الكتاب الثالث

شروق الشمس في البراري

١

نوى كلود أن يستمرَّ في الزراعة مع والده؛ وبعد عودته من رحلة الزواج، انغمس في العمل من فوره. كان المحصول وفيرًا تقريبًا مثل الصيف السابق، وكان ينهمك في العمل ستة أيام في الأسبوع.

في عصر أحَد أيام شهر أغسطس، رجع إلى المنزل مع فريق الخيل الخاص به، ثم سقاه وأطعمَه على مهَل، ودخل بعد ذلك المنزل من الباب الخلفي. كان يعلم أن إنيد ليست في المنزل. لقد ذهبت إلى فرانكفورت من أجل اجتماع لجمعية حظر الحانات. كثَّف حزب حظر الكحوليات نشاطَه في نبراسكا ذلك الصيف، وكان واثقًا من أنه سيجري التصويت لصالح منع الكحوليات في الولاية في العام التالي، وهو ما نجح في تحقيقه باقتدار.

كان مطبخ إنيد الذي كانت تغمره شمسُ العصر يلمع بالدهان الجديد، ومشمع الأرضية الذي لا بُقَع فيه، وأواني الطهي ذات اللونَين الأزرق والأبيض. في غُرفة الطعام وُضِع مِفرش المائدة، وكانت المائدة مُعَدَّة بعناية لفردٍ واحد. فتح كلود صندوقَ الثلج الذي نُظِّم له فيه عشاؤه، الذي كان عبارة عن طبق من السلمون المُعلَّب، ومعه صلصةٌ بيضاء، وبيضٌ مسلوق مُقشَّر موضوعٌ وسط بعض أوراق الخس، ووعاء من الطماطم الناضجة، وقطعة من بودينج الأرز البارد، وقشدة وزبدة. وضع هذه المأكولات على المائدة وقطع بعض الخبز؛ وبعدما غسل وجهه ويدَيه بلا عناية، جلس ليتناولَ الطعام بقميص العمل. أسند الجريدة على إبريقِ مياهٍ زجاجي أحمر، وقرأ أخبار الحرب وهو يتناول عَشاءه. تضايق لما سمع خُطًى ثقيلة تقترب من المنزل. أدخل ليونارد دوسن رأسَه من باب المطبخ، ونهض كلود مُسرِعًا وأخذ قبعته، ولكن دخل ليونارد من دون دعوة وجلس. كان قميصه البُنِّي مُبلَّلًا في موضع الْتقاء حمَّالتَيه بكتفَيه؛ ووجهه، الذي كان تحت قبعة من القش لم يخلعها، لم يكن حليقًا، وكان الغبار يَكْسوه.

صاح: «اذهب وأكمِلْ عَشاءك. الزواج بامرأة لديها سيارة لا يختلف مطلقًا عن عدم الزواج. عَجبًا لحبِّ التسكُّع لديهن! لاقيت لومًا شديدًا لأنني أحرص على ألَّا تتعلم سوزي القيادةَ مطلقًا. اسمعني يا كلود، متى في اعتقادك ستسمحون لي باستخدام آلة الدرس؟ سيَبدأ قمحي في الإنبات في الحزم في وقتٍ قريب للغاية. هل تعتقد أن والدك على استعداد للعمل في يوم الأحد — إذا ساعدتكم — بحيث يسمح بإقراضي الآلةَ في اليوم السابق؟»

«أظن أنه غيرُ مستعدٍّ لذلك. لن تُحبَّ أمي ذلك. لم نفعل هذا من قبلُ حتى في أيام ذروة العمل.»

«حسنًا، أظن أنني سأزور والدتك وأتحدَّث معها. إذا ما عرَفت حال حُزَم القمح لديَّ، فربما أستطيع إقناعها أن الأمر أشبهُ بوقوع ثور جارك في حفرة يوم السبت.»

«هذه فكرةٌ جيدة. إنها تُفكر دائمًا بعقلانية.»

نهض ليونارد. «ما الأخبار؟»

«نسَف الألمان سفينةَ رُكاب إنجليزية، تُسمى «ذي أربيك»، كانت في طريقها إلى هنا.»

ردَّ ليونارد: «حسنٌ إذَن. ربما سيَمكث الأمريكيون في منازلهم الآن ويُفكرون في شئونهم الخاصة. لا يُهمُّني كيف سيُدمِّر كلٌّ منهما الآخرَ هناك ولو بمقدارٍ ضئيل! أتمنَّى أن يختفيَ الطرفان من الخريطة.»

«كان أجدادك من الإنجليز، أليس كذلك؟»

«كان هذا منذ مدةٍ طويلة. نعم، كانت جدتي ترتدي قبعةً وتمتلك شعرًا قصيرًا أبيض اللون، وأخبرت سوزي أن لا مشكلة لديَّ إذا تبيَّن أن الطفلة ورثَت بشرةَ جَدتي. فبشَرتُها أنعَمُ بَشرة رأيتها في حياتي.»

لما خرَجا من الباب الخلفي، ركضت مجموعةٌ من الدجاج الأبيض ذي العُرف الأحمر صاخبةً باتجاههما. إنها الساعة التي كان يوضع الغِذاء للدجاج فيها عادةً. وقف ليونارد لينظر إليها بإعجاب. «لديك مجموعةٌ جيدة من الدجاج. دائمًا ما أحب دجاج الليجهورن الأبيض. أين ذهبت الدِّيَكة؟»

«لدينا ديكٌ واحد فقط. إنه محبوس في الحظيرة. تقبع الدجاجات الحاضنة فوق بيضها. ستُجرِّب إنيد تربية الأفراخ في الشتاء.»

«ديكٌ واحد فقط؟ وهل لي أن أسأل ما الذي تفعله تلك الدجاجات؟»

ضحك كلود. «إنها تضعُ البيض بالطريقة نفسِها، بل على نحوٍ أفضل. إن البيض المُلقَّح يفسد في الجو الدافئ.»

بدا أن تلك المعلومة أغضبت ليونارد. فانفجر غاضبًا: «لم أسمع عن هذا الهُراء اللعين من قبل. أنا أُربِّي الدجاج بالطريقة الطبيعية، وإلا فلن أُربِّي الدجاج مطلقًا.» وقفز إلى سيارته خشيةَ أن يتفوَّه بالمزيد.

لما وصل إلى المنزل، وجد زوجته تضع العشاء، وكانت الطفلة الرضيعة تجلس بالقرب منها في عربة الأطفال الخاصة بها، وتلعب بخشخيشة. رفع ليونارد — بقذارته وعرَقه — الرضيعة النظيفة، وبدأ يُقبِّلها ويشتمُّها ويفرك ذقنه المُلتصِقة به بقايا الزرع في ثنايا رقبتها الناعمة. كانت الطفلة الصغيرة مُهتاجةً من الفرح.

نادت سوزي وهي عند الموقد: «اذهب واغتسِل من أجل العشاء يا لين.» وضع الطفلة في عربتها، وبدأ يغتسل في حوض القصدير، ويتحدث وهو مُغمَض العينَين.

«سوزي، أنا في مِزاجٍ سيئ للغاية. لا أستطيع تحمُّل زوجة كلود اللعينة تلك!»

كانت تُخرج عيدانَ ذرة مشوية من وعاءٍ حديدي كبير، ونظرت لأعلى من وسط البخار. «عَجبًا، هل رأيتها؟ استمعت خِلسةً إلى مكالمةٍ هاتفية لها صباحَ اليوم، وسمعتها تُخبر بايليس أنها ستبقى في المدينة حتى وقتٍ مُتأخِّر.» رد: «أوه، نعم! لقد ذهبَت هي بالفعل إلى المدينة، وها هو هناك يتناول عشاءً باردًا بمفرده. تلك المرأة مُتعصِّبة. إنها لا تكتفي بتحريم الأشياء على البشر، بل بدأت تُمارِس ذلك على الدجاج الآن.» لما وضع الكراسيَّ ودحرج عربة الطفلة بالقرب من الطاولة، شرح لزوجته طريقة إنيد في تربية الدجاج. قالت إنها حقًّا لا ترى بأسًا في ذلك.

«الآن اصدُقيني القولَ يا سوزي، هل علمتِ من قبلُ أن الدجاج يمكن أن يستمرَّ في وضع البيض من دون ديك؟»

«كلا، لم أسمع عن شيء كهذا، ولكني نشأتُ بالطريقة التقليدية. تمتلك إنيد كتبًا عن تربية الدواجن وكتبًا عن البستنة، وما شابَه من الأشياء. لا ريب أنها تحصل على أفكارٍ جيدة منها. ولكن على أي حال، كُنْ حريصًا. إنها أقربُ الجيران لنا، ولا أريد مشكلات معها.»

«سأبتعدُ عن طريقها إذَن. إذا حاولت تنفيذ أي أعمال تبشيرية بين دجاجاتي، فسأُخبرها ببعض الحقائق المنزلية التي لا يستطيع زوجها إخبارَها بها. في رأيي، إنها جعلت ذلك الفتى يخضع لآرائها.»

اعترفَت سوزي، وهي تملأ طبقَ زوجها ثانيةً: «والآن يا لين، أنت تعلم أنها لن تُزعِج دجاجاتك. لذا، فالْزَم الصمت. ولكن يبدو أن كلود قد بدأ يتجنَّب الناسَ نوعًا ما. تقول السيدة جو هافل إن إرنست لم يَعُد يذهب إلى كلود. يبدو أن إنيد ذهبَت إلى هناك، وأرادت من إرنست أن يُلصِق على جدار إصطبله بعضَ مُلصَقات لدعم حظر الكحوليات التي تتحدث عن وجود خمسة عشر مليون مُعاقِر للخمر في المنطقة؛ وذلك حتى يكون قدوةً للبوهيميِّين. قالت السيدة هافل إن إرنست لم يكن ليفعل هذا، وأخبر إنيد أنه سيُصوِّت من أجل بقاء الحانات؛ ولذا غضبَت منه غضبًا شديدًا. أحزَنُ بشدة عندما أتذكَّر الوقت الذي كانا فيه صديقَين حميمين. اعتدتُ أن أراهما معًا.» تحدَّثت سوزي بلطفٍ شديد جعَل زوجها يرمقها بنظرةٍ سريعة تنمُّ عن عاطفةٍ خجلة.

«هل تظنِّين أن كلود سرَّته زيارةُ ذلك القس لهما قبل مرور شهرَين على زواجهما؟ هل سرَّه جلوسُه في الشُّرفة الأمامية بربطة عنقه البيضاء كلَّ يوم بينما كان كلود بالخارج يحصد القمح؟»

كانت سوزي مُعتادةً على النظر إلى الجانب المُشرِق من الأشياء؛ ومن ثَم قالت: «حسنًا، على أي حال، أظن أن كلود توفَّر لديه طعامٌ أكثر لما كان يمكث القس ويلدون في المنزل. لن يطعم القساوسة بِناءً على حساب السُّعرات الحرارية، أو أيًّا كان ما تُسميه إنيد. تحتفظ زوجة كلود بمطبخٍ رائع، ولكن يُمكنني فعلُ ذلك أيضًا، إذا لم أطبخ كثيرًا مثلها.»

رمَقها ليونارد بنظرةٍ ذات معنًى. «لا أظنُّ أنك ستعيشين مع رجل يُمكنه أن يعيش على الأطعمة المُعلَّبة.»

«نعم، لا أعتقد أن هذا سيَحدث لي.» دفعَت العربة تجاهه. «خُذها، أيها الأب. إنها تريد اللعب معك.»

وضع ليونارد الطفلة على كتفه وحمَلها كي يُريَها الخنازير. ظلَّت سوزي تضحك مع نفسها، بينما كانت ترفع الأطباق عن الطاولة وتغسلها؛ لقد سرَّها بشدةٍ ما قاله لها زوجها.

في وقتٍ مُتأخر من ذلك المساء لما ذهب ليونارد إلى الحظيرة كي يطمئنَّ أن كل شيء على ما يُرام قبل الخلود إلى النوم، لمح شيئًا أسوَد يمشي بطول الطريق السريع تحت ضوء القمر، بضوءٍ أحمر يُومض في الخلف. نادى على سوزي كي تأتيَ إلى الباب.

«انظري، إنها على الطريق؛ ها هي عائدة للمنزل كي تُخبر كلود بنجاح الاجتماع. ألن تكونَ هذه طريقةً لطيفة لدخولِ زوجةٍ مثلها؟»

«ليونارد، ما دام كلود يُعجبه ذلك …»

اعتدل ليونارد الضخم في وقفته وقال: «يُعجبه؟ ما الذي يمكنه أن يفعله هذا الفتى البائس؟ إنه مغلوبٌ على أمره!»

٢

بعدما تركه ليونارد، رفع كلود بقايا العشاء، وسقى معترشةَ اليقطين قبل أن يذهب إلى الحلب. لم تكن معترشةَ يقطين على الإطلاق، ولكن قرع صيفي من النوع المُلتوي الرقبة، المليء بالثآليل، البرتقالي اللون، وقد أصبح مُمتلئًا الآن بالقرع الناضج المُعلَّق من خلال السيقان القوية بين الأوراق الخضراء الخشنة ونباتات المحلاق الشائكة. شاهَد كلود نموَّها السريع وتفتُّح براعمها الصفراء، وشعَر بالامتنان لشيءٍ حقَّق بإخلاصٍ الهدفَ المرجوَّ منه. كان يُكنُّ الشعور نفسَه لبقرته الصغيرة الجيرزي التي كانت تعود إلى المنزل كلَّ يوم مُمتلئةَ الضروع، وتُعطيه حليبها عن طِيبِ خاطر، وتُبقي ذيلها بعيدًا عن وجهه؛ وهذا الفعل لا يخرج إلا من بقرةٍ سهلة الانقياد.

انتهى من الحلب، وجلس في الشُّرفة الأمامية، وأشعل سيجارًا. بينما كان يُدخن، لم يُفكر في شيء إلا في الجوِّ الهادئ ذي البرودة اللطيفة، ومدى حلاوة الجلوس ساكنًا. كان القمرُ يسبح فوق حقول القمح العارية، كبيرًا وساحرًا مثلَ زهرةٍ كبيرة. بعد مدةٍ وجيزة، أخذ بعضَ مناشف الاستحمام، وعبَر الفِناء إلى طاحونة الهواء، وخلع ملابسَه وقفز في حوض المياه القصديري المُخصَّص للخيول. كانت المياه دافئة بفضل أشعَّة الشمس التي تتخلَّلها طوالَ وقتِ ما بعد الظهيرة، ولم تكن أبرَد كثيرًا من جسمه. تمدَّد في الحوض، ووضع رأسه على الحافة المَعدِنية، واستلقى على ظهره، وأخذ ينظر لأعلى إلى القمر. كان لون السماء أزرقَ داكنًا مثل المياه الزرقاء العميقة الدافئة، وبدا القمر كأنه يرقد فيها مثل زَنْبقة الماء التي تطفو للأمام بفعلِ تيَّارٍ غير مرئي. كان المرءُ يتوقَّع أن يرى بَتَلاتها الكبيرةَ مفتوحةً.

لسبَب أو لآخَر، بدأ كلود يُفكر في الأزمان والبُلدان السحيقة التي تألَّق في سماها. لم يعتقد قطُّ أن الشمس قادمةٌ من أراضٍ بعيدة، أو أنها شاركت في حياة الإنسان في عصورٍ أخرى. ففي نظره، كانت الشمس تدور حول حقول القمح. ولكن القمر بطريقةٍ ما أتى من الماضي السحيق ودفَعه إلى التفكير في مصر والفراعنة، وفي بابل والحدائق المُعلَّقة. يبدو أنها أطلَّت، على وجه الخصوص، فوق حماقات البشر وخَيباتهم؛ على مساكن العبيد في العصور القديمة ونوافذ السجون والقلاع التي يُعذَّب فيها الأسرى.

داخل الأحياء أيضًا، كان هناك أسرى يُعذَّبون. نعم، بداخل الناس الذين تُظلُّهم الشمس في مَشيهم وعملهم، كان هناك أَسْرى يعيشون في الظلام ولا يُرَون قطُّ من الولادة حتى الممات. كان القمر يُطلُّ بضوئه داخل هذه السجون، ويزحف السجناء إلى النوافذ، وينظرون بالخارج بعيونهم التي يملؤها الحزن إلى الكرة البيضاء التي لا تُخفي أيَّ أسرار وتفهم كلَّ شيء. على الأرجح حتى فيمن يُشبِهون السيدة رويس وأخاه بايليس، كان يوجد بداخلهم شيءٌ من هذا القبيل، ولكن تلك كانت فكرةً مُخيفة. طرد الفكرةَ بحركةٍ سريعة من يده في الماء؛ وهو ما عكَّر صفوَها، وجعلها تلمعُ وتتراقص باللونَين الأسوَد والذهبي كأنها كائنٌ حيٌّ فوق صدره. كانت الروح المسجونة في أمه ظاهرةً للناس أكثرَ من ذاتها الجسدية. كثيرًا ما كان يشعر بهذا عندما كان يجلس معها في مثلِ هذا الليلة من ليالي الصيف. ماهيلي أيضًا كانت تمتلكُ واحدة، على الرغم من أن جدران سجنها كانت أشدَّ، وكذلك جلاديس فارمر. أوه، نعم، كم من الضروري أن تتحدَّث جلاديس عن ذلك إلى كاتمِ أسرارها؟! يحتاج أصحابُ الهِمم العالية إلى هذا الوصال؛ هؤلاء الذين تبلغ أمانيهم من الجمال مَبلغًا لا ترتقي إليه أيُّ تَجارِب في العالم. حتى أبناء القمر هؤلاء — بتطلعاتهم غير المُحقَّقة وأحلامهم العبثية — كانوا أرقى من أطفال الشمس. هذا المفهوم غمَر قلب الفتى كأنَّه بزوغُ قمرٍ ثانٍ للقمر، وتدفَّق في أوصاله قويًّا وغامضًا، بينما كان يرقد ساكنًا تمامًا خشيةَ أن يفقده.

في النهاية، وصَل الجسم المُكعَّب الأسوَد الذي لفَت انتباهَ ليونارد دوسن الغاضب، الذي كان يمشي ببطء على طول الطريق السريع. انتزع كلود ملابسَه ومناشفه ومن دون أن ينتظر استخدامَ أيٍّ منها، جرى بجسده الأبيض وسط الفِناء الأبيض الخالي. لما دخل المنزل وجد روب الحمَّام الخاصَّ به، وصَعِد إلى الشُّرفة العُلوية، وجلس على الأرجوحة الشبكية. وسُرعانَ ما سمع اسمه يُنادى عليه كأن المُناديَ يلفظه «كلُد». صَعِدت زوجته السلَّم وبحثَت عنه. كان يجلس ساكنًا وعيناه مُغمَضتان. ابتعدَت عنه. ولما ساد السكون مرةً أخرى، أطلَّ إلى القرية الساكنة والقمر في السماء ذات اللون النِّيلي الغامق. كان لا يزال إلهامه يتملَّكه؛ مما جعل جسده بالكامل حسَّاسًا مثل القوس المشدود الوتر. في الصباح نسيَ أو خَجِل من الأفكار التي راودَته في الليلة السابقة، وبدَت حقيقيَّة ونابعةً من داخله بشدة. وفي الغالب تَصالحَ مع فكرة أن الأفضل عدمُ التفكير في تلك الأشياء، وبالفعل تجنَّب التفكير فيها قدر المستطاع.

٣

بعد انتهاء العمل الشاق في الحصاد، فغالبًا ما كانت تُقنِع السيدة ويلر زوجَها بأن يأخذها إلى منزل كلود الجديد عندما كان يخرج بعربته. وتَسعد لأن إنيد لا تظلم صالتها مثلما كانت تفعل السيدة رويس. كانت الأبواب والنوافذ مفتوحةً دائمًا، والمعترشات وزهور البتونيا الطويلة في أُصصِ النافذة يُداعبها النسيم، والغُرف تملؤها أشعَّة الشمس، ومُرتَّبة ترتيبًا مثاليًّا. كانت إنيد ترتدي فساتينَ بيضاء في عملها وحِذاءً أبيضَ وجوربًا أبيض. وتتدبَّر شئون المنزل بسهولة وبطريقةٍ منهجية. في صباح يوم الإثنين، يُشغِّل كلود الغسالة قبل أن يذهب إلى العمل، وبحلول التاسعة تكون الملابس منشورةً على الحبل. كانت إنيد تُحب الكيَّ، ولم يسبق أن ارتدى كلود في حياته هذا الكَمَّ من القمصان النظيفة أو لبسها بهذا القدر من الرضا. أخبرته أنه ليس بحاجة إلى التوفير في قمصان العمل؛ فكيُّ ستة قمصان مثلُ كيِّ ثلاثة.

على الرغم من أن إنيد قطعت ما يَزيد على ألفَي ميل بالسيارة في غضون بضعة أشهُر دعمًا لقضية حظر الكحوليات، فإنه لا يمكن لأحدٍ اتهامُها بالإهمال في بيتها. أما إهمالها لزوجها فهذا يعتمد على تصور المرء لما يستحقُّه. لما كانت السيدة ويلر ترى حُسن إدارة منزلهما الصغير، وتُلاحظ الجمال والجاذبية اللذَين كانت تبدو عليهما إنيد عندما يزورهما أحد، كانت تتساءل عن سبب عدم شعور كلود بالسعادة. وكلود نفسُه كان يتساءل عن سبب شعوره بهذا. قال لنفسه إن أحبَطه زواجه في بعض الأمور، فينبغي أن يكون رجلًا، وأن يستفيد من الجانب الجيد فيه. إن لم تكن زوجته تحبُّه، فالسبب أنه يرى الحب بطريقة وهي تراه بطريقةٍ أخرى مختلفة تمامًا. كانت تفخر به، ويَسرُّها دخولُه عليها بعدما يأتي من العمل، كما كانت تحرص بشدة على راحته. تمقتُ إنيد بشدة فكرةَ احتضان الرجال؛ إذ ترى أنها شيء ابتُليَت به النساء مثل ألم الولادة؛ على الأرجح بسبب خطيئة حواء.

هذا النفور تعدى الجانبَ الجسدي؛ لقد كرهتُ الحماسة من أيِّ نوع، حتى الحماسة الدينية. كانت تحبُّ كلود قبل الزواج أكثرَ مما كانت تحبُّه الآن، ولكنها كانت ترجو إصلاح ذلك. ربما ستعود إلى حبه مرةً أخرى بالدرجة نفسِها في وقتٍ ما. حتى القس ويلدون ألمحَ لها بضرورة التعامل بلطفٍ مع الفتى؛ من أجل أن يَهنَآ بحياةٍ سعيدة. وكانت تظن أنها كانت تفعل ذلك. لم تستطع فَهْم حالات الصمت الكئيب التي كانت تتملَّكه، والملاحظات الساخرة والحادَّة التي كان يقولها أحيانًا، وانزعاجه الواضح إذا ذهبت إلى أرض الغابة المملوكة لوالده لتنضمَّ إليه، ويكون هو مستلقيًا هناك ساكنًا بين الحشائش الطويلة بعد ظهيرة يوم الأحد.

اعتاد كلود أن يستلقيَ هناك ويُشاهد السُّحبَ ويقول لنفسه: «هذه نهاية كل شيء بالنسبة إليَّ.» لا بد أن هناك آخَرين غيرَه تعرَّضوا للإحباط، وكان يتساءل إلى أي مدًى تحمَّلوا ذلك في حياتهم. كان كلود فتًى حسَن التصرف لأنه مثالي؛ كان يتطلَّع إلى أن يكون سعيدًا بشدة في الحب، وإلى أن يستحقَّ تلك السعادة. لم يتصوَّر قطُّ أن يكون الأمر غير ذلك.

في بعض الأحيان الآن، عندما كان يخرج إلى الحقول في صباح أحد أيام الصيف المُشرِقة، كان يبدو له أن الطبيعة لا تبتسمُ له ساخرةً فحسب، بل إنها كانت تضحك عليه بملء فيها. لقد جُرِح في كبريائه، بل حتى في مُثلِه العُليا وفي مفهومه الغامض لمعنى الجمال. كان بإمكان إنيد أن تُحوِّل حياته إلى جحيم من دون حتى أن تعرف. في تلك الأوقات، كان يكرهُ نفسه لأنه يتقبَّل معاملتها الطيبة معه التي يبدو أنها مُكرَهة عليها. كان يرى أن هناك شيئًا خطأً فيه.

كانت لا تزال هيئة إنيد جذَّابةً بالنسبة إليه. كان يتساءل لماذا لا تتوافق مشاعرها مع جمالها الطبيعي وخفَّة حركتها، مع الوضعيات الجسدية الناعمة شِبه المُتلهِّفة التي يجدها عليها أحيانًا عندما يُفاجئها. عندما كان يدخل عائدًا من العمل ويجدها جالسةً في الشُّرفة، مُسنِدةً ظهرها إلى عمود، ومشبكةً يدَيها حول ركبتَيها، وخافضةً رأسها قليلًا؛ يكاد لا يُصدق جفاف التعامل الذي يُصادفه من جانبها طوال الوقت. هل كان بداخله شيءٌ يُنفرها منه؟ هل الأمر خطؤه في النهاية؟

لاحَظ أن إنيد مُندمِجة مع والده أكثر من أي شخص آخَر. كان السيد ويلر يأتي لزيارتها على نحوٍ شِبه يومي، حتى إنه كان يأخذها معه في جولة بعربته. كان بايليس يأتي من المدينة كي يقضيَ المساء في منزل كلود في بعض الأحيان. كان يُحب عشاء إنيد النباتي؛ ولما كانت تعمل معه في حملة حظر الكحوليات، كانت تنعقد دائمًا بينهما مناقشاتُ عمل. كان يرى بايليس أن الكحوليات لها أضرارٌ اجتماعية إلى جانب أضرارها الصحية، وكان يكرهها بسبب المتعة التي تُعطيها أكثرَ من أضرارها الصحية. كان كلود يرفض باستمرارٍ المشاركةَ في الأنشطة التي تَعقدها جمعية حظر الحانات، أو توزيع ما يُسميه بايليس وإنيد «مطبوعاتنا».

في البُلدان الريفية، لا يُطلَق مصطلح «المطبوعات» إلا على أنواعٍ مُعيَّنة من المواد المطبوعة، مثل مطبوعات «حظر الكحوليات»، ومطبوعات الصحة الجنسية، ومطبوعات علاج الحوافر والفم، في وقتِ تفشِّي وباءٍ بين الماشية. لم ينزعج كلود من هذا الاستخدام المُحدَّد للمصطلح، ولكن انزعجت والدته منه نظرًا إلى أنها كانت مُعلمةً تقليدية.

لم تفهم إنيد سبب عدم مُبالاة زوجها بشأن قضيةٍ مُلحَّة كالتي تُدافع عنها، ولم يسَعْها إلا أن تنسب ردَّ فِعله إلى تأثير إرنست هافل عليه. في بعض الأحيان، طلبت من كلود أن يذهب معها إلى أحد اجتماعات الجمعية. لما كان يُعقَد الاجتماع في يوم الأحد، كان يتعذَّر بتعبه والرغبة في قراءة الجرائد. أما إذا عُقِد في أحد أيام العمل، فكان يتعذَّر بالعمل في الحظيرة أو أرض الغابة المملوكة لوالده. لقد أزال بالفعل بعضَ الغصون الميتة، وقطعَ شجرةً ذبَلَت بسبب البرق. في غير هذه الحالات، ما كان ليسمحَ لأحد بقطع أشجارٍ من هذه الأرض؛ إذ كان سيستميتُ في الدفاع عنها.

لقد كان يتَّخذ من هذه الأرض مَلجأً له. في البقاع العُشبية المفتوحة والمحاطة بأجَمات من أشجار الدردار الآخذةِ في الاصفرار، كان يشعر بأنه غيرُ مُتزوِّج وحر؛ كان له هناك مطلقُ الحرية في التدخين كيفما يشاء، وفي القراءة والحُلم. لو اطَّلعَت زوجته على بعض أحلامه لتجمَّد الدمُ في عروقها رعبًا، ولو اطَّلعَت أمُّه على بعضها لذابَ قلبُها شفقةً عليه. أفضَلُ ما كان يستطيع أن يفعله كلود هو أن ينام هناك تحت الشمس الحارَّة، وينظرَ إلى سماء الخريف الزرقاء الصافية، ويسمع حفيف الأوراق الجافَّة وهي تتساقط، وصوت السناجب الجريئة وهي تقفز من غصن إلى آخر، ويُطلق العِنان لخياله. كان يقول لنفسه إن أفكاره تخصُّه. إنه لم يعد صبيًّا. كان ينطلق إلى هذا المكان كي يُقابل شابًّا يتمتع بخبرة ويُثير الاهتمام أكثر منه، ولم يُلزم نفسه بأي تنازلات.

٤

من نافذتها في الطابق العُلوي، كان بإمكان السيدة ويلر أن ترى كلود وهو يغدو ويروح في الحقل الغربي وهو يَبذر بُذور القمح. كانت تشعر بالاشتياق إليه. لم يكن يأتي إلى المنزل كثيرًا. بدأت تتساءلُ إن كان من هؤلاء الذين لا تُفارقهم التعاسة، ولكن أيًّا كانت ماهيَّة إحباطاته، فإنه كان يحبسُها بين جنبات صدره. لا بد للمرء أن يتعلمَ من دروس الحياة. وعلى الرغم من ذلك، كانت تحزن قليلًا عندما تراه هادئًا وغيرَ مُبالٍ بشدة وهو لا يزال في الثالثة والعشرين من عمره.

بعد مشاهدته لبضع لحظات من النافذة، ذهبت إلى الهاتف واتصلت بمنزل كلود، وسألت إنيد إن كانت لا تُمانع في أن يتناول كلود الغداءَ معها أم لا. وأردفت: «أشعر بالوحدة أنا وماهيلي مع السفر المُتكرِّر للسيد ويلر.»

«ولمَ لا يا أمي، بالطبع لا أمانع.» كانت إنيد تتحدَّث بابتهاج كما كانت تفعل دائمًا. «هل لديك من تُرسلينه إليه كي يُخبره بهذا؟»

«أعتقد أنني سأذهب إليه بنفسي يا إنيد. إن الحقل ليس بعيدًا إذا أخذتُ وقتي في السير إليه.»

غادرت السيدة ويلر المنزل قُبَيل الظهر، وتوقَّفَت عند النُّهَير كي تستريح قبل أن تصعد التلَّ الطويل. عند حافة الحقل، جلست قُبالةَ ضفةٍ مُغطَّاة بالحشائش، وانتظرت حتى وصول الخيول وهي تسير بتثاقل باتجاه خطوط الأرض الطويلة. رآها كلود وأوقفَ الخيول.

صاح: «هل من خَطبٍ يا أمي؟»

«أوه كلا! سآخُذك كي تتناول الغداء معي، هذا كل ما في الأمر. لقد اتصلتُ بإنيد وتحدثت معها بشأن هذا الأمر.» فكَّ رباط الخيول، ونزل مع والدته من التل ومشَيا خلف الخيول. وعلى الرغم من أنهما لم يكونا بمفردهما على هذا النحو منذ مدةٍ طويلة، شعرت أنه من الأفضل عدمُ التحدث في مسائل شخصية.

«ذكَّرني أن أُعطيَك مقالًا يتحدث عن إعدام تلك الممرضة الإنجليزية.»

أجاب بفتور: «إيديث كافل؟ قرأت عن الموضوع. لا شيء يُثير الدهشة فيه. ما داموا أغرقوا سفينة لوسيتاينيا، فلن يُعجزهم إطلاقُ الرَّصاص على ممرضةٍ إنجليزية.»

تمتمَت والدته: «يُساورني شعورٌ أن هذه القضية مختلفة. إنها تُشبِه شنق جون براون. أتعجَّب من قدرتهم على إيجادِ جنود لتنفيذ الحكم.»

«أوه، أعتقد أن لديهم العديدَ من هؤلاء الجنود!»

نظرت إليه السيدة ويلر. «لا أعلم إلى متى يُمكن أن نظلَّ خارج الحرب، هل تعلم أنت؟ أظن أن جيشنا، حتى لو جرى إرساله، لن يكون له دورٌ كبير في الحرب. يقولون لنا إننا يمكن أن نكون مُفيدين أكثرَ بعملنا في الزراعة والصناعة مما لو شاركنا في الحرب. أرجو فقط ألا يكون هذا حديثَ حملات انتخابية. أنا لا أثقُ في الديمقراطيين.»

ضحك كلود. «عَجبًا، يا أمي، أظن أنه لا توجد مسائل حزبية في ذلك.»

هزَّت رأسها. «لم أجد حتى الآن أمرًا عامًّا لا ينطوي على مسائل حزبية. حسنًا، لا يسَعُنا إلا أن نقوم بواجبنا حسَب ما يُملى علينا ونثق في أن الرب سيجزينا خيرًا. سينتهي عملك في الخريف بهذا الحقل، أليس كذلك؟»

«بلى. سيتوفَّر لديَّ الوقت لإنجاز بعض الأعمال في المكان بعدها. سأبني مكانًا جيدًا لتخزين الثلج، وأُكدِّس منه الذي سأحتاج إليه لهذا الشتاء.»

«هل كنت تُفكر في السفر إلى لينكن لبعض الوقت؟»

«لا أظن ذلك.»

تنهَّدَت السيدة ويلر. كشفَت نبرتُه أنه أدار ظهرَه لمصادر بهجته القديمة وأصدقائه القدامى.

«هل حجزتَ أنت وإنيد تذاكرَ لحضور البرنامج التدريبي الذي يُعقَد في فرانكفورت؟»

أجاب وقد نَفِد صبرُه قليلًا: «أظن ذلك يا أمي. قلت لها إنها يمكنها حضورُه عندما تكون في المدينة يومًا ما.»

قالت والدتُه بمثابرة: «بالطبع، بعض البرامج ليست بالجودة المرجوَّة، ولكن ينبغي دعمها، وتحقيق أقصى استفادة مما يُتاح لنا.»

كان يعلم — وكذلك والدته — أنه ليس جيدًا جدًّا في هذا الأمر. توقَّفتْ خيوله عند خزَّان المياه. «لا تنتظرني. سألحقُ بك في غضون دقيقة.» ابتسم لما رأى ملامح الانزعاج على وجهها. «لا عليكِ يا أمي، يُمكنني دائمًا اكتشافك عندما تُحاولين الإيقاع بي. على أحدنا أن يكون ذكيًّا للغاية كي يخدعَ الآخر.»

نظرت إليه وعلى وجهها تلك الابتسامةُ التي تكاد تختفي معها عيناها. «أظن أنني كنت ذكيةً هذه المرة!»

قالت في نفسها، بينما كانت تُسرِع وتصعد التل، إنه لأمرٌ رائع أن تكون معه ثانيةً، وأن تجذب انتباهه حتى.

لما كان كلود يغتسل من أجل العشاء، دخلت إليه ماهيلي وفي يدها صفحةٌ من جريدة بها رسومٌ كاريكاتورية تُوضِّح وحشيَّة الألمان. بالنسبة إليها، كانت تلك الرسوم كلُّها صورًا فوتوغرافية؛ حيث إنها كانت لا تعرف طريقةً أخرى لصنع الصور غير ذلك.

سألت: «سيد كلود، كيف لهؤلاء الألمان أن يُصبحوا بهذه الصورة البشعة؟ عائلة يودر والألمان الذين يعيشون هنا ليسوا بذلك القبح.»

تلطَّف معها كلود وهو يُخمد حماستها. «ربما القبيحون هم من يُقاتلون، والقابعون في بيوتهم لطيفون، مثل جيراننا.»

تمتمَت بلطف: «إذَن لماذا لا يدَعون جنودهم يبقَون في بلدهم، ولا يُحطمون ممتلكات الآخرين، ويتسبَّبون في خروجهم من منازلهم؟ يقولون إن هناك أطفالًا وُلدوا وسطَ الثلوج الشتاءَ الماضي، ولا تمتلك أمهاتُهم نارًا للتدفئة ولا أي شيء آخر. في الحقيقة يا سيد كلود، لم يكن الأمر كذلك في حربنا؛ إذ لم يمسَّ الجنودُ النساء والأطفال. لقد امتلأ منزلنا أكثرَ من مرة بجنود من الشمال، ولم يحدث قطُّ أن حطَّموا أيًّا من أواني أمي الخزفية.»

«سنتحدث عن ذلك مرةً أخرى في وقتٍ آخر يا ماهيلي. يجب أن أتناول الغداء وأعود إلى العمل. إن لم نزرع القمح في مَوعده، فكما تعلمين لن يجد هؤلاء الذين في الحرب شيئًا يأكلونه.»

الجرائد ذات الصور كانت تعني الكثير لماهيلي؛ لأنها كانت تتذكَّر الحرب الأهلية بصعوبة. عندما كانت تنكبُّ على صور المعسكرات وساحات القتال والقُرى المدمَّرة، كانت توقظ فيها بعض الذكريات؛ سرايا المشاة التابعة لجيش «الاتحاد» المغبرَّة التي اعتادت أن تقف كي تشربَ من الينبوع الجبلي البارد الخاص بوالدتها. كانت تراهم وهم يخلعون أحذيتهم ويغسلون أقدامهم الدامية في تيَّار الماء. والدتها أعطَت قميصًا نظيفًا لجندي عانى بشدة من القمل، ولم تنسَ قطُّ مَنظر ظهره؛ إذ كان لحمه «أشبه بلحم البقر في الأماكن التي كان قد هرش فيها.» خمسة من إخوانها كانوا بين صفوف الجيش الكونفدرالي. عندما أُصيبَ أحدهم في معركة بول ران الثانية، اقترضت والدتُها عربةً وخيولًا، وقطعَت مسافة ثلاثة أيام إلى المستشفى الميداني، وأحضرَت الفتى إلى المنزل في الجبل. كان بإمكان ماهيلي أن تتذكَّر كيف أن أخواتها الكُبريات تبادَلْن الأدوارَ ليلَ نهار لصبِّ الماء البارد من الينبوع على ساقه التي أصابتها الغرغرينا. لم يتبقَّ أطباء في الجوار؛ ولما لم يستطع أحدٌ بَتْر ساق أخيها، مات ميتةً مؤلمة. كانت ماهيلي الشخصَ الوحيد في منزل ويلر التي رأت حربًا بأمِّ عينَيها، وكانت تشعر أن تلك الحقيقة تمنحها أفضليةً كبيرة.

٥

مرَّ على زواج كلود عامٌ ونصف العام. في صباح أحد أيام ديسمبر، تلقَّى رسالةً هاتفية من حَماه يطلب منه القدوم إلى فرانكفورت من فوره. وجد السيد رويس قابعًا في كرسيِّ مكتبه يُدخِّن كالمُعتاد، وأمامه العديد من الخطابات المُرسَلة من دولٍ أجنبية على المكتب. لما كان يُخرِجها من مظاريفها ويُفرِز الأوراق، لاحَظ كلود مدى ارتعاش يدَيه.

أحد الخطابات، الذي كان مُرسَلًا من رئيس الفريق الطبي في المدرسة التبشيرية التي تُدرِّس فيها كارولين رويس، كان يُعلِم السيد رويس بأن ابنته مريضة مرضًا شديدًا، وأنها ترقد الآن في المستشفى التبشيري. كان سيتعيَّن إرسالها إلى جزءٍ آخرَ من البلاد مُناسبٍ أكثرَ لصحتِها من أجل الراحة والعلاج، وما كانت لتستعيدَ صحتها بحيث تستطيع الرجوع إلى مهامِّ عملها قبل عام أو أكثر. وإذا استطاع أحدٌ من أفراد عائلتها أن يأتيَ كي يعتنيَ بها، فسيُزيل عن عاتق المسئولين في المدرسة حملًا ثقيلًا. وورد خطابٌ آخر من أحد المُعلِّمين وخطابٌ ثالث غيرُ مُترابِط من كارولين نفسِها. وبعدما انتهى كلود من قراءة الخطابات، دفع السيد رويس علبةَ السيجار نحوه، وبدأ يتحدَّث بيأسٍ عن بعثات التبشير.

قال شاكيًا: «يمكنني الذَّهاب إليها، ولكن ما الفائدة من ذلك؟ أنا لستُ مُتعاطفًا مع أفكارها، ولن أكسبَ سوى إزعاجها. أنت تعرف أنها عقَدَت النية على عدم الرجوع إلى الوطن. أُعارض فكرة محاولة أحد أن يفرض طريقة تفكيره أو دينه على غيره. لستُ من ذلك النوع من البشر.» وجلس ينظر إلى سيجاره. وبعد فترةِ صمتٍ طويلة، انفجَر فجأةً قائلًا: «سمعَت أُذناي كلمة الصين كثيرًا. يبدو أنه مكانٌ بعيد يمكن الذَّهاب إليه للبحث عن المتاعب، أليس كذلك؟ ليس للمرء تحكمٌ كبير في حياته يا كلود. إذا لم يتعذب بالفقر أو المرض، فإنه يتعذب بسبب بلد على الخريطة. كانت الأمور ستسير على ما يُرام لولا سفرُها إلى الصين ولولا بعضُ الأمور الأخرى … لو كان على كاري التدريس من أجل التكفُّل بملابسها والمساعدة في سداد ديوني مثل بنات هاريسون العجوز، لكان ذلك سببًا كافيًا لمُكوثها في الوطن. ولكن لا بد دائمًا أن يحدث شيء. لا أعلم هل أُرِي إنيد هذه الخطابات أم لا.»

«أوه، يجب أن تعرف بشأن هذه الخطابات يا سيد رويس. وإذا رأت ضرورةً في الذَّهاب إلى كاري، فلا يصحُّ أن أتدخَّل في الأمر.»

هزَّ السيد رويس رأسه. «لا أعلم. لا أرى أنه من العدل أن تتسبَّب الصين في تكديرِ صفوِ حياتك أنت أيضًا.»

لما وصل كلود إلى المنزل، قال وهو يُسلِّم إنيد الخطابات: «انزعج والدك انزعاجًا كبيرًا بسبب هذا الأمر. لم أُلاحظ عليه علامات التقدم في العمر كما لاحظتُها اليوم.»

أخذت إنيد تُطالع محتواها وهي تجلس على مكتبها الصغير المرتَّب، بينما تظاهر كلود بقراءة الجريدة.

لما انتهت قالت: «من الواضح أنني الشخص الذي يجب عليه الذَّهاب إلى هناك.»

«هل تعتقدين أنَّ على أحدٍ أن يُسافر إلى هناك؟ لا أرى ذلك ضروريًّا.»

ردَّت إنيد بحماسة: «عدمُ ذَهابِ أيٍّ منا سيبدو أمرًا غريبًا جدًّا.»

«كيف سيبدو كذلك؟»

«عجبًا، سيبدو الأمر لزملائها كأن عائلتها ليس عندهم قلب.»

«أوه، هل هذا كلُّ ما في الأمر؟!» ابتسم كلود ابتسامةً ماكرة، ورفع الجريدة مرةً أخرى. «لا أعرف كيف سيَرى الناس هنا سفرك وترْكَك لزوجك.»

«يا لوضاعة ما تقول يا كلود!» نهضت بحدَّة ثم تردَّدَت وتحيَّرت. «يعرفني الناس هنا جيدًا. يبدو لي أنك قلقٌ بشأن ما ستقوله والدتُك.» ولما لم يرفع نظرَه عن الجريدة، دخلَت هي إلى المطبخ.

جلس كلود ساكنًا يستمع إلى حركات إنيد السريعة وهي تشغل الموقد لتُحضر العشاء. بدأ الظلام يتسلَّل إلى الغرفة. في الخارج، تلاشت الحدود الفاصلة بين الحقول، وأصبحت كحقلٍ واحد مع حلول المساء. كانت الأشجار الصغيرة في الفِناء تنحني وتتمايل بشدة بسبب ريح شمالية قاسية. عادةً ما كان يعتقد زَهوًا أن الشتاء يختفي على أعتاب منزله؛ إذ كان يخلو المنزلُ من الأركان الباردة والصالات المُعرَّضة للهواء. لقد كان هذا هو عامَهما الثانيَ في هذا المكان. عندما كان يقود سيَّارته إلى منزل أبيه، كانت فكرةُ بُعدِه عن منزله لبعض الوقت تُثير إحساسًا بالبهجة بداخله، ولكنه كان لا يريد تركه الآن. كان هناك شيءٌ يلين بداخله. كان يتساءل هل من فرصة للمحاولة مرةً أخرى وتحسين الأوضاع بينهما أم لا. كانت إنيد تُغنِّي في المطبخ بصوتٍ خفيض ووحيد بعضَ الشيء. نهض وذهب لالتقاط مِعطف ودلو الحلب. لما مرَّ على زوجته بجوار النافذة، توقَّف ولفَّ ذراعه حولها على نحوٍ غريب.

نظرَت إليه. «هذا جيد. لقد بدأت تستحسنُ الأمر، أليس كذلك؟ كنت أعتقد أن هذا سيَحدُث. يا إلهي، يا له من مِعطفٍ كريهِ الرائحة يا كلود! يجب أن آتيَ لك بمِعطفٍ آخر.»

كان كلود يعرف تلك النبرة. وإنيد لا تشكُّ في صواب قراراتها البتَّة. لما تأخذ قرارها، فلا شيء يجعلها تَحيد عنه. مشى في الممرِّ المؤدي إلى الحظيرة ويداه في جيبَي سرواله، ودلوُه البرَّاق مُعلَّق على ذراعه. المحاولة مرة أخرى، فيمَ تُعاد المحاولة؟ هل يمكن أن يتخلَّصا من الرتابة، البخل العاطفي، الكذب …؟ حياته كانت تخنقه، ولم يمتلك الجرأة للفكاك منها. فلتذهب! فلتذهب حين تشاء! … يا لبشاعة العالم الذي نعيش فيه! أم إنه كان بشعًا بالنسبة إليه فقط؟ كل ما كانت تلمسه يده يفسد … دائمًا ما كان يحدث ذلك.

لما جلسا على مائدة العشاء في الصالة الخلفية بعد ساعة، بدَت إنيد مهمومةً كأن قرارها هذه المرةَ كلَّفها شيئًا ما. استهلَّت كلامها بابتهاج: «أعتقد أنك قد تقضي شتاءً مُريحًا في منزل والدتك. لن يكون لديك الكثيرُ لتهتمَّ به كما تفعل هنا. لا ينبغي أن نقلق بشأن الأشياء هنا. سآخذ الأوانيَ الفِضِّية إلى أمي، ويمكننا تركُ كل شيء في مكانه هنا. هل توجد مساحةٌ لسيَّارتي في مأرب والدك؟ قد تستفيد منها.»

أجاب وهو يُجاهد كي لا يُظهِر اهتمامَه: «أوه كلَّا! لن أحتاج إليها. سأركنها في منزل الطاحونة.»

بدَت جميع الأشياء المألوفة من حولهم تحت ضوء المصباح أكثرَ سكونًا وجدِّيةً من المعتاد، وكأنها كانت تحبس أنفاسها.

أردفت إنيد بنبرةٍ هادئة: «أعتقد أن الأفضل أن تأخذ الدجاج إلى منزل والدتك. ولكني لا أحب أن يختلط بدجاج البليمث روك الذي عندها؛ لا يوجد في دجاجي أيُّ ريش أسوَد الآن. احرص على أن تطلب من والدتك أن تستخدم كل البيض، وألا تدعَ دجاجي يرقد على البيض في الربيع.»

رفع كلود نظره عن طبقه. «في الربيع؟»

«بالطبع يا كلود. لا أظن أنني سأعود قبل الشتاء القادم، إن كان بإمكاني تقديمُ أيِّ مساعدة لكاري المسكينة. ربما أحاول أن أعود من أجل موسم الحصاد، إن كان هذا سيُناسبك أكثر.» نهضت كي تُحضر الحلوى.

تمتَم وهو ينظر إليها وهي آخذةٌ في الاختفاء من أمامه: «أوه، لا تتعجَّلي الرجوع من أجل إرضائي!»

عادت إنيد وفي يدها البودينج الساخن وعدةُ قهوة العشاء. قالت: «أتانا هذا الظرف فجأةً، ويجب أن نضع خُطَطنا المتعلقة به من فورنا. أعتقد أن والدتك ستسعد أن تُربِّي روز من أجلنا؛ إنها بقرةٌ رائعة. وعندئذٍ يمكنك الحصولُ على كل القشدة التي تريدها.»

أخذ الفنجان الصغير الذي له حافةٌ ذهبية الذي أعطته إياه. وقال بأسلوبٍ فظ: «إذا كنتِ ستمكثين هناك حتى الخريف القادم، فسأبيع روز.»

«ولكن لماذا؟ قد تستغرق وقتًا طويلًا حتى تعثر على بقرةٍ أخرى مثلها.»

«سأبيعها على أي حال. بالطبع الخيول مِلكٌ لأبي؛ فهو دفَع ثمنها. إذا كنت ستُخلين المكان، فقد يرغب في استئجاره. يمكن أن تجدي مُستأجرًا هنا عندما تعودين من الصين.» ابتلع كلود قهوته ووضع الفنجان جانبًا، ودخل إلى الصالة الأمامية وأشعل سيجارًا. ظل يروح ويجيء وعيناه لم تنزل عن زوجته التي كانت تجلس ساكنةً على الطاولة في دائرة الضوء التي يبثُّها المِصباحُ المُعلَّق. أظهَر رأسها الذي كان يميل إلى الأمام قليلًا الجزء المُنمَّق من شعرها البُنِّي. عندما كانت تقع في حيرة، لا يبرح وجهها أن يُصبح أرفع وذقنها أطول.

قال كلود من الغُرفة الأخرى: «إن لم تعودي تهتمِّين بالمكان، فلا تتوقَّعي مني أن أحضر إلى هنا وأعتنيَ به. طوال الوقت الذي كنتِ تقضينه في حملاتك الخاصة بحظر الكحوليات، كنت أؤدِّي دور مُدبِّر المنزل هنا.»

ضاقت عَيْنا إنيد، ولكن لم تتورَّد وَجْنتاها. لم يسبق أن رأى كلود حُمرةً تعلو وجه زوجته الشاحب الناعم.

«لا تكن كالأطفال. أنت تعلم أنني أهتمُّ بهذا المكان لأنه بيتنا. ولكن لا يمكن لأي اهتمام أن يكون صحيحًا إذا منَعني من أداء الواجب. أنت بصحةٍ جيدة، ويمكنك الذَّهاب إلى منزل والدتك. كاري مريضة وتعيش بين أناسٍ غرباء.»

بدأتْ تجمع الأطباق. انتفض كلود من فوره إلى النور ووقفَ أمامها. «المسألة ليست مُتعلقة بسفرك فحسب. أنت تعلمين ما هي مشكلتي مع الأمر. مشكلتي هي رغبتك في السفر. أنت تسعَدين بفرصة الوجود وسط هؤلاء الوعاظ، بزيفهم وكلامهم الناعم.»

رفعت إنيد الصينية. «إن كنت أسعَدُ بذلك، فلأنك لا ترغب في أن نُطبق المُثل المسيحيَّة في حياتنا. بداخلك شيء لا يتوقَّف طوال الوقت عن التمرد. ظهرت على الساحة العديدُ من المسائل المهمة منذ زواجنا، وأنت لم تُبالِ بها أو سخرتَ منها جميعًا. تريد أن تتبع حياةً أنانية تمامًا.»

خرجت من الغُرفة بحزم، وأغلقت الباب خلفها. لما عادت بعد فترة، لم تجد كلود فيها. لم ترَ قبعته ولا مِعطفه على المِشجب؛ لا بد أنه خرج بهدوءٍ من الباب الأمامي. جلست إنيد حتى الساعة الحادية عشرة ثم دخلَت كي تنام.

ولما خرجت من غُرفة نومها في الصباح، وجدت كلود نائمًا على الأريكة بملابسه وعليه مِعطفه. تملَّكتْها لحظةٌ من الرعب وانحنَت عليه، ولكنها لم تشمَّ أي رائحة خمر. بدأت تُحضر الإفطار وأخذت تتحرَّك بهدوء.

بمجرد أن عقَدَت إنيد النيةَ على السفر إلى أختها، لم تُضيِّع وقتًا. حجزت في باخرة وأرسلت برقيةً للمدرسة التبشيرية. غادرت فرانكفورت في الأسبوع الذي يسبق عيدَ الميلاد. أوصلها كلود ورالف إلى دنفر حتى ركِبَت قطارًا سريعًا عابرًا للقارَّات. لما عاد كلود إلى بلدته، انتقل إلى منزل والدته، وباع بقرته ودجاجه إلى ليونارد دوسن. لم يُغادر المزرعة إلا نادرًا كي يزورَ السيد رويس، وأصبح يتجنَّب رؤية جيرانه. شعَر أنهم كانوا يتناقشون في أموره الشخصية، وبالطبع هم كانوا يفعلون ذلك. كانوا يقولون إن آل رويس وآل ويلر لا يستطيعون التصرف مثل الآخرين، ولم تكن ثَمة فائدةٌ من محاولتهم القيامَ بذلك. إذا بنى كلود أفضلَ منزل في المنطقة، فمن الطبيعي ألا يعيش فيه. وإن تزوَّج فليس من المستغرَب أن تُسافر زوجته إلى الصين!

في أحد الأيام التي ظل الثلج يَهطِل فيها، ولم يكن يوجد أحدٌ في الجوار؛ أخذ كلود السيارة الكبيرة، وانطلق إلى منزله لقفله من أجل الشتاء ولإحضار الخضروات والفاكهة المُعلَّبة المُتبقِّية في القبو. وضعت إنيد أفضلَ بياضاتها في صندوقها الذي من خشب الأرز، ورتَّبت خزانات المطبخ والأوعيةَ الخزفية على نحوٍ دقيق قبل أن تنطلق في سفرها. بدأ في تغطية الكراسي المُنجَّدة والمراتب بالملاءات، ولفَّ السجاد، وأحكَم غلق النوافذ. بينما كان يعمل على إنهاء هذه المَهمَّة، تزايد خدَرُ يدَيه وإرهاقُهما، وأصبح قلبُه مثلَ قطعة من الثلج. كل هذه الأشياء التي اختارها بعناية، والتي كان يفخر بها بشدةٍ أصبحت الآن لا تعني له شيئًا، وكأنها مجموعةٌ من المعروضات المُكدَّسة في محلٍّ لبيع الأشياء المُستعمَلة.

كم أصبحَت هذه الأشياء كئيبةً وقبيحة في حدِّ ذاتها بعد أن اختفى الشعور الذي كان يجعلها تبدو غالية! حُطام حياة الإنسان كان أقلَّ قيمةً وأكثر قبحًا من الأشياء الميتة والمُتحلِّلة في الطبيعة. إنه مثل القمامة … الخردة … لم يستطع عقلُه أن يتصور أي شيء يفضح أو يدين هكذا كلَّ الأعمال المُحزنة والغريبة والمُتكررة باستمرار، التي تستمرُّ بها الحياة يومًا بعد يوم. إنها أعمالٌ ليس لها معنًى … لما نظر إلى الخارج ورأى المشهد المظلم في ظلِّ هطول الثلج الناعم، لم يستطع منْعَ نفسه من الاعتقاد من أنه سيكون من الأفضل كثيرًا إن استطاع أن ينام الناسُ مثلما تنام الحقول؛ بأن يلتحفوا بالثلج ويستيقظوا وقدِ الْتأمَت جُروحهم ونُسيَت خيباتُهم. تساءل في نفسه كيف سيُمكنه قضاءُ السنوات القادمة ما لم يستطع التخلصَ من الشعور الذي يُمرض روحه.

في النهاية، أغلق الباب ووضع المِفتاح في جيبه، وانطلق إلى أرض الغابة كي يُدخن سيجارًا ويودع المكان. هناك، ظل يتمشى بجِدية لأكثرَ من ساعة تحت الأشجار المُلتوية ذات أعشاش الطيور الفارغة بين تشعُّبات الجذوع. وفي كل مرة كان يصل فيها إلى فجوة في السياج، كان بإمكانه رؤيةُ المنزل الصغير وقد استسلم بخنوعٍ شديد للشعور بالوحدة. لم يعتقد أنه سيعيش في ذاك المنزل مرةً أخرى. على أي حال، ما كان سيضيع المالُ الذي أنفقه أبوه على المكان؛ سيكون بإمكانه دائمًا تأجيرُ المكان لمستأجرٍ ميسور الحال؛ لأنه كان سيحصل على منزلٍ مُريح. العديد من الفِتيان في البلدة كانوا يُخططون للزواج في غضون عام. لم يكن هناك خوفٌ على مستقبل المنزل. وماذا عنه؟ توقَّف عن المشي؛ تركَت قدَماه أثرًا غير مُحدَّد الهدف والملامح فوق الثلوج. انزعج لما رأى آثار أقدامه. ماذا كان هذا؛ ما خَطبُه؟ لماذا — على الأقل — لم يستطع التوقفَ عن التأثر بالأشياء وعن الأمل؟ ما الذي كان يمكن أن يأمُله الآن؟

سمع صوتًا ينمُّ عن بؤس؛ ولما نظر خلفه رأى قطة الحظيرة التي تُركت لتلتقطَ قوتها بنفسها. كانت واقفةً داخل السياج، ينفض فِراؤها الشديد السواد ندفَ الثلج وقد رفعَت إحدى قدمَيها، وأخذت تموء على نحوٍ بائس. ذهب كلود إليها وحملها.

«ماذا حدث يا بلاكي؟ هل قلَّت الفئران في الحظيرة؟ ستقول ماهيلي إنك شؤم. ربما هي على صواب، ولكن أنت ليس بيدك شيء، أليس كذلك؟» انسلَّت إلى جيب مِعطفه. ولاحقًا، بينما كان يدخل إلى سيارته، حاوَل إخراجها من جيبه ووضَعها في سلة، ولكنها تشبَّثَت بمأواها في جيبه، وغرست مَخالبها في البطانة. ضحك. وقال: «حسنًا، إن كنت نذيرَ شؤم، فأظن أنكِ ستمكثين معي دومًا!»

نظرت إليه بعينَيها الصفراوين المُتحيرتين ولم تَمُؤ حتى.

٦

خشيَت السيدة ويلر ألا يشعرَ كلود بالراحة في بيته القديم بعدما أصبح له منزلُه الخاص. وضعت أفضلَ كرسي هزَّاز ومِصباحِ قراءة في غُرفة نومه. غالبًا ما كان يقضي كل المساء في غرفته واضعًا يدَيه فوق عينَيه ويتظاهر بالقراءة. عندما كان يمكث في الطابق السفلي بعد العشاء، كانت والدته وماهيلي تشعران بالامتنان. بالإضافة إلى جمع صور الحرب، أصبحت ماهيلي الآن تبحث بين المجلات القديمة في العُلِّية عن صور عن الصين. علَّمَت في التقويم الكبير المعلَّق في المطبخ على اليوم الذي كانت ستصل فيه إنيد إلى هونج كونج.

عندما كانت تقف عند الحوض لغسيل أطباق العشاء، كانت تقول: «سيد كلود، إنه لَوضَحُ النهار الآن في المكان الذي توجد فيه السيدة إنيد، أليس كذلك؟ لأن الأرض كروية، وبسبب وجود الشمس فهي مُشرِقة هناك عند شعوب البشرة الصفراء.»

من وقتٍ لآخر، عندما كانت تتشارك السيدة ويلر العملَ مع ماهيلي، فإنها كانت تخبر ماهيلي عمَّا تعرفه عن عادات الصينيين. لم تنشغل المرأة العجوز بأمرَين غير شخصيَّين في وقتٍ واحد من قبل، وكانت تعرف بصعوبةٍ ما ينبغي فِعله في تلك الحالة. كانت تُتمتم لكلود ولنفسها في الوقت نفسِه قائلةً: «لا توجد حربٌ في المكان الذي توجد فيه السيدة إنيد، أليس كذلك؟ ولن تُضطرَّ إلى ارتداء ملابسهم لأنها امرأةٌ بيضاء. ولن تدَعهم يَئِدون بناتهم ولا يرتكبون هذه الأفعال الشنيعة التي دأبوا عليها، كذلك لن تدَعَهم يُصلُّون لأصنامهم لأنها لا تنفعهم ولا تضرهم. أنا أحترم السيدة إنيد لأنها تعمل الأعمال الصالحة طوال الوقت.»

ولكن خلف هذه المونولوجات الدبلوماسية، كان لدى ماهيلي أفكارُها الخاصة، وقد صُدمت بشدة بسبب سفر إنيد. خشيَت أن يقول الناس إن زوجة كلود قد «هربت وتركته»، وفي جبال فيرجينيا التي تشكَّلَت فيها معاييرها الاجتماعية، يُصبح الزوج أو الزوجة اللذان تفرَّقا هكذا محطَّ سخرية كبيرة. وفي إحدى المرَّات أوقفَت السيدة ويلر في ركنٍ مُظلِم من القبو، وهمست إليها قائلةً: «زوجة السيد كلود لن تمكثَ هناك مثل أختها، أليس كذلك؟»

إذا صادَف أنْ وُجد أحد أبناء آل يودر أو سوزي دوسن في بيت ويلر من أجل تناول العشاء، لا تبرح ماهيلي تذكرُ اسم إنيد بصوتٍ عالٍ. «زوجة السيد كلود تقطع البطاطس وهي نيئة في المِقلاة وتَقْليها. إنها لا تغليها أولًا مثلما أفعل. أعلم أنها طبَّاخةٌ ماهرة، أعلم أنها كذلك.» كانت تشعر أن ذِكر اسم الزوجة الغائبة بالخير يُلطف الأجواء.

أصبح إرنست هافل يزور كلود الآن، ولكن ليس كثيرًا. شعَر كلاهما أنه لا يليق تجديدُ الصداقة الحميمة القديمة. كان لا يزال إرنست يشعر بالحزن لعدم قدرته على تناول الجِعة التي كان يحبُّها، وكأنَّ إنيد انتزعت الإبريق من شفتَيه بالإجراء الذي أسهمَت في إقراره. كان يعتقد — مثل ليونارد — أن كلود خَسِر بزواجه، ولكنه بدلًا من أن يشعر بالأسف تجاهَه أراد أن يراه قد اقتنع بذلك ويَلْقى عاقبةَ قراره. لما تزوَّج كلود إنيد نشز عن المبادئ الليبرالية؛ ومن ثَم كان عليه أن يدفع ثمن رِدَّته. لما أتى إرنست لأول مرة كي يقضيَ إحدى الأُمسيات في منزل آل ويلر بعد عودة كلود للعيش فيه، أخذ على عاتقه توضيحَ مُسوِّغات اعتراضه على مسألة حظر الكحوليات. هزَّ كلود كتفَيه تعبيرًا عن اللامُبالاة.

«هلَّا أنهَينا النِّقاش؟ بطريقةٍ أو بأخرى، إنها مسألة لا تُهمُّني.»

شعَر إرنست بالإهانة، ولم يُكرر الزيارة لمدة شهر تقريبًا؛ في الحقيقة لم يُكررها حتى إعلان ألمانيا أنها ستُكمِل حرب الغوَّاصات من دون قيد أو شرط؛ وهو ما دفع الجميعَ إلى النظر برِيبة إلى جاره.

دخل إلى مطبخ آل ويلر في الليلة التي تلَت وصولَ تلك الأخبار إلى البلدة الريفية، ووجد كلود وأُمه جالسَين على المائدة يقرأ كلٌّ منهما للآخَر من الجرائد بصوتٍ عالٍ أوقاتًا قصيرة. لم يكَد إرنست يجلس حتى رنَّ جرس الهاتف. ردَّ كلود على المكالمة.

لما وضع السماعة، قال: «إنه عاملُ الإبراق في فرانكفورت. أبلغني رسالةً من أبي أرسلَها من مدينة راي يقول فيها: «سأعود إلى المنزل بعد غدٍ. اقرَءوا الصحف.» ما الذي يَعنيه بذلك؟ ماذا يظن أننا نفعل؟»

«يعني أنه يظن أنَّ وضعنا بالغُ الخطورة. لا يُتوقَّع منه إرسال بَرقية إلا في الشدائد.» نهضت السيدة ويلر ومشَت إلى الهاتف بذهنٍ شارد، وكأنَّ بإمكانه أن يُفصح أكثر عن حالة زوجها المِزاجية.

«ولكن يا لها من رسالةٍ غريبة! إنها مُوجَّهة لكِ أيضًا يا أمي، وليس لي فحسب.»

«يعلم شعوري إزاءَ ذلك. بعض أهل والدك كانوا من مُعتادي ركوب البحر من بورتسمث. إنه يعلم ما يعنيه إخبار سُفُننا بالأماكن التي يُمكنها أو التي لا يمكنها الذَّهاب إليها عبر المحيط. لا يمكن أن تُوجِّه واشنطن هذه الإهانةَ لنا. التفكير بتلك الطريقة في هذا الوقت — من بين كل الأوقات — يستدعي أن تَئول إدارة البلاد إلى الديمقراطيين!»

ضحك كلود. «اجلسي يا أمي. انتظري يومًا أو يومَين. امنَحيهم وقتًا.»

قال إرنست بكآبة: «ستنتهي الحربُ قبل أن تستطيع واشنطن فِعلَ شيء يا سيدة ويلر، ستموت إنجلترا من الجوع وستُسحَق فرنسا وتُسوى بالأرض. سينزل كل الجيش الألماني على الجبهة الغربية الآن. ما الذي يمكن أن يفعله هذا البلد؟ في رأيك، كم يستغرق تكوين جيش؟»

توقَّفت السيدة ويلر للحظاتٍ عن مشيِها المُضطرِب، وتلاقت عيناها بنظرته الكئيبة. «لا أعلم شيئًا يا إرنست، ولكني أُومِن بالكتاب المُقدَّس. أُومِن أننا سنتغيَّر في طَرْفة عين!»

نظر إرنست إلى الأرض. كان يحترم الإيمان. وعلى حدِّ قوله، لا بد من احترام الإيمان أو احتقاره؛ لأنه لا يوجد شيءٌ ثالث يمكن فِعله.

جلس كلود متَّكئًا بمِرفقَيه على المائدة. «نعود دومًا إلى الموضوع ذاته يا أمي. حتى لو كان بإمكان جيش بدائي أن يفعل أيَّ شيء، فكيف يمكننا الوصولُ إلى هناك؟ ها هو أحد المسئولين من القوات البحرية يقول إن الألمان يُطلقون الغوَّاصات بمُعدَّل ثلاث غوَّاصات في اليوم. من المحتمل ألا ينطلقوا إلى هنا إلى أن يُصبح لديهم غواصاتٌ كافية للسيطرة على المحيط.»

«لا أدَّعي القول إننا يُمكننا تحقيقُ شيء يا بُنَي. ولكن يجب أن نتَّخذ موقفًا مُحدَّدًا، ولو من الناحية الأخلاقية. ما فتئوا يُخبروننا طوال الوقت أنه يُمكننا مساعدة قوات الحُلفاء خارج ميادين القتال أكثرَ من داخلها؛ لأنه يمكننا إرسالُ الذخائر والمؤن. إذا وافقنا على سحب تلك المساعدة، فماذا سيكون موقفنا؟ إننا بمساعدة ألمانيا نبدو طَوال الوقت كأننا نهتمُّ بمصلحتنا الخاصة! إن كان البديل الوحيد أمامنا هو الغرقَ في عمق البحر، فالأفضل أن نكون هناك!»

«أمي، اجلسي من فضلك! لا يمكننا حلُّ المسألة الليلة. لم أرَكِ مُنزعِجة بشدة إلى هذه الدرجة من قبل.»

«أبوك مُنزعِج بشدة هو الآخر، وإلا لما أرسل قطُّ تلك البرقية.» أخذت السيدة ويلر سلةَ أدوات الخياطة الخاصة بها على مضض، وتبادل الفتيان أطرافَ الحديث بروح الصداقة القديمة الهادئة.

لما غادَر إرنست، مشى كلود معه مسافةً بعيدة حتى وصل إلى منزل آل يودر، ثم عاد عبر الحقول التي يُغطيها ركامُ الثلوج تحت التألُّق البارد لنجوم الشتاء. لما كان ينظر إلى تلك النجوم، كان يشعر أكثر من أي وقت مضى أن لا بد أن يكون لها علاقةٌ بمصير الأمم، وبالأشياء غير المفهومة التي كانت تحدث في العالم. في هذا الكون المُنظَّم، لا بد من وجود عقل يمكنه حلُّ لغز هذا الكوكب غير السعيد، ويعلم ما كان يتشكَّل في الخسوف المُظلِم الذي كان يحدث في تلك الساعة. كان هناك سؤالٌ مُعلَّق في الهواء؛ فوق كل هذه الأرض الهادئة من حوله ومن فوقه، ومن فوق أُمه حتى. إنه كان يخاف على بلده، كما كان في تلك الليلة التي كان فيها على درَج مَبنى المجلس التشريعي في دنفر، في الوقت الذي كان لا يُتوقَّع فيه اندلاعُ هذه الحرب التي كانت مخفيَّةً في رحم الزمان.

لم ينتظر كلود وأُمه مدةً طويلة. بعد ثلاثة أيام، علِما أن سفير ألمانيا طُرِد واستُدعيَ السفير الأمريكي من برلين. في نظر كبار السن، مثل هذه الأحداث كانت مسائل مَحلَّ تفكير ونقاش، ولكن كان يراها الفِتية أمثال كلود مسائلَ حياة وموت؛ أي مصيرية.

٧

في صباح يوم عاصف، أخذ كلود العربةَ الكبيرة إلى المدينة لإحضار حمولة أخشاب. بدأ الجليد يذوبُ على الطُّرق، وتلطَّخَت القرية باللون الأسوَد، وبدا مَنظرُها متَّسخًا. كانت تقبع قشور الثلج الرمادية هنا وهناك على الطين الأسود، مثقبةً مثل قرص العسل، وتبرز من خلالها سيقانُ الأعشاب الرطبة. لما كانت العربة تُجلجِل على الأرض المرتفعة التي توجد فوق فرانكفورت تمامًا، لاحَظ كلود عَلمًا جديدًا لامعًا يُرفرف فوق قبَّة المدرسة. لم يسبق أنْ رأى العَلم من قبل، وكان يعني سِوى يوم الرابع من يوليو، أو تجمهرًا سياسيًّا. رأى العَلم اليوم كأنه يراه للمرة الأولى؛ لا تجمُّعات، لا ضوضاء، لا خُطباء؛ بقعة ذات ألوان مُضطربة تُرفرف في سماء مارس الماطرة.

حادَ عن طريقه من أجل أن يمرَّ بالمدرسة الثانوية، وأوقفَ الخيول، وانتظر عدة دقائق حتى دقَّ جرس الظهيرة. كان الأولاد والبنات الكبار يخرجون أولًا ومعهم حشدٌ من معاطف المطر والشماسي. بعد قليل، رأى جلاديس فارمر — لابسةً قبعة ومِعطفَ مطر مصنوعَين من المشمع، وكان المِعطف أصفر اللون — وأشار إليها. أتت إلى العربة.

قال وهو ينظر تجاه القبَّة: «أُحبُّ تلك الزينة.»

«إنه علَم من الحرير اشتراه الأولاد الذين في السنة النهائية من أموال المعونة الرياضية التي يحصلون عليها. نصحتُهم ألا يرفعوه في هذا المطر، ولكن أخبرني رائدُ الفصل أنهم اشترَوا ذلك العلَم من أجل العواصف.»

«اركبي وسآخذك إلى المنزل.»

أمسكَت بيده الممدودة، ووضعَت قدمها على محور العَجلة، وصَعِدت وتسلَّقَت حتى وصلت للمقعد الذي بجانبه. صاح كلود في الخيول كي تمشي.

«إذَن، يشعر الأولاد في المدرسة الثانوية كأنهم في حربٍ هذه الأيام، أليس كذلك؟»

«بشدة. ما رأيك؟»

«أعتقد أنَّ الفرصة ستُتاح أمامهم للتعبير عن مشاعرهم.»

«هل تظنُّ ذلك يا كلود؟ يبدو لي أن هذا غيرُ حقيقي إلى حدٍّ بعيد.»

«لا أرى شيئًا آخر يبدو حقيقيًّا جدًّا أيضًا. أنا ذاهبٌ لأخذ حمولة أخشاب، ولكن لا أتوقَّع بتاتًا أن أدقَّ مِسمارًا فيها. هذه الأشياء لا تهم الآن. لا يوجد سوى شيءٍ واحد علينا إنجازُه، ولا يهم سوى شيءٍ واحد؛ إننا جميعًا نعلم ما هو.»

«تشعر أنه يقترب كل يوم أكثر من ذي قبل؟»

«كل يوم.»

لم تردَّ جلاديس بشيء. لم تفعل سوى أنْ نظرت إليه بجِدية بعينَيها البُنِّيتَين الهادئتين الجيَّاشتَين بالعاطفة. توقَّفا أمام المنزل المُنخفض التي كانت نوافذه مُمتلئةً بالزهور. أمسكت بيده وقفزت على الأرض، وظلَّت مُمسكةً بها للحظات حتى ودَّعته. عاد كلود بالعربة إلى مخزن الأخشاب. في مكانٍ مثل فرانكفورت، فتًى زوجته في الصين ويذهب لرؤية جلاديس ما كان ليستطيع النجاة من القيل والقال.

٨

في شهر مارس البارد، كان السيد ويلر يذهب إلى المدينة في عربته كل يوم تقريبًا. لأول مرة في حياته، كان يشعر بقلقٍ خفي. لم يكن راضيًا عن الفرد الوحيد في عائلته الذي لم يُسبب له من قبلُ أدنى مشكلة، ألا وهو ابنه بايليس.

كان بايليس من دُعاة السلام، وما بَرِح يُخبر الناس أنْ لو بقيت الولايات المتحدة خارج الحرب، وجمَعَت ما كان يُهدره الأوروبيون، فسُرعانَ ما ستستحوذ فعليًّا على ثروة العالم. عبارات بايليس كان يتخلَّلها شيءٌ من المنطق زعزع افتراض نات ويلر الراسخ أن علينا قَبولَ كل وجهات النظر. لما حارَب بايليس الكحوليات والسجائر، اكتفى ويلر بالضحك. إن كون ابنه من أنصار حظر الكحوليات لهو مزحةٌ يمكن أن تُثير إعجابه. ولكن موقف بايليس في الأزمة الحالية أزعَجه. ويومًا بعد يوم، بدأ يجلس في مَقرِّ عمل ابنه يُقاطع مناقشاته بقصص مُضحِكة. لم يذهب بايليس إلى المنزل مطلقًا في ذلك الشهر. قال لوالده: «لن أذهب؛ فأمي عنيفة جدًّا. الأفضل ألا أذهب.»

كان كلود ووالدته يطَّلعان على الجرائد في المساء، ولكنهما كانا لا يتناقشان كثيرًا فيما كانا يقرآنه لدرجةِ أنْ تساءلَت ماهيلي قلقةً هل كان لا يزال القتال قائمًا أم لا. عندما تكون ماهيلي وكلود معًا بمفردهما بضع لحظات، فإنها كانت تُخرِج صورَ مَلاحق يوم الأحد الخاصة بالبُلدان المنكوبة وتسأله عمَّا سيكون مصير عائلة ما مصورة وسط أنقاض منزلها، أو امرأة عجوز كانت تجلس على قارعة الطريق ومعها متاعها. «إلى أين ستذهب، على أي حال؟ انظر يا سيد كلود، إنها تحمل معها إناء الطهي الحديديَّ المثقوب القديم الخاصَّ بها طوال الطريق!»

أربكَتها صورُ الجنود الذين يرتدُون الأقنعةَ الواقية من الغازات السامَّة، لم تكن الغازات موجودةً في أيام الحرب الأهلية؛ ومن ثَم توصَّلت إلى قناعةٍ مُفادها أن تلك الأقنعة كان يرتديها الطهاةُ في الجيش لحماية أعيُنهم وقت تقطيع البصل! قالت: «عليهم تقطيع كَمية كبيرة من البصل؛ وهذا سيُتعب أعيُنهم إن لم يرتدُوا شيئًا يقيها.»

في صباح الثامن من أبريل، نزل كلود إلى الطابق السفلي مُبكرًا، وبدأ في تنظيف حذائه العالي الرقبة الذي عَلِق فيه طينٌ جافٌّ. وجد ماهيلي جالسةً القرفصاءَ بجانب مَوقدها تنفخ وتنفثُ فيه. كانت النار دائمًا بطيئةَ الاشتعال في الطقس البارد. أخذ كلود سكينًا قديمة وفرشاة، ووضع قدمَه على كرسي بجانب النافذة الغربية، وبدأ في كشطِ الطين من إحدى فردتَي حذائه. قال لماهيلي صباح الخير، دون أن يُضيف أيَّ شيء آخر. لم يأخذ قسطًا كافيًا من النوم وبدا شاحبًا.

تذمَّرَت ماهيلي قائلةً: «سيد كلود، هذا الموقد ليست نيرانُه جيدةً مثل الفرن القديم الذي أخذه السيد رالف مني. لا أستطيع طهيَ أي شيء به. ربما ستُنظفه لي يوم الأحد القادم.»

«سأُنظفه لك اليوم، إذا أردتِ. لن أكون هنا الأحد القادم. أنا مسافر.»

شيء في نبرة صوته جعَل ماهيلي تنهض، وعيناها ترمشان بسبب الدخان، وترمقه بنظراتٍ حادَّة. سألت بقلق: «هل ستُسافر إلى حيث تعيش السيدة إنيد؟»

«كلا، يا ماهيلي.» وضع فرشاة الأحذية جانبًا، ووقف وإحدى قدمَيه على الكرسي ومِرفقه على ركبته، وأخذ ينظر من النافذة كأنه نسيَ نفسَه. «لا، لن أسافر إلى الصين. سأسافر للانضمام إلى الحرب ضد الألمان.»

كان لا يزال يُحدِّق للخارج في الحقول الرطبة. وقبل أن يكون بإمكانه أن يوقفها، وقبل أن يعلم ما كانت تنوي فِعله؛ أمسكت يده التي لا تستحقُّ التقبيل وقبَّلَتها.

انتحبَت قائلةً: «كنت أعلم أنك ستنضمُّ إلى الحرب. كنت أعرف دائمًا أنك ستفعل هذا، يا فتايَ اللطيف! ماهيلي العجوز كانت تعلم بذلك!»

بدا على كلِّ ملامح وجهها الناظر لأعلى إليه الانفعالُ الشديد؛ فمُها وحاجباها وحتى التجاعيد على جبهتها من الأسفل بدا عليها الانفعال والتشنُّج. شعَر كلود بضِيق في حلقه وهو ينظر إلى ذلك الوجه بحنان؛ خلف العينَين الشاحبتين وتحت جبهتها الصغيرة حيث لا يوجد مجالٌ لأفكارٍ عديدة، كانت هناك فكرةٌ تُجاهدها وتُعذبها. وهي الفكرة نفسها التي كانت تُعذبه.

تمتَم وهو يُربِّت على ظهرها ويذهب بعيدًا: «ستكونين بخير يا ماهيلي. فلتُسرعي الآن في إعداد الإفطار.»

همست: «هل أخبرتَ والدتك عن الأمر؟»

«كلا، ليس الآن. ولكنَّها أيضًا ستكون بخير.» أخذ قبعته ونزل إلى الحظيرة كي يعتنيَ بالخيول.

لما عاد كلود وجدَ العائلة مُجتمعةً على مائدة الإفطار. تسلَّل إلى كرسيِّه وشاهَد والدته وهي تحتسي أولَ كوب من القهوة. ثم خاطَب والده.

«أبي، لا أرى فائدةً من انتظار التجنيد. إن لم يكن لك حاجةٌ إليَّ، فأودُّ أن أنضمَّ إلى أحد معسكرات التدريب في أي مكان. أعتقد أنني قد أحظى بفرصة تكليفي بمَهمَّة قتالية.»

«ربما.» صبَّ السيد ويلر قدرًا كبيرًا من شراب القيقب على فطائره. «ما رأيك في الأمر، يا إيفانجلين؟»

وضعَت السيدة ويلر السكين والشوكة بهدوء. رمَقَت زوجها بنظرةٍ يشوبها انزعاجٌ غريب، بينما لم تسكن أصابعها عن الحركة باضطراب فوق مِفرش المائدة.

أردف كلود مُسرعًا: «أعتقد أنني قد أسافر إلى أوماها غدًا، وأعرف أين تقع معسكرات التدريب، وأتحدث مع المسئولين في مراكز التجنيد التطوعي.» ثم أضاف بصوتٍ مُنخفِض: «بالطبع قد لا يريدونني. أنا ليس لديَّ أدنى فكرة عن المتطلبات الخاصة بهذا الأمر.»

«ولا أنا أيضًا أعرف الكثير عن ذلك.» لفَّ السيد ويلر الفطيرة العُلوية ورفعها إلى فمه. بعد لحظات من المضغ، قال: «هل عزمتَ على السفر غدًا؟»

«أودُّ ذلك. لن يَشغلني أمرُ الأمتعة؛ لا أريد سوى بعض القمصان والملابس الداخلية في حقيبتي. إن كانت الحكومة بحاجة إليَّ فستُعطيني ملابس.»

دفع السيد ويلر طبقه للخلف. «حسنًا، يُستحسَن أن تخرج معي الآن كي نُلقيَ نظرة على القمح. لا أعلم، ولكن الأفضل أن نحرث القطعة الجنوبية هذه ونزرعها ذُرة. لا أعتقد أنها ستجني محصولًا أفضلَ من ذلك.»

لما خرج كلود ووالده من الباب، نهض دان بحماسةٍ أكبرَ من المعتاد، وخرج وراءهم. لم يُرِد أن يُترَك وحده مع السيدة ويلر. ظلَّت قابعةً في نهاية مائدة الإفطار التي كانت عليها أطباق الحلوى. لم تذرف عيناها الدموع. انسدَلَت غمامةٌ على عينَيها. انحنى ظهرُها بشدة كأنَّ حِملًا ثقيلًا كان جاثمًا فوقه. رفعت ماهيلي الأطباقَ بهدوء.

في الحقول الطينية، أنهى كلود حديثه مع والده. قال إنه يريد الذَّهاب دون أن يُودِّع أحدًا. وقال مُتورِّدًا: «تعلم أني عادةً ما أسيرُ في طريق ولا أُكمله حتى النهاية. لا أريد الحديث عن هذا الأمر حتى أتأكَّد من الالتحاق به. ربما أُرفَض لسبَب أو لآخَر.»

ابتسم السيد ويلر. «لا أظن ذلك. وعلى أي حال، سأطلب من دان أن يُبقيَ فمه مُغلَقًا. هلَّا ذهبتَ إلى منزل ليونارد دوسن وأحضرتَ مِفتاح الربط الذي اقترضه؟ أوشك الوقت على الظهيرة، وعلى الأرجح ستجده في المنزل.» كلود وجد ليونارد الضخم يسقي خيوله عند طاحونة الهواء. لما سأله ليونارد عن رأيه في خطاب الرئيس، قال من فوره إنه ذاهبٌ إلى أوماها من أجل التجنيد. مد ليونارد يده وسحب الذراع التي كانت تتحكَّم في العَجلة شِبه الثابتة.

«يُستحسن أن تنتظر بضعة أسابيع وسأذهب معك. سأُحاول الانضمام إلى قوات البحرية. إنهم يُعجِبونني كثيرًا.»

وقف كلود على حافة الخزَّان، وكاد أن يسقط إلى الخلف. «عَجبًا، من أجل ماذا؟»

رمقه ليونارد بنظرةٍ فاحصة. «يا إلهي، كلود، لستَ الشخص الوحيد هنا الذي يتخذ القرارات المُهمة في عائلته! هل تسأل عن السبب؟ حسنًا، سأخبرك»، ورفع ثلاث أصابع حمراء كبيرة مُهدِّدًا: «بلجيكا، لوسيتينيا، إيديث كافل. هذه القذارة تُزعِجني. سأزرع الذرة وسيَعتني والدي بسوزي حتى عودتي.»

الْتقَط كلود نفَسًا طويلًا. «حسنًا يا ليونارد، لقد خدعتَني. أنا صدَّقت كل ذاك الهراء الذي أخبرتني إيَّاه بشأن عدم الاهتمام بمصيرِ أيٍّ من القوتَين المتنازعتين.»

اعترض ليونارد: «وأنا لا أهتمُّ ولو بمقدار ذرَّة! ولكن لكل شيء حدًّا. كنت مستعدًّا للذَّهاب منذ حادثة السفينة لوسيتينيا. لم يعد هذا المكان يمنحني أيَّ قدر من الإحساس بالرضا. وتشعر سوزي بالشيء نفسه.»

نظر كلود إلى جاره الضخم. «حسنًا، أنا ذاهبٌ غدًا يا ليونارد. لا تُخبر أهلي بهذا، ولكن إن لم أستطع التجنيد في الجيش، فسأتقدَّم إلى البحرية. فهم لا يرفضون أبدًا أيَّ رجل صحيح وقوي. لن أعود إلى هنا.» مد يده وأخذها ليونارد بقوة.

«حظٌّ سعيد يا كلود. ربما نلتقي في أراضٍ أجنبية. ولن تكون هذه مزحة! أرسل تحياتي إلى إنيد عندما تُراسلها. دائمًا ما كنت أعتقد أنها فتاةٌ جيدة، على الرغم من أني لا أُوافقها في مسألة حظر الكحوليات.» عبَرَ كلود الحقول شاردَ الذهن، ومن دون أن ينظر إلى أين يذهب. وتحوَّلَت قدرتُه على الرؤية إلى داخله الذي كان يرى فيه مشاهد وأحداثًا خيالية بالكامل حتى الآن.

٩

في يومٍ مُشرِق من أيام يونيو، ركَن السيد ويلر سيارتَه في صف السيارات الواقف أمام مبنى المحكمة الجديد المبني من الطوب المضغوط في فرانكفورت. كان يقبع مبنى المحكمة في ميدانٍ مفتوح، ويُحيط به بستانٌ من أشجار الحور القطني. اجتُزَّ المرج منذ مدةٍ وجيزة، وكانت الزهور يانعةً في أحواضها. عندما دخل السيد ويلر إلى قاعة المحكمة بالطابق العُلوي، وجدها مُمتلئةً بالفعل حتى نِصفها بالمُزارعين وأهل المدينة الذين كانوا يتحدَّثون بنبرةٍ مُنخفِضة، بينما كان يُسمَع طنين ذباب الصيف داخل النوافذ المفتوحة وخارجها. القاضي، الذي كانت إحدى يدَيه مبتورة، وشَعر رأسه وسالفاه بِيضًا، كان يجلس على مكتبه يكتب بيده اليسرى. كان من أوائل المُستوطِنين في مُقاطَعة فرانكفورت، ولكن لما ينظر المرء إلى مِعطفه ذي الذَّيل المشقوق وسلوكياته الدمثة، قد يعتقد أنه أتى من كنتاكي البارحةَ وليس منذ ثلاثين عامًا. في ذلك الصباح، كان عليه أن ينظر في اتهام بعدم الولاء ضد اثنَين من المُزارِعين الألمان. أحد المتهَمين كان هو أوجست يودر — أقرب جار إلى عائلة ويلر — والآخر هو ترويلس أوبرليس — وهو ثريٌّ ألماني يعيش في الجزء الشمالي من المُقاطَعة.

كان يمتلك أوبرليس مزرعةً جميلة، ويعيش في بيتٍ أبيضَ كبير مُقام على التل، يتضمَّن بستانًا جميلًا وصفوفًا من خلايا النحل وحظائر ومخازن حبوب وعنابر دواجن. كان يُربِّي الديوك الرومية والحمام البهلوان، وكان عددٌ كبير من الإوزِّ والبط يسبح في بِرَك الماشية الخاصة به. اعتاد أن يفتخر بأن لديه ستةَ أولاد «مثل الإمبراطور الألماني». كان يفتخر جيرانه بمنزله، وكانوا يُرونه للغرباء. كانوا يذكرون كيف أن أوبرليس أتى إلى مقاطعة فرانكفورت فقيرًا وجمع ثروته بالكدِّ والذكاء. لقد عبَر المحيط مرَّتَين كي يزورَ وطنه الأصلي؛ ولما كان يعود إلى منزله في البراري فإنه يُحضر هدايا للجميع؛ للمحامي ومدير البنك الخاصَّين به، والتُّجار الذين يتعامل معهم في فرانكفورت وفيكونت. كلُّ واحد من جيرانه كان يحتفظ في صالونه بقطعةٍ منسوجة أو منحوتةٍ خشبية أو لُعبةٍ ميكانيكية رائعة أحضرها له أوبرليس من ألمانيا. كان أوبرليس يَكبر يودر في العمر، وكانت لحيتُه القصيرة بيضاءَ ومُجعَّدةً مثل شعر رأسه، وعلى الرغم من قِصَر قامته، فإن وجهه الأحمر المُنتفِخ وعينَيه الشديدتَي الزُّرقة وبعض التبختر البادي على هيئته أعطته هالةً من الأهمية. كان يُحب التباهيَ، وكان سريعَ الغضب، ولكن حتى اندلاع الحرب في أوروبا، لم يدخل أحدٌ قط في مشكلةٍ معه. ولكن بعد اندلاعها، كان دائمَ الانتقاد والشكوى؛ كان يرى أن كل شيء كان أفضلَ في بلده الأم.

أتى السيد ويلر إلى المدينة وهو على استعداد لتقديم يد المساعدة إلى يودر إن احتاج إليها. إنهما كانا يعملان في حقولهما المُتاخِم بعضُها لبعض طيلةَ ثلاثين سنةً حتى الآن. فوجئ عندما وقع جارُه في مشكلة. لم يكن مُتكبرًا مثل أوبرليس، ولكنه كان رجلًا ضخمًا وهادئًا بوجهٍ جادٍّ وملامحَ كبيرة، وفمٍ مُتحفظ لا يُفتح إلا نادرًا. بدا وجهه كأنه قُطِع من حجرٍ رملي أحمر؛ إذ بدَت عليه علامات الانزعاج والضِّيق الشديدَين. جلس ويلر وأوبرليس على كرسيَّين خشبيَّين خارج حدود مكتب القاضي.

الآن، توقَّف القاضي عن الكتابة، وقال إنه سينظر في التُّهم المُوجَّهة إلى ترويلس أوبرليس. أدلى العديدُ من الجيران بشهادتهم بالتناوب؛ كانت شكاويهم مُتضاربةً وشِبه مُضحِكة. قال أحد الشهود إن أوبرليس قال إن الولايات المتحدة ستُهزم، وإن هذا سيكون شيئًا جيدًا؛ فرغم أن أمريكا بلدٌ عظيم فإنها يُديرها حمقى، وأفضلُ ما يمكن أن يحدث لها هو أن تحكمها ألمانيا. وأضاف أن أوبرليس منذ أن كوَّن ثروته في هذا البلد …

هنا قاطَعه القاضي. «أرجو أن تكتفيَ بالعبارات التي أدلى بها المُدَّعى عليه في حضورك، والتي تعتبرها دليلًا على عدم ولائه.» لما كان الشاهد يُدلي بشهادته، خلَع القاضي نظارته ووضعها على المكتب، وبدأ يُلمع عدستَيها بمنديلٍ حريري ثم جرَّبهما، ثم مسحهما مرةً أخرى كأنه كان يريد أن يرى بوضوح.

شاهدٌ ثانٍ سمع أوبرليس وهو يقول إنه يتمنَّى أن تُغرِق الغواصاتُ الألمانية بعضَ سفن نقل الجنود؛ إذ هذا من شأنه أن يُخيف الأمريكان، ويُعلمهم البقاء في منازلهم والاهتمام بشئونهم الخاصة. شكا شاهدٌ ثالث أن الرجل العجوز في عصر أيام الأحد كان يجلس في الشرفة الأمامية الخاصة به ويعزف أغنية «حراس نهر الراين» على ترومبون منزلق الأمر الذي كان يتسبَّب في انزعاجٍ كبير لجيرانه. هنا، ضرب نات ويلر ركبتَه وانطلَق في قهقهةٍ عالية، وسرى ضحكٌ مكتوم في قاعة المحكمة. بدَت وجْنتا المدَّعى عليه المُنتفِختان الحمراوان كأنَّ الخالق خلقَهما بهذا الشكل كي تنفخَ في هذه الآلة ذات الصوت المُدوِّي.

لما سئل المتهَم العجوز هل لديه ما يقوله بشأن هذه الاتهامات، نهض ورفع كتفَيه ورمق قاعة المحكمة بنظرةِ تحدٍّ. وأعلن بصوتٍ عالٍ: «يمكنكم الاستيلاء على أملاكي وسجني، ولكني لن أقول شيئًا، ولن أرجع عن شيءٍ قلتُه.»

نظر القاضي إلى مَحبرته مُبتسمًا. «أنت لا تفهم طبيعةَ تلك المناسبة يا سيد أوبرليس. لم يُطلَب منك التراجع عما قُلتَه. كل المطلوب منك أن تتوقف عن التصريحات التي تعبر عن عدم الولاء؛ وهذا من أجل حمايتك وراحتك تمامًا، مثل أنه من أجل مراعاة مشاعر جيرانك. سأنظر الآن الاتهامات الموجَّهة إلى السيد يودر.»

صرَّح شاهدٌ أنه سمع السيد يودر يتمنَّى الهلاك للولايات المتحدة بعد أن أصبحَت تمشي في ذيل إنجلترا. لما قال الشاهد ليودر إن رَصاصةً في صدر القيصر من شأنها أن تُنهيَ الحرب، ردَّ يودر أن الأقربين أولى بالمعروف، وتمنَّى أن لو يُطلِق أحدٌ رصاصةً على صدر الرئيس الأمريكي.

لما نُودي على يودر، نهض ووقف مثل الصخرة أمام القاضي. «ليس لديَّ أقوال. الاتهامات صحيحة. ظننتُ أن هذا بلدٌ يمكن للمرء فيه أن يُعبر عن رأيه.»

«نعم، بإمكان المرء أن يُعبر عن رأيه، ولكن حتى هنا لا بد أن يتحمَّل العواقب. اجلس من فضلك.» أسند القاضي ظهره إلى كرسيه، وبدأ كلامه بهدوء وهو ينظر إلى المتهَمين الماثلين أمامه: «السيد أوبرليس والسيد يودر، يعلم كلاكما، وكذلك يعلم أصدقاؤكما وجيرانكما، لماذا تَمثُلان أمامي. لم تُراعيا عنصر الملاءمة الذي يجب مراعاته في كل مناحي الحياة تقريبًا؛ فالعديد من القوانين المدنية قائمةٌ عليه. غرَّكما شعورٌ ما — نبيل في حد ذاته — وحمَلكما على الإدلاء بتصريحاتٍ مُبالَغ فيها، أنا واثقٌ أنْ لا أحد منكما قصدَها بمعناها الحرفي. لا يستطيع أحدٌ أن يطلب منكما أن تتوقَّفا عن حبِّ البلد الذي وُلِدتما فيه، ولكن بما أنكما تنعمان في خيرات هذا البلد، فلا يصح أن تُشوِّها سُمعة حكومته لتمجيد حكومة بلد آخَر. اعترف كِلاكما بأنه تلفَّظ بعباراتٍ أرى أنها دليلٌ على عدم الولاء. سأفرض على كلٍّ منكما غرامةً قيمتُها ثلاثمائة دولار، وهي غرامةٌ خفيفة للغاية في مثل تلك الظروف. وإذا تكرَّر الأمر مرةً أخرى وتوجَّب عليَّ أن أوقع عقوبة، فستكون أشدَّ كثيرًا.»

بعد انتهاء المحاكمة، انضمَّ السيد ويلر إلى جاره عند الباب ونزلا إلى الطابق السفلي معًا.

سأل السيد يودر: «حسنًا، ما أخبار كلود؟»

«لا يزال في حصن آر … يتوقَّع أن يحصل على إجازةٍ قبل أن يُبحِر. جاس، سأحتاج إلى أحد أبنائك كي يُساعدني في زرع الذُّرة. عليَّ التخلص من الحشائش الضارَّة التي انتشرت بشدة في الأرض.»

قال يودر بمزاجٍ نَكِد: «بالطبع، يمكنني إرسالُ أيٍّ من أولادي … إلى أن يُصيبهم الدور في التجنيد.»

«لن أقلق بشأن ذلك. قليلٌ من التدريب العسكري مُفيد للفتى. وأنتم تعلمون ذلك.» غمز السيد ويلر بعينه، وارتعش فمُ يودر المُتجهِّم من أحد أطرافه.

لما أتى وقتُ العشاء ذلك المساء، شرح السيد ويلر لزوجته كلَّ ما حدث في المحكمة حتى يمكن أن تنقله إلى كلود عندما تكتب إليه. السيدة ويلر، التي كانت دائمًا مُعلمةً أكثر من كونها مُدبرة شئون منزل، كانت تكتب خطابات بسرعة وسلاسة، وكانت خطاباتها الطويلة إلى كلود تحكي عن كل ما كان يحدث في الجوار. كان السيد ويلر يُوفِّر معظم مادة تلك الخطابات. مثل باقي الرجال المُتزوِّجين من مدةٍ طويلة، بدأ السيد ويلر في حجب أخبار الجيران عن زوجته. ولكن منذ سفر كلود، فإنه كان يُخبرها بكل شيء يعتقد أنه سيُهمُّ الفتى. وفي هذا الشأن، كتبت على نحوٍ دقيق لكلود في أحد الخطابات تقول:

«أبوك يُخبرنا بأخبار أكثرَ كثيرًا مما كان يفعل في السابق، وفي بعض الأحيان أعتقد أنه يُحاوِل أن يأخذ مكانك.»

١٠

في الأول من يوليو، وجد كلود ويلر نفسَه في القطار السريع المُنطلِق من أوماها، عائدًا إلى البيت في إجازةٍ مدتها أسبوع. لم يكن الزيُّ العسكري مألوفًا بعدُ في يوليو عام ١٩١٧. لم تتم عملية التجنيد الأولى بعد، والفِتيان الذين هُرِعوا وجُنِّدوا كانوا في معسكرات تدريب بعيدة. ولذلك بدا الشابُّ، صاحبُ الشعر الأحمر والساقَين الطويلتين المُستقيمتين الملفوفة كلٌّ منهما بغطاء ساق، والكتفَين العريضتَين ذاتَي المظهر المُفعَم بالحيوية والنشاط اللذين برَزا في الزيِّ العسكري المُجسم المصنوع من قماش الكاكي؛ بارزًا بين الركاب. حدَّق فيه الفِتيانُ الصغار والشابَّات من فوق مقاعدهم، ووقف الرجال في الممر كي يتحدَّثوا معه، ولَبِست السيدات العجائز نظَّاراتهن، وتفحَّصنَ ملابسه وحقيبةَ أغراضه الضخمة المخيطة من القماش، وحتى الكتاب الذي أبقاه مفتوحًا ونسيَ أن يقرأه.

كانت المناطق الريفية التي كان القطار يمرُّ بها بسرعة على كِلا جانبَي الطريق مُثيرةً للاهتمام لعينَيه الخبيرتين أكثرَ من صفحاتِ أيِّ كتاب. سرَّه أن يمرَّ بها في موسم الحصاد؛ الموسم الذي تكون فيه في أبهى صورها. لاحظ أن رقعة زراعة الذُّرة كانت أكثرَ من المعتاد؛ ذبل معظم قمح الشتاء الذي زُرِع بسبب الطقس، وحُرِثت الحقول في الربيع وزُرعت مرةً أخرى بالذُّرة. الحقول كساها اللون البُنِّي المحروق، ونما البرسيم الحجازي مرةً أخرى بعد حشِّه للمرة الأولى. ماكينات الحصاد الحازمة والحصاد الدرَّاسة كانت قابعةً في حقول القمح والشوفان تحصد الغِلال اليانعة بين أذرُعها العريضة المغلوبة على أمرها. لما تباطأ القطار كي يشقَّ طريقه على جسرٍ يمرُّ فوق حقل قمح، عمال الحصاد ذَوو القمصان وبدل العمل الزرقاء والقبَّعات العريضة المصنوعة من القش توقَّفوا عن العمل كي يُلوِّحوا للركاب. الْتفَت كلود إلى الرجل العجوز الجالس في المقعد المُقابل له. وقال: «عندما أرى هؤلاء الأشخاص، أشعر وكأنني استيقظتُ وأنا ألبَس الملابس الخاطئة.»

بدا الرجلُ سعيدًا وابتسم. «هل أنت مُعتاد على هذا الزي؟»

اعترف كلود: «أنا بالتأكيد لم ألبَس غيره في شهر يوليو. عندما أجد نفسي راكبًا قطارًا في وسط موسم الحصاد أُحاول أن أتعلَّم بعض الأفعال الفرنسية، أكون مُتأكدًا من أن العالم انقلَب رأسًا على عَقِب!»

قدَّم له الرجل العجوز سيجارًا وبدأ يسأله. مثل بطل الأوديسة وهو عائدٌ إلى وطنه، كثيرًا ما كان على كلود التحدثُ عن بلده وعن أبوَيه اللذين أنجَباه. كان يُقاطَع بانتظام في مطالعته لكتاب العبارات الفرنسية (المُكوَّن من جُملٍ مُختارة الهدفُ منها معاونة الجنود في التواصل، مثل «لا، أنا لا أنظر إلى النساء أبدًا») بسبب الأسئلة التي يطرحها عليه الغُرباءُ الفضوليُّون. جمَع الآن أغراضَه، وصافَح الرجلَ العجوز، وارتدى قبَّعته؛ قبعة ستيتسون القديمة نفسَها ذات الحبل الذهبي والشرابتَين الصلبتين اللتَين تُضيفان لتصميمها المخروطي الصلب. «سأنزل في هذه المحطة وأنتظر قطار الشحن الذي يذهب إلى فرانكفورت؛ القطار السريع، كما نُسمِّيه.»

تمنَّى له الرجل العجوز إجازةً سعيدة وحظًّا مُوفَّقًا في أيامه القادمة. ابتسم له كلُّ من في العربة وهو ينزل على الرصيف حاملًا حقيبةَ السفر في يد والحقيبةَ القماش في اليد الأخرى. كانت تقف صديقته القديمة الألمانية — السيدة فوكت — أمام مطعمها وتدقُّ الجرس كي تُعلِن أن الغداء جاهز للمسافرين. تزاحم جمعٌ من الأولاد الصغار حولها على الرصيف وهم يضحكون ويَصيحون بكلامٍ سخيف وبغيض. لما اقترب كلود خَطِف أحدُهم الجرس من يدها، وجرى عبر قُضبان السكك الحديدية ومعه الجرس، واختفى داخل حقل ذُرة. تبعه الأولاد الآخرون وصاح أحدهم: «لا تدخل إلى هناك لتأكل أيها الجندي. إنها جاسوسةٌ ألمانية، وستضع بقايا زجاج في غداءك!»

دخل كلود إلى غُرفة الطعام، ورمى حقيبتَيه على الأرض. «ما الأمر يا سيدة فوكت؟ هل يمكنني أن أساعدكِ في شيء؟»

كانت تجلس على أحد كراسيها العالية تبكي على نحوٍ يُثير الشفقة وقد انحرفَت عن مكانها خصلات شعرها الصغيرة المُستعارة. لما نظرتُ لأعلى، أطلقت صرخةً خفيفة تنمُّ عن أنها تعرَّفت على الشخص الواقف أمامها. «أوه، أحمد الربَّ أنك أنت الشخص الذي جاء، وأنه لن يوجد مزيدٌ من المتاعب! تعلم أنني لا أتجسَّس ولا أفعل شيئًا مما يقوله هؤلاء الفِتية. إن هؤلاء الفِتية الصغار يُروِّعونني. أبيع لهم الحلوى منذ أن كانوا أطفالًا، وقد انقلبوا عليَّ الآن كما ترى. يُطلِقون عليَّ هيندنبورج والقيصر بيل!» بدأت تبكي مرةً أخرى وتلوي أصابعها الصغيرة البدينة وكأنها ستُمزِّقها.

«أحضري لي بعض الغداء يا سيدتي، وبعدها سأذهب وأُسوِّي الأمر مع تلك العصابة. لقد كنتُ مسافرًا منذ وقت طويل؛ ولما نزلتُ من القطار، ورأيت معترشات توت الحجل الخاصة بك تتسلَّق على الشُّرفة كما كانت في السابق، أحسستُ كأني عدتُ إلى المنزل.»

مسحَت عينَيها وقالت: «حقًّا؟ هل تتذكر ذلك؟ أعددت فطيرة لحم اليومَ مع القليل من البازلَّاء التي حصلت عليها من حديقتي الخاصة.»

«أحضِريهما فورًا من فضلك. إننا لا نأكل غير الطعام المُعلَّب في المعسكر.»

دخل بعض عُمال السكك الحديدية من أجل تناول الغداء. السيدة فوكت دعت كلود للذَّهاب إلى نهاية طاولة البيع؛ وبعد أن قدَّمَت الطعام لزبائنها، جلست وأخذت تتحدَّث إليه همسًا.

قالت وهي تُربِّت على كمِّه: «يا عزيزي، تبدو أنيقًا في تلك الملابس. أستطيع تَذكُّر بعض الحروب أيضًا؛ لما استعدنا بعضَ المناطق التي أخذها نابليون منا مثل إلساس ولورين. هؤلاء الأولاد هدَّدوا بأن يأتوا ويضَعوا القَطِران عليَّ في ليلةٍ ما، وأنا أخاف أن أذهب للنوم. لذا، أنا أُغطِّي نفسي فقط بلحاف وأجلس في كرسيِّيَ القديم.»

«لا تُعِيريهم أيَّ اهتمام. أنتِ لا تُواجهين أي مشكلات مع العمال هنا، أليس كذلك؟»

«بلى، ليست مشكلات على وجه التحديد.» تردَّدت، ثم مالت فجأةً باتجاه طاولة البيع وتحدَّثَت في أُذنه. «ولكن في بلدي القديم ليس الأمرُ بهذا السوء كما يقولون. لا يتعرَّض الفقراءُ للاستعباد، ولا يُطحَنون في العمل كما يقولون هنا. دائمًا ما يسمح المسئولون عن الغابات للفقراء بالدخول إلى الغابات وحمل الأغصان الساقطة والأشجار الميتة. وإذا فاض روث الحيوانات لدى أحدِ المُزارِعين الأغنياء عن حاجته، يسمح للشخص الفقير أن يأخذ بعضًا منه لأرضه. الفقراء لا يحصلون على أُجورٍ مثل التي يحصلون عليها هنا، ولكنهم يحظَون بعيشةٍ مُريحة. وحتى أحذيتهم الخشبية، التي يسخرون منها هنا، أنظَفُ من الأحذية الجلد، وأفضل عند المشي في الطين وروث الحيوانات. إنها لا تبتلُّ بشدة؛ ومن ثَم لا تنبعث منها رائحةٌ كريهة بشدة.»

كان بإمكان كلود أن يلاحظ أن قلبها يزخر بحبها لوطنها، ويعجُّ بالذكريات الرقيقة عن أيامٍ ولَّت منذ مدة طويلة، وأرضٍ عاشت عليها أيام شبابها. لم تتحدَّث معه عن تلك الأشياء من قبل، ولكنها الآن باحت بسَيلٍ من الأسرار عن مزرعة الألبان الكبيرة التي عملت فيها في صغرها؛ أخبرته كيف أنها كانت تعتني بتسع بقرات، وعن مدى قوة البقرات على الرغم من صِغر سِنها؛ إذ كانت تجرُّ المِحراث طوال النهار، ومع ذلك تفيض عليهم في الليل باللبن كأنها كانت تتجوَّل طوال النهار في أحد المراعي! لم يُضطرَّ قطُّ أهلُ الريف إلى إنفاق أموالهم على الأطباء، ولكنهم كانوا يُعالَجون من كل الأمراض بالجذور والأعشاب، وعندما يُصاب كبار السن بالروماتيزم، كانوا يأخذون «واحدًا من الأرانب الرومية الصغيرة» كي ينام معهم، ويُخلصهم هذا الأرنب من كل الآلام.

أحبَّ كلود أن يستمع إليها مدةً أطوَل، ولكنه أراد أن يعثر على مَن يُضايقون المرأة العجوز قبل أن يأتيَ القطار. ترك حقيبتَيه معها، وعبَر قضبان السكك الحديدية، واسترشد بطنين جرس غرضُه الإغاظة في حقل الذرة، وكان يُسمع من وقتٍ لآخر. عثَر على مجموعة الأولاد الصغيرة، وكانوا اثنَي عشَر أو نحو ذلك؛ إذ وجدهم مُستلقين في أخدودٍ ضحل يمتدُّ من حافة الحقل إلى مرعًى مفتوح. وقف على حافة الحقل، ونظر إليهم وهو يقطع طرَف سيجار ببطء ويُشعله. ابتسم الأولادُ له، وحاولوا أن يُظهروا عدم المُبالاة وعدم الاهتمام.

سأل الفتى الذي كان معه الجرس: «هل تبحث عن أحدٍ أيها الجندي؟»

«نعم. أبحث عن ذلك الجرس. عليك أن تُعيده إلى صاحبته. كلُّكم تعلمون أنه لا ضرر يُخشى من تلك المرأة العجوز.»

«إنها ألمانية، ونحن نُحارِب الألمان، أليس كذلك؟»

«لا أظن أنكم ستُقاتلون يومًا أحدًا منهم. لن تصمدوا أكثرَ من عشر دقائق في الجيش الأمريكي. أنتم لا تصلحون للانضمام إليه. لا يوجد سوى جيشٍ واحد في العالم يقبل رجالًا يتنمَّرون على امرأةٍ عجوز. يمكن أن تجدوا وظيفةً لديه.»

قهقهَ الفِتيان. أشار كلود بنفادِ صبر. «تعالَ ومعك هذا الجرس أيها الولد.»

نهض الفتى ببطء، وصَعِد الحافة خارجًا من الأخدود. لما كانا يمشيان مُتثاقلَين عبر حقل الذُّرة، الْتفتَ إليه كلود فجأةً. وقال: «اسمعني يا هذا، ألا تخجل من نفسك؟»

ردَّ الفتى باستخفاف وهو يرمي الجرس لأعلى كأنه كُرة ويُمسِك به ثانيةً: «أوه، لا أعتقد ذلك!»

«أوه، بل عليك أن تشعر بالخجل من نفسك. لا أظن أنني سأرى ثانيةً أيًّا من هذه الفِعال إلى أن أعود إلى الجبهة. سأعود إلى هنا في غضون أسبوع، وسأُعاقِب أيَّ أحدٍ يُضايقها.» أوشك قطار كلود أن يدخل إلى المحطة؛ لذا جرى كي يأخذ أمتعته. وبمجرد أن جلس في القطار، بدأ يُفكر في بلدته التي كان يعرف فيها كلَّ مزرعة يمرُّ بها؛ كان يعرف الأرض حتى لو لم يعرف صاحبها، ويعرف المحصول الذي أخرجَته وكم يُساوي ثمنه بالتقريب. لم يبتهج لما رأى تلك المزارع كما توقَّع؛ لأنه غضب غضبًا شديدًا بسبب المضايقات التي تعرَّضَت لها السيدة فوكت. كانت لا تزال حماسة الجندي المبدئية تتملَّكه. كان يعتقد أنه سيُسافر إلى الخارج مع قوةٍ استكشافية من شأنها أن تُحارب بدون ضغينة، بل بفتوة وشهامة لا هوادة فيهما.

كان العديد من أصدقائه في المعسكر يُشاركونه أفكارَه الخيالية هذه. لقد جمَعهم المعسكر من المزارع والمتاجر والطواحين والمناجم؛ بعضهم أتى من الجامعات، والبعض الآخر من الحانات الرخيصة في المدن الكبيرة؛ كان منهم راعي الأغنام وسائق الترام ومُساعد السبَّاك ومُدوِّن نقاط مباريات البلياردو. رأى كلود المئات منهم لما دخلوا للمرة الأولى؛ رأى «مُقدِّمي عروض» يرتدون بدلاتٍ رياضيةً رخيصة وصاخبة الألوان، وعمَّال مَزارع كبيرة يرتدُون صدريات تريكو، وميكانيكيون لا تزال آثار الشحم توجد على أصابعهم، وعمَّال مَزارع مثل دان يرتدُون مَعاطفَهم المُخصَّصة للمناسبات التي لا يملكون منها سوى قطعةٍ واحدة. كان بعضُهم يحمل حقائب ورقية مربوطة بحبل، في حينِ وضع البعضُ الآخر كلَّ ما يملك في مِنديلٍ أزرق. ولكن كلهم أتَوا من أجل العطاء وليس من أجل الأخذ، وما كانوا يهَبونه لم يكن سوى أنفُسهم؛ أيديهم الكبيرة الحمراء، وظهورهم القوية، والنظرة الثاقبة والصادقة والمُتواضعة في عيونهم. لما كان كلود يُساعد مسئول الفحص الطبي في بعض الأحيان، لاحظ القلق الباديَ على وجوه الصفوف الطويلة من الرجال المُنتظرين. بدا كأن لسان حال كلٍّ منهم يقول: «إن كنتُ أصلح فخُذني. لن أتخلَّى عن الأمر.» وجدهم على النحو التالي عندما تعامل معهم؛ مُفيدين ولطيفين ومُتحمِّسين للتعلم. إذا تحدَّثوا عن الحرب أو عن العدو الذي كانوا يستعدُّون لمحاربته، فعادةً ما يكون الحديث بحسِّ الفكاهة؛ كانوا في طريقهم إلى «وضع القيصر في جوال»، أو جعلِ وليِّ العهد يعمل من أجل لقمة العيش. لما أحبَّ كلود الرجال الذين كان يتدرَّب معهم، لم يجد ما هو أفضَلُ من العيش بصحبتهم.

تأرجحَ قطار الشحن بسرعةٍ فوق وادي النهر؛ مما يعني أنه وصل إلى بلدته؛ أي المكان الذي دائمًا ما يتطلع إليه العقلُ بعد رحلةٍ طويلة. مرَّت المزارع بسرعة؛ أكوام القش، حقول الذرة، الحظائر الحمراء المألوفة، ثم مخازن الفحم الطويلة وخزَّان المياه، وهنا توقَّف القطار.

على الرصيف، رأى رالف والسيد رويس ينتظرانه للترحيب به. كان بانتظاره بالسيارة بالخارج والده ووالدته، وكان السيد ويلر في مقعد السائق. كان هناك صفٌّ من السيارات مُنتظِر في مكان الانتظار. إنه أولُ جندي يعود إلى البلدة، وأتى بعض أهل المدينة كي يرَوه بالزي العسكري. لوَّحَت له سوزي دوسن من إحدى السيارات، ولوَّحَت له جلاديس فارمر من سيارةٍ أخرى. لما توقَّف وتحدَّث إليهم، أخذ رالف أمتعته.

صاح السيد ويلر: «هيا تعالَوا يا ولديَّ»، وأطلَق بوق سيارته، وانطلق بالجندي في السيارة مُخلِّفًا وراءه سحابةً من الغبار.

ذهب السيد رويس إلى سيارة دوسن العجوز، وقال بطريقةٍ طفولية بعضَ الشيء: «لا يمكن أن يكون كلود قد أصبح أطوَل، أليس كذلك؟ أظن أنهم يُعلمونهم هناك أن يَبْدوا هكذا. دائمًا ما كان الفتى يبدو كرَجُل.»

قالت سوزي بحماسة شديدة: «أعتقد أن أُمه فخورة به. إنه لحظٌّ سيئ ألا تكون إنيد هنا كي تراه. ما كانت لتُسافِر مُطلَقًا لو علمَت أن كل هذا سيَحدُث.»

لم تقصد سوزي الإساءة، ولكن كلامها كان له تأثير. استدار السيد رويس بعيدًا وأشعل سيجارًا ببعض الصعوبة. زاد عدم اتزان يدَيه بشدة في السنة الأخيرة، على الرغم من إصراره على أن صحته العامة جيدةٌ كما كانت في السابق. مع التقدم في العمر، كان يزداد اكتئابه بسبب اعتقاده أن نساءه لم يُضِفن الكثير من الدفء والراحة إلى عالمه. على المرأة أن تُوفِّر جوَّ الدفء والراحة، مهما كان ما تفعله بخلاف ذلك. شعَر بالأسف تجاه عائلة ويلر وتجاه أصدقائه القدامى. بدا كأنَّ بنتَيه ليس لديهما قلب.

١١

استمرَّت عادات المعسكر. في صباح اليوم الأول بالمنزل، نزل كلود للطابق السفلي قبل حتى أن تستيقظ ماهيلي، وخرج كي يُلقيَ نظرةً على الماشية. اشتدَّت حرارة الشمس وهو نازلٌ من التل باتجاه حظيرة الماشية، وكان في داخله مسرورًا من وجوده في بلدته، على أرض والده. ما الذي كان يَسرُّه بشدة في أن يقول «تلنا» و«نهيرنا الموجود هنالك»؟ في أن يشعر بسحق الطين الجافِّ لهذه الأرض على وجه الخصوص تحت حذائه؟

لما دخل الحظيرة كي يُلقيَ نظرةً على الخيول، أول مخلوقَين وقَعت عيناه عليهما كانا هما البغلين الضخمين اللذين كانا السببَ في الحادثة الكبيرة التي تعرَّض لها؛ وجدهما واقفَين في الإسطبل بجانب الباب. خطرَ على بال كلود أن هذين الحيوانين الضخمين هما اللذان قرَّرا مصيره في واقع الأمر. لو لم يندفعا به ويُلقياه عند السياج السلكي في ذلك الصباح، لما أسِفَت عليه إنيد وأتت كي تراه كلَّ يوم، ولرُبَّما اختلفت مُجرَياتُ حياته. ربما لو كان الكبار أصدقَ قليلًا، ولم يتعلَّم الفتى تقدير الصفات التي يمكن أن تجعله غيرَ سعيد بالمرة في المرأة … ولكنه هناك نأى بنفسه عن مشاعر التحسُّر هذه. ولكن أليس يتناسب مع حاله تمامًا أن يجرَّه إلى الزواج زوجان من البغال؟!

ضحك لما نظر إليهما. «أيها الشيطانان الكبيران، إنكما قويَّان بالقدر الكافي كي تَحِيكا مثل هذه الخدع في حق الأشخاص الأغرار أعوامًا قادمة. يا لَلخسَّة التي تملأ كلًّا منكما!»

هزَّ أحد الحيوانَين أُذنَه، وأطلَق صوتًا مُهددًا من حلقِه. تتمتَّع البغال بعاطفةٍ قوية، ولكنها تكره المُتغطرِسين، كما أنها أعداء الطبقات الاجتماعية، وبدا دائمًا أن هذين البغلين اكتشفا في كلود ما اعتاد والدُه على تسميته ﺑ «كبريائه الزائف». عندما كان فتًى صغيرًا، كانا مصدرَ إهانة بالنسبة إليه بسبب النهيق والوقوف فجأةً في الأماكن العامة؛ إذ كانا يُحاولان جذب الانتباه في مخزن الأخشاب أو أمام مكتب البريد.

في المَعلف الأخير، وجد كلود الفرسة مولي العجوز؛ الفرسة الرمادية ذات الساق العَرِجة التي نما لها حافرٌ آخَر مكانَ حافرها الذي سقط، وهو إنجاز لا تستطيع العديدُ من الخيول التفاخرَ به. كان مُتأكدًا من أنها تعرَّفَت عليه؛ تحسَّسَت بأنفها يدَه وذراعه، وأزاحت شفتَها العُلوية لتكشف عن أسنانها المُتهالِكة الصفراء.

قال وهو يُربِّت عليها: «لا يجب أن تفعلي ذلك يا مولي. يمكن للكلب أن يضحك، ولكن هذا يجعل مَنظر الحِصان يبدو مُضحِكًا. يبدو لي أن دان لا يُنظفك إلا نحو مرة واحدة في الأسبوع!» أخذ مِحسَّة من مكانها خلف إحدى العوارض، وبدأ يحكُّ بها جلدها العجوز. شَعرها الأبيض كان مُرقَّطًا في كل أنحائه بخطوطٍ صغيرة بلون الصدأ، مثل الحبر الهندي الذي يوضع على فرشاةٍ ناعمة، وتحوَّل لون عُرفها وذيلها إلى الأصفر المائل إلى الأخضر. لما كان كلود يحكُّ وركَيها الثقيلتين المستديرتين، قال إنه لا بد أنها بلَغَت الثامنة عشرة من عمرها. اعتاد كلود ورالف أن يَمتطياها عند الذَّهاب إلى عائلة يودر لما كانا طفلَين حافيَين؛ إذ كانا يُوجِّهانها باللجام الحبلي، ويركلان المُهر الطويل الساقَين الذي كان يمشي معها دائمًا.

لما دخل المطبخ وطلب من ماهيلي ماءً دافئًا كي يغسل يدَيه، نهَرَته باستنكار.

«عَجبًا يا سيد كلود، كنت تُنظف تلك الفرسة العجوز، والْتصَق الشعر الأبيض في جميع أنحاء ملابسك العسكرية. الشَّعر يُغطيك بالكامل!»

إذا كان زيُّه العسكري يُثير المشاعر لدى أصحاب العقول الرزينة، فإنه كان بمنزلة تعويذة سحرية أُلقيَت على رأس ماهيلي. لقد انبهرَت به كثيرًا لدرجة أنها لم تتمكَّن، طَوال الوقت الذي كان فيه كلود في المنزل، من إمعان النظر فيه بالتفصيل ولو مرةً. فقَبْل أن تجتاز غِطاءَي الساقَين، كانت تتشوَّش قُدرتها على الملاحظة من الذهول، ويبدأ عقلها يَهتاج مثل قرد في قفص. توقَّعت أن يكون زيُّه أزرقَ اللون مثل زي الجنود الذين كانت تتذكَّرهم؛ ولما دخل المطبخ في الليلة الماضية تعرَّفَت عليه بصعوبة. وبعدما شرحَت لها السيدة ويلر أن الجنود الأمريكان لا يرتدُون الزيَّ الأزرق الآن، قالت ماهيلي لنفسها أكثر من مرة إن تلك الملابس البُنِّية لا يظهر الغبار عليها، وإن كلود لن يُشبِه أبدًا الرجال ذَوِي الثياب الرثَّة الذين اعتادوا التوقف والشرب من ينبوع والدتها.

«إنهم يرتدُون أغطية الساق الجلدية لمنع الشوك من الالتصاق بهم، أليس كذلك؟ أعتقد أنه يوجد شوكٌ كثير للغاية هناك، مثل معترشات العُلَّيق الطويلة في حقول فيرجينيا. تقول والدتك إن الجنود أصابهم القمل الآن، كما حدَث في حربنا. ما عليك سوى أن تحمل زجاجةً صغيرة من زيت الفحم في جيبك، وتدهن بهذا الزيت رأسَك بالليل. إنه يمنع بيض القمل من الفقس.»

فوق برميلٍ دقيق في الزاوية، عَلِقت ماهيلي بمِسمار ملصق للصليب الأحمر؛ الملصق كان عبارةً عن رسم بالفحم لسيدةٍ عجوز تنقب بعصًا في كومة من الجبس والأخشاب المُلتوية التي كانت منزلها يومًا ما. ذهب كلود كي ينظرَ إليها وهو يُجفف يدَيه.

«من أين أتيت بتلك الصورة؟»

«إنها من المكان الذي أنت ذاهبٌ إليه يا سيد كلود. إنها هنا تبحث عن شيء تَطهو به؛ لا يوجد مَوقد ولا أطباق ولا أي شيء … لقد تحطَّم كلُّ شيء. أعتقد أنها ستُسَرُّ بشدة لرؤيتك.»

سُمِع وقعُ أقدام ثقيلة على السلَّم، فهمست إليه ماهيلي على عَجل: «لا تنسَ زيت الفحم، ولا تترك القمل يسرح في جسدك إن كان بإمكانك أن تتخلَّص منه يا عزيزي.» لقد كانت تعتبر الحديثَ عن القمل مثل قول النِّكات البذيئة؛ أي إنه من الأشياء التي يُتحدَّث عنها همسًا.

بعد الإفطار، خرَج كلود مع السيد ويلر إلى الحقول، حيث وجدا رالف يُوجِّه عمَّال الحصاد. وقفا يُشاهدان ماكينة الحصاد الحازمة لمدة، ثم ذهبا كي يُلقيا نظرةً على أكوام القش والبرسيم الحجازي، ثم مشيَا بطول حافة حقل الذرة، وتفحَّصا العيدان اليانعة. أرى السيد ويلر كلود المزرعة، وشرح له تفاصيلَها كأنه غريب؛ الفتى ساوَره شعورٌ غريب، ووالده يُعرِّفه على تلك الأفدنة التي كان يعمل فيها كلَّ صيف منذ أن كَبِر بالقدر الكافي، واستطاع حمل المياه إلى عمال الحصاد. أخبره والدُه عن مساحة الأرض التي يمتلكونها وعن قيمتها، وأنها ليست قيدَ رهنٍ باستثناء رهن بسيط على قطعة واحدة، تمَّ عندما استحوذ على مزرعة كولورادو.

قال: «عندما تعود، لن تُضطرَّ أنت ورالف إلى البحث عن شيء تبدآن به حياتكما. سيكون لديكما ما يكفيكما. والآن، الأفضل أن تعود إلى المنزل من ناحية بيت دوسن العجوز، وتذهب لزيارة سوزي. اندهش الجميع هنا لما ذهب ليونارد إلى الحرب.» مشى مع كلود حتى الزاوية التي تلتقي فيها أرضُ دوسن مع أرضه. قال وهو يلتفت: «بالمناسبة، لا تنسَ أن تزور عائلة يودر يومًا ما. جاس مُنزعِج بشدة منذ أن أخذوه إلى المحكمة. سَلْ عن أحوال الجَدة العجوز. تعلم أنها لم تتعلَّم أيَّ كلمة إنجليزية. والآن، أخبروها أن التحدث بالألمانية خطرٌ عليها؛ ومن ثَم فهي لا تتحدث مطلقًا، وتختبئُ عن أنظار الجميع. إذا ذهبتُ في الصباح الباكر وكانت تُزيل الحشائش الضارَّة من الحديقة، فإنها تجري وتختبئ بين شُجيرات عنب الثعلب حتى أختفيَ عن الأنظار.»

قرَّر كلود أن يزور عائلة يودر في ذلك اليوم، ثم يزور عائلة دوسن في اليوم التالي. لم يشأ أن تكون هناك أيُّ ضغينة تجاهه في منزلٍ قضى فيه الكثير جدًّا من الأوقات الجيدة، وكثيرًا ما كان يلتجئ إليه عندما يضجر مما يحدث في بيته. كان أولاد يودر يمتلكون صندوقًا موسيقيًّا قبل اختراع الفيكترولا بوقتٍ طويل، وفانوسًا سحريًّا، وكانت جدتهم العجوز تُنشئ صورَ ظلٍّ رائعةً على ملاءة، وكانت تحكي قصصًا عنها. اعتادت أن تقلب خريطة أوروبا على طاولة المطبخ، وتوضِّح للأطفال كيف أنها تُشبه الفتاة في تلك الوضعية؛ ثم تتلو قصيدةً ألمانية طويلة تصفُ إسبانيا بأنها رأس الفتاة، وجبال البرانس بأنها طوق رقبتها المصنوع من الدانتيل، وألمانيا بأنها قلبها وصدرها، وإنجلترا وإيطاليا بأنهما ذِراعاها، وروسيا، على الرغم من أنها كانت تبدو كبيرةً للغاية، بأنها فقط تنُّورتها المُطوقة. ربما تَجري إدانة تلك القصيدة باعتبارها دعايةً خطيرة في الوقت الراهن!

بينما كان كلود يمشي بمفرده، كان يُفكر كيف أن بلدته هذه التي بدَت صغيرة ومُضجرة له في وقت من الأوقات كانت تبدو الآن كبيرةً وغنيَّة بالتنوع. في الشهور التي قضاها في المعسكر، كان قد انشغل بالكلية في عمله الجديد وصداقاته الجديدة، والآن كان ينظر إلى منطقته بالشوق نفسِه الذي يُنظر به للأشياء التي نُسيت منذ مدة طويلة؛ لقد تجمَّعَت أمام عينَيه كأنها كلٌّ مُتناغم. كان سيُسافر للخارج، وسيحمل الريف بأكمله في عقله وهو له معانٍ أكثر من ذي. كان نُهَير لافلي كريك ينساب هناك، حيث اعتاد أن يجلس هو وإرنست ويتحسَّران على انتهاء التاريخ؛ على أن العالم قد عاد إلى عصور الجشع السحيقة، وماتت كل المساعي النبيلة إلى الأبد. ولكنه كان مسافرًا للخارج …

قضى كلود عصر ذلك اليوم مع والدته. لقد كانت أولَ مرة تتفرَّد فيها به. رغِب رالف بشدة في المكوث والاستماع إلى حديث أخيه، ولكنه عاد إلى حقل القمح لما أدرَك شعور والدته. لم ترَ السيدة ويلر أيَّ تفاصيل تافهة في حياة كلود بالمعسكر بحيث لا تُريد سماعها. سألت عن قاعة الطعام والطهاة والغسيل كما سألت عن واجباته. جعلته يصف كيفية التدريب بالحِراب، ويشرح طريقة عمل الرشَّاشات والبنادق الأوتوماتيكية.

قالت مُتأمِّلةً: «لا أتخيَّل كيف يُمكننا تحمُّل القلق عندما تبدأ سُفنُنا الحربية في الإبحار. إذا تمكَّنت من نقلكم جميعًا سالمين إلى ساحات القتال فلن أخاف؛ إذ أعتقد أن جنودنا جيِّدون مثل أي جنود في العالم. ولكن مع وجود الغوَّاصات التي يُبلغ عن وجودها قبالة سواحلنا، أتساءل كيف ستتمكَّن الحكومة من نقل رجالنا بأمان. التفكير في تلك السفن وهي تنقل آلاف الشباب على مَتنِها شيءٌ مُرعِب للغاية …» ثم وضعت يدَيها على عينَيها بسرعة.

تساءل كلود، لما كان جالسًا أمام والدته، ما الذي كان يجعل يدَي والدته مختلفتَين للغاية عن يدَي أي أحد آخَر رآهما. كان دائمًا يرى أنهما مختلفتان، ولكن لا بد أن ينظر إليهما من كثَبٍ الآن ويعرف السبب. كانتا نحيفتَين، وبيضاوين دومًا، حتى عندما تتَّسخ أظفارها في وقت حفظ الفاكهة. تقوَّست الأصابع من عند المفاصل كأنها كانت تتقلص بسبب التلامس. وكانت دائمة الحركة، وعندما تتحدث فكثيرًا ما تتحرك عبر شعرها أو تلمس فستانها برفق. عندما تبتهج، تضع يدها على حلقِها أحيانًا، أو تتحسَّس رقبة رِدائها كأنها تبحث عن دبوس زينة نسيَته. يداها حسَّاستان، ولكن بدا أنهما لم تكن لهما أيُّ علاقة بحاسَّة اللمس؛ فقد كانت أصابعهما أشبَه بالأصابع المُتلمسة لإحدى الأرواح.

«ما شعوركم أيها الفِتيان حيالها؟»

ردَّ كلود: «شعورنا حِيال ماذا يا أمي؟ أوه، تقصدين عملية النقل! لسنا قلِقين من ذلك. إنها مَهمَّة الحكومة أن تنقلنا إلى المكان المُراد. يجب ألا يقلق الجنديُّ بشأن أي شيء إلا ما هو مسئول عنه مباشرةً. إذا أغرق الألمان بعضَ سفن نقل الجنود، فسيكون الأمر مؤسفًا بالتأكيد، ولكنه لن يُغير شيئًا على المدى البعيد. البريطانيون يعكفون على ابتكار سفينة هوائية ضخمة مُصمَّمة لنقل العسكريِّين. إن غرقت سفننا، فهذا لا يعني سوى بعضِ التأخير. ففي خلال مدةٍ قصيرة، سيَطير الأمريكيون إلى ساحات القتال. إنهم لا يستطيعون إيقافنا.»

مالت السيدة ويلر بجسدها إلى الأمام. وقالت: «لا بد أن هذا هو حديث الفِتيان يا كلود. أنت بالتأكيد لا تعتقد أن شيئًا كهذا يمكن أن يكون عمليًّا، أليس كذلك؟»

«بلى، على الإطلاق. يعتمد البريطانيون على مُصمِّمي الطائرات لديهم لإنجاز تلك المَهمة، إن فشِلت كلُّ الطُّرق الأخرى. بالطبع لا أحد يعلم حتى الآن مدى فاعلية استخدام الغوَّاصات في حالتنا.»

غطَّت السيدة ويلر عينَيها بيدها مرةً أخرى. «لما كنت صغيرة في فيرمونت، طالما تمنَّيتُ لو عشت في العصور القديمة لما كان العالم يتقدم بسرعةٍ شديدة. والآن، أشعر كأنَّ بصري لا يستطيع أن يتحمَّل البهاء الذي يقع عليه. يبدو الأمر كأننا ينبغي أن نُولَد بملَكاتٍ جديدة كي نفهم ما يجري في الجو وتحت الماء.»

١٢

كانت شمسُ ما بعد الظهيرة تُلقي بأشعَّتها القوية على النوافذ الخلفية لغُرفة الاستقبال الطويلة غير المُستوية في منزل السيدة فارمر؛ مما جعل الغُرفة المُعتِمة أشبَه بكهف في أحد أطرافه نار. الأثاث كلُّه مُغطًّى بأغطيةٍ صيفية جميلة مُزيَّنة بالرسوم مصنوعة من قماش الكريتون. المِزهرياتُ الزجاجية القابعة على الطاولات الصغيرة تعكس أشعةَ الشمس، وتلمع كأنها مصابيحُ صغيرة. جلس كلود في تلك الغُرفة مدةً طويلة، وهو يعلم أنَّ عليه الذهابَ الآن. من النافذة التي توجد عند مِرفقه، كان بإمكانه أن يرى صفوفًا من نباتات الخطمي الوردي المزدوجة والأوراق المسطحة لنباتات الكاتالبا المنتشرة والقمم المستدقَّة لأجمة النعناع المُتشابكة، التي كانت كلُّها واضحةً تحت أشعة الشمس الذهبية. تحدَّث هو وجلاديس في كل الأمور باستثناء الأمر الذي أتى من أجله. لما نظر إلى الخارج في الحديقة، شعر أنه لن يتحدث عنه مطلقًا. كان هناك شيء في الطريقة التي الْتمعَت بها أجمةُ النعناع وانسابت، يجعل المرءَ قدَريًّا؛ يخاف من التدخل. ولكنه كان سيندم بعدما يبتعد؛ عدم اليقين من شأنه أن يُضايقه مثلما تُضايقه شظيةٌ في إبهامه.

نهض فجأةً وقال من دون مقدمات: «جلاديس، أتمنَّى لو تؤكدين لي أنك لن تتزوَّجي من أخي مطلقًا.»

لم تردَّ، لكن جلست في كرسيِّها المريح وأخذت تنظر إليه بهدوءٍ غريب.

أردف من فوره: «أعلم كل مِيزات هذا الزواج، ولكنها لن تُفيدك بشيء. هذا النوع من … الصفقات سيتسبَّب لك في تعاسةٍ شديدة. أنا مُتأكِّد من ذلك.»

تحدَّثَت جلاديس بصوتها الدافئ المنخفض المعتاد، ولكنَّ تسارُع أنفاسها أظهر أن كلامه لمس جُرحًا بداخلها: «لا أظن أنني سأتزوَّج بايليس مطلقًا. أعتقد أنني استغللتُه. تحظى المُعلمة بمكانةٍ كبيرة إذا اعتقد الناس أنَّ بإمكانها أن تتزوج عازِبَ المدينة الثريَّ متى أرادت ذلك. ولكني أخشى أنني لن أستطيع أن أتزوَّجه … والسبب هو أنك الشخص الذي طالما أحببتُه.»

ابتعد كلود نحو النافذة. وتمتم قائلًا: «لقد كنتُ الشخصَ المناسب لك!»

«حسنًا، هذه حقيقة على أي حال. كان الأمر كذلك عندما ذهبنا إلى المدرسة الثانوية، واستمرَّ الأمر. يُعجبني دائمًا كل شيء تفعله.»

شعَر كلود بعَرقٍ بارد على جبهته. تمنَّى الآن لو لم يأتِ قَط. «كفى يا جلاديس. ماذا فعلت في حياتي سوى ارتكاب خطأ أحمقَ تِلو الآخر؟»

أتت إلى النافذة ووقفت بجانبه. «لا أعلم، ربما يتعرف المرء على الناس من خلال أخطائهم الغبيَّة … من خلال ما لا يستطيعون فِعله. إذا كنت مثل بقية الناس، فلربما كان بإمكانك القَبول بتسوياتٍ مثلما يفعلون. هذا هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع تَقبُّله.»

كان كلود ينظر عابسًا إلى الحديقة المُتوهِّجة بالشمس. لم يسمع كلمةً من ردِّها. سأل بصوتٍ منخفض: «لماذا لم تمنعيني من ارتكاب تلك الحماقات؟»

«أظن أنني حاولت … مرة. على أي حال، تسير الأمور على نحوٍ أفضل مما ظننت. إنك لم تعلق هنا. لقد عرَفت طريقك. ستركب البحر وتُسافر. لقد بدأت رحلتك بالفعل.»

«وماذا عنكِ؟»

أطلقت ضحكةً خفيفة. «أوه، سأُدرِّس في المدرسة الثانوية!»

أخذ كلود يدَيها، ووقَفا يُمعِنان النظر بعضهما في بعض تحت الضوء الذهبي المُتموِّج الذي أوضح مَعالم كلِّ ما يسقط عليه. لم يعرف مطلقًا على وجه التحديد كيف وجد قبعته وخرج من المنزل. لم يكن مُتأكدًا إلا من أن جلاديس لم تصحَبه إلى الباب. نظر خلفه مرةً ورأى رأسها عبر النافذة التي يسقط عليها الضوء.

ظلَّت واقفةً هناك، في المكان الذي تركها فيه بالضبط، وشاهدَت الليل وهو يُرخي أستاره، دون أن تتحرك، وهي تتنفَّس بصعوبة. كانت تفكر كم مرةً، عندما تنزل إلى الطابق السفلي، ستراه يقف هنا عند النافذة، أو يتجول في الغُرفة المُعتِمة، وهو يبدو أخيرًا كما ينبغي له أن يبدو … مثل قناعاته والخيار الذي اتخذه. إنها الآن لن تدَعَ أبدًا هذا المنزل يُباع بسبب الضرائب المتأخرة. ستُوفِّر من راتبها وتُسدِّدها. ما كانت لتُحبَّ قطُّ أيَّ مكان آخر مثلما تحب هذا المكان. طالما كان هذا المكان بالنسبة إليها ملجأً من فرانكفورت؛ والآن ستكون هناك تلك الشخصية الواثقة المليئة بالحيوية المتمثلة في كلود، وهي صورة مميزة بالنسبة إليها مثل صورة جَدها المعلَّقة على الحائط.

١٣

كان الأحد هو اليومَ الأخير لكلود في المنزل، وقام بجولةِ سَيرٍ طويلة مع إرنست ورالف. كان إرنست يُفضل ألا يذهب رالف معهما، لكن الفتى حين خرَج من حقل الحصاد تشبَّث بأخيه مثل نبتة الشوك. ثَمة شيء بشأنِ زيِّ كلود وأسلوبه الجديد كان يُذهل رالف، واختبر حالةً من تلك التغيرات المفاجئة في المشاعر التي غالبًا ما تحدث داخل العائلات. وبالرغم من تحسُّن صداقتهما منذ زفاف كلود، فقد ظل رالف حتى الآن يشعر بالخجل منه قليلًا. اعتاد أن يسأل نفسه لماذا لا يصبح كلود «شخصًا مُهندمًا ذا أهمية»؟ والآن صار في غاية الإعجاب بأنه أصبح شخصًا ذا أهمية.

في صباح يوم الإثنين، استيقظت السيدة ويلر مُبكرًا وهي تشعر بوهن في صدرها. كان هذا هو اليومَ الذي ينبغي أن تُبليَ فيه بلاءً حسنًا. فسيَكون الإفطار آخِر وجبة يتناولها كلود في المنزل. في الحاديةَ عشرة، كان سيأخذه والده ورالف إلى فرانكفورت كي يَلحَق القطار. استغرقَت وقتًا أطوَل من المعتاد في ارتداء ملابسها. حين نزلت إلى الطابق السفلي، وجدت كلود وماهيلي يتحدَّثان. كان يحلق في الحمام، ووقفت ماهيلي تُشاهده وفي يدها قطعةٌ من اللحم المُقدَّد.

«أخبرهم هناك أنني في غاية الأسف على العجائز اللاتي تُكسَر أطباقهن ومواقدهن.»

«حسنًا. سأفعل.» ثم كشطَ كلود ما تبقَّى من ذقنه.

ظلَّت واقفةً معه. اقترحت مُستبشرةً: «ربما بإمكانك مساعدتهم على إصلاح أغراضهن، مثلما تفعل معي.»

تمتم وهو شاردُ الذهن: «ربما.» فتحت السيدة ويلر باب الدُّرج، وعادت ماهيلي إلى الموقد.

بعد الإفطار، خرَج دان إلى الحقول مع عمال الحصاد. انشغل رالف وكلود والسيد ويلر في السيارة طَوال وقت الصباح.

أسدلَت السيدة ويلر مئزرها فوق رأسها، ونزلت على التل كي ترى ما كانوا يفعلونه. لم تعرف إن كان ثَمة عطلٌ في المُحرك حقًّا، أم إن الرجال اتخَذوه ذريعةً للبقاء معًا بعيدًا عن المنزل. شعرَت أن وجودها غيرُ مرغوب فيه نوعًا ما، فصَعِدت في النهاية واكتفَت بمشاهدتهم من نافذة غرفة الجلوس. بعد وقتٍ قصير، سمعت رالف يصعد إلى الطابق الثالث. حين نزل وفي يدَيه حقائبُ كلود، أقحم رأسه من الباب، وصاح مُبتهجًا إلى أمه:

«لسنا في عَجلة. أنا أنزلها كي تكون جاهزةً فقط.»

جرَت السيدة ويلر خلفه وهي تُنادي بصوتٍ واهن: «انتظر يا رالف! هل أنت مُتأكد من أنه أخذ كل شيء في الحقائب؟ لم أسمعه يضعُ شيئًا فيها.»

«كل شيء جاهز. يقول إنه لن يُضطرَّ إلى صعود الطابق العُلوي مرةً أخرى. سيأتي بعد مدة وجيزة. أمامنا متَّسَع من الوقت.» انطلق رالف إلى القبو.

جلسَت السيدة ويلر على كرسي القراءة. أرادوا أن يُبقوها بعيدة، وهذه أنانيةٌ منهم بعضَ الشيء. لماذا لا يقضون تلك الساعاتِ الأخيرةَ بهدوء في المنزل بدلًا من الهرولة دخولًا وخروجًا وإخافتها؟ سمعَت حينَها خرير المياه الساخنة في المطبخ؛ ربما دخل السيد ويلر كي يغسل يدَيه. شعَرت أنها لا تَقْوى على النهوض إلى النافذة الغربية كي ترى إن كانوا لا يزالون في المرآب أم لا. بات الانتظار مسألةَ ثوانٍ فحسب، وصار نفَسُها أقصرَ ما يكون.

ميَّزت وقْعَ خطوات بحذاءٍ ثقيل مُسمَّر النعل تتردَّد على السلَّم بسرعة. حين دخل كلود حاملًا قبعتَه في يده، علمت من مِشيته وكتفَيه والطريقة التي يرفع بها رأسه بأن الوقت قد حان، وأنه ينوي ألا يُطيل الوداع. نهضت وتقدَّمت إليه، بينما دنا هو منها واحتضنَها بين ذراعَيه. ارتسمَت ابتسامتها الصغيرة الغريبة الحميمية بعينَين مُغلَقتَين بعض الشيء.

تمتَمَت: «هل حانت لحظةُ الوداع؟» مرَّرت يدَيها على كتفَيه، وأنزلتها على ظهره القوي وعلى جانبَي مِعطفه المُلائم لجسده، وكأنها تحفظ هيكل جسده ومقاساته. لم يرتفع ذقنها عن جيب صدره، وفركَتْه في ملابسه الثقيلة. وقف كلود ينظر إليها من دون أن يتفوَّه بكلمة. فجأةً طوَّقَها بقوة حتى كاد أن يُصيبها بأذًى.

همس وهو يُقبِّلها: «أمي!» نزل إلى الطابق السفلي، وخرج من المنزل مسرعًا من دون أن ينظر خلفه.

بصعوبةٍ نهضت من الكرسي الذي كانت تقبع فيه، وتسلَّلت إلى النافذة؛ كان يثبُ على التل بأسرعِ ما يمكنه. قفز إلى السيارة بجانب والده. كان رالف قد تولَّى عَجلة القيادة بالفعل، وما كاد كلود أن يستقرَّ على المقعد حتى انطلقوا بالسيارة. ساروا بجانب النهر، وعبَروا الجسر، ثم صَعِدوا التل على الجانب الآخر. عندما اقتربوا من قمة التل وقف كلود في السيارة، ونظر خلفه إلى المنزل مُلوِّحًا بقبعته ذات الشكل المخروطي. مالت إلى الخارج وأمعنَت النظر، لكن دموعها جعلت كلَّ شيء ضَبابيًّا. بدا الشكل البُنِّي المستقيم كأنه يطفو من السيارة عبر الحقول، وغاب عن ناظرَيها قبل أن يختفيَ بالفعل. تراجعت واستندت إلى حافة النافذة، وقد أمسكت صُدغَيها بكِلتا يدَيها، وانخرطت في حديثٍ عاطفي خانق. انتحبَت: «أيتها العينان العجوزتان، لمَ تخونانِني؟ ما لكما تخدعانِني في آخر نظرة أُلقيها على ولدي الرائع؟!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢