفندق من أجل الغداء؛ إذ كانا جائعَين بشدة، وارتضَيا بما أنجزاه في الصباح. لما جلس كلود في صالة الطعام وإنيد في المَقعد المُقابل، جال في خاطره أنهما كانا لا يُشبهان بأي حال من الأحوال فتًى وفتاةً أتَيا من القرية إلى المدينة، بل شخصَين مُحنَّكَين يتجوَّلان بسيَّارتهما.

بينما كانا في انتظار طبق التحلية، سألَته: «هل ستأتي في زيارة معي بعد العشاء؟»

«هل إلى أحدٍ أعرفه؟»

«بالتأكيد. القس ويلدون موجودٌ في المدينة. انتهت زياراته وأخشى أن يُسافر، ولكنه سيَمكُث بضعة أيام مع السيدة جليسون. أحضرتُ معي بعض خطابات كاري كي يقرأها.»

امتعضَ وجه كلود. وقال بحزم: «لن يُسَرَّ لرؤيتي. لم نكن على وفاقٍ البتَّةَ في المدرسة. لعِلمك، إنه مُعلمٌ تقليدي غير بارع.»

نظرَت إنيد إليه نظرةً مُتفحِّصة. «فاجأني سماعُ ذلك؛ إنه مُتحدثٌ جيد. ومن الأفضل أن تأتيَ معي. لا يصحُّ أن توجد تلك الجفوة مع أساتذتك القدامى.»

بعد مرور ساعة، استقبَل القسُّ آرثر ويلدون الشابَّين في غُرفة الاستقبال ذاتِ الإضاءة الخافتة في منزل السيدة جليسون، حيث كان يتصرَّف كأنه يتقاسمُ مِلكية المنزل مع السيدة. بعد محادثةٍ ودِّية استمرَّت بضع لحظات بين صاحبة المنزل والزائرَين، استأذنت منهما لأنَّ لديها اجتماعًا تابعًا للمنظمة التعليمية النسوية الخيرية. نهض الجميع لما همَّت بالرحيل، واقترَب السيد ويلدون من إنيد وأخذها من يدها، ووقف ينظر إليها وهو يخفض رأسه وعلى شفتَيه ابتسامةٌ غامضة. «إنها لَسعادةٌ غير مُتوقَّعة أن أراكِ مرةً أخرى يا آنسة إنيد. وأنت أيضًا يا كلود»، والْتفتَ قليلًا إلى كلود. «هل أتيتما معًا من فرانكفورت في هذا اليوم الجميل؟» بدا أنَّ نبرة صوته كانت تقول: «كم هذا رائعٌ بالنسبة إليك!»

كان يُوجِّه معظم كلامه إلى إنيد، وتحاشى — كما هي عادته دائمًا — النظرَ إلى كلود إلا عندما يُوجِّه الحديث إليه مباشرةً.

«هل تزرع هذا العامَ يا كلود؟ أظن أن هذا يَسرُّ والدك أيَّما سرور. وهل صحة السيدة ويلر على ما يُرام؟»

قطعًا لا يحمل السيد ويلدون أيَّ ضغينة تجاه كلود، ولكنه لا يبرح يلفظ اسمَه وكأنه يقول «كلُد»، وهذا يُغضِب كلود. كانت إنيد تنطق اسمه بتلك الطريقة أيضًا، ولكنه إما أنه لم يُلاحِظ ذلك منها وإما أنه لا يُمانِع ذلك منها. غاص في أريكةٍ عميقة لونُها داكن، وجلس واضعًا قبعة القيادة على رُكبته، وسحَب القس ويلدون كرسيًّا باتجاه النافذة الوحيدة المفتوحة في الغُرفة الخافتة الضوء، وبدأ يقرأ خطابات كاري رويس. ومن دون أن يطلب منه أحد، قرأها بصوتٍ عالٍ، وكان يتوقَّف من وقتٍ لآخَر كي يُدْلي بتعليقاته. لاحَظ كلود بخيبةِ أملٍ أن إنيد تستسيغ كل تعليقاته المُملَّة تمامًا كما تفعل والدته. لم ينظر إلى ويلدون كلَّ هذه المدة من قبل. سقط الضوء كلُّه على رأس الشاب الذي له شكل الكُمَّثرى، وعلى شعره الخفيف المُموَّج. ما الذي يمكن أن يُعجِب سيدتَين رزينتين مِثل والدته وإنيد رويس في رجلٍ صوتُه يُشبِه صوتَ القطط ويرتدي ربطةَ عنق بيضاء؟ استقرَّت عينا إنيد السوداوان عليه بتعبير ينمُّ عن احترامٍ عميق. لقد كانت تنظر إليه وتتحدث إليه بإحساسٍ أكثر مما كانت تُظهِر تجاه كلود.

قالت بجدِّية: «كما تعلم أيها القس ويلدون، ليس من طبيعتي الاختلاطُ كثيرًا بالناس. وأرى أنه يصعب عليَّ أن أُولِيَ الاهتمام اللازم للعمل الكنسي وأنا داخل البلاد. يبدو لي كأنني دائمًا ما أُبقي نفسي على استعداد للعمل في المجال الخارجي؛ أعني بعدم الدخول في علاقاتٍ شخصية. إن ذهبَت جلاديس فارمر إلى الصين، فالجميع سيَفتقدونها. لا يمكن لأحدٍ أن يحلَّ مَحلَّها في المدرسة الثانوية. كانت تنعم شخصيتُها بجاذبيةٍ تجذب الناس إليها. ولكني دائمًا ما أفكر في فعلِ ما تفعله كاري. أعلم أن لي فائدةً هناك.»

كان كلود يعلم أنه لم يكن سهلًا على إنيد أن تقول هذا. بدا الاضطرابُ على وجهها، واقترب حاجباها الداكنان أحدُهما من الآخَر، وكوَّنا زاويةً حادَّة وهي تُحاوِل إخبار القسِّ الشابِّ بما يدور في عقلها تحديدًا. استمع مُنتبِهًا ومُبتسِمًا كعادته، وأخَذ يُرتِّب صفحات الخطابات المطويَّة ويُتمتِم: «نعم، أفهم. حقًّا آنسة إنيد؟»

عندما ألحَّت عليه في طلب النصيحة، قال إنه ليس من السهل على الدوام معرفةُ المجال الذي يمكن أن يكون فيه الإنسان مُفيدًا؛ ربما منَحها هذا الكبحُ للمشاعر انضباطًا روحيًّا كانت بحاجة إليه على وجه الخصوص. كان يحرص على عدم توريط نفسه في أي شيء، وعدم إبداء نصيحة غير مشروطة سوى الصلاة.

«أعتقد أن كل الأمور تتكشَّف أمامنا في الصلاة يا آنسة إنيد.»

شبكَت إنيد يدَيها؛ الحيرة جعلت ملامحها تبدو أكثر حِدَّة. «ولكن في وقت الصلاة يصبح هذا النداءُ في أقوى حالاته. يُخيَّل لي أنَّ إصبعًا يُوجِّهني إلى هناك. أحيانًا، عندما أطلب الهداية في الأشياء الصغيرة، لا تأتيني الهداية ولا أشعر إلا بأن عملي يقع في مكانٍ بعيد، وأنني ربما سأُمنَح القوة من أجل القيام به. وإلى أن أسلك ذلك الطريق، يحجب المسيح نفسَه عني.»

أجابها السيد ويلدون بنبرةٍ تُوحي بالخلاص، وكأنَّ شيئًا غامضًا تجلَّى أمامه. «إن كان الحال ما تقولين يا آنسة إنيد، فأعتقد أنه لا داعيَ للقلق. إذا كان النداء يأتي إليكِ في الصلاة، وهذه رغبةُ مُخلِّصك، فلا ريب عندنا بأن الطريق وسُبُل الوصول إليه ستنجلي. يَحضُرني في هذه اللحظة ما قاله أحدُ الأنبياء: «هَنَذَا قد جعلتُ أمامك بابًا مفتوحًا ولا يستطيع أحدٌ أن يُغلِقه.» يمكن القول إن هذه البِشارة كانت مُوجَّهة في الأساس إلى إنيد رويس! أعتقد أن الربَّ يُحبُّنا أن نرى بعض كلماته وكأنها أُنزلَت فينا.» تلفَّظ بذلك التعليق الأخير مازحًا، وكأنه دُعابةٌ خاصة بجمعية المسعى المسيحي. قام وأعاد الخطابات إلى إنيد. من الواضح أن الحوار انتهى.

بينما كانت إنيد تلبس قفَّازها، أخبرَته أن الحديث معه أفادها كثيرًا، وأنه يبدو لها دائمًا أنها تجدُ ما ترنو إليه عنده. تساءل كلود يا تُرى ماذا تقصد. فهو لم يرَ من ويلدون سوى التقهقر أمام أسئلتها المُتلهِّفة. على الرغم من كونه «مُلحِدًا»، فإنَّ بإمكانه منْحَها دعمًا أقوى.

كانت تقف سيارة كلود تحت أشجار القيقب أمام منزل السيدة جليسون. وقبل الدخول إلى السيارة، نبَّه إنيد إلى وجود كُتلة من الركام الرعدي جهة الغرب.

«يبدو لي أنها عاصفة. ربما من الأفضل أن نمكث في الفندق الليلة.»

«أوه، كلَّا! لا أريد ذلك. أنا غير مُستعِدَّة لهذا.»

ذكَّرها أنه لن يستحيل شراءُ ما قد تحتاج إليه لقضاء تلك الليلة.

قالت بلا تردُّد: «لا أُحبُّ المُكوث في مكانٍ غريب من دون أشيائي الخاصة.»

«أخشى أننا ذاهبان إلى قلب العاصفة. قد نُواجِه عاصفةً شديدة جدًّا، ولكن القول قولُك في النهاية.» ظل مُتردِّدًا ويده على الباب.

قالت بعزمٍ هادئ: «أعتقد أنَّ الأفضل أن نُحاوِل.» لم يعلم كلود حتى الآن أنَّ إنيد دائمًا ما تُعارِض الظروف غيرَ المُتوقَّعة، ولا ترضى أن تتغيَّر خُطَطها بسبب أشخاص أو ظروف.

قاد السيارة بأقصى سرعةٍ مُمكِنة لمدة ساعة وهو يُراقِب السُّحب بتوجُّس. كان النجدُ بين الأفقَين يلمع في ضوء الشمس، وبدَت السماء نفسُها صافية جدًّا، ولا يُعكِّرها إلا كتلةُ أبخرةٍ أرجوانية تلوح جهة الغرب، ذات حافات مُشرِقة مِثل رَصاص مقطوع حديثًا. وبعدما قطع قَرابة خمسين ميلًا، زادت برودةُ الهواء فجأةً، وفي غضون عشر دقائق تكدَّر صفوُ السماء تمامًا. قفز من السيارة وبدأ في رفع العجلات بالمِرفاع. وكلما كانت إحدى العجلات ترتفع عن الأرض، كانت إنيد تضبط السلسلة عليها. أخبرها أنه لم يُركِّب السلاسل بهذه السرعة من قبل. غطَّى الأغلفة في المقعد الخلفي بمُشمَّع، وتقدَّم بالسيارة لمواجهة العاصفة.

هطل عليهما المطرُ بغزارة كالأمواج التي بدَت كأنها كانت تخرج من الأرض وتنزل من السُّحب في آنٍ واحد. قطَعا خمسة أميال أخرى وهما يتخبَّطان في البِرَك وينزلقان فوق طُرقٍ غارقة في المياه. وفجأةً قفزت السيارة الثقيلة، والسلاسل وكل شيء، فوق مطبٍّ ارتفاعه قدمان، واندفعت فوق الأرض مسافةَ اثنتَي عشرة ياردةً قبل أن تُوقِفها الفرامل، ثم استدارت بمقدار نِصف دائرة ووقفَت ساكنة. جلست إنيد هادئةً وساكنة.

الْتقَط كلود نفَسًا طويلًا. «لو حدث هذا فوق بربخ، لوقَعْنا في المياه والسيارةُ فوقنا. ببساطة لا أستطيع التحكُّم في السيارة. الأرض كلُّها رِخوة، ولا يوجد ما يُثبِّتها. نحن على مَقربة من منزل تومي رايس. الأفضل أن نذهب إليه ونطلب منه أن يستضيفنا الليلة.»

اعترضَت إنيد: «ولكن سيكون هذا أسوأ من الفندق. إنهم ليسوا شديدي النظافة، ويوجد بالمنزل أطفالٌ كُثر.»

تمتَم: «الزحام خيرٌ من الموت. من الآن فصاعدًا، لن تكون المسألة أكثر من مسألة حظ. ربما نُضطرُّ إلى التوقف في أي مكان.»

«لا يفصلنا عن منزلك سوى نحو عشَرة أميال. يمكنني المُكوث مع والدتك الليلة.»

«هذه مُخاطَرةٌ كبيرة يا إنيد. وأنا لا أُحبُّ تَحمُّل المسئولية. وسيَلُومني والدُك على قيامي بهذا.»

«أعلم أنك مُتوتِّر بسببي.» تحدَّثَت إنيد بقدرٍ كبير من المنطق. «هل تُمانِع في أن أقود السيارة لبعض المسافة؟ لم يبقَ أمامنا سوى ثلاثةِ تِلال وَعْرة، وأعتقد أنه يُمكنني تجاوُزها؛ فكثيرًا ما فعلتُ ذلك.»

نزل كلود وتركها تجلس مكانه، ولكن بعدما أمسكَت عَجلة القيادة وضَع يده على ذراعها. توسَّل إليها قائلًا: «لا تفعلي أي شيء مجنون.»

ابتسمَت إنيد وهزَّت رأسها. كانت ودودةً ولكنها غيرُ مَرِنة.

طوى ذراعَيه. وقال: «تقدَّمي.»

انزعَج من عنادها، ولكنه لم يجد بُدًّا من الإعجاب ببراعتها في التعامل مع السيارة. في نهاية أحد أسوأ التلال، كان هناك بربخٌ أسمنتيٌّ جديد مُغطًّى بطينٍ سائب حيث لم تجد السلاسل شيئًا كي تُمسِك فيه. انزلقَت السيارة إلى جانب البربخ وتوقَّفَت فوق حافته. ولما كانا يمشيان بتعثُّر فوق الجانب الآخر من التل، قالت إنيد: «من حسن الحظ أن مُحرِّك بدء التشغيل خاصتك يعمل جيدًا؛ لولا هو لقلَبتْنا جرَّة صغيرة.»

وصَلا إلى مَزرعة ويلر قُبَيل الظلام تمامًا، وأتت السيدة ويلر مُهروِلةً كي تُقابِلهما وعلى رأسها مِعطفٌ مطَّاطي.

صاحت وهي تحضن إنيد: «يا لكما من طفلَين بائسين مُبتلَّين! كيف وصلتما إلى المنزل؟ وددتُ لو بقيتما في هاستنجز.»

ردَّ عليها كلود: «إنيد هي من أتت بنا إلى المنزل. إنها فتاةٌ مُتهوِّرة بشدة، ولا بد أن يجعلها أحدٌ تُفيق، ولكنها سائقةٌ ماهرة.»

ضحكت إنيد وهي تُبعِد إحدى خصلات شَعرها المُبتلَّة عن جَبْهتها. «كنت على حق بالطبع؛ اقتضى العقل أن نُعرِّج على بيت رايس، ولكني لم أُرِد ذلك فحسب.»

في وقتٍ متأخر من المساء، سَعِد كلود أنهما لم يُعرِّجا عليه. سرَّه أن يكون في المنزل، وأن يرى إنيد على مائدة العشاء تجلس عن يمين والده وتلبس رِداءً من ملابس أُمه المنزلية الرمادية الجديدة. كانا سيَقضيان وقتًا كئيبًا في منزل رايس؛ إذ لا توجد أسرَّة للنوم إلا التي كان ينام عليها أطفالُ رايس. لم يسبق أن نامت إنيد في غُرفة الضيوف الخاصة بأمه، وسرَّه أن يعلم مدى الراحة التي ستحظى بها فيها.

في ساعةٍ مُبكِّرة، أخذَت السيدة ويلر شمعةً كي تأخذ ضيفتها إلى سريرها، ومرَّت إنيد بالقرب من كرسي كلود وهي تُغادِر الغُرفة. سألَته كي تَغيظه: «هل سامحتَني؟»

«ما الذي جعلكِ عنيدةً هكذا؟ هل تُريدين ترويعي؟ أم هل تريدين أن تُظهري لي براعتك في القيادة؟»

«لا شيء من ذلك. أردتُ العودة إلى المنزل. تصبح على خير.»

استراح كلود على كرسيِّه، وظلَّل عينَيه بيدَيه. كانت تشعر في ذلك الحين بأنها في بيتها. لم تخَف من نِكات والده، ولم تنزعج من ابتسامة ماهيلي التي تنمُّ عن معرفتها بشيءٍ ما. شعورها بالراحة بين عائلته منَحه سعادةً عارمة. أخَذ كتابًا ولكنه لم يقرأه. كان الكتاب مفتوحًا على رُكبته حين عادت أمه بعد نصف الساعة.

«امشِ بهدوء عندما تصعد إلى الطابق العُلوي يا كلود. إنها مُتعَبة لدرجةِ أنها ربما غرقَت في النوم الآن.»

خلَع حذاءه وصَعِد السُّلم بأقصى درجات الحذر.

٤

في صباح أحد أيام الصيف، كان إرنست هافل يحرث حقل الذُّرة الحديثَ البرَّاق واللامع، ويُصفر لحن أغنية ألمانية قديمة ترتبط بصورة اتَّقدَت في ذاكرته بنحو أو بآخَر. إنها كانت صورة أول مرة يتذكر أنه حرَث فيها.

رأى نِصف دائرة من التِّلال الخضراء، والثلج لا يزال عالقًا في شقوق أعلى قِمَمها، وخلف التِّلال كان يرتفع جدارٌ من الجبال الشاهقة، المُغطَّاة بغابات صَنَوبر داكنة اللون. في المروج عند سفح تلك التلال، كان يوجد نُهَير مُتعرِّج على ضفافه شجر صَفْصاف مُقلَّمة في حقولها الغضَّة التي يكسوها اللونان الأخضر المُصفر والبُني. لما كان صغيرًا، اعتاد اللعب بجانب النُّهير وهو يُراقِب أباه وأُمه وهما يحرثان بمساعدة ثورَين عظيمين كانا مربوطين بحبال من رأسَيهما وقرنيهما الطويلين. كانت أمه تمشي حافيةَ القدمَين بجانب الثورَين وتَقُودهما، وأبوه يمشي خلفهما كي يُوجِّه المِحراث. كان أبوه ينظر دائمًا إلى أسفل. كان وجه أُمه بنيًّا ومُتشقِّقًا مِثل الحقول، وكانت عيناها ذاتَ لون أزرق فاتح، بلون السماء في بداية الربيع. كان يغدو الاثنان ويَجيئان هكذا طَوال الصباح من دون التحدث، إلا إلى الثورَين. إرنست هو آخِرُ نسل عائلة طويلة؛ وعندما كان يلعب بجانب النُّهير، اعتاد أن يتساءل عن السبب في أنَّ والدَيه كانا يبدوان عجوزَين بشدة.

وصل ليونارد دوسن بسيارته إلى السياج، وصاح على إرنست كي يُوقِظه من أحلام اليقظة خاصته. أمَر حيوانَيه بالوقوف وركَض إلى حافة الحقل.

صاح ليونارد: «مرحبًا يا إرنست. هل علِمتَ أن كلود ويلر جُرِح أول من أمس؟»

«أصحيحٌ ما تقول؟! لا بدَّ أن الجرح ليس كبيرًا، وإلا لأخبَروني.»

«أوه، أظنُّ أنه ليس كبيرًا، ولكن السلك جرَح وجهه بشدة. إنه أغربُ شيءٍ رأيته. كان بالخارج مع بَغلَيه ومِحراث ثقيل، يحرث الأرض في ذلك المَمرِّ العميق الواقع بين بيتهم وبيتي. مرَّت شاحنةُ نقل وقود، وربما أحدثَت ضوضاء أعلى من المُعتاد. ولكنَّ هذين البغلَين كانا يعرفان تلك الشاحنات، وما فعلاه كان مجردَ نوع من المُشاكَسة. بدأ الشبَّ والتحرك لأعلى ولأسفل بعنفٍ داخل هذا المَمر العميق. كنت أفحص الذُّرةَ خاصَّتي في الحقل، وناديتُ على سائق الشاحنة كي يتوقَّف، ولكنه لم يسمَعْني. قفَز كلود للإمساك برأسَي هذين الحيوانين وأمسكَهما من شكيمةِ كلٍّ منهما، لكنه حينها تشابَك في حبالهما. رفعه هذان البغلان الملعونان وبدآ يركضان. ركَضَا في الأخدود الضَّحل وعلى الضفة وعبر الحقول، وشفرةُ هذا المِحراث الكبير كانت ترتفع في الهواء مقدار ثلاث أو أربع أقدام مع كل قفزة. كنتُ مُتأكدًا من أنها ستجرح أحدَ البغلَين أو ستخترق جسدَ كلود. لو لم يُحكِم مَسْكه لشكيمتَي البغلَين، لنالت منه تلك الشفرة. ظلَّا يجريان به مسافةً طويلة وهو يتأرجحُ في الهواء، وفي النهاية رمَياه على سياج به أسلاكٌ شائكة؛ مما تسبَّب في قطع في وجهه ورقبته.»

«يا إلهي! هل أُصيبَ بقطعٍ غائر؟»

«كلَّا، ليس قطعًا غائرًا، ولكني رأيتُه صباح أمسِ يحرث الذُّرة ووجهُه مُغطًّى تمامًا بلصقٍ طبي. أعلم أن ما قام به فعلٌ أحمق؛ يسوء جرح السلك إذا كنت غاضبًا بشدة وتُركت لتقع في الغبار. ولكنك لا تستطيع أن تقول لأيٍّ من آل ويلر شيئًا. يقولون إن وجهه تورَّم ويؤلمه ألمًا فظيعًا، وسافَر إلى المدينة كي يستشير طبيبًا. الأفضل أن تذهب إليه الليلة وترى هل بإمكانك أن تجعله ينتبهُ إلى حاله.»

انطلَق ليونارد بالسيارة، وعاد إرنست إلى عمله. قال في نفسه: «غريبٌ ذلك الفتى. إنه كبير وقوي ومُتعلم، ويمتلك كلَّ تلك الأرض الرائعة، ولكن يبدو أنه عاثرُ الحظ.» كان يعتقد إرنست أحيانًا أن صديقه سيئ الحظ. عندما تخطر هذه الفكرة على باله، كان يتنهَّد ويطردها من عقله. يعتقد إرنست أنه لا حيلةَ في ذلك؛ فإنه شيء لا يُفسره عقل.

بعد ظهيرة اليوم التالي، أخذت إنيد رويس سيارتها الكوبيه وذهبَت إلى مزرعة ويلر. السيدة ويلر رأت إنيد وهي تترجَّل من سيارتها؛ ولذا نزلت من التل كي تُقابلها وهي مقطوعة النفَس وحزينة. «أوه، يا إنيد! هل سمعتِ عن الحادثة التي تعرَّض لها كلود؟ إنه لا يعتني بنفسه، وأُصيبَ بالحُمرة الآن. إنه يُعاني ألمًا حادًّا، يا له من فتًى بائس!»

أمسكَت إنيد ذراعها وبدآ يصعدان التل باتجاه المنزل. «هل لي أن أرى كلود يا سيدة ويلر؟ أريد أن أُعطيَه تلك الزهور.»

تردَّدت السيدة ويلر. «لا أعلم هل سيَسمح لك بالدخول أم لا يا عزيزتي. لقد صادفت صعوبةً شديدة في إقناعه بأن يرى إرنست بضعَ دقائق ليلةَ البارحة. يبدو أن معنوياته مُنخفِضة، وإنه حسَّاس من الطريقة التي ضمَّد بها جِراحه. سأذهب إلى غُرفته وأسأله.»

«كلَّا، اسمحي لي فقط أن أصعَد معكِ من فضلك. إذا صعدت معك، فلن يكون لديه الوقتُ كي يغضبَ من زيارتي. لن أمكث إن لم يرغب في زيارتي، ولكني أريد أن أراه.»

انزعجَت والدته من هذا الاقتراح، ولكن إنيد تجاهلَت تَملمُلها. صَعِدتا إلى الطابق الثالث، وطرقت إنيد الباب بنفسها.

«هذه أنا يا كلود. هل تسمح لي بالدخول للحظات؟»

أجاب صوتٌ مكتوم مُتذمِّر. «كلَّا. يقولون إن هذا المرض مُعدٍ يا إنيد. وعلى أي حال، لا أُحبُّ أن ترَيني بتلك الهيئة.»

لم تنتظر، وفتحَت الباب. وجدَت الستائر الداكنة مُنسدِلة، وتنبعث رائحةٌ قوية كريهة من الغرفة. كان كلود يستلقي على السرير ورأسُه ووجهه يُغطِّيهما القطن الطبيُّ، ولا يظهر سوى عينَيه وطرَف أنفه. تسرَّب المرهم البنيُّ الذي دُهِنت به ملامحه إلى أطراف الشاش، وجعل ضماداته تبدو غير مُرتَّبة. لاحظت إنيد هذه التفاصيل من نظرةٍ واحدة.

«هل النور يؤذي عينَيك؟ اسمح لي أن أفتح إحدى هذه الستائر للحظات؛ لأني أريدك أن ترى هذه الزهور. أحضرت لك أول زهور أينعَت من زهور البازلاء العطرية.»

نظر كلود وهو يطرف بعينَيه إلى باقة الزهور ذي الألوان البرَّاقة التي كانت تحملها أمامه. رفعَتْها أمام وجهه وسألته إن كان يستطيع شمَّها من خلف تلك الضمادات. في لحظة، اندثر شعوره بالإحراج. أحضرَت والدته زهريةً زجاجية، ووضعت إنيد الزهور على الطاولة الصغيرة التي بجانبه.

«والآن، هل تريدني أن أُظلم الغُرفة مرةً أخرى؟»

«ليس الآن. اجلسي قليلًا وتحدَّثي معي. لا أستطيع التحدث كثيرًا لأن وجهي مُتيبِّس.»

«اعتقدت أنه ينبغي أن يكون كذلك! قابلت ليونارد دوسن البارحة على الطريق، وأخبرني كيف نزلت إلى العمل في الحقل بعد التعرُّض للجرح. أريد أن أُوبِّخك كثيرًا على ذلك يا كلود.»

«افعلي إذَن. فقد يجعلني ذلك أشعرُ بتحسُّن.» أمسك يدها وجعلها بجانبه للحظات. «هل زهور البازلاء العطرية هذه هي تلك التي كنتِ تزرعينها في اليوم الذي عُدتِ فيه من الغرب؟»

«نعم. ألم تَنمُ جيدًا لدرجةِ أن تينَع مُبكرًا هكذا؟»

تنهَّد قائلًا: «أقل من شهرَين. هذا غريب.»

«غريب؟ ماذا تقصد؟»

«أوه، حَفْنة من البذور يمكن أن تصنع شيئًا جميلًا كهذا في غضون بضعة أسابيع، ويستغرق الأمر من الإنسان وقتًا طويلًا كي يُنجِز أي شيء، وفي النهاية يكون غيرَ ذي بال.»

ردَّت عليه مُوبِّخةً: «هذه ليست نظرةً صحيحةً تجاه الأمور.»

جلست إنيد على نحوٍ مُهذَّب ومُستقيم عند طرَف سريره. فستانها المُزهِر المصنوع من قماش الأورجاندي كان يُشبِه كثيرًا باقة الزهور التي أحضرتها، وكان لقبَّعتها المرِنة المصنوعة من القش أنشوطةٌ أرجوانية كبيرة. بدأت تحكي له عن نوبات الحُمرة العديدة التي أصابت والدها. استمع إليها لكن بذهنٍ شارد. لم يُصدِّق قطُّ أن إنيد — بمفاهيمها الصارمة عن اللياقة — ستأتي إلى غرفته وتجلس معه هكذا. لاحظ أن اندهاش والدته لا يقلُّ عن اندهاشه. ظلَّت أمُّه تحوم حول الضيفة بضع لحظات؛ ولما رأت أن إنيد لا تشعر بأي إحراج، نزلت إلى الطابق السفلي كي تُباشِر عملها. تمنَّى كلود لو لم تتحدث إنيد البتَّة، وأن تجلس في الغرفة وتدَعه ينظر إليها. هدأت آلامُه بفضل أشعَّة الشمس التي أدخلتها إلى الغُرفة ووجودها الهادئ والطيِّب الرائحة. وفجأةً أدرك أنها كانت تسأله عن شيء.

«ماذا يا إنيد؟ الدواء الذي يُعطونني إياه يجعلني أبدو ثقيلَ الفهم. لا أستوعب الأشياء بسرعة.»

«كنتُ أسأل هل تلعب الشَّطْرنج.»

«لستُ ماهرًا فيه.»

«يقول أبي إنني أتمتَّع بقدرٍ معقول من المهارة في لعبه. عندما تتحسَّن، يجب أن تسمح لي بإحضار قِطع الشطرنج العاجيَّة خاصتي التي أرسلتْها لي كاري من الصين. إنها منحوتةٌ على نحوٍ جميل. والآن، حان الوقت كي أُغادِر.»

نهضَت وربَّتَت على يده، وأخبرته ألَّا يكون أحمَق فيما يتعلق برؤية الناس. «لم أكُن أعلم أنك معتدٌّ بنفسك إلى هذه الدرجة. أنت مُعرَّض للجروح والضمادات مثلك مثل أي شخص. هل أُسدِل الستارة الداكنة مرةً أخرى؟»

«نعم، من فضلك. لن يكون هناك شيءٌ أنظر إليه الآن.»

«عَجبًا لأمرك يا كلود، توشك أن تكون رجلًا مُولَعًا بالنساء!»

جفَل قليلًا من شيء في الطريقة التي قالت بها إنيد هذا. شعَر أن الحرارة تزداد في وجهه المُلتهِب. وحتى بعدما نزلت إلى الطابق السفلي، ظل يتمنَّى لو لم تتفوَّه بتلك الكلمات.

أتت والدتُه كي تُعطيَه الدواء. وقفت بجانبه حتى ابتلعَه. قالت وهي تأخذ الكوب: «إنيد رويس فتاةٌ رقيقة حقًّا …» لم يُعبِّر ارتفاعُ نبرة صوتها في نهاية كلامها عن اقتناع، بل عن حَيرة.

كانت إنيد تأتي كلَّ يوم بعد الظهيرة، وتطلَّع كلود إلى زياراتها بتلهُّف شديد؛ إنها الشيء المُبهِج الوحيد الذي حدَث له وجعله ينسى الشعور بالخزي بسبب وجهه المُلطَّخ والمُشوَّه. كان يتقزَّز من نفسه؛ فعندما كان يلمس الكدماتِ الموجودةَ على جبهته وتحت شعره، كان يشعر بعدم النظافة والقذارة. عندما كانت تشتدُّ عليه الحُمَّى في الليل، ويبدأ الألم يحتدُّ في رأسه ورقبته، كان يدخل في نوبةِ اهتياج شديدة. كان يُصارِع الألم وكأن كلبَي بولدوج يتشاجران بعضهما مع بعض. جال بعقله بين أساطير التعذيب الكئيبة؛ كلُّ شيء قرأه يومًا عن مَحاكم التفتيش والمخلعة والعجلة.

عندما كانت إنيد تدخل غرفته هادئةً وعذبة بملابسها الصيفية الجميلة، كان عقلُه ينتفض لمُقابَلتها. لم يستطِع الحديث كثيرًا، ولكنه كان يرقد ناظرًا إليها ومُتنفِّسًا برِضًا عذب. بعد مدةٍ شعَر بتحسُّن كبير يُعينه على الجلوس نِصفَ عارٍ على كرسي مُريح ويلعب الشطرنج معها.

في عصر أحد الأيام، كانا يجلسان بالقرب من النافذة الغربية في غرفة الجلوس ولوح الشطرنج بينهما، واعترف لها كلود مُرغَمًا أنه هُزِم مرةً أخرى.

تمتمَ وهو يمسح قطرات العَرق عن جبينه: «لا بد أنكِ ملِلتِ من اللعب معي.» أصبح وجهُه الآن خاليًا من أي جروح، وكان شديدَ البياض لدرجةِ أن حتى النَّمش الذي كان يوجد به اختفى، وكانت يده واهنة وضعيفةً مِثل أي رجل مريض.

طمأنَتْه إنيد: «ستَزيد مهارتُك في اللعب عندما تتعافى أكثر وتستطيع أن تُركِّز في اللعب.» تحيَّرَت من أمر كلود لأنه سريعُ البديهة في بعض الأشياء، ولكنه ليس كذلك على الإطلاق في الشطرنج، وكان واضحًا أنه لن تتحسَّن مهارته في لعبه أبدًا.

اعتدل في كرسيه وتنهَّد: «نعم، حُنْكتي تَخُونني. انظري إلى حقل القمح خاصتي هناك على مَرمى البصر. أليس جميلًا؟ ولكني الآن لن أستطيع حصده. أتساءل أحيانًا هل سأُنهي أي شيء بدأتُه.»

أعادت إنيد قِطع الشطرنج إلى صندوقها. «لقد تحسَّنَت صحتُك الآن، ويجب أن تتوقَّف عن الشعور بالحزن. يقول أبي إن كل من يُصاب بمرضك يُصاب دائمًا بالاكتئاب.»

هزَّ كلود رأسه ببطء وهو يُسنِدها على ظهر الكرسي. «كلَّا، ليس الأمر كما تقولين. إن امتلاكَ وقتٍ طويل جدًّا للتفكير هو ما يجعلني أشعرُ بالحزن. كما ترَين يا إنيد، لم أُنجِز أيَّ شيء يجعلني أشعر بأي قدر من الرضا حتى الآن. يجب أن أكون جيدًا في شيءٍ ما. عندما أستلقي ساكنًا وأفكر، أتساءل هل أحداث حياتي وقعَت لي أم لأحدٍ آخَر. لا يبدو لي أنَّ لها علاقةً كبيرة بي. أنا لم أبدأ بعدُ أيَّ شيء ناجح في حياتي.»

«لكنك لم تبلغ الثانية والعشرين بعد. لديك متَّسَع كبير من الوقت كي تبدأ. أهذا ما تُفكر فيه طوال الوقت؟!» أشارت إليه بإصبعها.

«أُفكر في شيئَين طَوال الوقت. هذا واحدٌ منهما.» دخلت السيدة ويلر ومعها كوب اللبن الذي يحتسيه كلود الساعةَ الرابعة؛ إنه أول يوم ينزل فيه إلى الطابق السفلي.

لما كانا صغيرَين ويلعبان بالقرب من سد الطاحونة، رأى كلود المستقبَل كأنه ضبابٌ شفَّاف يفعل فيه دائمًا هو وإنيد أشياءَ معًا. بعد ذلك أتى الوقت الذي أراد أن يفعل فيه كلَّ شيء مع إرنست وقتَ أن كانت الفتَياتُ مصدر قلق وإزعاج، وأخرج كلَّ ذلك من رأسه وهو يعلم أنه يومًا ما لا بد أن يُفكر فيه مرةً أخرى.

بات يقول لنفسه الآن إنه ما غاب عن باله قطُّ أن إنيد ستعود، وها هي قد فعلت في عصر ذلك اليوم عندما دخلت إلى غُرفته ذات الرائحة الكريهة، وجعلَت أشعةُ الشمس تدخل إليها. ما كانت لتفعل هذا مع أحدٍ غيرِه. إنها ليست من الفتَيات اللاتي يخرجن بلا مُبالاةٍ عن الأعراف التي تعرف أنها جازمة. كان يتذكَّرها لما كانت تسير بخطواتٍ مُنتظِمة إلى المنصَّة من أجل أنشطة يوم الطفل مع غيرها من الفتَيات الصُّغريات في فصل الأطفال الصغار؛ وهي تلبس فستانها الأبيض الخشن، وشَعرها مُهندَم بشدة، ويخلو جوربها من أي تجعيدة، وتجعل رفيقاتها الصغريات يُحافظن على النظام من خلال الجِدِّية البادية على وجهها والميَّالة للإذعان، التي بدَت كأنها تقول: «يا لها من شيءٍ رائع أن نفعل هذا، وأن نفعلَه على نحوٍ صحيح!»

كان السيد سميث العجوز هو القسَّ في ذلك الوقت — وهو رجلٌ طيِّب كثيرًا ما تُزعجه زوجته السريعة الغضب المِزاجية — واعتاد أن تستقرَّ عيناه على إنيد رويس الصغيرة؛ إذ كان يرى فيها مثالًا ﻟ «الأنوثة المسيحية الفاضلة والجميلة»، على حدِّ تعبيره. كلود الذي كان في فصل الأولاد الذي يوجد عبر الممر، اعتاد مُضايَقتَها ومُحاوَلة تشتيت انتباهها، ولكنه كان يحترم جِدِّيتها.

لما كانا يلعبان معًا، كانت تتَّسم بالعقلانية ولا تتذمَّر إذا تعرَّضَت للأذى، ولم تتقدم البتَّةَ بطلب لإعفائها لكونها فتاةً من أي نشاط صعب. كانت هادئة، حتى في اليوم الذي وقعت فيه في ماءِ سد الطاحونة وأخرجها هو منها؛ فبمُجرَّد أنِ استعادت أنفاسها ولفظَت المياه الطينية، مسحَت وجهها بتنُّورة فستانها الداخلية الصغيرة المُبتلَّة، وجلست ترتعش وتقول مرارًا وتَكرارًا: «أوه يا كلود، كلود!» الآن، بات يعتبر حوادثَ كتلك مُهمَّة ومُوحِية.

عندما بدأ كلود يسترجع قُواه، عادت إليه بقوةٍ بالغة. شعَر أن الدم بدأ يتدفَّق بقوة في عروقه بينما كان جسدُه لا يزال ضعيفًا؛ ولذا صدَمه اندفاعُ الحيوية هذا. غرَّدَت الرغبة في العيش مرةً أخرى داخل شرايينه، بينما كان جسده غيرَ مستقرٍّ بعد. اجتاحته موجاتُ الشباب وتركته مُنهَكًا. لما كانت إنيد معه، لم تكن هذه المشاعر قطُّ بتلك القوة؛ ربما وجودها الفعلي أعاد إليه توازُنه، تقريبًا. تلك الحقيقة لم تُربِكه؛ إنه يَعْزوها إلى شيءٍ جميل في طبيعة الفتاة؛ صفة بالغة الجمال والرِّقة لدرجة أنه لا يجد اسمًا لها.

في الأيام الأولى من تعافيه، لم يفعل شيئًا سوى الاستمتاع بحركة الحياة التي بدأت تدبُّ في أوصاله. أصبح التنفُّس متعةً جسديةً رقيقة. وفي الليالي التي كانت طويلة جدًّا بحيث طال سهرُه فيها، كان يبتهج بتخيُّل نفسه مُستلقيًا على سحابةٍ تسبح على مهَل في السماء. في أعماق هذا الاسترخاء، كان يبدأ التفكير في إنيد مِثل ألمٍ عذبٍ وحارق، وكان كلود ينجرف بعد ذلك في عمق الظلام خلف مشاعر لا يستطيع ردعها أو التحكُّم بها. ما دام قادرًا على الحرث أو جمع القش أو العمل بجِد في حقل القمح، فإنه سيِّد؛ ولكنه الآن فاجأتْه نفسه. كان هناك توافقٌ بينه وبين إنيد، وقد جاءت من أجله، وما كان لِيَدَعها تتركه مُطلَقًا. لا ينبغي أبدًا أن تعرف كم يشتاق إليها. لن تُدرِك بسرعة ولو قدرًا ضئيلًا مما كان يُكنُّه تجاهها؛ إنه كان يعلم ذلك. وسيَستغرق هذا وقتًا طويلًا. ولكن سيَصبر عليها صبرًا جميلًا، ويُغدِق عليها حنانًا فيَّاضًا. المُفترَض أن يتألَّم هو، لا هي. حتى في أحلامه، لم يُوقِظها البتَّة، ولكنه أحبَّها وهي ساكنةٌ وغير واعية مِثل التمثال. كان سيُغدِق عليها الحبَّ حتى تلينَ وتتغيَّر من دون أن تعلم السبب.

أحيانًا، عندما كانت تجلس إنيد بجانبه من دون ريبة في شعوره تجاهَها، تتسلَّل حُمرةٌ سريعة إلى وجهه، ويشعر بالذنب تجاهها، ويُصبح وديعًا ومُتواضِعًا كما لو أنه يجب أن يستجديَ عفوها على فعلٍ اقترَفه. كثيرًا ما كان يَسعَد عندما تذهب وتتركه بمُفرَده حتى يُفكر فيها. حضورها وهَبه العقلانية، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون مُمتنًّا. عندما يكون معها، يظنُّ أنها ستكون الشخص الذي ستُصحِّح من مَسلكه في هذا العالم وتجعله يتكيَّف مع الحياة. لقد تسبَّب في إزعاج والدته وإحباط والده، لكنَّ زواجه سيكون أولَ شيء طبيعي ونابع من الإحساس بالواجب ومُتوقَّع يقوم به. إنه سيكون بدايةَ رجاء الخير والشعور بالرضا؛ إنه سيُعيد إليه روحه، كما يقول المزمور الذي كثيرًا ما كانت تُكرِّره أمه. لا يكاد يشكُّ في استعداد إنيد للاستماع إليه. وعلى الأرجح اعتبر أصدقاؤها تفانيَها تجاهه في مرَضه بمنزلةِ رغبة من جانبها في الخِطبة إليه.

٥

كانت رحلة كلود الأولى إلى فرانكفورت هدفها قصُّ شَعره. وبعد مغادرة صالون الحِلاقة، ذهب إلى مكتب جايسون رويس؛ ويفوح منه عِطر، مُستخلَص من أوراق شجرة الميريقة وشراب الرم، وضَعه له الحلَّاق. بعدما أغلق السيد رويس خزنته، الْتفتَ وسلَّم على الشاب.

«مرحبًا كلود، سُرِرت برؤيتك هنا مرةً أخرى! لا يمكن أن يؤثر المرضُ كثيرًا في مُزارِع شابٍّ قويٍّ مِثلك. الأمر يختلف مع كبار السن. كنتُ سأذهب الآن لأُلقيَ نظرة على البرسيم الحجازي المزروع جنوب النهر. تعالَ معي.»

خرَجا إلى السيارة المكشوفة التي تقف بجوار الرصيف؛ ولما كانا يتجوَّلان بالسيارة بين حقول الحبوب اليانعة، كسَر كلود حاجزَ الصمت. «أظن أنك تعرف سبب مجيئي إليك يا سيد رويس، أليس كذلك؟»

هزَّ الرجل العجوز رأسَه. كان مشغولَ البال وعابسًا منذ انطلاقهما.

أردف كلود بنبرةٍ يتخلَّلها الخجل: «حسنًا، لا أظنُّ أنك ستُفاجأ لو قلت إن قلبي مُنشغِل بإنيد. لم أقُل لها شيئًا حتى الآن، ولكن إذا لم تُمانِع، فسأُحاول إقناعها بالزواج بي.»

ردَّ السيد رويس: «الزواج هو آخِر شيء نتحدَّث فيه يا كلود.» جلس مُسترخيًا في مَقعده يُشاهِد الطريق أمامه وذهنُه شاردٌ بشدة، ويبدو أكثر عبوسًا وشيبًا من المُعتاد. ثم أردف فجأةً: «تعلمُ أن إنيد نباتية.»

ابتسَم كلود. «لا أظن أمرًا كهذا يمكن أن يُحدِث فرقًا بالنسبة إليَّ يا سيد رويس.»

أومأ الآخَر قليلًا. «أعلم. في عمرك هذا، تظنُّ أنه لا يُحدِث فرقًا. ولكن تلك الأمور تُحدِث فرقًا بالفعل.» أطبقَت شفتاه على السيجار الذي دخَّن نصفه ولم يفتحهما بعضَ الوقت.

قال أخيرًا: «إنيد فتاةٌ طيِّبة. على وجه التحديد، عقلُها يفوق عقل الفتَيات الأُخريات. لو كان للسيدة رويس ابنةٌ أخرى في المنزل، لأخذتُ إنيد للعمل معي في مكتبي. إنها تتمتَّع بعقلٍ راجح. أعتقد أنها ستُدير عملًا تِجاريًّا أفضل من إدارتها لمنزل.» لما تلفَّظ السيد رويس بتلك الكلمات، قلَّل العبوس الذي كان باديًا على وجهه، وأخرج السيجار من فمه ونظر إليه ووضعَه مرةً أخرى بين أسنانه من دون أن يُشعِله مرةً أخرى.

كان كلود يُراقِبه مُندهِشًا. وصاح قائلًا: «لا غبار على إنيد يا سيد رويس. لم آتِ كي أسألك عنها. أتيت كي أسألك إن كنت تَقبَلني زوجًا لها. أعلم — كما تعلم أنت — أن إنيد بإمكانها فعلُ أشياء أفضل من الزواج بي. أنا بالتأكيد لم أُحرِز نجاحًا بارزًا حتى في حياتي.»

قال السيد رويس: «ها نحن قد وصلنا. سأترك السيارة تحت شجرة الدردار هذه، ونذهب إلى الطرف الشمالي من الحقل ونُلقي نظرة.»

مرَّا من تحت السِّياج السلكي وانطلَقا على الأرض الوَعرة مرورًا بحقل به أزهارٌ أرجوانية. اندفعَت جماعاتٌ من الفراشات الصفراء أمامهما. مشَيا بخطواتٍ قافزة مُخترِقين القشرةَ النباتية التي حمَّصتْها الشمسُ وصولًا للتربة الناعمة تحتها. أشعل السيد رويس سيجارًا جديدًا، وبينما كان يرمي عود الثِّقاب جعل يده تسقط على كتف الشاب. «لم أبرَحْ أحسدُ والدك. أعجبتني منذ أن كنت صبيًّا صغيرًا، واعتدتُ أن أسمح لك بالدخول لترى الساقية. وعندما توقَّفت عن استخدام طاقة المياه وركَّبت المُحرِّك، قلت لنفسي: «لا يوجد سوى شخص واحد سيأسَف على إيقاف استخدام الساقية القديمة، وهو كلود ويلر.»»

قال كلود وهما يمشيان بخُطًى ثقيلة: «أرجو ألا تعتبرني صغيرًا على الزواج.»

اعترَض السيد رويس بشدة قائلًا: «لا، الأصحُّ والأصوب أن يتزوَّج الشاب. لا أعترض على الزواج. ولكنك قد تجد بعض المعارضة بسبب رغبة إنيد في العمل في مجال التبشير. لا أعلم شعورها إزاء هذا الأمر الآن. ولا أسأل كذلك. سيَسرُّني أن تخرج هذه الأفكار من رأسها. إنها لا تُناسب المرأة على الإطلاق.»

«أريد أن أساعدها كي تُخرِجها من رأسها. وإذا لم تُمانِع، فأرجو أن أتمكَّن من إقناع إنيد بالزواج بي هذا الخريف.»

أدارَ السيد جايسون رويس رأسه نحو رفيقه بسرعة، وتفحَّص طلعتَه الساذَجة والمُفعَمة بالأمل للحظة، ثم حادَ ببصره عنه عابسًا.

كان يميل حقلُ البرسيم الحجازي لأعلى في أحد الجوانب، وكان يقبع مثل مِنديل لامع مُطرَّز باللونَين الأخضر والأرجواني ومُلقًى على جانب التل. في الزاوية العُلوية، كانت تنمو شجرة حور قطني صغيرة ورفيعة بأوراقٍ خفيفة ومُتحرِّكة مِثل أسراب الفراشات الصغيرة التي تحوم فوق البرسيم. عمَد السيد رويس إلى هذه الشجرة، وخلَع مِعطفه الأسوَد، وطواه ثم جلس عليه تحت ظل الشجرة الخافت. ظهَرَت على قميصه بُقَع كبيرة من البلل، وكان العَرق يتدحرج بقطراتٍ واضحة بطول التجاعيد في رقبته السمراء. جلس مُشبِّكًا يدَيه فوق ركبتَيه وقدمَيه فوق التربة الناعمة، وأخذ يجول ببصره عبر الحقل. وجد نفسه غير قادر على الإطلاق على أن يأتيَ على ذِكر الخبرة الواسعة التي تمنَّى أن ينقلها إلى كلود. لقد أطبقَت على صدره كأنها همٌّ، وكانت الرغبة في البَوح بها تتصارع هناك. ولكن لم تكن لديه كلمات ليقولها، وما من طريقة يمكن أن تُوصِّل ما يريد قوله. ولم تكن لديه أيُّ حُجة ليَعرِضها. ما أراد أن يفعله هو أن يَعرِض الحياة كما وجدها وكأنها صورة لرفيقه الشاب؛ أراد أن يُحذِّره من بعض الإحباطات التي تكسر القلب، ولكن من دون أن يُقدِّم أيَّ تفسير. كان يعرف أنه لا سبيل إلى مُراده ذاك. فمُحاوَلةُ عجوزٍ نقْلَ تَجرِبته إلى شابٍّ تُشبِه محاولة حديث الأموات مع الأحياء. الطريقة الوحيدة كي يعرف كلود سِرَّه هي أن يعيش الحياة. أخذت أسنانُه الصفراء القوية تُطبِق أكثر وأكثر على السيجار الذي انطفأ مِثل سابقه. لم ينظر إلى كلود، ولكن بينما كان يُشاهِد الريح وهو يسير عبر الطُّرق الناعمة المُزهِرة في الحقل، رأى وجه الفتى أمامه مباشرةً وعليه تعبيرُ الاعتزاز المُتحفِّظ الممزوج بالرغبة في الإرضاء، ورأى في كتفَيه تصلبًا طفيفًا ينمُّ عن نوع من الولاء الراسخ. جلس كلود على الأرض بجانبه مُتعَبًا بعض الشيء بعد المشي في الشمس، وحزينًا قليلًا على الرغم من أنه لم يكن يعلم السبب.

بعد مدةٍ طويلة، فكَّ السيد رويس تشابُك يدَيه العريضتين ذواتَي الأصابع المُكتنِزة، وأخرج السيجار المُبلَّل من فمه للحظة. وقال بابتهاجٍ مقصود: «حسنًا يا كلود، ستَجمَعنا علاقةُ صداقةٍ أكبر مما هو مُفترَض في العلاقة بين الأب وصِهره. ستكتشف أن كل معتقداتك تقريبًا عن الحياة — وخاصةً عن الزواج — خاطئة. لا أعلم السبب الذي يدفع الناس إلى العيش في هذا النوع من العالم، ولكنهم يفعلون ذلك.»

٦

بعد لقاء كلود بالسيد رويس، قاد كلود سيَّارته مباشرةً إلى منزل الطاحونة. ولما وصل إلى الطريق الظليل، رأى في إحباط وميضَ رِداءَين أبيضَين بدلًا من رداءٍ واحد وهما يمشيان في حديقة الزهور المُشمِسة. كانت الزائرة هي جلاديس فارمر. لقد كان هذا هو وقتَ إجازتها. ذهبَت إلى الطاحونة في انتعاش الصباح كي تقضيَ اليوم مع إنيد. بدأتا الآن في جمع أعواد الجرجير، وتوقَّفتا في الحديقة لشمِّ أزهار رقيب الشمس. في ذلك العصر الحار، أطلقت الزخَّات الأرجوانية عبقًا عَلِق في حوض الزهور ولامَس وجنتَيهما كأنفاسٍ دافئة. نظرَت الفتاتان في وقتٍ واحد ولمَحتا كلود. لوَّحتا إليه وهُرِعتا إلى البوَّابة كي تُهنِّئاه على التعافي. أخذ منهما دلْوَيهما الصغيرَين المصنوعين من الصفيح، وتَبِعهما حول رأس السد القديم وصولًا إلى وادٍ رملي ضيِّق يمتدُّ بطول تيَّار مائي صافٍ يصبُّ في نُهَير لافلي كريك أعلى الطاحونة مباشرةً. أتَوا إلى التل ذي التربة الحصباء حيث ينبع الجدول من عينٍ حُفِرت من تحت الجذور المكشوفة لشجرتَي دردار. أينعَت ونضرَت أعوادُ الجرجير في كل مكان حول العين وفي القاع الرملي للتيَّار الضحل.

كانت جلاديس لديها اهتمامٌ شديد بالأماكن. نظرَت حولها برضًا. وقالت: «من بين كل الأماكن التي اعتدنا اللعب فيها يا إنيد، كان هذا هو مكاني المُفضَّل.»

قال كلود مُقترِحًا: «أيتها الفتاتان، اجلِسا هناك عند جذور شجرتَي الدردار. فأينما وضعتما أقدامكما في هذا الحصى الناعم، تتجمَّع المياه. إنكما بهذا ستُتلِفان حِذاءَيكما الأبيضَين. سأُحضِر أنا لكما الجرجير.»

نادت عليه جلاديس وهما تجلسان: «إذَن فامْلأ دَلْوي بأكبرِ قدرٍ ممكن. أتساءل لماذا تنمو نباتاتُ الخنجر الإسباني بهذه الكثافة على هذا التل يا إنيد؟ كانت هذه النباتات هرمةً وجافَّة عندما كنا صغيرتَين. لقد أحببتها هنا.»

أسندَت ظهرها على جانب التل الحارِّ المُتلألئ. كانت تتسلَّل أشعة الشمس الحمراء من بين قمَّتَي شجرتَي الدردار، ويلمع كل الحصى وأجزاء المرو في الصخور على نحوٍ باهر. وفي قاع الجدول كان للمياه، حين يتخلَّلها الضوء، بريقٌ مثل الذهب المطفي. كانت ترمي أشعة الشمس بُقعًا على شَعر كلود الأشقر وكتفَيه المحنيَّتَين وهو يتحرك فوق البقاع الخضراء، وبدا سِرواله الذي كان من القطن المتين أكثرَ بياضًا مما كان عليه. كانت جلاديس فقيرةً جدًّا بحيث لا تستطيع السفر، ولكن ساعَدها الحظُّ كثيرًا بسفرها إلى مناطقَ كثيرة على بُعدِ بضعة أميال من فرانكفورت، وساعَدها أيضًا خيالها الخصب على الاستمتاع بالحياة. أسرَّت إلى إنيد أنها تريد بالفعل الذَّهاب إلى كولورادو؛ فقد كانت تخجل من أنها لم ترَ جبلًا من قبلُ في حياتها.

بعد قليل، صَعِد كلود إلى الضفَّة ومعه دَلْوان لامعان يتقاطر منهما الماء. «والآن، هل يمكنني الجلوس معكما بضع دقائق؟»

تحرَّكت إنيد كي تُفسِح له مكانًا بجانبها، ولاحظت أن وجهه الرفيع يُغرِقه قدرٌ كبير من العَرق. كان منديل جيبه مُبتلًّا ولصقَت به الرمال؛ ومن ثَم أعطته منديلها الخاص وكأنه مِلكٌ له. «عَجبًا يا كلود، تبدو مُتعَبًا للغاية! هل أجهدتَ نفسك في العمل؟ أين كنت قبل أن تأتيَ إلى هنا؟»

«كنت مع والدك في أرضه نُلقي نظرة على حقل البرسيم الحجازي خاصَّته.»

«وأظن أنه مشى معك بطول الحقل تحت أشعة الشمس الحارَّة؟»

ضحك كلود. «نعم.»

«حسنًا، سألومه على ذلك الليلة. ابقَ هنا واسترِح. سأُرجع جلاديس إلى منزلها بالسيارة.»

اعترضَت جلاديس، ولكنهم في النهاية اتفَقوا على أن يَصحبها كِلاهما إلى المنزل في سيارة كلود. لكنهم بَقُوا لبعض الوقت؛ إذ أخذوا يستمعون إلى بَقْبقة ماء العين العذبة واللطيفة؛ إنه صوتٌ هادئ وغير مُزعِج، يُتمتِم في الليل والنهار، ولا يبرح يقول الحقيقة إلى من لا يستطيع فَهْمها.

عندما ذهبوا إلى المنزل، توقَّفَت إنيد وقتًا طويلًا كي تقطف باقةً من أزهار رقيب الشمس للسيدة فارمر، على الرغم من زوال عبَقها الفوَّاح مع زوال الشمس. ترَكا جلاديس ومعها الزهور وأعواد الجرجير عند بوَّابة الكوخ الأبيض، والذي أصبح الآن نِصف ظاهر بسبب نباتات تكوما راديكانس المُبهِجة.

أدار كلود سيارته وعاد مع إنيد على الطريق في ضوء الشفق الخافت. «أُحبُّ كثيرًا أن أرى جلاديس، ولكن أصابتني خيبةُ أمل شديدةٌ للحظات لما رأيتها معكِ بعد ظهر اليوم. كنت قد تحدَّثت للتوِّ مع والدك وأردت أن أحضر لكي أراكِ مباشرةً. هل تعتقدين أنه يُمكنك أن تتزوَّجيني يا إنيد؟»

تحدَّثت بنبرةٍ حزينة: «لا أظن أن هذا القرار هو الأصوَب يا كلود.»

أمسَك يدها الساكنة. «ولمَ لا؟»

«عقلي مُنشغِل بخُططٍ أخرى. الزواج حُلمُ معظم الفتَيات، لكنه ليس حُلمًا لجميعهن.»

خلَعَت إنيد قُبَّعتها. في ضوء المساء الخافت، تفحَّص كلود وجهها الشاحب تحت شعرها البُني. كان هناك شيءٌ جميل وفاتن في الوضعية التي اتخذها رأسها، شيء يجمع بين الرغبة في الانقياد والحزم الشديد. «أنا أيضًا حلمت بتلك الأحلام البعيدة يا إنيد، ولكني لم أعُد الآن أفكر في أي شيء سِواك. وإن كنت تهتمِّين بي ولو بقدرٍ ضئيل بحيث أبدأ في مَسْعاي هذا، فأنا على استعداد للمُخاطَرة فيما تبقَّى.» تنهَّدَت. وقالت: «تعلم أني أهتمُّ بكِ. ولم أُخفِ ذلك البتة. ولكننا سعيدان بوضعنا الحالي، ألا تتفق معي؟»

«نعم، لست كذلك. يجب أن تكون لي حياتي الخاصة، وإلا سأُجَن. وإن لم تتزوَّجي بي، فسأسافر إلى أمريكا الجنوبية … ولن أعود حتى أهرمَ وتهرَمي أنتِ كذلك.»

نظرَت إليه إنيد وابتسما.

كان منزل الطاحونة مُظلِمًا، ولا تُضيء سوى نافذة واحدة في الطابق العُلوي. ترجَّل كلود من السيارة وأنزل إنيد برفق إلى الأرض. ترَكتْه يُقبِّل فمها البارد الناعم، ورموشها الطويلة. في الغسَق الباهت المُغبرِّ الذي لا تُضيئه سوى بضعة نجوم بيضاء، ومع البرد المُتطاير في الهواء من النُّهير، بدَت لكلود كأنها شبَح صغير يرتعش خرَج من نباتات الأَسْل التي أُقيمَ عندها سدُّ الطاحونة القديم. قبَض حزنٌ كبير على صدر الفتى. لم يعتقد أن الأمور ستسير بهذا النحو. عاد بالسيارة إلى المنزل وهو يشعر بالضعف والانكسار. ألا يوجد شيء في العالم يُوضِّح له سبب مشاعره، وهل سيُصبح كلُّ مُنعطَف في حياته نقطةَ إحباط له؟ لماذا الحياة قاسية إلى تلك الدرجة الغامضة؟ لما نظر إلى الريف حوله، ظنَّ أن الحزن يُخيِّم عليه، ولا يمكنك تغييرُ هذا مِثلما لا يمكنك تغيير القصة المرسومة على وجه إنسان غير سعيد. تمنَّى من الرب أنْ لو مرِض مرةً أخرى؛ الدنيا دار شقاء لمن يعيش فيها.

إنسانٌ واحد في تلك الليلة شعَر بالأسى من أجل كلود. جلست جلاديس فارمر بجانب نافذة غُرفة نومها مدةً طويلة، وأخذت تُراقب النجوم وتُفكر فيما رأته واضحًا وضَح النهار بعد ظُهْر ذلك اليوم. لقد أحبَّت إنيد منذ أن كانتا طفلتَين صغيرتين، وكانت تعلم كل ما يُمكن معرفته عنها. كان سيُصبح كلود أشبَه بإنسانٍ ميت يتجوَّل بين شوارع فرانكفورت؛ ستَفْنى روح كلود، أما جسده فسيَعيش — إذ سيَغدو ويروح ويأكل وينام — مدة خمسين عامًا. لقد درَّست جلاديس لأطفال العديد من مثلِ هؤلاء الموتى. لقد خرجت بفلسفةٍ غامضة مليئة بقناعاتٍ قوية وشخصياتٍ مُشوَّشة. اعتقدت أن كل الأشياء التي قد تجعل الدنيا جميلة — الحب والطيبة، الترفيه والفن — محبوسةٌ في سجن، وأن مفاتيح هذا السجن بأيدي الناجحين من أمثال بايليس ويلر. أما الكُرَماء — الذين يُمكنهم إتاحة تلك الأشياء من أجل أن يسعد الناس — فضُعَفاء بعض الشيء، ولا يمكنهم كسرُ الحواجز. حتى حياتها الصغيرة تغيَّر شكلها إلى شكلٍ مُشوَّه بسبب هيمنةِ أناسٍ من أمثال بايليس عليها. على سبيل المثال، لم تجرؤ أن تذهب إلى أوماها ذلك الربيعَ لحضور العروض الثلاثة التي تُقيمها شركة شيكاجو أوبرا. هذا البذَخ كان سيُثير روحًا تأديبيةً داخل كل أصدقائها، وفي القائمين على مجلس إدارة المدرسة أيضًا؛ إذ على الأرجح كانوا سيُقرِّرون حِرمانها من الزيادة الطفيفة في الراتب التي كانت تركن إليها في العام التالي.

كان عليها أن تعترفَ بوجودِ أناس — حتى في فرانكفورت — لديهم خيالٌ ودوافعُ سامية، ولكنهم جميعًا غيرُ أكْفاء وفاشلون. من أمثال هؤلاء الآنسة ليفينجستون، الخادمة العجوز العاطفية والسريعة الانفعال التي لا تستطيع قول الحقيقة؛ والسيد سميث العجوز، المُحامي الذي ليس لديه زبائن، ويقرأ أعمال شكسبير ودرايدن طوال اليوم في مكتبه المُترِب؛ وبوبي جونز، عامل الصيدلية المُخنَّث الذي يكتب الشِّعر الحُر وسيناريوهات «الأفلام»، ويقوم على آلة المشروبات الغازية.

كان كلود أمَلها الوحيد. منذ أن تخرَّجا من المدرسة الثانوية وطيلة السنوات الأربع التي درَّست فيها، كانت تتطلَّع إلى رؤيته وقد سطع نجمه وأثبتَ نفسه. أرادت أن تراه أنجحَ من بايليس، «وأن يبقى كما هو دون تغيير». كانت ستُقدِّم أي تضحيات من أجل تسهيل الأمور عليه. وإذا فَشِل فتًى قويٌّ ميسور الحال وجريء جدًّا مثل كلود، فقط بسبب بعض العصبية في طبيعته، فإن الحياة إذَن لا تستحقُّ الحزن الذي تتسبَّب فيه لقلبٍ رقيق مِثل قلبها.

في النهاية، رمَت جلاديس نفسَها على السرير. إذا تزوَّج من إنيد، فستكون هذه هي النهاية. سيُصبح قويًّا وحزينًا مثل السيد رويس؛ آلةٌ كبيرة زنبركاتُها الداخلية مكسورة.

٧

تعافى كلود بالقدر الكافي، وأصبح بإمكانه الذَّهاب إلى الحقول قبل أن تنتهيَ عملية الحصاد. أتى مُنتصَف شهر يوليو ولم ينتهِ المُزارِعون من حصاد الحبوب. كان محصول القمح والشوفان كبيرًا جدًّا لدرجة أن الماكينات لم تكفِ لِدَرسه في المدة المُعتادة. اضطُرَّ الرجال إلى أن ينتظروا أدوارهم، وتركوا المحاصيل مُتكوِّمةً وكأنها مصدومة إلى أن تأتيَ ماكينة الدرس السوداء إلى الحقول. لو هطلت الأمطار لحدَثَت كارثة، ولكن ذلك العام كان من «الأعوام الجيدة» التي يحكي عنها المُزارِعون عندما تسير كلُّ الأمور على ما يُرام. في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى الأمطار، كانت تَهطِل الأمطار بغزارة، وكانت الأيام حينئذٍ شديدةَ الجفاف والحرارة.

كانت تُشرِق الشمس كلَّ صباح مُطلِقةً حرارةً عالية، وسُرعانَ ما تُجفِّف الندى وتبدأ في إحداث إثارة كبيرة لجميع الكائنات الحية. في مواسم الحصاد الكبيرة مثل هذا الموسم، كانت الحرارة والضوء الكثيف والعمل المهم الدائر تجمع بين قلوب الناس، وتبثُّ فيهم روح الود. كان الجيران يُساعد بعضُهم بعضًا للتعامل مع الحجم المُضْني للمحصول المُهم للغذاء؛ إذ ينزل النساء والأطفال وكبار السن بحماسة إلى الحقول، ويفعلون ما يستطيعون لحصد الحبوب وتخزينها. حتى الخيول كان لها دورٌ مُتنوِّع واجتماعي أكثر من المُعتاد؛ إذ كانت تنتقل من مَزرعة إلى أخرى كي تُساعِد خيول الجيران في سَحب العربات وماكينات الحصاد الحازمة وماكينات الحصد الرافعة. كانت تُلامِس أُنوفَ مُهور الأصدقاء القدامى، وتأكل الطعام من أيدي مُعلِّفين غُرباء؛ وتشرب، أو ترفض أن تشرب، من أحواضِ مياهٍ غريبة. كذلك أُدخلت في الخدمة الآن الخيولُ العاجزة القابعة في الحظيرة، ولا تخرج؛ مثل الفرسة مولي ذات الساق العرِجة التي تتبع آل ويلر، وفرس ليونارد دوسن المُسمَّى بيلي المُصاب برَبوِ الخيول، الذي يمكن أن يُسمَع سُعاله على بُعد ربع ميل. إنه لمُذهِل أيضًا أن تتمكَّن هذه الحيواناتُ المريضة مع مُواكَبة الأفراس والخيول المخصيَّة الشابَّة القوية؛ لقد كانت تحني رءوسها طواعيةً وتسحب الأشياء وكأنها يروق لها احتكاكُ الطَّوق في رقابها.

كانت الشمس أشبَه بزائرٍ عظيم يحفزُ طاقة الحيوانات جميعها ثم يأخذ حقَّه منها. وعندما تخلع الشمس عنها عباءتها وتقف مُتنحِّيةً على حافة الحقول في المساء، تُخلِّف وراءها عالمًا مليئًا بالتعب والإرهاق. كانت الخيول والرجال والنساء تُصبح أكثرَ نحولًا؛ إذ يغرقون طوال اليوم في عرَقهم. وبعد العشاء، كانوا ينامون في أي مكان حتى يبزغ شفقُ الفجر الأحمر من الشرق مرةً أخرى وكأنه نفخ في الأبواق، وتبدأ الأعصاب والعضلات تنتفض مع حرارة الشمس.

لم يقرأ كلود الجرائد عدة أسابيع بسبب ضِيق الوقت؛ كانت مُكوَّمةً في أنحاء مُتفرِّقة من المنزل، غير مفتوحة؛ إذ كان نات ويلر في الحقل الآن يعمل كأنه واحدٌ من العمالقة. كان يُهرَع كلود إلى الطاحونة تقريبًا في مساء كل يوم كي يرى إنيد لبضع دقائق؛ لم يكن ينزل من سيارته، وكانت تجلس هي على المرقى الدَّرَجي القديم المُتبقِّي من أيام ركوب الخيل بينما تتحدَّث معه. قالت صراحةً إنها لا تُحبُّ الرجال الخارجين لتوِّهم من حقل الحصاد، ولم يلُمْها كلود على ذلك. كان لا يحبُّ نفسه كثيرًا بعدما يبدأ عرَق جسمه يجفُّ على ملابسه. ولكنه كان لا يستطيع أن يرى أحدًا إلا في الساعة أو الساعتَين بين العشاء والنوم. إنه كان ينام مثلَ أبطال العصور القديمة؛ كان يغرق في السرير كأنه نال أمنيتَه من الدنيا، ويستشعر للحظة مباركة حلاوة النوم قبل أن يغلبه. في الصباح، كان يُخيَّل إليه أنه يسمع رنينَ المُنبِّه لوقتٍ طويل جدًّا قبل أن ينهض من المكان العميق الذي غَرِق فيه. كان يمرُّ بكل ضروب المُغامَرات غير المُترابِطة في المدة بين أول رنين للمُنبِّه واللحظة التي يُفيق فيها من سُباته بالقدر الكافي ليُحرِّك يده كي يُوقِفه. على سبيل المثال، كان يحلم أن المساء قد حلَّ وذهب كي يرى إنيد كعادته. ولما كانت آتيةً في المَمرِّ من المنزل، اكتشف أنه لم يكن يرتدي أيَّ ملابس على جسده! بعد مدة وبمرونةٍ مُذهِلة، كان يقفز من فوق السِّياج ذي الأوتاد، وينزل في أجَمةٍ من نباتات الخروع، ويقف في الغسَق ويُحاوِل أن يُغطِّي جسده بأوراقها — مِثلما فعل آدم في الجنة — ويتحدث إلى إنيد عن أي أمور عادية وأسنانُه يصطكُّ بعضها ببعض خشيةَ أن تفضح أمره في أي لحظة.

دائمًا ما كانت السيدة ويلر وماهيلي تخسران وزنًا في أوقات دَرْس الحبوب، مثل الخيول تمامًا؛ في هذا العام كان يمتلك نات ويلر ستَّمائة فدَّان من القمح الشتوي، ويبلغ محصول الفدَّان الواحد نحو ثلاثين بوشلًا. إن حَصْد مِثل هذا المحصول أمرٌ صعب على النساء والرجال على حدٍّ سواء. أتت سوزي زوجة ليونارد دوسن كي تُساعِد السيدة ويلر، ولكنها كانت تنتظر مولودًا في الخريف، وكان الحَر شديدًا عليها. بعد ذلك، أتت إحدى بنات يودر، ولكن الفتاة الألمانية المُنظَّمة شتَّتتْها طُرقُ ماهيلي الغريبةُ، حتى قالت السيدة ويلر إن الأسهل لها أن تُنجِز الأعمال بنفسها بدلًا من أن تظلَّ تشرح للفتاة الجوانب النفسية لماهيلي. يومًا بعد يوم، كان يجلس عشرةُ رجالٍ شديدي الجوع على المائدة الطويلة في المطبخ. كانت تخبز السيدة ويلر الفطائر والكعك وأرغفة الخبز بأسرعِ ما يمكن أن يُسعِفها الفرن، ويظل الفرن مُشتعِلًا من الصباح حتى المساء مثل حجرة الاشتعال في القاطرة. كانت تظلُّ ماهيلي تدقُّ عنق الدجاج حتى يتورَّم رُسغُها، «مثل أفعى نافخة» على حدِّ قولها.

بحلول نهاية شهر يوليو، هدأتْ عاصفة الإثارة. عادت أجزاء طاولة الطعام المتحركة الإضافية إلى أماكنها، وسكنَت خيول ويلر في حظائرها مرةً أخرى، وانتهى عهد الرعب في حظيرة الدجاج.

في إحدى الأمسيات، نزل السيد ويلر إلى العشاء وتحت ذراعه حَفنةٌ من الجرائد. «كلود، أرى أن الخوف من الحرب في أوروبا قد ضرَب السوق في مَقتل. حدثت قفزةٌ في سعر القمح. إنهم يدفعون ثمانيةً وثمانين سنتًا مُقابِلًا له في شيكاجو. علينا بيعُ بضع مئات من البوشلات قبل أن ينخفض السعر مرةً أخرى. الأفضل أن نبدأ في نقلها بالعربة غدًا. يمكننا أنا وأنت القيام برحلتَين في اليوم إلى فيكونت؛ وذلك بالتبديل بين الخيول … ليس على الخيول صعودُ أي تِلال؛ ومن ثَم لن تُواجِه أيَّ مشقَّة.»

جلسَت السيدة ويلر وهي تصبُّ القهوة مُمسِكةً بإبريق القهوة مُعلَّقًا في الهواء، ونسيَت أنه في يدها. تمتمَت بنبرةٍ عادية: «إذا كانت هذه المخاوف ليست إلا فرقعةَ جرائد كما نعتقد، فلا أرى سببًا في تأثر السوق بها. لا بد أن أصحاب البنوك الكبيرة في نيويورك وبوسطن لديهم طُرقُهم في التفرقة بين الشائعات والحقائق.»

قال زوجها بنفادِ صبر: «أعطيني بعض القهوة من فضلك. لست مُضطرًّا إلى توضيح حال السوق؛ ما يُهمُّني هو انتهاز الفُرص المُتاحة فيه.»

«ولكن ما لم يوجد سببٌ لذلك، فلماذا نأخذ محصولنا من القمح إلى فيكونت؟ هل تفترض أنَّ تجار الحبوب يصنعون مُخطَّطًا ويُخْفونه وراء شائعة الحرب؟ هل خبراء المال والصِّحافة خدعوا العامةَ بهذا النحو من قبل؟»

«لا أعلم أيَّ شيء عن ذلك يا إيفانجلين، ولا أظن ذلك. اتصلت هاتفيًّا بصومعة الغلال في فيكونت منذ ساعة، وقالوا إنهم سيدفعون لي سبعين سنتًا، والسعر قابلٌ للتغيير مع التسعير الصباحي.» غمز بعينه وقال: «كلود، الأفضل ألَّا تذهب إلى الطاحونة اليوم. نَم مُبكرًا. إذا خرجنا إلى الطريق بحلول السادسة صباحًا، فسنَصِل إلى المدينة قبل أن يشتدَّ حر النهار.»

«حسنًا يا سيدي. أريد أن أطَّلع على الجرائد بعد العشاء. لم أقرأ شيئًا غير العناوين منذ الوقت الذي قبل موسم دَرْس الحبوب. أُثيرَ قلق إرنست لما عَلِم بمقتل ذلك الدوق الكبير، وقال إن النمساويِّين سيُثيرون المتاعب. ولكن لم أعتقد قَط أن هذا الأمر سيُؤدِّي إلى أيِّ شيء.»

بينما كان والده يُحاوِل الوصول إلى إحدى قِطع البسكويت الساخن، قال: «على أي حال، لقد تسبَّب هذا في وصول سعر البوشل إلى سبعين سنتًا.»

قالت السيدة ويلر بتفكُّر: «إذا كانت تلك الأحداثُ قد وقعَت، فأخشى ما أخشاه أن يكون هناك المزيدُ منها في الطريق.» الْتقطَت الفرشاةَ الورقية الخاصة بطَرْد الذباب، وجلسَت تُلوِّح بها بنحوٍ غير مُنتظِم وكأنها تُحاوِل التخلص من سِربٍ من الأفكار المُربِكة.

اقترَح السيد ويلر قائلًا: «اتصل بإرنست واسأله عمَّا تقوله الجرائد البوهيمية عن الأمر.»

ذهب كلود إلى الهاتف، ولكن لم يردَّ عليه أحدٌ من آل هافل. ربما ذهبوا إلى حفلة رقص في بلدة بوهيميا. صَعِد إلى الطابق العُلوي وجلس أمام كرسي ذي ذراعَين مليء بالجرائد؛ لم يستطع الخروج بأي رأي عقلاني من البرقيات المُلطَّخة المكتوبة بخطٍّ كبير في الصفحة الأولى من جريدة أوماها وورلد هيرالد. الجيش الألماني كان يدخل لوكسمبورج؛ إنه لا يعرف أين تقع لوكسمبورج، وهل هي مدينة أم دولة؛ ربما كانت لديه فكرةٌ مُبهَمة ترى أنها عبارة عن قصر! صَعِدت أمُّه إلى «مكتبة ماهيلي» — العُلِّية — من أجل أن تبحث عن خريطة لأوروبا؛ وهي شيء لا يحتاج إليه المُزارِعون في نبراسكا كثيرًا. ولكن في تلك الليلة باتت النساء في العديد من منازل البراري، سواءٌ الأمريكيات منهن أو ذواتُ الأصول الأجنبية، يبحثن عن خريطة.

كان كلود يشعر بالنعاس بشدة لدرجة أنه لم يتنظر عودةَ والدته. مشى بتعثُّر في الطابق العُلوي، وخلع ملابسه في الظلام. اتَّقدت حرارة الجو في الليل، وامتلأت السماء بالسُّحب الرعدية، ولاح في الأُفق الغربي بالكامل رعدٌ مُنبسِط مُتواصِل. دخل البعوض إلى غُرفته في النهار؛ وبعد أن رمى نفسه على السرير بدأ يحوم فوقه بأصواته العالية والمُزعِجة. تقلَّب من جانب إلى آخَر، وحاوَل أن يسدَّ أُذنَيه بالوسادة. امتزج الصوت المُزعِج، في دماغه الناعس، بالخطِّ الكبير في الصفحة الأولى من الجريدة؛ بدَت تلك الحروف الكبيرة كأنها تطير حول رأسه، وتُصدِر صوتَ أزيز ناعم وعالٍ ومُملٍّ.

٨

في وقتٍ مُتأخِّر من مساء يوم السادس من أغسطس، كان كلود يتأرجح بعربته الفارغة على طول الطريق المُعبَّد في الأرض المُنبسِطة ما بين فيكونت ووادي لافلي كريك. قطع رحلتَين إلى المدينة في ذلك اليوم. وعلى الرغم من أنه استخدم فريق الخيول الأقوى لديه في رحلة العصر الحارَّة، فإن الخيول أُرهقت لدرجة أنه لا يمكن حثُّها على السير بسرعةٍ أكبر. تلألأتْ بُقَع العرَق على رقابها، وعَلِق على جانبَيها الغبار الأبيض الذي يرتفع مع كل خطوة. تدلَّت رءوسها لأسفل، وبدأت تأخذ أنفاسًا عميقة وبطيئة. ارتفعت سخونة خشب مقعد العربة المطليَّة باللون الأخضر لدرجة أنه لا يتحمَّل لمسها. جلس كلود على أحد طرَفَي المقعد، وأبقى رأسه مكشوفًا لالتقاط نسمة الهواء التي تُجفِّف رقبته وذقنه في بعض الأحيان، وتُنقذه من عناء إخراج المنديل. امتدَّت جذامات القمح على الجانبَين أميالًا وأميالًا. وقفت أكوام القش بلونها الأصفر مُنعزِلةً تحت الشمس، وألقت بظِلالها الطويلة. نظر كلود بترقُّب بطول سياجات أشجار السَّنط التي تُنبئ عن مسار الطريق. وعَده إرنست هافل أن يُقابِله في مكانٍ ما على الطريق المؤدي إلى المنزل. لم يرَ إرنست منذ أسبوع؛ ومنذ ذلك الحين حدثَت عجائب.

في النهاية، تعرَّف على حيواناتِ جرِّ عربة عائلة هافل في الطريق، فتوقَّف وانتظر إرنست بجانب سياج شائك، وأخذ يتأمل ما حوله بتمعُّن. أوشكت الشمس على الغروب حينئذٍ. لقد تدلَّت فوق جذامات الحبوب، التي كانت كلُّها بيضاءَ وزهرية اللون بفعل الحرارة، مِثل صورة شمس مُنعكِسة في مياهٍ عكِرة. ظهَر لتوِّه البدرُ في الشرق وتوهَّج سطحه الفِضي الرقيق باللون الزهري حتى بدا تمامًا كأنه شمسٌ في وقت الغروب. لولا أن لكل جِرم منهما مكانَه في هذا الملكوت، لما استطاع كلود أن يُحدِّد أيٌّ منهما الشمس وأيُّهما القمر. كلٌّ منهما كان يسبح في اتجاهٍ مُختلِف من العالم، وبدا كدِرعَين ساطعين ينظر أحدُهما إلى الآخَر كأنهما تقابَلا، أيضًا، على مَوعد بينهما.

ترجَّل كلود وإرنست من عربتَيهما في وقتٍ واحد، وتصافحا كأنهما لم يرَ أحدُهما الآخَر منذ مدة طويلة.

«حسنًا، ما رأيك فيما يَحدُث يا إرنست؟»

هزَّ الشابُّ رأسه حذرًا، ولكنه لم يردَّ. ربَّت على خيوله، وفكَّ الأطواق من رِقابها.

تابَع كلود بنفادِ صبر: «انتظرت في المدينة ريثما تَصدر جريدة هاستنجز. أعلنت إنجلترا الحرب ليلة أمس.»

قال إرنست: «دخل الألمان مدينة لييج. أعرف مكانها. أبحرتُ من أنتويرب لما انتقلتُ إلى هنا.»

«نعم، أعلم ذلك. هل يستطيع أن يفعل البلجيكيون شيئًا؟»

«أبدًا.» اتَّكأ إرنست على عَجلة العربة، وأخرج غليونه من جيبه ببطء وملأه. «لا أحد يستطيع فِعل شيء. سيذهب الجيش الألماني إلى أي مكان يريده.»

«إذا كان الوضع بهذا السوء، فلماذا يُقاوِم البلجيكيون؟»

«لا أعلم. هذا أمرٌ جيِّد، ولكن لن يُسفِر عن شيء في النهاية. دعني أُخبرك شيئًا عن الجيش الألماني يا كلود.»

ظل إرنست يروح ويجيء بجانب سياج أشجار السنط وهو يتحدَّث عن هذا الجيش العظيم؛ الإعداد، التنظيم، التركيز، الموارد الهائلة، الرجال الذين لا ينتهون. غابت الشمس وهو يتحدَّث، وعندها ظهر القمر وتجلَّى وتصاعد مُتباطئًا في السماء الشاحبة. كانت الحقول لا تزال تلمع بسبب الانعكاس اللطيف المُتبقِّي من ضوء النهار، وبدأ الليل يلوح في الأفق؛ لم تُظلم السماء، ولكنها بدَت كأنها تُبشِّر بقدوم الليل.

أنهى إرنست كلامَه قائلًا: «لو كنت في مَوطني لوجدتني بين صفوف الجيش النمساوي في تلك اللحظة. أظن أن كل أولاد عمومتي وأبناء إخوتي يُقاتلون الروس أو البلجيكيِّين الآن. ماذا ستفعل لو طُلِب منك الهجوم على بلدٍ مُسالِم كهذا، في مُنتصَف مَوسم الحصاد، والبدء في تدميره؟»

«ما كنتُ لأفعلَ ذلك بالطبع. سأتمرَّد وأترك الخدمة.»

«إذَن، ستتعرَّض عائلتك للاضطهاد. وعندها سيخضع إخوتك، وربما أبوك، للضُّبَّاط النمساويِّين ويُعامَلون معاملة العبيد.»

«ما كنتُ لأُزعج نفسي بذلك. سأترك أقاربي الذكور يُقرِّرون لأنفُسهم كيف يُحبُّون أن يُعامَلوا.»

هزَّ إرنست كتفَيه. «أنتم أيها الأمريكيون تتباهَون بأنفُسكم مثل الأطفال الصغيرة؛ تقولون ستفعلون ولا تفعلون! أقول لك لا دخل بإرادةِ أحدٍ إزاء هذا الأمر. إنه حصاد لكل ما زُرِع. لم أظن أن هذا الأمر سيَحدُث في حياتي، ولكني كنت أعلم أنه سيَحدُث.»

مشى الفتَيان بتثاقلٍ بعض الوقت وهما ينظران إلى السطوع الناعم للسماء. خلَت السماء تمامًا من السُّحب، وتحوَّل الضوء الخفيف في الحقول إلى نور القمر المُنير الصافي من دون أن يستشعر أحدٌ ذلك. وسُرعانَ ما بدأت العرَبتان في التحرك بطول الطريق الأبيض، وجلس كلُّ سائق على مَقعده الذي لا ظهر له، وهو مُنكفئ إلى الأمام وتائهٌ بين الأفكار. ولما وصلا إلى المُنعطَف حيث ينعطف إرنست جهة الجنوب، تمنَّى كلٌّ منهما للآخَر ليلةً سعيدة من دون أن يرفَعا صوتهما. تابَعت خيول كلود السير وكأنها تسير وهي نائمة. حتى إنها لم تنخر من سحابة الغبار الخفيضة التي كانت تُثيرها باستمرارٍ خطواتُها المُتثاقِلة؛ التي كان صوتها هو الصوتَ الوحيد في هدوء الليل الفسيح.

تساءل كلود لماذا لم يكن إرنست صَبورًا معه. لم يستطع التظاهرَ بالشعور بما كان يشعر به إرنست. لم تكن لديه أيُّ قناعة يمكن على أساسها أن يُشكِّل آراءه أو يُلوِّن مشاعره عمَّا يجري في أوروبا؛ يمكنه أن يصل إليها بمرور الوقت. دائمًا ما كان يُقال له إن الألمان يتمتَّعون بالفضائل التي يُعجَب الأمريكيون بها بشدة؛ وقبل شهرٍ كان سيقول إن لديهم المُثل كافةً التي تستحقُّ أن يُحارِب من أجلها أيُّ فتًى أمريكي مُحترم. كان يتنافى غزوُ بلجيكا مع الشخصية الألمانية التي لمسها في أصدقائه وجيرانه. كان لا يزال يرجو أن يكون ما حدث ناتجًا عن خطأ فادح، وأن يعتذر هذا الشعب الرائع ويُصحِّح مساره مع العالم.

جاء السيد ويلر إلى أسفل التل من دون قبعة ومن دون مِعطف عندما وصل كلود إلى ساحة الحظيرة. «أظن أنك مُتعَب. سأُريح الخيول. هل لديك أيُّ أخبار؟»

«أعلنَت إنجلترا الحرب.»

وقَف السيد ويلر مُتصلِّبًا للحظة وحكَّ رأسه. «أظن أنك لستَ بحاجة إلى الاستيقاظ مُبكرًا غدًا. إذا كان خبر الحرب مُؤكَّدًا فسيَرتفع سعر القمح أكثر. كنت أظن أنها شائعةٌ حتى الآن. خُذ الجرائد إلى أمك.»

٩

ذهبت إنيد ووالدتها إلى مصحَّة ميشيجان حيث كانتا تقضيان جزءًا من الصيف كل عام، ولن تعودا حتى شهر أكتوبر. أَولى كلود ووالدته كلَّ اهتمامهما إلى الأخبار عن الحرب. يومًا بعد آخَر وفي أول أسبوعين من شهر أغسطس، تسلَّلت الأخبار المُحيِّرة من المدن الصغيرة إلى البلدات الريفية.

بحلول مُنتصَف الشهر، انتشَر خبر سقوط الحصون في لييج؛ إذ تعرَّضَت للقصف مدةَ تسعة أيام، ولكنها دُكَّت في النهاية في بِضع ساعات بمَدافع الحصار التي كانت في الخط الخلفي؛ من الواضح أن تلك المَدافع بإمكانها تدميرُ أي تحصينات مهما كانت الموادُّ أو الطريقة التي بُنيَت بها. حتى بالنسبة إلى المُسالِمين الذين يزرعون القمح، هدَّدَتهم مَدافع الحصار التي تمركزَت أمام لييج؛ إنها لم تُهدِّد أمنهم أو بضائعهم، بل هدَّدت طريقة التفكير المُريحة التي دأبوا عليها. لقد أدخلت القوة الكبرى من القوة البشرية التي بعد ذلك، وعلى نحوٍ مُتكرِّر، جعلَت هذه الحرب تتسبَّب في كوارث تُشبِه الكوارث الطبيعية التي لا يمكن توقعُها، مثل موجات المد والجَزْر أو الزلازل أو ثورات البراكين.

في اليوم الثالث والعشرين من الشهر نفسه، ورَدَت أنباء عن سقوط حصون مدينة نامور؛ وهذا إنذارٌ آخَر بأن قوةَ تدمير غيرَ مسبوقة قد أُطلِقت في العالم. بعد بضعة أيام، أوضَح خبرُ دكِّ المؤسَّسة التعليمية العريقة والهادئة في مدينة لوفان أن تلك القوة مُوجَّهةٌ نحو غايات غريبة. وحينئذٍ، أيضًا، عجَّت الجرائد بأخبار عن قتل السكان المدنيِّين. إن شيئًا جديدًا، وبالتأكيد شِريرًا، كان يحوم بين البشر. لا أحد كان يعرف له اسمًا. بدا أنه لا توجد أيُّ كلمة معروفة تصف السلوك البشريَّ تستطيع أن تصف هذا الشيء. المحاولات التي أجمعت على اسم «أتيلا» كانت كلُّها اجتهاداتٍ فرديةً مُبالَغًا فيها جدًّا، وتنمُّ بشدة عن العاطفة البشرية القديمة والمُعتادة.

في عصر أحد أيام الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، كانت السيدة ويلر في المطبخ تُحضِّر مُخلَّل الخيار عندما سمعت سيارةَ كلود عائدةً من فرانكفورت. دخل بسرعة وأغلق الباب الشبكيَّ خلفه بقوة، ورمى حُزمةً بريدية على الطاولة.

«ما رأيكِ يا أمي؟ نقلَت فرنسا مَقرَّ الحكومة إلى بوردو! من الواضح أنهم لن يتمكَّنوا من الحفاظ على باريس.»

مسحت السيدة ويلر وجهها المُتعرِّق الشاحب بطرف مئزرها، وجلست على أقرب كرسي. «هل تعني أن باريس لم تَعُد عاصمة فرنسا؟ هل يُعقَل هذا؟»

«هذا ما تبدو عليه الأمور. على الرغم من أن الجرائد تقول إن هذا ليس سوى إجراءٍ احترازي.»

نهضت. «دعنا نُلقِ نظرةً على الخريطة. لا أتذكَّر أين تقع بوردو بالتحديد. ماهيلي، لا تتركي الخلَّ حتى يحترق، اتفَقنا؟»

تبعها كلود إلى غُرفة الجلوس التي كانت تُعلِّق فيها خريطةً جديدة على الحائط فوق الأريكة الطويلة التي لا ظَهر لها، وهي بتنجيد يُشبِه السجاد. اتكأت على ظهرِ كرسيٍّ هزَّاز مصنوع من خشب الصَّفصاف، وبدأتْ في تحريك يدها فوق سطح الخريطة اللامع ذي الألوان الزاهية، وتمتمَت قائلةً: «نعم، بوردو توجد هناك في أقصى الجنوب، وتوجد باريس في ذلك المكان.»

كلود كان خلفها، ونظر من فوق كتفَيها. «هل تظنِّين أنهم سيُسلِّمون المدينة إلى الألمان كأنها هديةُ عيد الميلاد؟ لا بد أنهم سيحرقونها أولًا، كما فعل الروس في موسكو. يمكنهم فعلُ ما هو أفضل من ذلك الآن؛ يمكنهم تدميرها بالديناميت!»

«لا تقُل هذا الكلام.» ارتمَت السيدة ويلر على الكرسي العميق المصنوع من خشب الصفصاف، وأدركَت أنها مُرهَقة جدًّا، الآن وقد تركَت الفرن وحرارة المطبخ. وبدأت بوَهنٍ في تحريك مِروحة من سعف النخيل أمام وجهها. «يُقال إنها مدينةٌ جميلة. ربما لن يُدمرها الألمانُ مِثلما فعلوا في بروكسل. لا بد أنهم سئموا التدميرَ الآن. أحضِرِ الموسوعة وانظر ماذا تقول. لقد تركت نظَّارتي في الطابق السفلي.»

أحضر كلود مجلدًا من المكتبة وجلس على الأريكة. وقال: «باريس، عاصمة فرنسا التي تُعَد جزءًا من إقليم السين … هل أتخطَّى الجزء التاريخي؟»

«لا. اقرأ القسم كله.»

تنحنح وبدأ القراءة مرةً أخرى: «لما ظهرت باريس في التاريخ للمرة الأولى، لم يكن هناك ما يوحي بالدور المهم الذي ستلعبه في أوروبا وفي العالم …»

تأرجحَت السيدة ويلر على كرسيها، وروَّحَت على نفسها بالمِروحة، ونسيَت أمر المطبخ والخيار كأنهما لم يكونا موجودَين. كانت تُريح جسدها المُتعَب، وانشغل عقلها — الذي لم يتعرَّض للتعب مُطلَقًا — بما ذُكِر عن المُعتقَدات الدينية المُبكِّرة للملوك الميروفنجيين. دائمًا ما كانت عيناها على نحوٍ لطيف لا تغفل عندما تستقرَّان على الرقبة المسفوعة والكتفَين العريضتَين لولدها ذي الشعر الأحمر.

استمَرَّ كلود في القراءة أسرع وأسرع حتى توقَّف لاهثًا.

«أمي، توجد صفحاتٌ عن الملوك! سنقرأ هذا في وقتٍ لاحق. أريد أن أعرف ماذا بعد كل هذا، وهل سيوجد مزيدٌ من الأمور التاريخية أم لا.» مرَّر إصبعه على الأعمدة صعودًا وهبوطًا. «ها هو، يبدو أن هذا العمود يتحدث عما نريد.

الدفاعات: يرى تقريرٌ ألماني حديثٌ عن أعظم الحصون في العالم أن باريس تمتلك ثلاث حلقات مُميَّزة من الدفاعات …» ثم توقَّف هنا. «والآن، ماذا تظنِّين؟ تقريرٌ ألماني، وهذا كتابٌ إنجليزي! العالم ببساطةٍ أخطأ بشأن الألمان منذ البداية. تبدو المسألة كأننا دعَونا أحد الجيران إلى هنا وأرَيناه الماشية والحظائر، وأنه ظل طَوال الوقت يُخطِّط كيف سيأتي في الليل ويهجم علينا ونحن نائمون.»

مرَّرَت السيدة ويلر يدها على جبينها. «لكننا كان لدينا العديد من الجيران الألمان، ولم يوجد قطُّ من بينهم من لم يكن طيبًا أو مُتعاوِنًا.»

«أعلم ذلك. كل شيء أخبرَتني به السيدة إرليش عن ألمانيا جعلني أرغَب في السفر إلى هناك. والناس الذين يُغنُّون كلَّ تلك الأغاني الجميلة عن النساء والأطفال ذهبوا إلى قُرًى بلجيكية و…»

حرَّكَت والدته يدَيها للأمام وكأنها تصدُّ الكلمات التي كانت ستخرج من فمه: «لا تفعل يا كلود. اقرأ عن دفاعات باريس؛ هذا ما يجب أن نُفكر فيه الآن. أعتقد أن هناك حصنًا لم يَذكُره الألمان في تقريرهم، وأنه سيظلُّ صامدًا. نعلم أن فرنسا مدينةٌ تعجُّ بالرذائل، ولكن لا بد أن فيها العديد ممَّن يخافون الرب، ولقد حماها الربُّ طيلة هذه السنوات. لقد رأيتَ في الجريدة كيف أن الكنائس تكون مُمتلئةً طوال اليوم بالنساء المُصلِّيات.» مالت للأمام ومنحَته ابتسامةً لطيفة. «ألا تُصدِّق أن هذه الصلوات ستُفيد بشيء يا ولدي؟»

راوَغها كلود كما يفعل دائمًا عندما تتطرَّق والدته إلى مواضيع مُعيَّنة. «حسنًا، ترَين أيضًا أني لا أستطيع أن أنسى أن الألمان أيضًا يُصلُّون للرب. وأعتقد أنهم أتقى بطبيعتهم من الفرنسيِّين.» لما أخذ الكتاب بدأ القراءةَ منه مرةً أخرى، فقال: «في الأرض المُنخفِضة مرةً أخرى، في أضيَقِ جزء من المُنعطَف الكبير لنهر مارن …»

أصبح كلود ووالدتُه على دراية بِاسم هذا النهر وبأهميته الاستراتيجية، قبل أن يبدأ في الظهور في العناوين الرئيسية في الجرائد بعد أيام قليلة.

بدأ حرثُ الخريف كالمُعتاد. قرَّر السيد ويلر أن يُخصِّص ستَّمائة فدَّان لزراعة القمح مرةً أخرى. مهما حدث في الجانب الآخر من العالم، فسيحتاجون إلى الخبز. كان يأخذ فريقًا ثالثًا من الحيوانات ويذهب كل صباح إلى الحقل كي يُساعد دان وكلود. قال الجيران إنه لا أحد استطاع أن يُجبر نات ويلر على العمل بانتظام في الحقل سوى القيصر.

لأن الرجال جميعهم كانوا في الحقل، أصبحت السيدة ويلر تذهب كلَّ صباح إلى صندوق البريد عند مُفترَق الطُّرق، على بعد رُبع ميل، كي تُحضِر جرائد مدينتَي أوماها وكانساس سيتي الخاصة باليوم السابق التي تركَتْها شركة الشحن. ولما كانت في حالة شغف، فقد كانت تفتح الجرائد وتبدأ في قراءتها وهي عائدةٌ إلى المنزل؛ وإذ كانت لا تسير بخُطًى واثقة، فقد كانت تترنَّح بين أزهار دوَّار الشمس ونباتات المغد. وفي صباح أحد الأيام، جلسَت على ضفَّة عُشب أحمر بجوار الطريق، وأخذت تقرأ كلَّ أخبار الحرب قبل أن تهتاج من قفز الجراد فوق تنُّورتها وخروج حيوانات الجوفر من جحورها ونظرها إليها بطرْف أعيُنها. في ظُهر ذلك اليوم، لما رأت كلود يقود حيواناته إلى خزَّان المياه، هُرِعت إليه من دون أن تتوقف كي تلتقط قلنسوتها، ووصلَت إلى طاحونة الهواء وهي تلهث.

«لم يَعُد الفرنسيون يتراجعون يا كلود. إنهم صامدون عند نهر مارن. تدور حربٌ طاحنة هناك. تقول الجرائد إنها يمكن أن تُقرِّر مصير الحرب. إنها على مَقربةٍ شديدة من باريس لدرجة أن بعض أفراد الجيش خرَجوا في عربات أُجرة.» جلس كلود باعتدال. «إذَن، إنها ستُقرِّر مصير باريس على أي حال، أليس كذلك؟ كم عدد الفِرق المُشارِكة؟»

«لا أعرف. التقارير مُتضارِبة للغاية. ولكن لا يوجد هناك سوى عددٍ قليل من الإنجليز، والفرنسيون يُشارِكون بأعداد لا تُحصى. وصل أبوك قبلك، وهو معه الجرائد في الطابق العُلوي.»

«لقد صدرت منذ أربع وعشرين ساعة. سأذهب إلى فيكونت الليلةَ بعد إنهاء العمل، وأحصل على جريدة هاستنجز.»

عندما عاد من المدينة في المساء، وجد أباه وأُمه في انتظاره. وقف لحظةً في غُرفة الجلوس. وقال: «لا توجد أخبارٌ كثيرة باستثناء أن المعركة مُستمرَّة وتُشارِك فيها فرنسا فعليًّا بكامل قوَّتها العسكرية. عدد الألمان يفوقهم بنسبة خمسة إلى ثلاثة، ولا أحد يعلم عدد المُشاركين من سلاح المدفعية. يقول الجنرال جوفر إن فرنسا لن تتراجع مرةً أخرى.» لم يجلس، وصَعِد إلى غُرفته مباشرةً.

أطفأت السيدة ويلر المصباح وخلَعَت ملابسها، واستلقَت على السرير ولكنها لم تنَم. بعد مدةٍ طويلة، سَمِعها كلود وهي تُغلِق نافذةً بلُطف وابتسم لنفسه في الظلام. كان يعلم أن والدته تعتقد دائمًا أن باريس شرُّ مدن الأرض، وأن سكانها من الكاثوليك الماجنين المُحبِّين لشرب الخمر والمسئولين عن مذبحة يوم القدِّيس برثولماوس، وعن دعم المُلحِد الساخر فولتير. طيلةَ الأسبوعَين الماضيين، منذ أنْ بدأ الفرنسيون يتقهقرون في لورين، تسلَّى بملاحظة اهتمامها المُتزايِد بباريس.

لما كان مُستيقظًا في الظلام، فكَّر فيما يجري ووجد الأمر غريبًا؛ انتقل مَقرُّ الحكومة إلى بوردو منذ أربعة أيام، وبدا فجأةً كأن باريس عاصمةُ العالم وليست عاصمةَ فرنسا وحدها! كان يعلم أنه ليس الفتى المُزارِع الوحيد الذي كان يتمنَّى أن يكون بجانب نهر مارن في تلك الليلة. حقيقةُ أن النهر كان له اسمٌ يمكن نطقُه، بحرفِ «ر» حَلْقي في وسطه يُعَد بمنزلة حجر أساس فيه، كان يُعطي لخيال المرء بعضَ الشيء فكرةً أكبر عن الوضع. استلقى كلود ساكنًا والأفكار تدور في رأسه، وشعَر أنه حتى هو يستطيع أن يتجاوز مسألة «دماثة الأخلاق» الفرنسية — التي تفوق الرَّصاص الألمانيَّ رعبًا — ويتسلَّل إلى صفوف هذا الجيش الذي لا يُحصى عدده من دون أن يُلاحظه أحد. لن تكون لأخلاق المرء أهميةٌ عند نهر مارن تلك الليلة، ليلة الثامن من سبتمبر عام ١٩١٤. أسعَدُ شيء على وجه البسيطة بالنسبة إليه كان أن يكون ذرة في ذلك الجدار الذي من لحم ودم، الذي كان ينهض ويخرُّ ثم ينهض مرةً أخرى أمام المدينة التي كانت تعني الكثير على مرِّ كل القرون، ولكنها لم تكن مهمةً هكذا قبل ذلك. أصبح لاسمِها صفاء فكرة مُجرَّدة. في القارَّات الكبيرة الهادئة، وفي القُرى الريفية غير الساحلية، وفي الجُزر الصغيرة المُتناثرة في الماء، ظل الناس مدة أربعة أيام يُتابِعون هذا الاسم كأنه أحدُ المُذنَّبات أو النجوم الساقطة التي يذهبون ليلًا لمُراقَبتها.

١٠

في عصر يوم أحد، ذهب كلود إلى منزل الطاحونة لأن إنيد ووالدتها رجَعتا من ميشيجان في اليوم السابق. كانت السيدة ويلر تقرأ وهي تجلس مُسنِدةً ظهرها على كرسي هزَّاز، وكان السيد ويلر يرتدي قميصًا وياقته الرسمية مفكوكة، ويجلس على مكتبه المصنوع من خشب الجوز، ويُسلِّي نفسه بأعمدة من الأرقام. فجأةً نهض وتثاءب ومدَّد ذراعَيه فوق رأسه.

«يقول كلود إنه يريد البَدء في البناء على الفور، في القطعة التي بجانب أرض الغابة التابعة لي. كنتُ أفكر في تكلفة الخشب. مواد البناء رخيصة الآن؛ لذا أعتقد أن الأفضل أن أتركه يبدأ من فوره.»

رفعت زوجتُه عينَيها من الصفحة التي كانت تقرأ فيها بذهنٍ شارد. «أظن ذلك.»

كان يجلس زوجها على كرسي مُنفرِج الساقَين، ويسند بذراعَيه على ظهر الكرسي وهو ينظر إليها. «على أي حال، ما رأيك في هذا الزواج؟ لم أعرف رأيك.»

«إنيد فتاةٌ مسيحية طيبة …» استهلَّت السيدة ويلر كلامها بنبرةٍ حاسمة، ولكن جُمْلتها عَلِقت في الهواء كأنها سؤال.

تحرَّك بنفاد صبر. «نعم، أعرف. ولكن ما الذي يُعجِب فتًى قويَّ البنية مِثل كلود في فتاةٍ كتلك؟ عَجبًا يا إيفانجلين، إنها ستُصبح نسخةً طبق الأصل من أمها العجوز!»

من الواضح أن تلك الهواجسَ لم تكن جديدة على السيدة ويلر؛ فقد مدَّت يدها كي تُوقِفه وهمسَت في انفعالٍ جادٍّ: «لا تقُل شيئًا! لا تتفوَّهْ بكلمة!»

«أوه، لن أتدخَّل! أنا لا أتدخل أبدًا. على أي حال، أُفضِّل أن أتَّخذها زوجةَ ابن على أن أتخذَها زوجة. كلود أحمقُ أكثرُ مما ظننتُه.» أخذ قبعته ونزل إلى الحظيرة، ولكن زوجته لم تستردَّ هدوءها بسهولة. تركت الكرسيَّ حيث أملَت أن تجلس عليه مُرتاحةً، وأخذت مِنفضةَ ريش وبدأت تتحرَّك مُشتَّتةَ الذهن في أرجاء الغُرفة، تُنظِّف سطح الأثاث. عندما كانت تسمع أخبارًا سيئة عن الحرب أو تشعر بالقلق على كلود، كانت تشرع في تنظيف المنزل أو فحص وإصلاح الخزانات، مُمتنَّةً إلى قدرتها على وضع بعض الأشياء الصغيرة في نِصابها الصحيح في هذا العالم المُضطرِب.

بمجرد الانتهاء من زراعة محاصيل الخريف، أحضر كلود عمَّال حفر الآبار من المدينة كي يحفروا بئرًا جديدًا له، وبدأ الحفر لإنشاءِ قبوِ منزله وهم لا يزالون في العمل. كان يبني منزله على الأرض المُستوية بجانب أرض الغابة المملوكة لوالده؛ لأنه في صِغَره كان يعتقد أن أيكة الأشجار هذه أجملُ بُقعة في العالم. كانت مساحة هذه الأرض تبلغ نحو ثلاثين فدانًا، وتضمُّ أشجار دردار وقيقب وحور قطني، وكان حولها سياجٌ كثيف من أشجار التوت في جانبها الجنوبي. لقد أُهملت الأشجار في السنوات الأخيرة، ولكن إذا عاش في ذلك المكان، فسيتمكَّن من تقليمها والعناية بها في مدةٍ قصيرة جدًّا.

أصبح في كلِّ صباحٍ الآن يذهب بسيارته الفورد ويعمل في القبو الخاص به. سمع أنه كلما زاد عمق القبو كان ذلك أفضل، ونوى أن يكون هذا القبوُ عميقًا بما يكفي. وفي أحد الأيام، توقَّف ليونارد دوسن كي يرى التقدم الذي كان يُحرِزه. وقف على حافة الحفرة، ونادى الفتى الذي كان يتصبَّب عَرقًا بالأسفل.

«يا إلهي، يا كلود، ما الذي تريده من قبو بهذا العمق؟ عندما ترغب زوجتك فجأةً في السفر إلى الصين، يُمكنك فتح باب قلاب وإلقاؤها عبره!»

ألقى كلود بمِعوله وصَعِد السلَّم راكضًا. قال غاضبًا: «لن يطرأ على بال إنيد مثلُ تلك الأفكار.»

«حسنًا، لا داعيَ إلى الغضب. سعيدٌ لسماع ذلك. أسِفتُ على سفر الفتاة الأخرى. بدا لي دومًا أن إنيد تريد السفر إلى الصين، ولكني لم أرَها منذ وقتٍ طويل … لم أرَها من قبلِ أن تذهب إلى ميشيجان مع السيدة العجوز.»

بعدما ذهب ليونارد عاد كلود إلى عمله، ولكن كان لا يزال مِزاجه سيئًا. لم يكن سعيدًا البتةَ في قرارةِ نفسه بشأن إنيد. عندما كان يذهب إلى الطاحونة، فعادةً ما كان يسعى السيد رويس — وليس إنيد — إلى عدم رحيله بسرعة، وكان يتبعه إلى الممرِّ المؤدي إلى البوَّابة، ويبدو عليه أنه آسفٌ على رؤيته ذاهبًا. كان يرى أن إنيد مُهتمَّة بما كان يفعله. إنها كانت لا تتحدث ولا تُفكر في شيءٍ سوى المنزل الجديد، وأغلب اقتراحاتها كانت جيدة. وكثيرًا ما تمنَّى أن تطلب شيئًا غيرَ معقول ومُغالًى فيه. لكن لم تكن لديها أيُّ نزعات أنانية، وحتى أصرَّت على أن تُصبح غرفة النوم المُريحة الموجودة في الطابق العُلوي التي اهتمَّ بتخطيطها بشدة غرفةً للضيوف.

لما بدأ يظهر شكلُ المنزل، كانت تأتي إليه إنيد كثيرًا بسيارتها كي ترى التقدم الذي يحدث فيه، وكي تُرِي كلود نماذج من ورق الحائط والستائر أو تصميمًا للأرائك المُجاوِرة للنوافذ اقتصَّته من مجلة. لا يمكن أن يكون هناك ريبٌ في اهتمامها بكل جزء من التفاصيل. الشيء المُحبِط هو أن اهتمامها بالمنزل بدا أكثر من اهتمامها به. ورغم أن هذه الشهور كانت فرصةً لهما لقضاء الوقت معًا كما يحلو لهما، فإنها لم تتعامل معها إلا باعتبارها مدةً لبناء منزل.

قال كلود لنفسه إن كل شيء سيُصبح على ما يُرام عندما يتزوجان. كان يؤمن بقوة التغيير الخاصة بالزواج، كما تؤمن والدتُه بالآثار الإعجازية للإيمان. الزواج يختزل كلَّ النساء إلى قاسمٍ مشترك؛ إذ يُغيِّر الفتاة الباردة المغرورة إلى فتاةٍ رقيقة الفؤاد ومِعطاءة. إنه لشيءٌ جيِّد للغاية ألا تدريَ إنيد الآن شيئًا عن كل ما ستتحوَّل إليه حياتها بعد الزواج. قال في نفسه إنه ما كان يريد للأمر أن يسير على نحوٍ مُختلِف.

لكنه كان يشعر بالوحدة على الرغم من ذلك. لقد أخذ يُغدِق على المنزل الصغير الاعتناءَ والاهتمامَ النابعَين من الحب اللذين كان يبدو أن إنيد لم تكن تحتاج إليهما. كان يقف على رأس النجَّارين يحثُّهم على أقصى درجات الدِّقة في تشطيب الخزانات والدواليب، وعلى وضع الأرفُف في أماكنها المُلائمة، والربط الدقيق للعتبات والإطارات. كثيرًا ما كان يبقى هناك حتى وقتٍ مُتأخِّر في الليل بعدما يذهب العمال بأصوات أحذيتهم المُزعِجة إلى منازلهم من أجل العشاء. حينها، كان يجلس على رافدة أو على هيكل الشُّرفة العُلوية ويغرق تمامًا في التفكير؛ تحسبًا لأشياء تبدو بعيدةً كما كانت في أي وقت مضى. كان يستأنس بأستار الليل وضوء النجوم الهادئ. وفي ليلة، دخل طائرٌ وظل يُرفرِف مُنزعِجًا بين الغُرف، وهو يصرخ من الخوف قبل أن يخرج ويطير في الغسَق من إحدى النوافذ العلوية ويجدَ طريقه إلى الحرية.

لما أصبح النجَّارون مُستعدِّين لوضع السُّلم، اتصل كلود بإنيد وطلب منها أن تأتيَ وتُخبرهم عن الارتفاع الذي تريده لدرجات السُّلم. دائمًا ما كانت تُضطرُّ أُمه إلى صعود سُلَّم شديد الانحدار. توقَّفَت إنيد بسيارتها أمام مدرسة فرانكفورت الثانوية في الساعة الرابعة، وأقنعت جلاديس فارمر أن تأتيَ معها.

لما وصَلتا، وجَدتا كلود يعمل على السِّياج الشبكي للشُّرفة الخلفية. ضحكت إنيد قائلةً: «كلود يُشبِه النبيَّ يونس. إنه يريد زراعة معترشات يقطين هنا؛ حتى تتسلَّق السياج الشبكي وتُكوِّن ظلًّا. أفكر في نباتاتٍ معترشة أخرى قد تعطي شكلًا جماليًّا أكثر.»

وضع كلود مِطرقته أرضًا وقال بلُطف: «هل سبق لكِ أن رأيتِ معترشة يقطين عندما يكون لديها شيءٌ تستطيع التسلق عليه يا إنيد؟ أنتِ لن تتخيَّلي جمالها؛ أوراق خضراء كبيرة، ويقطين وأزهار الصفراء تتدلَّى حولها في كل مكان في الوقت نفسه. امرأةٌ ألمانية عجوز تقف على كُشك طعام في إحدى المحطات الموجودة على الطريق المؤدي إلى لينكن لديها معترشات مثلها تتسلَّق على الشُّرفة الخلفية، وأردت أن أزرع بعضها منذ أن رأيتها أول مرة.»

ابتسمَت إنيد ابتسامةً لطيفة. «على أي حال، أظن أنك ستدَعُني أزرع الياسمين البرِّي في الشُّرفة الأمامية، أليس كذلك؟ أوشك العمال أن يُغادروا، والأفضل أن ننظر في أمر درجات السُّلم.»

بعدما ذهب العمال، أخذ كلود الفتاتَين إلى الطابق العلوي عبر السُّلم الخشبي. دخلوا من مدخلٍ صغير إلى غُرفةٍ كبيرة تمتدُّ عبر الردهتَين الأمامية والخلفية. يُطلِق عليها النجَّارون «صالة البلياردو». كانت توجد نافذتان طويلتان تُشبهان الباب تفتحان على سقف الشُّرفة، وتوجد نافذتان ناتئتان في السقف المُنحدِر؛ واحدة تُطلُّ شمالًا على أرض الغابة المملوكة للسيد ويلر، والأخرى تُطلُّ جنوبًا على نُهَير لافلي كريك. على الفور، شعرت جلاديس ببهجةٍ فريدة بشأن هذه الغُرفة، رغم أنها من دون أثاث وغير مكسوَّة بالجص. صاحت: «يا لها من غُرفةٍ جميلة!»

ردَّ عليها كلود بحماسة. وقال: «ألا تعتقدين ذلك؟ كما ترَين، إنها فِكرتي أن نُخصِّص الطابق الثاني لنا بدلًا من تقسيمه إلى أقسامٍ صغيرة كما يفعل الناس عادةً. يمكننا الصعودُ إلى هنا وننسى أمر المزرعة والمطبخ وكل مشكلاتنا. صنعت خِزانة كبيرة لكلٍّ منا، ورتَّبت كل شيء. وبعد كل هذا، تريد إنيد أن تُخصِّص هذه الغُرفة من أجل الوعاظ!»

ضحكت إنيد. «ليس من أجل الوعاظ فقط يا كلود. بل من أجل جلاديس لما تأتي لزيارتنا؛ فأنت ترى أنها أحبَّت تلك الغُرفة، وكذلك من أجل والدتك عندما تأتي وتقضي معنا أسبوعًا. لا أظن أنه ينبغي أن نأخذ أفضلَ غرفة لنا.»

جادَل كلود غاضبًا: «ولمَ لا؟ أنا أبْني هذا المنزل بالكامل لنا. تعالَي إلى سقف الشُّرفة يا جلاديس. أليس هذا جيدًا في الليالي الحارَّة؟ أريد أن أضَع سياجًا وأُحوِّلها إلى شُرفة؛ ومن ثَم يمكننا وضعُ كراسي وأرجوحة شبكية.»

جلست جلاديس على عتبة النافذة المُنخفِضة. «إنيد، ستكونين حمقاء إن خصَّصتِ هذه الغُرفة للضيوف. لا أحد يُمكنه الاستمتاع بها مثلك. يمكنك رؤية البلدة بأكملها من هنا.»

ابتسمت إنيد، ولكن لم تُبدي أيَّ علامة على تراجعها عن قرارها. «لننتظر ونرَ غروب الشمس. كن حريصًا يا كلود. يُقلقني أن أراك مُستلقيًا هنا.»

كان مُمدَّدًا على حافة السطح وإحدى ساقَيه مُعلَّقة ورأسه مُتوسِّدة ذراعه. خيَّم الشفق الأحمر على الحقول المُنبسِطة، وأومضَت طواحينُ الرياح البعيدة باللون الأبيض، وظهرت في السماء فوقهم سُحبٌ زهرية صغيرة.

تمتمَ كلود قائلًا: «إذا حوَّلت هذا المكان إلى شُرفة، فسترمي قمةُ السطح عليه بظلها دائمًا فيما بعد الظهيرة، وستُصبح النجوم فوق الرءوس مباشرةً بالليل. وسيُصبح مكانًا جميلًا للنوم في وقت الحصاد.»

قالت إنيد بسرعة: «أوه، يمكنك الإتيانُ إلى هنا دائمًا للنوم في الليالي الحارَّة.»

«لن يكون الشعور واحدًا في كلتا الحالتَين.»

جلسوا يُشاهدون ضوء النهار يزول من السماء، واقتربَت إنيد وجلاديس بعضهما من بعض عندما بدأتْ برودة ليل الخريف تتسلَّل إليهما. كان الأصدقاء الثلاثة يفكرون في الشيء نفسِه؛ ولكن لو بفعلِ سحرٍ ما بدأ كلٌّ منهم يفكر بصوت عالٍ، لغيَّمت الدهشة والمرارة عليهم جميعًا. أفكار إنيد كانت هي الأنقى بينهم. المناقشة حول غرفة الضيوف ذكَّرَتها بالقسِّ ويلدون. في سبتمبر، لما كانت في طريقها إلى ميشيجان مع والدتها، توقفَت يومًا في لينكن كي تستشير آرثر ويلدون هل ينبغي أن تتزوَّج من رجلٍ وصَفَته له بأنه «رجل غير مُخلِص للكنيسة». تعامل السيد ويلدون الشابُّ مع الموضوع بحذر، ولكن لما علم أن الرجل المنشود هو كلود ويلر، طغى عليه التحيزُ أكثرَ من المعتاد. رأى أن زواجها من كلود قد يكون الطريقةَ الوحيدة لإصلاحه؛ ومن ثَم لم يتردَّد في أن يقول لها إن أعظم خدمة يمكن أن تُقدمها الفتيات المخلصات للكنيسة هي أن يجذبن الشبابَ الواعد إليها. كانت إنيد شِبه مُتيقِّنة من أن السيد ويلدون سيُوافق على موضوعها من قبل أن تستشيره، ولكن تَوافقَ رأيه مع رأيها دائمًا ما كان يُرضي غرورها. أخبرته أنها عندما تمتلك منزلًا خاصًّا بها، فإنها تنتظر منه أن يقضيَ جزءًا من إجازته الصيفية فيه، وردَّ عليها بخجل مُعرِبًا عن استعداده للقيام بذلك.

تاهت جلاديس أيضًا بين أفكارها؛ إذ كانت تجلس بسكينة جعلتها تبدو مُتراخِية جدًّا، وكانت تُسند رأسها على إطار النافذة الفارغ في مواجهة الشمس التي كانت تغرب. أضفى الضوء الزهري على عينَيها البُنِّيتين وميضًا مثل لون النُّحاس القديم، وبدَت فيهما نظرةٌ حزينة وكأنها كانت تتحدَّى شيئًا ما في عقلها. عندما تصادف ونظر كلود إليها، خطر بباله كم هو صعبٌ أن تُصبح شخصًا استثنائيًّا في المجتمع، وأن تصبح أجدرَ وأذكى من البقية. وبالنسبة إلى فتاة، فلا بد أن الأمر أصعبُ بكثير. نهض فجأةً وكسر حاجز الصمت الطويل.

«نسيت يا إنيد، عندي سرٌّ لأخبرك به. في مكانٍ ما بأرض الغابة المملوكة لنا، عثرت منذ مدة وجيزة على سِربٍ من طيور السمَّان. لا بد أنها الوحيدة المتبقِّية في كل هذه الأنحاء، ولا أظنُّها خرجَت من هذه الأرض. لم تُجتزَّ حشائش الكلأ هناك منذ سنوات … لم تُجتزَّ مذ ذهبتُ إلى المدرسة أولَ مرة، وربما تعيش هي على بذور الحشائش. بالطبع ينمو التوت في الصيف.»

تعجَّبَت إنيد هل الطيور تعلم هذا القدرَ عن العالم لدرجة أن تختبئَ بين أشجار هذا المكان. كان كلود متأكدًا مما قاله.

«لا أحد يذهب بالقرب من هناك سوى أبي؛ إنه يتوقَّف هناك أحيانًا. ربما رأى الطيور ولكنه لم يتفوَّه بكلمة عنها. ربما فعلَت مثله تمامًا.» أخبرهما أنه نثَر بعض حبَّات الذرة في الحشائش حتى لا تسعى تلك الطيورُ للتحليق فوق حقل الذرة الخاص بليونارد دوسن. «إن رآها ليونارد، فمن المحتمل أن يصطادها.»

اقترحت إنيد: «لماذا لا تطلب منه ألا يفعل هذا؟»

ضحك كلود. «هذا من شأنه أن يكون طلبًا صعبًا. عندما ترتفع جماعةٌ من السمان من حقل ذرة، فإنها تُكوِّن مشهدًا مُغريًا للغاية إذا كان الرجل يحبُّ الصيد. سنأخذك في نزهة عندما تأتين الصيفَ المُقبِل يا جلاديس. توجد بعض الأماكن الجميلة في هذا المكان.»

نهضت جلاديس. «يا إلهي، لقد حلَّ الليل! إن المكان جميل هنا، ولكن يجب أن تُوصليني إلى المنزل يا إنيد.»

وجَدوا المكان مُظلِمًا في الداخل. كلود ساعَد إنيد في النزول على السُّلم الخشبي وأوصلَها إلى سيارتها، ثم عاد من أجل جلاديس. كانت تجلس على الأرض عند قمة السُّلم الخشبي. مدَّ إليها يده وساعَدها على النهوض.

قال مُمتنًّا: «إذَن أنتِ تُحبِّين منزلي الصغير.»

«نعم. أوه، نعم!» كان صوتها يَفيض بالمشاعر، لكنها لم تُجهِد نفسها وتتحدَّثْ بأكثر من ذلك. نزل كلود أمامها كي يَحميَها من الانزلاق. ظلَّت وراءه وهو يقودها عبر المداخل المُربِكة، وساعَدها في تخطِّي أكوام الألواح المُتناثرة على الأرض. عند حافة مدخل القبو المفتوح، توقَّفَت وانحنت على ذراعه مُتعَبةً للحظة. لم تتكلَّم، لكنه فَهِم أن منزله الجديد جعلها حزينة، وأنها وصلت هي أيضًا إلى المكان الذي يجب أن تخرج فيه عن المسار القديم. تمنَّى أن يهمس لها ويتوسَّل إليها ألا تتزوَّج من أخيه. تباطأ وتردَّد وهو يتحسَّس طريقه في الظلام. إنها تُعاني نفس النوع اللعين من الحساسية الشعورية؛ كانت ستتوقَّع الكثير من الحياة وتُصاب بخيبة الأمل. لم يرغب في أن يخرج بها إلى الليل البارد من دون كلمة توسُّل. تمنَّى أنْ لو طال طريقهما، وعبَرا العديد من الغُرف والممرَّات. ربما لو كان هذا ممكنًا، لوجَدَت القوة الكامنة بداخله ما كانت تسعى إليه، حتى في هذه المدة القصيرة تحرَّكَت بداخله وجعلته يشعر بها، وأطلقَت نداءً مُحيِّرًا. فوجئ كلود من نفسه كثيرًا.

١١

قرَّرت إنيد أن تتزوَّج في الأسبوع الأول من يونيو. وفي وقتٍ مُبكِّر من شهر مايو، بدأ عُمال الجص والطِّلاء العمل بجدٍّ في المنزل الجديد. بدأت الجدران تلمع، وكان كلود يبقى في المنزل طَوال اليوم من أجل تزييت الأرضيات المصنوعة من خشب الصَّنوبر وتلميعها، وتغطية الجدران بالألواح الخشبية. كَرِه أن يطأَ أيُّ أحد على تلك الأرضيات. زرع معترشات اليقطين حول الشُّرفة الخلفية، وزرع شُجَيرات الياسمين البرِّي والليلك، وأنشأ حديقة مطبخ. خطَّط مع إنيد أن يذهبا إلى دنفر وكولورادو سبرينجز لقضاء رحلة شهر العسل، ولكن سيكون رالف في المنزل حينئذٍ، وقد وعد بالمجيء وسقيِ الزهور والشُّجيرات إذا كان الطقس جافًّا.

كثيرًا ما تُحضر إنيد أعمالَ الحياكة والتطريز الخاصة بها وتجلس من أجل العمل في الشُّرفة الأمامية، بينما كان كلود يصقل المشغولات الخشبية داخل المنزل، أو يحفر ويزرع خارجَه. كانت تلك المرحلة هي الفُضلى في مدة خِطبته. بدا له أنه لم يقضِ قطُّ أيامًا أسعدَ من تلك الأيام في حياته. وحينما كانت لا تأتي إنيد، كان يظل ينظر إلى الطريق ويترقَّب مجيئها، ويتنقَّل من شيء إلى آخَر دون أن يتقدَّم في العمل. كان يشعر بأنه مُفعَم بالطاقة ما دامت جالسةً هناك في الشُّرفة والدانتيل والشرائط وقماش الموسلين في حجرها. وعندما كان يمرُّ عليها دخولًا أو خروجًا ويتوقَّف بالقرب منها للحظة، كانت تبدو عليها السعادةُ عندما تجعله يبقى بجوارها. كانت تحبُّ أن يُبدِي إعجابه بأعمال التطريز التي تُنفذها، ولم تتردَّد في أن تُريَه أعمال الغرز الريشية والتطريز التي كانت تُنفذها في ملابسها الداخلية الجديدة. كان يعلم من النظرات التي كان يتبادلها عمالُ الطلاء أن هذا يُعَد سلوكًا جريئًا جدًّا من فتاةٍ شارفَت على أن تُصبح عروسًا. وهو نفسُه اعتقد أنه سلوكٌ جميل جدًّا على الرغم من أنه ما كان ليتوقَّعه قطُّ من إنيد. قلبه كان يخفق بقوة لما كان يدرك مدى ثقتها الشديدة به ومدى قلة خوفها منه! كانت تتركه يقف في الشُّرفة فوق رأسها وينظر إلى أصابعها السريعة، أو يجلس على الأرض عند قدمَيها ويُحملِق في قماش الموسلين المُعلَّق عند ركبتها، إلى أن جعله أدبُه يعود إلى عمله كي لا يُثير مشاعرَ عمال الطلاء.

في عصر أحد الأيام الدافئة والعاصفة، أوقع نفسه على الأرض بجانبها وسألها: «متى ستذهبين معي إلى أرض الغابة الخاصة بنا؟» كانت إنيد تجلس على أرضية الشُّرفة وتُسند ظهرها إلى عمود، وقدمها على إحدى بُقَع الرجلة الدائرية التي تنمو في الأرض الصلبة. «وجدتُ سِرب السمان مرةً أخرى. إنه يعيش في الحشائش الطويلة بالقرب من حفرةٍ تحتفظ بالمياه معظم أيام السنة. سأزرع بضعة صفوف من البازلاء هناك؛ حتى يُصبح لديها أرضٌ فيها غذاء عند موطنها. أعتقد أن حقل الذرة الخاصَّ بليونارد خطرٌ كبير عليها. لا أعلم هل أخبره عن ذلك السر أم لا.»

«أظن أنك أخبرت إرنست هافل، أليس كذلك؟»

ردَّ كلود مُحاوِلًا التغاضيَ عن الحِدَّة الطفيفة التي بدَت في صوتها: «أوه، بلى! أنا أثقُ فيه ثقةً كبيرة. ذلك المكان جنة للطيور. الأشجار مليئة بالأعشاش. يمكنك الوقوفُ هناك في الصباح وسَماع أفراخ عصافير أبي الحنَّاء وهي تصيح فرحًا بالإفطار. تعالَي غدًا في الصباح الباكر وسأصحبك إلى هناك، هل تُوافقين؟ ولكن الْبَسي حذاءً ثقيلًا؛ لأن التُّربة رطبة في الحشائش الطويلة.»

بينما كانا يتحدثان، هبَّت زوبعةٌ مُفاجئة حول أحد جوانب المنزل، وأطاحت بالكومة الصغيرة من القمصان النسائية الداخلية المطويَّة التي من الدانتيل، ونثَرتها في الفِناء الترابي. جرى كلود خلفها وفي يده حقيبة أعمال الإبرة المُزهِرة الخاصة بإنيد التي كان يضع فيها كلَّ قطعة كان يُمسِك بها وهو يُهرَع وسط الحشائش الضارَّة. لما عاد وجد إنيد أغلقَت علبة الإبر الخاصة بها، وكانت تلبس قُبعتها. قالت مُبتسِمةً: «شكرًا لك. هل وجدت كل شيء؟»

«أعتقد ذلك.» هُرِع إلى السيارة كي يُخفيَ وجهه المُذنِب. توجد قطعةٌ واحدة من الدانتيل لم يضَعها في الحقيبة، ولكنه أخفاها في جيبه.

في الصباح التالي، أتت إنيد مُبكرًا كي تسمع الطيور الموجودة في أرض الغابة المملوكة لآل ويلر.

١٢

في الليلة التي قبل حفل الزفاف، نام كلود مُبكرًا. ظل يتنقَّل بالسيارة مع رالف طوال اليوم من أجل الاستعدادات النهائية، وكان مُنهَكًا. غطَّ في النوم من فوره تقريبًا. لم يكن سهلًا على السيدتَين الموجودتين في المنزل تجاهلُ الحدث الكبير الذي سيقع في اليوم التالي. بعد غسل أطباق العشاء، صعدت ماهيلي إلى العُلِّية كي تأتيَ باللحاف الذي طالما احتفظَت به كي تُهديَه إلى كلود في زفافه. أخرجَته من الصندوق وبسطَته، وعدَّت النجوم المرسومة في نمطه — إذ كان العد من الإنجازات التي تفرح بها — قبل أن تطويَه. كان سيُنقَل إلى منزل الطاحونة مع الهدايا الأخرى غدًا. ذهبت السيدة ويلر إلى السرير عِدَّة مرَّات في تلك الليلة. ظلَّت تُفكر في الأشياء التي ينبغي الاعتناءُ بها؛ فمثلًا قامت وذهبت كي تتأكَّد من وضع ملابس كلود الداخلية الثقيلة في صندوقه؛ خشيةَ أن يُصيبه البرد في الجبال؛ وتسلَّلَت إلى الطابق السفلي كي تتأكَّد من أن الدجاجات الستَّ المشويَّة من أجل العشاء في حفل الزفاف مُغطَّاة جيدًا وبعيدةٌ عن القطط. وبينما كانت تتنقَّل بين تلك المهام، لم تبرَح الصلاةُ لسانها. لم تُصلِّي كثيرًا وبحرارة بتلك الطريقة منذ معركة نهر مارن.

في الصباح الباكر، حمَّل رالف السيارة الكبيرة بالهدايا وسلال الطعام، وهُرِع إلى منزل آل رويس. كانت هناك بالفعل سيارتان في ساحة الطاحونة؛ لقد أحضرَتا مجموعةً من الفتَيات اللاتي أتين ومعهن كلُّ زهور شهر يونيو الموجودة في فرانكفورت من أجل تزيين المنزل استعدادًا لحفل الزفاف. لما قرَع رالف بوق سيارته، خرجَت ستةٌ منهن للترحيب به، ووبَّخنَه لأنه لم يُحضِر أخاه معه. بدأ رالف العمل من فوره. حمل السلَّم الخشبيَّ إلى أي مكان يُقال له أن يحمله إليه، وأخذ يدقُّ المسامير ويقصُّ الغضينات الشائكة للورود المتعرشة حول الأعمدة فيما بين الصالتَين الأمامية والخلفية، ويُجهز القوس الذي سيُقام تحته الحفل.

لم تتمكَّن جلاديس فارمر من ترك عملها في المدرسة الثانوية كي تساعد صاحبتها في هذا العمل، ولكن في الساعة الحادية عشرة وصلت إلى منزل العروس سيارةٌ محمَّلة بزهور الفاوانيا البيضاء والزهرية التي قطفَتها من فِناء منزلها الأمامي، والتي أحضرَت أيضًا صندوقًا من زهور المشاتل التي طلبتها من هاستنجز كي تُهدِيَها إلى إنيد. أُعجبت الفتيات بزهور المشاتل، ولكن قُلْن إن جلاديس مُسرِفة كعادتها؛ لو اقتصرت على الزهور التي قطفَتها من فِناء منزلها لكفَت. السيارة قادها فتًى هزيلٌ رثُّ الملابس يعمل في مرآب المدينة، وكان يُدعى «إيرف الصامت»؛ لأنه لا أحدَ قطُّ يفهم كلمةً منه. لم يكن لديه صوتٌ على الإطلاق؛ لم يكن يَصدُر منه غيرُ صرير رقيق صغير من أعلى حلقه، مثل الهمس اللاهث الذي يتفوَّه به الوسيط الروحاني أثناء عمله. لما وصل إلى الباب الأمامي وذراعاه مُمتلئتان بزهور الفاوانيا، تمكَّن من أن يتحدث بصوتٍ فيه أزيز:

«هذه الزهور مُرسَلة من الآنسة فارمر. وتوجد باقاتٌ أخرى في السيارة.»

ذهبَت الفتياتُ معه إلى سيارته، وأخرج صندوقًا مربَّع الشكل مربوطًا بأشرطةٍ بيضاء وأجراس فِضية صغيرة يحتوي على باقة الزهور الخاصة بالعُرس.

رالف سأل الفتى الرفيع: «كيف حصلت على هذا الصندوق؟ كان عليَّ الذَّهاب إلى المدينة كي أُحضِره.»

ابتلع المِرسال ريقه. «أخبرتني الآنسة فارمر أن أحضر أيَّ زهور في المتجر كانت ستُرسَل إلى هنا.»

دفع رالف يده في جيب سرواله. «هذا لطفٌ منها. كم المُقابل؟ سأدفعه لك قبل أن أنسى.»

تسلَّلت حُمرةٌ إلى وجه الفتي الشاحب؛ إنه وجهٌ رقيق تحت شعر غير مُهندَم، وتكسوه تعاسةٌ تعتصر ملامحه. كانت عيناه دائمًا نِصف مُغمَضتَين، وكأنه لا يريد أن يرى ولا أن يُرى من قِبل العالم من حوله. كان يمشي مثل شخص في حلم. همس قائلًا: «الآنسة فارمر دفعَت لي الحساب.»

صاحت فتاة: «رائع، إنها تُفكر في كل شيء! لقد كنتَ أحدَ تلاميذ جلاديس في المدرسة، أليس كذلك يا إيرف؟»

«بلى يا سيدتي.» دخل إلى السيارة من دون أن يفتح الباب، وانسلَّ مثل ثعبان الماء إلى المِقود وانطلق بالسيارة.

الفتَيات تَبِعن رالف على مَمرِّ الحصى باتجاه المنزل. همست فتاةٌ إلى الأُخريات قائلةً: «هل تظنُّون أن جلاديس ستأتي الليلةَ مع بايليس جلاديس؟ أنا عن نفسي طالما اعتقدتُ أنها تُكنُّ في داخلها مشاعرَ حب شديدة تجاه كلود.»

فتاةٌ أخرى غيَّرت الموضوع. وقالت: «لا أستطيع تصديق سماعي لإيرف وهو يتحدَّث بهذا القدر. لا بد أن جلاديس لها تأثيرٌ كبير عليه.»

قالت الفتاة التي سألت الفتى الصامت: «كانت دائمًا تعطف عليه في المدرسة. قالت إنه كان جيدًا في دروسه، ولكنه كان يخاف كثيرًا من عدم تمكُّنه قطُّ من القراءة بصوتٍ عالٍ. كانت تجعله يكتب الإجابات على مكتبه.»

مكَث رالف حتى الغداء، وأخذ يلهو مع الفتَيات إلى أن اتصلَت به والدتُه هاتفيًّا وطلبت منه أن يعود. «عليَّ الآن أن أذهب إلى المنزل وأعتنيَ بأخي، وإلا سيحضر الليلة بقميصٍ مُخطَّط.»

نادته الفتَيات: «أبلِغْه سلامنا وأخبِرْه ألا يتأخَّر.»

عندما انطلق رالف بسيارته باتجاه المزرعة، قابَل دان الذي كان يأخذ صندوق أغراض كلود إلى المدينة. أبطأ السيارة. وصاح: «هل من أخبار؟»

ابتسم دان. «لا، تركَته في خيرِ حالٍ كما هو مُتوقَّع.»

السيدة ويلر قابلت رالف على السلَّم. «إنه في غُرفته بالطابق العُلوي. إنه يشكو من أن حذاءه الجديد ضيِّق بشدة. أظن أن ذلك بسبب التوتر. على الأرجح سيَتركُك تُحلِّق له؛ أنا مُتأكِّدة من أنه سيَجرح نفسه. وأرجو ألا يكون الحلَّاق قد قصَّر شعره أكثرَ من اللازم يا رالف. أكرَه تلك الموضة الجديدة التي يقصُّ فيها الرجل تمامًا الشعرَ الموجود خلف الأذنَين. مؤخرة عنقه أقبحُ جزء فيه.» تحدَّثت بنبرة استياء جعلَت رالف يضحك.

«عَجبًا يا أمي، أعتقد أن كل الرجال مُتشابهون في نظرك! على أي حال، كلود ليس جميلًا.»

«متى تريد الاستحمام؟ سأُضطرُّ إلى تدبُّر ذلك حتى لا يطلب الجميعُ الماء الساخن في الوقت نفسِه.» استدارت إلى السيد ويلر الذي كان يكتب شيكًا في المكتب. «يا أبي، هلَّا استحممتَ الآن وأخرجتَ اسمَك من القائمة؟»

صاح السيد ويلر: «أستحم؟ لا أريد أن أستحم! أنا لن أتزوَّج الليلة. أظنُّ أنه لسنا مُضطرِّين إلى جعلِ كلِّ من في البيت يستحمُّ من أجل إنيد.»

ضحك رالف ضحكةً مكبوتة، وأسرع إلى الطابق العُلوي. وجد كلود جالسًا على السرير يلبس إحدى فردتَي حذائه. كومة من الجوارب كانت مُبعثَرة على السجادة. وكانت هناك حقيبةٌ كبيرة مفتوحة على كرسي وحقيبةٌ صغيرة سوداء على كرسيٍّ آخَر.

سأل رالف: «هل أنت مُتأكِّد من أن الحذاء ضيِّق جدًّا؟»

«نحو أربعة مقاسات.»

«لماذا لم تشترِ حذاءً على مقاسك؟»

«اشتريت. ذاك المُحتال في هاستنجز خدعَني وأعطاني حذاءً آخر وأنا غافل. حسنٌ إذَن»، وانتزع فردة الحذاء التي أمسك بها أخوه كي يتفحَّصها. «لا يُهم، ما دمتُ أستطيع الوقوف به. الأفضل أن تذهب وتتَّصل هاتفيًّا بالمحطة، وتسأل هل سيَصِل القطار في الوقت المُحدَّد أم لا.»

«لن يكون لديهم علمٌ الآن. باقٍ على وصوله سبعُ ساعات.»

«إذن، اتَّصِل بهم في وقتٍ لاحق. ولكن عليك أن تعرف بطريقةٍ ما. لا أريد أن أقِف في تلك المحطة وأنتظر القطار.»

صفَّر رالف. من الواضح أن الشابَّ سيكون من الصعب التعاملُ معه. اقترح عليه أن يستحمَّ كي يُهدئ نفسه. كلَّا، لقد أخذ كلود حمَّامه. هل أغلق حقيبته الكبيرة إذَن؟

«كيف لي بحقِّ الجحيم أن أُغلقها وأنا لا أعرف ما سألبَسه؟»

«ستَلبَس قميصًا وجوربًا. سأضعُ بعضًا من تلك الأغراض بدلًا منك.» أخذ رالف حَفْنة من الجوارب وانحنى كي يُفرِزها. كان في مقدمة العديد منها بُقعٌ حمراء. بدأ يضحك.

«أعلم لماذا يؤلمك الحذاء، لقد جُرِحت قدمك!»

نهض كلود وكأنَّ دبورًا لَسَعه. صاح: «هلَّا خرجتَ من هنا وتركتني وحدي؟»

اختفى رالف. وأخبر والدته أنه سيرتدي في خلال لحظات؛ لأنهم قد يُضطرُّون إلى استخدام القوة مع كلود في اللحظات الأخيرة. كان حفل الزفاف سينعقد في الثامنة، وينبغي متابعةُ العشاء، وينبغي أن يُغادِر كلود وإنيد فرانكفورت في قطار الساعة ١٠:٢٥ السريع المتجِه إلى دنفر. في الساعة السادسة عندما طرَق رالف الباب على أخيه، وجده قد حلق ذقنه وصفَّف شعره وارتدى ملابسه، ولم يتبقَّ سوى المِعطف. لم يكن قميصه المطويُّ مُجعَّدًا، وكانت ربطة عنقه مربوطةً بطريقةٍ مُنمَّقة. وعلى الرغم من الألم الذي كان يُخفيه حذاؤه الجلدي، فإنه كان ناعمًا ولامعًا وبرَّاقًا ومُدبَّبًا بشدة.

سأل رالف مُندهِشًا: «هل حزمتَ أغراضك في الحقيبة؟»

«تقريبًا. أرجو أن تتفقَّد كل الأغراض وتجعلها تبدو بنحوٍ أنيقٍ أكثر، إن استطعت. لا أحب أن ترى الفتاةُ ما بداخل تلك الحقيبة وهي على هذا الوضع. أين سأضع سجائري؟ أينما تكون، ستُغير رائحة كل شيء يوضَع معها. يبدو أن كل ملابسي تفوح منها رائحةُ الطهي أو النشا أو شيء من هذا القبيل.» وأنهى كلامه بمرارة قائلًا: «لا أعلم ماذا تفعل ماهيلي بها.»

بدا الغضبُ على وجه رالف. «يا له من جحود! ظلَّت ماهيلي تكوي قمصانك القديمة اللعينة لمدة أسبوع!»

«نعم، نعم، أعلم. لا تُزعجني. نسيت أن أضع أيَّ مناديل في صندوقي؛ ولذا عليك أن تضع المجموعة كاملةً في مكانٍ ما.»

ظهَر السيد ويلر عند المدخل لابسًا سرواله الأسوَد المُخصَّص للمناسبات، المرفوعَ لأعلى بحمَّالات فوق قميص أبيض، وتنبعث رائحة فوَّاحة مُستخلَصة من أوراق شجرة الميريقة وشراب الرم من شعره المُتدلِّي. كان يُمسِك ورقةً مطوية رفيعة بلطفٍ بين أصابعه السميكة.

«أين دفتر فواتيرك يا ولدي؟»

تحسَّس كلود سرواله، وأخرج شيئًا مُربَّعًا من الجلد من الجيب. أخذه والده ووضع قُصاصة الورق بداخله مع النقود. قال: «قد ترغب في شراء بعض الأشياء لزوجتِك. هل تحتفظ بتذاكر القطار هنا؟ ها هو الإيصال الخاص بصندوقِ أمتِعتِك الذي أحضره دان. لا تنسَ أني وضعتُه مع التذاكر وكتبت عليه الحروف الأولى من اسمك بحيث تميزه عن ذلك الخاص بإنيد.»

«نعم يا سيدي. شكرًا لك يا سيدي.»

سبق أن سحَب كلود كلَّ الأموال التي سيحتاج إليها من البنك. هذا الشيك البنكيُّ الإضافي كان إعرابًا من جانب السيد ويلر عن اعتذاره عن بعض الملاحظات الساخرة التي تلفَّظ بها منذ عدة أيام لما عرَف أن كلود حجز مقصورةَ نوم في قطار دنفر السريع. كان كلود قد أجاب عن تلك الملاحظات باقتضاب قائلًا بأن إنيد ووالدتها دائمًا ما تذهبان إلى ميشيجان في مقصورة نوم، وأنه لن يطلب منها أن تتخلَّى عن مستوى السفر المُريح الذي اعتادته.

في الساعة السابعة، انطلقت عائلة ويلر في السيارتَين اللتين كانتا تقفان منتظرتَين بجوار طاحونة الهواء. قاد السيد ويلر السيارة الكاديلاك الكبيرة، وأخذ رالف ماهيلي ودان في السيارة الفورد. عندما وصلوا إلى منزل الطاحونة، وجدوا الساحة الخارجية مليئةً فعلًا بالسيارات، والشُّرفة وصالتَي الاستقبال مُكتظة بالناس الذين يتحدثون ويتمشَّون.

صَعِد كلود إلى الطابق العُلوي مباشرةً. بدأ رالف في إجلاس الضيوف، ورتَّب الكراسيَّ القابلة للطي بحيث تترك ممرًّا من أسفل السُّلم إلى قوس الزهور الذي أنشأه في الصباح. كان القسُّ يقف تحت الضوء وفي يده الكتاب المُقدَّس خاصته الذي أخذ يبحث فيه عن الإصحاح المُراد. كانت إنيد تُفضِّل أن يأتيَ السيد ويلدون من لينكن كي يَعقد زواجها، ولكن هذا من شأنه أن يجرح السيد سنوبيري جُرحًا بليغًا. ففي النهاية، إنه الكاهن الراعي لها على الرغم من أنه لم يكن مُفوَّهًا ومُقنِعًا مثل آرثر ويلدون. كانت حصيلته اللغوية الإنجليزية أقلَّ من غيره، حتى إن تلك الحصيلة لم يكتسبها بسهولة. لما كان على منبره، كان يُحاوِل ويُجاهِد أن يتلفَّظ بتلك الكلمات حتى تتساقط حبَّاتُ العَرق من جبينه وتقع على لحيته البُنِّية الخشنة والمُلبَّدة. لكنه كان يؤمن بما يقوله، واللغة في نظره إنجازٌ ضئيل لدرجة أنه لم يكن يميل إلى قولٍ أكثر مما كان يؤمن به. كان فتًى يقرع الطبول في الحرب الأهلية — لكن مع الجانب الخاسر — وكان رجلًا بسيطًا وشجاعًا.

كان على رالف أن يكون المُرشِد والإشبين في آنٍ واحد. لم تتمكَّن جلاديس فارمر من أن تُصبح ضمن وصيفات العروس؛ لأنها كانت ستعزف موسيقى حفل الزفاف. في الساعة الثامنة، نزل كلود وإنيد معًا يتقدَّمهما رالف ويتبعُهما أربعُ فتَيات يَلبَسن فساتينَ بيضاءَ مثل العروس. أخذ العريس والعروس مكانهما تحت القوس أمام الكاهن. بدأ الكاهن بإصحاح من سِفر التكوين عن خلق الإنسان وعن ضِلَع آدم، وأخذ يقرأ بصعوبة، وكأنه لم يكن يعلم تمام العلم السببَ الذي دفعَه إلى اختيار هذا المقطع، وكان يبحث عن شيء ولم يجده. ظلَّت نظَّارته الأنفيَّة تسقط وتقع على الكتاب المفتوح. وفي تلك المدة الطويلة من التلعثم، وقفت إنيد هادئةً ناظرةً إليه باحترام، وتبدو جميلة جدًّا في غطاء وجهها القصير. كان كلود شاحبَ الوجه جدًّا لدرجة أنه بدا غيرَ طبيعي؛ إذ لم يرَه أحدٌ بهذا النحو من قبل. ووسط الملابس السوداء جدًّا والشعر الناعم الأصفر، بدا وجهُه شاحبًا وصارمًا، وتكلَّم بصوتٍ غليظ في ردوده. كانت تقف ماهيلي في نهاية الغُرفة، لابسةً قبعةً سوداء عليها عُنقود عنب ثعلب أخضر؛ وذلك حتى لا يفوتها شيء. وقفت تُراقب السيد سنوبيري كأنها ترجو أن ترى علامةً مرئية عن المُعجِزة التي كان يقوم بها. دائمًا ما كانت تتساءل عن الذي يفعله القس كي يُحوِّل أسوأ شيء في العالم إلى أفضل شيء في العالم.

عندما انتهت مراسمُ الزواج، صَعِدت إنيد إلى الطابق العُلوي كي ترتديَ الفستان الذي ستُسافِر فيه، وبدأ رالف وجلاديس في إجلاس الضيوف من أجل العشاء. بعد عشرين دقيقة، نزلت إنيد وأخذَت مكانها بجانب كلود على رأس الطاولة الطويلة. قام الرفاق وشربوا كأسًا من شراب البنش بعصير العنب في نخب العَروسَين. ولكن ريثما جلس الضيوف، أخذ السيدُ رويس السيدَ ويلر إلى قبو تخزين الفاكهة، حيث احتسى الصديقان القديمان كأس ويسكي كنتاكي مُعتَّقًا وتصافَحَا. وعندما عادا إلى الطاولة، وبدا أنهما في عمرٍ أصغر ممَّا بدا عليهما وقتَ انسحابهما من المكان، اشتمَّ الكاهنُ رائحة الويسكي، وشعر بأنه جرى تجاهلُه. نظر بتعاسة إلى كأسه الحمراء وتذكَّر عُرس قانا. حاوَل أن يُطبِّق تعاليم الكتاب المُقدَّس بحذافيرها في حياته؛ وعلى الرغم من أنه لم يكن بإمكانه أن يفعل ذلك علنًا في تلك الأيام، فإنه لم يعلم مطلقًا السببَ الذي جعله يشعر بأنه أفضل من المسيح فيما يتعلَّق بشرب الخمر.

حافَظ رالف على هدوئه ولم ينسَ شيئًا؛ حيث إنه كان المسئولَ عن تنفيذ مراسم الاحتفال. وعندما حان وقت البدء، ربَّت على كتف كلود وقاطَع والده وهو يَسرُد إحدى أفضل قصصه. بخلاف العادة، كان على الزوجَين الذَّهابُ إلى المحطة بمفردهما؛ ولذا تركا مكانهما على رأس الطاولة بعد إيماءة وابتسامة للضيوف. أسرع رالف بهما إلى السيارة الخفيفة التي كان قد وضع فيها بالفعل حقيبةَ السفر الصغيرة المُكدَّسة بالأغراض الخاصة بإنيد. فقط السيدة رويس النحيلة الضعيفة هي من تسلَّلت من المطبخ كي تُودِّعهما.

في ذلك المساء، جاء بعض الفتَيان السيِّئين من المدينة ونثَروا الطريق بالقرب من الطاحونة بعشرات الزجاجات المكسورة، وبعدها اختبَئوا بين شُجَيرات التوت البرِّي في انتظار الحصول على بعض المرح. أول سيارة جاءت كانت هي سيارةَ رالف، وعلى الرغم من وميض الزجاج المكسور أمام أضواء السيارة، لم يكن هناك وقتٌ للتوقف؛ كان يوجد خندقٌ مائي على كلٍّ من جانِبَي الطريق، واضطُرَّ أن يسير مباشرةً دون توقف، ويذهبَ إلى فرانكفورت بإطاراتٍ فارغة من الهواء. أطلق القطارُ السريع صافرتَه ورالف يدخل إلى المحطة. أخذ مع كلود حقائبَ السفر الصغيرةَ الأربعة ووضعها في المقصورة. ترك الفتَيان إنيد مع الحقائب في المقصورة وذهبا إلى المنصة الخلفية لعربة مشاهدة المعالم للتحدث حتى اللحظة الأخيرة. عدَّ رالف على أصابعه الأشياء التي وعد كلود أن ينتبه إليها. شكَره كلود من أعماقه. شعر أنه ما كان ليتزوج قطُّ لولا رالف. لم يكونا قطُّ صديقَين حميمين كما كان الحال خلال الأسبوعَين الماضيين.

بدأت العَجلاتُ تتحرَّك. قبض رالف على يد كلود وجرى إلى مقدمة العربة ونزَل. لما تجاوزه كلود، وقف يُلوِّح بمنديله؛ كان شكله مُضحِكًا تحت أضواء المحطة بملابسه السوداء، وقبعته الصلبة التي من القش، وساقَيه القصيرتين المتباعدتين، والمرح الذي يكسوه من رأسه إلى قدمه.

انطلق القطار في هدوءٍ عبر ليل الصيف بطول وادي النهر المحاط بالأشجار. وقف كلود بمفرده في المنصة الخلفية يُدخِّن سيجارًا بعصبية. لما مرُّوا على اللسان العميق حيث يتدفَّق لافلي كريك إلى النهر، رأى أضواء منزل الطاحونة وامضةً للحظة من بعيد. كان لا يزال هواءُ الليل ساكنًا؛ إذ كان مُثقَلًا برائحة نبات إكليل الملك الذي كان ينبت عاليًا على طول المسارات، ورائحة أشجار العنب البرِّي المُبلَّلة بالندى. أتى مُفتِّش التذاكر كي يسأل عن التذاكر، وقال بابتسامةٍ حكيمة إنه كان يبحث عنه لأنه لم يُرِد أن يُزعِج السيدة.

بعدما ذهب الرجل نظر كلود في ساعته، ورمى عُقْب سيجاره، وعاد عبر عربات النوم. ذهب الرُّكاب إلى النوم؛ دائمًا ما تُضاء المصابيح الرأسية بإضاءةٍ خافتة بعدما يُغادِر القطار فرانكفورت. شقَّ طريقه عبر الممرَّات ذات الستائر الخضراء المُتمايلة، ونقر على باب مقصورته. فُتِح الباب قليلًا، ووقفت إنيد لابسةً ملابسَ نوم حريريةً بيضاء مليئة بالكشكشة، ورابطةً شعرها في ضفيرتَين ناعمتين تنسدلان فوق كتفَيها.

قالت بصوتٍ مُنخفِض: «كلود، هل تُمانع في أن تنام في مكانٍ آخر في العربة الليلةَ؟ يقول عامل القطار إن المقصورات ليست مشغولةً كلها. لا أشعر أنني بخير. أظن أن صلصة سلطة الدجاج كانت لا بد دسِمة جدًّا.»

أجاب من دون تفكير. «نعم، بالتأكيد. هل آتي لك بشيء؟»

«كلا، شكرًا لك. النوم سيُريحني أكثرَ من أي شيء آخر. تصبح على خير.»

أغلقت الباب، وسمع صوت انزلاق القُفل. وقف ينظر إلى ألواح الخشب المصقول اللامع للحظة، ثم استدار بلا تردُّد، وعاد بطولِ الممرِّ المُتمايل قليلًا ذي الستائر الخضراء. في عربة مُشاهدة المعالم، تمدَّد على كرسيَّين من الخيزران وأشعل سيجارًا آخر. وفي الساعة الثانية عشرة، دخل عاملُ القطار.

«هذه العربة تُغلَق في وقت الليل، يا صاحِ. هل أنت السيد الذي من المقصورة رقم أربعة عشرة؟ هل تريد سريرًا سُفليًّا؟»

«كلا، شكرًا لك. هل توجد عربة للتدخين؟»

«تُفتَح هذه العربات في وقت النهار، ولا يُحتمل أن تكون نظيفةً في هذا الوقت من الليل.»

«حسنٌ إذَن. هل هي في الأمام؟» أعطاه كلود بذهنٍ شارد قطعةَ نقود مَعدِنية، وأخذه عامل القطار إلى عربةٍ قذرة جدًّا، أرضيتُها منثورٌ عليها الجرائد وأعقاب السجائر، وجِلد الكراسي يكسوه الغبار. كانت العربة يستلقي فيها عددٌ قليل من الرجال اليائسين الذين قد خلَعوا أحذيتهم، وتتدلَّى حمَّالات سراويلهم على ظهورهم. مَنظرهم ذكَّر كلود بأن قدمه اليسرى تؤلمه بشدة، وأن حذاءه لا بد أنه كان يجرح قدمَيه منذ مدة. خلع حذاءه ورمى قدمَيه، ذواتَي الجورب الحريري، على المَقعد المُقابل.

في هذه الرحلة الطويلة المليئة بالغبار وغير المُريحة، اختلج صدرُ كلود بعدةِ مشاعر، ولكنَّ الشعور الطاغيَ كان هو الحنينَ إلى المنزل. جرحُه كان من النوع الذي يدفعه إلى نوع من الحنين المؤلم إلى الأشياء القديمة المعتادة المؤكدة مثل شروق الشمس. تمنَّى لو يتبدَّد السهل العُشبي الذي كانت تتلألأ فوقه النجوم، ويتحوَّل إلى تعرُّجات لافلي كريك التي يوجد معها منزلُ والده على التلِّ المُظلِم والصامت في ليالي الصيف! عندما كان يُغلق عينَيه، كان بإمكانه أن يرى الضوء في نافذة والدته، وتحته وهجُ مصباح ماهيلي حيث تجلس خافضةً رأسها وهي تُصلِح قمصانه القديمة. قال لنفسه الحبُّ البشري شيءٌ رائع، ويصبح أروَع عندما لا ينتظر المحب تحقيقَ مَكسب شخصي.

لما أشرق الصبح، تلاشت عاصفة الغضب والإحباط والشعور بالخزي التي كانت تَغلي في صدره لما جلس لأول مرة في عربة مُشاهدة المعالم. بقيَ شيءٌ واحد؛ نبرة صوت زوجته غير المُبالية وغير المُكترِثة على نحوٍ غريب لما أبعدَته من المقصورة. كانت عبارةً عن النبرة الرتيبة التي يُدلي بها الناس تعليقاتٍ عادية عن الأشياء العادية.

أشرَق نور الصباح ببهائه الفِضي على نباتات المريمية الصيفية. تحوَّل لون السماء إلى اللَّون الوردي والرمال إلى اللَّون الذهبي. حمل نسيمُ الفَجر رائحة نباتات المريمية النفَّاذة، وأدخلها من النوافذ؛ تلك الرائحة التي تكون مُنعِشةً على نحوٍ خاص في الصباح الباكر، وتُبشِّر دائمًا بيومٍ جديد من الحرية والمساحات الكبيرة والبدايات الجديدة والأيام الأفضل.

كان من المُفترَض أن يصل القطار إلى دنفر في الساعة الثامنة. في تمام السابعة والنصف، طرَق كلود الباب على إنيد، ولكن هذه المرة بقوة. كانت حينها قد ارتدَت ملابسها واستقبلته بوجهٍ مُنتعِش ومُبتسِم، وهي تُمسِك قبعتها في يدها.

سأل: «هل تحسَّنتِ؟»

«أوه، نعم! إنني بخير حالٍ هذا الصباح. أخرجت لك كل أغراضك، هناك على هذا المقعد.»

نظر إلى أغراضه. «شكرًا لكِ. ولكن أخشى أنني لا أملكُ الوقت لتغيير ملابسي.»

«أوه، حقًّا؟ أنا آسفة لأنني نسيتُ أن أعطيَك حقيبتك ليلة أمس. ولكن يجب أن تُغير ربطة عنقك على الأقل. يبدو عليك بشدةٍ أنك مُتزوِّج لتوِّك.»

لوى شفتَه على نحوٍ لا يكاد يكون مرئيًّا، وسأل: «حقًّا؟»

كان كلُّ شيء يحتاج إليه مُرتَّبًا بعناية على المقعد الفاخر؛ القميص، والياقة، وربطة العنق، والفرشات، وحتى المنديل. أصبحت المناديل الموجودة في جيوبه سوداءَ من مسح الرماد الذي ظل يتناثرُ عليه طوال الليل؛ ومن ثَم رماها وأخذ المنديل الجديد. وجد بُقعةً رطبةً فيه، وعندما بسطَه تعرَّف على رائحةِ عطر كانت تستخدمه إنيد كثيرًا. ولسببٍ ما، تلاشى انزعاجه بعد هذا الاهتمام. شعَر باختناق الدموع في عينَيه، ولكي يُخفيَ ذلك، انحنى على الحوض المعدني وبدأ يغسل وجهه. وقفت إنيد خلفه تضبط قبعتَها في المرآة.

«يا لفظاعة رائحة الدخان التي تفوح منك يا كلود. أرجو أنك لم تُدخن قبل الإفطار؟»

«كلا. ظلِلتُ في عربة التدخين مدةً. أظنُّ أنَّ ملابسي تشبَّعَت برائحة الدخان.»

«أنت مغطًّى بالتراب والرماد أيضًا!» أخذت فرشاة الملابس من الرف، وبدأت تُنظف ملابسه بها.

أمسك كلود يدها. وقال بحِدَّة: «أرجوكِ لا تفعلي! يمكن لعامل القطار أن يفعل ذلك لي.»

راقبتْه إنيد خفيةً وهو يُغلِق حقيبته ويحزمها. كثيرًا ما سمعت أن الرجال يغضبون قبل الإفطار.

سأل قبل أن يُغلق حقيبتها: «هل أنتِ مُتأكِّدة من أنك لم تنسي شيئًا؟»

«نعم. لم يسبق أن نسيتُ شيئًا في القطار، هل سبق لك ذلك؟»

ردَّ بحذر: «أحيانًا»، ولم ينظر إليها وهو يفتح المِزلاج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢