الكتاب الرابع

رحلة السفينة أنخيسيس

١

قطارٌ طويل، عرَباته مُكتظَّة بالركَّاب الذين ينتمون إلى الجنس نفسِه والسنِّ نفسها تقريبًا، وجميعهم يرتدون الزيَّ نفسه والقبعاتِ نفسَها، كان يمشي مُتباطئًا بين المُروج البحرية الخضراء في عصر أحد أيام الصيف. في العربات، لم يتوقَّف الركاب عن تمديد سيقانهم المُتشنِّجة، وتحريك أكتافهم، وإشعال الثقاب، وتمرير السجائر فيما بينهم، وإصدار آهات المَلل، وفي بعض الأحيان تشارك الضحك حول لا شيء. فجأةً توقَّف القطار. طلَّت الرءوس الحليقة والوجوه التي لفحَتها الشمس بالسُّمرة من كل نافذة. بدأ الفتيان في التذمر والصياح؛ ما الخَطب الآن؟

مرَّ مُفتِّش التذاكر بين العربات وهو يقول شيئًا عن تحطُّم قطار شحن أمامهم، وعن صدور التعليمات إليه بالانتظار لمدة نِصف ساعة. لم يُعِره أحدٌ أيَّ اهتمام. ارتفعت تمتماتُ الدهشة من أحد جوانب القطار. تزاحم الفِتيان على النوافذ الغربية. أخيرًا وجدوا ما يستحقُّ النظر إليه، وإن كان ما يُشاهدونه هادئًا للغاية، حتى إن صيحاتهم بالتعجب لم تعلُ كثيرًا.

قبَع قطارهم بجوار لسان بحري يمتدُّ داخل الشاطئ الأخضر حتى مسافةٍ بعيدة. على حافة المياه الساكنة، كانت تقف هياكلُ أربعِ سفن خشبية في طَور البناء. لا توجد بلدة ولا مَداخن، لا يوجد سوى بضعةِ عمَّال. كانت تقبع أكوام من الأخشاب على الحشائش. وثَمة مُحرك بنزيني تحت مِظلَّة مؤقتة يُشغِّل رافعةً طويلة تمتدُّ ذراعُها إلى أكوام الألواح والعوارض الخشبية، وترفع الحمولة وتتأرجح بها في صمت، وتعمد بها إلى أحد هياكل السفن، وتضعُها في مكانٍ داخل السفينة القابعة من دون حَراك. وعلى طول الجوانب الخاوية، كان يعكف عددٌ من عمالِ دقِّ المسامير على عملهم؛ إذ يجلسون على ألواحٍ مُعلَّقة، ويُنزلون أنفسَهم أو يصعدون باستخدام البكرات مثل عمال طِلاء المنازل. كان لا يُسمع صوت مطارقهم إلا بالإنصات إليهم عن قُرب. وكان لا يُسمَع صياح بالأوامر، ولا تتردد جَلَبة الآلات الثقيلة ولا صخَب الحفَّارات الحديدية في الهواء. إن هذه الزوارق الغريبة تبدو كأنها تَبْني نفسها.

خرَج بعض الرجال من العربات، وجرَوا بطول خطوط السكك الحديدية، وراحوا يسأل بعضُهم بعضًا كيف يمكن أن تُبْنى السفن فوق العشب كما يرَون. مدَّد المُلازم كلود ويلر ساقَيه على المقعد المُقابل، وجلس ساكنًا بجوار نافذته، وظل ينظر إلى هذا المشهد الغريب. كان يظن أن بناء السفن يقتضي وجود ضوضاء وأشغال حِدادة وصوت المحركات وحشود من الرجال. كان هذا بمثابة حُلم. لا شيء سوى المُروج الخضراء، ومياه لونها رمادي دافئ، وطبقة طافية من الضباب تعكس شيئًا من اللون الوردي الذي اتخذَته من الشمس الغاربة، ونوارس كالأشباح تطير على مَهَل بينما يُضفي الوهج الأحمر لونًا على أجنحتها، وتلك الهياكل الأربعة المثبتة فوق العوارض في مواجهة البحر كأنها تتباحث بجواره.

لم يكن كلود يعرف شيئًا عن السفن ولا عن بنائها، لكن هذه السفن لا تبدو مثبتةً بالمسامير، بل تبدو منحوتة من كُتَل الخشب. ذكَّرَته بالمنازل التي لم تُبنَ باليد؛ كانت كأفكارٍ بسيطة وعظيمةٍ مثل الأغراض التي تتشكَّل هنا في صمت بجوار لسان هادئ من المحيط الأطلنطي. لم يكن يعرف أي شيء عن السفن، لكنه لم يكن يحتاج إلى ذلك؛ إذ كان شكل تلك الهياكل وما بها من خطوطٍ قوية واضحة يحكي قصتها، بل إنه «هو» قصتها التي تحكي مغامرةَ الإنسان بأكملها مع البحر.

السفن الخشبية! حين كانت المشاعر العظيمة والتطلعات الكبيرة تُحرك بلدًا ما، كانت مثلُ هذه الهياكل تُبْنى على طول سواحلها كي تحميَ بَسالتَها. ما من شيء قد رآه كلود أو سمعه أو قرأه أو فكَّر فيه، قد جعل الأمر بهذا الوضوح مثل تلك القيعان الخشبية التي لم تُستخدَم بعد. كانت تُعبِّر عن الرغبة الخالصة، وعن التصرف المحتمل، وعن «الهجوم»، وعن السهم المنطلق، وعن الصرخة العظيمة المكتومة؛ كانت هي المصير، وهي الغد! …

انطلقت صافرة القطار لتجمع رُكابه المُتفرقين، وكأنها دجاجةٌ رومية تُنادي على أفراخها. عاد الشباب المُجنَّدون جريًا على طول الجسر، وقفزوا على متن القطار. صاح مُفتِّش التذاكر بأنهم سيَصلون إلى هوبوكين في وقت العشاء.

٢

كان منتصفُ الليل قد حلَّ حين تناوَل المُجنَّدون عشاءهم، وبدَءوا في فرد الأغطية كي يناموا على أرضيات قاعات الانتظار الموجودة على المرفأ الطويل، التي كانت تعجُّ في أيامٍ أخرى بالقادمين للترحيب بالأصدقاء العائدين إلى الوطن، أو لوداعهم قبل الذَّهاب إلى سواحل البُلدان الأجنبية. حاوَل كلود وبعضُ رجاله استكشاف الأشياء حولهم، لكنهم لم يتمكَّنوا من رؤية الكثير. ظهرت مقدمة إحدى السفن مَطليةً بأنماط مربكة باللونين الأبيض والأسود من أحد أطراف السقيفة، لكن المياه نفسها لم تكن تُرى. في الشارع المرصوف بالحجارة، ظلوا بعضَ الوقت يُراقبون الصف الطويل من العربات التي تجرُّها الأحصنة والشاحنات، والتي ظلَّت طوال الليل تتدافع إلى مخزنٍ مُضاء بالكهرباء تُخزَّن فيه الصناديق والبراميل والبضائع من جميع الأنواع، والتي كان مكتوبًا عليها ما يأتي: «قوات المشاة الأمريكية»؛ لقد كانت هناك صناديق تحوي آلات كهربائيةً واردة من مصنع في أوهايو، قِطع غيار سيارات، قاطرات مِدفعية، أحواض استحمام، مستلزمات طبية، رزم قطن، صناديق من الطعام المعلب، خزانات معدنية رمادية مليئة بالسوائل الكيميائية. عاد كلود إلى قاعة الانتظار، واستلقى وغطَّ في النوم، بينما يُشعُّ وهجُ مِصباح قوسي بالكامل في وجهه.

استُدعيَ في الرابعة صباحًا، وأُخبرَ بالمكان الذي سيُثبت فيه حضوره إلى مركز القيادة. شرح النقيب ماكسي الذي كان يجلس على مكتبٍ يوجد على أحد الأرصفة لمُلازميه أن سَريَّتهم ستُبحِر في الساعة الثامنة على متن سفينة أنخيسيس. كانت تلك سفينةَ شحنٍ إنجليزية قديمة سُحِبت من التجارة الأسترالية، ولا تسَع أكثر من ٢٥٠٠ فرد. كان الطاقم إنجليزيًّا، لكنَّ جزءًا من المؤَن، اللحوم والخَضراوات والفاكهة الطازَجة، مُقدَّم من حكومة الولايات المتحدة. كان النقيب قد صَعِد على متن السفينة في الليل، ولم تُعجِبه كثيرًا. كان يتوقَّع أن يُبحر الطاقم بإحدى سفن شحن «هامبورج أميركان» المُزوَّدة بقاعات طعام بها طبقةٌ من خشب الصندل، ومحطات للتهوية، ومحطات للتبريد، ومصاعد للتنقل بين أعلى السفينة وأسفلها، وكأنها إحدى بنايات المكاتب في نيويورك. قال: «علينا أن نستخدمها على النحو الأمثل بالرغم من هذا. فهم يستخدمون الآن كلَّ ما له قاع.»

تشكَّل أفراد السَّرية في طوابير استعدادًا لنداء الأسماء في أحد أطراف السقيفة، وأخذوا معهم أمتعتهم وبنادقهم. قُدِّم الإفطار لهم بينما كانوا ينتظرون. بعد الوقوف لمدة ساعة على الأرض الخرسانية، رأوا إشاراتٍ مُشجِّعة. فعند نهاية معبر السفينة، أُنزل سُلَّمان منها، وبدأ يتدفَّق على كل سُلَّم طابورٌ من رجال يرتدون زيًّا بُنيًّا ويرتدون قبعاتِ خدمةٍ أنيقة. تعرَّفوا على سَرية مُشاة كانساس، وبدأ التذمر لأنهم لم يحصلوا على قبعات الخدمة حتى الآن؛ وسيكون عليهم الإبحارُ بقبعات ستيتسون القديمة الخاصة بهم. سُرعانَ ما وُجِّهوا إلى أحد الطوابير البُنِّية التي استمرَّت في صعود المَمرَّات، مثل سير يتدفق على إحدى الآلات. على متن السفينة، وجَّه أحدُ المُضيفين المُجنَّدين إلى عنبر الجنود، بينما وجَّه مُضيفٌ آخرُ الضباطَ إلى مقصوراتهم. اقتِيدَ كلود إلى غُرفة بها أربعة أسرَّة. كان أحد زملائه في السَّرية، المُلازم فانينج، زميلًا له في الغُرفة أيضًا، ووجده بها بالفعل يُرتِّب أغراضه القليلة. أخبرهما المضيف أن الضباط كانوا يتناولون الإفطار في قاعة الطعام.

بحلول الساعة السابعة، كانت جميع القوات قد صارت على متن السفينة، وسُمِح للجنود بالصعود على ظهرها. للمرة الأولى، رأى كلود المظهر الجانبيَّ لمدينة نيويورك، وهي ترتفع رقيقةً ورمادية على خلفية سماء الصباح التي تتَّخذ لون الأوبال. طلع النهار حارًّا وضبابيًّا. بالرغم من أن الشمس كانت مرتفعةً حينذاك، بدَت ككُرةٍ حمراء تُلطِّخها سُحبٌ أرجوانية. وبدَت المباني الشاهقة التي سمع عنها الكثير واهيةً ووهميَّة؛ محض ظِلال رمادية وزهرية وزرقاء قد تذوب مع الضباب وتتلاشى فيه. مُنِي الفتيان بخيبة أمل. لقد نشَئوا في الولايات الغربية، حيث ألْفَوا الإضاءة ذاتَ التباين الحادِّ المميز للارتفاعات العالية، وكانوا يريدون رؤية المدينة بوضوح، لكن حجَبَتها عنهم تلك الأبراجُ التي لا تقف على مستوًى واحد، ولا تكاد تُرى في الضباب. كان الجميع يطرح أسئلة. أيٌّ من تلك المباني العملاقة الباهتة هو مبنى سنجر؟ وأيها مبنى وولوورث؟ وما تلك القبَّة الذهبية التي تلمع بعضَ الشيء من بين الضباب؟ لا أحد يعلم. اتفَقوا على أنه من المُخزي أنْ لم يتمكَّنوا من قضاء يوم في نيويورك قبل الإبحار بعيدًا عنها، وأنهم سيشعرون في باريس بالحماقة حين يكون عليهم الاعتراف بأنهم لم يتجوَّلوا في برودواي. كانت القاطرات والعبَّارات وبوارج الفحم تتحرَّك ذَهابًا وإيابًا في النهر المُغطَّى بالزيت، وكلها مَشاهد جديدة على الرجال. في مراسي فرنسا وكانار، رأوا الأمثلة الأولى على «التمويه» الذي سمعوا عنه كثيرًا؛ سفن كبيرة مطليَّة بأنماط مجنونة تؤذي العين، بعضها بالأسود والأبيض، وبعضها بألوان قوس قُزح الناعمة.

انبعث البخار من قاطرةٍ مُجاوِرة للسفينة وثبتتها. بعد بضع دقائق، ظهَر رجلٌ على الجسر، وبدأ يتحدَّث إلى النقيب. تحدَّث فانينج الذي لم يترك جانب كلود، وأخبره أن ذلك الرجل هو مُرشِد السفن، وأن وصوله يعني أن الرحلة ستبدأ. تمكَّنوا من رؤية تجميع الأدوات اللامعة لإحدى الفِرق عند مقدمة السفينة.

قال فانينج: «لنذهب إلى الجانب الآخر بالقرب من السياج إن استطعنا. فالفِتيان مُتجمِّعون هناك لأنهم يريدون مشاهدة تمثال «إلهة الحرية» مع انطلاق السفينة. إنهم لا يعرفون حتى أن تلك السفينة تستدير في اللحظة التي تدخل فيها إلى النهر. يعتقدون أن السفينة ستنطلق بمؤخرتها أولًا!»

لم يكن من السهل عليهما عبورُ ظهر السفينة؛ إذ غطَّت الأقدام كلَّ بوصة فيه. اكتسى ظهرُ السفينة بالكامل بالزِّي البُنِّي؛ كان الجنود يتمسَّكون برافعات القوارب والأوناش والسياجات ووحدات التهوية مثل سِرب من النحل. فورَ أن خرجت السفينة هبَّ نسيمٌ قلَّل من رطوبة الهواء. انبلجت السماء الزرقاء فوق رءوسهم، وازداد وضوح الصورة الظلِّية للمباني الممتدَّة على الجزيرة الطويلة. لمعت النوافذ بلون اللهب في جوانبها الرمادية، وتلألأت أسطُح الأبراج الذهبية والبرونزية حيث سقطَت أشعَّة الشمس بصعوبة. كانت السفينة تتقدم ببطءٍ نحو النقطة المنشودة، وعلى الجهة اليسرى رأت العين الشبكة الفِضية التي تتشكَّل منها الجسور التي تبدو للرائي شديدةَ التشابك.

«ها هي!» «مرحبًا أيتها الفتاة العتيقة!» «وداعًا أيتها الحبيبة!»

اندفع السِّرب نحو الميمنة. صاحوا وأشاروا إلى الصورة التي كانوا يبحثون عنها جميعًا، رأوها من مسافةٍ أقرَب كثيرًا من تلك التي توقَّعوها، رأوها برِدائها الأخضر ذي الثنايا بينما يتصاعد الضباب مُتدفقًا من خلفها كالدخان. كانت تلك هي المرَّةَ الأولى للغالبية العظمى من الجنود الألفَين والخَمسمائة التي يرَون فيها تمثال بارتولدي، كما كانت المرَّةَ الأولى لكلود أيضًا. على الرغم من صورة التمثال الواضحة في عقولهم، فإنهم لم يتخيَّلوه وهو واقفٌ بين البحر والسماء، بينما تمرُّ جميع سفن الشحن من عند قدمَيه، وتتحرَّك كُتَل السحاب من خلفه. لم تُعطهم الصور الموجودة على طوابع البريد أدنى فكرة عن الطاقة التي توحي بها إشارة التمثال، ولا عن ثقله الذي يغدو خفيفًا بين الضباب. ظل الجنود يُحيونها ويقولون: «أعطتنا فرنسا ذلك التمثال.» قبل أن يُفيق كلود من أول شعور ينتابه بالإثارة، بدأت فِرقة كانساس في مقدمة السفينة تعزف أغنية «هناك». تغنَّى بها ألْفَا صوتٍ يُدوُّون فوق المياه بابتهاج وإصرارٍ راسخ ينتشران في تلك الأجواء الجزلة.

مرَّت عبَّارةٌ تابعة لجزيرة ستاتين على مَقْربة من مقدمة السفينة. كان الرُّكاب مُوظَّفين ذاهبين إلى العمل، وحين نظروا ورأوا هذه المئات من الوجوه الشابَّة البرونزية المُبتسِمة، بدَءوا يصيحون ويُلوحون لهم بمناديلهم. كان أحد الركاب رجلَ دينٍ عجوزًا، وكان مُتحدثًا مشهورًا في عصره، لكنه قد تقاعد الآن، وصار يذهب إلى المدينة كل صباح لكتابة افتتاحيات في جريدة الكنيسة. أغلق الكتاب الذي كان يقرؤه، ووقف بجانب السياج، ورفع قبعته، وبدأ يتلو أبيات شعر لشاعرٍ كان ما يزال معروفًا في عصره. تلا بصوتٍ مُرتعش: «واصلي المسير»:

«أنتِ أيضًا، واصِلي المسير أيتها السفينة؛
فالبشرية بكل مخاوفها
وكل آمالها للمستقبل
تتشبَّث بمصيرك لاهثةَ الأنفاس.»

بينما تعمَّقَت السفينة العسكرية داخل البحر، ظل الرجل العجوز يُراقبها من العبَّارة ذات الظهر المُحدَّب. ذلك الحشد الهادر من ذوي الوجوه البُنية والقبعات والأذرُع بدا كأنه ليس سوى جمعٍ من فِتية أمريكيِّين ذاهبين إلى مباراة كُرة قدم في مكانٍ ما. لكن هذا المشهد كان أزليًّا؛ شباب يُبحرون بعيدًا للموت من أجل فكرة، من أجل عاطفة، من أجل عبارة فحسب … وفي رحلة المغادرة، كانوا يقطعون العهود لصورةٍ برونزية في البحر.

٣

طوال وقت الصباح في اليوم الأول، طاف تود فانينج بكلود ظهر السفينة؛ والحق أنَّ فانينج لم يركب شيئًا أكبر من باخرة في بحيرة ميشيجان، لكنه كان يعرف الكثير عن الآلات، ولم يكن يتردَّد في أن يسأل المُضيفين على متن السفينة عن أي شيء لا يعرفه. فوجئ الفِتية بطِيبة المُضيفين الشديدة، بل الطاقم بأكمله، والتزامهم غير العادي.

لم يظهر الشاغل الرابع للمقصورة رقم ٩٦ التي يُقيم فيها كلود حتى وقت الظهيرة، ولم يظهر أيضًا أيٌّ من مُتعلقاته؛ فبدأ الثلاثة الذين استقروا فيها يأمُلون أن تظل المقصورة لأنفُسهم. ستكون مُزدحمة بما يكفي بالفعل عند هذا الحد. خُصِّص السرير الثالث لضابط من سَرية كانساس، وهو المُلازِم بيرد من فيرجينيا، وكان يعمل في بنك عمه بمدينة توبيكا حين انضمَّ للجيش. جلس هو وكلود معًا على مائدة الطعام المشتركة. في وقت الغداء، قال الفيرجيني بنبرته اللطيفة:

«أيها المُلازم، أرجو أن تُخبرني عن المُلازم فانينج. إنه يبدو لي أرعَن. ظل يُخبرني عن اختراعه لجهاز لتدمير الغوَّاصات، لكن ذلك يبدو لي محض حماقة.»

ضحك كلود. «لا تُحاوِل أن تفهم فانينج. امنحْه الفرصة كي تعرفه، وسيأتي الوقت وتُحبُّه. لقد كنت أتعجَّب من أنه حصل على التكليف من الأساس. لا يمكن لأحدٍ أن يتوقَّع الجنون الذي قد يفعله.»

على سبيل المثال، أحضر فانينج أول سروالٍ قُطني أبيض خِيطَ له خِصِّيصى، وهو الوحيد الذي يملكه؛ ذلك أنَّ نفسه قد حدَّثته بأن السفينة ستمكث في أحد الموانئ، وسيُدعى لحضور حفل في حديقة! كان يستخدم الكلمات الكبيرة في غير سياقها؛ وليس ذلك حبًّا في الظهور، بل لأن الكلمات كانت تبدو في نظره سواءً. في الأيام الأولى من تعارُفهما في المعسكر، أخبر كلود أن تلك علة لا يستطيع التعافيَ منها، وهي ما يُسمَّى ﺑ «فقد الإحساس». تصبح هذه العلة مُربكة في بعض الأحيان؛ فعندما أعلن فانينج مُتحمسًا أنه سيَودُّ أن يُصبح في الخدمة عندما حسَم وليُّ العهد مشكلته الصغيرة مع بليتو (أفلاطون)، لم يفهم كلود شيئًا حتى اتضَح من النِّكات اللاحقة أن الفتى كان يقصد بلوتو.

في الساعة الثالثة، أقامت الفِرقةُ احتفالًا على ظهر المركب. انخرَط كلود في حديث مع قائد الفِرقة، وسُرَّ لما علم أنه هو وأعضاء فِرقته الأربعة عشر من مدينة هيلبورت بكانساس، وهي مدينةٌ ذهبَ كلود إليها ذاتَ مرة مع والده لشراء الماشية. كانوا هم فِرقةَ المدينة، والْتحَقوا بالتجنيد دفعةً واحدة، وذهبوا إلى التدريب معًا، ولم يتفرَّقوا قَط. أحد أفراد الفِرقة يعمل في مطبعة، ويُساعد في طباعة مجلة «هيلبورت آرجوس» كل أسبوع، وآخر يعمل في محل بقالة، وثالثٌ ابن رجل ألماني يعمل في إصلاح الساعات، ورابع لا يزال في المدرسة الثانوية، وخامس يعمل في دهان السيارات. بعد العشاء، وجدهم كلود مُتجمِّعين وشديدي الاهتمام بأول ليلة لهم في البحر، ويتناقشون فيما إن كان غروب الشمس في المياه بالجمال الذي كانوا يرَونه عليه كلَّ مساء في هيلبورت، أم لا. كانوا يقضون الوقت معًا بهدوء وحزم، وإن تتحدَّث إلى أحدهم فسُرعانَ ما ستجد البقيةَ قد اشتركت في الحديث.

حين كان كلود وفانينج والمُلازم بيرد يخلعون ملابسَهم في مَبِيتهم الضيِّق تلك الليلة، لم يكن صاحب السرير الرابع قد حضَر بعد. وحين دخلوا إلى أسرَّتهم وكادوا يَغطُّون في النوم، دخل الرجل الرابع وأضاء المِصباحَ دون تكلُّف. اندهشوا حين رأوه يرتدي زيَّ الفيلق الجوي الملكي ويحمل عصًا. بدا صغيرًا للغاية، لكن الثلاثة الذين اختلَسوا النظر إليه شعروا أنه شخصٌ مهمٌّ دون شك. خلَع المِعطف ذا الياقة التي تتَّخذ شكل جَناحَين مبسوطَين، وخلع ساعته، وأولى تنظيف أسنانه أهميةً خاصة. بعد مدةٍ وجيزةٍ أطفأ المِصباح، وصَعِد إلى سريره فوق المُلازم بيرد، وانتشرت رائحةٌ نفَّاذة لشراب الرم في الغُرفة.

كان فانينج ينام تحت كلود، ورفس المَرتبة المُرتخية فوقه، وأخرج رأسه. «مرحبًا يا ويلر! ماذا هنالك؟»

«لا شيء.»

«لا شيء، هذا طيب الرائحة. سأتناول البعض مع أيِّ شخص يدعونني لذلك.»

لم يَرِد ردٌّ من أي سرير. تمتم بيرد الفيرجيني: «توقف عن الصخب»، ثم خلَدوا إلى النوم.

في الصباح عندما أتى الخادم المسئول عن الحمام، شقَّ طريقه في المقصورة الضيقة، ومدَّ رأسه إلى السرير الواقع فوق بيرد. «عذرًا يا سيدي، لكني بحثتُ عن أمتعتك بعناية ولم أجدها يا سيدي.»

استشاط الصوت الخشن بالأعلى: «لا بد أن تَعثُر عليها كما أخبرتك. لقد أحضرتها بنفسي من سانت ريجيس في سيارة أُجرة. رأيت الحقيبة على الرصيف مع حقائب الضباط، إنها حقيبةُ سفر كبيرةٌ سوداء محفور عليها الحرفان V.M. من الطرَفَين. ابحث عنها.»

ابتسم الخادم سرًّا. كان يعلم على الأرجح أن الطيار صَعِد على متن المَركب في حالة تحوُّل دون أي ملاحظة دقيقة من جانبه. «حسنًا يا سيدي. هل هناك شيء أستطيع القيام به في الوقت الحالي؟»

«خذ هذا القميص معك إلى المِغسلة وأعِدْه لي الليلة. فليس لديَّ ملابس كَتَّانية في حقيبتي.»

«أمرك يا سيدي.»

خرج كلود وفانينج إلى سطح السفينة بأسرعِ ما أمكَنهما، ووجدا العشرات من زملائهما على ظهرها بالفعل يُشيرون إلى بُقَع من الدخان القاتم على طول الأفق الصافي. كانوا يعلمون أن تلك السفن آتيةٌ من موانئَ مجهولة، بعضها بعيد، وتُبحر إلى أماكنَ لا يعلم وِجْهتَها سوى القادة. ستصل جميعُ السفن إلى نقطةٍ مُحدَّدة على سطح المحيط في أوقاتٍ مُتقارِبة. في تلك البقعة، ستقف كلُّ سفينة في مكانها محاطةً بمُدمِّراتها، وستتقدَّم جميعًا بتشكيل مُنظَّم من دون أي تغيير في مواقعها النِّسبية. لن تتركها الحامياتُ حتى تنضمَّ إليها الزوارق الحربية والمُدمِّرات قبالةَ أي ساحل تتَّجه إليه، لكنَّ أحدًا لا يعرف أي ساحل على وجه التحديد، ولا حتى الضباط.

حدث ذلك اللقاء بالفعل قُبَيل الظهيرة. كانت هناك عشرة سفن حربية، بعضها زوارق كبيرة، وستُّ مُدمِّرات. وقف الجنود طيلةَ وقت الصباح تقريبًا يُحدِّقون مذهولين بالسفن الشقيقة، ويُحاولون معرفة أسمائها، ويُخمِّنون قدراتها الاستيعابية. بعد أنِ اسمرَّت جلودهم بالفعل، بدأت شِفاههم وأُنوفهم في التقرُّح بفعل أشعَّة الشمس الحارقة. بعد شهور طويلة من التدريب المُكثَّف، امتُنَّ عليهم بوقتٍ من الراحة والسكون. وعلى الرغم من أن حياتهم الماضية لم تكن طويلة ولا مُتنوِّعة الأنشطة، فقد شعَر معظمهم كما شعَر كلود ويلر؛ شعروا بالارتياح للتخلص من جميع ما سبق ومواجهة شيء جديد تمامًا. قال تود فانينج وهو يقف أمام الحاجز: «يمكن لمن يرغب أن يركض كلَّ صباح للَّحاق بالقطار، وأن يقضيَ أيامه في أحد مصانع «ويستنجهاوس»، لكني لم أعُد أرغب في القيام بذلك!»

انضمَّ إليهما الفيرجيني. «ذلك الرجل الإنجليزي لم يخرج من السرير حتى الآن. أعتقد أنه لم يفتأ يُسرِف في الشراب. رائحة المكان تُشبِه رائحة الحانة. لقد خرج خادم الغُرفة لتوِّه وغمز لي. رأيته يضع شيئًا في جيبه خلسةً، وبدا أنها ورقةٌ نقدية.»

شعَر كلود بالفضول ونزل إلى المقصورة. حين دخل، وجد رجل القوات الجوية مستلقيًا على سريره العُلوي مرتديًا نِصف ملابسه، ونهض مُستندًا إلى مِرفقه، ونظر إلى كلود. كانت عيناه الزرقاوان مقطبتَين ومُكتئبتين، وشَعره المُجعَّد غير مُرتَّب، لكنَّ وجنتَيه ورديَّتان كأنهما وجْنتَا فتاة، وشاربه الصغير الأصفر مثل الطائر الطنَّان على شفته العليا مبرومًا بحدة.

قال كلود مُتوددًا: «تُفوِّت على نفسك طقسًا جميلًا.»

«حسنًا، سنستمتع بالطقس كثيرًا قبل أن نغادر، وسنستمتع بالقليل من أي شيء آخر!» سحَب زجاجةً من تحت وِسادته. «هل تريد رشفة؟»

مدَّ كلود يده: «حسنًا، لن أمانع.»

ضحك الآخر، وعاد مرةً أخرى إلى وسادته، وتَشدَّق مُتكاسلًا: «يا لك من فتًى شجاع! هيا؛ اشرب في نخب القيصر.»

«لماذا نخبُه على وجه الخصوص؟»

«ليس على وجه الخصوص. اشرب في نخب هيندنبورج أو القيادة العليا أو أي شيء آخر أخرجَك من حقل الذرة. هذا هو المكان الذي أخذوك منه، أليس كذلك؟»

«تخمين صائب على أي حال. من أين أخذوك؟»

«كريستال ليك، آيوا. أعتقد أن هذا هو المكان.» تثاءب وطوى يدَيه فوق بطنه.

«عَجبًا، ظننَّا أنك إنجليزي.»

«كلا. لكني خدمت في الجيش الملكي لمدة عامَين.»

«هل كنتَ تُسافر إلى فرنسا؟»

«نعم، ظلِلتُ أتنقَّل بين إنجلترا وفرنسا طَوال الوقت. الآن، ضيَّعت شهرَين في فورت وورث. وضعوني مُدربًا هناك. ليس ذلك بمجالي. كان ذلك بمثابةِ عِقاب لي. لا يمكن معرفةُ ما يدور في عقل العقيد الذي يرأسُني على أي حال؛ ربما تكون تلك طريقتَه في إبعادي عن الخطر.»

نظر إليه كلود مُندهشًا من فكرةٍ كتِلك.

ابتسم له الشابُّ ابتسامةَ شفقةٍ فاترة. «حسنًا، لا أعني طائرات الألمان! توجد الكثير والكثير من المخاطر. ستعرف أنهم لم يُخبروك في معسكر التدريب إلا قدرًا ضئيلًا للغاية من المعلومات عن تلك الحرب. إنهم لا يقولون أي تفاصيل مُهمة. هل أنت ذاهب؟»

لم يكن كلود ينوي الخروج، لكنه سحَب الباب حين سمع ذلك الاقتراح.

نادى الطيار: «انتظِرْ دقيقة. ذلك الأحمق صاحب السيقان الطويلة الذي ينام على السرير أسفلك، هلَّا أبقيتَه هادئًا؟»

«هل تقصد فانينج؟ إنه فتًى طيب. ماذا به؟»

فجأةً استشاط الآخرُ غضبًا وهو يتقلَّب: «جهله العام ونبرته المألوفة بدرجةٍ لا تُطاق.»

وجد كلود فانينج والفيرجيني يلعبان الداما، وأخبرهما أن الطيار الغامض ريفيٌّ مثلهما. بدا أن كِلَيهما قد مُنِيا بخيبة الأمل.

تعجَّب المُلازم بيرد: «سحقًا!»

قال فانينج: «حسنًا، لا يسَعُه النظر إليَّ نظرةً دونية بعد ذلك. كريستال ليك! ليست تلك بمدينة أصلًا!»

على الرغم من هذا، أراد كلود أن يعرف كيف استطاع شابٌّ من كريستال ليك أن يُصبح عضوًا في الفيلق الجوي الملكي. ومن بين مئات الغرباء، برَز ستة رجال كان يعزم على أن يتعرَّف عليهم أكثر. وفي مشهدٍ مهيب يجمعهم جميعًا وهم يتجوَّلون على ظهور المراكب تحت أشعة الشمس، نسوا الغَيرة والمنافسات التافهة التي نشبت بينهم أيام المعسكر. بدا أنَّ شبابهم يتدفَّق معًا، كزيِّهم البُنِّي المُوحَّد. حين رآهم كلود في هذا الحشد، شعَر أنَّ النُّبل يبدو في سِيمائهم. بدا الصدق في وجوه العديد منهم، بدا في وجوههم التعبيرُ عن الترقُّب المُستبشر والحماسة الواثقة.

كان من بين الركاب رجلٌ واحد من سلاح البحرية، وعلى مِعطفه شاراتُ الخدمة في سلاح حرس الحدود. كان مريضًا في مستشفى البحرية في بروكلين حين أبحرَت سَريَّته، وكان حينذاك في طريقه كي ينضمَّ إليها. كان شاحبَ البشرة بعض الشيء بسبب مرضه الأخير، لكنه كان يُجسِّد الصورة التي رسمها كلود في ذهنه عمَّا يجب أن يكون عليه الجندي. وظل يتبع بعينَيه جنديَّ البحرية طوال اليوم.

كان الشابُّ يُدعى ألبرت آشر، ويأتي من بلدةٍ صغيرة تقع على جبال ويند ريفر بمُقاطَعة وايومنج، حيث كان يعمل في أحد معسكرات قطع الأخشاب. أخبر كلود بتلك المعلومات حين كان أحدهما واقفًا بجانب الآخَر على ظهر المركب في ذلك المساء يُشاهدان الشمس الأرجوانية وهي تغوص في مياه البحر ذات اللون البَنفسَجي.

كان ذلك هو الموعدَ الذي يُبيِّت مُزارعو المنزل فيه ماشيتهم بعد انتهاء عمل اليوم. كان كلود يُفكر في أن أمه ستقف كلَّ مساء في النافذة الغربية تُشاهد الشمس، وتتبعه بمُخيِّلتها. حين صَعِد جنديُّ البحرية وانضمَّ إليه، اعترف أنه يُعاني ألم الحنين إلى الوطن.

قال ألبرت آشر: «ذلك مرض لن أُضطرَّ إلى مصارعته. لقد تُركت يتيمًا في مزرعةٍ مُنعزلة عندما بلغتُ التاسعة، وأنا أعتني بنفسي منذ ذلك الحين.»

نظر كلود بطرف عينه إلى رأس الفتى الذي يستقرُّ على رقبةٍ حليقة وقوية، وخطرَ له أنه قد أبلى بلاءً حسنًا في الاعتناء بنفسه. لم يستطع معرفةَ ما كان يُعجبه في وجه آشر الشاب على وجه التحديد، لكن بدا له أن ذلك الوجه مرَّ بالعديد من الأحداث التي درَّبته مثلما درَّب هو جسدَه، ونمَت فيه شخصيةٌ مُحدَّدة. ما كان كلود يظن أنه يعود إلى الحياة الرجولية المليئة بالمغامرات، كان راجعًا في حقيقة الأمر إلى العظام الحسنة التشكيل؛ ذلك أن وجه آشر كان أكثر «تنسيقًا» من معظم سِماته التي تدل على الصحة.

حين سُئل جنديُّ البحرية، قال إنه على الرغم من عدم امتلاكه لبيتٍ خاص به، فإنه دائمًا ما كان يجد نفسه بين أناس طيِّبين. وقال إنه يستطيع العودة إلى أي منزل في باينديل أو دو بوا، وسيُرحَّب به ترحيب الأبناء.

قال: «أظن أن النساء الطيِّبات في كل مكان، لكن وايومنج تتفوَّق في ذلك الصدد على بقيَّة العالم. لم أشعر قطُّ أنني أفتقر إلى بيت. والآن أصبح سلاح البحرية الأمريكي عائلتي. أينما حلَّ فأنا في بيتي.»

سأل كلود: «هل زرت فيرا كروز؟»

«أعتقد ذلك! ظننَّا أنه حفلٌ صغير في ذلك الوقت، لكني أظن أننا سنجده حدَثًا غيرَ مهم عندما نصلُ إلى هناك. أعتقد أننا سنشهد تدميرًا من الدرجة الأولى. ما مدة خدمتك في الجيش حتى الآن؟»

«مرَّ عامٌ منذ أبريل الماضي. كان حظِّي سيئًا في السفر. ظلوا ينقلوني من مكان إلى آخر لتدريب الجنود.»

«سيكون القادم أفضل. هل أنت خريجٌ جامعي؟»

«لا، الْتحقتُ بالجامعة ولكني لم أُكمِل.»

قطَّب آشر وهو ينظر إلى الخط المُعسجَد فوق المياه حيث تغرب الشمس، وقد انغمس نِصفها كأنها عينٌ كبيرة مُتيقظة توشك أن تُغمِض. «كنت أرغب في الالتحاق بالجامعة، لكني لم أتمكَّن من ذلك. ثَمة رجلٌ من لارامي عرض عليَّ المشاركة في دورةٍ تدريبية بالجامعة، لكني كنتُ قلقًا للغاية. أظن أنني كنتُ خجلًا من خط يدي.» توقَّف كأنه تذكَّر شيئًا مؤسفًا قديمًا. بعد بُرهة، قال فجأةً: «هل تتحدث الفرنسية؟»

«لا، أعرف بِضع كلمات، ولا أستطيع صياغتها معًا.»

«أنا أيضًا أتوقَّع أن أتعلَّم بعضًا من الفرنسية. فقد عرَفتُ قليلًا من الإسبانية عندما كنت على الحدود.»

في ذلك الوقت، كانت الشمس قد اختفت، واصطبغَت السماء في جهة الغرب بلونٍ أصفر مُوحَّد بدا كستارةٍ ذهبية قد انسدلَت فوق البحر الساكن، الذي بدا كأنه تحوَّل إلى لوح من الحجارة باللون الأزرق الداكن؛ إذ اختفى كلُّ بريق من فوق سطح المياه الساكنة. وعلى ستار الغسَق الأملس، ارتسمَت بُقعتان طويلتان بلونٍ أخضر شاحبٍ مثل بيضة عصفور أبي الحنَّاء.

سأل آشر بنبرة المُضيف المُؤدَّب: «هل تُحبُّ الماء؟ حين سافرت للمرة الأولى على متن طرادة، أُغرِمت بالبحر. ولا أزال مُغرَمًا به. لكني أُحبُّ الجبال الجرداء القديمة في وايومنج أيضًا. توجد شلَّالاتٌ يمكن رؤيتها من مسافة عشرين ميلًا من السهول؛ إنها تبدو كمُلاءاتٍ بيضاء مُعلَّقة في المُنحدرات الصخرية، أو شيء من هذا القبيل. وفي الجداول الباردة الموجودة في غابات الصَّنَوبر، توجد أسماك السلمون المُرقَّط التي يبلغ طولها طول ساعدي.»

في ذلك المساء، صَعِد كلود إلى ظهر المركب، وقضى معظم الوقت بمفرده؛ إذ كان ثَمة حفلٌ في جناح تناول الطعام. ظهرت سُحبٌ مُثقَلة في جهة الغرب، وراحت تُرفرِف فوق المياه على ارتفاعٍ مُنخفض حتى بدَت كأنها ملابس سوداء مغسولةٌ منشورة على حبل.

أتت الموسيقى عذبةً من أسفل السفينة. ثَمة أربعةُ فِتيان سويديِّين من المُستوطَنة الاسكندنافية في ليندسبورج بولاية كانساس كانوا يُغنُّون «لونج، لونج أجو». استمع كلود من بقعةٍ مُظلَّلة في مؤخرة السفينة. ما الذي يفعلونه، وما الذي يفعله هو في المحيط الأطلسي؟ قبل عامَين، كان يبدو كفتًى انتهت الحياة بالنسبة إليه، وكأنه غُرِس في الأرض كدعامة أو كهؤلاء المُجرِمين الصينيين الذين يُدفَنون واقفين لا يبدو منهم سوى رءوسهم كي تنقرها الطيور وتلدغها الحشرات. انعزل جميع رفاقه في مدن البراري، وانشغلوا في وظائفهم الصغيرة وخُطَطهم البسيطة. لكنهم هنا الآن، أُحضروا إلى سفنٍ مجهولة أتت إليها من جميع جهات الأرض. كيف غدَوا يستحقون تلك اليقظة والتفانيَ من العديد من الرجال والآلات، وذلك الاستهلاك الباهظ من الوقود والطاقة؟ عند النظر إلى كلٍّ منهم على حدة، فإنهم ليسوا سوى رجالٍ عاديِّين مثله. ومع ذلك، فهم هنا الآن. وفي تجمع هؤلاء الرجال وحركتهم، لا يوجد شيءٌ عادي أو شائع كان واثقًا من ذلك. الأمر كله من البداية إلى النهاية غير مُتوقَّع، وربما عَصيٌّ على التصديق. قبل أربع سنوات حين استولى الفرنسيون على إقليم المارن، لم يتصور أفطَنُ الرجال في العالم أن هذا سيحدث؛ خمَّنوا كل احتمال إلا هذا. «إن الله قادرٌ أن يُقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم.»

في الطابق السفلي، بدأ الرجال يُغنُّون «آني لوري». أين منه تلك الأمسيات الصيفية التي اعتاد الجلوس فيها صامتًا بجانب الطاحونة مُفكِّرًا فيما يفعله بحياته؟

٤

في صباح اليوم الثالث، استيقظ كلود والضابط الفيرجيني وجندي البحرية مبكرًا جدًّا، ووقفوا في مقدمة السفينة يُشاهدونها وهي تعلو فوق تلال المياه المُتدفقة باستمرار، وكانت حافتها الأمامية، وهي ترتفع وتنخفض، دائمًا تبدو كمثلثٍ مُعتِم في مقابل الضوء اللامع. بدَت سفن الحراسة المصاحبة للسفينة مثلَ سفن أحلام ناعمة وقزحية اللون، مثل صدفة في درجات الألوان اللؤلئيَّة للصباح. نفثات الدخان الداكنة وحدها هي من أخبرتهم بأنها آلات ذات وقادات ومحركات.

بينما كان الثلاثة واقفين هناك، أخبر رقيب كلود أنه كان حَريًّا باثنين من رجاله الإعلانُ عن مرضهما. تعرَّض العرِّيف تانهويزر لنوبةِ نزيفٍ أنفي في الليل، لدرجة أن الرقيب ظن أنه قد يموت قبل أن يتمكَّنوا من إيقاف النزيف. استيقظ تانهويزر الآن، وهو في طابور الإفطار، ولكن الرقيب كان مُتأكدًا من أنه ما كان ينبغي له فعل ذلك. إن فريتس تانهويزر هذا كان هو الأطولَ في هذا الجمع؛ إنه رجلٌ أمريكي من أصولٍ ألمانية، وعندما يسأله أحدٌ عن اسمه فعادةً ما يقول إن اسمه هو دينيس، وإنه ينحدر من أصولٍ أيرلندية. حتى إنه حاوَل المِزاح هذا الصباح، وأشار إلى وجهه الأحمر الكبير، وأخبر كلود أنه يظن أنه مصابٌ بالحصبة. قال مؤكدًا: «على الأقل إنها ليست حصبةً ألمانية أيها المُلازم.»

استغرق الفحص الطبي وقتًا طويلًا في ذلك الصباح. بدا أن هناك تفشِّيًا للمرض على متن السفينة. لما أحضر كلود رجلَيه إلى الطبيب، طلب الأخير منهما النزول وملازمة الفراش. ولما غادرا الْتفتَ إلى كلود.

«أعطِهما شايًا ساخنًا، وابسُط عليهما كومةً من بطاطين الجيش. اجعلهما يتعرَّقان إن استطعت.» أشار كلود إلى أن عنبر الجنود ليس مكانًا مناسبًا للجنود المرضى.

«أعلم ذلك أيها المُلازم، ولكن مَرِض عدد من الجنود هذا الصباح، والطبيب الوحيد الآخر الموجود على متن السفينة مرضه الأشدُّ من بين المُصابين. يوجد طبيب السفينة بالطبع، ولكنه مسئول فقط عن الطاقم، ولم يبدُ منه أيُّ اهتمام حتى الآن. أمرتُ بفحص المستشفى والمؤن الطبية هذا الصباح.»

«هل يوجد وباء من أي نوع؟»

«حسنًا، أرجو ألا يكون هناك وباء. ولكن سيكون عندي أعمالٌ كثيرة اليوم؛ ولذا سأُسند إليك مَهمة الاعتناء بهذين الرجلَين.» كان الطبيب من نيو إنجلاند، وقد انضمَّ إليهم في هوبوكين. إنه رجلٌ مُتناسِق القوام ونشيط، له عينان ثاقبتان وملامح جميلة وشَعرٌ رمادي له لونُ وجهِه الشاحبِ نفسُه. شعَر كلود على الفور أنه علم ما عليه فِعله، ونزل إلى أسفل كي يُنفِّذ التعليمات بقدرِ ما يستطيع.

لما صَعِد من عنبر الجنود، رأى الطيار — الذي كان يعلم أن اسمه فيكتور مورس — يُدخِّن عند حاجز السفينة. كان لا يزال رفيقُ المقصورة ذاك يُثير فضوله.

«هذه هي المرة الأولى التي تصعد فيها إلى ظهر السفينة، أليس كذلك؟»

كان الطيار ينظر إلى ألسنة الدخان البعيدة التي تعلو الأمواج المتلألئة المرتعشة. «الوقت مُبكر. وددتُ أن أعرف وِجهتنا. لن يَروقَني البتةَ أن ننزل على شاطئ فرنسي.»

«أعتقد أنك قلتَ إنك ذاهب إلى فرنسا.»

«نعم. ولكني أريد الذَّهاب إلى لندن أولًا.» استمر في النظر إلى السفن الزاهية اللون. لاحظ كلود أنه يرفع ذقنه عاليًا جدًّا أثناء وقوفه. بعدما بدت عليه الآن الجدية الشديدة، أصبحَت عيناه برَّاقتَين وجريئتين؛ إذ بدا أنهما كانتا تزدريان كل ما حوله. من الواضح أنه كان يتحاشى الاختلاط مع الناس، وكأنه بين أناسٍ لا ينتمي إليهم.

رأى كلود أن تصرُّف هذا الرجل يُشبِه تصرُّف طائر كركي أُسِر ورُبِط من ساقه في حظيرة دجاج ماهيلي؛ إذ كان يضمُّ جَناحَيه ويُحرك رأسه على نحوٍ مستمر وسريع وهو يُحملق.

سأله: «أظن أن لك أصدقاء في لندن؟»

رد الطيَّار ببعض العاطفة: «نعم!»

«هل تحبها أكثر من باريس؟»

«لا أتصوَّر مكانًا أفضلَ من لندن. لم أزُر باريس؛ دائمًا ما أعود إلى الوطن عندما أكون في إجازة. إنهم يُثقِلون كاهلنا بعملٍ كثير. في سلاحَي المشاة والمدفعية، لا يحصل رجالنا إلا على أسبوعَي إجازة في العام. أعرف أن الأمريكيِّين استأجروا إقليم الريفيرا … إنهم يستردُّون عافيتهم في نيس ومونت كارلو.» وأردف بوجهٍ عابس: «الجولة السريعة الوحيدة التي قمنا بها كانت إلى جاليبولي.»

كان الرفاق هنا يظنُّون أن فيكتور قطع شوطًا كبيرًا في اكتساب اللهجة البريطانية. على الأقل لقد بدأ ينطق بعض الكلمات مثل الإنجليز ويستخدم مُسمَّياتهم للأشياء. عرض سيجارة على كلود مُشيرًا إلى أن علبة سيجاره كانت في حقيبته الضائعة.

«خذ سيجارًا مني. أرسل لي أخي عُلبتَين قبل أن نُبحر مباشرةً. سأضع علبة على سريرك عندما أنزل إلى المقصورة المرةَ القادمة. إنه سيجارٌ جيد.»

الْتفتَ الشابُّ ورمقه بنظرةٍ فاحصة باندهاش. «ما أكرم عرضَك! نعم، شكرًا لك، سأفعل.»

لما أعار كلود بعضَ القمصان لفيكتور أمس، حاوَل أن يحثَّه على الحديث عن مغامراته الجوية، ولكنه كان شديدَ الكتمان في هذا الموضوع. اعترف أن الندبة الحمراء الطويلة في أعلى ذراعه تسبَّب فيها قنَّاصٌ يقود طائرة فوكر ألمانية، ولكنه سرعان ما أردف أنها لم تتسبَّب في أي عواقب لأنه هبط بطائرته بسلام. والآن، وبسبب جودة السيجار الذي أعطاه له، اعتقد أنه سيعرف منه المزيد. سأل إن كان في الحقيبة المفقودة أيُّ شيء لا يمكن استبداله؛ أي شيء «له قيمة».

«يوجد شيءٌ واحد له قيمةٌ كبيرة للغاية؛ عدسة تسايس، وكانت بحالةٍ مثالية. من وقت لآخَر، أشتري العديدَ من مُعدَّات التصوير الفوتوغرافي الجيدة، ولكن دائمًا ما تتصدَّع العدسات بسبب الحرارة؛ عادةً ما تخرب تلك المعدات من الحرارة. تلك العدسة اقتلعتُها من طائرةٍ أسقطتها في مدينة بار لي دوك، ولا يوجد فيها خدش واحد؛ ببساطة إن هذه معجزة.»

سأل كلود مُتحمسًا: «إنك تحصل على كل ما في أيِّ طائرة عندما تُسقطها، أليس كذلك؟»

«بالطبع. لديَّ مجموعةٌ جيدة؛ أجهزة قياس ارتفاعات وبوصلات ونظَّارات. دائمًا ما أحمل معي تلك العدسة؛ لأنني أخشى أن أتركَها في أي مكان.»

«أظن أن إسقاط طائرة ألمانية يجعل المرء يشعر بإحساسٍ رائع للغاية.»

«أحيانًا. أسقطتُ العديد من الطائرات، ولكني لم أجد الأمرَ ممتعًا.» توقَّف فيكتور عن الكلام وكان عابسًا. ولكن وجه كلود الطيب المُستعد للتصديق صعَّب من سعيِ فيكتور للتكتُّم. «أسقطتُ امرأةً ذاتَ مرة. إنها شيطانٌ شجاع؛ إذ كانت تطير بطائرةِ استطلاع وأزعجَتنا بعض الشيء؛ إذ كانت تطير فوق خُطوطنا. بطبيعة الحال، إننا لم نعرف أنها امرأة حتى أسقطنا الطائرة. لقد سُحقت تحت المعدات. عاشت بضع ساعات وأمْلَت خطابًا إلى أهلها. خرجتُ وأسقطتُ الخطاب داخل خطوطهم. كان عملًا محفوفًا بالمخاطر. كدتُ أموت. ومع ذلك حصلت على إجازة لمدة أسبوعَين في لندن.» ثم قال فجأةً: «ويلر، ليتني أعلم أننا ذاهبون إلى هناك الآن!»

«أتمنَّى ذلك كثيرًا.»

هزَّ فيكتور كتفَيه. «أعتقد أن هذا هو ما سيحدث!» الْتفتَ بوجهه تجاه كلود. «انظر هنا، يمكنني أن أُريَك مَعالم لندن إن أحببت! هذا وعدٌ مني. لم يرَ معالمها الأمريكيُّون قطُّ كما تعلم. إنهم يجلسون في أكواخٍ تابعة لجمعية الشبان المسحيين، ويكتبون إلى معارفهم الغارقين في التفاؤل، أو يبحثون عن برج لندن. سأُريك مدينةً تنبض بالحياة، هذا إن لم تكن لك رغبة في زيارة المتاحف.»

ضحك المستمع. «كلَّا، أريد أن أرى الحياة، كما يقولون.»

«أوه! أُفكر في أماكن أودُّ أن أُريَك إياها. حسنًا، أدعوك إلى تناول العشاء معي في فندق سافوي في أول ليلة لنا في لندن. سيَتجلَّى هذا العالم أمامك. لا يدخل أحد لا يرتدي ملابس سهرة. ستَبهَرك المجوهرات. الممثلات، الدوقات، كل النساء الأنيقات في أوروبا.»

«ولكنني ظننت أن لندن يُخيِّم عليها الظلام والكآبة منذ اندلاع الحرب.»

ابتسَم فيكتور، وداعَب شاربَه الصغير الأصفر بإصبعَيه الإبهام والوسطى. «لا، توجد بضعة أماكن لا تزال على حالها.» بدأ يشرح لكلود كيف هي الحياة الحقيقية على الجبهة. لم يتحدث أحدٌ دخل الخدمة العسكرية عن الحرب، أو يُفكر فيها؛ إنها مجرد حالة عاشوا في ظلها. تحدث الرجال عن الكتيبة التي كانوا يودُّون الانضمام إليها، أو عن الفِرقة المُفضَّلة التي تظهر في جميع العروض القتالية. كان الجميع يُفكر في لُعبته الخاصة، في حياته الخاصة التي تمكَّن من الحفاظ على استمرارها على الرغم من صرامة الحياة العسكرية، وفي الإجازة القادمة، وكيفية الحصول على شمبانيا من دون أن يدفع ثمنًا لها، ومراوغة الحارس، والدخول في علاقات مع نساء دون أن يُلاحظه أحد. سأل: «هل لغتك الفرنسية جيدة؟»

ابتسم كلود ابتسامةً عريضة. «ليس تمامًا.»

«حريٌّ بك أن تستغلَّ كلَّ معرفتك بها إذا كنت تريد فِعل أي شيء مع الفتَيات الفرنسيات. سمعت أن الشُّرطة العسكرية لديكم صارمة جدًّا. يجب أن تكون قادرًا على قول ما تريده في اللحظة التي ترى فيها فتاةً وتُحدِّد موعدًا للِقائها قبل أن يراك الحارس.»

أشار كلود بلامُبالاة: «أعتقد أن الفتَيات الفرنسيات ليس لديهن أيُّ وازعٍ أخلاقي؟»

هزَّ فيكتور كتفَيه الصغيرتَين. «من واقع خبرتي، ليس للفتيات الكثيرُ من هذا الوازع، في أي مكان. عندما كنا نتدرَّب نحن الكنديِّين في إنجلترا، كنا جميعًا نقضي عطلة نهاية الأسبوع مع نساء. أعتقد أن الفتَيات في كريستال ليك يصعب إرضاؤهنَّ بنحو أو بآخَر … ولكن مضى على ذلك وقتٌ طويل. لن تُواجه أي صعوبة.»

لما كان فيكتور في وسط سرده لمغامرةٍ عاطفية له، وكانت مختلفةً قليلًا عمَّا سمعه كلود من قبلُ في حياته، انضمَّ إليهما تود فانينج. لم ينتبه الطيار إلى وجودِ مُستمعٍ جديد، ولكن لما انتهى من قصته، ابتعد بمِشْية الخُيَلاء المعروف بها، وعيناه لم تنزل عن هدفه البعيد.

تبعه فانينج بعينَيه مشمئزًّا. «هل تُصدقه؟ لا أظن أنه من مُحطِّمي قلوب العذارى. تُعجبني جرأته؛ إذ ينطق اسم رتبتك بشيء من التكبُّر على نحوٍ غير صحيح! أما عندما يتحدث إليَّ فعليه أن ينطق اسم رُتبتي على نحوٍ صحيح، وإلا فسأُشوِّه وجهه.»

تذكَّر الرجال هذا اليوم بعد مدة طويلة من الوقت؛ لأنه كان نهاية الطقس اللطيف والأيام الأولى الطويلة الخالية من الهموم في المحيط. في وقتِ ما بعد الظهيرة، جلس كلود وجندي البحرية الشاب والفيرجيني وفانينج معًا تحت الشمس يُشاهدون المياه وهي تنجرف في الفجوات وتتجمع في تلال زرقاء مُتموجة. كان آشر يحكي لرفاقه قصةً طويلة عن رُسوِّ قوات البحرية في فيرا كروز.

أنهى حديثه قائلًا: «إنها مدينةٌ قديمة وعظيمة. بها شيء لن أنساه ما حييت. أحد السكان أخذ بعضًا منا إلى السجن القديم المبني على صخرة في البحر. بقينا هناك طَوال اليوم، ولم يكن الأمر بمنزلة جولة سياحية على الإطلاق، صدِّقني! نزلنا إلى زنازينَ مبنيَّة تحت المياه كانوا يحتجزون فيها السُّجناء السياسيِّين؛ يتركونهم هناك سنوات حتى يذبلوا. رأينا جميع أدوات التعذيب القديمة؛ أقفاصًا حديدية صدئة حيث لا يستطيع الرجلُ الاستلقاء أو الوقوف فيها، ولكن عليه الجلوس مُنحنيًا حتى تعوجَّ قامته. عند الخروج من هذا المكان يرى المرء أنه من الغريب أن يُترك الناس حتى يتعفَّنوا هناك رغم وفرة الشمس والماء بالخارج. يبدو الأمر كأنَّ هناك خطأً كبيرًا في البشر حتى يحدث هذا النوع من الأشياء.» لم يتفوَّه بكلمةٍ أخرى، ولكن من نظرته الجادَّة، اعتقد كلود أنه وأبناءَ بلده الذين كانوا يتدفَّقون للخارج سيُساعدون في تغيير كل تلك الأمور.

٥

في تلك الليلة أُصيبَ الفيرجيني، الذي كان ينام أسفلَ فيكتور مورس، بنوبةِ نزيفٍ أنفي شديدة، ولما طلع الصباح أصبح ضعيفًا بشدة لدرجة أنه نُقِل إلى المستشفى. قال الطبيب إن عليهم أن يعرفوا الحقيقة ويُواجهوها؛ وهي تفشِّي أحد أنواع الأنفلونزا على متن السفينة، وهو نوعٌ خبيث، ويؤدي للإصابة بنزيف. ارتعب الجميع قليلًا. حبس بعضُ الضباط أنفُسَهم في غرفة التدخين، وظلُّوا يحتسون الويسكي والصودا ويلعبون البوكر طوال اليوم، وكأن بإمكانهم إبعادَ العدوى عن أنفسهم.
إن التفشِّيَ الفعلي للأنفلونزا في سفن نقل القوات الأمريكية قد استُبِق هنا بعدة أشهُر.

تُوفي المُلازم بيرد قُبَيل المساء، وأُجريت مراسم دفنه مع شروق شمس اليوم التالي، إذ كُفن في قماش مشمَّع مغلق، وفي قدمه قذيفةٌ مِدفعية تزنُ ثمانية عشَر رطلًا. انبلج الصباح صافيًا وقارسَ البرودة. تعالت أمواجُ البحر الزرقاء، وضرب السفينةَ ريحٌ قارسُ البرودة مثل الثلج. شهد الجميع، باستثناء المرضى، تأبينَ الرجل. كانت هذه أولَ جنازة يشهدونها في البحر على الإطلاق، ووجَدوا الأمر مُثيرًا للاهتمام. أقام القسيسُ مراسم الجنازة بينما كانوا يقفون عُراة الرءوس. عزفت فِرقة كانساس لحنًا جنائزيًّا، وتغنَّت الفِرقة السويدية المكوَّنة من أربعة أفراد بإحدى الترنيمات. أشاح العديد من الحضور بوجوههم لما أُنزل ذلك الكيس البُنِّي في تلك الأمواج العاتية ذات المياه الباردة الزرقاء؛ إذ بدَت كأنها لا تعرف أيَّ رحمة تجاه البشر. انتهى الأمر في غضون ثوانٍ، وانطلقوا من دونه.

ظلَّت الأمواج العالية البرَّاقة يتوالى بعضُها خلف بعض بلونَيها الأزرق والأرجواني، وزاد بريقُها أكثرَ من أيام الطقس المعتدل. أشعَّة الشمس الساطعة لم تُخفِّف من البرودة التي كانت تلسعُ الوجه وتؤلم الصدر. بدأ يتسرَّب إلى غير مُعتادي ركوب البحر ذاك الشعورُ الكئيب بأنهم ليسوا في المكان المُلائم لهم البتَّة. استلقى الجنودُ على ظهر السفينة وهم يُحاولون الحفاظ على دفئهم بالبقاء قرب بعضهم بعضًا قدر الإمكان. كان الجميع مُصابين بدُوار البحر. ذهب فانينج إلى سريره مُرتديًا ثيابه؛ إذ كان مريضًا بشدة بحيث لم يستطع أن يخلع حذاءه. رقد كلود في مؤخرة السفينة المزدحمة يرتجف من البرد وواهنَ القُوى. أطلقت الشمسُ أشعَّتها عليهم كأنها لهب، لكن دون أن يجدوا فيها أيَّ مصدر للراحة. عكسَت الأمواج العاتية التي يعلوها الزبَد الضوءَ وكأنها ملايينُ من المرايا، ولكنَّ الأعيُن لم تكن تستوعب هذا الكمَّ من الألوان. بدَت كثافة المياه أكثرَ من ذي قبل؛ فقد كانت ثقيلةً مثل الزجاج الذائب، وبدا الزبَد على حواف كلِّ موجة زرقاء حادًّا مثل البلورات. لو سقط فيه أحد، فربما مُزِّق إلى أشلاء.

بدا المحيط بأكمله كأنه أُعيدت إليه الروح فجأةً؛ إذ اندلعَت الحيوية والقوة والعتو في أمواجه، وكانت تُحركها قوةٌ لا تعرف غير القسوة. لم يمرَّ سوى بضع ساعات على ذاك الفتى اللطيف الذي رُمِي في تلك المياه القارسة البرودة ونُسِي. نعم، لقد نُسِي؛ فكلُّ واحد مشغولٌ بما لديه من الكروب.

قُبَيل الغروب هدأ الريح، وحلَّ عليهم غروبٌ مُنذِر بالشر. فباتجاه الغرب ذي الشفَق الأحمر، أتت سحابةٌ سوداء مُتقطعة صغيرة، ثم توالت بعدها السُّحبُ الواحدة تلو الأخرى. خرجَت تلك السُّحبُ من البحر، وتشكَّلَت بأشكالٍ غريبة كأنها ساحراتٌ شريرة تتحرك بسرعة حتى تتقابل في الغرب، وكأنها استُدعيت لاجتماعٍ شِرير. عَلِقت تلك السُّحبُ في ضوءِ ما بعد الشفق بأشكالٍ مميزة سوداء اللون، كان يقترب بعضها من بعض كأنها تُخطِّط لشيء. شعَر الجنود الذين بقُوا على ظهر السفينة أنْ لا خير يأتي من سماء تتخلَّلها تلك السحب. تمنَّوا أنْ لو كانوا في منازلهم أو في فرنسا أو أي مكان غير هذا.

٦

في الصباح التالي، طلب الطبيب ترومان من كلود أن يُساعده في طابور المرضى. وقال: «أُصيب مجموعة من الجنود بارتفاع في درجة الحرارة، ولكن يصعب للغاية على رجلٍ واحد أن يفحصَ هذا العدد. لا أريد أن أطلب أيَّ شيء من أولئك الضباط الذين يجلسون هناك ويلعبون البوكر طَوال الوقت. إما أنهم معدومو الضمير، أو لا يَعُون خطورة الموقف.»

وقف الطبيب على ظهر السفينة مُرتديًا مِعطف المطر، وواضعًا قدمَه على الحاجز كي يُحافظ على توازنه، أخذ يكتب مُستندًا إلى ركبته، بينما كان يتقدَّم إليه طابورٌ طويل من الرجال. تضمَّن الطابور أكثرَ من سبعين رجلًا ذلك الصباح، وبدا أنه كان يُستحسَن أن يقعد بعضُهم في أماكنَ أكثرَ جفافًا. تساقط المطر في البحر كأنه وابلٌ من الرَّصاص. أخذت سفينة أنخيسيس العتيقة تمضي بخُطًى مُتعثِّرة من نُتوءٍ جبَلي رمادي إلى آخر، وحيدةً تمامًا. حجَب الضبابُ مظاهرَ البهجة في السفن الشقيقة. اضطُرَّ الطبيب إلى مغادرة موقعه من وقت إلى آخر، عندما كان دُوار البحر يَزيد على تحمُّله. أخذ كلود، مُستندًا إلى مِرفقه، يُدوِّن الأسماء ودرجات الحرارة. ووسط انخراطه في عمله، طلب من الجنود أن يتولَّوا أمرهم من دونه لبضع دقائق. فبالقرب من نهاية الطابور، كان قد رأى أحد رفاقه يُسيء التصرف، وينتحب ويبكي مثل الأطفال؛ كان فتًى قويًّا في الثامنةَ عشرة من عمره ولم يتسبَّب في مشكلةٍ قَط. اندفع كلود تجاهه وربَّت على كتفه.

وقال: «إن لم تستطع أن تتوقف عن ذلك يا بيرت فولر، فاذهب إلى مكانٍ لا يراك فيه أحد. لا أريد أن يرى كلُّ هؤلاء الفِتية الإنجليز الواقفين في المكان جُنديًّا أمريكيًّا يبكي. لم أسمع عن شيء كهذا من قبل!»

رد الفتى مُنتحبًا: «لا أستطيع أن أتمالك نفسي، أيها المُلازم.» وتابع: «لقد كتمتُ ذلك قدر استطاعتي. لا أستطيع أن أكبحَه أكثر من ذلك!»

سأله: «ماذا بك؟ تعالَ إلى هنا واجلس على هذا الصندوق وأخبِرني.»

ترك الجندي فولر كلود يقوده، وجلس على الصندوق. وقال: «أنا مريض جدًّا، أيها المُلازم!»

أجابه: «سأفحصك لأرى مدى مرضِك.» وضع كلود مِقياس الحرارة في فمه، وبينما كان ينتظر أرسل مُضيفَ سطح السفينة كي يجلب كوبًا من الشاي. وقال: «ظني في محلِّه يا فولر. إنك لا تُعاني من حُمَّى على الإطلاق. أنت خائف، وهذا كلُّ ما في الأمر. الآن، اشرب هذا الشاي. أظن أنك لم تأكل أيَّ شيء على الإفطار.»

«كلا يا سيدي. لا أستطيع تناول المأكولات المقرفة التي تُحضَّر على هذا المركب.»

«إنها سيِّئة للغاية. من أين أنت؟»

بلع الفتى ريقه، وبدأت دموعُه تنهمر من جديد وهو يقول: «من ﺑ… ﺑ… بليزنتفيل، شمالي ﺑ… ﺑ… بلات.»

«الآن، ما الذي سيظنُّ أهل بلدك بك؟ أظن أنهم أخرَجوا فِرقةً موسيقية خلفك، وأثاروا ضجةً وهم يحسبون أنهم يُرسلون جنديًّا شجاعًا. وما برحتُ أرى أنك ستكون جنديًّا من الطِّراز الأول. أظن أنك ستنسى كلَّ ذلك. أنت تشعر أنك أفضلُ حالًا بالفعل، أليس كذلك؟»

أجاب: «بلى يا سيدي. هذا الشاي مذاقُه جيد للغاية. أتعبَتني مَعِدتي، وأصابني ألمٌ في صدري ليلة أمس. فِرقتي بكاملها مريضة، وأنت أخذتَ تانهويزر — أعني العَرِّيف — إلى المستشفى. يبدو أننا جميعًا سنموت هنا.»

قال: «أعرف أن ما يحدث يبعث على التطيُّر. ولكن لا تُخجلْني أمام هؤلاء المضيفين الإنجليز.»

وعدَه قائلًا: «لن أُخجلك مُجدَّدًا يا سيدي.»

عندما انتهى الفحص الطبِّي، أخذ كلود الطبيب كي يُعاين فانينج، الذي ظل يسعل ويُصدر صفيرًا عند التنفُّس طَوال الليل ولم يُبارِح سريره. استغرق الفحصُ وقتًا قصيرًا. عرَف الطبيب العلةَ قبل أن يضع عليه السماعة الطبِّية. لما خرَجا إلى الردهة قال: «إنه مُصابٌ بالتهابٍ رِئوي في كلتا رئتَيه.» وأضاف: «لديَّ حالةٌ في المستشفى ستموت قبل أن يحلَّ الصباح.»

«ما الذي يمكنك فِعله من أجله، أيها الطبيب؟»

«أنت ترى مدى انشغالي؛ ما يقرب من مائتَي مريضٍ وطبيب واحد. المُؤَن الطبِّية غيرُ كافية بالمرَّة. لا يوجد ما يكفي من زيت الخِروَع على متن هذه السفينة للحفاظ على نظافة أمعاء الجنود. إنني أستخدم عقاقيري الخاصة، ولكنها لن تصمدَ مع وباء كهذا. لا أستطيع فِعل الكثير للمُلازم فانينج. ولكنك تستطيع، إذا منحتَه الوقت الكافي. يمكنك أن تُقدم له الرعاية هنا، وستكون أفضل من تلك التي يمكن أن يحصل عليها في المستشفى. لا توجد لدينا أسرَّة شاغرةٌ هناك.»

عثر كلود على فيكتور مورس، وأعرب له عن رغبته في العثور على سرير في إحدى الكبائن الأخرى. عندما غادَر فيكتور ومعه مُتعلقاته، حملقَ فانينج فيه من ظهره. وقال: «هل هو ذاهب؟»

«نعم. سيُصبح المكان مُزدحمًا للغاية هنا، إن أنت اضطُرِرتَ إلى البقاء في السرير.»

«يسرُّني ذلك. فقصصُه بالغةُ السذاجة لي. لستُ مُخنَّثًا، ولكن ذلك الفتى مثل دون كيخوتي.»

ضحك كلود. وقال: «يجب ألا تتكلَّم. فالكلام يجعلك تسعل.»

«أين الفيرجيني؟»

سأله كلود في دهشة؛ فقد كان فانينج واقفًا بجانبه في جنازة بيرد: «مَن، بيرد؟» وأضاف: «لقد رحل هو الآخَر. يمكنك النوم إن استطعت.»

بعد العشاء دخل الطبيب، وشرح لكلود طريقة إعطاء مريضه حمامًا كحوليًّا. قال: «تتلخَّص المسألة ببساطة فيما إذا كان بإمكانك الحفاظُ على قوته. لا تُجربْ أيًّا من الأطعمة المليئة بالدهون التي تُقدَّم هنا. أعطِه بيضةً نيئةً مضروبة في عصير برتقالة كلَّ ساعتَين، ليلًا ونهارًا. أيقِظه من النوم عندما يحينُ الوقت، ولا تُغفِل أي مرة من مدة الساعتَين. سأكتب أمرًا إلى مضيف طاولتك، ويمكنك ضربُ البيض هنا في مقصورتك. والآن يجب أن أعود إلى المستشفى. رائعٌ ما يفعله فِتية الفِرقة أولئك هناك. بدأتُ أشعر ببعض الفخر تجاه المكان. ذلك الألماني الضخم كان يسأل عنك. إنه في حالةٍ سيئة جدًّا.»

إذ لم يكن يوجد طاقم تمريض على متن السفينة، كانت فِرقة كانساس قد تولَّت إدارة المستشفى. كانوا قد تلقَّوا تدريبًا على أعمال نقل المُصابين والإسعافات الأولية؛ ولما أدركوا ما كان يحدث على متن سفينة أنخيسيس، أتى رئيس الفِرقة إلى الطبيب وعرَض عليه خِدمات رجاله. اختار طاقمَ التمريض ومُساعديهم، وقسَّمهم على نوباتٍ ليلية ونهارية.

عندما ذهب كلود لزيارة العرِّيف، لم يتعرَّف عليه تانهويزر الضخم. كان قد فقدَ عقله تمامًا إذ كان يتحدَّث إلى عائلته باللغة التي كان يتحدث بها في طفولته المُبكِّرة. كانت فِرقة كانساس قد اختصَّته برعايةٍ خاصة. وكانت مجردُ حقيقة أنه كان يتحدث بلغةٍ مُحرَّمة على سطح البحار قد جعلَته يبدو بلا أصدقاء له ووحيدًا أكثرَ من الآخرين.

من المستشفى، نزل كلود إلى مخزن السفينة حيث كان يرقد ستةٌ من رِفاقه مرضى. كان المخزن رطبًا ومُنتِن الرائحة مثلَ قبوٍ قديم؛ إذ كان مُشبَّعًا بالروائح الكريهة والتسريب من عددٍ هائل من الحمولات القذرة لدرجةٍ يصعب معها تنظيفُه أو الحفاظ على نظافته. كاد العنبر يخلو من التهوية، وكان الهواء فاسدًا نتيجةَ المرض والعرَق والقيء. كان اثنان من فِتيان الفِرقة يعملان في تلك الرائحة الكريهة والقذارة، ويُساعدان المضيفَين. مكث كلود كي يمدَّ يد العون حتى حان وقت إعطاء فانينج تغذيته. بدأ يرى أن ساعة اليد، التي كان في السابق يحتقرها مُعتبرًا إياها شيئًا مُخنَّثًا ويحملها في جيبه، ربما تكون أداةً مُفيدة جدًّا. بعدما جعل فانينج يبتلع البيض، بسَطَ جميع البطاطين المُتوفِّرة عليه، وفتح الباب لتهوية العنبر. وبينما كان الهواء المُنعِش يهبُّ إلى الداخل، جلس على حافة سريره، وحاوَل أن يستجمع رباطة جأشه. ماذا حلَّ بتلك الأيام الأولى ذات الطقس العليل والراحة والصحبة الطيِّبة؟ حفلات الفِرقة الموسيقية، فِرقة ليندسبورج، البهجة الأولى وحداثة العهد بالبحر: كل ذلك تبخَّر مثل حُلم.

في تلك الليلة عندما دخل الطبيب كي يُعايِن فانينج، رمى سمَّاعته على السرير، وقال بنبرةٍ مُتعَبة: «أتعجَّب لماذا لا تدخل هذه السماعة في أُذني وتكبر بداخلها.» جلس ووضع مِقياس الحرارة في فمه بضعَ دقائق، ثم رفعه ليفحصه. نظر كلود إلى مِقياس الحرارة، وقال له إنه يتعيَّن عليه الذَّهاب للنوم.

فأجاب: «إذَن، من الذي سيكون موجودًا؟ لا نوم لي الليلة. لكني سآخذ حمَّامًا ساخنًا في وقتٍ لاحق قريبًا.»

تساءل كلود لماذا لم يفعل طبيب السفينة أيَّ شيء، وأضاف أنه لا بد أنه صغيرٌ كما هو شكله.

«تشيسوب؟ كلَّا، لن تتوقَّع مدى طِيبته حتى تعرفَه. لقد ساعَدني كثيرًا في تحضير الأدوية، والتناقش معه بشأن الحالات يُمثِّل عونًا كبيرًا. سيَفعل أيَّ شيء من أجلي عدا تقديم التعامل مع المرضى مباشرةً. لا يريد أن يتعدَّى صلاحياته. يبدو أن البحرية الإنجليزية بالغةُ الدقة في تلك الأمور. إنه كنَدي، وكان الأولَ على دفعته عندما تخرَّج في جامعة إدنبرة. أعتقد أن عمله انحسَر في عيادته الخاصة. كما ترى، مظهره لا يدلُّ على شخصيته. إنه عائقٌ مُريع أن تبدوَ مثل طفل، وأن تكون خجولًا مثلما هو حاله.»

نهض الطبيب، وشدَّ كتفَيه، وأخذ حقيبته. وقال: «تبدو بخيرٍ أيُّها المُلازم.»

وأردف: «هل كِلا والدَيك على قيد الحياة؟ هل كانا في رَيعان شبابهما عندما وُلِدتَ؟ حسنًا، ربما كان والداهما كذلك. أنا مهووس بمعرفة ذلك. نعم، سآخذ حمَّامي قريبًا، وأرقد ساعةً أو ساعتَين. ما دام فِتيانُ الفِرقة الرائعون أولئك يُسيِّرون عمل المستشفى، فلديَّ فسحةٌ قليلة من الوقت.»

تعجَّب كلود كيف استمرَّ الطبيب في العمل. كان يعرف أنه لم ينَم أكثر من أربع ساعات في الثمانية والأربعين الماضية، ولم يكن رجلًا قويَّ البِنية. على حد قوله، كانت راحته عند المضيف المسئول عن الحمَّام. كان هوكينز رجلًا مُسنًّا تولَّى مناصبَ أفضل في سُفنٍ أفضل، وفي أوقاتٍ أفضل أيضًا. كان قد ركِب البحرَ للمرة الأولى عندما عمل مضيفًا مسئولًا عن الحمامات؛ والآن، بسبب أقدار الحروب، عاد مرةً أخرى من حيث بدأ؛ ليس مكانًا جيدًا لرجلٍ مُسنٍّ. انحنى ظهره بخنوع، وكان يجرُّ ساقَيه المُقوَّستَين. كان يهتمُّ براحة جميع الضباط، ويعتني بالطبيب كأنه خادمه؛ كما يُخرِج قماش الكَتَّان النظيف، ويُقنعه بأن يرقد ويتناول شرابًا ساخنًا بعد استحمامه، ويقف حارسًا على الباب كي يتلقَّى الرسائل الواردة إليه في الساعات القليلة التي يستريح فيها. لقد فقد هوكينز اثنين من أبنائه في الحرب، ويبدو أنه يجد عزاءً كبيرًا في خدمته للجنود. كان يقول لكلِّ واحد منهم: «هوِّنْ عليك يا سيدي. ستُواجه ما يكفي من الصعوبات هناك.»

في الحاديةَ عشرة، أتى واحدٌ من رجال فِرقة كانساس كي يُخبر كلود أن حالة العريف كانت تتدهور بسرعة. كانت الحُمى قد زالت عن تانهويزر الضخم، ولكن كان قد زال عنه كلُّ شيء آخر. كان يرقد في حالةِ ذهول. غارت مُقْلتا عينَيه المُحتقِنتَين داخل تجويف رأسه، ولم يكن يُرى سوى بياضِهما المُصفرِّ. كان فمُه مفتوحًا، ولسانه يتدلَّى منه على أحد جانبَيه. من نهاية الردهة، سمع كلود أصواتًا مُخيفة تَصدُر من حلقه؛ أصواتًا تُشبِه صوتَ قيءٍ حادٍّ أو حشرجةٍ مُختنِقة من رجلٍ يُحتضَر؛ وبالفعل كان يختنق. أحضر أحدُ أفراد الفِرقة كرسيَّ معسكر لكلود، وقال بلطف: «إنه لا يُعاني. بات الأمر ميكانيكيًّا الآن. كان سيَموت بسهولةٍ أكبر لو لم يكن حاله يتمتَّع بحيويةٍ كبيرة. يقول الطبيب إنه قد يعود إلى وعيه بضعَ لحظات قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مباشرةً، إن أردتَ أن تمكث.»

قال كلود: «سأنزل وأعطي المريض المسئول مني بيضة، ثم أعود.» ذهب كلود ثم عاد، وأخذَته سِنةٌ من النوم وهو جالسٌ بجوار السرير. بعد الساعة الثالثة، سكنَت ضوضاءُ الصراع، وعلى الفور عاد الشخص الضخم النائم على السرير ليُصبح عريفه طيبَ الطباع. أُطبِق الفم، وعادت الكُرتان الهُلاميتان الزجاجيَّتان عينَين مُبصِرتين تُشعَّان ذكاءً. فقدَ الوجه مظهرَه المُنتفخ الفظ، وعاد مرةً أخرى وجه صديق. كاد أن يكون من غير المعقول أنه يمكن لأي شيء ولَّى أن يعود. نظَر أسِفًا إلى المُلازم وكأنه يريدُ أن يطلب شيئًا. اغرورقَت عيناه بالدموع، وحوَّل رأسه قليلًا.

همس بصوتٍ واضح بالألمانية: «يا لأمي المسكينة!»

بعد بضع لحظات، مات ووجهُه يعلوه الوقار، ولم يُعانِ وطأة عذاب خروج الروح، بل كان واعيًا، حسبما بدا لكلود، مثل فتًى شجاع يردُّ شيئًا ما، لم يكن من حقه أن يحتفظ به.

عاد كلود إلى مقصورته، وأيقظ فانينج مرةً أخرى، ثم رمى بنفسه على سريره القابل للطي. بدا أن السفينة تتمايل وتترنَّح وسط الأمواج، مثلما كانت تفعل الحيوانات في المزرعة عندما كانت تُنجب صغارًا. يا لَعجزِ تلك السفينة القديمة وسط البحار، ويا لهول البؤس الذي كانت تحمله! بينما كان راقدًا أخذ ينظر إلى أنابيب المياه الصَّدِئة والوصلات غير المطليَّة. كانت هذه السفينة هي في الحقيقة «سفينةَ أنخيسيس القديمة»، حتى إن النجَّارين الذين أصلحوها كي تدخل الخدمة رأوا أنها لم تكن تستحقُّ عناء الإصلاح، وفعلوا فيها أسوأ ما يُمكنهم فِعله. كانت العوارض الجديدة مُعلَّقةً إلى الروافد باستخدام بضعة مسامير.

لقد كان تانهويزر الضخمُ واحدًا ممن يخشَون الإبحار كثيرًا. اعتاد أن يبتسمَ ويقول: «فرنسا هي المناخ الوحيد الذي يُفيد صحةَ رجلٍ مثلي.» كان قد لوَّح بيده مودعًا مشهدَ تمثال الحرية في ميناء نيويورك مع الباقين؛ إذ كان يؤمن بها مثلَ الباقين. لم يُرِد غيرَ الخدمة في الجيش. بدا الأمر صعبًا.

لما أتى تانهويزر إلى المعسكر للمرة الأولى، كان مُشوَّشًا طَوال الوقت، ولم يستطع أن يتذكر التعليمات. أخرجه كلود ذاتَ مرة من الطابور ووبَّخه؛ لأنه لم يعرف يمينه من يساره. عندما بحث في الأمر، وجد أن الفتى لم يكن يأكل شيئًا؛ لأن الحنين إلى الوطن أسقمَه. كان أحدَ أولئك الفِتية المُزارعين الذين يخشَون حياة المدينة. كان الطفل الضخم ينحدر من عائلةٍ كبيرة، ولم يكن مطلقًا قد نام ليلةً واحدة بعيدًا عن البيت قبل أن يُدرَج في قائمة المُجنَّدين.

دُفِن العريف تانهويزر، ومعه أربعة جنود، مع شروق الشمس. لم توجد فِرقةٌ هذه المرة، وكان القس مريضًا؛ لذا تلا أحدُ النُّقباء الشباب صلاةَ الجنازة. وقف كلود يُراقب حتى رمى البحارةُ كيسًا، أطول من الأكياس الأربعة الأخرى بنصف قدم، في هُوَّة بالبحر لونها مثل لون الرَّصاص. لم يتناثر حتى رذاذ مياه. بعد الإفطار، دعاه واحدٌ من طاقم تمريض كانساس إلى مقصورةٍ صغيرة كانوا قد جهَّزوا فيها جثة الميت من أجل الدفن. كانت لوائح الجيش تنصُّ بدقة على ما ينبغي فِعله بأمتعة الجندي المتوفَّى. كانوا يتخلَّصون من زيِّه العسكري وحذائه وأسلحته وحقيبته الشخصية، كانوا يتخلَّصون من كل هذا وفقًا للتعليمات. ولكن في كل حالة من الحالات كانت تتبقَّى مُخلَّفات؛ فرشاة أسنان المتوفَّى، وأمواس حلاقته، والصور التي كان يحملها معه. كانت هنالك في خمس كومات تدعو إلى الشفقة؛ ما الذي ينبغي فعله بها؟

أخذ كلود الصورَ الفوتوغرافية التي تخصُّ العريف؛ إحدى الصور كانت لفتاةٍ سَمينة تبدو ساذَجة، ترتدي فستانًا أبيضَ ضيقًا للغاية عليها وقبعةً عريضة، وتضع عَلمًا صغيرًا مُثبَّتًا على صدرها المُمتلئ. الصورة الأخرى كانت لامرأةٍ كبيرة جالسة ويدها مُتقاطعتان على حجرها. شَعرها الرقيق مشدود، ويكشف عن وجهٍ مُتخشِّب وبارز العظام — لا ريب أنه وجهٌ من العالم القديم — وعيناها مُغمَضتان في مواجهة الكاميرا. ظنَّ أن وجهها ينمُّ عن صِدقها وعنادها وعدم اقتناعها، وكأنها لم تكن تفهم على الإطلاق.

قال: «سآخذ هاتَين الصورتين.» وأضاف: «وكذلك الصور الأخرى، ما عليك سوى أن تُلقيَ بهم من السفينة، ألا تظن ذلك؟»

٧

أُصيبَ النقيب ماكسي — الضابط الأول في السرية «بي» — بنوبة دُوار بحر حادَّة أثناء الرحلة، لدرجة أنه لم يستطع أن يُساعد رجاله في هذا الوباء. لا بد أنها كانت بمثابةِ ضربةٍ مُروِّعة لكبريائه؛ لأنه لم يوجد أحدٌ على الإطلاق أكثر تلهفًا منه لأداء واجبات الضابط بأكملها.

كان كلود قد عرَف هاريس ماكسي معرفةً بسيطة في لينكن؛ إذ كان قد قابله عند عائلة إرليش، وظل بينهما تعارفٌ داخل الجامعة. لم يكن قد أُعجب بماكسي حينذاك، ولم يكن مُعجَبًا به الآن، ولكنه اعتبره ضابطًا جيدًا. كانت عائلة ماكسي فقيرةً من المسيسيبي، وقد استقرَّت في مقاطعة نيماها، وهو يتمتَّع بطموحٍ كبير، لا يقتصر على تحقيق تقدُّم في حياته فحسب، بل أن يُصبح «شخصًا ذا شأن» على حدِّ قوله. حياته الجامعية عبارةٌ عن سعيٍ محموم وراء الامتيازات الاجتماعية والمعارف المُفيدين. وشعوره إزاء «الأشخاص المناسبين» يبلغ حدَّ التبجيل. بعد تخرُّجه، خدم ماكسي على الحدود المكسيكية. كان مُدربًا عسكريًّا لا يكلُّ، وانخرط في واجباته بكل ما أُوتيَ جسدُه الضعيف من قوة. كان نحيلًا وشاحبَ البشرة، وتصلُّب فكِّه يجعل أسنانَه السفلى تخرج عن أسنانه العليا، وتجعل وجهه يبدو مُتصلبًا. كانت كلُّ تصرفاته، النابعةِ من التوتر والعصبية، تعبيرًا عن رغبته العميقة في التفوق.

شعَر كلود أنه يعيش حياةً مزدوجةً هذه الأيام. عندما كان يُقدِّم الرعاية لفانينج، أو عندما كان في المخزن يُساعد في رعاية الجنود المرضى، لم يكن لديه وقتٌ للتفكير؛ إذ كان تلقائيًّا يفعل الشيء التاليَ الذي كان يُتاح له فعلُه. ولكن عندما يختلي بنفسه ساعةً على ظهر السفينة، كان يُعاوده لمحة من الشعور الواخز بالحرية الدائمة الاتساع. كان الطقس بمثابةِ مغامرةٍ مستمرَّة؛ إذ لم يكن قد سبق له أن عرَف طقسًا مثله على الإطلاق. كان الضباب والمطر والسماء المُلبَّدة بالغيوم وامتدادات المحيط الرمادية الموحشة مثل شيء قد تخيَّله منذ زمنٍ بعيد؛ ربما ذكريات من قصص البحر القديمة التي قرأها في طفولته، وتلك الذكريات أيقظت بقعةً دافئة في قلبه. هنا على سفينة أنخيسيس، بدا أنه يبدأ من حيث انتهت طفولته. كانت الثغرة البغيضة فيما بين ذلك قد أُغلِقَت بين الفينة والأخرى. مُحيَت سنواتُ عمره وسط الضباب. هذا الضباب الذي كان مُحبِطًا في البداية صار مأوًى؛ خيمة تتنقَّل في حيز المكان، مُتخفيةً من كل الأحداث السالفة، ومُعطيةً للمرء فرصة كي يُصحح أفكاره ويُخطط للمستقبل. طُويَت صفحة الماضي حرفيًّا؛ كان ذلك هو ما توهَّمه. لقد قطع أميالًا أكثرَ بكثير مما يُنبئ سِجل السفينة. عندما طلب منه رئيسُ الفرقة فريد ماكس أن يلعبَ معه الشطرنج، تعيَّن عليه أن يتوقَّف للحظة ويُفكر في السبب وراء أنه كان لتلك اللعبة ذلك القدر من التداعيات الممقوتة لديه. نادرًا ما تراءى له وجه إنيد الأبيضُ الخادع إلا إذا ذكَّره به أحدُ الأحداث العابرة. إذ تصادف أنْ مرَّ على مجموعة من الفِتية يتحدثون عن محبوباتهم وعرائس الحرب، كان يستمع للحظة ثم يبتعد وشعورُ السعادة يختلجُ في قلبه؛ لأنه كان الرجلَ الأقلَّ حظًّا في الزواج على متن السفينة.

كان يوجد متَّسَع كبير على سطح السفينة؛ وذلك لأن العديد من الجنود كانوا معتلِّين إما من دُوار البحر أو الوباء، وفي بعض الأحيان كان هو وألبرت آشر يستحوذان لأنفُسهما على الجانب المُعرَّض للعواصف على السفينة. كان جنديُّ البحرية أفضلَ رفيق في هذه الأيام الكئيبة؛ فقد كان ثابتَ الجَنان، وهادئًا، ومُعتمدًا على نفسه. وأيضًا ما فتئ يتطلع إلى المستقبل. أما فيكتور مورس، فكان إعجاب كلود به يتزايد. كان فيكتور يحتسي الشايَ في ركنٍ خاص في غُرفة التدخين الخاصة بالضباط كلَّ يوم بعد الظهر— كان سيَهلك من دونه — ودائمًا ما كان المضيفُ يُقدم له بعضَ الأطباق الجانبية الخاصة من الخبز المحمص والمربَّى أو البسكويت المحلَّى. وعادةً ما كان كلود يتمكَّن من الانضمام إليه في هذه الساعة.

في يوم جنازة تانهويزر، دخل إلى غُرفة التدخين في الساعة الرابعة. أشار فيكتور إلى المضيف، وطلب منه أن يُحضر كأسَين من الويسكي الساخن مع الشاي. قال وهو يضع كأسه: «أتعلَم، أنت مبتلٌّ للغاية يا ويلر، وينبغي أن تحتسيَ بعض الشراب. ألا تشعر بحالٍ أفضل مع الشرب؟»

«أفضل كثيرًا. أظن أنني سأتناول كأسًا أخرى. من المستحسَن أن أشعر بالدفء من الداخل.»

«كأسان أُخرَيان أيها المُضيف، وأحضِرْ لي بعض الليمون الطازَج.» كان شاغلو الغرفة إما يقرَءون أو يتحدَّثون بصوتٍ منخفض. وأحد الفِتية السويديِّين يعزف بعذوبة على بيانو قديم. بدأ فيكتور يصبُّ الشاي. وله طريقةٌ منمَّقة في فعل ذلك، واليومَ كان حريصًا على نحوٍ خاص. قال: «هذا الضباب الاسكتلندي ينخر في عظم المرء، أليس كذلك؟ بدَوت لي مُتوعكًا نوعًا ما عندما مررتُ بك على سطح السفينة.»

تمتمَ كلود وهو يتثاءب: «كنتُ مُستيقظًا أرعى تانهويزر ليلة البارحة. ولم أحظَ بأكثرَ من ساعة من النوم.»

قال: «نعم، سمعتُ أنك فقدتَ عريفك الضخم. يؤسفني ذلك. لقد تلقَّيت أنا أيضًا أخبارًا سيئة. لقد أُفصحَ صراحةً الآن عن أننا سنتوجَّه إلى ميناءٍ فرنسي. ذلك يُحبط كلَّ خُططي. على أي حال، هذا هو حال الحرب!» أزاح كأسه وهو يهزُّ كتفَيه. وأضاف: «هل لديك نوبةٌ بالخارج؟»

كان كلود كثيرًا ما يتساءل في نفسه عن السبب الذي يدفع فيكتور إلى الإعجاب به؛ إذ لم يكن من النوع الذي يُفضله فيكتور. قال: «إن لم يكن سرًّا، أودُّ أن أعرف كيف التحقتَ بأي حال من الأحوال بالجيش البريطاني.»

بينما كانا يغدُوان ويروحان تحت المطر، سرَد فيكتور قصتَه بإيجاز. عندما أنهى المدرسة الثانوية، عمل في بنك والده الكائن في كريستال ليك مُحاسبًا. وبعد ساعات العمل في البنك، كان يَتزلَّج أو يلعب التنس أو يعمل في حوض زراعة الفراولة، حسب الموسم. قال إنه كان يشتري زوجَين من السراويل البيضاء كلَّ صيف، ويطلب قمصانَه من شيكاجو، ورأى أنه مُتأنِّق. بعد ذلك خطَب ابنة الواعظ. قبل عامَين، في الصيف الذي بلغ فيه العشرين من عمره، أراده والده أن يرى شلَّالاتِ نياجارا؛ ومن ثَم كتب له شيكًا بمبلغٍ مُتواضع، وحذَّر ولده من الحانات — إذ لم يكن فيكتور قد دخل واحدةً منها مطلقًا — ومن الفنادق الباهظة، ومن النساء اللاتي يأتين يسألنَ عن الوقت من دون مقدمات، ثم ودَّعه، وأخبره بعدم ضرورة إعطاء بقشيش للحمَّالين أو النُّدل. في شلَّالات نياجارا، تعرَّف فيكتور على بعض الضباط الكنَديين الشباب الذين فتَحوا عينَيه على أشياء عظيمة كثيرة. سافر إلى تورونتو معهم. كان التجنيدُ على أشُدِّه، ووجده مَهربًا من البنك ومن حوض زراعة الفراولة. بدَت القوات الجوية السلاحَ الأفضل والأكثر جاذبية في الجيش. وقَبِلوه فيها، وها هو ذا.

قال كلود واثقًا: «لن تعود إلى ديارك مرةً أخرى.» وأضاف: «لا أظن أنك ستستقرُّ في أي بلدة صغيرة في آيوا.»

قال فيكتور بغير اكتراث: «في القوات الجوية، لا نشغَلُ أنفُسنا بالمستقبل. إنه لا يستحقُّ عناء التفكير.» أخرج عُلبة سجائر ذات لونٍ ذهبي باهت قد لاحظها كلود معه من قبل.

«هل تسمح لي أن أراها للحظة؟ إنها تُعجبني كثيرًا. إنها هدية من شخص تُحبه، أليس كذلك؟»

بدَت اختلاجةٌ عابرة من التأثر، شعورٌ صادق جدًّا، على وجه رجل القوات الجوية الصِّبياني، وتقلَّص فمُه الصغير الأحمر بشدة. وأجاب: «نعم، امرأة أريدك أن تقابلها. هاك»، وقرَص ذقنه من فوق ياقته المرتفعة، «سأكتب عُنوان مايزي على بطاقتي: «أقدم المُلازم ويلر، من قوَّات المشاة الأمريكية»، هذا كل ما ستحتاج إليه. إن وصلتَ إلى لندن قبلي فلا تتردَّد. زُرها فورًا. قدِّم لها هذه البطاقة، وستستقبلك بتَرْحاب.»

شكَره كلود ووضع البطاقة في دفتر جيبه، بينما كان فيكتور يُشعل سيجارة. «لم أنسَ أنك ستتناول عشاءك معنا في فندق سافوي، إذا تصادف وكنَّا في لندن معًا. إن كنتُ هناك، فستجدني هناك دومًا. عُنوانها هو عنواني. حقًّا سيكون أمرًا رائعًا لك أن تُقابل امرأةً مثل مايزي. ستكون لطيفة معك؛ لأنك صديقي.» تابَع حديثه وقال إنها فعلَت كلَّ ما بوُسعِها لأجله؛ فقد تركت زوجها، وتخلَّت عن أصدقائها لأجله. وكانت الآن تعيش في شقةٍ صغيرة في تشيلسي، حيث تنتظر قدومه وتَخشى ذَهابه. عاشت حياةً مُروِّعة. بالطبع كانت تستضيف ضباطًا آخرين من المعارف القدامى، لكنَّ هذا كلَّه كان تمويهًا. كان الرجل المفضَّل عندها.

وصل الأمر بفيكتور أن أخرج صورتها، وحملقَ كلود دون أن يعرف ما يقوله عن الوجه المُستدير كالقمر، والعينين المُنهكَتَين ذاتَي الرموش الثقيلة، والرقبة المُلتف حولها عِقدٌ من اللؤلؤ، والكتفَين العاريتَين، حتى النهدَين المُنتفخَين اللذَين يُعبران عن أنوثةٍ ناضجة. لم تكن توجد خطوط أو تجاعيدُ في تلك الفسحة من البشرة الناعمة، ولكن من الفم الذي لا يبتسمُ والذقن، من شكل الوجه نفسِه، كان من السهل أن يُرى أنها كبيرةٌ في السن بما يكفي لأن تكون أمًّا لفيكتور. وعلى الصورة، كان مكتوبًا بخطٍّ كبير مُبعثَرٍ «إلى نسري!» لو كان فيكتور على قدرٍ من رقَّة المشاعر لدرجة أن يترك كلود واقعًا بين الشكوك، لَفضَّل كلود أن يعتقد أن علاقته مع هذه السيدة كانت علاقةَ بُنوَّة تامَّة.

تمتمَ الطيار وهو يُغلق صندوق الصور: «النساء من نوعية تلك المرأة لا وجود لهنَّ في عالمك.» وأضاف: «إنها مُتخصصةٌ في اللغات وموسيقيةٌ وأشياءُ أخرى. معها تغدو الحياة اليومية فنًّا راقيًا. الحياة، على حدِّ قولها، هي كيفما يجعلها المرء. أما الحياة في حدِّ ذاتها، فلا قيمة لها. مسقط رأسك لا قيمة له؛ إنه سقم هامد.»

ضحك كلود. وقال: «لا أظن أنني أتَّفق معك، ولكني أحبُّ أن أسمعك تتكلَّم.»

«حسنًا؛ في ذلك الجزء من فرنسا الذي تمزَّق إلى أشلاء، ستجد أمورًا حياتية تجري في الأقْبِية أكثرَ مما يجري في مسقط رأسك أيًّا كان. أُفضِّل أن أكون عاملَ تحميل وتفريغ على أحد أرصفة لندن على أن أكون أحدَ ملوك المصارف في إحدى ولايات البراري في أمريكا. في لندن، إن كنتَ محظوظًا بما يكفي لأن تمتلكَ شلنًا، يمكنك الحصول على شيءٍ مقابله.»

اعترف الآخر: «نعم، الأمور هادئةٌ جدًّا في الديار.»

«هادئة؟ يا إلهي، إنها حياة كالموت! ما الذي سيتبقَّى في أنفُس الرجال إن سلبتَهم كلَّ ما بداخلهم من توهُّج؟ إنهم يخافون من كلِّ شيء. إنني أعرفهم؛ التسلل من دروس الأحد في الكنائس، والتجوُّل في طرُقات تلك البلدات الصغيرة بعد حلول الظلام!» انصرف فيكتور عن الموضوع فجأةً. وقال: «بالمناسبة، أنت والطبيب صديقان، أليس كذلك؟ أنا بحاجة إلى دواءٍ ما، كان موجودًا في حقيبة أمتعتي المفقودة. هل تُمانع أن تسأله إن كان بإمكانه توفيرُ هذه الوصفة الطبية؟ لا أريد أن أذهب إليه بنفسي. كل هؤلاء الأطباء ثَرْثارون، وقد يبلغ عني. لقد حالفني الحظُّ في التهرُّب من الفحوص الطبية. كما ترى، لا أريد أن أُحبَس في أي مكان. بالطبع يُمكنك أن تُخبره أن الأدوية ليست لك.»

عندما قدَّم كلود الورقة الزرقاء إلى الطبيب ترومان، ابتسم بازدراء. وقال: «فهمت؛ كتَب هذه الوصفةَ صيدليٌّ لندني. لا، ليس لدينا شيءٌ من هذا النوع.» أعاد لي الورقة. وأضاف: «تلك الأدوية ما هي إلا مُسكِّنات. إن كان صديقك يُريدها، فهو بحاجة إلى علاج، وهو يعلم من أين يحصل عليه.»

أعاد كلود الورقةَ إلى فيكتور وهما يُغادران غُرفةَ الطعام بعد تناول العشاء، وأخبره أنه لم يتمكَّن من الحصول على أيٍّ منها.

قال فيكتور وقد تورَّد وجهه بغطرسة: «أنا آسف.» وأضاف: «شكرًا جزيلًا لك!»

٨

صمد تود فانينج أفضلَ من كثير من الرجال الأقوى منه؛ وفاجأتْ حيويتُه الطبيب. كانت قائمة الوفَيات تتزايدُ باطراد، وأسوأ ما في الأمر أن المرضى الذين ماتوا لم يكونوا مُعتلِّين جدًّا. انقلب حالُ شبابٍ أقوياء أصحَّاء، في التاسعة عشرة والعشرين من عمرهم، وماتوا لأنهم فقَدوا شجاعتهم، بسبب موت الآخرين، ولأن الموت كان في كل مكان. كانت طُرقات السفينة تعجُّ برائحة الموت من حولهم. قال الطبيب ترومان إن الأمر يكون هكذا دائمًا في حالة الوباء؛ مات مرضى لو عُزِلَت حالاتُهم كانوا سيَتعافَون من المرض.

علَّق الطبيب في أحد الأيام، عندما صَعِدا معًا من المستشفى لاستنشاق نسمة هواء: «أتعلَم يا ويلر، أحيانًا أتساءل عمَّا إن كانت كلُّ هذه اللقاحات التي تلقَّاها الجنود لمكافحة التيفويد والجدري وغيرهما من الأمراض تُقلِّل من نشاطهم. سوف أفقد عقلي إن ظللت أفقد رجالًا! ما الذي ستُقدمه فداءَ أن تخرج من كلِّ هذا وتعودَ سالمًا إلى المزرعة؟» لمَّا لم يسمع ردًّا أدار رأسه، ونظر من فوق ياقة مِعطف مطره، ورأى نظرةً ذاهلةً مُمانِعةً في عينَي الشاي الزرقاوين، تبعها توردٌ سريع في وجْنتَيه.

«أرى أنك لا تريد العودة إلى المزرعة! لا تريد ذلك على الإطلاق! حسنًا، حسنًا؛ هذا حال الشباب!» هزَّ رأسه، وارتسمت على شفتَيه ابتسامةٌ ربما كانت تُعبر عن مواساة، أو ربما عن حسد، وعاد إلى مَهامِّه.

مكث كلود في مكانه يشهق الهواء الرَّطب الكئيب إلى رئتَيه، ويشعر بالضِّيق وتأنيب الضمير. أدرك أن هذا كان صحيحًا تمامًا؛ لقد أخذه الطبيبُ على حين غِرَّة. كان يستمتع بحياته في تلك الأثناء، ولم يُرِد أن يكون آمنًا في أي مكان. يشعر بالأسى على تانهويزر والآخرين، ولكنه لم يشعر بالأسى على نفسِه. لم تُزعجه المصاعب والمصائب التي وقعَت في هذه الرحلة. بالطبع تذمَّر لأن الآخرين تذمَّروا. لكن الحياة لم تبدُ جذَّابةً مثلما كانت تبدو هنا والآن. يمكنه أن يصعد من يوم عمل شاقٍّ في المستشفى، أو من رعاية فانينج البائس وبيضه الذي يُداوم عليه، وينسى كلَّ ذلك في غضون عشر دقائق. شيءٌ ما بداخله، في مثل رخاوة الأمواج الرمادية الهائجة التي كانت تتقاذفُهم، ما فَتِئ يتلاطمُ ويقول: «أنا هنا بكل ذاتي. لقد تركت كل شيء ورائي. أنا ماضٍ في طريقي.»

لم يشعر بالبؤس حقًّا إلا في ذلك اليوم، اليوم البارد الذي أُقيمت فيه جنازة الفيرجيني، عندما كان مُصابًا بدُوار البحر. لا بد أن يكون بلا مشاعر، بالتأكيد، كي لا يتأثَّر بمعاناة رجاله وأصدقائه، لكنه لم يكن كذلك. كان عقلُه مُنشغلًا بهم، وكان يفعل كل ما بوُسعه من أجلهم، ولكن بدا له حينئذٍ أنه شعَر أيضًا بنوعٍ من الرضا نتيجةً لذلك، وكان نوعًا ما مَزهوًّا بكونه ذا فائدة للطبيب ترومان. يا له من سلوكٍ طيب! كان يستيقظ كلَّ صباح وفي قلبه ذلك الشعورُ بالحرية والاستمرارية، كأن العالم يكبر كلَّ يوم وهو يكبر معه. كان الآخَرون يُصابون بالمرض ويموتون، وكان ذلك مُروِّعًا، لكنه كان ماضيًا إلى الأمام هو والسفينة، ودائمًا إلى الأمام.

كان يُحدِّث نفسه بأن شيئًا ما ظل يُصارع مدةً طويلة، وتحرَّر أخيرًا. من المفترض أن يصل إلى فرنسا منذ معركة إقليم المارن الأولى؛ قد تبع مساراتٍ خاطئة، وأضاع وقتًا ثمينًا، ورأى ما يكفي من البؤس، ولكنه أصبح على المسار الصحيح أخيرًا، ولا يمكن لأي شيء أن يوقفه. لو لم يكن غضًّا جدًّا، ويمنعه الحياء والخوف من إظهار مشاعره، وشديد الحمق في العثور على دربه؛ كان سيَنضمُّ إلى الجيش في كندا، مثل فيكتور، أو يهرب إلى فرنسا ويلتحق بالفيلق الأجنبي. كل ذلك بدا ممكنًا تمامًا الآن. فلماذا لم يفعل؟

حسنًا، لم تكن تلك «طريقة آل ويلر.» كان آل ويلر يخشَون للغاية من إقحام أنفسهم في أماكنَ ليس مرغوبًا فيهم بها، ومن شقِّ طريقهم في حشد لا ينتمون إليه. وكانوا أكثرَ خشيةً من فعل أي شيء قد يُظهر تأثُّر مشاعرهم أو «رومانسيتهم». لم يستطيعوا أن يسمحوا لأنفسهم بأن ينتهجوا مَسلكًا لافتًا للنظر، فضلًا عن أن يسلكوا مسلكًا غريبًا، إلا إذا كان في إطار العمل اليومي. حسنًا، لقد تعطَّف التاريخُ مع شخصٍ مثله، أصبحت هذه المغامرة الرائعة بكاملها عملَه اليومي. لقد خاض غِمار هذه التجرِبة في نهاية الأمر، مع فيكتور وجندي البحرية وأشخاص آخرين يتمتعون أصلًا بقدرٍ أكبر من الخيال والثقة بالنفس. قبل ثلاث سنوات، اعتاد أن يجلس مكتئبًا عند الطاحونة لأنه لم يكن يعرف كيف لفتًى مُزارع من نبراسكا أن يتلقَّى أي «استدعاء»، أو في الواقع، أي طريقة يرمي بها نفسه في أتُّون الصراع الدائر في فرنسا. اعتاد أن يقرأ، والغَيرةُ تأكله، عن ألان سيجر وأولئك الفِتية الأمريكيِّين المحظوظين الذين كان لديهم الحقُّ في القتال من أجل حضارةٍ عرَفوها.

لكن المعجزة حدَثَت؛ معجزة هائلة حتى إنها تضمَّنَت آل ويلر، جميعَ أفراد عائلة ويلر، لدرجة أنها شملَت ذوي الأسلوب الفظ وعديمي الطموح. نعم، لقد كان ذلك كلُّه معجزةً لأصحاب الأسلوب الفظ؛ كانت فرصتهم الذهبية. لقد انخرطَ فيها، ولم يكن يمكن لأي شيء أن يُوقِفه أو يُثبِّطه إلا إذا نُحي به جانبًا، وهو ما كان مجردَ مزحة؛ لأن ذلك كان احتمالًا لم يُفكر فيه جديًّا مطلقًا. كان الشعور بوجود هدف، هدفٍ مصيري، يختلجُ بقوة في صدره.

٩

«انظر إلى هذه، أيها الطبيب!» الْتقى كلود بالطبيب ترومان وهو عائدٌ من الإفطار، وسلَّمه ورقةً مكتوبة ومُوقَّعة بِاسم رئيس المضيفين دي تي ميكس. كان مكتوبًا في الورقة أنه لا يوجد بيض أو برتقال لتقديمه إلى المرضى لأن المؤن نَفِدت.

نظر الطبيب شزرًا إلى الورقة. «أخشى أن تكون هذه الورقة بمثابة الحكم بإعدام مريضك. لن تتمكن من إبقائه على قيد الحياة بإطعامه أيَّ شيء آخر. لماذا لا تتناقش في الأمر مع تشيسوب؟ إنه شخص واسعُ الحيلة. سألحق بك عنده في غضون بضع دقائق.»

كان كلود يتردَّد كثيرًا على مقصورة الطبيب تشيسوب منذ تفشِّي الوباء، حتى إنه كان يُحب الانتظار هناك عندما يذهب من أجل أدوية أو مشورة. كان مكانًا مُريحًا، ويتَّسم بالخصوصية، ومُزوَّدًا بستائر من قماشٍ قطني مُبهِج. الجدران مليئة بالكتب، المثبَّتة في مكانها بألواحٍ خشبية مُنزلقة على الجدران، ومُزوَّدة بأقفال في الأطراف. وتوجد مجموعةٌ كبيرة جدًّا من الأعمال العلمية باللغتَين الألمانية والإنجليزية؛ وبقية الكتب عبارة عن رواياتٍ فرنسية في أغلفةٍ ورقية. هذا الصباح، وجد تشيسوب يَزنُ مسحوقًا أبيض على مكتبه. على الرف فوق سريره، يوجد الكتاب الذي كان هو نفسه قد قرأه ليلةَ البارحة حتى نومه؛ لفتَ العنوان، «جريمة حب»، المكتوبُ بحروف باللونَين الأسود والأصفر، انتباهَ كلود. ارتدى الطبيب مِعطفه، وأشار إلى الزائر أن يجلس على المقعد ذي المفصلات الذي كان يُفحَص عليه المرضى في بعض الأحيان. شرح كلود مأزِقه.

كان من الغريب أن يكون طبيبُ السفينة من كندا، أرض الرجال الضخام والخشونة. بدا مثل تلميذ، بيدَين وقدَمَين صغيرتين وبشرةٍ وردية. على عظمةِ وَجْنته اليسرى، توجد شامةٌ بُنِّية كبيرة، يُغطيها شَعرٌ حريري، ولسببٍ ما بدا أن ذلك جعل وجهه أنثويًّا. من السهل معرفة السبب وراء عدم نجاحه في العمل الخاص. كان مثل شخص يُحاول حماية سطح جلدي مَسحوج من الحرارة والبرد؛ فهو مُبتلًى بشدة بعدم الثقة بالنفس، وكان لديه حساسيةٌ شديدة فيما يتعلق بمظهره الصِّبياني، لدرجة أنه اختار أن يحبس نفسَه في سجنٍ خشبي مُتأرجح في البحر. كان طولُ الرحلة إلى أستراليا قد ناسبه تمامًا. وخشونة الحياة والتلاطمُ تحت ظروف الطقس السيئة أهوَنُ عليه بكثير من المكوث في مكتب بالمدينة، والتعرض الدائم لشخصيات البشر.

لما أخبره كلود بأنَّ تغذية فانينج مُهدَّدة بالنفاد، سأل: «هل جرَّبت أن تُعطيَه الحليب المُملَّت؟»

«لم يتبقَّ لدى الطبيب ترومان زجاجةٌ واحدة. كم من الوقت في تقديرك سنظل في البحر؟»

«أربعة أيام، وربما خمسة.»

قال الطبيب ترومان، الذي كان قد دخل لتوِّه: «سيَفقد المُلازم ويلر صديقه.»

وقف تشيسوب عابسًا للحظة، ويجذب بعصبيةٍ أزرارَ مِعطفه النحاسية. أغلق مِزلاج بابه والْتفتَ إلى زميله قائلًا بحزم: «بوُسعي أن أمنحك بعض المعلومات، إذا لم تُقحِمني في الأمر. يمكنك فعلُ ما يحلو لك، ولكن لا تَذكُر اسمي في هذا الأمر. لعدة ساعات ليلةَ البارحة، ظل أحد مُساعدي كبير المضيفين يحمل إلى مقصورة الأخير عُلبَ البيض وصناديق البرتقال من مطبخ السفينة. بغضِّ النظر عن الميناء الذي نحن متَّجهون إليه، يمكنه أن يحصل على شلن عن كلِّ عُلبة بيض طازَج، وربما ستة بنسات عن البرتقال. هذه المؤن مملوكةٌ لكم؛ فحكومتكم أمدَّتكم بها، ولكن هذه عِلاوته المُتعارَف عليها. لقد أمضيت على متن هذه السفينة ستَّ سنوات، ودائمًا ما كان الأمر كذلك. قبل الوصول إلى أحد الموانئ بنحو أسبوع، يؤخذ أفضلُ ما يتبقَّى من المؤن إلى مقصورته، ويُصرِّفها بعد أن نرسو. لا أعلم كيف يُصرِّفها، ولكنه يفعل ذلك. ربما يكون الربَّان على علم بذلك العُرف، وربما يوجد سببٌ ما وراءَ سماحه به. ليس من شأني أن يكون لي وجهةُ نظر في أي شيء. يتمتَّع رئيس المضيفين بنفوذ على متن السفن الإنجليزية. وإن حدث وكان لديه أيُّ ضغينة نحوي، فعاجلًا أو آجلًا يمكن أن يجعلني أفقدُ عملي. ها هي الوقائع بين يدَيك.»

سأل الطبيب ترومان: «هل تأذن لي أن أذهبَ إلى رئيس المضيفين؟»

«بالطبع لا. ولكن يمكنك أن تذهب دون علمي. إنه رجلٌ فاجر في الخصومة عندما يغضب، ويمكنه أن يُنغِّص العيش عليك وعلى مرضاك.»

«حسنًا، لن نتحدَّث عن الأمر أكثر من ذلك. أُقدِّر لك أن أخبرتَني، وسأحرص على عدم إقحامك في الأمر. أيمكنك أن تذهب معي لمعاينة تلك الحالة الجديدة المصابة بالْتِهاب السحايا؟»

انتظر كلود بصبرٍ نافد في مقصورته عودةَ الطبيب. لم يفهم السبب وراء عدم فضح رئيس المضيفين والتعامل معه مثل أي وغد آخر. كان يكره الرجل منذ سمعه يُوبِّخ المضيف المُسنَّ المسئول عن الحمام صبيحةَ أحد الأيام. لم يُحاول هوكينز أن يُدافع عن نفسه، ولكنه وقف مثل كلب تعرَّض لضربٍ مُبرِّح، وجسده كلُّه يرتعش، ويقول: «نعم يا سيدي. نعم يا سيدي»، بينما كان رئيسه يسبُّه ببرود بصوتٍ مُنخفِض مُزمجِر. لم يكن قد سبق لكلود أنْ سمِع إنسانًا أو حتى حيوانًا يُخاطَب بهذا القدر من الاحتقار. كان رئيس المضيفين ذا وجهٍ يوحي بالقسوة؛ أبيَض كالجُبن، وله شَعرٌ مُنهَك رَطْب مُمشَّط إلى الخلف من أعلى جبهته؛ الشعر الدُّهني الغريب الذي يبدو أنه لا ينمو إلا على رءوس المضيفين والنُّدل. كانت عيناه تُشبهان بالضبط حبَّتَي لوز، ولكن جفونهما كانتا مُنتفختَين لدرجة أن بؤبؤ العين ذا اللون الباهت لم يكن يُرى إلا من خلالِ فُتحةٍ ضيقة. وكان شاربٌ طويلٌ فاتحُ اللون يتدلَّى كأنه هُدَّاب فوق شفتَيه المفتوحتَين.

عندما عاد الطبيب ترومان من المستشفى، أعلن أنه مستعدٌّ الآن لأن يزور السيد ميكس. «إنه شخصٌ قبيح الخلقة، ولكنه لا يستطيع فعل أي شيء لي.»

ذهبَا إلى مقصورة رئيس المضيفين وطرَقا الباب.

ردَّ صوت مُهدِّد: «ماذا تريد؟»

رمى الطبيب رفيقه بتكشيرة ودخل. كان رئيس المضيفين يجلس على مكتب كبير مغطًّى بدفاتر الحسابات. أدار كرسيَّه. وقال ببرود: «أستميحك عذرًا، لا أرى أيَّ أحد هنا. سأكون …»

رفع الطبيب يدَه بسرعة. «لا بأس أيها المضيف. أعتذر على تطفُّلي، ولكن لديَّ شيء يجب أن أقوله لك على انفراد. لن آخُذ من وقتك طويلًا.» اعتقد كلود أنه لو كان تردَّد للحظة، كان رئيس المضيفين سيَطرده، ولكنه أردف بسرعة. «هذا هو المُلازم ويلر، يا سيد ميكس. أحد زملائه من الضبَّاط يرقد مريضًا بالتهابٍ رِئوي في المقصورة ٩٦. حافَظ المُلازم ويلر على حياته برعايةٍ خاصة. إنه لا يستطيع الاحتفاظ بأيِّ طعام في مَعِدته عدا البيض وعصير البرتقال. وإذا توفَّرَت له هذه الأطعمة، فربما نتمكَّن من الحفاظ على قوته حتى تزول الحمَّى، ونحمله إلى مستشفًى في فرنسا. إن لم نحصل له عليها، فسيَموت في غضون أربع وعشرين ساعة. هذا هو الوضع.»

نهض المضيف ووجَّه المصباح الموضوع على مكتبه إلى الخارج. «هل تلقَّيتَ إخطارًا بنفاد كَمية البيض والبرتقال على متن السفينة؟ إذَن يؤسفُني القول إنه لا يمكنني فعلُ شيء لك. لستُ أنا من أُمدُّ هذه السفينة بالمؤن.»

«كلا، أنا أفهم ذلك. أعتقد أن حكومة الولايات المتحدة وفَّرت الفاكهة والبَيض واللحم. وأعلم يقينًا أن الأصناف التي أحتاج إليها من أجل مريضي لم تَنفَد. دون الخوض في مزيد من التفاصيل، أُحذِّرك أنني لن أترك ضابطًا من الولايات المتحدة يموت بينما وسائلُ إنقاذه مُتاحة. سأذهب إلى الربَّان، وسأدعو الضباط على متن السفينة إلى اجتماع. سأفعل أيَّ شيء لأُنقِذ هذا الرجل.»

«هذا شأنك، ولكنك لن تتدخَّل في طريقة أداء واجباتي. هلَّا غادرتَ مقصورتي؟»

«بعد لحظة، أيها المضيف. أعلم أنه ليلةَ البارحة حُمِل عددٌ من عُلَب البَيض والبرتقال إلى هذه الغُرفة. إنها هنا الآن، وهي تخصُّ قواتِ المشاة الأمريكية. إذا وافقت على تقديم المئونة لمريضي، فلن يعرف أحدٌ آخرُ ما أعرفه. أما إن رفضت، فسأعمل على فتحِ تحقيق في هذا الأمر. لن أتوقَّف حتى أفعل.»

جلس المضيف وأخذ قلمًا. بدَت يده الكبيرة الناعمة بيضاءَ بياضَ الجبن، مثل وجهه. سأل بعدم اكتراث: «ما رَقْم المقصورة؟»

«ستة وتسعون.»

«ما المطلوب بالضبط؟»

«دُزَينة من البَيض ودُزَينة من البرتقال كلَّ أربع وعشرين ساعة، على أن تصلَ في الوقت الذي يُناسبك.»

«سأرى ما يمكنني فِعله.»

لم يرفع رئيسُ المضيفين عينه عن لوحة الكتابة أمامه، وخرج ضيفاه بغتةً مثلما دخلا.

في نحو الساعة الرابعة من كلِّ صباح، قبل حتى أن يضطلع المضيف المسئول عن الحمامات بمهامِّه، كان بابُ مقصورة كلود يُطرَق طَرقًا خفيفًا، ويَترك مِرسالٌ لم يغتسل، ونِصفه العُلوي عارٍ، وعليه إزارٌ مربوط حول خصره، وصدره المشعر مُلطَّخ بالدقيق؛ سلةً مُغطَّاةً أمام الباب. لم يتكلَّم مطلقًا، وكان لديه عينٌ واحدة فقط، ومَحجرُ عين مُتورِّم. عرَف كلود أنه شقيقٌ لرئيس المضيفين ومُصاب بإعاقةٍ ذهنية، ويعمل في تقشير البطاطس وغسل الأطباق في مطبخ السفينة.

بعد أربعة أيام من محادثتهما مع السيد ميكس، عندما كانوا أخيرًا يقتربون من نهاية الرحلة، أوقف الطبيب ترومان كلود بعد فحصٍ طبي كي يُخبره أن رئيس المضيفين قد ظهرَت عليه أعراض الوباء. «أرسل في طلبي ليلةَ البارحة، وطلب مني أن أتولَّى حالته؛ لن يتعامل مع تشيسوب مطلقًا. تعيَّن عليَّ أن أحصل على تصريح من تشيسوب. بدا مسرورًا جدًّا بتسليم الحالة لي.»

«هل حالته سيئة جدًّا؟»

«ليس لديه فرصةٌ في الشفاء، وهو يعلم ذلك. ثَمة مُضاعَفات؛ داء برايت المُزمِن. يبدو أن لديه تسعةَ أطفال. سأُحاول أن أُدخِله مستشفًى عندما نَصِل إلى ميناء، ولكنه لن يعيشَ أكثرَ من بضعة أيام على أقصى تقدير. أتساءل من سيحصُل على الشلنات مقابل كلِّ البَيض والبرتقال الذي اكتنَزه.» تكلَّم الطبيب بحيويةٍ مُفاجئة: «كلود، يا ولدي، إذا وضعت قدمي على اليابسة مرةً أخرى، فسأنسى هذا الرحلة كأنها كانت كابوسًا. عندما أكون بعافيتي، أنتمي إلى الكنيسة المشيخية، ولكني الآن أشعر أنه حتى الأشرار ينالون أسوأ مما يستحقون.»

أخيرًا أتى يومٌ استيقظ فيه كلود من نومه يكتنفُه شعورٌ بالسكون. قفَز من سريره شاعرًا بخوفٍ مُشوَّش من أن أحدًا ما قد مات، لكن فانينج كان راقدًا في سريره يتنفَّس بهدوء.

لفَتَ انتباهَه شيءٌ ما عبر الكوَّة؛ حافةٌ يابسة عريضة رمادية تبرز في ضوء الفجر الوردي، عظيمة ومستقرة بغرابةٍ بعد عدم الاستقرار المُزعِج للبحر. أشجار باهتة وتحصينات طويلة ومُنخفضة … مَبانٍ رمادية قريبة ذاتُ أسقُف حمراء … زوارقُ صغيرة تُبحر نحو البحر … وفوق الجرف، قلعة كئيبة.

كان ما بَرِح يُفكر في أن وِجهته بلدٌ مُمزَّق وخرب؛ «فرنسا الدامية»، ولكنه لم يكن قد رأى قطُّ أيَّ شيء بدا في غاية القوة والاكتفاء والثبات من أول مبنًى، مثل الساحل الذي كان ماثلًا أمامه. كان مثل أحَد أعمدة الخلود. تحت قدمَيه، كان البحر الخِضمُّ يقبع خانعًا، وفوق رأسه يُشرق الصبح هادئًا.

هذا الجدار الرماديُّ الثابت والقوي كان نهايةَ تحضيرٍ طويل؛ إذ كان نهايةَ البحر. كان سبب كل ما حدث في حياته على مدار خمسة عشر شهرًا مضَت. كان السبب في أن تانهويزر والفيرجيني اللطيف، وعديدين آخَرين ممن انطلَقوا معه في الرحلة، لن يحظَوا بأيِّ حياة على الإطلاق، أو حتى بميتة جندي. كانوا مُجرَّد نُفايات في مؤسسةٍ كبيرة، أُلقيَت من فوق السفينة مثل حبال بالية. بالنسبة إليهم، لن يكون لهذا الانعتاق اللطيف — الأشجار والشاطئ الساكن والمياه الهادئة — وجودٌ أبدًا. تساءل، إلى متى ستظل أجسادهم مطروحةً في تلك المملكة اللاإنسانية التي تكتنفها الظُّلمة وعدم الراحة؟

أجفله صوتٌ ضعيف آتٍ من خلفه.

«كلود، هل وصلنا؟»

«أجل يا فانينج. لقد وصلنا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢