الكتاب الخامس

«الرِّهان على استمرار تحليق نسور الغرب»

١

في ظهيرة ذلك اليوم، وجد كلود نفسَه في شارع به متاجرُ صغيرة، مُحترٌّ ومتعرِّق، حائرٌ تمامًا ولا يعرف وِجهته. أخذ سائقو الشاحنات وصِبيةٌ على درَّاجات هوائية بدون أجراس يَصيحون فيه بسخط وغضب. استظلَّ بظل شُجَيرة دُلب ووقف عند جِذعها، كأنما يُمكن أن تحميَه. على أي حال، كان أكبرُ شواغله قد رُفِع عن كاهله. بمساعدة فيكتور مورس، كان قد استأجر سيارة أُجرة مقابل أربعين فرنكًا، وأخذ فانينج إلى مستشفى القاعدة، ورآه بين ذراعَي مُعاونِ تمريض ضخم من تكساس. خرج من المستشفى دون أن يكون لديه أيُّ فكرة عن المكان الذي كان ذاهبًا إليه، باستثناء أنه أراد الوصول إلى قلب المدينة. ولكن بدا أنها كانت بلا قلب؛ فقط شرايين طويلة مُتحجِّرة، مُفعَمة بالحرارة والضوضاء. كان لا يزال واقفًا هناك، تحت شجرة الدُّلب، عندما أقبلَت مجموعةٌ من أشخاص غير مُحدَّدين، يبدون تائهين، في ثياب بُنِّية، يتقدمهم الرقيبُ هيكس، يسيرون على غيرِ هدًى في الشارع؛ تسعة رجال لكلٍّ منهم همُّه، وكل واحد منهم يحمل رغيفًا طويلًا تحت ذراعه. حيَّوا كلود بابتهاج، واعتدلوا في مِشيتهم، وبدَوا كأنهم وجَدوا طريقهم الآن! رأى أنه لا بد أن تكون شجرة دلب لشخصٍ آخر.

أوضح الرقيب هيكس أنهم كانوا يتسكَّعون في شوارع المدينة بحثًا عن جُبن. بعد ستة عشر يومًا من الطعام الصعبِ الهضم، العديم الطعم، كان الجبنُ هو كلَّ ما يبتغون. كان يوجد متجر بقالة على ناصية الشارع، وبدا أنه تتوفَّر فيه كافة أنواع البقالة عدا الجبن. كان قد حاوَل أن يجعل المرأة العجوز تفهمُه باستخدام الإشارات.

«أيًّا كان، ألَا يأكل هؤلاء الفرنسيُّون الجبن؟ ماذا تعني كلمة الجبن في لُغتهم، أيها المُلازم؟ لتحلَّ عليَّ اللعنة لو كنتُ أعرف، ولقد فقدتُ كتاب العبارات. أتظن أنك تستطيع أن تجعلها تفهم؟»

«حسنًا، سأُحاول. تعالَوا معي، أيها الفِتيان.»

احتشد الرجال العشرة، ودخلوا المتجر. هُرِعت صاحبة المتجر نحوهم بصيحةٍ قانطة. كان من الواضح أنها قد ظنَّت أنها انتهَت منهم، ولم يَسرَّها أن تراهم عائدين. عندما توقَّفَت لالتقاط أنفاسها، خلع كلود قبعته احترامًا، وقام بأجرأ عمل في حياته؛ ألا وهو التلفُّظ بأول جملة من كتاب العبارات خاطَب بها شخصًا فرنسيًّا في حياته. وقف رجاله خلفه، وتعيَّن عليه أن يقول شيئًا ما أو أن يهرب، لم يكن يوجد سبيلٌ آخر. نظر إلى المرأة العجوز في عينَيها، وقال بنبرةٍ ثابتة بالفرنسية:

«هل لديكِ جُبن، يا سيدتي؟» ظن أنَّ إلهامًا نزل عليه وجعله يُضيف الكلمة الأخيرة؛ وعندما أفلحَ ذلك أصابه ذهولٌ شديد، وكأن رَصاصةً انطلقت من مسدسه وهو في حزامه.

صاحت صاحبة المتجر: «جبن؟» صاحت ببضع كلمات إلى ابنتها، التي كانت جالسةً إلى المكتب، وأمسكت كلود من كمِّه، وسحبته خارج المتجر، وجرت في الشارع وهو معها. جرَّتْه إلى مكانٍ تُغطيه ستارةٌ طويلة، وألقت التحية على صاحبة المكان، ثم دفعت الرجالَ خلف قائدهم كأنهم جحوشٌ عنيدة.

وقَفوا يرمشون في الظلام، ويستنشقون رائحةً لاذعة ورطبة وزبدية ولزجة، إلى أن اخترق بصرُهم الظلام، ورأوا أن المكان لم يكن يوجد فيه سوى الجبن والزبد. كانت صاحبة المتجر امرأةً سمينة، ذاتَ حاجبَين أسودين متصلَين فوق أنفها، وكانت مُشمِّرةً عن ساعدَيها، ورداؤها القطني مفتوحًا فوق رقبتها ونهدَيها الأبيضَين. همَّت من فورها أن تقول لهم إنه توجد قيودٌ على منتجات الألبان، ولا بد أن يكون مع كلِّ فردٍ بطاقات، وإنه ليس بوُسعها أن تبيع لهم كميةً كبيرة. ولكن سُرعانَ ما لم يَعُد يوجد ما يُتنازَع عليه. انقضَّ الفِتية على مخزونها كالذئاب. اختفت الأجبانُ البيضاء الصغيرة التي كانت قابعةً فوق أوراق خضراء داخل الأفواه الواسعة. قبل أن تتمكَّن من إنقاذ قطعة جُبن كبيرة دائرية الشكل، انقضَّ هيكس عليها، وأخذ يُقطعها مثل بِطِّيخة. قالت لهم إنهم خنازيرُ قذرة، وأسوأ من الجنود الألمان، ولكنها لم تستطع أن تُوقفهم.

«ما خَطبُ تلك العجوز، أيها المُلازم؟ علامَ الجلَبة التي تُثيرها؟ أليسَت هنا من أجل بيع السِّلع؟»

حاوَل كلود أن يبدوَ أحكمَ مما كان عليه. وقال: «بِناءً على ما فهمت، توجد بعض القيود؛ ليس مسموحًا لكم شراء كل ما تريدون. كان علينا أن نُفكر في ذلك؛ فهذا بلد في حالة حرب. أظن أننا استهلكنا كلَّ مخزونها.»

قال هيكس وهو يمسح سكينَ جيبه: «أوه، لا بأس.» وأضاف: «سنُحضر لها بعضَ السكر غدًا. أخبرني أحدُ الأشخاص الذين ساعدونا في تفريغ حمولة السفينة في الميناء أنه يمكنك تهدئتُهم بإعطائهم السكر.»

أحاطوا بها وأخرَجوا نقودهم كي تأخذ ثمَن ما أخذوه. وقالوا: «خُذي المال أيها السيدة، ولا تخجَلي. ما الخَطب؟ أليست هذه النقود صالحة؟»

شتَّت انتباهَها الضوضاءُ التي أحدَثوها، ووجوههم البرونزية وأسنانهم البيضاء وأعيُنهم الشاحبة، وهم يتزاحَمون قريبًا جدًّا منها. عشرُ أيادٍ كبيرة جيدة الشكل ذات أصابع مستقيمة، وكفوفٌ مفتوحة وممتلئة بالأوراق النقدية المُجعَّدة … لما أوقفت الرجالَ بحجة البحث عن قلم رَصاص، أجْرَت حساباتٍ سريعة. لم يكن المال الذي وضَعوه في كفوفهم ذا أهمية لهؤلاء الرجال الضخام المُتملِّقين والصاخبين؛ كان محلَّ تندُّر بينهم، لم يكونوا يعرفون ما يعنيه في العالم. من خلفهم كانت توجد حمولاتُ سفنٍ من الأموال، وخلف السفن …

كان الموقف غيرَ عادل. سواءٌ أخذَت الكثير أو القليل من أيديهم، لم يكن يمكن لهذا أن يَشغل بالَ الأمريكيِّين، ولم يكن يمكن حتى أن يُفسد عليهم مِزاجهم الجيد. ولكن كان ثَمة ضغطٌ على بائعة الجبن، وكانت المعايير التي عاشت عليها طَوال حياتها مُعرَّضةً للخطر. كان عقلها مضبوطًا بطريقةٍ آلية على «اثنين ونصف»؛ أي كانت ستتقاضى منهم سعرًا أعلى من سعر الجبن في السوق بمقدار مرَّتَين ونِصف. لما تشبَّثَت بهذا الداعم الأخلاقي، أجْرَت تغييرًا بدقةٍ أملاها عليها ضميرُها، ولم تأخذ من أيِّهم بنسًا أكثر. بعدما أخبرتهم كم هم أغبياء، وأنه من الضروري أن يتعلَّموا الحساب في هذا العالم، استحثَّهم على الخروج من المتجر. أُعجبَت بهم كثيرًا، ولكنها لم تُحبَّ التعامل معهم. لو لم تأخذ نقودهم، كان سيأخذها غيرُها. ومع ذلك، كانت تمقتُ القيم الزائفة؛ إذ كانت تجعل كلَّ شيء يبدو رديئًا وغير آمن.

وقفت عند المدخل، وأخذت تُراقب مجموعة الرجال ذوي الملابس البُنية وهم يسيرون على غير هدًى في الشارع؛ لما عبَروا أمام كنيسة القدِّيس جاك القديمة، تعثَّر الاثنان اللذان كانا يمشيان في الأمام في درجةٍ غائرة كانت لا تكاد تعلو فوق مستوى الرصيف. ضحكت بصوتٍ عالٍ. نظروا خلفهم ولوَّحوا لها. ردَّت عليهم بابتسامة كانت تنمُّ عن الودِّ والغضب في آنٍ واحد. أُعجبت بهم، ولكنها لم تُحب حكايات التبذير والإسراف التي سبقَتهم وشاعت عنهم قبل أن يأتوا وتبعَتهم بعدما غادروا. كان هذا مُتجاوزًا للحدِّ ومُفسدًا في عالمٍ ذي واقعٍ أليم. جيش كان جنوده يأكلون اللحم في الإفطار، ويأكلون كلَّ يوم أكثرَ مما كان يتحصَّل عليه الجنودُ الفرنسيون على الجبهة في أسبوع! كانت مطابخهم المُتنقِّلةُ وقطارات إمداداتهم أعجوبةَ فرنسا. في جنوب مدينة آرل، حيث كانت أختُ زوجها مُتزوجة، على سهل كراو المقفر، كانت مُؤَنهم المُعلَّبة مُكدَّسةً مثل سلاسل الجبال، تحت السقائف والخيام. لم يكن قد سبق لأحدٍ أن رأى هذا القدر الهائل من الطعام؛ القهوة، والحليب، والسكر، واللحم المُقدَّد، ولحم الخنزير؛ كل شيء كان العالم يفتقر إليه. أحضَروا أيضًا حمولات سفن من أشياء عديمة النفع. وكذلك أناس عديمو النفع. أتَوا بحمولاتِ سفن من نساء لم يكنَّ ممرضات؛ قال البعض إنهن أتينَ من أجل الرقص مع الضباط؛ حتى لا يُصيبهم الضجر.

كل هذا لم يكن حربًا، بقدرِ ما كان أموالًا يدفعها إليك رجالٌ بالغون لا يعرفون العد، كان تجارة. كان غزوًا، مثل الغزو الآخَر. دمَّر الأولُ الممتلكات المادية، وهدَّد هذا السلامةَ المعنوية للجميع. خيَّم النفورُ من مثل هذه الأساليب والارتياب العميق والتشكُّك فيها على جَبين بائعة الجبن وهي ترمي نقودَها في الدُّرج وتُقفِل عليها بالمِفتاح.

أما جنود المشاة، فبعدما تعثَّرَت أصابعُ أقدامهم في الدرجة الغائرة، تفحَّصوها باهتمام، ودخلوا لاستكشاف الكنيسة. كانوا قد عقَدوا النية على ألا يدَعوا كنيسةً تُفلِت منهم، مثلما عقَدوا النية على ألا يتركوا ألمانيًّا يَهرُب. داخل الكنيسة، صادَفوا جماعة من رفقائهم على السفينة، ومنهم فِرقة كانساس، وتفاخروا أمامهم بأن المُلازم «يتحدث الفرنسية مثل السكان المحليين».

ظنَّ المُلازم أنه يُحرِز تقدمًا جيدًا جدًّا، ولكن بعد بضع ساعات تعرَّض كبرياؤه للإذلال. كان جالسًا بمفرده في حديقةٍ صغيرة مُثلَّثة الشكل بجانب كنيسة أخرى، مُبديًا إعجابَه بأشجار الطلح المقصوصة، ويُراقب بعض النساء العجائز اللواتي كُنَّ يُصلحن أغراضهن في الظل. أقبلَ عليه طفلٌ صغير يرتدي رداءً أسود، حليقَ الرأس وحاسرها، وهو يقفز على حبل. قفز بخفَّة حتى وصل إلى كلود وقال، بالفرنسية، بصوتٍ مُقنِع وواثق للغاية:

«من فضلك يا سيدي الجندي، هلَّا أخبرتَني بالوقت؟»

نظر كلود إلى عينَيه اللتَين كان يبدو فيهما الإعجاب، وانتابَه شعورٌ بالهلع. لم يكن يَضيرُه أن يبدوَ أحمقَ في نظرِ رجل، أو حتى في نظرِ فتاةٍ جميلة، ولكن هذا الموقف كان مُروِّعًا. جفَّ لسانه، واحمرَّ وجهه. تحوَّلَت نظرةُ الترقُّب في عينَي الطفل إلى نظرةِ ارتياب، ثم خوف. كان قد سبق له أن تحدَّث إلى أمريكيِّين لم يفهموه، ولكن لم تحمرَّ وجوههم ويَبدُ عليهم الغضبُ هكذا؛ لا بد أن الجنديَّ مريض، أو به علةٌ في عقله. استدار الطفل وجرى مُبتعدًا.

كان الكثير من الحوادث الخطيرة أقلَّ تكديرًا لكلود. أصابه الإحباط أيضًا. كان ثَمة شيءٌ وَدود في وجه الطفل ابتغاه … بل احتاج إليه. بينما كان ينهض، ضغَط بكعبه على الحصى. وتمتم مُحدِّثًا نفسَه: «إن لم أتعلَّم كيفية التحدث إلى «أطفال» هذا البلد، فسأعود إلى دياري!»

٢

انطلَق كلود يبحث عن فندق جراند، حيث كان قد وعد فيكتور مورس أن يتناول العشاء معه هناك. تحدَّث الناطور هناك اللغةَ الإنجليزية. نادى صبيًّا ذا شعرٍ أحمر يرتدي لباسًا مُوحَّدًا متَّسخًا، وأمره أن يأخذ الأمريكيَّ إلى رَقْم أربعة وعشرين. تحدَّث الصبيُّ أيضًا باللغة الإنجليزية. قال: «أظن أن نيويورك فيها أموالٌ كثيرة! في فرنسا، لا توجد أموال.» قاده عبر ممرَّات تنبعث منها رائحةُ العفن وصعودًا على دَرجٍ زَلِق، لأطولِ مدةٍ ممكنة، وهو ينظر إلى الزائر بفِطنة، ويفرك إبهامه في أصابعه توترًا طَوال الوقت.

أعلن باللغتَين الفرنسية والإنجليزية: «أربع وعشرون»، وهو يقرع البابَ بإحدى يدَيه ويفتح الأخرى بطريقةٍ موحية. وضع كلود فيها شيئًا؛ أيَّ شيء كي يتخلَّص منه.

كان فيكتور واقفًا أمام المِدفأة. قال: «مرحبًا يا ويلر، تفضل بالدخول. سيُقَدَّم عَشاؤنا هنا. هذه الغرفة كبيرة جدًّا، أليس كذلك؟ لم أستطع أن أحصل على شيءٍ وسطٍ بين غُرفة بحجم حظيرة الدجاج، وهذه بخمسةَ عشر دولارًا في اليوم.»

كانت الغرفة واسعةً بما يكفي لإقامة مأدبة؛ تضمُّ سريرَين كبيرين، ونوافذَ كبيرة تُفتَح إلى الداخل على مفصلات، مثل الأبواب، وكان واضحًا أنها لم تُغسَل منذ وقتِ ما قبل الحرب. كانت الستائر المصنوعة من الديباج القطني الأحمر الثقيل والستائر المصنوعة من الدانتيل مُتصلبةً بسببِ ما كانت تحويه من غبار، وأعقاب السجائر وأعواد الثقاب مُتناثرة على السجادة السميكة. كانت شفرات حلاقة وصناديق ملابس من طراز «كاكي كومفورت» مُلقاةً حول التسريحة، وشاغِلو الغُرفة السابقون قد ترَكوا توقيعاتهم على غبار الطاولة. نام جنودٌ فيها، ورحلوا، ووصل جنودٌ آخَرون؛ وبقيَت الغُرفة على حالها، مثل غابة يُخيِّم فيها المسافرون ويُمْضوا ليلتهم. لم يأخذ مسئول تجهيز الغُرف من الغُرفة سوى ما كان يمكنه أن يستخدمه؛ قمصانًا مُهمَلة وجوارب وأحذية قديمة. بدا المكان كئيبًا نوعًا ما ولا يصلح لإقامة حفل.

عندما جاء النادل، نفَض الغبار عن الطاولة بمئزره، ووضع مِفرشًا نظيفًا ومناديل وكئوسًا. جلس فيكتور وضيفه تحت مِصباح كهربي ذي مِظلَّة مكسورة، وتدور حوله هالةٌ صامتة من الذباب دون توقُّف. لم يُصدِر الذباب أزيزًا، ولم يندفع عاليًا، ولم يهبط كي يتذوَّق الحساء، ولكنه ظلَّ مُعلَّقًا هناك في مركز الغُرفة كأنه جزءٌ من نظام الإضاءة. أحرج الحضورُ المستمرُّ للنادل كلود؛ إذ شعَر بأنه مُراقَب.

بينما كانت أطباقُ الحساء تُرفَع، قال فيكتور: «بالمناسبة، ما رأيك في هذا النبيذ؟ لقد كلَّفتْني الزجاجة ثلاثين فرنكًا.»

ردَّ كلود: «يُعجبني مذاقه جدًّا. ولكن مع ذلك، هذه هي المرة الأولى التي أشرب فيها الشمبانيا.»

«حقًّا؟» تجرَّع فيكتور كأسًا أخرى وتنهَّد. «أنا أغبطك. ليتني أُعيد كَرَّة كل شيء من جديد. الحياة قصيرة للغاية كما تعرف.»

«يجب أن أقول إنك بدأتَ بدايةً جيدة. نحن بعيدون جدًّا عن كريستال ليك.»

«لسنا بعيدين بما يكفي.» مدَّ مضيفه يدَه عبر الطاولة، وملأ كأس كلود الفارغة. «أحيانًا أستيقظ وبداخلي شعور بأنني عُدت إلى هناك. أو تُراودني أحلامٌ سيئة، وأجد نفسي جالسًا على ذاك الكرسي اللعين داخل القفص الزجاجي ولا أستطيع أن أجعل دفاترَ حساباتي مُتوازنة؛ أسمع الرجل العجوز يسعل في غُرفته، الطريقة التي يسعل بها عندما يكون سيرفض أن يمنح قرضًا لشخصٍ مسكين يحتاج إليه. لقد نجوت بأعجوبة يا ويلر؛ «كَشُعْلَةٍ مُنْتَشَلَةٍ مِنَ الْحَرِيقِ». لا أتذكَّر من الكتاب المقدس غيرَ تلك الآية.»

بدا أن البُقعَ الحمراء البرَّاقة في وَجْنتَي فيكتور، وجبهته الشاحبة، وعينَيه اللامعتين، وشاربِه الصغير الأنيق؛ تُعطي اقتباسةً حيوية غريبة. غبَطه كلود. لا بد أنه من المُمتِع جدًّا أن تستحوذ على دور وتلعبه حتى النهاية؛ أن تؤمن بأن المرء يبني كِيانه من جديد، وأن تحبَّ شخصيتك التي بنَيتها لنفسك. أُعجبَ هو الآخَر بطريقةٍ ما بفيكتور، على الرغم من أنه لم يستطع أن يؤمن به على الإطلاق.

قال: «لن ترجع مرةً أخرى، لن أقلق حيالَ ذلك الأمر.»

«صدِّقني عندما أقول لك إنه يوجد الآلافُ ممَّن لن يرجعوا أبدًا! أنا لا أتحدَّث عن الضحايا. من المحتمل أن يكتشف بعضٌ منكم، أيها الأمريكيون، العالمَ في هذه الرحلة … وسيصنع هذا فارقًا كبيرًا للغاية! لم تحصلوا أيها الفِتية على فرصةٍ عادلة. تتآمر عليكم الكنيسة والدولة لإخضاعكم. أنا ذاهبٌ للتسلية مع بعض الفتَيات الليلة، هل تأتي معي؟»

ضحك كلود. «لا أظنُّ ذلك.»

«ولمَ لا؟ لن يُقبَض عليك، أضمن لك ذلك.»

تحدَّث كلود مُعتذرًا: «لا أظنُّ ذلك. سأخرج لزيارة فانينج بعد العشاء.»

هزَّ فيكتور كتفَيه. «ذاك الأحمق!» أشار إلى النادل كي يفتح زجاجةً أخرى ويُحضر القهوة. «حسنًا، هذه فرصتك الأخيرةُ كي تذهب لمعاشرة الفتَيات معي.» نظر بانتباه إلى كلود ورفع كأسه. «في نخب المستقبل، ولقائنا التالي!» عندما وضع كأسه الفارغة، قال: «جاءتني بَرقية اليوم، سأغادر غدًا.»

«إلى لندن؟»

«إلى مدينة فِردان.»

الْتقَط كلود نفَسًا سريعًا. فِردان … كان وقعُ الاسم على سمعه كئيبًا، مثل القرع على طبولٍ مُجوَّفة. كان فيكتور ذاهبًا إلى هناك غدًا. هنا يمكن للمرء أن يستقلَّ القطار إلى فِردان، أو إلى مكانٍ قريب منها، مثلما يستقلُّ المرء القطارَ في مسقط رأسه إلى أوماها. شعَر أنه «وصل إلى هناك» أكثرَ مما شعر سابقًا، وشعَر ببعض الانفعال المُحتدم يسري في سائر جسمه. حاوَل أن يُظهر عدمَ اكتراثه:

«ألن تذهب إلى لندن قريبًا؟»

أجاب فيكتور بكآبة: «الربُّ وحده يعلم.» رفع ناظرَيه إلى السقف، وبدأ يُصفر بعذوبة نغمةً ساحرة. «هل تعرف تلك النغمة؟ إنها شيءٌ تعزفه مايزي كثيرًا؛ «ورود بيكاردي». لن تعرف ما يمكن أن تكون عليه شخصيةُ المرأة حتى تُقابلها، يا ويلر.»

«أرجو أن أحظى بتلك الفرصة السعيدة. كنت أتساءل إن كنتَ نسيتها في الوقت الحالي. ألا تعترض على هذه الانحرافات؟»

رفع فيكتور حاجبَيه بطريقة الغطرسة القديمة. «لا تطلب النساءُ ذلك النوعَ من الإخلاص من رجال القوات الجوية. فارتباطاتنا مُتقلِّبةٌ للغاية.»

بعد نِصف الساعة، كان فيكتور قد ذهب في مغامرةٍ عاطفية، وكان كلود يتجوَّل وحيدًا في شارعٍ مُضاء بإضاءةٍ ساطعة، ويعجُّ بالجنود والبحَّارة من كل الأمم. كان يوجد أناسٌ سُودٌ من السنغال، ورجالٌ من مرتفعات اسكتلندا يرتدون تنانير، وسائقو شاحناتٍ صغارٌ من سيام؛ وكلهم يتحركون ببطءٍ بين صفوف الملاهي الليلية ودُور السينما. كانت الفروع الطويلة لأشجار الدلب تتلاقى فوق الرءوس، فتحجب الشمس وتُشكِّل سقفًا يَنفُذ منه الوهج البرتقالي. كانت الأرصفة مُكدَّسة بالكراسي والطاولات الصغيرة، التي كانت يجلس عليها جنود البحرية والمشاة يحتسون المُسكِرات والكونياك والقهوة. من كل مدخل، كانت آلات الموسيقى تصدح بألحان الجاز ومارشات سوزا العسكرية الصاخبة. كانت الضوضاء مُروِّعة. في منتصف الشارع، خرجَت مجموعةٌ من الفتَيات حاسراتِ الرأس، ذواتِ مظهر جريء وقوي؛ كنَّ يَتْبعن سِربًا من الأمريكيين المُحرَجين ويُهروِلنَ وسطهم، ويتأبَّطنَ أذرُعَهم، ويطلبنَ هدايا، ويَصِحن: «هلَّا رقصتَ معي الفوكستروت، يا سام؟»

وقف كلود أمام دار سينما، وحيث كان مكتوبًا بالفرنسية على اللافتة المضاءة بالأضواء الكهربائية «الحب، عندما يتملَّكنا!» ووقف يُراقب الناس. في هذا الحشد الذي مرَّ به، وقعت عيناه على اثنين يسيران وقد تشابكَت ذراعاهما ويداهما، ويتحدثان بلهفةٍ غيرَ واعيَين بالزحام؛ لاحظ على الفور أنهما كانا مختلفَين عن الأزواج المُتحابِّين الآخرين الذين كانوا يتسكَّعون في الشارع.

كان الرجل يرتدي زيًّا أمريكيًّا، وذراعه اليسرى مبتورة من عند الكوع، وكان رأسه مائلًا وكأنَّ رقبته كانت مُتيبِّسة. وجهه الأسمر النحيل يكتسي بتعبير عن قلقٍ شديد، وحاجباه يختلجان كأنه يُعاني ألمًا لا يُفارقه. بدَت الفتاة مهمومةً هي الأخرى. عندما مرَّا به، تحت الإضاءة الحمراء للَافتةِ «الحب»، كان بوُسع كلود أن يرى أن عينَيها كانتا مُغرورقتَين بالدموع. كانت عيناها واسعتَين وزرقاوين وتُوحيان ببراءتها، ووجهُها أجمل وجه رآه منذ أن وطئَت قدَماه اليابسة. من شالها الحريري وقلنسوتها الصغيرة ذات الأشرطة الزرقاء والطوق الأبيض، ظن أنها لا بد أن تكون من الريف. بينما كانت تستمع إلى الجندي، وفمُها نِصف فاغر، رأى فُرجة بين ثنيَّتَيها العُلويتَين، كما في حال الأطفال الذين نمَت سِنَّتهم الثانية لتوِّها. بينما كانا يشقَّان طريقهما في الزحام، كانت ترفع ناظرَيها باهتمامٍ شديد إلى الرجل بجانبها، أو تُشيح بهما نحو الضوء الذي غَشِي بصرها؛ حيث كان من الواضح أنها لم تكن ترى شيئًا. بدا أن وجهها النضر والناعم كان حديثَ عهد بالعاطفة، وكانت نظرتها المُتحيرة تُشعِر المرء بأنها لم تكن تعرف أين تتَّجه.

دون أن يُدرك ما كان يفعل، تَبِعهما كلود حتى خرَجا من الزحام إلى شارعٍ هادئ، ثم إلى شارعٍ آخر أكثر خلوًّا من المارَّة، حيث بدا كأنَّ قاطني منازله كانوا نيامًا منذ مدة طويلة. هنا لم توجد مصابيحُ شوارع، ولا حتى ضوء في النوافذ؛ إذ لم توجد سوى ظُلمةٍ طبيعية؛ والقمر فوق الرءوس يُلقي بظلاله الحادَّة على الرصيف المكسوِّ بحجارةٍ بيضاء. انعطف الشارع الضيق، وخرج إلى الكنيسة التي كان قد دخلها هو ورِفاقه بعد ظهر ذلك اليوم. بدَت أكبر في الليل، ولولا الدرجةُ الغائرة، ما كان سيُصبح واثقًا من أنها هي ذاتها. بدَت المنازل المُظلِمة المُجاوِرة مائلةً باتجاهها، وسطع ضوء القمر الفِضِّي القاتم على واجهتها البالية.

نزل الاثنان السائران أمامه الدرجاتِ وانزَوَيا إلى داخل المدخل العميق، وهناك تعانَقا عناقًا طويلًا وساكنًا حتى إنه كان كالموت. في النهاية تباعدا وهما يرتجفان. جلست الفتاة على المقعد الحجري بجانب الباب. ألقى الجنديُّ بجسده على الرصيف عند قدمَيها، ووضع رأسه على ركبتها، وذراعه الوحيدة مُمدَّدة في حجرها.

في ظل المنازل المقابلة، ظل كلود يُراقِب مثل حارس على أُهبة الاستعداد لأن يُساندهما إن طرأ شيءٌ أفزعَهما. مالت الفتاة على الجندي وهي تُربِّت على رأسه بنعومة، حتى إنها ربما كانت تجعله يَخلدُ إلى النوم؛ وأمسكَت بيده الوحيدة ووضعتها على صدرها كأنها تُسكِّن ألمًا ألمَّ به. خلفها مباشرةً عند البوَّابة المنحوتة، وقف أسقف عجوز، يرتدي قَلنسوةً مُدبَّبة ويُمسِك بصولجان مكسور، رافعًا إصبعَين إلى أعلى.

٣

في الصباح التالي عندما وصل كلود إلى المستشفى كي يزور فانينج، وجد الجميعَ مشغولين للغاية، ولم يكن في وُسع أحد أن يُولِيَه اهتمامًا. كان الفِناء ممتلئًا بسيارات الإسعاف، وانتظر طابورًا طويلًا من الشاحنات خارج البوابة. كانت قد دخلت حمولة قطار من الجرحى الأمريكيِّين، الذين كانوا قد أُرسِلوا من مستشفيات الإجلاء لينتظروا نقلَهم إلى الوطن.

بينما كان الرجال يمرُّون عليه محمولين، جال في عقله أنهم بدَوا كأنهم كانوا مرضى مدةً طويلة؛ بالفعل بدا أنهم لم يكن من الممكن أن يتماثلوا للشفاء قَط. لم يكن الفِتية الذين ماتوا على متن سفينة أنخيسيس بادين مرضى مثلما بدا هؤلاء. كانت بشرتُهم صفراء أو أرجوانية، وأعيُنهم غائرة، وشفاههم مُتقرِّحة. كان كل شيء ذي صلة بالصحة الجيدة قد تولَّى عنهم، وكلُّ سمة من سمات الشباب ولَّت. لم يتوقف جنديٌّ بائس، كان وجهه وجِذعه ملفوفَين بالقطن، عن الأنين، وبينما كان محمولًا في الرواق كانت رائحته كريهة. علَّق مُساعد التمريض من تكساس قائلًا لكلود: «في البداية لم يُبتَر من ذلك الشخص سوى إصبعٍ واحدة؛ هل تُصدق هذا؟»

كان هؤلاء أولَ دفعة من الجرحى يراها كلود. أن تُراق دماؤك الزكيَّة، أن تكتسيَ بشارة الشجاعة الحمراء، فهذا كان أمرًا، ولكن أن يصل بك الحال إلى هذا فذاك أمرٌ مختلف تمامًا. بالتأكيد، كلما كان موت هؤلاء الفِتية أسرع، كان ذلك أفضل لهم.

بينما كان مُساعد التمريض من تكساس يمرُّ بحمولته التالية، سأل كلود عن السبب في أنه لم يدخل المكتبَ وينتظر إلى أن ينتهيَ التزاحم. نظر كلود إلى الداخل عبر الباب الزجاجي، فلاحَظ شابًّا يكتب على مكتبٍ مُحاط بسياجٍ حديدي. كان ثَمة شيءٌ ما مألوفٌ في هيئته وفي وضعيةِ رأسه. عندما رفع ذراعه اليُسرى كي يُبقيَ الصفحةَ في دفتر اليومية مفتوحة، كانت مبتورةً من تحت المِرفق. نعم، لم يكن ثَمة شكٌّ في الأمر؛ الوجه الشاحب الحاد، الأنف المُستدق، الجبين العابس المُتوتِّر. بعد لحظات، كأنما أحسَّ بنظراتٍ فضولية ترمقه، توقَّف الشابُّ عن كتابته السريعة، ولوى كتفَيه ووضع ثقَّالةَ ورقٍ حديديةً على صفحة دفتره، وأخرج عُلبة من جيبه وهزَّها ليُخرِج منها سيجارة على المكتب. سارَ كلود إلى السياج، وعرَض عليه سيجارًا. «كلا، شكرًا لك. لم أعُد أُدخِّنه. إنه ثقيل على صدري.» أشعل عود ثقاب، وحرَّك كتفَيه مرةً أخرى كأنما كان بهما تَشنُّج، وجلس على حافة مكتبه.

سأله كلود: «من أين يأتي هؤلاء الجرحى؟» وأضاف: «جئتُ على متن سفينة أنخيسيس أمس فقط.»

«إنهم يأتون من مستشفيات إجلاء مُتنوِّعة. أعتقد أن معظمهم أُصيبَ في معركة بيلو وود.»

«أين فقدتَ ذراعك؟»

«في معركة كانتيني. كنت في الكتيبة الأولى. انتهت خدمتي منذ سبتمبر الماضي، وانتظرتُ حدوث شيء، ثم حظيتُ بخِطبتي الأولى.»

«أليس بمقدورك العودةُ إلى وطنك؟»

«بلى، بمقدوري. لكنني لا أرغب في العودة. لقد اعتدتُ على العيش هنا. لقد كنت على صلة بالقيادة في باريس بعضَ الوقت.»

استندَ كلود إلى السياج. «بالطبع قرأنا عن معركة كانتيني عندما كنا في الوطن. انتابَنا قدرٌ كبير من الحماسة؛ أظن أنك كنت مُتحمسًا أيضًا، أليس كذلك؟»

«بلى، كنا مُنفعِلين. لم نكن قد وُضِعنا تحت النار من قبل، وكنا قد ضِقنا ذرعًا بكل ذلك الحديث عن أن بناء آلة قِتال يستغرق خمسين عامًا. كان الجنود الألمان في موضعٍ قوي؛ نظرنا إلى تلك التلَّة الطويلة، وتساءلنا كيف سنتصرَّف.» ولما كان الفتى يتحدَّث، لم تتوقَّف عيناه عن الحركة طَوال الوقت؛ ربما لأنه لم يكن يستطيع تحريك رأسه على الإطلاق. بعدما نفث سُحبًا كثيفةً من الدخان حتى انتهت سيجارته، جلس إلى دفتر اليومية الذي كان بين يدَيه، ونظر عابسًا إلى الصفحة بطريقةٍ توحي بانشغاله الشديد، وأنه لم يكن لديه وقتٌ للحديث.

رأى كلود الطبيبَ ترومان يقف في المدخل مُنتظرًا إياه. انتهيا من زيارتهما الصباحية لفانينج، وغادرا المستشفى معًا. الْتفتَ الطبيب إليه كأنما كان شيءٌ ما يدور في ذهنه.

«رأيتك تتحدث إلى ذلك الفتى صاحب الرقبة المُلتوية. كيف بدا حاله، بخير؟»

«ليس بالضبط. يبدو عصبيًّا جدًّا. هل تعرف أيَّ شيء عنه؟»

«أوه، أجل! إنه مريضٌ مُميَّز هنا، حالة اضطراب عقلي. كنت أتحدَّث للتَّو مع أحد الأطباء عنه، عندما خرجت ورأيتك معه. أُصيب برصاصة في عُنقه في معركة كانتيني، وفيها فقدَ ذراعه. الْتأمَ الجُرح، ولكنَّ ذاكرته تأثَّرت؛ أظن أنه أُصيبَ بقطع في الأعصاب الموصلة بذلك الجزء من الدماغ. يهتمُّ الطبيب النفسي فيليبس بحالته اهتمامًا كبيرًا، ويُبقيه هنا كي يُلاحظ حالته. إنه يكتب كتابًا عنه. يقول إن الرجل ربما يكون قد نسيَ كلَّ شيء عن حياته قبل أن يأتيَ إلى فرنسا. الغريب في الأمر أن أكثر جزء تضرَّر هو ذكرياته المُتعلِّقة بالنساء. يمكنه أن يتذكر والده، لكنه لا يتذكَّر والدته؛ لا يعرف أن له أخوات أم لا؛ بوُسعه أن يتذكر رؤية فتَيات في المنزل، لكنه يظن أنهن بناتُ عمومته. فُقدت صوره الفوتوغرافية ومتعلقاته عندما جُرِح، كل شيء باستثناء مجموعة خطابات كانت في جيبه. إنها من فتاةٍ كانت مخطوبةً له، ويقول إنه لا يتذكَّرها على الإطلاق؛ لا يعرف كيف شكلُها ولا أي شيء عنها، ولا يمكنه أن يتذكر أنه خطبها. الخطابات مع الطبيب. يبدو أنها من فتاةٍ جميلة من مدينته شديدة التَّوق إلى أن يبذل قصارى جهده لكي يكونَ ناجحًا. فرَّ من الجُندية بعد مدةٍ وجيزة من إرساله إلى هذا المستشفى، هرب. عُثِر عليه في مزرعة في الريف هنا، حيث كان الأبناء قد قُتِلوا، ونوعًا ما تبنَّاه أصحابها. كان قد خلع زيَّه، وكان يرتدي ملابسَ أحد الأبناء الذين ماتوا. ربما كان سيُفلت بفعلته، لو لم يكن مُصابًا بذلك الالتواء في العنق. رآه شخصٌ ما في الحقول، وتعرَّف عليه، وأبلغ عنه. أظن أنْ لا أحد اهتمَّ بشأنه كثيرًا باستثناء هذا الطبيب النفسي؛ أراد أن يستعيدَ مريضه المُدلَّل. يُطلِقون عليه هنا اسم «الأمريكي الضائع».»

علَّق كلود بصوتٍ مُنخفض: «يبدو أنه يقوم ببعض الأعمال الكتابية.»

«نعم، يقولون إنه تلقَّى تعليمًا جيدًا. إنه يتذكر الكتب التي قرأها أفضلَ مما يتذكر حياته الخاصة. لا يتذكر أيَّ تفاصيل عن مسقط رأسه أو بيته. كما مُحيَت النساء من ذاكرته تمامًا، حتى الفتاة التي كان يعتزم الزواجَ منها.»

ابتسم كلود. وقال: «ربما حالَفه الحظُّ في تلك النقطة.»

الْتفتَ إليه الطبيبُ بمودَّة، وقال: «كلود، لا تبدأ في الحديث بتلك الطريقة بمجرد أن وطئَت قدمُك هذا البلد.»

مرَّ كلود بكنيسة القديس جاك. مرَّت ليلة البارحة مِثل حُلم، ولكنها كانت تُؤرِّقه. تمنَّى لو كان بوُسعه فعلُ شيء لمساعدة ذلك الفتى؛ مساعدته في الهرب من الطبيب الذي كان يريد تأليفَ كتاب عنه، والفتاة التي أرادت أن تستغلَّه أسوأ استغلال؛ في أن يَهرُب ويضيع تمامًا فيما حالَفه الحظ كثيرًا في العثور عليه. لما كان كلود يروح ويجيء طَوال اليوم، كان يبحث بين الحشود عن ذلك الوجه الشاب، بالغِ الحُنوِّ والرقَّة.

٤

أعمق وأعمق في فرنسا الزاهرة! ما فتئ كلود يتفوَّه بتلك الجملة لنفسه مع ارتجاج العَجلات، بينما كان القطار الحربيُّ متجهًا جنوبًا، في اليوم الثاني لمغادرته هو وسَريَّته ميناء الإنزال. حقولٌ من القمح، وحقول من الشعير، وحقول من الشيلم؛ كل التِّلال المُنخفضة والمرتفعات المُتموِّجة كانت مكسوَّة بالنباتات في موسم الحصاد. وفي كل مكان، في الحشائش والحبوب المصفرَّة، على طول جانب الطريق، كانت نباتات الخشخاش تنسال وتتدفق. في اليوم الثاني، كان الفِتية لا يزالون يتصايحون بشأن الخشخاش؛ لم يكن أي شيء آخر قد فاق توقعاتهم تمامًا بهذا القدر. كانوا في السابق يظنون أن الخشخاش لا ينمو إلا في ساحات المعارك، أو في أذهان المراسلين الحربيِّين. لم يكن أحدٌ يعرف ماهية نبات القنطريون العنبري إلا ويلي كاتز، وهو فتًى نمساوي من مصانع تعبئة أوماها، ولم يكن يعرف له سوى اسمٍ يبغضونه؛ لذا لم يتفوَّه بأي معلومة. ظلُّوا وقتًا طويلًا يحسبون أن زهور البرسيم الأحمر هي زهور برية؛ إذ كانت كبيرةً مثل الورود البرِّية. عندما مرُّوا بأول حقل برسيم، انفجر القطار بأكمله في الضحك؛ إذ ظنُّوا أن البرسيم من النباتات التي لم يُسمع عنها إلا في ولايات البراري التي جاءوا منها.

طوال الطريق، ظلَّت السَّرية «بي» تعثر على الأشياء القديمة بدلًا من الجديدة، أو حسَب طريقة تفكيرهم، الأشياء الجديدة بدلًا من القديمة. كانت الأسقُف المصنوعة من القشِّ التي عدُّوها بحسَب ما رأوا قليلةً ومتباعدة. ولكن آلات الحصاد الأمريكية، ذات العلامات التِّجارية المعروفة، كانت تقف في الحقول التي بدأت تنضج، وكان تُشحَّم وتُجهَّز، ليس على يد «فلاحين»، وإنما مُزارعين مُسنِّين تظهر الحكمة على محيَّاهم، وبدا أنهم يعرفون عملهم. لم تُذهِلهم أشجار الكُمَّثرى، التي كانت تتسلَّق الجدار مثل الكروم، بقدرِ مَرأى نباتات الحور القطني، التي كانت تنمو في كل مكان. ظن كلود أنه لم يُدرك من قبلُ مدى جمال تلك الشجرة. في الوديان الصغيرة الخضراء، على امتداد الأنهار الصافية، كانت تلوح نباتات الحور القطني وتُحدِث حفيفًا؛ وعلى الجُزر الصغيرة، التي كان يوجد منها الكثير في هذه الأنهار، على هيئة كُتَل مُدبَّبة، بدا أنها تغرس جذورها بعمق في التربة وتستقر ثابتةً فيها، وكأنها كانت في مواضعها منذ مدةٍ طويلة، وستبقى في مكانها مدةً أطول. في الديار، في كل أرجاء فرانكفورت، كان المُزارِعون يحصدون نباتات الحور القطني لأنها كانت «منتشرة»، ويزرعون أشجار الدردار والقيقب لتشقَّ طريقها معًا بدلًا منها. لا بأس، كانت نباتات الحور القطني مفيدةً لفرنسا، ومفيدة له أيضًا! شعَر بأنها كانت تُمثِّل رابطًا حقيقيًّا بينه وبين هذا الشعب.

عندما تلقَّت السَّرية «بي» لأول مرة الأوامرَ بالانتقال إلى معسكر تدريب في شمال وسط فرنسا، تسرَّب الإحباطُ إلى قلوب جميع الرجال. كانت خبرةُ القوات أقلَّ بكثير من أن يُدفَع بها إلى جبهة القتال، فما الداعي من التخبط أكثر من ذلك؟ لكنهم توافَقوا في النهاية على التأجيل. بدا أن قدرًا كبيرًا من فرنسا لم يكن مُتعلقًا بالحرب، ولم يُمانعوا من التَّرحال قليلًا في بلد كهذا. هل كان موسم الحصاد مُتأخرًا شهرًا دومًا عمَّا كان عليه في الوطن، كما بدا الحال هذا العام؟ لماذا كان المُزارعون يزرعون صفوفًا من الأشجار على حدود كل حقل؛ ألا تضعف التربة؟ إلامَ كان المُزارعون يهدفون من زراعة بُقَع من الخردل جنبًا إلى جنب مع المحاصيل الأخرى؟ ألا يعرفون أن الخردل يتغلغل في حقول القمح ويُعيق نُموَّ الحبوب؟

كان الفِتية سيَقضون الليلةَ الثانية في مدينة روان، وسيستغلُّون اليوم التاليَ في التجوُّل في المدينة. كان الجميع يعرفون ما حدثَ في روان، وإن لم يعرف أحدهم، كان جيرانه مُتلهِّفين بشدة لأن يُخبروه! كان الأمر قد وقع في السوق، وكان السوق هو المكانَ الذي كانوا يبحثون عنه.

أتى الغد مكفهرًّا وباردًا؛ إذ هطلَت الأمطار غزيرة. بينما كانوا يتجوَّلون عبر الشوارع الضيقة المزدحمة، لم يعثروا في هذه المدينة النورماندية الموحشة على أي مظهر من مظاهر البهجة. ابتهجوا أخيرًا عندما عثَروا على ضفة النهر؛ ليخرجوا إلى الجسر ويستنشقوا الهواء المُنعِش في الخلاء الواسع فوق النهر، بعيدًا عن جلجلة عَجلات العربات والأصوات العالية والوجوه الخادعة لساكني هذه المدينة، الذين بدا عليهم الغِلظة وانعدام الود. من الجسر نظروا إلى التِّلال البيضاء الطباشيرية، التي كانت قِممها صورةً ضبابية ذات لون أخضر قوي تحت السماء ذات السُّحب الرَّصاصية المُنخفِضة. شاهدوا جحافل المراكب النهرية العريضة والعميقة، وهي تغدو وتروح تحت أقدامهم بمداخنها المائلة. على مسافةٍ قصيرة عبر ذلك النهر كانت تقع باريس؛ المكان الذي كان مَقصد كلِّ فرد من جنود المشاة؛ وبينما كانوا يتَّكئون على السِّياج وينظرون إلى المياه البطيئة التدفُّق من تحتهم، كان في عقلِ كلِّ واحد منهم صورةٌ مُشوَّشة عما كانت ستبدو عليه. كانوا مُتأكِّدين في قرارة أنفُسهم من أن نهر السين لا بد أن يكون أعرضَ هناك، وأنَّ جسورًا كثيرةً تمتدُّ عليه، وكلها أطولُ من الجسر فوق نهر ميسوري في أوماها. ستكون هناك أبراج وقِبابٌ ذهبية لا حصر لها، والمباني كلُّها أطوَل من أي شيء في شيكاجو، ورائعة، روعتها مُذهِلة، لا شيء فيها رمادي الغبار ومُتهالك مثل مدينة روان القديمة هذه. منحوا مدينتهم المنشودة ضخامةً بلا حصر، واتساعًا مُذهِلًا، وعظَمة وجسامة بابلية؛ وهي السِّمات الوحيدة التي تعلَّموا الإعجاب بها.

في وقتٍ مُتأخِّر من الصباح، وجد كلود نفسه بمفرده أمام كنيسة سانت أوين. كان يبحث عن كاتدرائية، وبدا أن هذه قد تكون المكانَ المناسب. نفَض الماء من على معطف مطره ودخل، وخلع قبعته عند الباب. النهار الذي كان مُظلمًا جدًّا بالخارج، كان أكثرَ إظلامًا بالداخل … بعيدًا، كانت توجد بضع شمعات مُتفرقة، ومع ذلك كانت نقاطُ ضوء صغيرة … أمامه مباشرةً، في الشفق الرمادي، أعمدة بيضاء رفيعة في صفوف طويلة؛ إذ تُشبه سيقان أشجار الحور الفِضية.

كان المدخل إلى الصحن مُغلَقًا بحاجزٍ سلكي؛ لذا مشى في الممر جهة اليمين بخُطًى خفيفة، مارًّا بمصلَّيات كان فيها نساءٌ مُتوحدات راكعات في ضوء بضع شمعات رفيعة. فيما عداهن، كانت الكنيسة خالية … خالية. كان صوت أنفاسه مسموعًا في هذا الصمت. تحرَّك بحذرٍ خشيةَ أن تُحدِث خطواته صدًى.

عندما وصل إلى مكان المُرتِّلين، الْتفتَ ورأى، على مسافة بعيدة خلفه، نافذةً زهرية ذاتَ قلبٍ أرجواني. بينما وقف يُحملِق، والقبعة في يده، ساكنًا مثل الأجساد الجامدة في المصليات، بدأ جرسٌ كبير من فوقه يقرع مُعلنًا الساعة بصوته العميق والشجي؛ إحدى عشرة دقَّة، موزونة ومتباعدة، في مثل ثراء الألوان في النافذة، ثم خيَّم الصمت … لم يبقَ في ذاكرته سوى دقَّاتٍ ذات جودة صوت لم يحلم بها أحدٌ من قبل. كان تجلِّيَا الزجاج والجرس مُتزامنَين تقريبًا، وكأنَّ أحدهما أحدث الآخر؛ وكلاهما كان شيئًا فائقًا كان عقله يتلمَّسه دومًا، أو هكذا بدا له حينذاك.

أمام مكان المُرتِّلين كان الصحن مفتوحًا، ولم يكن يوجد حاجزُ حبلٍ يحجبه. وُضِعت عدة كراسي من القش على بلاط الأرضية الحجرية. بعد بعض التردد أخذ واحدًا، وأداره إلى الجهة الأخرى، وجلس مُواجهًا النافذة. إن أتى إليه أحدٌ وقال له أي شيء، أي شيء على الإطلاق، فسيَنهض ويقول بالفرنسية: «عذرًا يا سيدي، لم أعلم أن هذا ممنوع.» كرَّر هذه الجملة في نفسه حتى يتأكَّد تمامًا من أنها جاهزة لديه.

في القطار، عندما كان آتيًا إلى المدينة، كان قد تحدث إلى الفِتية عن السُّمعة السيئة التي كان قد اكتسبها الأمريكيُّون بأنهم يتسكَّعون في سائر الأنحاء ويتدخَّلون فيما لا يعنيهم، وحثَّهم على أن يتحسَّسوا خُطاهم بخفَّة؛ وعندها تدخل الفتى الذي من بليزنتفيل في الحديث قائلًا: «ولكن أيها المُلازم، أليست هذه الحملة برُمَّتها تدخل في شئون الآخرين؟ ففي النهاية، هذه الحرب لا تخصُّنا.» ضحك كلود، ولكن أخبره أنه كان يقصد أن يضرب مثالًا بالشخص الذي يدخل في مشاكسات.

إنه مُطمئنٌّ جدًّا، حتى إنه لم يكن يفكر حينئذٍ في رفاقه القلِقين. كان يمكنه أن يجلس هنا حتى الظهيرة، ويسمع قرع الجرس مرةً أخرى. في الوقت الحالي، لا بد أن يُحاول أن يفكر؛ كان هذا بالطبع طِرازًا معماريًّا قوطيًّا؛ قد قرأ بعض الشيء عنه، وينبغي أن يكون بوُسعه أن يتذكر بعض ما قرأه. قوطي … كانت تلك كلمةً مجردة، توحي له بشيءٍ رفيع ومُدبَّب، أقواس حادَّة، أسقُف مُنحدِرة. لم يكن لها أيُّ صلة بهذه الأعمدة البيضاء الرفيعة المُشيَّدة باستقامة وارتفاع كبير، ولا بالنافذة المتوهجة هناك بالأعلى في قوسها المُظلِم …

بينما كان يُحاوِل عبثًا التفكير في الهندسة المعمارية، الْتمعَت في ذهنه ذِكرى بعض دروس علم الفلك القديمة؛ شيء ما عن النجوم التي يُسافر ضوءها في الفضاء مئاتِ السنين قبل أن يصل إلى الأرض والعين البشرية. لقد ظل الضوء ذو اللون الأرجواني والقِرمزي والأخضر الزاهي لتلك النافذة يتوهَّج طويلًا بهذا القدر قبل أن يصل إليه … شعَر بوضوحٍ أنه كان يمرُّ من خلاله، ويظل مُستمرًّا في المُضيِّ أبعدَ من ذلك … كما لو كانت والدته تنظر من خلفه. جلس في وقارٍ طَوال الساعة حتى الساعة الثانية عشرة، ومِرفقاه على ركبتَيه، وقبعته ذات الشكل المخروطي تتأرجح في يده بينهما، وهو ينظر إلى الأعلى عبر الشفق بعينَين صافيتَين غارقتين في التفكير.

عندما الْتحَق كلود بسَريَّته في المحطة، أخَذوا يضحكون عليه. كانوا قد وجدوا الكاتدرائية، وتمثال ريتشارد قلب الأسد، فوق البقعة التي دُفِن فيها قلب الأسد نفسُه؛ أكَّد له الرقيب هيكس السمين قائلًا: «العضو ذاته». ولكنهم كانوا جميعًا مسرورين لأنهم سيُغادرون روان.

٥

وصلَت السَّرية «بي» إلى معسكر التدريب في المنطقة «إس» ينقصها ستة وثلاثون رجلًا؛ كانوا قد دفَنوا خمسةً وعشرين منهم في الرحلة المُنتهية، وتُرِك أحدَ عشر جنديًّا مريضًا في مستشفى القاعدة. من المقرر أن تُلحَق السَّرية بكتيبة قد دخلت إلى الخدمة بالفعل، بقيادة المقدم سكوت. عند وصولهم في الصباح الباكر، أبلغ الضباط القيادةَ على الفور. لا بد أن النقيب ماكسي صُدِم عندما نهض العقيد من مكتبه كي يتقبَّل تحيَّته العسكرية، ثم أخذ يُصافِح كلَّ من كانوا حوله وسألهم عن رحلتهم. لم يكن العقيد يتمتَّع بجسدٍ يليق بعسكري؛ إذ كان قصيرًا وسمينًا وذا كتفَين مُتراخيتَين، وظهَر مُتكتِّلًا مثل كيس بطاطس. ومع أنه لم يكن قد تجاوز الأربعين من العمر بكثير فإنه كان أصلَع، ومن السهل أن تنزلق ياقتُه فوق رأسه دون فكِّ أزرارها. لم يظهر في عينَيه اللامعتين أو في وجهه البشوش ذرةُ تكبُّر أو وقارٍ رسمي.

قبل سنوات، عندما كان الجنرال بيرشينج، الذي كان وقتئذٍ مُلازمًا شابًّا وسيمًا نحيل الخصر وذا شاربٍ أصفر، مُعيَّنًا قائدًا في جامعة نبراسكا، كان وولتر سكوت ضابطًا في سَرية من طلاب العسكرية أخذها المُلازم إلى أماكن مُتعددة للاشتراك في بطولاتٍ عسكرية. أُطلقَ عليهم «بنادق بيرشينج»، وفازوا بالجوائز أينما ذهبوا. بعد تخرُّجه، استقرَّ سكوت ليُدير مشروعًا تِجاريًّا للأجهزة المنزلية في بلدةٍ مُزدهرة في نبراسكا، وباع مواقد الغاز وخراطيم الحدائق لمدة عشرين عامًا. في ذاك الوقت تقريبًا، أُرسلَ بيرشينج إلى الحدود مع المكسيك، وتبادر إلى ذهن سكوت أن هناك إرهاصاتٍ لحدوثِ شيءٍ ما، وأنه من الأفضل له أن ينخرط في التدريب. انتقَل إلى تكساس مع سلاح الحرس الوطني. وكان قد أتى إلى فرنسا مع الكتيبة الأولى، وترقَّى في المناصب بفضل صفات الجندية الراسخة فيه.

أشار العقيد في اجتماعهم: «أرى أنه ينقصكم ضابط، أيها النقيب ماكسي.» وأضاف: «أظن أن لديَّ هنا رجلًا يمكن أن يَشغل هذا الموقع. المُلازم جيرهارت رجل من نيويورك، أتى مع الفِرقة ونُقِل إلى سلاح المشاة. في الآونة الأخيرة، حصل على عِلاوة على خدمته الجيدة. كان يتمتَّع ببعض الخبرة، كما أنه رجل كفء.» أرسل العقيدُ خادمه خارجًا كي يُحضر شابًّا قدَّمه إلى الضباط بِاسم المُلازم ديفيد جيرهارت.

كان كلود يشعر بالخزي من تود فانينج، الذي ما فَتِئ يُثبت أنه أحمق، وما كان سيحصل على عِلاوة لو لم يكن عمُّه نائبًا في الكونجرس. ولكن في اللحظة التي تلاقت فيها عينه مع عين المُلازم جيرهارت، احتدم في نفسه شيءٌ يُشبِه الغَيرة. في لمح البصر، شعَر أنه أُقحمَ في مقارنة مع ضابطٍ جديد؛ ومن ثَم لا بد أن يكون على أُهبة الاستعداد، وألا يترك أحدًا يتعالى عليه.

عندما كانا يُغادران مكتب العقيد معًا، سأله جيرهارت إن كان قد حصل على مأوًى له. ردَّ كلود قائلًا إنه سيبحث عن مكان له بعدما يذهب الجنود إلى مَقرَّاتهم.

ابتسم الشاب. وقال: «يؤسفني أن أقول إنك قد تُواجِه صعوبةً في ذلك. الناس هنا كانوا يعملون فوق طاقتهم برعايتهم للجنود، وليسوا مُتحمِّسين كما كانوا من قبل. أنا أعيش مع زوجَين مُسنَّين لطيفين في القرية. أكاد أكون مُتأكدًا من أنه بوسعي أن أدخلك إلى هناك. إذا أتيت معي فسنتحدث إليهما قبل أن يسبقنا إليهما أحدٌ آخر.»

لم يرغب كلود في أن يذهب معه، ولم يرغب في قَبول أفضال، ولكنه ذهب معه. مشَيا معًا على طريقٍ ترابي يمتدُّ بين حقول قمح نِصف ناضجة، وتحدُّه أشجار الحور. كانت أزهار مجد الصباح والجزَر البري، التي كانت تنمو على جانب الطريق، لا تزال تتلألأ بقطرات الندى. حرَّك نسيمٌ مُنعِش الغلالَ ذات السبلات، مُفرِّقًا إياها إلى أثلامٍ حقلية ومباعدًا بين خطوط من نباتات الخشخاش القرمزية. بالتأكيد لم يكن الضابط الجديد مُتطفلًا. مشى معه وهو يصفر بعذوبة، وبدا مُستغرقًا تمامًا في انتعاش الصباح، أو في أفكاره. لم يكن قد ظهَر في أسلوبه حتى ذلك الحين أيُّ شيء يدلُّ على التفضل، وبدأ كلود يتساءل لماذا شعَر نوعًا ما بعدم الارتياح معه. ربما كان ذلك لأنه لم يُشبِه بقيَّتَهم. مع أنه كان شابًّا، فإنه لم يبدُ طائشًا. بدا مُتمرسًا؛ كأنه منتجٌ نهائي وليس شيئًا في طَور التطوير. كان وسيمًا، وفي وجهه شيءٌ مميز، كما في أسلوبه ومِشيته. كان ذا جبهةٍ بيضاء عريضة يعلوها شعرٌ بُنِّي مائل إلى الحُمرة، وعينَين عسليتين نظرتُهما تنمُّ عن الثقة، وأنفٍ معقوف مرسوم بعناية، وفمٍ دقيق وساخر، بطريقةٍ ما لم ينتقص من التعبير اللطيف على وجهه رغم كونه مُتحفظًا قليلًا.

لا بدَّ أن المُلازم جيرهارت كان يعيش في هذا الحي منذ مدة؛ إذ بدا أنه يعرف أهله. في الطريق، مرَّا بالعديد من القرويِّين؛ منهم فتاةٌ ذات مظهر خشن تأخذ بقرةً إلى المرعى، ورجل مُسنٌّ يحمل سلة على ذراعه، وموظف بريد على درَّاجته الهوائية؛ تحدَّث جميعهم إلى رفيق كلود كأنهم يعرفونه جيدًا.

سأله كلود فجأةً وهو يُشير إلى كومة بقدمه: «ما هذه الزهور الزرقاء التي تنمو في كل مكان هنا؟»

قال الآخر: «إنها زهور القنطريون العنبري. يُطلِق عليه الألمان اسمَ زهرة قيصر.»

كانا يقتربان من القرية التي كانت تقع على حافة غابة؛ غابة كبيرة لا يستطيع أحدٌ أن يرى آخرها، وتلتقي بالأفق بصفٍّ من أشجار الصَّنوبر. لم تكن القرية سوى شارعٍ واحد. وعلى جانبَي الشارع، كانت توجد بيوت بلونٍ طيني، وأبواب خشبية مطليَّة، ومزاليج خضراء. فتح مُرشد كلود أحدَ هذه الأبواب، ودخلا حديقةً صغيرة مكسوَّة بالرمل؛ كان المنزل مبنيًّا حولها ويُحيطها من ثلاث جهات. تحت شجرة كُرْز، جلست امرأةٌ ترتدي ثوبًا أسوَد، عاكفة على الحياكة، وبجانبها طاولة عمل.

ربما كانت في الخمسين من عمرها، ولكن على الرغم من أن شعرها كان رماديًّا فإن حيوية الشباب كانت تبدو على مُحيَّاها؛ إذ كانت لها وَجْنتان رفيعتان، مُتورِّدتان بلونٍ وردي، وعينان هادئتان مُبتسمتان ذكيَّتان. فكَّر كلود في أنها كانت تُشبِه نساء نيو إنجلاند؛ مثل صور بنات أعمام أُمه وزميلاتها. قدَّمه المُلازم جيرهارت إلى السيدة جوبيرت. ثبَّط عزيمتَه الحديثُ الذي تلا ذلك. كان من الواضح أن زميله الضابط الجديد كان يتحدَّث لغة السيدة جوبيرت المعقدة بالسهولة نفسِها التي كانت تتحدث هي بها، وشعَر بغضب وقهر وهو يستمع. كان يرجو أن يستطيع أن يتعلم التحدث قليلًا مع الناس في أي مكان يبقى فيه، لكنه في حضور هذا الشاب البارع، لم يكن سيمتلك مُطلَقًا شجاعةَ أن يُحاوِل. كان بوُسعه أن يرى أن السيدة جوبيرت كانت مُعجَبة بجيرهارت، كانت مُعجَبة به كثيرًا؛ وكل هذا أحبطه، لسببٍ ما.

الْتفتَ جيرهارت إلى كلود مُتحدثًا بطريقةٍ أدخلت السيدة جوبيرت في الحديث، رغم أنها لم تستطع أن تفهمه: «ستسمح لك السيدة جوبيرت بالمجيء، على الرغم من أنها فعلَت ما عليها، وحقًّا ليست مُضطرةً إلى استقبال أي شخص آخر. لكنك ستكون في وضعٍ جيد جدًّا هنا؛ وهو ما يجعلني سعيدًا بموافقتها. سيَتعيَّن عليك أن تُشاركني غُرفتي، ولكن يوجد سريران. ستُريك الغُرفة.»

خرج جيرهارت من البوَّابة، وتركه بمفرده مع مُضيفته. بدا أن عقلها يقرأ أفكاره. عندما كان يتفوَّه بكلمة، أو أي صوت يُشبِه كلمة، كانت بسرعة ويُسرٍ تصنع منها جملة، وكأنها كانت مُعتادةً على التحدث بتلك الطريقة، ولا تتوقَّع سوى الكلمات الأحادية المقطع من الأجانب. كانت لطيفة، بل إنها كانت لَعوبًا قليلًا معه، لكنه شعَر أن هذا كلَّه كان نابعًا من حُسن الخلق، وأنها في باطنها لم تكن تُفكر فيه على الإطلاق. عندما كان بمفرده في غُرفة النوم ذات الأرضية المكسوَّة بالبلاط بالطابق العُلوي، يبسط بطاطينه ويُرتِّب أدوات الحلاقة الخاصة به، نظر من النافذة ورآها جالسةً تَحِيك تحت شجرة الكُرز. رأى أن وجهها كان حزينًا جدًّا؛ لم تكن مرارة ولا شعورًا حادًّا ومُحدَّدًا مثل الأسى. كان حزنًا قديمًا وهادئًا ومُبهَمًا، عذبًا في تعبيره، مثل حزن الموسيقى.

بينما كان يخرج من المنزل كي يعودَ إلى الثكنات العسكرية انحنى لها، وحاوَل أن يقول بالفرنسية: «إلى اللقاء يا سيدتي. سألقاكِ في المساء.» توقَّف بالقرب من باب المطبخ كي ينظر إلى كَرمة الورود ذات الفروع المُتعدِّدة التي امتدَّت على الحائط بالكامل، المليئة بورودٍ ذات أوراق قِشْدية اللون، وردية اللون عند الأطراف، أقوى بمسحةٍ قليلة من ناحية اللون من الجدار ذي اللون الطيني خلفها. أتت السيدة جوبيرت ووقفَت بجانبه، ونظرت إليه وإلى الأطراف الأكثر ورديةً، وقالت: «نعم، إنها جميلة، أليس كذلك؟» أخذت المِقصَّ المُعلَّق في حزامها بشريط، واقتطفت وردة وأقحمتها في ثَقْب الزِّر. وقالت: «هاك.» ونسَّقتها قليلًا بيدها الرفيعة.

بعدما خطا إلى الشارع، استدار كي يُغلِق الباب الخشبيَّ خلفه، فسمع حركةً خافتة في غُرفة الأدوات المُظلِمة بجانبه. من بين أدوات الجرف والعزق، كان وجهُ طفلةٍ مُرتعبٌ يُحملِق فيه. كانت جالسةً على الأرض وحجرها مُمتلئ بالقِطط الصغيرة. لم يُبصر سوى لمحة من وجهها الباهت والشاحب.

٦

في الصباح التالي، استيقظ كلود وهو يشعر بعافية لم يشعر بها منذ وقتٍ طويل. كانت الشمس تُرسِل أشعَّتها البرَّاقة على الجدران ذات الجصِّ الأبيض وبلاط الأرضية الأحمر. ظلَّلَت ستائرُ خضراء، مُزاحةٌ قليلًا، الجزءَ العُلوي للنافذتَين. ومن بين ألواحهما، كان بوُسعه أن يرى فروعًا مُتشعِّبة من شجرة طلح عجوز نامية على مَقربة من البوَّابة. طار سِربٌ من الحمام فوقها، هابطًا وصاعدًا، وأجنحته الفضية تتألَّق بقوة. كان من الجيِّد أن يُقيم مرةً أخرى في بيتٍ ترعاه امرأة. لا بد أنه شعَر بذلك حتى في نومه؛ لأنه عندما فتح عينَيه كان يفكر في ماهيلي والإفطار والصباح الصيفي في المزرعة. كانت السكينة في الصباح الباكر حُلوة، وكذلك مَلمس الملاءة الجافَّة النظيفة على جسده. كانت رائحة لافندر تفوح حول وِسادته الدافئة. رقد في سكون خشيةَ أن يوقظ المُلازم جيرهارت. كان هذا هو السلام الذي يريد المرءُ أن ينعم به وحده. عندما ارتفع بحذر على مِرفقه ونظر إلى السرير الآخر، كان خاليًا. لا بد أن رفيقه ارتدى ملابسه وانسلَّ خارجًا مع أول ضوء للنهار. ها هو شخصٌ آخر كان يحبُّ أن يستمتع بالأشياء وحده؛ كان هذا يدعو إلى الأمل. ولكن بعدما أصبح المكانُ له وحده، قرَّر النهوض. بينما كان يرتدي ملابسَه، كان بوسعه أن يرى السيدة جوبيرت العجوز في الحديقة بالأسفل تسقي النباتات والكرم وتعزق التربة الرملية كي تُجددها وتنعمها، وتجمع الأوراق الجافَّة والزهور الذابلة، وتُلقي بها في عربة يد. قد قيل له إن هذين الشخصين فقدا ولدَيهما كِلَيهما في الحرب، والآن يتولَّيان رعاية ممتلكات حفيدتَيهما، ابنتَي ولدهما الأكبر. رأى كلود جيرهارت يدخل إلى الحديقة، ويجلس على الطاولة تحت الأشجار، حيث كانا قد تناولا عشاءهما ليلة البارحة. نزل مُسرِعًا لينضمَّ إليه. أفسح جيرهارت له مكانًا على المقعد.

«هل تنام دومًا هكذا؟ إنه إنجاز. أحدثتُ جلبةً كبيرة وأنا أرتدي ملابسي، وأخذَت الأشياءُ تسقط مني، ولكن لم يصل شيءٌ من ذلك إلى مسامعك.»

خرجت السيدة جوبيرت من المطبخ مُرتديةً ثوبًا صباحيًّا أرجوانيًّا زهريًّا، وشَعرها ملفوف في ورق تجعيد تحت قلنسوة من الدانتيل. أحضرَت القهوة بنفسها، وجلَسوا إلى الطاولة غير المطليَّة التي لم يكن عليها مِفرَش، واحتسَوا القهوة في فناجينَ كبيرة من الفخار. تناولوا معها حليبًا طازَجًا — أول حليب يتذوَّقه كلود منذ مدة طويلة — وسُكَّرًا أخرجه جيرهارت من جيبه. احتَسَت الطبَّاخة العجوز قهوتَها عند باب المطبخ، وعلى الدرج، وعند قدمَيها، جلست الفتاة الصغيرة الغريبة الشاحبة.

توجَّهَت السيدة جوبيرت بالحديث بلطف إلى كلود؛ كانت تعرف أن الأمريكيِّين لهم عاداتٌ مختلفة في الوجبة الصباحية، وإن كان يرغب في إحضار اللحم المُقدَّد من المعسكر، فستَطهوه له بسرور. كانت حتى قد أعدَّت فطائر مُحلَّاة للجنود الذين أقاموا عندها قبلئذٍ. ولكن بدا عليها السرور لما علمَت أن كلود كان قد سئم من تلك الأشياء منذ مدة. دعَت ديفيد بِاسمه الأول، ونطقَته بالطريقة الفرنسية؛ وعندما قال كلود إنه يأمُل أن تفعل الشيء نفسَه معه، قالت: «أوه، نعم، إنه اسمٌ فرنسي جيِّد جدًّا، ولكنه رومانسي قليلًا»، وعندها تورَّد وجهه، ولم يكن يعلم هل كانت تسخر منه أم لا.

سأله ديفيد: «بل هو اسمٌ إنجليزي، أليس كذلك؟»

«حسنًا، إنه اسمٌ مُخنَّث، إن كنت تقصد ذلك.»

اعترف ديفيد بلا مُوارَبة: «نعم، إنه كذلك، قليلًا.» كان عمل اليوم في أرض التدريب العسكري صعبًا، والجنود تحت إمرة النقيب ماكسي ضعفاء، ولم يتحمَّلوا الحرارة، لم يكونوا يُضاهون فِتيان كانساس الذين كانوا قد اخشَوشنوا بالخدمة في الجيش. لم يكن العقيد مسرورًا من السَّرية «بي» وأمرهم ببناء ثُكنات جديدة ومدِّ نظام الصرف الصحي. خرج كلود وعمل مع الجنود. حذا جيرهارت حذوَه، ولكن كان من السهل ملاحظة أنه لم يكن قد سبق له مطلقًا التعاملُ مع الألواح الخشبية أو التسقيف بالصاج. بدا أن ضربًا من التنافس ظهَر بينه وبين كلود، ولم يكن أيٌّ منهما يعرف السبب.

كان بوُسع كلود أن يُلاحِظ أن الرُّقباء والعرِّيفين غير واثقين بعض الشيء في جيرهارت. تحيَّروا من حديثه المُقتضَب، الذي كان يخلو تمامًا من الألفاظ العامية الرائعة التي كانوا يستمتعون بها كثيرًا، وكذلك جِدِّيته، وابتسامته النادرة المُرتابة. هل الضابط الجديد رجلٌ مُتأنِّق؟ سأل الرقيب هيكس صاحبَه ديل آبل. كلا، ليس مُتأنقًا. هل هو مغرور؟ كلا، على الإطلاق، ولكنه لم يكن بارعًا اجتماعيًّا. كان من «الولايات الشرقية»؛ ماذا أيضًا بشأن حقيقته يمكن أن يظهر لاحقًا. استشعر كلود وجود شيء غير عادي بشأنه. شكَّ في أن جيرهارت كان يعرف أشياءَ كثيرة جدًّا بالإضافة إلى معرفته للفرنسية، وأنه كان يُحاوِل أن يُخفيَها، مثلما يفعل الناس أحيانًا عندما يشعرون أنهم ليسوا بين نُظرائهم؛ أغاظَته هذه الفكرة. كان كلود هو من انتهز الفرصة للتعالي عندما أفصح جيرهارت عن أنه لم يكن يستطيع مُطلَقًا أن يختار ألواحًا خشبية بقياساتٍ مُعيَّنة.

عصر اليوم التالي، أوقف العمل في الثُّكنات الجديدة بسبب المطر. شرَع الرقيب هيكس في إقامة مباراة ملاكمة، ولكن عندما ذهب ليدعوَ المُلازمَين، كان كلاهما قد اختفى. كان كلود يسير بتثاقل متجهًا نحو القرية، عازمًا على دخول الغابة الكبيرة التي كانت قد استهوته منذ وصوله.

أصبح الطريق السريع شارع القرية، ثم أصبح طريقًا غير مُمهَّد مرةً أخرى على أطراف الغابة. على مسافةٍ أبعدَ قليلًا، حيث ازدادت كثافةُ الظل، انقسم إلى ثلاثة طُرق للعربات، اثنان منهما غير واضحَين ولا يُستخدمان إلا قليلًا. اتبع كلود أحدَ هذين الطريقَين. كان المطر قد انحسر وأصبح قطراتٍ سريعةً مُتواصلة، ولكن الأجَمات الطويلة التي كانت تنمو على طول الطريق بلَّلَته وجعلته يمشي في المنتصف، وغاصت قدَماه في الأرض الرِّخوة المكسوَّة بالطحالب. اكتسى الضوء من حوله، والجوُّ ذاته، بلونٍ أخضر. كانت جذوع الأشجار مُغطَّاةً بطحالب خضراء ناعمة، مثل العفن. بينما كان يتساءل في نفسه عما إذا لم تكن الغابة دومًا مكانًا رطبًا مُظلمًا، نفذَت الشمس فجأةً، وانتثرَت أشعَّتها الذهبية في الغابة بكاملها. لم يكن قد رأى من قبلُ أيَّ شيء يُشبه لون الطحالب الزمرديَّ المُرتعِش، اللون الأخضر الحريري لقِمم أشجار الزان التي يتقاطر منها الماء. استيقظت جميع الكائنات؛ جرَت الأرانب عبر الطريق، وبدأت الطيور تُغرِّد، ودفعةً واحدةً صارت جميع الأجمات مليئةً بحشرات تُصدِر أزيزًا.

انعطف الطريق المُتعرِّج مرةً أخرى، وانتهى فجأةً إلى جانب تل، فوق فُرجة مفتوحة مُكدَّسة بصخورٍ رمادية. على الجانب المُقابل من الأرض، كانت تَقبَع أيكة من أشجار الصنوبر ذات الجذوع الحمراء الخالية من الفروع. كان الضوء من حولها ومن تحتها أحمرَ بلون أشعَّة الشمس وقت الغروب. كانت كلُّ الجذوع تقريبًا مُنقسِمة من عند المنتصف تقريبًا إلى ذراعَين عظيمتين، كانا يلتقيان مرةً أخرى عند القمة، مثل صور القيثارات الإغريقية القديمة.

في الأسفل في الفُرجة العشبية، بين أكوام صخور الصوان، اهتزَّت الأوراق اللامعة لأشجار البتولا البيضاء الصغيرة بفعل الهواء المتحرك بخفَّة. وحول كلِّ الصخور كانت توجد رُقَع من مُروجٍ أرجوانية؛ كانت تمتدُّ في الشقوق بينها مثل ألسِنة اللهَب. على واحدةٍ من هذه الصخور العارية، جلس المُلازم جيرهارت حاسرَ الرأس، في مظهر ينمُّ إما عن إرهاق أو همٍّ شديد، وشبك يدَيه حول ركبتَيه، وظهر شَعره البرونزي بلونٍ أحمر تحت أشعَّة الشمس. بعدما راقَبه كلود لبضع دقائق، نزل من على المنحدر، وهو يحفُّ بنباتات السرخس الطويلة.

عندما توقَّف عند سفح الصخور، سأله: «هل أُعيق الطريق؟»

قال الآخر: «أوه، كلا»، وتحرَّك قليلًا وفكَّ تشابُك يدَيه.

جلس كلود على صخرة. وسأل: «هل هذا نبات الخلَنْج؟» وأضاف: «ظننت أنني تعرَّفت عليه من رواية «المخطوف». هذا الجزء من العالم ليس جديدًا عليك بقدرِ ما هو جديدٌ عليَّ.»

«كلا، عشتُ في باريس عدة سنوات عندما كنت طالبًا.»

«ماذا كنتَ تدرس؟»

«عزف الكمان.»

نظر إليه كلود بتعجُّب: «هل أنت موسيقي؟»

أجاب الآخر بابتسامةِ ازدراء، وهو يمد ساقَيه بتكاسل في الخلنج: «كنتُ موسيقيًّا.»

علَّق كلود بجِدية: «ذلك يبدو سيئًا للغاية.»

«ما هو؟»

«عَجبًا، تجنيد الأشخاص أصحاب المواهب. البلد مليء بمن لا يملكون أيَّ مواهب.»

استلقى جيرهارت على ظهره، ووضع يدَيه تحت رأسه. وقال: «أوه، هذه المسألة كبيرة للغاية، ولا تنفع فيها الاستثناءات؛ إنها مسألةٌ عالمية. إن تصادَف أنك وُلدتَ منذ ست وعشرين سنة، فلن تستطيع الهرب. وإن لم تقتلك هذه الحرب بطريقةٍ ما، فستقتلك بطريقةٍ أخرى.» أخبر كلود أنه تلقَّى التدريبات في معسكر ديكس، وأتى منذ أكثر من ثمانية أشهُر ضِمن أحد الفيالق، ولكنه كَرِه العمل الذي تعيَّن عليه القيام به، ونُقِل إلى سلاح المشاة.

عندما عادا أدراجَهما، كان يعمُّ الغابةَ ضوءُ شفقٍ أخضر. كانت العلاقة بينهما قد تغيَّرت نوعًا ما في آخرِ نصف ساعة، ومشَيا صامتَين صمتًا متَّسمًا بالألفة في الشارع الذي كان يُشبِه شوارع وطنهما حتى وصلا إلى باب حديقتهما.

بما أن المطر كان قد توقَّف، وضعت السيدة جوبيرت المفرش على الطاولة الفارغة تحت شجرة الكرز، كما كانت تفعل في الليالي السابقة. كان زوجها يُحضر الكراسي، وكانت الفتاة الصغيرة خارجةً تحمل كومةً من الأطباق الثقيلة. أسندتها على بطنها، ومالت إلى الخلف وهي تمشي كي تُحافِظ على توازُنها. كانت تَلبَس حذاءً، ولكن من دون جوارب، وثوبها القطني الباهت يتخبَّط بين ساقَيها البُنِّيتَين. كانت لاجئةً بلجيكية صغيرة أُرسِلت إلى تلك القرية مع والدتها. الأمُّ مُتوفَّاةٌ الآن، ولم تكن الطفلة حتى تذهبُ لزيارة قبرها. لم يكن من الممكن إقناعُها بأن تخرج من فِناء المنزل إلى الشارع الهادئ. وإذا أتى أطفال الجيران إلى الحديقة من أجلِ مَهمةٍ ما، كانت تختبئ. لم يكن لديها أحدٌ تلعب معه غير القطة؛ والآن صارت لديها القِطط الصغيرة في مُستودَع الأدوات.

كان العشاء مُبهجًا في تلك الأمسية. سُرَّت السيدة جوبيرت لأن العاصفة لم تستمرَّ مدةً طويلة بما يكفي لأن يتضرَّر القمح. كانت الحديقة مُنعِشة ومُبهِجة بعد المطر. تساقطت من شجرة الكُرز قطراتٌ برَّاقة على مفرش الطاولة عندما هبَّ النسيم. غفَت القطة الأمُّ على الوسادة الحمراء الموضوعة على كرسي خياطة السيدة جوبيرت، ورفرف الحمام ونزل كي يلتقط ديدان الأرض التي كانت تتلوَّى في الرمل الرطب. سقط ظلُّ المنزل على طاولة العشاء، ولكن قِمم الأشجار استقبلَت ضوء الشمس بالكامل، وأرسلت الشمسُ أشعَّتَها الصفراء على الجدار الترابي والورد ذي اللون الكريمي. انبعثَت من بَتلاتها، التي غضَّنها المطر، رائحةٌ رطبة مثيرة.

لا بد أن السيد جوبيرت كان يَكبر زوجتَه بعشر سنوات. أسلوبه يَشي برِضًا كبير، وفي عينَيه بريقٌ يدل على السرور. ويحب الضباطَ الشباب. كان جيرهارت يمكث معهما منذ أكثرَ من أسبوعَين، وبطريقةٍ ما أضفى بعضَ الحيوية على المنزل الذي قد اكتنفه الجمودُ منذ وفاة الابن الثاني في المستشفى. كان الزوجان جوبيرت قد انقطعا عن مباهج الحياة. وقد فعلا كلَّ ما بوُسعهما، وقدَّما كلَّ ما كانا يمتلكان، والآن لم يَعُد لديهما أيُّ شيء يتطلعان إليه، باستثناء الحدث الذي تتطلع إليه فرنسا بأَسرِها. كان الأب يتحدث مع جيرهارت عن الميناء العظيم الذي يُنشئه الأمريكيون في بوردو، وقال إنه ينوي الذَّهاب إلى هناك بعد الحرب كي يرى كلَّ شيء بنفسه.

سُرَّت السيدة جوبيرت لما سمعت أنهما كانا يتمشَّيان في الغابة. هل تفتَّحت أزهارُ الخلَنْج؟ تمنَّت لو كانوا قد أحضروا لها بعضًا منها. ربما عندما يذهبان في المرة القادمة. اعتادت أن تتمشَّى هناك كثيرًا. تصوَّرَ كلود أن عينَيها كانتا تقتربان منهما أكثر وأكثر عندما كانت تتحدث عن الغابة، ولم يكن خافيًا أنها كانت تُولي اهتمامًا بالزهور التي كانت تتفتَّح في الغابة أكبرَ من اهتمامها بما يفعله الأمريكيون في إقليم جارون. تمنَّى أن يتمكَّن من الحديث معها مثلما كان يفعل جيرهارت. أعجبَته الطريقة التي كانت تُحمِّس بها نفسها وتُحاوِل أن تُثير بها اهتمامهما، وهي تتحدث بلغتها الصعبة بهذا القدر من الحيوية والدقة. إنها لغةٌ لا يمكن الغمغمةُ بها؛ بل ينبغي أن تُنطَق بكل طاقة وحمية، أو لا تُنطَق على الإطلاق. ارتأى أن مجرد التحدث بتلك اللغة الدقيقة من شأنه أن يَجبُر الروح الكسيرة.

كانت الفتاة الصغيرة التي كانت تخدمهم تتحرَّك حولهم دون جلَبة. لم يبدُ على عينَيها الخاملتين أنهما كانتا تنظران على الإطلاق، ولكنها لاحظت عندما حان وقت إحضار سلطانية الحساء الثقيلة، وعندما حان وقتُ رفعها. وقد وجدت السيدة جوبيرت أن كلود يحبُّ البطاطس مع اللحم — عندما يوجد لحم — وليس في طبقَين مُنفصِلين. وتعيَّن عليها في كل مرة أن تأمر الفتاة الصغيرة أن تذهب وتُحضِرهما. كانت الفتاة تفعل هذا بإحجامٍ واضح وبتجهُّم، وكأنها تُجبَر على ارتكاب فِعل خاطئ. كانت فتاةً صغيرة غريبة الأطوار جدًّا، غريبة الأطوار تمامًا. عندما غادَر الجنديان الطاولة، وانطلقا في طريقهما إلى المعسكر؛ مد كلود يده إلى داخل مستودع الأدوات، وأمسك بإحدى القطط الصغيرة، ورفَعها في الضوء ورآها ترمش بعينَيها. ما إن خرجَت الفتاة الصغيرة من المطبخ، حتى أطلقت صرخةً حادَّة، صرخة مُروِّعة حقًّا، وجلست القُرفصاءَ وغطَّت وجهها بيدَيها. خرجت السيدة جوبيرت كي تُوبِّخها.

سألها كلود وهما يُهرَعان إلى الخروج من البوَّابة: «ما خطبُ تلك الطفلة؟» وأضاف: «هل تظنين أنها تعرَّضَت لأذًى، أو للإساءة إليها بطريقةٍ ما؟»

«إنها مُرتعِبة. كثيرًا ما تصرخ بتلك الطريقة في الليل. ألم تسمعها؟ إنهم يُضطرُّون إلى الذَّهاب إليها وإيقاظها، لإسكاتها. إنها لا تتحدث الفرنسية مُطلَقًا؛ لا تتحدَّث سوى اللهجة الولونية. وهي لا تستطيع أن تتعلم أو لن تتعلم؛ ومن ثَم لا يمكنهم معرفةُ ما يدور في رأسها الصغير البائس.»

في الأسبوعَين التاليَين من التدريب المُكثَّف، اندهش كلود من روح جيرهارت وقوة تحمُّله. كان الإجهاد العضلي لمُحاكاة عمليات الخنادق عبئًا عليه أكثرَ من أيٍّ من الضباط الآخَرين. كان يُضاهي كلود طولًا، ولكنه كان يَزِن مائةً وستة وأربعين رطلًا فقط، ولم يكن قد نشأ تنشئةً خشنة مثل معظم الآخرين. عندما علم زملاؤه الضباط أنه كان عازفَ كمان مُحترفًا، وأنه كان بإمكانه أن يتولى وظيفةً سهلةً مِثل مُترجِم أو مُنظِّم لحفلات الترفيه في المعسكر، لم يعودوا مُستاءين من تحفُّظه أو من تكلُّفه العرَضي. احترموا رجلًا كان بإمكانه التملُّص، ولكنه لم يفعل.

٧

لما أتى يوم الزحف أخيرًا؛ على مدار يوم من أيام شهر أغسطس المشمسة، أخذت كتيبة العقيد سكوت تتدفَّق على طرق ترابية مُتهالكة شرقيَّ مُقاطَعة سوم، ومن خلفهم قاعدة السكك الحديدية التابعة لهم. قادهم الطريق عبر منطقة ريفية مُتعرِّجة؛ بين حقول وتِلال وغابات وقرًى صغيرة مُدمَّرة، ولكنها كانت لا تزال مأهولةً بالسكان، حيث خرج الناس كي يُشاهدوا الجنود وهم يمرُّون.

مرَّ الأمريكيون عبر كل قرية بخطوةٍ عسكرية، وسط رفرفة الألوان وعزف الفرقة الموسيقية «لإظهار أن الروح المعنوية كانت مُرتفعة»، على حدِّ قول الضباط. مشى كلود بتثاقلٍ خارج الصف؛ مرةً في مقدمة سَريَّته، وأخرى في مؤخرتها، ووجهه مُكتسٍ بالرَّزانة، خائفًا من أن تُفتضَح قناعته بالرجال والطقس والبلد.

كانوا في طريقهم إلى العرض الكبير، وعلى كل جانب كانت توجد علاماتٌ مُطَمئنة؛ صفوف طويلة من الأشجار العجفاء الميتة المُتفحِّمة والممزقة، وحُفَر واسعة محفورة في الحقول وسفوح التلال، تكاد تُخفيها شُجيراتٌ جديدة، ومُنخفَضات مُتعرِّجة في الأرض، وهياكل شاحنات وسيارات مُحطَّمة مُتناثِرة بطول الطريق، وفي كلِّ مكانٍ خطوط لا نهايةَ لها من الأسلاك الشائكة الصَّدِئة والمُبعثَرة، التي يبدو أنها وُضعت في أماكنها تلك بالصدفة، بلا هدف على الإطلاق.

قال الرقيب هيكس، مُبتسِمًا وهو يُلقي تحيَّته العسكرية: «يبدو أننا على وَشْك الوصول، أيها المُلازم.»

أومأ كلود بالإيجاب، ومرَّ إلى الأمام.

«حسنًا، ألا يُمكننا الوصول في وقتٍ أقربَ يا فِتيان؟» نظر الرقيبُ خلفه، وابتسم الجنود، وظهَر بياضُ أسنانهم في وجوههم الحمراء المُتعرِّقة. لم يتعجَّب كلود من أن الجميع على طول الطريق، حتى الأطفال، خرجوا لرؤيتهم؛ إذ رأى أنهم كانوا أجملَ مشهد في العالم. كان هذا هو أولَ يوم يرتدون فيه خوذاتهم؛ قد أراهم جيرهارت كيف يحشونها من الداخل بالحشائش والأوراق للحفاظ على بُرودة رءوسهم. عندما انقسَموا إلى مجموعات من أربعة أفراد، وقرَعَت الفرقةُ الطبول وهم يقتربون من إحدى البلدات، حاذى بيرت فولر، الفتى من بليزنتفيل على نهر بلات، الذي كان ينتحب في أثناء الرحلة، جهة اليمين على دليله؛ وكلما مرَّ كلود عليه كان يبدو على لسان حاله أنه يقول: «لن تضبط أيَّ شيء يدينني بسرعة، أيها المُلازم!»

عسكَروا بعد الظهيرة بوقتٍ قصير، على تلٍّ مُغطًّى بأشجار صَنَوبر شِبه مُحترِقة. أخذ كلود كلًّا من بيرت وديل آبل وأوسكار السويدي، وانطلقوا لعملِ مَسحٍ وتقرير عن التضاريس.

خلف التل، أسفل الطرَف المُحترق من الغابة، عثَروا على منزل مزرعة مهجور وبئر بدا أن ماءها كان نظيفًا.

كان له حاجزٌ من الحجارة الصلبة، ودلوٌ خشبي مُعلَّق بحبلٍ سلكي صدئ. عندما رشَّ الفِتية ماء الدلو حولهم، بعثت المياهُ نسمةَ هواء نقيَّة وباردة. ولكنهم كانوا فتيةً عُقلاء، وكانوا يعرفون أكثرَ الأماكن التي يحبُّ أن يختبئ فيها البروسيون الخامدون. حتى القش الموجود في الحظيرة كانوا يرمقونه بنظرات ريبة، ورأوا أن الأصوَب ألَّا يبعثوا بأحد إلى هناك.

عندما توجَّهوا جهة اليمين ليُكمِلوا جولتهم، دخلوا في وحل؛ حقل مُنخفِض أُهمِلت فيه قنواتُ الصرف حتى فاضت. هناك أتَوا على مجموعةِ أناسٍ مُلطَّخين بالوحل وحالتُهم يُرثى لها. جلست امرأةٌ مريضة وذات مظهر بائس على جِذع شجرة ساقط في نهاية المُستنقَع، وفي حجرها طفلٌ رضيع وثلاثة أطفال يتسكَّعون حولها. كانت طاقتها مُستنزَفةً لأقصى حد، ولم يكن على المرء إلا أن يستمعَ إلى تنفُّسها، وأن ينظر إلى وجهها الشاحب المُتعرِّق حتى يعرف مدى وهنها. كانت متَّسخة، والطينُ يصل حتى ركبتَيها، وتُحاوِل أن تُرضِع طفلها الذي كان شِبه مُختفٍ حتى مُنتصَفه تحت شال أسود قديم. لم يكن مظهرها يدلُّ على أنها امرأةٌ مُتشرِّدة، ولكن كان يوحي بأنها كانت فيما مضى تعتني بنفسها جيدًا، وأنها كانت لا تزال شابَّة. كان الأطفال مُرهَقين ومُحبَطين. ارتدى ولدٌ صغير سُترةً زرقاءَ غير مُتقَنة، مصنوعةً من أحد معاطف الجيش الفرنسي. وارتدى الآخرُ قبعة ستيتسون أمريكية بالية تُغطي أُذنَيه. وكان يحمل، في كل ذراع من ذراعَيه الاثنتَين، ساعةً وردية من السيلولويد. رفَعوا جميعًا أعيُنهم، وانتظروا أن يفعل الجنود شيئًا.

اقترب كلود من المرأة، ولمس حافةَ الخوذة مُحيِّيًا إياها، وقال بالفرنسية: «صباح الخير يا سيِّدتي. ما الأمر؟»

حاولَت التحدث، ولكنها دخلت في نوبةِ سُعال، ولم يسَعْها سوى أن تلهث مُناديةً: «توينيت، توينيت!»

تقدَّمَت توينيت بسرعة. كانت في الحاديةَ عشرة من عمرها تقريبًا، وبدا أنها قائدةُ المجموعة. وهي ذات وجه صغير يتَّسم بالجرأة والصلابة وذقنٍ طويل، وشعر أسوَد أملس مربوط بقطعة قماش وعينَين ماكرتين؛ كان مظهرها أقلَّ لطفًا وأكثرَ خبرة من والدتها. بدأت تشرح، وكانت بارعةً جدًّا في توضيحِ ما تقوله. كانت مُعتادةً على التحدث إلى الجنود الأجانب، حيث إنها تتحدث ببطء وتوكيد، وبإشارات مُبدِعة.

كانت، هي الأخرى، قد خرجَت للاستطلاع. كانت قد اكتشفت منزل المزرعة الفارغ، وتُحاوِل أن تُدخِل جماعتها فيه لتمضيةِ الليل. كيف أتَوا إلى هنا؟ أوه، كانوا لاجئين. كانوا يمكثون مع أناس على بعد ثلاثين كيلو مترًا من مكانهم هذا. كانوا يُحاولون العودة إلى قريتهم. أصاب المرضُ أُمها حتى أعياها، وشارفت على الموت، وأرادت أن تعود إلى الديار لتموت هناك. كانوا قد سمعوا أن أناسًا لا يزالون يعيشون في القرية، ومنهم عمةٌ عجوز تعيش في قَبوِ بيتهم؛ وبوُسعهم هم أيضًا أن يعيشوا فيها بمجرد أن يصلوا إلى هناك. المقصد من الحديث، وكرَّرتْه مرارًا وتكرارًا، أن والدتها كانت تُريد الموت في بيتها، أتفهم؟ لم يكن معهم أوراق، وما كان الجنود الفرنسيون سيدَعونهم يمرُّون، ولكن بعدما أتى الجنود الأمريكيون، كانوا يأمُلون في أن يمرُّوا؛ إذ كان يُقال إن الأمريكيين يتَّسمون باللطف دومًا.

أثناء ما كانت تتحدَّث بصوتٍ حادٍّ ومطقطق، بدأ الرضيع في النحيب، تعبيرًا عن عدم اكتفائه من الرضاعة. هزَّت الفتاة الصغيرة كتفَيها. وتمتمَت: «إنه غاضبٌ دومًا.» أدارَته المرأة إلى الجانب الآخر بصعوبة — بدا طفلًا ضخمًا وثقيلًا، لكنه كان شاحبًا ومريضًا — وألقمَته الثديَ الآخر. بدأ يرضع بصخب؛ إذ كان ينقب وينفث كأنه كان جائعًا جدًّا. كان من المؤلم للغاية، بل كاد أن يكون غيرَ لائق، مشاهدةُ هذه المرأة المُنهَكة وهي تُحاوِل إرضاع طفلها. أشار كلود إلى رجاله أن يبتعدوا ويقفوا في أحد الجوانب، وأمسك بالفتاة الصغيرة من يدها وسحبها خلفهم.

قال لها بالفرنسية، وبتوقف في كلامه كان يصنعه دومًا في وسط الجملة التي كان ينطقها بالفرنسية: «ينبغي أن تستريح والدتُكِ.» فهِمَته الفتاة. لم يُفاجئها أو يُحيِّرها أيُّ اعوجاج بلغتها الأم. كانت مُعتادةً على أن تُخاطَب بكل الضمائر والأعداد والأجناس والأزمنة؛ من الألمان أو الإنجليز أو الأمريكيين. هي تُنصِت فقط كي تسمعَ إن كانت نبرةُ الصوت لطيفةً أم لا، ومع الرجال أصحاب هذا الزي عادةً ما كانت لطيفة.

سألها بالفرنسية: «هل معكم طعام لتأكلوه؟»

«كلا. ليس معنا طعام على الإطلاق.»

هل كانت والدتها «مريضةً جدًّا ولا تقدر على المشي»؟

هزَّت كتفَيها؛ بوسع السيد أن يرى بنفسه.

وماذا عن والدها؟

لقد وافَته المنيَّة؛ «مات في معركة مارن، في الرابع عشر من الشهر.»

«في معركة مارن؟» كرَّر كلود تلك العبارة، وهو ينظر بحَيرةٍ بالغةٍ نحو الطفل الذي كان يرضع. تبِعَته عيناها الحادَّتان، وعلى الفور تكهَّنت بشُكوكه. قالت بسرعة: «الرضيع؟» وأضافت: «أوه، الرضيع ليس أخي، إنه ألماني.»

للحظةٍ لم يفهم كلود. كرَّرت تفسيرَها بنفادِ صبر، وكان صوتها الصغيرُ الرنَّان يوحي بنبرةِ ازدراء وخُبث. اعتلَت حُمرة الخجل جبهتَه ببطء.

دفعها إلى والدتها وقال بالفرنسية: «انتظري هناك.»

قال للجنود: «أظن أنه يتعيَّن علينا أن نأخذهم إلى تلك المزرعة.» وكرَّر ما فهمَه مما حكَته الطفلة. وعندما وصل إلى تصريحها المُقتضَب عن الرضيع، نظر كلٌّ منهم إلى الآخر. خشيَ بيرت فولر أن يبكيَ مرةً أخرى؛ ولذا ظل يُتمتِم: «بحق الرب، ليتنا وصلنا إلى هنا في وقتٍ أقرب، بحق الرب، ليتنا وصلنا!» بينما كانوا يَجْرون عائدين بحذاء الخندق.

صنَع ديل وأوسكار مقعدًا من أيديهما المتشابكة، وحملا المرأة، ولم يكن وزنها ثقيلًا. حمل بيرت الطفلَ الصغير ذا الساعة الوردية قائلًا: «تعالَ أيها الضفدع الصغير، ساقاك ليستا طويلتَين بما يكفي.»

سارَ كلود في الخلف مُمسكًا بالرضيع الذي كان يصرخ بين ذراعَيه بتصنُّع. سأل نفسه كيف يمكن لرضيعٍ أن تكون له تلك الشخصيةُ الصارمة، وكيف يمكن أن يكره رضيعًا إلى هذه الدرجة؟ أبغضه بسبب رأسه المُربَّع ذي الشعر الأشقر والأذنَين الشاحبتين، وحمَله باشمئزاز … ولا عَجب من أنه كان يبكي! عندما لم يُجدِ الصراخُ والتصنع نفعًا هدَأ فجأةً، ونظر إليه بعينَين زرقاوين شاحبتين، وحاوَل أن يُريح نفسه على مِعطفه الكاكي. أخرج يدًا صغيرةً متسخة، وأمسك بأحد أزراره. تمتم وهو ينظر إلى الرضيع: «يا رفيق، ما هذا؟» وأضاف: «اقطعه!»

قبل أن يتناولوا العشاء في تلك الليلة، حمل الفِتيةُ طعامًا ساخنًا وبطاطينَ إلى العائلة.

٨

التوقيت: الساعة الرابعة فجرًا، أحد أيام الصيف، صباحه الأول داخل الخنادق.

كان كلود قد مرَّ للتَّو على الصف ليتأكَّد من أن فِرَق المِدفعية قد اتخذَت مواقعها. هذه الساعة، حينما يكون النور آخذًا في التبدل، كانت وقتًا مُفضَّلًا للهجوم. قد أتى في وقتٍ مُتأخرٍ ليلةَ البارحة، وعرَف كل ما يلزم معرفته. لما صَعِد على حاجز إطلاق النار، حدَّق من فوق الحاجز بين أكياس الرمال، في الضباب المُنخفض المُتشابك. وقتئذٍ لم يرَ شيئًا سوى تشابكِ الأسلاك، والطيور تتقافزُ فوق السلك العُلوي، وهي تُغرِّد وتُزقزِق كما كانت تفعل على السياجات السلكية في الديار. كانت تصدح بتغريداتٍ صافية تُشبِه صوت الناي تشقُّ الهواء الكثيف، ولم يكن يُسمَع غير أصواتها. هبَّ نسيمٌ خفيف، وببطءٍ أخذ يقشع الضباب. ظهرت خطوطٌ خضراء من بين ركام البخار المتحرك. زاد اضطراب الطيور. كانت الأرض الممتدة الخامدة ذات اللونين الرمادي والأخضر منطقةً مُحرَّمة. تلك الروابي المُنخفِضة المُتعرِّجة، التي تُشبِه تِلال خُلد محميَّةً بحواجز سلكية، هي خنادق الألمان؛ ويوجد منها خمسة أو ستة خنادق. بوُسعه أن يتتبَّع بسهولة خنادقَ التواصل من دون منظار. عند إحدى النقاط، كان خطُّهم الأمامي لا يبعد أكثرَ من ثمانين ياردة، وعند نقطة أخرى لا بد أن المسافة كلها كانت ثلاثمائة ياردة. بدأت ألسنةُ دخان رفيعة ترتفع هنا وهناك؛ كان الألمان يتناولون الإفطار؛ كان كل شيء مُريحًا وطبيعيًّا. خلف موقع العدو كان الريف يرتفع تدريجيًّا لعدة أميال، بوِديانه الضيقة وغاباته الصغيرة، حيث، حسَب خريطته، أخفَوا مدفعية. في الخلف على التِّلال توجد بيوتٌ ريفية مُدمَّرة وأشجارٌ مكسورة، ولكن لم يوجد في أيِّ مكان مخلوقٌ حي على مَرمى البصر. كانت منطقةً ريفية خامدة ساكنة، غارقة في الصمت والكآبة. ومع ذلك، في كل مكان كانت الأرض مليئةً بالرجال. لا بد أن خنادقهم، من الجانب الآخر، تبدو ساكنة وخامدة. كانت الحياة سرًّا، هذه الأيام.

كانت البساطة التي يمكن بها فعلُ الأشياء مذهلةً. قد سارت كتيبتُه داخلةً بهدوء عند منتصف الليل، والصفُّ الذي جاءوا ليحلُّوا محلَّه قد تحرَّك بالهدوء نفسِه نحو المؤخرة. جرى كلَّ هذا في ظلامٍ حالك. في الوقت نفسِه الذي كانت فيه السَّرية «بي» تتراجع نزولًا على منحدر إلى خنادقَ غير عميقة في المؤخرة، أضاء الريف للحظة جرَّاءَ قذيفتَي إنارة، وسُمعت قعقعة مدافع رشَّاشة، مدافع ماكسيم الألمانية؛ كانت قرقعات مُتفرقة لم تستمر. بينما كانوا يسيرون مُتتابعين على طول خنادق الاتصال أنصَتوا بوجل؛ إذ كان يمكن لنيران المدفعية أن تُلحِق أضرارًا بالرجال الآخرين الذين كانوا يتحركون إلى المؤخرة. ولكن لم يحدث شيء. مرَّت ليلتهم هادئة، وعندما أتى الصباح كانوا على قيد الحياة!

توهَّجت السماء بلَونَي الزعفران والفِضة. نظر كلود في ساعته، ولكن لم يكن بعدُ يُطيق أن يُغادِر. ما أطوَل الوقت الذي يستغرقه أحد آل ويلر في اجتياز أي عَقبة! أمضى أربع سنوات ماضيًا في طريقه، وظن أنه بعدما وصل سيستمتع بالمشهد قليلًا. تمنَّى لو كان بوُسع والدته أن تعرف بما كان يشعر هذا الصباح، ولكن لعلها بالفعل كانت تعرف. على أي حال، ما كانت ستجده في أي مكان آخر. قبل خمس سنوات، عندما كان جالسًا على درجات مبنى المجلس التشريعي في دنفر، ويعرف أنه لا يمكن أن يحدث له أيُّ شيء غير مُتوقَّع … أيُتصوَّر أنه كان بإمكانه للحظةٍ أن يتنبَّأ بمكانه اليوم؟ ألقى نظرةً طويلة على المشهد المائل إلى الحُمرة الممتدِّ أمامه، ونزل على المعبر الخشبي.

عاد كلود إلى الملجأ الذي كان هو وجيرهارت قد ألقيا فيه أغراضهما الليلةَ الفائتة. كان شاغلوه السابقون قد تركوه نظيفًا. ويوجد سريران مُثبَّتان في الحوائط الجانبية بمسامير؛ كانا عبارةً عن هيكلَين خشبيَّين فوقهما شبكةٌ سِلكية مغطَّاة بأكياس رمل جافَّة. بين السريرَين كانت توجد طاولةٌ صغيرة، عليها شمعة محشورة في زجاجة خضراء، ومَوقدٌ يعمل بالكحول، وحمام مائي لحفظ الطعام ساخنًا، وكوبان من الصفيح. على الجدار كانت توجد صورٌ مُلوَّنة من مجلة «جوجند» الألمانية، مأخوذة من أحد خنادق الألمان.

وجد أن جيرهارت لا يزال نائمًا في سريره، فهزَّه حتى استيقظ.

«كم أمضيت في الخارج يا كلود؟ ألم تنَم؟»

«نِمت قليلًا. لم أكُن مُتعَبًا كثيرًا. أظن أنه يمكننا تسخينُ ماء الحلاقة على هذا الموقد؛ فقد ترَكوا لنا نِصف زجاجة كحول. إنه وكرٌ صغير مُريح جدًّا، أليس كذلك؟»

علَّق ديفيد بنبرةٍ جافَّة: «سيؤدي الغرضَ منه بلا شك.» وأضاف: «إنك حسَّاس جدًّا تجاه أي انتقاد لهذه الحرب! عَجبًا، هذا ليس شأنك؛ فأنت لم تَصِل إلا توًّا.»

ردَّ كلود بوداعة، وقد بدأ يطوي بطاطينه: «أعلم ذلك.» وتابَع: «ولكن من المحتمل أن تكون الحرب الوحيدة التي سأشارك فيها في حياتي؛ ولذا يحقُّ لي أيضًا أن أهتمَّ بها.»

عصر اليوم التالي، كان أربعة شباب، كلُّهم عُراة إلى حدٍّ ما، مُنشغِلين بحفرة قذيفة كانت مليئة بمياهٍ بُنِّية عكِرة. كان الرقيب هيكس وصاحبه ديل آبل قد أخذا يُفتِّشان طيلة نصف وقت الصباح القائظ الحارق بحثًا عن حفرة ليست بالغةَ القذارة، وفي موضعٍ مُلائم، بل رائع، وكانا قد أبلغا المُلازمَين بهذه الحفرة. قال هيكس إن النقيب ماكسي يمكن أن يُرسل الجنديَّ التابع له حتى يعثر على حفرته، ويأخذ حمَّامه مُنفردًا. أضاف الرقيب: «لن يستحمَّ أبدًا مع أي أحد آخر.» وأردف: «يخجل من كشفِ عورته!»

كان بروجر وهاموند، المُلازمان الثانيان، قد انتهيا من استحمامهما، واستندا إلى ما يمكن أن نُطلِق عليه مُنحدَرًا عُشبيًّا، وهما يتفحصان أماكن مُتفرقة من جسدَيهما باهتمام. لم يخلعا ملابسهما بالكامل منذ بعض الوقت، وكان المشي لمدة أربعة أيام في طقسٍ حارٍّ يجعل الرجل يتلهَّف إلى النظر إلى نفسه.

قال لهما جيرهارت: «انتظرا حتى الشتاء.» كان لا يزال يستحمُّ في الحفرة، والماء الموحل يصل حتى إبطَيه. «عندئذٍ لن تغتسلا إلا مرةً واحدة كل ثلاثة أشهُر. أخبرني بعض الجنود البريطانيين أنهم عندما استحمُّوا للمرة الأولى بعد معركة فيمي، تقشَّرت جلودهم مثل جلد الثعبان. ما الذي تفعله بسروالي يا بروجر؟»

«أفتِّش عن سِكينك. سقط مني سِكيني أمس، عندما انفجرَت تلك القذيفة في الطريق الفرعي. لقد جفلت حتى كدتُ أسقط مغشيًّا عليَّ!»

«تبًّا، لم يكن ذلك أمرًا جللًا. لا تستمرَّ في الحديث عن هذا الأمر؛ فهذا يظهر أنك غِرٌّ ساذَج.»

خلَع كلود ملابسَه، ونزل إلى البِركة بجانب جيرهارت. قال: «يا للهول، ارتطمتُ بشيءٍ حادٍّ بالأسفل! لماذا لم تُخرِجوا الشظايا أيها الفِتية؟»

أغمَض عينَيه واختفى للحظة، ثم صَعِد وهو يبصق، وألقى على الأرض جسمًا معدنيًّا دائريًّا، مغطًّى بالصدأ ومُمتلئًا بالوحل. «خوذة ألمانية، أليس كذلك؟ هذا مُقرِف!» مسَح وجهه ونظر حوله بتشكُّك.

قلَب بروجر الجسم بعصًا، وقال: «مُقرِف حقًّا!» وأضاف: «لماذا لم تُخرِج بقيَّته بحق الجحيم؟ لقد أفسدتَ عليَّ حمَّامي. أتمنَّى أن تستمتع به.»

تسلَّق جيرهارت الجانب وصَعِد. وقال: «اخرج يا ويلر! انظر إلى هذا»، مُشيرًا إلى فقَّاعاتٍ كبيرة خاملة، تنفجر صعودًا عبر المياه الكثيفة. «لقد أثرت مشكلة، أيُعجبك ذلك! شيءٌ بالغ السوء يجري بالأسفل هنا.»

خرج كلود بعده ناظرًا خلفه إلى ما يجري في الماء. «لا أفهم كيف يمكن لإخراجِ خوذةٍ أن يُثير القاع بهذه الطريقة. أظن أن المياه تُبقي الرائحة تحتها.»

سأله بروجر بسخرية: «هل درستَ الكيمياء يومًا ما؟» وتابَع: «لقد فتحت مقبرةً لتوِّك، والآن يصلُنا الغاز المُنبعث. إن كنت قد ابتلعت شيئًا من تلك الكولونيا الألمانية، أوه، يجب أن تقلق!»

كان المُلازم هاموند عاكفًا على الكتابة في دفتره، بينما كان لا يزال عاريَ الساقَين، وقميصه مربوطٌ على كتفَيه. وقبل أن يُغادروا وضع لافتةً على عصًا مفلوجة.

ممنوعٌ الاستحمام للعامة! شاطئ خاص!
سي ويلر، السَّرية «بي»، كتيبة المشاة الثانية.

•••

أتت الخطابات الأولى من الوطن! حمَلَتها عربات الإمداد، وتلقَّى كل رجل في السَّرية شيئًا عدا إد دراير، مُزارع من تِلال نبراسكا الرملية، وولي كاتز، الفتى النمساوي ذو الشعر الأشقر الذي كان يعمل في مصانع التعبئة في أوماها. شعَر رفاقُهم بالأسى لحالهم. لم يكن لإد أيُّ «أهل»، ولكنه مع ذلك قد توقَّع ورود خطابات إليه. كان ويلي مُتأكدًا من أنه لا بد أن والدته قد كتبت إليه خطابًا. عندما سُلِّم آخر ظرف مُهترئ وعاد خاويَ الوفاض، تمتمَ قائلًا: «إنها خرقاءُ من شرق أوروبا، ولا تُجيد الكتابة. أظن أن العنوان لم يكن واضحًا، وتلقَّى خطابي جنديٌّ آخَر في سَريةٍ أخرى.»

لم تُرسَل إليهم أيُّ نشراتٍ دورية، كان الفِتية يأمُلون في جرائد من الوطن كي تُطلِعهم على القليل من أخبار الحرب؛ إذ لم تصلهم أيُّ أخبار هنا. على الرغم من ذلك، أرفقت أخت ديل آبل قُصاصةً من جريدة «كانساس سيتي ستار»، وهي عبارة عن تقريرٍ مُطوَّل كتَبه أحد مُراسلي الحرب البريطانيين في بلاد الرافدَين، يصف فيه العناء التي الذي كان يُلاقيه الجنود هناك، مثل الدوسنتاريا والذباب والبعوض والحرارة التي لا يمكن تصوُّرها. قرأ هذه المقالةَ بصوتٍ عالٍ على مجموعة من أصدقائه، وهم يجلسون حول حفرة قذيفة كانوا يغسلون فيها جواربهم. قد انتهى لتوِّه من القصة التي تقول إن الجنود البريطانيين عثروا على بضعة أكواخ طينية في المكان الذي يُزعَم أنه البقعة التي كانت فيها جنةُ عدن؛ كان مكانًا مُقفِرًا مليئًا بالحشرات اللاسعة، عندما فتح أوسكار بيترسن، وهو فتًى سويدي مُتديِّن جدًّا عادةً ما يظلُّ صامتًا لأيامٍ كاملة، فمه، وقال مُستهزئًا:

«ذلك كذب!»

رفع ديل ناظِرَيه إليه مُنزعِجًا من المقاطعة. وقال: «كيف تعرف أنه كذلك؟»

«لأن الربَّ وضع أربعةً من ملائكة الكروبيم معهم سيوفٌ لحراسة الجنة، ولن يعثر عليها بشر. ليست من الأماكن التي من المُفترَض أن يعثر عليها البشر. الكتاب المُقدَّس يقول هذا.»

بدأ هيكس يضحك. «عَجبًا، ذلك كان منذ ستة آلاف سنة، أيها المُضحك! هل تظنُّ أن ملائكة الكروبيم ما زالت هناك؟»

«بالطبع. ماذا تُمثِّل ستةُ آلاف سنة لملاك كروبيم؟ لا شيء!»

نهض السويدي وجمع جواربه بتجهُّم.

نظر ديل آبل إلى صاحبه. وقال: «ألم تجتمع فيه كل صفات الحمق؟ يا له من مُتحجِّر العقل!»

لم يرغب أوسكار في أن يستمرَّ في الاستماع إلى «حَفنة أكاذيب»، وأخذ ملابسه المغسولة وسار مُبتعدًا.

•••

كان مَقرُّ قيادة الكتيبة نحو نصف ميل خلف الجبهة، وكان جزء منه عبارة عن مخبأ، وجزء عبارة عن سقيفة، لها سقفٌ خشبي مُغطًّى بطبقة عُشب. كان مكتب العقيد مفصولًا من أحد الأطراف، وأعطى بقيَّة المكان للضباط ليكون بمثابة غُرفة للترويح عن أنفسهم. في إحدى الليالي، عاد كلود كي يُقدِّم تقريرًا عن المواقع الجديدة لفِرَق المدفعية. كان الضباط الشبَّان جالسين حول طاولات صغيرة يُدخِّنون ويأكلون مُقرمِشات حُلوة يُخرجونها من عُلَب صفيح. وكان جيرهارت عاكفًا على العمل على طاولةٍ خشبية بأوراق وأقلام تلوين، يرسم نسخة مُبيَّضة من خريطةٍ تقريبية قد تعاونا في رسمها ذلك الصباح، تُظهِر مدى النيران. لم تُربكه الضوضاء؛ إذ كان بوُسعه الجلوس وسط عددٍ كبير من الرجال، والكتابة بهدوء كما لو كان وحده.

كان يوجد ضابطٌ واحد يمكن أن يعلوَ صوته أثناء الحديث عن الباقين جميعهم، أينما كان، وهو النقيب باركلي أوينز، المُلحَق من سلاح المهندسين. كان رجلًا بالغ القِصَر؛ إذ كان طوله خمس أقدام وأربع بوصات فقط، وكان عريضًا جدًّا، وشعلة نشاط. قبل الحرب، كان يبني سدًّا في إسبانيا، «أكبر سد في العالم»، وأثناء عمليات التنقيب التي كان يُجريها اكتشف أطلال أحد معسكرات يوليوس قيصر المُحصَّنة. وهذا يفوق قدرةَ مُخيِّلته السهلة التأثر على التحمُّل. عكَف على تصوير هذه الآثار القديمة، وأخذ قياساتها والاستغراق في تأمُّلها. كان مُهندسًا في النهار، وأثريًّا في الليل. لديه صناديقُ كتبٍ أُرسِلت من باريس؛ تضمُّ كل ما كُتِب عن يوليوس قيصر باللغتَين الفرنسية والألمانية، فأشرك معه قسًّا شابًّا كي يقرأ عليه ترجمة تلك الكتب في المساء. اعتقد القسُّ أن الأمريكيَّ كان مجنونًا.

عندما كان أوينز في المرحلة الجامعية، لم يُظهِر أدنى اهتمام بالدراسات اليونانية والرومانية، ولكن الآن بدا الأمر كأنه سيبعث الحياةَ في يوليوس قيصر. اندلعَت الحرب، وتوقَّف العمل في السد الذي كان يبنيه. وكذلك أدخلت أفكارًا أخرى إلى عقله الذي كان مُنصرفًا إلى الهندسة. عاد مُسرِعًا إلى مسقط رأسه في كانساس كي يشرح الحرب لمُواطنيه. سافَر في أنحاء الغرب، وأخذ يُوضِّح ما حدث بالتحديد في معركة المارن الأولى، حتى أتته فرصةُ الانضمام إلى الجيش.

في الكتيبة، أُطلقَ على أوينز اسم «يوليوس قيصر»، ولم يعرف الرجال البتَّةَ إن كان يشرح عمليات القائد الروماني في إسبانيا، أم عمليات جوفر في معركة المارن؛ إذ كان ينتقل من أحد الموضوعَين إلى الآخر. كان كل شيء حاضرًا في صدارة ذهنه؛ فلم تكن القرون تُشكِّل فارقًا. لم يكن لأي شيء وجودٌ حتى يكتشفه باركلي أوينز. الرجال يُحبُّون سماعه وهو يتكلم. في تلك الليلة، ظل يغدو ويروح وعَيْناه الصفراوان تدوران في مَحجِرَيهما، وفي يده سيجارٌ كبير، ويُلقي محاضرةً على الضُّباط الشُّبان عن سِمات الفرنسيين، ويُدرِّبهم ويُعدُّهم. كانت ساقاه هما اللتَين تجعلان منه أُضحوكة؛ فجِذعه كان جِذعَ رجلٍ كبير، محمولًا على ساقَين قصيرتين.

«الآن، لا ينبغي أيها الرفاق أن تنسَوا أن حياة الليل في باريس ليست شيئًا تقليديًا على الإطلاق؛ ذلك عرضٌ أُقيمَ للأجانب. الفلَّاح الفرنسي شخصٌ مُقتصِد. هذا النبيذ الأحمر لا بأس به إن لم تُسرِف فيه؛ تناوَلْه مُخفَّفًا بالماء حتى الثلثَين وسيَقيك الإصابة بالدوسنتاريا. لستَ بحاجة إلى أن تكون فظًّا معهم، بل كن حازمًا. عندما تُبادرني إحداهن بالكلام لتُراودني عن نفسها أتبع خطةً مُعتادة؛ أولًا أعطيها خمسة وعشرين فرنكًا، ثم أنظر في عينَيها وأقول: «يا فتاتي، لديَّ ثلاثة أطفال، ثلاثة صِبية.» فتفهم المقصود على الفور، ولا تفشل تلك الخطة مُطلَقًا. فتبتعد وهي خَجِلة من نفسها.»

قال المُلازم الشابُّ هاموند ببراءة: «ولكن ذلك باهظ جدًّا! لا بد أنه يجعلك فقيرًا.» زمجر الآخرون غضبًا.

كان كلود يعرف أن ديفيد تحديدًا يمقت النقيب أوينز من سلاح المهندسين، وتعجَّب من أنه كان بوسعه أن يستمرَّ العمل بهذا القدر من التركيز، بينما ظلَّت أجزاء من محاضرات العقيد تقطع صخَب الحديث المعتاد وضوضاء الفونوغراف. استرقَ أوينز، بينما كان يغدو ويروح، النظرَ نحو جيرهارت. كان قد تناهى إلى سمعه أن ثَمة شيئًا غير مألوف بشأنه.

أبقى الرجال الفونوغراف دائرًا؛ فبمُجرَّد أن ينتهي تسجيلٌ حتى يضع أحدٌ ما تسجيلًا آخَر. في إحدى المرَّات، عندما بدأ لحنٌ جديد، لاحَظ كلود أن ديفيد رفع ناظرَيه عن الورقة التي كان عاكفًا عليها والفضولُ بادٍ على مُحيَّاه. أنصت لوهلة وعلى شفتَيه ابتسامةٌ بها قدر من التهكُّم، ثم تجهَّم وجهه وعاد إلى رسم خريطته. شيءٌ ما في نظرته الخاطفة التي كانت تنطوي على التمييز جعل كلود يتساءل عمَّا إن كان اللحن قد أيقظ لديه ذكرياتٍ مُعيَّنةً مرتبطة به؛ ظنَّ كلود أنها ذكرياتٌ حزينة، ولكنها جميلة. قام من جلسته وذهب كي يُغيِّر التسجيل بنفسه هذه المرَّة. أخرج الأسطوانة ورفعها في النور، وقرأ ما كان مكتوبًا عليها:

«تأمُّلات تايلندية — عزفُ كمان مُنفرِد — ديفيد جيرهارت.»

عندما كانا عائدَين عبر خندق الاتصال تحت المطر، يخوضان الطريق في صفٍّ واحد، كسر كلود حاجز الصمت فجأة. وقال: «ذلك التسجيل الذي شغَّلوه الليلة كان أحدَ تسجيلاتك، عزف الكمان المنفرد، أليس كذلك؟»

«يبدو كذلك. سنتَّجه يمينًا الآن. فدائمًا ما أضلُّ الطريق هنا.»

«هل توجد لك تسجيلاتٌ كثيرة؟»

«عددٌ لا بأس له. لماذا تسأل؟»

«أودُّ أن أرسل خطابًا لأمي. إنها مُغرَمة بالموسيقى الجيدة. ستشتري تسجيلاتك، وهذا نوعًا ما من شأنه أن يُقرِّب كلَّ شيء منها، ألا ترى ذلك؟»

قال ديفيد مُتلطفًا: «حسنًا، يا كلود.» وتابَع: «سوف تجدُهم في الكتالوج، جنبًا إلى جنب مع صورتي بالزي الرسمي. لقد سجلتُ تسجيلاتٍ كثيرةً قبل أن أنضمَّ إلى معسكر ديكس. تَحصُل أمي على دخلٍ بسيط من تلك التسجيلات. ها قد وصلنا.» بينما كان يُشعِل عود ثقاب، قفز ظِلَّان أسوَدان من على الطاولة واختفَيا خلف البطانيات. فقال: «يوجد الكثير منهم في الجوار، في هذه الليالي المُمطِرة. هل أمسكت بواحد؟ لا تَسحقه هناك. ها هو الكيس.»

فتح جيرهارت فُوَّهة كيس من الخيش، ودفع كلود الزاويةَ المُتلوية من بطانيته داخله، وضغط بقوة على الشيء الذي سقط في القاع. «في ظنك، أين الآخر؟» «سيَنضمُّ إلينا لاحقًا. لا أنزعج من الفئران بقدرِ ما أنزعج من باركلي أوينز. يا له من منظر وهو مُتجرِّد من ملابسه! اخلُد إلى النوم، سأذهب في جولةٍ تَفقُّدية.» مشى جيرهارت على المَعبر الخشبي المغمور بالماء، والمياهُ تتناثر من وقعِ خطواته. خلع كلود حذاءه وبرَّد قدمَيه في المياه المُوحِلة. تمنَّى أن يتمكَّن من إقناع ديفيد أن يتحدث عن مهنته، وتساءل كيف كان يبدو وهو على مِنصَّة حفل موسيقي يعزف على الكمان.

٩

في الليلة التالية، أُرسِل كلود إلى مَقرِّ القيادة في الموقع «كيو» بمعلومات لم يهتمَّ العقيد بتدوينها على الورق. وفي الساعة العاشرة، انطلَق مع الرقيب هيكس مُرافقًا له. كان المطر يَهطِل منذ يومَين، وامتلأت به خنادقُ الاتصال حتى كادت المياه أن تبلغ الرُّكَب. على بُعدِ نِصف ميل خلف خطِّ المواجهة، زحف الرجلان خروجًا من الخندق، واستمرَّا في الزحف على سطح الأرض. لم يشهد خطُّ المواجهة في تلك الليلة سوى القليل جدًّا من القصف. حين اندلع وهجٌ من النيران، انبطحا ورقَدا على وجهَيهما وهما يُحاولان في الوقت ذاتِه أن يَلمحا بنظرةٍ خاطفةٍ ما يوجد أمامهما.

كانت الأرض وَعْرة والظلام دامسًا؛ إذ الوقت قد تجاوَز منتصف الليل عندما وصَلا إلى الطريق الذي يربط الشرق بالغرب، الذي عادةً ما يكون مُزدحمًا، ولا يخلو من المارَّة تمامًا حتى في ليلة كهذه. كانت قوافل الخيول تخوض في الوحل بالقذائف على ظهورها، بينما كانت عربات الإمداد في طريق عودتها من الجبهة فارغة. توقَّف كلود وهيكس بعض الوقت بجانب الخندق؛ أملًا في العثور على وسيلةِ رُكوب. بدأ المطر يَهطِل بغزارة حتى إنهما بحَثا عن ملجأٍ منه. بعدما راحا يبحثان على غير هدًى هنا وهناك، عثرا على قطعة مدفعية كبيرة قد غاصت عجلاتها حتى المَحاور في حفرة من الوحل.

نادى صوتٌ بنبرةٍ سريعة بريطانية دون شك: «من هناك؟»

«جنديَّان من المشاة الأمريكية. هل يمكننا الدخول إلى إحدى الشاحنات حتى يتوقَّف المطر؟»

«أجل، بالتأكيد! يمكننا أن نُفسِح لكما مكانًا هنا إن لم تكونَا ضخمَين للغاية. تحدَّثا بهدوء وإلا ستوقظان الرائد.» سُمِع صوتُ قهقهة وضحكات مكتومة، وأومضَ مِصباحٌ يدوي للحظة؛ فبدا في ضوئه صفٌّ يتألَّف من خمس شاحنات قد غُطِّيت الأولى والأخيرة منها بخيام من القماش المُشمَّع. كانت الأصوات تأتي من الملجأ الموجود بجوار المدفع. سحَب الجنود الموجودون بالداخل سيقانهم، وأفسَحوا مكانًا للغريبَين، واعتذَروا لعدم وجود شراب قوي يُقدمونه لهما سوى قليل من شراب الرَّم. وقَبِل الدخيلان هذا العرض بامتنان.

كان البريطانيون كثيري الضحك، واعتقد كلود — بناءً على أصواتهم — أنهم جميعًا صغارٌ للغاية. يسخرون من الرائد كأنه مُعلمهم في المدرسة. لم يكن في الشاحنة من مكانٍ يكفي لأن يستلقيَ أي أحد؛ فجلس كلٌّ منهم وقد أسند ركبتَيه تحت ذقنه، وراحوا يتبادلون الحديث والأخبار. كان فريق المدفعية ينتمي إلى سَرية مِدفعية مستقلة أُرسلت إلى البلاد لتُؤدِّي الخدمة «أينما كانت الحاجة إليها». وصلت باقي السَّرية وذهبت باتجاه الشرق، لكن ذلك المِدفع الكبير دائمًا ما يُسبِّب المُشكِلات، والآن قد تعطَّلت قاطرته ولم يستطيعوا سحبَه وإخراجه. كانوا يُطلِقون عليه اسم «جيني»، وقالوا إنه يُصاب بنوبات الإغماء بين الحين والآخَر، وإنه لا بد من الترويح عنه. قال أحد الجنود البريطانيين غير المرئيين إن التعامل معه يُشبِه تجوُّل المرء مع جَدته؛ إذ إنه: «مِدفعٌ قديمٌ فخم!» قالوا إن الرائد نائمٌ في الشاحنة الخلفية، وإنه سيحصل على وسام «صليب فيكتوريا» في النوم. فدوَّت المزيد من أصوات القهقهة.

كلا، لم يكونوا يعرفون وِجهتهم؛ كان الضباط يعرفونها بالطبع، لكن ضُباط المدفعية لا يقولون شيئًا البتَّة. ما سمات هذا البلد على أي حال؟ إنهم جُدُد على تلك المنطقة، وقد أتَوا لتوِّهم من فيردور.

قال كلود إن له صديقًا من القوات الجوية هناك؛ فهل يتصادف أنهم يعرفون أي شيء عن فيكتور مورس؟

هل تقصد مورس الطيار البطل الأمريكي؟ ألم يسمع؟ عَجبًا، لقد ورد ذلك في صحف لندن. أُصيبَ مورس داخل خطوط الهمجيِّين الألمان منذ ثلاثة أسابيع. كانت مناورةً رائعة. طاردَته ثماني طائرات ألمانية؛ أسقط ثلاثةً منها وأجبَر البقيةَ على الفرار، ثم اتجه إلى القاعدة، لكن الطائرات عادت حينها ونالت منه. سقطت طائرته وقد اشتعلت فيها النيران، وقفز هو من ارتفاع ألف قدم أو أكثر.

سأل كلود: «إذَن فهو لم يحصل على إجازته قط، أليس كذلك؟»

لم يعرفوا بشأن ذلك. لقد حظيَ بإشادةٍ حسنة.

جلس الجنود في انتظار تحسُّن الطقس أو انقشاع الليل. غفا بعضُهم لكن كلود جفاه النوم. كان يُفكر في أمر شقَّة تشيلسي، ويتساءل عمَّا إذا كانت الجميلة الناعسة الطَّرْف لا تزال تشعر بالأسف أم إنها تعزف لحن «ورود بيكاردي» لغيره من الضباط الشباب. راودَته أفكارٌ حزينة بأنه لن يعود إلى لندن الآن مُطلَقًا. لقد كان يُعوِّل كثيرًا على لقاء فيكتور هناك ذات يوم بعد التخلُّص من القيصر تمامًا. كان يُحب فيكتور بحق. ثَمة شيءٌ مميز بشأن ذلك الفتى … كان أشبهَ بطفلٍ ماجن ذهب يطلب عدوَّه بين السحاب. أي عصر آخر كان يمكن أن يُنتج شخصية كتلك؟ تلك إحدى تَبِعات هذه الحرب؛ تأخذ فتًى صغيرًا من بلدةٍ صغيرة وتمنحه الخُيلاء؛ تمنحه حياةً كالأفلام، ثم تمنحه موتًا كالملائكة المُتمرِّدين.

رجل، كجيرهارت على سبيل المثال، عاش عمره في عالَمٍ وردي بشكل أو بآخر، لكنه بات ينتمي إلى هنا في الواقع. كيف له أن يعلم الهياكل الصلبة والأراضيَ التي اخترقتها قذائفُ المدافع الكبيرة على الجانب الآخر من البحر؟ من يُفهمه أنه أصبح بعيدًا عن مزرعة الفراولة والصندوق الزجاجي في المصرف وأصبح يُحلِّق في سماء فيردور؟

توقَّف المطر بحلول الثالثة. وانطلق كلود وهيكس مرةً أخرى وقد صَحِبهما أحدُ أعضاء فِرقة المِدفعية؛ إذ عاد ليحصل على المساعدة من أجل القاطرة. لما بدأ نور النهار في الظهور، زاد تعجُّب الأمريكيين من المظهر الشبابي الفائق لرفيقهما. عندما وقفوا عند حفرةٍ نتجت عن إحدى القذائف وغسَلوا الوحل عن وجوههم، خلع الفتى الإنجليزي خوذته ومسح البُقع التي خلَّفها الطقس، فظهرت على مُحيَّاه نضارةُ الشباب، وربما شيء من ملامح الأنوثة؛ إذ كان خدَّاه مُتورِّدَين بلون التفاح، ورموشُه طويلةً ناعمة، وانسدَلَت على جبينه خُصَل الشعر الأصفر المُجعَّد.

حين انطلقوا في طريقهم مرةً أخرى، سأل كلود بنبرةٍ أبوية: «لم تنضمَّ إلى الجيش منذ مدة طويلة، أليس كذلك؟»

«انضممتُ في السادسة عشرة. كنت في سلاح المشاة قبل أن آتيَ إلى هنا.»

أحبَّ الأمريكيَّان سماع حديثه؛ إذ كان يتحدث بسرعةٍ كبيرة وبصوتٍ عالٍ رنَّان.

«كيف استطعت تغيير سلاحك؟»

«حسنًا، كنتُ في إحدى كتائب الزملاء ومُنِينا بهزيمةٍ نَكراء. عندما خرجت من المستشفى فكَّرت في الانضمام إلى سلاحٍ آخر في الجيش بعدما رأيت أصدقائي وقد أخذهم الموت.»

قال هيكس بنبرته البطيئة: «وما كتائب الزُّملاء؟» كان يكره كلَّ المفردات الإنجليزية التي لا يفهمها، على الرغم من أنه لا يضجر على الإطلاق من الكلمات الفرنسية التي لا يفهمها.

قال الفتى بصوته الرنَّان: «رفاقٌ انضمُّوا إلى الجيش معًا من المدرسة.»

نظر هيكس إلى كلود. كلاهما يُفكر أنَّه ينبغي بهذا الفتى أن يقضيَ المزيد من الوقت في المدرسة، ويتخيَّلان هيئتَه في بداية الْتِحاقه بالخدمة.

سأل مُتعاطفًا: «وتقول إنكم هُزِمتم؟»

«نعم، على نهر سوم. كان حظُّنا سيئًا للغاية. أُرسلنا إلى هناك للاستيلاء على خندق، ولم نتمكَّن من ذلك. لم نَصِل حتى إلى السلك. كان الألمان الهمجيُّون على أُهبة الاستعداد في تلك المرة، ولم نستطع التغلُّب عليهم. ذهبنا في عِداد ألف جندي، ورجع منا سبعةَ عشر.»

«هل تقصد مائةً وسبعة عشر؟»

«كلا، سبعة عشر.»

أصدر هيكس صفيرًا، وتبادل النظرات مع كلود مرةً أخرى. لم يشكَّ أيٌّ منهما في كلامه. ثَمة شيءٌ مُزعِج للغاية في فكرة إرسال ألف فتًى نضر الوجه لم ينتهوا من دراستهم في مواجهة مع المَدافع. علَّق: «لا بد أنها كانت أوامرَ غبية. هل تظن أن خطأً قد حدث لدى القيادة؟»

«كلا، على الإطلاق، كانت القيادة تعلم حقيقة الأمر! كنا سنستولي على الخندق لو حالفَنا أيُّ شيء من الحظ. لكنَّ الألمان الهمجيين كانوا يُقاتلون بضراوةٍ شديدة. مَدافعهم فعلَت بنا الأفاعيل.»

سأله كلود: «هل أُصبتَ في تلك العملية؟»

«أُصيبت ساقي. كانت القذائف تندفع باتجاهي طوال الوقت، لكني انبطحتُ على بطني وتقهقرت. عندما خرجت من المستشفى، لم تكن ساقي قوية، والسير على القدمَين أقلُّ في سلاح المدفعية.»

«أظن أنك كنتَ قد سئمت.»

قال الفتى بصوته العالي الرنَّان: «حسنًا، لا يمكن للمرء أن يستمرَّ في مكان قُتِل فيه جميع أصحابه! سيَظلُّ يُفكر فيهم طَوال الوقت كما تعلم.»

وصل كلود وهيكس إلى مَقرِّ القيادة، بينما كان الطُّهاة يستعدُّون لإعداد الطعام. أخذَهما عرِّيفٌ إلى حمَّام الضباط، الذي كان عبارةً عن سَقيفة بها أحواضٌ كبيرة من القصدير، وحمل ملابسهما كي يُجفِّفها في المطبخ. قال العرِّيف إن الضباط سيأتون بعد ساعة، وسيكون قد تمكَّن هو في هذه الأثناء من تنظيف القمصان والجوارب لهما.

تحدَّث هيكس وهو يَفركُ جسدَه بفوطة حمَّام حقيقة: «اسمع أيها المُلازم، لا أريد سماع المزيد عن كتائب الزملاء تلك، ماذا عنك؟ إنها تُزعِجني. لو أننا اشتركنا فيها لكان من الممكن أن نحظى ببعض الأسبقية. أكرهُ أن أشعر بالضآلة.» قال كلود بنبرةٍ خشنة: «أعتقد أن علينا أن نتجرَّع دواءنا، لم يكن هناك أيُّ مَفر، أليس كذلك؟ كنت أشعر بهذا. فتًى لطيف. لا أعتقد أن الفِتية الأمريكيِّين يبدون على هذه الدرجة من حداثة السن أبدًا.»

تذمَّر الرقيب السمين: «عَجبًا، إذا قابلتُه في أي مكان آخر، فربما كنت ستخشى استخدامَ الكلمات البذيئة أمامه، إنه جميل جدًّا! ما الفائدة من إرسال ملجأ أيتام لكي يُقتَلوا؟ لا أرى فائدةً في ذلك. حسنًا، هذا شأنهم. لن أدعَ هذا الحديث يُفسِد عليَّ إفطاري. هل سنأكل اللحم المُبرَّد والبيض أيها المُلازم؟»

١٠

بعد الإفطار، ذهب كلود إلى مقر القيادة وتحدَّث مع رائد هناك. أخبره الرائد أن عليه الانتظار حتى الغد كي يرى العقيد جيمس الذي استُدعي إلى باريس لحضور مؤتمر عام. لقد سافر بسيارته في الساعة الرابعة من فجر ذلك اليوم استجابةً لرسالةٍ هاتفية.

قال الرائد: «لا يوجد الكثير من الأنشطة التي يمكن القيام بها هنا للتسلية. سيُعرَض فيلم الليلة، ويمكنك الحصول على ما تريد في الحانة الصغيرة؛ تلك الموجودة في الميدان مُقابل الدبَّابة الإنجليزية هي الأفضل. توجد فتاتان فرنسيتان جميلتان في ثُكنة الصليب الأحمر الكائنة على التل، في حديقة الدير القديمة. إنهما يُحاولان رعاية المدنيِّين ونحن على وِفاق معهما. إننا نُحضر المؤن الخاصة بهما مع مؤننا، وقد صدرت الأوامر لضابط التموين والإمدادات بمساعدتهما عندما تَنفَد مؤنهما. يمكنك أن تذهب وتزورهما. إنهما يتحدثان الإنجليزية بطلاقة.»

سأل كلود إن كان بإمكانه زيارتهما من دون أي نوع من التعريف.

«نعم، نعم، إنهما مُعتادتان علينا! لكني سأعطيك بطاقةً تُقدمها إلى الآنسة أوليف. إنها صديقة مُقرَّبة لي. ها هي البطاقة: «الآنسة أوليف دي كورسي، أقدِّم لكِ … إلى آخره.» وأنت تفهم الباقيَ»، وحينها رفع رأسه بسرعةٍ خاطفة ونظر إلى كلود من رأسه إلى قدمه، ثم قال: «إنها سيدةٌ جميلة.»

حتى مع بطاقة التعارف، شعَر كلود ببعض التردُّد بشأن تقديم نفسه لهاتَين السيدتين. ربما لا تُحبَّان الأمريكيِّين؛ وكان دائمًا ما يخشى لقاء فرنسيِّين لا يُحبُّون الأمريكيين. وقد عرَف أن العديد من رفاقه في الكتيبة يخشَون ذلك أيضًا؛ إذ كانوا يرتعبون من عدم حب الناس لهم. وفور أن كانوا يشعرون بأنهم غير محبوبين، يُهرَعون إلى أسوأ التصرفات كي يستحقُّوا ذلك الشعور بالكراهية؛ فلا يشعرون بأنهم قد خُدعوا؛ والخداع هو أسوأ شعور قد ينتاب جنديَّ المشاة الأمريكي!

رأى كلود أنه يستطيع التجول في المدينة بعض الوقت. لقد استولى عليها الجيشُ الألماني في خريف عام ١٩١٤ بعد تراجُعه في معركة المارن، وظلَّت تحت سيطرة الألمان حتى قبل عام تقريبًا حين استعادها الجيش الإنجليزي بالاستعانة بفِرق المُشاة الجبلية التابعة للجيش الفرنسي. تمكَّنوا من السيطرة على المدينة وإخراج الألمان منها، ولم يحدث ذلك إلا من خلالِ دكِّها بالمدفعية حتى لم يبقَ فيها مبنًى واحدٌ قائم.

كان كلود يُفكر وهو يسير بين الطُّرقات المُمتلئة بأكوام الطوب والجص أنَّ الخراب بالغٌ ولا يوجد سِواه. لم يكن في المشهد أيُّ جمال على غِرار صور الحرب التي كان المرء يراها في الوطن. كان يمكن لإعصار أو حريق أن يقوم بالمَهمَّة نفسِها. لم يكن المكان سوى كومةِ نُفايات ضخمة؛ محض صورة مُكبَّرة من أكوام القمامة التي تعيب ضواحيَ المدن الأمريكية. المناظر نفسُها تتكرَّر في جميع أنحاء المكان؛ أكوام من الطوب المحروق والحجارة المكسورة، وأكوام من الحديد الصدئ المُلتوي، وعوارض ودعامات مُتكسِّرة إلى شظايا، وبِرَك آسنة، وحُفَر أقبية ممتلئة بالمياه المُوحِلة. لقد خطا أحد الجنود الأمريكيِّين في إحدى هذه الحُفر قبل بضع ليالٍ وغَرِق فيها.

لقد كانت تلك المدينة ثريةً يسكنها ثمانيةَ عشر ألف نسمة، والآن يبلغ سُكانها من المدنيين نحو أربعمائة فحسب. ظل بعضهم صامدين في المدينة طَوال سنوات الاحتلال الألماني، وعاد البعض الآخر من الملاجئ التي لجَئوا إليها فور سماعهم بإجلاء العدو عن المدينة. كانوا يعيشون في الأقبية أو في ثُكناتٍ خشبية صغيرة مصنوعة من الأخشاب القديمة أو صناديق البضائع الأمريكية. وبينما كان يسيرُ قرأ كلود أسماءً وعناوين يعرفها مكتوبة على لوحاتٍ موضوعة على الجانبَين من تلك الملاجئ الهشَّة: «من إميري بيرد، شركة «ثير»، كنساس سيتي، ولاية ميزوري.» و«دانيلز آند فيشر، دنفر، كولورادو.» سرَّته هذه النقوش كثيرًا حتى إنه بدأ يشعر بالرغبة في الصعود وزيارة السيدتَين الفرنسيتَين.

سطعت الشمس حارَّةً بعد ثلاثة أيام من المطر. وصدرت عن المياه الراكدة والحشائش التي نمَت في الخنادق رائحةٌ كريهة. انتصرَت الزهور البرية في النمو فوق أكوام الخشب المُتعفِّن والحديد الصدئ؛ نمَت زهور القنطريون العنبري، وزهور الجزر البري، وزهور الخشخاش، بألوانها الزرقاء والبيضاء والحمراء، وكأنما خرجت ألوانُ العلم الفرنسي من التراب الفرنسي تلقائيًّا تتحدى ما فعله الألمانُ بها.

توقَّف كلود أمام كوخ صغير بُنِي على جدار من الطوب نِصفه مُتهدِّم. تدلَّى في المدخل قفصٌ ذهبي اللون، وبداخله طائرُ كناري يُغرِّد بصوتٍ عذب. وكان في الحديقة امرأةٌ عجوز عاكفة على العمل تلتقط قِطع الطوب والجص التي رسَّبها المطر، وتَحفِر بأصابعها حول رءوس الجزر الباهتة ورءوس الخس المرتبة. اقترب كلود منها ولمس خوذته على سبيل التحية، وسألها عن الطريق إلى الصليب الأحمر.

مسحت يدَيها في مئزرها وأخذته من مِرفقه. «هل تعرف الدبَّابة الإنجليزية؟ لا تعرفها؟ ماري، ماري!»

(عَلِم فيما بعدُ أن الجميع كان يُوجَّه لأخذ هذا الطريق أو ذاك؛ بدايةً من دبابةٍ بريطانية مُعطَّلة تُركت في موقعِ مبنى البلدية القديم.)

خرجَت فتاةٌ صغيرة من الثُّكنة، وأخبرتها جَدتها أن تذهب من فورها وتأخذ الأمريكيَّ إلى الصليب الأحمر. أمسكت ماري يدَ كلود، وتوجَّهَت به في أحد الطُّرق المُلتفَّة فيما بين أكوام القُمامة. وخرجت به عن الطريق كي تُريَه كنيسةً من الجليِّ أنها أحدُ الأنقاض التي يفتخرون بها كثيرًا، حيث السماء الزرقاء تسطع من بين الأقواس البيضاء. وقفت العذراء على الباب المركزي وذراعاها فارغتان؛ ودلَّت قدمًا صغيرة كانت تلتصق بردائها على المكان الذي نُسِف فيه تمثال يسوع الطفل.

شرحَت ماري بلغتها الفرنسية وقد بدا في نبرتها الرضا: «كُسِر تمثال الطفل، لكنه حمى تمثال والدته.» وبينما استمرَّا في طريقهما، أخبرت كلود أن لديها صديقًا جنديًّا من الجنود الأمريكيِّين. «إنه جيِّد ومرحٌ صديقي هذا»، لكنه يُكثِر من شرب الكحول في بعض الأحيان، وتلك عادةٌ سيئة. ربما اتَّعَظ صديقها «شارلي» الآن وأصبح أفضل بعدما خطَا رفيقه في قبوٍ ليلة الإثنين وهو مخمور وغَرِق فيه. كان من الواضح أن ماري طفلةٌ طيبة المَنبت. قالت إن والدها كان مُعلمًا في مدرسة. عند سفح التل الذي يقف عليه الدير، الْتفتَت وعادت إلى المنزل. نادى عليها كلود وحاوَل مُرتبِكًا أن يُعطيَها بعض المال، لكنها دفعت يدَيها خلف ظهرها وقالت مُصرَّةً: «كلا، شكرًا لك. لستُ بحاجة إلى أي شيء»، ثم جرَت في طريقها.

بينما كان يصعد إلى قمة التل، لاحَظ أن الأرض قد نُظِّفت بعض الشيء. كان الطريق خاليًا؛ إذ وُضِعت والطوب والحجارة المنحوتة في أكوامٍ مُرتَّبة، وقُلِّمت السِّياج المكسورة، وقُطعت منها الأجزاء الميتة. عندما وصل إلى الحديقة أخيرًا، وقف ساكنًا في دهشة؛ فعلى الرغم من أنها محضُ أنقاض بدَت جميلةً بعد ما رآه من اضطراب العالم القابع تحتها.

كانت ممرَّات الحصى نظيفةً ولامعة. ووقف جدارٌ من أشجار البقس القديمة نضرًا أمام صفٍّ من أشجار الحور الميتة. وعلى طول الجانب المُحطَّم من المبنى الرئيسي، كان ثَمة شجرةُ كُمَّثرى تتسلق على أسلاك كأشجار الكروم لا تزال مُزدهِرة، وتزخر بثمار الكُمَّثرى الحمراء الصغيرة. حول البئر الحجرية، كانت توجد قطعة أرض من الحشائش المُقلَّمة، وانتشرت في كل مكان أشجارٌ صغيرة وشُجيراتٌ كانت أقصرَ من أن تطولها القذائفُ أو النيران التي اشتعلت في أشجار الحور وأحرقَتها. لا بد أنَّ التل قد أُحيط بالنيران في مرحلةٍ ما واحترقت الأشجار الطويلة كلها.

كانت الثُّكنة مبنيَّة على جدران الدير، الذي لا تزال ثلاثةٌ من أقواسه قائمةً كأنها جَناح حجري يُظلِّل على السقيفة المصنوعة من ألواح الخشب. على سُلَّم خشبي، وقف شابٌّ بذراعٍ واحدة يدقُّ المسامير بمهارةٍ بالغة بتلك اليد الواحدة. بدا أنه يصنع إطارًا يمتدُّ من السقف المائل ليدعم به إحدى السقائف. كان يحمل المسامير في فمه. وحين يريد مسمارًا يُعلِّق المُطرقة في حزام سرواله ويُخرِج المسمار من بين أسنانه ويضعه على الخشب، ثم يطرق على رأس المسمار ببراعة. وقف كلود يُشاهده بُرهةً، ثم ذهب إلى قاعدة السُّلم وعرَض يدَيه الاثنين. صاح بالفرنسية: «اسمح لي.»

لفَظَ الواقفُ على السُّلم المساميرَ في راحة يده، ونظر إلى الأسفل وضحك. كان في مثل سن كلود تقريبًا؛ أشقر الشعر والشارب، وعيناه زرقاوان. شابٌّ جميل المُحيَّا.

قال: «تفضل. العمل ليس صعبًا، لكني أُسلِّي نفسي به، وسوف تُسَر به السيدتان.» نزل من على السلم وناوَل المِطرقة للزائر. شرَع كلود في العمل على الإطار، وذهب الآخر تحت الأقواس الحجرية، وأحضر لفةً من القماش يبدو من شكله أنه جزء من خيمةٍ قديمة.

شرح وهو يبسط القماش على العشب: «لقد تركَها الألمان. وجدتُها بين القذارة التي خلَّفوها في القبو، وخطرَ لي أن أصنع بها جَناحًا للسيدتَين بعدما احترقت الأشجار.» وقف فجأةً. «هل أتيت كي ترى السيدتَين؟»

«سأراهما لاحقًا.»

قال الفتى إنه يُستحسَن ذلك؛ إذ سيَنتهيان من الجناح ويُفاجئان به الآنسةَ أوليف عندما تعود. كانت في المدينة حينذاك تزور المرضى. انكفأ على القماش مرةً أخرى، وأخذ يقيس ويقطع باستخدام مِقصِّ حدائق بينما يتحرَّك حول البقعة الخضراء على ركبتَيه، ولا يبرح الغناء. تمنَّى كلود لو أنه كان يفهم الكلماتِ التي يُغنيها.

بينما كانا يعملان معًا، ويربطان القماش في الإطار، رأى كلود من موقعه المرتفع على السُّلم فتاةً طويلة تمشي رُويدًا على الطريق الذي أتى منه. توقَّفت قليلًا عند القمة بجوار سياج أشجار البقس، وكأن التعب تملَّك منها، ووقفت تنظر إليهما. اقتربت من السلَّم وقالت بلغةٍ إنجليزية بطيئة وحريصة: «صباح الخير. أرى أن لويس وجد من يُساعده.»

نزل كلود على السُّلم.

«هل أنت الآنسة دو كورسي؟ أنا كلود ويلر. معي بطاقة تَعارُف لك، أرجو أن أجدَها معي.»

أخذت البطاقة لكنها لم تنظر فيها. «هذا ليس ضروريًّا. الزيُّ الذي ترتديه كافٍ. لماذا أتيت؟»

نظر إليها في شيء من الحَيرة. وقال بصراحة: «حسنًا، لا أعرف تحديدًا! أتيت لتوِّي من الجبهة كي أرى العقيدَ جيمس لكنه في باريس؛ لذا عليَّ انتظاره يومًا كاملًا. واقترح أحد المُوظَّفين أن آتيَ إلى هنا، وأعتقد أن السبب هو أن المكان جميل للغاية!»

«إذَن، أنت ضيفٌ من على الجبهة، وستتناول الغداء معي أنا ولويس. السيدة بار غادرت هي أيضًا ولن تعود اليوم. هلا تتفضَّل برؤية منزلنا؟» توجَّهَت به من بابٍ مُنخفِض إلى غُرفة المَعيشة، وهي غُرفةٌ غير مَطليَّة وغير مفروشة بالسجاد، وتتَّسم بالإضاءة الجيدة والتهوية. كانت هناك مُلصَقاتُ حرب مُلوَّنة مُعلَّقة على الجدران الخشبية النظيفة، وأغلفة قذائف نحاسية مليئة بالزهور البرية وزهور الحديقة، وكراسي المعسكرات المصنوعة من القماش، ورف كتب، وطاولة مُغطَّاة بمفرشٍ حريري أبيض مُطرَّز بفراشاتٍ كبيرة. أشعة الشمس على الأرض، وباقة الزهور النضرة، والستائر البيضاء التي يُحركها النسيم، كل هذا ذكَّر كلود بشيءٍ ما، ولكنه لم يستطع تحديده.

قالت الآنسة دو كورسي: «ليس لدينا غُرفة للضيوف. لكنك ستأتي إلى غُرفتي، وسيُحضر لك لويس الماء الساخن كي تغتسل.»

في غُرفة من الخشب في نهاية الطرقة، خلَع كلود مِعطفه وشرع في ترتيب هندامه قَدْر المُستطاع. كان الماء الساخن والصابون المُعطَّر أشياءَ مُبهِجة في حد ذاتها. كانت مِنضدة التزيين عبارة عن صندوق بضائع قديم يرتكز مُنتصِبًا على أطوَل جانب منه، ومُغطًّى بقطعة قماش بيضاء. على منضدة التزيين، يوجد صفٌّ من أغراض الحمَّام المصنوعة من العاج، منها الأمشاط والفرش والمساحيق والعطر، وكذلك كومة من المناديل البيضاء المُنعشة من الكي. شعَر بأن عليه ألا يُطيل النظر في أرجاء الغُرفة، لكن أغْرَته رائحة النظافة والطابع الشخصي الغامض. في أحد الأركان، علقَت ستارة على قضيب لتصبح بمثابة خِزانة ملابس، وفي ركنٍ آخر سريرٌ حديدي مُنخفِض يُشبِه أسرَّة الجنود مُغطًّى بملاءة باللون الأزرق الفاتح ووسائد بيضاء. سارَ بحذر واغتسل دون إحداث صوت بالمياه. لم يكن بالغُرفة شيءٌ قد يتلف أو ينكسر ولا حتى سجادة على الأرضية العارية، وحتى الإبريق ووعاء الغسيل كانا من الحديد، لكنه شعَر مع ذلك أنه يُعرِّض شيئًا هشًّا للخطر.

عندما خرَج وجد المائدة الموضوعة في غُرفة المعيشة مُعَدَّة لثلاثة أفراد. لم تُعِرْه العجوز البدينة التي كانت تضع الأطباق أيَّ اهتمام، وبدا من تعبيراتها أنها تزدريه هو وجميع من على شاكلته. ابتعد عن طريقها أبعدَ مسافةٍ ممكنة، وأخذ من على الطاولة كتابًا من مُؤلَّفات هاينز رايسبلدر باللغة الألمانية.

قبل الغداء، أرَتْه الآنسة دو كورسي غُرفة المَخزن الخلفية التي تكدَّسَت على رفوفها صفوفٌ من عُلَب القهوة والحليب المُكثَّف واللحوم والخضروات المُعلَّبة، وكلها بأسماء تِجارية أمريكية يعرفها جيدًا؛ وقد بدَت هذه الأسماء مألوفةً له و«موثوقة» بدرجةٍ أكبر، هنا بعيدًا عن أرض الوطن. أخبرته أن الناس في البلدة لم يكونوا ليتمكَّنوا من اجتياز الشتاء دون هذه الأشياء. لقد اضطُرَّت إلى الاقتصاد في توزيعها حين كان الاحتياج إليها بالغًا، لكنها شكَّلت الفارق بين الحياة والموت. أما الآن وقد حلَّ الصيف، فقد صار الناس يَقتاتون على ما تُخرِجه حدائقهم، لكن النساء العجائز لم يَبْرحن المجيء لالتماس بضع أوقيات من القهوة، وتأتي الأمهات أيضًا للحصول على زجاجة حليب لأطفالهن.

أضاء وجهُ كلود من السرور. نعم، لبلده باعٌ طويل. نسيَ الناسُ ذلك، لكنه شعَر أنه وجد هنا شخصًا لم ينسَ. حين جلسوا على الغداء، عَلِم أن الآنسة دو كورسي والسيدة بار تسكنان هنا منذ عام تقريبًا؛ إذ رجَعا بعد استعادة البلدة بمدةٍ وجيزة عندما بدأ السكان القدامى ينزحون إليها مرةً أخرى. لم يُحضِر الناس معهم سوى ما يمكنهم حملُه بين ذراعَيهم.

قالت: «لا بد أنهم يُحبُّون بلدهم كثيرًا كي يعودوا إليها بالرغم من هذا الفقر الذي يتحمَّلونه، ألا تعتقد ذلك؟ حتى كبار السن لا يشتكون كثيرًا من افتقادهم للأشياء المُحبَّبة إلى قلوبهم مثل مفارشهم وأوعية الخزف الصيني وأسِرَّتهم. ما داموا يمتلكون الأرضَ ويَحْدوهم الأمل، فيمكنهم تعويض ذلك كلِّه مرةً أخرى. هذه الحرب قد علَّمَتنا جميعًا مدى هوان هذه الأشياء المصنوعة. لا شيء أهم من المشاعر.»

هذا بالضبط ما يراه؛ أفلا يُحاوِل قول هذا منذ ولادته؟ ألم يختبر ذلك بنفسه على الدوام وقد أضفى على حياته المرارة مثلما أضفى عليها العذوبة؟ ما أجمل صوتَها تلك الآنسة أوليف، وما أنبلَ تعامُلَه مع اللغة الإنجليزية. كان يرغب في أن يقول شيئًا، ولكن ما الذي يقوله في ذلك؟ ومن ثَم فقد ظل صامتًا، وجلس مُضطربًا يقطع رغيف الحرب الأسوَد القابع بجوار طبقه.

رآها تنظر إلى يده، وشعَر في ومضةٍ أنها تنظر إليها باستحسان؛ لذا وضعهما فورًا على ركبتَيه تحت المائدة.

أردفَت بنبرةِ حزن: «ما حدث لأشجارنا هو الأسوأ. ألم ترَ أشجارنا المسكينة؟ إنها تجعل المرء يشعر بالخجل لأجل هذه البقعة الجميلة من فرنسا. السكان آسِفون عليها أكثر من أسَفِهم على فقدان الماشية والخيول.»

تبادَر إلى ذهن كلود حين نظر إلى الآنسة دو كورسي أنها تبدو مُثقَلة بأعباء الرعاية والمسئولية. بدَت واهنةَ القُوى. كان جسمها نحيلًا وعيناها رماديتان، ولها شَعرٌ أسود وبشرةٌ بيضاء، وتتوهَّج شفتاها ووَجْنتاها، كأنما اشتعلت بلهب من الداخل. كانت كتفاها مُنكفِئتَين كأنَّ التعب لا يبرحها. لا بد أنها في عمر الشباب على الرغم من خصلات الشعر الرمادي التي انتشرت في رأسها، وقد مُشِطت ورُبِطت دون اهتمامٍ خلف رأسها.

بعد القهوة، انكبَّت الآنسة كورسي على العمل في مكتبها، وأخذ لويس كلود كي يُريَه الحديقة. كانت أعمال التنظيف والتقليم والزراعة من اختصاصه، وقد أدَّاها كلَّها بذراعٍ واحدة. سيَتمكَّن من إنجاز المزيد في هذا الخريف؛ لأنه صار الآن أقوى، واعتاد على العمل بيدٍ واحدة. لا بد أن يتمكَّن من قطع الأشجار الميتة لأنها تُحزِن الآنسة أوليف. كان يوجد أمام الثُّكنة أربعُ شجرات قديمة من أشجار السَّنْط قِممها كالشوكات العارية قد احترقت إلى حدِّ التفحُّم، لكن الأغصان السُّفلية كانت تُنبت حُزمًا سميكة من الأوراق باللونَين الأخضر والأصفر؛ كانت قويةً لدرجةٍ تُوحي بأن الحياة لا تزال تدبُّ في جذوعها. قال لويس إنه ينوي الاستعانة ببعض الشباب الأمريكيين في هذا الخريف؛ لمساعدته في قطع الأغصان الذابلة وتقليم القِمم لتُصبح مُستويةً فوق الجذوع السميكة. كان كلود يفكر في مدى الحب الجم الذي يُكِنُّه رجلٌ لبلده لدرجةِ أن يحب أشجارها وزهورها، ويرعاها حين تمرض، ويُداوي جراحها بذراعٍ واحدة. من بين الزهور التي نمَت مرةً أخرى من تلقاء نفسها أو من الجذور القديمة، وجد كلود مجموعة من النباتات الطويلة المُتشابكة التي تميل سيقانها إلى الحُمرة، ولها أزهارٌ بيضاء صغيرة تنتمي إلى فصيلة زهرة الربيع المسائية؛ زهرة الجورا التي كانت تنمو على الضفاف الطينية لنُهَير لافلي كريك في موطنه. لم يرَها بهذا الجمال من قبل، لكنه ابتهج حين وجدها هنا. لقد كان يظنُّ أنها من زهور البراري التي لا يُعرَف اسمها، وأنها لا تنمو في أي مكان آخر.

عندما عادا إلى الثُّكنة، وجَدا الآنسة أوليف جالسةً في أحد كراسي القماش التي وضعها لويس تحت الجناح الجديد.

صاح كلود وهو ينظر خلفه: «يا له من شخصٍ رائع!»

«لويس؟ نعم. إنه الجندي الحاجب لأخي. عندما كان إيميل يأتي في إجازة، كان يُحضر لويس معه، وأصبح لويس كأنه واحدٌ من العائلة. القذيفة التي قتلت أخي أخذَت معها ذراعه. ذهبتُ مع أمي كي نزوره في المستشفى، وبدا الفتى المسكينُ خجلًا من بقائه على قيد الحياة في حينِ مات أخي. وضع يده على وجهه، وبدأ في البكاء وقال: «آه يا سيدتي، لقد كان دائمًا أرقى مني!»»

على الرغم من أن الآنسة أوليف كانت تُجيد التحدثَ بالإنجليزية، رأى كلود أنها لم تكن تفعل ذلك إلا عند تركيز عقلها في الحديث. كانت الجُمل الصعبة التي تلفَّظت بها غريبةً على طبيعتها؛ فسبقت تعبيراتُ وجهها وعينَيها ما جرى على لسانها، وجعلت المستمعَ ينتظر العبارات التاليةَ بتلهُّف. جلس على كرسي من القماش المُرتخي، وراح وهو شارد الذهن يلوي غُصنًا قطَفه من زهرة الجورا.

نظرت إليه وقالت: «هل عثرت على زهرة؟»

«نعم، إنها تنمو في وطني، في مزرعة والدي.»

أفلتَت القميصَ الباهت الذي كانت تَخيطه. قالت: «أجل، هلَّا أخبرتني عن وطنك! تحدَّثتُ إلى الكثيرين منكم، لكن يصعب عليَّ الفهم. نعم، أخبرني عن وطنك!»

نبراسكا؛ كيف هي؟ كم يومًا يستغرقه الوصول إليها بحرًا؟ وما مَعالمها؟ بينما حاوَل هو الوصف، استمعت إليه وقد أغمضَت عينَيها قليلًا. «مُسطَّحات مُغطَّاة بأنهار مليئة بالوحل والحصى. أعتقد أنها تُشبه روسيا. لكن مزرعة والدك، صِفْها لي وصفًا دقيقًا، وربما أتمكَّن حينها من تخيُّل البقية.»

أخذ كلود عصًا ورسم مُربَّعًا على الرمال، وبدأ يشرح؛ أولًا في هذا المكان يوجد المنزل والمزرعة، وفي تلك الزاوية المرعى الكبير الذي يمرُّ عبره نهير لافلي كريك، وفي هذا الجانب حقول القمح وحقول الذُّرة، وأرض الغابة المملوكة للعائلة، ثم المزيد من القمح والذرة، والمزيد من المراعي. رُسمت كل المعالم فوق الرمال الصفراء، وانسدلَت عليها الظلال من أشجار السَّنط نصف المُتفحِّمة. لم يكن ليَظنَّ يومًا أنه سيُخبر غريبًا عن تلك المزرعة بتلك التفاصيل. لا شك أن السبب يعود جزئيًّا إلى المُستمعة؛ فقد منَحَته تعاطفًا استثنائيًّا واتِّقادًا ذهنيًّا غيرَ عادي. عندما انكفأتْ على الخريطة وأخذت تسأله، تجمَّع ندًى خفيفٌ من العَرق على شفتها العليا، وتسارعت أنفاسها جرَّاءَ جهدها في رؤية كل شيء وفهمه. أخبرها عن والدته ووالده وعن ماهيلي؛ أخبرها عن معالم الحياة في الصيف والشتاء والخريف، وعن ذلك الصيف المشئوم حين كان الألمان الهمجيُّون يتحرَّكون دائمًا تجاه باريس، وعن تلك الأيام الثلاثة التي صمد فيها الفرنسيون في معركة المارن، وأخبرها أيضًا عن انتظار والدته ووالده كي يأتيَ لهما بالأخبار ليلًا، وكيف أنَّ حقول الذرة نفسها كانت تبدو مُترقِّبة.

غاصت الآنسة أوليف في كرسيها مرةً أخرى وقد بدا عليها التعب. نظر كلود إليها ورأى دموعًا تتلألأ في عينَيها اللامعتين. تمتمَت: «أنا نفسي لم أعلم عن معركة المارن إلا بعد مرور عدة أيام عليها، على الرغم من أن أخي ووالدي شارَكا فيها! كنتُ بعيدة في بريتاني، وتوقَّفت القطارات عن العمل. فكم هو رائع أنك هنا وتُخبرني بتلك الأخبار! نحن، نحن تعلَّمنا منذ طفولتنا أن الألمان سيأتون ذات يوم، وكَبِرنا ونحن نعيش في ظل هذا التهديد. لكنك كنت تعيش في أمانٍ وسط حقول القمح والذرة. لم يكن لشيءٍ أن يُمسِك، لا شيء على الإطلاق!»

خفض كلود عينَيه. تمتم والخجلُ يعتلي وجهه: «نعم، كان للخزي أن يَمسَّني. وقد كاد أن يفعل. لقد تأخَّرنا كثيرًا.» نهض من كرسيه وكأنه سيُحضِر شيئًا. ولكن من أين سيأتي به؟ هزَّ رأسه. قال بنبرةٍ حزينة: «يؤسفني أني لا أجد كلماتٍ أستطيع قولها كي تفهمي كم أنَّ الأمر بدا بعيدًا للغاية، وكم أنه بدا حُلمًا. لم يبدُ بعيدًا من حيث الأميالُ فحسب، بل بعيدًا لقرون أيضًا.»

«لكنَّكم تأتون بالفعل، أتى العديد منكم، ومن مكانٍ بعيد! إنها المعجزة الأخيرة في هذه الحرب. كنت في باريس في الرابع من يوليو عندما تقدَّمَت قوات البحرية الأمريكية من «بيلو وود» بمناسبة يومكم الوطني، وقلت لنفسي وهم آتون «هؤلاء رجالٌ ذَوو روح جديدة!» رأيت رءوسهم الدقيقةَ من خلف آذانهم. ورأيتُ فيهم الانضباط والعزم. سُرَّ الفرنسيون وكانوا يُنادون عليهم ويرمونهم بالزهور، لكنهم لم يلتفتوا قطُّ كي ينظروا، بل ظلَّت عيونهم مُثبَّتةً أمامهم. مرُّوا كأنهم رجالٌ أرسلهم القدَر.» بسطَت ذراعَيها بحركةٍ سريعة وأنزلتها في حجرها. بدَت مشاعرُ ذلك اليوم على وجهها. وعندما نظر كلود إلى وجنتَيها وعينَيها المُتوقِّدتَين، أدرك أن ضغوط تلك الحرب قد منحتها بصيرةً هي أشبهُ بهدية النبوءة.

ظهرت امرأةٌ إلى التل وهي تحمل بين يدَيها رضيعًا. ذهبت الآنسة دو كورسي كي تُقابلها وتأخذها إلى المنزل. جلس كلود مرةً أخرى وقد غمره الشعور بأنه أصبح مفهومًا تمامًا ولم يَعُدْ غريبًا. وعلى مسافةٍ بعيدة، كانت أصواتُ المدافع الكبيرة تُدوِّي على فترات. كان لويس جالسًا في الحديقة ويُغني. وتمنَّى مرةً أخرى لو أنه يعلم الكلمات التي يُغنيها لويس. كانت الألحان حزينة، لكنه غنَّاها بصوت في غاية العذوبة. كان صوت الفتى يختلج بالصدق والدفء، ووجهه الأشقر يُفصح عن شيء أيضًا. صوته رقيق على نحوٍ مميز مثل حقول القمح الصيفية؛ ناضجة تهتزُّ مع النسيم. جلس كلود وحيدًا لنصف ساعة أو يزيد، وتذوَّق نوعًا جديدًا من السعادة، ونوعًا جديدًا من الحزن أيضًا. رأى أن الحياة تجمع بين الخراب والميلاد الجديد، وتجمع ارتعاد الأمور القبيحة في الماضي والصور المُهتزَّة لأمورٍ جميلة تلوح في الأفق، وتجمع بين الإيجاد والفقد.

عندما عادت مُضيفته، نقَل كرسيَّها بعيدًا عن أشعة الشمس التي زحفت عليه. وبينما هي تجلس قال ببساطة: «لم أكُن أعرف أنه توجد أيُّ فتَيات فرنسيات مثلك.»

ابتسمت. وقالت: «لا أعتقد أنه لا يزال هناك أيُّ فتيات فرنسيات. يوجد أطفال ونساء. كنت في الحادية والعشرين عندما اندلعَت الحرب، ولم أكُن قد ذهبتُ إلى أي مكان قطُّ من دون أمي أو أخي أو أختي. وفي غضون سنة، جُبْت كلَّ أنحاء فرنسا بمفردي؛ أحيانًا مع جنود، وأحيانًا مع سنغاليِّين، أو مع أي أحد. تغيَّر كل شيء في حياتنا.» أخبرته أنها كانت تعيش في مدينة فرساي حيث كان والدها يعمل مُعلمًا في المدرسة العسكرية. مات والدها مع اندلاع الحرب. وقُتِل جدها في حرب عام ١٨٧٠. كانت تنتمي إلى عائلة من الجنود، لكن أحدًا من رجالها لم يعش حتى يرى يوم النصر.

بدا عليها الإرهاقُ الشديد حتى إن كلود أدرك أنه لا يحقُّ له البقاء. كانت الظلال الطويلة تنسدل على الحديقة. وكان من الصعب عليه أن يُغادِر، لكنَّ ساعةً أو قَرابتها لن تُهمَّ كثيرًا. وقد خطرَ له أنه لا يمكن لشخصَين أن يمنح أحدُهما الآخرَ ما هو أكثرُ من ذلك، وإن كانا معًا لسنوات.

قال وهو ينهض: «هلا أخبرتِني عن مكانٍ يمكن أن آتيَ وأزورَكِ فيه إذا نجا كِلانا من تلك الحرب؟»

كتب العنوان في دفتره.

قالت وهي تمدُّ له يدها: «سأنتظرك.»

لم يجد بُدًّا من أن يأخذ خوذته ويذهب. على حافة التل وقبل أن ينطلق في طريق العودة، توقَّف ونظر خلفه على الحديقة التي تكتنفها أشعة الشمس، وعلى الأقواس الحجرية الثلاثة، وعلى زهور الداليا والقطيفة، وعلى السياج الشجري اللامع. كان قد ترك على قمة التل شيئًا لن يعثر عليه مرةً أخرى مُطلَقًا.

في اليوم التالي بعد الظهيرة، انطلق كلود والرقيب إلى الجبهة. أخبروه في مركز القيادة أنهما يستطيعان اختصارَ الطريق بأخذ الطريق الكبير إلى المقبرة العسكرية ثم الانعطافِ يسارًا. ولمَّا كان من غير المُحبَّذ السيرُ في النصف الآخر من الطريق قبل حلول الليل، فقد تمهَّلا في السير عبر حزام حقول المحاصيل المُتناثرة وحقول القش.

عندما سلكا الطريق، وجدا رجلًا ضخمًا من سكان المرتفعات الاسكتلندية يجلس على طرف عربة إمدادات فارغة ويُدخِّن الغليون، بينما يفرك الطين الجافَّ من على تنانيره. كانت الخيول تمضغ الطعام في الأكياس المُعلَّقة في رقابها، وكان السائق قد اختفى. لم يُقابل الأمريكيَّان أيًّا من سكان المرتفعات الاسكتلندية قبل ذلك، وقد انتابهما الفضول. كانا يعتقدان أن هذا الرجل مُقاتِلٌ جيد لا محالة؛ رجل ضخم مفتول العضلات وبارز الفكَّين، ووجهه أحمر وبارز كرُكبتَيه. صَعِد هيكس إلى الرجل، وسأله إن كان قد رأى مقبرةً عسكرية على طريق العودة أم لا، والحقُّ أن ذَهابه بدافع الإعجاب بمظهر الرجل كان أكبر من ذَهابه لحاجته إلى المعلومات. أومأ الاسكتلندي بالإيجاب.

«كم تبعد تقريبًا على طريق العودة؟»

أجاب باقتضاب وهو يفرك تنُّورته كأنه يفركها في حوض غسيل: «لا أعرف. لا أهتم بعدِّ الكيلومترات.»

«حسنًا، ما المدة التي يستغرقُها السير إلى هناك؟»

«لا أعلم. يقطعها الاسكتلندي في ساعة.»

سأل هيكس بوجهٍ بَشوش: «أظن أن الأمريكيَّ يقطعها بالسرعة نفسِها التي يقطعها بها الاسكتلندي، ألا تظن ذلك؟»

«لا أدري. لقد استغرقتَ أربع سنوات حتى وصلت إلى هنا، أعلم ذلك جيدًا.»

طرف هيكس بعينه كأنه ضُرِب بشيء. «حسنًا، إن كانت تلك طريقتك في الحديث …»

قال الآخر بحدَّة: «تلك هي طريقتي في الحديث.»

أشار كلود بيده مُحذِّرًا: «هيا يا هيكس. لن تجنيَ شيئًا من هذا.» سلَكَا الطريق وهما في حالة من الاضطراب الكبير. ظل هيكس يُفكر في أشياءَ كان يُمكن أن يقولها. حين كان الرقيب يغضب، كان جبينه ينتفخ ويتحوَّل إلى اللون الأحمر الداكن كجبينِ طفلٍ صغير. قال بانفعال: «لماذا أوقفتني؟»

«لا أدري ما كان يمكن أن ينتهيَ إليه هذا النقاش، ولم يكن لك أن تتغلب عليه بالتأكيد.»

انعطَفَا جانبًا عند المقبرة وانتظَرا غروبَ الشمس. لم يكن ثَمة سياجٌ حول المقبرة، ولم تكن أرضها مُخضرَّة بالعُشب، وكان طريق العربات يمرُّ في منتصفها يقسمها إلى نصفَين. قبعَت المقابر الفرنسية في جانب وعليها الصُّلبان البيضاء، وقبعت المقابر الألمانية على الجانب الآخر وعليها الصُّلبان السوداء. وانتشرت زهور الخشخاش وزهور الذرة فيما بينها. تمشَّى الأمريكيان في المنطقة، وأخذا يقرآن الأسماء. وجدا صور بعض الجنود مُثبَّتة هنا وهناك فوق صليب المقبرة قد تركها أحد الرفاق تخليدًا لذكراه مدةً أطوَل قليلًا.

بدأت الطيور، التي دائمًا ما تنتعش في وقتَي الغسَق والفَجر، تُغرِّد عائدةً إلى أعشاشها من مكانٍ ما. جلس كلود وهيكس بين المرتفعات وشرَعا في التدخين بينما تغرب الشمس. كانت صفوفٌ من الأشجار الميتة تُحدِّد جهة الغرب المُحمرَّة بالشفق. كان ذلك الجزء من البلدة مُخيفًا حتى للأولاد الذين نشَئوا في البراري. دخَّنا السجائر في صمت وظلَّا يتأمَّلان وهما ينتظران المساء. على صليب عند قدمَيهما، لم يذكر النقش المكتوب عليه بالفرنسية إلا: «جندي مجهول مات في سبيل فرنسا».

استحسَن كلود هذه المرثيَّة المكتوبة على القبر. فمعظم الفِتية الذين ماتوا في هذه الحرب كانوا مجهولين حتى لأنفُسهم. كانوا شبابًا صغارًا. ماتوا وأخذوا أسرارهم معهم؛ دُفِن معهم ما كانوا عليه في الماضي وما كان يمكن أن يُصبحوا عليه في المستقبل. أما الاسم الذي صمد فهو «فرنسا». ما مدى الأهمية التي صار هذا الاسم يُمثلها له منذ أن رأى للمرة الأولى جانبًا من الأرض يزداد وضوحًا في وقت الفَجر من على متن السفينة أنخيسيس. إنه اسمٌ جميل لأن يُردِّده المرء في عقله؛ إذ يستطيع إبراز المخارج الأنفية كما يحلو له دون خجل.

كان هيكس أيضًا غارقًا بين أفكاره. وفي النهاية كسَر حاجز الصمت وقال: «بشكل أو بآخَر أيها المُلازم، يبدو لي أنَّ المُرادف الفرنسيَّ لكلمة ميت mort أكثر تعبيرًا عن الموت من نظيره الإنجليزي dead. صوتها يُذكِّرني بالنعش. وها هو نظيرهما الألماني tod يُشير إلى الشيء اللعين ذاته. انظر إلى المقابر وقد اصطفَّت بالأبيض والأسود مثل رقعة الشَّطْرنج. السؤال التالي هو: من السبب في موتهم وما الجدوى من ذلك؟»

تمتم الآخَرُ شاردَ الذهن: «لا أدري.»

لفَّ هيكس سيجارةً أخرى وجلس يُدخنها، تجعَّد وجهه المُمتلئ من خطورة الأفكار التي تختلج في عقله وتُضنيه. في النهاية قال: «حسنًا، الأفضل أن نسير على أقدامنا. سيَستمرُّ هذا الشفق ساعة، هذا ما يحدث دومًا هنا.»

«معك حق.» نهضَا للمسير. كانت الصُّلبان البيضاء قد تحوَّلَت الآن إلى اللون البنَفسَجي، وذابت الصُّلبان السوداء كلها تحت الظلام. خلف الأشجار الميتة في الغرب، كانت مسحةٌ طويلة من الشفق الأحمر لا تزال مُتوهِّجة. وإلى الشمال، كانت المَدافع تُدوِّي كالرعد. «ثَمة شخصٌ يتعرَّض إلى الهجوم هناك. أيصيح البومُ دائمًا في المقابر؟»

قال هيكس: «هذا ما كنت أفكر فيه بالضبط أيها المُلازم. لكنها بقعةٌ هادئة فيما عدا ذلك.» وأردف بلطف وهما يُغادِران المقابر: «تُصبحون على خيرٍ أيها الفِتيان.»

سُرعانَ ما وجَدا طريقهما بين الحُفر التي أحدثَتها القذائف، وحين شرَعا في القفز من فوق قِمم الخنادق في الظلام، بدآ يشعران بالبهجة لأنهما عائدان إلى أصحابهما وإلى مجموعتهما الصغيرة. انطلق هيكس وأخبر كلود كيف أنه خطَّط هو وديل آبل للتشارك في عملٍ تِجاري عندما يعودان إلى وطنَيهما؛ إذ ينويان افتتاحَ مرآب وورشة لإصلاح السيارات. وتحتَ ثنايا الحديث، علقَت تلك البقعة الوحيدة والأسطورية في ذهنَيهما: جندي مجهول مات في سبيل فرنسا.

١١

بعد الاستراحة لأربعة أيام في خطوط المؤخرة، عادت الكتيبة إلى الجبهة مُجدَّدًا في بلدةٍ جديدة تبعد نحو عشرة كيلومترات شرقيَّ الخندق الذي حرَّروه من قبل. في صباح أحد الأيام، أرسل العقيد سكوت إلى كلود وجيرهارت وبسط خرائطه على الطاولة.

«سنُخرجهم الليلة من المنطقة «إف ٦»، وسنُرتِّب صفوفنا. ما يُزعجنا هو وقوع هذه القرية الصغيرة على التل، حيث تتَّخذ مدافع العدو الرشَّاشة موقعًا قويًّا. أريد أن أُخرجهم منها قبل أن تذهب الكتيبة إلى هناك. لا يمكننا التضحية بعددٍ كبير من الجنود، ولا أحبُّ أن أرسل من الضباط أكثرَ مما أُضطرُّ إليه؛ إذ لا يمكن تقليصُ عدد الكتيبة في العملية الأساسية. فهل تظنَّان أيها الفتَيان أن باستطاعتكما تنفيذَ هذه المَهمَّة بمائة جندي؟ المهم أنَّ عليكما الذَّهابَ والعودة قبل أن تبدأ مدفعيتنا القصف في الساعة الثالثة.»

تحت التل حيث تقبع القرية، يوجد وادٍ صغيرٌ عميق يمتدُّ منه مجرًى مائي مُلتوٍ ينتهي على جانب التل. بتسلُّق هذا المجرى المائي، سيتمكَّن المُهاجِمون من الوصول إلى رُماة المدافع الرشَّاشة من الخلف، وأخذهم على حين غِرَّة. لكن سيَتوجَّب عليهم أولًا عبور المنطقة المفتوحة التي يبلغ عرضُها كيلومترًا ونصفًا، وتقع بين الجبهة الأمريكية والوادي، من دون لفتِ الانتباه. كانت تُمطِر آنذاك، وكان بوُسعهم الاعتماد على ظلام الليل.

حلَّ الليل بالعتمة. وعبَرت السَّرية المنطقة المفتوحة من دون التسبُّب في إطلاق النار، وتسلَّلَت إلى الوادي في انتظار ساعة الهجوم؛ كان طبيبٌ شابٌّ من بنسلفانيا حديثُ الانضمام إلى الفِرقة قد تطوَّع بالذَّهاب معهم، وأقام مركز إسعاف ميدانيًّا عند سفح الوادي حيث تُركت النقَّالات. كانوا سيأخذون جرحاهم في طريق العودة. فكل ما سيبقى في تلك المنطقة سيَتعرَّض لنيران المدفعية لاحقًا.

في الساعة العاشرة، بدأ الرجال في تسلُّق الممر المائي زاحفين بين البِرَك والشلَّالات الصغيرة؛ فصدَر عن اجتيازهم المياه صوتٌ مستمرٌّ يُشبِه صوتَ الخنازير عند احتكاكها بجدران الحظيرة. كان كلود على رأس الصف يخرج لتوِّه من الوادي الواقع على جانب التل أعلى القرية حين اندلع وهجٌ وانطلق وابلٌ من النيران من فوق أجَمة أعلى المجرى المائي على جانب التل؛ إذ انطلقت المدافع الرشَّاشة على الطابور الزاحف بالأسفل. تلقَّى الألمان إنذاراتٍ بأن الأمريكيِّين يعبرون السهل، وتوقَّعوا طريق وصولهم. حُوصِر الرجال في الوادي؛ لم يتمكَّنوا من الرد على الهجوم، وانهال رَصاص مدافع ماكسيماس الألمانية على الصخور من حولهم كالسَّيل. جرى جيرهارت على طول حافَة الصف، وراح يحثُّ الرجال على عدم التراجع أو العودة، بل على الخروج من الوادي عند أسفل التل والتفرق بعد ذلك.

بدأ كلود ومجموعته في استجماع أنفُسهم مُجدَّدًا. «فلنختبئ في الأجَمة وننَلْ منهم! رجالنا مُكبَّلون أسفل الوادي. سنستخدم القنابل اليدوية حتى تنفَد، ثم نستخدم الحِراب. اسحبوا سدَّادةَ الأمان ولا تُبقوها في أيديكم مدةً طويلة.»

هُرِع الرجال بالفعل يقصفون الأجمة. تعرف المدفعيةُ الألمانية كلَّ شبر على التل، وعندما بدأت القنابلُ تنفجر بينهم، اختبَئوا خلف المقطورات والجحور. ظلَّ كلود يُنادي: «لا تتبعوهم إلى الصخور. تقدَّموا إلى الأمام مباشرة! أخلُوا الطريق تمامًا في الوادي.»

احتمى رجالُ المدفعية الألمان، فتوقَّف وابلُ النيران في الوادي، وتدفَّق صفُّ الرجال المُحاصَر في الممر المنحدر خلف جيرهارت.

وجد كلود وفِرقته أنفُسهم عند سفح التل مرةً أخرى، على حافة الوادي الذي بدَءوا من عنده. عرَفوا من كثافة النيران على التل أن بقية الرجال قد عبروا. كان أسرعُ طريق للعودة إلى مسرح الأحداث هو الممرَّ المائيَّ ذاتَه الذي صَعِدوه من قبل. نزلوا فيه وبدَءوا الصعود. شعَر كلود الذي كان في المؤخرة بأنَّ الأرض ترتفع من تحته، وجرفَه كومٌ من التربة والصخور إلى الوادي.

لم يعرف قطُّ إن كان قد فقدَ وعيه أم لا. بدا له أنه ظلَّ يشعر بأحاسيسَ مُتواصلة. في البداية، شعَر بأنه تمزَّق إلى أشلاء، ثم شعَر بأن جسمه قد انتفخ إلى حجمٍ ضخم للغاية تحت وطأة ضغط لا يُحتمَل، ثم انفجر. بعد ذلك شعَر بأنه ينكمش ويرتعش، كجسدٍ عضَّه الصقيع قد بدأ في الذوبان. شعَر بالانتفاخ مرةً أخرى ثم الانفجار. تكرَّرت هذه الأحاسيس، لكنه لم يعرف عددَ مرَّات تَكرارها. بعد مدةٍ وجيزة، أدرك أنه ينام تحت وزن هائل من التراب؛ كان جسده هو المغطَّى وليس رأسه. شعَر بالمطر يتساقط على وجهه. كانت يده اليسرى تتحرَّك بحُرية ولا تزال في ذراعه. حرَّكها بحذر إلى وجهه. بدا أنه كان ينزف من أنفه وأُذنَيه. حينها بات يتساءل عن المكان الذي أُصيبَ فيه؛ أحسَّ أن جسده مليءٌ بشظايا المدافع. كان التراب يُغطي جسده بالكامل فيما عدا رأسه وكتفه اليُسرى. سمع صوتًا ينادي من مكان بالأسفل.

«ألا يزال أحدٌ على قيد الحياة أيها الفتيان؟»

أغمض كلود عينَيه لئلا يدخلها المطرُ الذي يضرب في وجهه. سمع الصوتَ مرةً أخرى بنبرة تنمُّ عن صبرٍ مدفوع باليأس.

«إن بقي أحدٌ على قيد الحياة في تلك الحفرة، فهلَّا تحدَّث بصوتٍ عالٍ؟ فأنا نفسي أُعاني إصاباتٍ خطيرة.»

لا بد أنه الطبيب الجديد؛ ألم يقم مركز الإسعاف الميداني في مكانٍ قريب من هنا؟ قال إنه جريح. حاوَل كلود أن يُحرِّك ساقَيه قليلًا. إذا استطاع أن يخرج من تحت الرماد، فربما يستطيع التَّماسك مدةً كافية حتى يصل إلى الطبيب. بدأ يتلوَّى ويسحب نفسه. الْتصقَت به الأرض المُبتلَّة، وكانت محاولةً مؤلمة. استند إلى مرفقَيه، ولكنه ظل ينزلق إلى مكانه.

قال الصوت الحزين بالأسفل: «أنا الوحيد المتبقِّي إذَن؟»

أخرج كلود نفسه من الجحر أخيرًا، لكنه لم يقوَ على الوقوف. في كل مرة كان يُحاول الوقوف تخور قُواه، ويُهيَّأ له أنه سينفجر مرةً أخرى. أُصيبَ كاحلُه الأيمن أيضًا؛ إذ لم يكُن يتحمَّل وزنه عليه. ربما كان على مسافةٍ قريبة للغاية من القذيفة التي ضُربت؛ إذ سمع الفتيان يتحدثون عن حالاتٍ كتِلك. انفجرت القذيفة تحت قدمِه وجرفَته إلى الوادي، لكنها لم تترك أيَّ معادن في جسده. لو كانت تركت أجزاءً منها في جسده، لأصبح ذلك كثيرًا للغاية لدرجةٍ تمنعه من الجلوس في هذا المكان والتكهُّن. بدأ يحبو وينزل المنحدر على يدَيه وقدمَيه. «هل أنت الطبيب؟ أين أنت؟»

«هنا على إحدى النقَّالات. أطلقوا علينا القذائف. مَن أنت؟ لقد نجا إخوانُنا، أليس كذلك؟»

«أظن أن معظمهم نجا. ما الذي حدث هنا؟»

قال الصوت بنبرةٍ حزينة: «يؤسفني أنني كنتُ السبب. استخدمت مِصباحي اليدوي، ولا بد أنه نبَّههم إلى مكاننا. لقد ضرَبوا ثلاث قذائف أو أربعًا فوق رءوسنا. وظل الأفراد الذين أُصيبوا في الوادي ينسلُّون إلى هنا، ولم أستطع فعل شيء في الظلام. اضطُرِرت إلى إشعال الضوء لفِعل أي شيء. وما كدتُ أنتهي من وضع جبيرة حتى رميت القذيفة الأولى. أعتقد أن جميعهم قد قُتِلوا.»

«كم كان عددهم؟»

«أربعةَ عشر على ما أعتقد. لم يتعرض البعض لإصاباتٍ خطيرة. كانوا سيَظلون جميعًا على قيد الحياة لو أنني لم أخرج معكم.»

«من كانوا؟ لكنك لا تعرف أسماءنا حتى الآن، أليس كذلك؟ ألم ترَ المُلازم جيرهارت بينهم؟»

«لا أظن.»

«ولا الرقيب هيكس، الشخص السمين؟»

«لا أظن.»

«أين أُصبت؟»

تمتمَ الطبيب: «في بطني. لا أستطيع تحديد أي شيء دون أن أرى. فقدتُ مصباحي اليدوي. لم يَخطُر ببالي قطُّ أنه قد يُسبِّب المتاعب؛ فأنا أستخدمه في المنزل عندما يمرض الأطفال.»

حاوَل كلود أن يُشعِل عودَ ثقاب، لكن من دون جدوى. «انتظِر دقيقة، أين خوذتك؟» خلع خوذته المَعدِنية وأمسكها فوق الطبيب، وتمكَّن من إشعال عود الثقاب تحتها. كان الرجل الجريح قد فكَّ سرواله بالفعل، وبدأ يرفع الآن قميصه المُلطَّخ بالدم. وفخذه وبطنه مُمزَّقان من الجانب الأيسر. كان الجرح والنقَّالة التي يستلقي عليها، يحملان كتلةً من الدم الداكن المُتخثِّر شبيهةً بكبد بقرة كبيرة.

قال الطبيب لما انطفأ عود الثقاب: «أعتقد أنَّ أمري قد انتهى.»

أشعل كلود عودًا آخَر. «كلا، هذا غير معقول! سيعود الرفاق قريبًا، وسنتمكَّن من القيام بشيء لأجلك.»

«لا فائدة أيها المُلازم. أيمكنك أن تخلع مِعطفًا عن أحد هؤلاء الرفاق المساكين؟ أشعُر ببردٍ قارس في أمعائي. كان معي زجاجة من البراندي الفرنسي، لكني أعتقد أنها تحت التراب.»

خلع كلود مِعطفه الذي كان دافئًا من الداخل، وبدأ يتحسَّس الطينَ بحثًا عن زجاجة البراندي. تساءل في نفسه عمَّا يمنع هذا الرجلَ البائس من الصراخ من الألم. توقَّف رميُ القذائف على التل فيما عدا أحد مدافع ماكسيماس كانت نيرانه تنزل على الصخور في مكانٍ ما. دقَّت ساعته الثانية عشرة وعشر دقائق؛ أتُرى فشِلت العملية هناك؟

فجأةً جاءت أصوات من الأعلى، وسمع قَرْع نعال على الصخر الطيني. بدأ يُنادي عليهم.

أجاب صوت: «أنا آتٍ، أنا آتٍ!» وقد عرَفه. ركض جيرهارت إلى الوادي مع بنادقه ومجموعة من الأسرى. نادى عليهم كلود أن يتوخَّوا الحذر. «لا تُشعلوا أي ضوء! لقد كانوا يقصفون هنا.»

«هل أنت بخير يا ويلر؟ أين الجرحى؟»

«لم يتبقَّ أحدٌ غيري والطبيب. أخرِجْنا من هنا بسرعة. أنا بخير لكني لا أستطيع المشي.»

وضعوا كلود على نقَّالة وأرسلوه أولًا. حمله أربعة ألمان ضخام كان هيكس وديل آبل ينخسانهم حتى أسرعوا إلى درجة الوثب. أخذ أربعةٌ من رجالهم الطبيبَ وسار جيرهارت بجانبهم. على الرغم من حذرهم، فقد تسبَّبت الحركة في النزيف مرةً أخرى، وتمزَّقت كُتَل الدم التي تكوَّنت فوق الجروح. بدأ يتقيَّأ دمًا ويختنق. وضع الرجال النقَّالة على الأرض. رفع جيرهارت رأسَ الطبيب. وسُرعانَ ما قال: «انتهى الأمر. الأفضل أن نستفيد من الوقت قدرَ الإمكان.»

حمَلوا النقَّالة مرةً أخرى. وقال السويدي المُتديِّن أوسكار: «الذين يحملونه الآن لن يهزُّوه.»

فقدت السَّرية «بي» تسعة عشر رجلًا في تلك الغارة. بعد يومَين، أخذت السَّرية إجازةً مدتها عشرة أيام. تورَّم كاحل كلود المُلتوي حتى ضِعْف حجمه الطبيعي، لكنه اضطُرَّ إلى المشي حتى محطة السكة الحديدية كي يتفادى دخولَ المستشفى. أعطاه الرقيب هيكس حذاءً كبيرًا وجده مُعلَّقًا في الأسلاك الشائكة. وسافر كلود وجيرهارت إلى إجازتهما معًا.

١٢

في ليلة خريف مَطِيرة، جلس بابا جوبيرت يقرأ الصحيفة. سمع طَرقًا ثقيلًا على بوَّابة الحديقة. خلَع نعله ولَبِس قبقابًا خشبيًّا يحتفظ به للسير على الطين، ومشى مُتثاقلًا عبر الحديقة تحت قطرات المطر، وفتح الباب على الشارع المظلم. وجد أمامه شخصَين طويلين يحمل كلٌّ منهما بندقية وحقيبة أمتعة. وفي غضون لحظة، بدأ يحتضنهما وينادي على زوجته:

«يا إلهي، أيتها الأم، إنه ديفيد، ديفيد وكلود، الاثنان معًا!»

بدَوَا كجنديَّين بائسين وهما يقفان في ضوء الشمعة يُغطيهما الطين، وتلمع خوذتاهما المَعدِنيَّتان مثلَ وعاء من النحاس، بينما يقطر الماء من ملابسهما على أرضية المطبخ المُبلَّطة. قبَّلَت زوجة جوبيرت خدَّيهما المُبتلَّين، وعانقهما السيد جوبيرت مرةً أخرى بعدما صار يراهما. من أين أتيا وكيف كان حالهما هناك؟ حسنٌ جدًّا، كما لا يخفى على أحد. ما الذي يُريدانه أولًا؛ ربما تناول العشاء؟ كانت غُرفتهما جاهزةً لهما دومًا، والملابس التي تركاها كانت في الصندوق الكبير.

أوضح ديفيد أن قُمصانهما لم تجفَّ منذ أربعة أيام، وأنَّ ما يُريدانه حقًّا هو أن يرتديا ملابسَ جافةً ويغتسلا. أُمرت مارتا العجوز، التي كانت نائمةً بالفعل، بتسخين المياه. وحمل السيد جوبيرت حوضَ الاستحمام الكبير إلى الطابق العُلوي. قال إن الغد للحديث، أما الليلة فلِلرَّاحة. تَبِعه الفتَيان وبدآ يخلعان ملابسهما المُبتلَّة، وتركاها في كومَين مُبلَّلَين على الأرض. يوجد حمامٌ واحد لهما، فاقترعا بعُملةٍ مَعدِنية لتحديدِ أيُّهما سيدخل إلى المياه الساخنة أولًا. لما رأى السيد جوبيرت كاحلَ كلود المُتورِّم مربوطًا بضماداتٍ لاصقة، بدأ يضحك بهدوء. «أرى أن الألمان جعلوك تتراقص هناك!»

حين ارتدَيا مَناماتٍ نظيفةً من الصندوق، حمل بابا جوبيرت قمصانهم وجواربهم إلى مارتا كي تغسلها. عاد ومعه طبق التقديم الكبير وقد أُعِدَّ فيه البيضُ المخفوق المصنوع من اثنتَي عشرة بيضة، المحشوُّ باللحم المُقدَّد والبطاطس المقليَّة. أحضرت السيدة جوبيرت إبريقَ قهوة من الخزف ومعه ثلاثة أكواب إلى الباب وهتفَت: «بالهناءة والشفاء!» صبَّ صاحب البيت القهوة، وقطع رغيف الخبز بسكين جيبه. جلس كي يُشاهدهما وهما يأكلان. كيف الأحوال هناك على أي حال؟ هل الألمان مُهذَّبون ومُرحِّبون كعادتهم؟ ولما لم يتبقَّ أيُّ فتات في النهاية، صبَّ لكل واحد كوبًا صغيرًا من البراندي «للمساعدة على الهضم»، وتمنَّى لهما ليلةً سعيدة. وأخذ الشمعة معه.

شعَر كلود أنه في نعيمٍ تام، بينما كانت الملاءات الباردة تزداد دفئًا حول جسده، واستنشق رائحة الخُزامى القديمة في الوسائد. كان يشعر بقدرٍ كبير من الدفء والجفاف والنظافة والحب! بدَت رحلة العودة جميلةً حين راجعَها من هنا. فور أن خرَجوا من منطقة الأشجار التي أرداها القصف، وجدا فرنسا تتحول إلى اللون الذهبي. ففي الوديان الواقعة على طول النهر، تحوَّل لون أشجار الحور والحور القطني من الأخضر إلى الأصفر، وكانت درجة اللون واحدة كأنها لهبُ شموع وسط الضباب والمطر. كانت الأشجار تمتدُّ على طول الحقول، ومدَّ الأفق كمشاعل تنتقل من يد إلى يد، بينما تحوَّلَت جميع أشجار الصَّفصاف المُجاوِرة للجداول الصغيرة إلى اللون الفِضِّي. كانت حقول الكَرْم لا تزال خضراءَ ومُكتظَّة بالفروع المُلتوية ذات اللون الأحمر القاني. رأى كل ذلك بجانب وسادته؛ هذه الأرض الجميلة، وهذا البيض المخفوق اللذيذ، وأشجار الحور الذهبية، وحقول الكرم التي تجمع بين اللونَين الأزرق والأخضر، وأوراق الكرم القرمزية المُبتلَّة، وتساقط المطر في الفِناء، وانتشار العبير في الظلام، والنوم الذي هو أقوى من ذلك كلِّه.

١٣

تساقطَت أوراق الأشجار بكثافة على طريق الغابة حتى غاص تحتها. كان كلود وديفيد مُستلقيَين على الخلَنج الجافِّ الليِّن المُتناثِر بين جلاميد الصوان. وضع جيرهارت قبَّعته فوق عينَيه، وربما كان نائمًا. كانوا يستمتعون بطقسٍ عليل في تلك الإجازة. تُطلُّ الغابة على تلك الأرض المُنفتحة كأنها مَسرح مُدرَّج، له شُرُفات ذهبية من خشب الكَسْتناء والزان. كانت حبوب الجوز الكبيرة تتساقط مخمليةً وبُنية وكأنها كانت منقوعة في الزيت، ثم تختفي في الأوراق الجافة على الأرض. ظهرت أشجار الطقسوس السوداء الصغيرة التي لم تكن واضحةً بين اخضرار أشجار الصيف، بين الأجَمات الصفراء المُلتوية. ومن بين الشبكة الرمادية التي تُشكلها أغصان الزان، لمعت أشجار البهشية اليابسة.

كان دأب ويلر أن يرهب السعادة المُزيَّفة، وأن يخشى التعرُّض للخداع. ظل كلود يتساءل في نفسه أكثرَ من مرة عمَّا إذا كان يَعدُّ الكثير من الأمور على أنها من المُسلَّمات، وأنه يشعر بأنه في وطنه هنا بأكثرَ مما يحقُّ له أم لا. لاحظ أنَّ الأمريكيين يميلون إلى التصرف وكأنهم في وطنهم، وأن يخلطوا بين حُسن السلوك وحسن النية. على الرغم من ذلك، فلم يكن يحقُّ له التشكيكُ في حب آل جوبيرت؛ إذ كانت تلك العاطفة حقيقيةً وشخصية، وليست غطاءً أملسَ يُخفي تحته أيَّ شكل من أشكال الازدراء والسخرية؛ أي إنه لم يكن — باختصار — ذلك «الأدب الفرنسي» الغادر الذي ينبغي على المرء ألَّا ينخدع به. إنَّ محض تغيُّر الفصول على المرء في بلدٍ ما، يُعطيه إحساسًا بأنه يمكث فيه منذ مدةٍ بعيدة. ثم إنه ليس بسائح على أي حال. إنه يمكث لعملٍ مشروع.

كان كاحل كلود المُلتوي لا يزال مُتورِّمًا للغاية. وكانت السيدة جوبيرت مُتأكِّدة من أنه لا ينبغي عليه تحريكُه على الإطلاق، وتوسَّلَت إليه أن يجلس في الحديقة طوال اليوم ويُوفِّر الرعايةَ لكاحله. لكن الجرَّاح على الجبهة قد أخبره أنه سيُضطرُّ إلى الذَّهاب إلى المستشفى إن توقَّف عن المشي. ولهذا، استعان بأفضلِ أعواد أشجار البهشية في حديقة مضيفه، وراح يستند إليها ويخرج إلى الغابة كل يوم. وبعد ظهر ذلك اليوم، استهواه الابتعادُ أكثر. كانت السيدة جوبيرت قد أخبرته عن بعض الكهوف على الطرف الآخر من الغابة، وعن غُرفٍ تحت الأرض ذهب السكانُ كي يعيشوا فيها في أوقات المحنة الكبرى أيام الحروب الإنجليزية منذ أمدٍ بعيد. لم يستطع أن يتذكر المدةَ التي انقضت منذ تلك الحروبِ الإنجليزية، لكنها مدةٌ طويلة بما يكفي لأن يشعر المرء بالارتياح. بالنسبة إليه، ربما لا يعود إلى وطنه مُطلَقًا. وعندما تنتهي تلك الحرب العظمى، فربما يشتري مزرعةً صغيرة ويمكث هنا بقيةَ حياته. كان ذلك مشروعًا يُحبُّ أن يُفكر فيه. ففي وطنه، لم تكن هناك فرصةٌ لأن يعيش الحياة التي كان يرغب فيها؛ إذ لا يبرح الناسُ الشراءَ والبيع، والبناءَ والهدم. بدأ يُصدِّق أن الأمريكيين يتَّسمون بضحالة العواطف. هذا ما وصفهم به جيرهارت ذات مرة، وإن كان ذلك صحيحًا فلا علاج منه. الحياة قصيرة، حتى إنها لا تعني شيئًا على الإطلاق إلا حين يُعززها باستمرار شيءٌ باقٍ؛ إنها لا تعني شيئًا ما لم تتحرَّك ظلال الوجود الفرد على خلفيةٍ مُتماسكة. بينما كان غارقًا في أحلام اليقظة عن الزراعة في فرنسا، تحرَّك رفيقه باتجاهه مُستندًا إلى كوعه.

«تعلم أننا سننضمُّ إلى الكتيبة في النقطة «إيه». سيعيشون كالملوك هناك. سيَزيد وزن هيكس لدرجة أنه سيسقط في أثناء المسيرة. لا بد أنَّ مركز القيادة يُفكر في شيءٍ بغيض للغاية؛ فدائمًا ما يُسمَّن جند المُشاة قبل المذبحة. لكنْ خطرَ ببالي أن لديَّ أصدقاء قُدامى في النقطة «إيه». فماذا لو أننا عُدنا قبل الموعد بيوم، وطلبنا منهم أن يسمَحوا لنا بالمكوث؟ إنه مكانٌ قديم وجميل، وينبغي أن أذهب وأراهم. كان الابنُ زميلًا لي في معهد الموسيقى. قُتِل في فصل الشتاء الثاني في الحرب. اعتدت أن أذهب في الإجازات معه، وأريد أن أرى والدته وأختَه مرةً أخرى. فهل تُمانع؟»

لم يردَّ كلود في الحال. استلقى مُحدِّقًا في أشجار الزان من دون أن يتحرك. وقال بعد مدة قصيرة: «دائمًا ما تتحاشى الكلام معي في ذلك الموضوع، أليس كذلك؟»

«أي موضوع؟»

«أي موضوع له علاقة بمعهد الموسيقى، أو مِهنتك.»

«ليس عندي أيُّ مهنة في الوقت الحالي. لن أعود إلى عزف الكمان أبدًا.»

«هل تقصد أنك لا تستطيع تعويض الوقت الذي ستخسره؟»

أسند جيرهارت ظهره على صخرة وأخرج غليونه. «سيكون هذا صعبًا، لكن هناك أشياء أخرى أصعب. خسرتُ ما هو أكثر من الوقت.»

«ألم تستطع الحصول على إعفاء بطريقة أو بأخرى؟»

«كان من المحتمل أن أحصل على إعفاء. أراد أصدقائي أن يتولَّوا القيامَ بذلك، ويختبروا الأمرَ في حالتي. لكني لم أتحمَّل ذلك. لم أشعر أنني عازفُ كمان جيِّد بما يكفي لدرجة أن أعترف بأنني لست رجلًا. كثيرًا ما أتمنَّى لو أنني كنتُ في باريس في ذلك الصيف الذي اندلعَت فيه الحرب؛ وإذن لالتحقتُ بالجيش الفرنسي منذ اللحظة الأولى مع الطلاب الآخرين، وكان هذا سيُصبح أفضل.»

توقَّف ديفيد وجلس ينفثُ دخان غليونه. وعندئذٍ أثارت حركةٌ خفيفةٌ الأجماتِ الموجودةَ على جانب التل. كان ثَمة فتاةٌ صغيرة تقف هناك حافيةَ القدمَين وتنظر حولها. سمعت أصواتًا، ولكنها لم ترَ في البداية الزيَّ الذي اختلَط لونه مع اللونَين الأصفر والبُنِّي اللذَين يكسُوان الغابة. بعد ذلك رأت الشمس تُشرِق فوق رأسَين؛ رأس مُربَّعة كهرمانية اللون، ورأس طويلة ورفيعة بلون البرونز المائل إلى الأحمر. لم تشكَّ في أنهما سيكونان وَدودَين، ونزلَت من التل، وراحت تتوقَّف بين الحين والآخر لالتقاط حبوب كستناء الجبل اللامعة وتضعها في كيسٍ تجرُّه. نادى ديفيد عليها، وسألها عما إذا كان الجوز صالحًا للأكل أم لا.

صاحت وعلى وجهها تعبيراتٌ تنمُّ عن رعبٍ شديد: «يا إلهي، لا. هذا من أجل الخنازير!» يمكن لهؤلاء الأمريكيين السذَّج أن يأكلوا أيَّ شيء. ضحك الفتَيان وقدَّما لها بعض النقود المَعدِنية: «هذه من أجل الخنازير أيضًا.» تحرَّكَت بخفَّة في طرَف الغابة تُقلب بين أوراق الأشجار بحثًا عن الجوز بينما تُراقِب الجنديَّين.

أخرج جيرهارت غليونه، وبدأ يُعيد مَلْأه. «عُدت إلى المنزل كي أرى والدتي في شهر مايو عام ١٩١٤. لم أكُن هنا عندما اندلعَت الحرب. كان معهد الموسيقى قد أُغلقَ على الفور؛ ولذا نظمتُ جولةً موسيقية في الولايات المتحدة ذلك الشتاء، وحقَّقت نجاحًا كبيرًا. كان ذلك قبل أن يذهب إليها الأوكرانيون، وقبل أن يُصبح المجال مُزدحمًا. حظيتُ بمَوسمٍ ثانٍ، وحققتُ فيه نجاحًا أيضًا. لكني كنت أزداد توترًا مع مرور الوقت؛ كنت هناك بنصفي فحسب.» بدا غارقًا في التفكير وهو يُدخِّن؛ إذ جلس طاويًا ذراعَيه كأنه يُراجع سلسلةً من الأحداث أو المشاعر في عقله. «وعندما جاءت قرعتي، ذهبت كي أرى ما يُمكنني فعله بشأن الخروج؛ ألقيتُ نظرة على زملائي الآخرين الذين كانوا يُحاولون التملُّص، فصرَفتُ النظر عن ذلك. لم أشعر بالأسف قط. وبعد مدةٍ ليست بالطويلة، هُشِّم الكمان، وبدا أن حياتي المهنية قد تهشَّمَت معه.»

سأله كلود عما يقصده.

«عندما كنت في المعسكر «ديكس»، اضطُرِرتُ إلى العزف في إحدى الحفلات الترفيهية. كانت آلة الكمان الخاصة بي من طراز «ستراديفاريوس»، وكانت محفوظةً بخزينة في نيويورك. لم تكن حاجتي إليه في ذلك الحفل أكثرَ من حاجتي إليه في هذه اللحظة، لكني ذهبت إلى المدينة وأخرجته من الخزينة. كنتُ آخذه من المحطة في سيارةٍ عسكرية، واصطدم بنا سائقُ سيارة أُجرة مخمور. لم يُصبْني أذًى، ولكنَّ الكمان القابع على ركبتي، تهشَّم إلى ألف قطعة. لم أعرف معنى ما حدث حينذاك، لكني شهدتُ بعد ذلك تدميرَ العديد من الأشياء الجميلة القيمة … أصبحت أُومنُ بالقدَر.»

راقَب كلود رأس الرجل الغارق بين الأفكار، الذي كان يتَّكئ به على صخرة صوَّان رمادية.

«كان عليك الابتعاد عن كل شيء. أي رجل في الجيش سيقول هذا.»

أرجع ديفيد رأسه وأسندها إلى الصخرة، ورمى واحدةً من ثمار الكستناء في الهواء بلطف. «حسنًا، عازف كمان أكثرُ أو أقلُّ لن يُهم! ولكن من سيعود إلى أي شيء؟ هذا ما أريد معرفته!»

شعَر كلود بالذنب وكأنَّ ديفيد خمَّن أفكار الارتداد التي كانت تدور في عقله بعد ظهر ذلك اليوم. سأل فجأةً: «لا تُصدقْ أننا سنخرج من هذه الحرب بما اشتركنا فيها لأجله، أليس كذلك؟»

ردَّ الآخر بعدمِ مُبالاةٍ هادئة: «بلى، بالطبع.»

«إذَن، فأنا لا أعرف السبب الذي توجد من أجله هنا!»

«لأنه في عام ١٩١٧ كان عمري أربعًا وعشرين سنة؛ ومن ثَم أستطيع حمل السلاح. فُرضت هذه الحرب على جيلنا. ولا أعلم السبب؛ ذنوب آبائنا على الأرجح. فليس السبب بالطبع هو جعْلَ العالم آمنًا لإقامة الديمقراطية، أو أي شعارات بليغة من هذا القبيل. عندما كنت أعمل في النقَّالات، اضطُررت إلى أن أقول لنفسي مِرارًا وتَكرارًا إننا لن نَجنيَ منها شيئًا، لكن ذلك لا بد أن يحدث. لكنني أعتقد في بعض الأحيان أن شيئًا لا بد أن يحدث … لن يكون شيئًا مُتوقَّعًا، بل شيئًا مُفاجئًا.» توقَّف وأغلقَ عينَيه. «ألَا تتذكرُ في حكايات الأساطير القديمة كيف أن الأمهات كنَّ يُصارعن سَكراتِ الموت دائمًا بعد ولادتهم لأبناء الآلهة؟ ربما هي سيميلي فقط التي تخطر على بالي الآن. على أي حال، كنت أفكر في بعض الأحيان فيما إن كان لا بد من أن يموت شباب عصرنا لإحضارِ فكرةٍ جديدة في العالم … شيء أولمبي. أودُّ أن أعرف. أعتقد أنني سأعرف. فمنذ أن جئتُ إلى هنا هذه المرة وأنا أُومنُ بالخلود. هل تؤمن أنت؟»

ارتبَك كلود من هذا السؤال الهادئ. «لا أعلم. لم أتمكَّن قطُّ من التوصل إلى رأي في هذه المسألة.»

«حسنًا، لا تَشغَل بالك. إنما هو يأتي إليك. لست مُضطرًّا إلى السعي خلفه. لقد توصَّلت إلى هذا الرأي بالطريقة ذاتها التي اتَّبعتها في فَهْم أمور الفن، وتكمن تلك الطريقة في التعرف على الشيء والتعايش معه قبل أن أفهمه.» نهض جيرهارت على قدمَيه وقال: «كانت هذه الأفكار تبدو لي طفوليَّة. والآن، هل أخبرتك بما تريد معرفته عن حالتي؟» نظر إلى كلود بنظرةٍ فضولية تنطق بالأنس والحب. «سأُمدِّد ساقَيَّ. الساعة تدقُّ الرابعة.»

اختفى بين سيقان أشجار الصَّنَوبر حيث صنعت أشعةُ الشمس بُحَيرةً وردية اللون مثلما كانت تفعل في فصل الصيف، وكان كلود يُفكر في أنها ستفعل ذلك في كل السنوات القادمة أيضًا حين لن يكونا هنا لرؤيتها. سحَب قبَّعته فوق عينَيه ونام.

تركت الفتاة الصغيرة الواقفة على طرف غابة الزان كيسها، وسارت بهدوء إلى أسفل التل. جلسَت الفتاةُ على نباتات الخلنج جلسةَ القُرفصاء، ومكثَت ساكنةً مدةً طويلة تُراقب بفضول جسد الجندي الأمريكي المُسترخي الذي يتنفَّس بعمق.

كان اليوم التالي عيد ميلاد كلود الخامس والعشرين، واحتفالًا بتلك المناسبة أخرج بابا جوبيرت زجاجةَ نبيذ مُعتَّق من القبو، وكانت إحدى الزجاجات التي احتفظ بها فيه من أجل المناسبات العظيمة عندما كان شابًّا.

في هذا الأسبوع الذي استراح فيه كلود في منزل السيدة جوبيرت، كان كلود يُفكر كثيرًا في أن آونةَ سعادة «الشباب» التي كانت صديقته القديمة السيدة إرليش تتحدَّث عنها، والتي لم يختبرها في حياته من قبل، تُعوَّض له الآن. كان يعيش شبابَه في فرنسا. وكان يعرف أنَّ مثل هذه الفرصة لن تأتيَه مرةً أخرى؛ لن تعود الحقولُ والغابات مُغلَّفة بهذا السحر الغامض. عندما نزل إلى شارع القرية في المساء وقت الشفَق الأرجواني، تصاعدَت رائحة دخان الخشب من المداخن إلى رأسه كالمُخدِّر، وفتحت مسامَّ بشرتِه، وجلبَت الدموع إلى عينَيه في بعض الأحيان. صارت الحياة طيبةً معه بالرغم من كل شيء، وأصبح لكل شيء أهميةٌ نبيلة. بدا التوتُّر العصبي الذي عاش فيه سنواتٍ أمرًا لا يُصدَّق الآن، وصار يبدو له سخيفًا وطفوليًّا، هذا إنْ فكَّر فيه أصلًا. لم يُعذِّب نفسه بالذكريات. كان يبدأ من جديد.

حلَم ذاتَ ليلة أنه عاد إلى وطنه، ووقف بين الحقول المحروثة لا يرى غير الأرض البُنية المحروثة تمتدُّ من الأفق إلى الأفق. كان ثَمة فتًى يتحرَّك فيها ذَهابًا وإيابًا ومعه مِحراث وفرسان. ظن في البداية أنه أخوه رالف، لكن حين دنا أكثر رأى أنه هو نفسه، وكان الخوف يملؤه من ذلك الفتى. لن يبتعد كلود المسكينُ مطلقًا؛ كان سيفتقد كل شيء! بينما كان يُحاول جاهدًا أن يتحدث إلى كلود ويُحذره، استيقظ من نومه.

في السنوات التي ذهب فيها إلى المدرسة في لينكن، ظل يبحث دائمًا عن شخصٍ يُعجَب به من دون تحفظات؛ شخص يمكن أن يغبطه أو يُقلده أو يكون مكانه. صار يعتقد الآن أنه حتى حينذاك، لا بد أنه كان يتخيل صورةً باهتة لرجلٍ مثل جيرهارت. ولم يكن من المُرجَّح أن تتلاقى طُرقُهما إلا في أوقات الحرب، أو ربما إذا جمعهما عملٌ واحد، أو أيُّ اهتمام مشترك يُشكِّل أواصر الصداقة بين رجلَين.

١٤

ترجَّل جيرهارت وكلود ويلر من سيارة أُجرة أمام بوَّاباتٍ مفتوحة لمنزلٍ ذي سقفٍ مُربَّع مُوحَّد اللون، حيث جميعُ مصاريع النوافذ في الواجهة مُغلَقة، وتظهر قِمم العديد من الأشجار من فوق سور الحديقة. عبَرا ساحةً مرصوفة ودقَّا جرس الباب. استقبلهما خادمٌ عجوز، وسار بهما عبر صالة واسعة إلى قاعة الاستقبال التي كانت تُطلُّ على الحديقة. أخبرهما الخادم أن السيدة والآنسة ستنزلان بعد مدةٍ وجيزة. ذهب ديفيد إلى إحدى النوافذ الطويلة ونظر بالخارج. «لقد حافظوا على المكان بالرغم من كل ما حدث. ظل هذا المكانُ جميلًا على الدوام.»

كانت الحديقة فسيحةً كأنها مُتنزَّه صغير. يوجد ملعب التنس على أحد جانبَيها، وعلى الآخر نافورةٌ تقع وسط حمام سباحة وزَنابق الماء. اختفى الجدار الشمالي خلف أشجار طقسوس عتيقة، أما الجدار الجنوبي فكان أمامه صفَّان من أشجار الدلب قُلِّمت على شكل مُربَّع؛ فتشكَّلَت منها تعريشةٌ طويلة. في الجزء الخلفي من الحديقة، توجد أشجار زيزفون قديمة وجميلة. كانت الممرَّات الحصوية تلتفُّ حول أحواض من زهور الخريف الرائعة، وفي حديقة الورد كانت بعضُ الورود البيضاء الصغيرة لا تزال مُتفتِّحة على الرغم من أنَّ أوراقها قد تحوَّلت إلى اللون الأحمر بالفعل.

دخلَت سيدتان غُرفة الاستقبال. الأم قصيرة ومُكتنِزة وذات بشرة وردية تتَّسم بملامحَ قوية، بل حتى ذكورية، وشَعرها أبيض مائل إلى الأصفر. الْتمعَت الدموع في عينَيها عندما انحنى ديفيد كي يُقبِّل يدها، وقد احتضنَته ولمسَت خدَّيه بشفتَيها.

أخذت تتلمَّس مِعطف زيه الرسمي بأصابعها وتقول: «وأنت، أنت أيضًا!» كانت تلك لحظة من الرقة الخالصة. وقف كلود يُراقب المجموعة من النافذة، وجال بخاطره أنها قد استجمعت شتاتَ نفسِها مثل جنرال كبير، ثم قدَّمت ابنتَها وسألت ديفيد إن كان قد عرَف الفتاة الصغيرة التي كان يلعب معها أم لا. لم تكن الآنسة كلير تُشبِه والدتها في شيء؛ فهي نحيفةٌ سمراء، وترتدي زيَّ التنس الأبيض وقبعةً خضراء بلون التفاح، وبها أشرطةٌ سوداء، بدَت عصريةً للغاية وعفوية وغير عابئة بشيء. لقد بدأت تُخبر ديفيد بالفعل عن سعادتها بوصوله مُبكرًا؛ إذ سيسمح لهما ذلك بلعب مباراة تنس قبل الشاي. قالت إن الأم ستُحضر غزلها إلى الحديقة وتُشاهدهما وهما يلعبان. هدَّأ ذلك الاقتراحُ الأخير مَخاوفَ كلود من أن يُترك بمفرده مع صاحبة البيت. عندما نادى عليه ديفيد وعرَّفه بالسيدتَين صافحَته الآنسة كلير سريعًا، وقالت إنها ستُسَرُّ أن تُجرِّبه على أرض الملعب فور أن تهزم ديفيد. قالت إنهما سيَجدان أحذيةَ التنس في غُرفتهما، حيث توجد تشكيلة من الأحذية التي تُناسِب الأقدام من جميع الجنسيات؛ فمنها حذاءُ أخيها وبعض الأحذية التي نسيَها صديقه الروسي حينما هُرِع كي ينضمَّ إلى الجيش، وزوجان من الأحذية يعودان لضابطٍ إنجليزي أُرسلَ كي يعيش معهما وتركهما منذ مدةٍ وجيزة. قالت إنها ستنتظر مع والدتها في الحديقة. ودقَّت الجرس طلبًا للخادم العجوز.

وجد الأمريكيَّان أنفُسهما في غُرفةٍ كبيرة بالطابق العُلوي تضمُّ سريرَين حديديَّين على الطراز العصري قد برزا على نحوٍ صارخ بين الطاولات والمكاتب ومنضدات التزيين المصنوعة من خشب الماهونجي الثقيل، والكراسي المحشوَّة، والسجاد المخملي، وستائر النوافذ المُزركَشة باللون الأحمر الفاتح. ذهب ديفيد من فوره إلى غُرفة الملابس الصغيرة، وبدأ يُجهِّز نفسه لمباراة التنس. وجد على الحائط اثنَين من البناطيل البيضاء وصفًّا من القمصان الناعمة.

لاحَظ أن كلود يقف ثابتًا تمامًا عند النافذة، وينظر إلى الحديقة بالأسفل، سأله: «ألن تُغيِّر ملابسك؟» علَّق كلود بسخرية: «ولماذا أُغيِّر ملابسي؟ أنا لا ألعب التنس. لم أُمسك مِضربًا في يدي قَط.»

«هذا مؤسفٌ للغاية. كانت تُجيد لعبة التنس على الرغم من أنها لم تكن سوى فتاةٍ صغيرة حينذاك.» كان جيرهارت ينظر إلى ساقَيه في السروال الأقصر منها بمقدار بوصتَين. «يا للغرابة، لقد تغيَّر كلُّ شيء بالرغم من أن كل شيء لا يزال على حاله! الأمر يُشبِه العودة إلى الأماكن في الأحلام.»

علَّق كلود: «ينبغي أن أذكرك أنه لا يوجد كثير من الوقت للأحلام.»

«من حسن الحظ!»

«هلا شرحتَ للفتاة أني لا أُجيد اللعب؟ سأنزل في وقتٍ لاحق.»

«كما تحب.»

وقف كلود في النافذة يُشاهد رأس جيرهارت العاريَ وقبعةَ الآنسة كلير وذراعها البُنيَّة الطويلة تَثِب في أرض الملعب.

عندما أتى جيرهارت كي يُغيِّر ملابسه قبل تناول الشاي، وجد زميله الضابط يقف أمام حقيبته التي كانت مفتوحة، لكن لم تُفرَّغ محتوياتها.

«ما الأمر؟ هل عاوَدك الشعورُ بصدمة القذائف؟»

«ليس هكذا تحديدًا.» عضَّ كلود على شفته. «الحقيقة يا ديف أني لا أشعر بالراحة هنا. الناس جميعُهم طيِّبون. لكني في مكانٍ غير مكاني. سأنسحب من المكان وأمكث في مسكنٍ آخر، وأدَعُك تزور أصدقاءك في سلام. لماذا عسايَ أن أمكث هنا؟ هؤلاء الناس لا يفتحون منزلهم فندقًا.»

«بِناءً على ما أخبروني به، يكاد أن يكون هذا المنزل فندقًا. لقد نزل عليهم مجموعةٌ من الجنود الاسكتلنديين والإنجليز. إنهم يُحبون ذلك أيضًا، أو هم يدعون ذلك من حسن أخلاقهم. بالطبع ستفعل ما تريد، لكنك ستؤذي مشاعرهم، وستضعُني في موقفٍ غير مُلائم. والحق أنني لا أعرف طريقةً تترك بها المكان من دون أن تكون وقحًا وقاحةً بيِّنة.»

وقف كلود ينظر إلى محتويات حقيبته على الأرض مُترددًا. لما وقعَت عينه على وجهه في إحدى المرايا الكبيرة، رآه جيرهارت حائرًا وبائسًا. تلاشت حدةُ مِزاجه، ووضع يده برفق على كتف صديقه.

«تعالَ يا كلود! لا تكُن سخيفًا. إنَّ زيك يجعلك غيرَ مُضطرٍّ إلى ارتداء ملابسَ أخرى، وليس عليك أن تتحدَّث أيضًا بما أنه من المفترَض أنك لا تعرف اللغة. كنت أظن أنك ستُحبُّ المجيء إلى هنا. لقد مرَّ هؤلاء الناس بوقتٍ صعب للغاية؛ ألا تُعجبك بَسالتهم؟»

«بالطبع، نعم، تُعجبني! على الرغم من أنها غريبة عني.» خلع كلود مِعطفه، وبدأ يُمشِّط شعره بقوة. «أظن أني دائمًا ما كنت أخاف الفرنسيين أكثر من الألمان. إنَّ المكوث يحتاج إلى شجاعة كما تعرف. أريد أن أهرب.»

«ولكن لماذا؟ ما الذي يجعلك تريد ذلك؟»

«حسنًا، لا أعلم! شيء في المنزل، في الجو العام.»

«شيءٌ بَغيض؟»

«لا، بل شيءٌ طيِّب.»

ضحك ديفيد: «حسنًا، ستتجاوز ذلك!»

شرِبوا الشاي في الحديقة على الطريقة الإنجليزية، وكان الشاي إنجليزيًّا أيضًا مثلما أخبرتهم الآنسة؛ إذ تركه ضباطٌ إنجليز.

على العشاء، انضمَّ إليهم عضوٌ ثالث من العائلة؛ فتًى صغير حليق الرأس ذو عينَين كبيرتين وسوداوين. جلس عن يسار كلود هادئًا وخجلًا في مِعطفه المخملي، لكنه كان يُتابع الحديث بحماسة، لا سيما عندما تطرَّق إلى أخيه رينيه الذي قُتِل في معركة فردان في الشتاء الثاني من اندلاع الحرب. تحدَّثَت الأم والأخت عنه كما لو كان حيًّا؛ إذ تحدَّثتا عن خِطاباته وخُطَطه وأصدقائه في معهد الموسيقى وفي الجيش. وأخبرت الآنسة كلير جيرهارت عن كل الطالبات اللاتي عرَفهنَّ في باريس؛ فحكَت له عن فتاةٍ كانت تُغني للجنود، وأخرى تعمل ممرضةً في مستشفًى تفجَّرَت في غارةٍ جويَّة، وحملت عشرين جريحًا من المبنى المُحترِق واحدًا تِلو الآخر على ظهرها كأكياس الدقيق. وحكَت له عن أليس الراقصة التي ذهبَت إلى الصليب الأحمر الإنجليزي وتعلَّمت الإنجليزية. أما أوديت فقد تزوَّجَت من ضابطٍ نيوزلندي يُقال إنه من آكلي لحوم البشر؛ إذ يَشيع أن قبيلته أكَلَت اثنين من مُبشِّري أوفيرنات. لم يستطع كلود فَهْم جزء كبير من الحديث، لكنه أدرَك مما فهِمه أنَّ الحرب في نظر هاتَين السيدتين كانت هي فرنسا، وهي الحياة وكل ما يحدث فيها. إن حياة المرء وامتلاكه للوعي وجميع ملَكاته، يعني أن يخوض المرء حربًا.

عندما ذهبوا إلى قاعة الاستقبال بعد العشاء، سألت السيدة فلوري ديفيد إن كان يودُّ رؤية كمان رينيه مرةً أخرى، وأومأت إلى الفتى الصغير. خرج الفتى وعاد يحمل صندوقًا وضعَه على الطاولة. فتَحه بحرص وأخرج قطعة قماش مخملية، وكأنما كان ذلك طقسَه الخاص، ثم سلَّم الآلة إلى جيرهارت.

قلَّبه ديفيد تحت أضواء الشموع، وأخبر السيدة فلوري أنه كان سيعرفُه حيثما كان، إنه كمان رينيه من طراز «أماتي» الرائع، أنغامُها في غاية العذوبة وسطَ قاعات الاحتفالات كأنها امرأةٌ آية في الجمال تقف على خشبة المسرح. الْتفَّت العائلة حوله، واستمعوا إلى مدحِه وقد بدا الرضا على وجوههم. أخبرته السيدة فلوري أنَّ لوسيان كان جادًّا للغاية في موسيقاه حتى إنَّ مُعلمه سُرَّ به للغاية، وحين تكبر يداه قليلًا سيُسمَح له بالعزف على كمان رينيه. شاهَد كلود الفتى الصغير واقفًا ينظر إلى الآلة وهي في يدَي ديفيد، وقد انعكس في كل واحدة من عينَيه السوداوين الكبيرتين لهبُ شمعة، وكأنما كانت شعلةً من النار تحترق داخلَ كلٍّ منهما بالفعل.

سألت والدته: «ما الأمر يا لوسيان؟»

تمتم مُتوسلًا: «أرجو أن يتكرَّم السيد ديفيد بأن يعزف لنا قبل أن أذهب إلى النوم.»

«لكن يا لوسيان أنا جنديٌّ الآن. أنا لم أعزف قط منذ سنتَين. سيعتقد كمان الأماتي أنه وقع بين يدَي ألماني.»

ابتسَم لوسيان وقال: «كلا! إنه أذكى من ذلك. اعزف قليلًا من فضلك»، وجلس أمام الأريكة على مسند قدمَين في حالة ترقُّب واثق.

ذهبَت الآنسة كلير إلى البيانو. عبس ديفيد وبدأ يضبط الكمان. نادت السيدة فلوري الخادمَ العجوز، وأخبرته أن يُشعل العيدان الموضوعةَ في المِدفأة. أخذت الكرسيَّ ذا الذراعَين على يمين المَوقد، وأشارت إلى كلود كي يجلسَ على كرسي موضوع على اليسار. ظل الفتى جالسًا على كرسيه في الطرَف الآخر من الغُرفة. بدأت الآنسة كلير تعزف مقدمةَ الأوركسترا لكونشرتو سان سانس.

رفع ديفيد ذقنه، ونظر إليها نظرةَ الحائر: «كلا، ليس هذا اللحن!»

لم تردَّ عليه، وواصلت العزف وقد انحنى كتفاها إلى الأمام. رفع لوسيان ركبتَيه أسفل ذقنه وبدأ يرتعش. عندما حان الوقت، بدأ الكمان بالعزف. وضعه ديفيد تحت ذقنه مرةً أخرى تلقائيًّا، وانطلقَت الآلة بألحانٍ حزينة ومكبوتة.

ظلَّا يعزفان وقتًا طويلًا. في النهاية، توقَّف ديفيد ومسح جبينه. «لا أستطيع عزف الحركة الثالثة مع الأسف، حقًّا.»

«ولا أنا. لكنها آخرُ ما عزفه رينيه على الكمان في الليلة التي سبقَت رحيله في آخر إجازة له.» استكملَت العزف وتبعها ديفيد. جلست السيدة فلوري بعينَين شِبه مُغلَقتَين وهي تنظر إلى النيران. أطبق كلود شفتَيه ووضع يدَيه على ركبتَيه، وظل يُشاهد صديقه من ظهره. كانت الموسيقى جزءًا من مشاعره المُرتبِكة. كان مُمزَّقًا بين الإعجاب الكبير والحسد المرير. ما الذي يشعر به المرء حين تكون قادرًا على فعلِ أيِّ شيء بهذه البراعة، وأن تكون يده قادرةً على الرقة والدقة والقوة؟ لو كان قد تعلَّم أي شيء على الإطلاق، لما جلس الليلة مُتخشِّبًا في مكانه بين أناس ينبضون بالحياة. شعَر أنه كان يمكن أن يُصنَع منه رجل، لكنَّ أحدًا لم يتكلَّف عناء ذلك؛ فصار معقودَ اللسان، مُقيَّد القدمَين، مُكبَّل اليدين. إذا وُلد المرء في هذا العالم على أنه من صغار الدِّببة أو عجول الثيران، فلن يسَعَه إلا الضربُ ببراثنه وقلبُ الأشياء، والتكسير والتدمير على مدار حياته.

لفَّ جيرهارت الكمان في قطعة القماش. شكره الفتى الصغير وحمَل الكمان. وتمنَّت السيدة فلوري وابنتها لضيفَيهما أن يَقضيا ليلةً سعيدة.

قال ديفيد إنه يشعر بالحَر، واقترح الذَّهاب إلى الحديقة للتدخين قبل أن يخلدا إلى النوم. فتح إحدى النوافذ الطويلة وخرجا إلى الشُّرفة. كانت الأوراق الجافة تُخشخش على الممرَّات، ووقفت أشجار الطقسوس جدارًا مُصمَتًا أحلَك من ظُلمة الليل. لا بد أن النافورة اجتذبَت ضوء النجوم إذ كانت هي الشيء اللامع الوحيد؛ عمود صغير صافٍ من الفضَّة المُتلألئة. تمشَّى الفتَيان في صمت إلى نهاية الممر.

تحدَّث كلود بتلك النبرة غير الطبيعية التي يتحدث بها الناس أحيانًا عن أشياء لا علم لهم بها، فقال: «أعتقد أنك ستعود إلى مِهنتك.»

«كلا. لقد اضطُرِرت إلى العزف لهم بالطبع. إن الموسيقى أشبَهُ بالدين في هذا المنزل. أنصِت»، أشار بيده، وكانت الضربات المُنتظمة التي تَصدر من المدافع الكبيرة البعيدة قد اخترقت سكون الليل. «لنا ما تسمعه، هو كل ما يهم في الوقت الراهن. لقد قتل كل ما سواه.»

«لا أصدِّق هذا.» توقَّف كلود لحظةً عند حافة النافورة مُحاولًا استجماع أفكاره. «لا أصدِّق أنه قتل أيَّ شيء. وإنما بعثر كل شيء فحسب.» نظر من حوله سريعًا إلى حالة النوم التي تُخيِّم على المنزل والحديقة، وإلى السماء الصافية المُرصَّعة بالنجوم التي لا تبعد كثيرًا. كسَر حاجز الصمت قائلًا: «إنَّ أمثالك هم مَن يرَون أسوأ ما في الأمر. أما أنا فلم أعرف قطُّ شيئًا يستحقُّ الحياة من أجله حتى اندلعت تلك الحرب. قبل ذلك، كان العالم يبدو لي كعرضٍ عمل.»

قال ديفيد بنبرةٍ خشنة: «عليك الاعترافُ أنها طريقة مُكلِّفة لتوفير المغامرة للشباب.»

«ربما، على أي حال …»

تابَع كلود النِّقاش مع نفسه مدةً طويلة بعدما دخلا إلى سريرَيهما الوثيرَين وخلد ديفيد إلى النوم. ما من ساحةِ معركة أو بلدٍ مُمزَّق كانا بالقبح الذي كان العالم سيَغدو عليه إذا تحكَّم فيه رجالٌ مثل أخيه بايليس. وحتى اندلاع الحرب، كان يظن أنهم يتحكَّمون في العالم بالفعل؛ ومن ثَم تعكَّر صِباه وسُلِب منه جرَّاء هذا الاعتقاد. يبدو أنَّ البروسيين أيضًا يؤمنون بذلك. لكن الحرب قد أوضحت أن عددًا كبيرًا من الناس لا يزالون يهتمون بشيءٍ آخر.

صارت الفواصل الزمنية بين نيران المدفعية أقصر، وكأنما كانت المدافع الكبيرة تستعدُّ وتملأ جوفَها كي تنطلق. جلس كلود على سريره وأنصَت. كان صوت المَدافع يسرُّه منذ البداية؛ إذ يمنحه شعورًا بالثقة والأمان، وقد بات الليلةَ يعرف السبب. صوتُ المدافع يقول إنَّ البشر لا يزالون مُستعدِّين للموت من أجل فكرة، وربما يحرقون كلَّ ما صنعوه من أجل الحفاظ على أحلامهم. كان يعلم أن الأمان ينتظر مستقبل العالم؛ لن يتمكَّن واضِعو الخُطط الحريصون من تقييده؛ فلن يُمكِنهم المكر والحذر من الفوز. عَجبًا، إن ذلك الفتى الصغير في الطابق السفلي الذي الْتمَع ضوء الشموع في عينَيه، يمكن أن «يستمر» في الصرخة الأخيرة إلى الأبد، كما يقولون! ليست المبادئ أمورًا عتيقةً وجميلة، لكنها عاجزة، بل هي المَورد الحقيقي للقوة بين الرجال. وما دامت تلك الحقيقة باقية، وقد صار يعلم الآن بعد أن قطع هذه المسافةَ بأكملها أنها لا تزال باقية، فلا خلاف له إذَن مع القدَر. ثم إنه لم يعد يحسد ديفيد. هو نفسه لن يتنازل عن مغامرته لأي رجل. على مَشارف النوم، الْتمَع له الوجهُ المُشرِق للخطر مثل عمود النافورة الصافي، ومثل الهلال؛ مُغرٍ ومُحجِم في الوقت ذاته.

١٥

عندما عاد كلود وديفيد إلى السَّرية في العشرين من سبتمبر، لم تبدُ للحرب نهايةٌ على الإطلاق. لم يعرف الجيش الأمريكي بسقوط بلغاريا، وكانت معرفتهم بالشئون الأوروبية ضئيلةً للغاية، حتى إن هذا الخبر لم يكن ليُهمَّهم كثيرًا إن كانوا قد سمعوا به. وكان الجيش الألماني لا يزال مسيطرًا على شمال فرنسا وشرقها، ولم يكن أحدٌ يعرف مقدار ما تبقَّى من الحياة في ذلك الجسد المُترامي الأطراف.

استقلَّت الكتيبةُ القطار في أراس. كانت لدى المقدم سكوت تعليمات بالتقدم إلى رأس السكك الحديدية ثم التقدم إلى أرجون سيرًا على الأقدام.

ازدحمَت العربات، وكانت الرحلة بالقطار طويلة ومُرهِقة. نزَلوا من القطار في الليل تحت المطر في مكانٍ قال الرجال إنه يبدو نقطةَ الهجوم. لم تكن هناك مدينة، ومحطةُ السكك الحديدية قد قُصِفت أمسِ على يدِ سِرب من القوات الجوية بهدف تفجير ذخيرة المدفعية. دلَّت أكوام الطوب والحفر المُمتلئة بالماء على المكان الذي كانت تقف فيه. أرسل العقيد كلود مع دورية للبحث عن مكانٍ ينام فيه الجنود. وجدت الدوريةُ حقلًا من أكوام قش وعلى طرفه بيت ريفي.

ذهب كلود وطرَق الباب. كان الصمت يُخيم على المكان. ظل يطرق البابَ وينادي: «الأمريكيُّون هنا!» فُتح مِصراع نافذة. أخرج المُزارع رأسه وسأل بأسلوبٍ فظ عمَّا يريده الطارق: «ماذا تريد الآن؟»

شرح كلود بأفضلِ ما لديه من اللغة الفرنسية أنَّ سَريةً أمريكية وصلت لتوِّها؛ فهل يُمكِنهم النوم في الحقل ما داموا لن يُدمروا أكوام القش؟

ردَّ المُزارع: «بالتأكيد»، وأغلق النافذة.

تلك الكلمة الواحدة التي لُفظت في الظلام وفي مكانٍ غير مُبشِّر، كان لها وقعٌ مُبهِج على الدورية وعلى الجنود عندما كُرِّرت عليهم. «قال بالتأكيد، أليس كذلك؟» ظلوا يضحكون عليها وهم يطوفون في أرجاء الحقل ويندسُّون داخل القش. ومن لم يتمكن منهم من الاندساس داخل القش، رقد على القصب المُوحِل. غلبهم النوم قبل أن يشعروا بالأسف على حالهم.

خرج المُزارع وعرض الحظيرة على الجنود، لكنه توسَّل إليهم ألا يُشعلوا الضوءَ تحت أي ظرف من الظروف. قال إن البلدة لم تتعرَّض إلى غاراتٍ جوية حتى أمس، ولا بد أن السبب هو قدوم الأمريكان وإرسالهم الذخيرة.

نُودي جيرهارت كي يتحدث إلى المُزارع، وأخبره أن العقيد يجب أن يدرس الخريطة؛ فأخذهم الرجلُ إلى القبو حيث ينام الأطفال. وقبل أن يستلقيَ العقيد على السرير الذي أعدَّه له خادمه من القش، ظل يتفوَّه بأسماء وكيلومترات يعدُّها على أصابعه. كانت أسماء الأماكن تُمثل لضباطٍ مثل العقيد سكوت إحدى الصعاب الحقيقية في الحرب. كان يُفكر ببطء، لكنه يُركز في عمله دومًا، ويمكنه المواصلةُ من دون نوم لعددٍ من الساعات يَزيد عما يُطيقه أيٌّ من جنوده. لم يكَد أن يرقد في تلك الليلة عندما أحضر الحارس رسولًا مُحمَّلًا برسالة. اضطُرَّ العقيد إلى العودة إلى القبو مُجدَّدًا كي يقرأها. أخبرته الرسالة بأن يُقابِل العقيد هارفي في مزرعة الأمير جوشيم في أقرب وقت من صباح الغد. وسيكون الرسولُ مُرشِدَه.

جلس العقيد وعينُه على ساعته، وسأل الرسول عن الطريق والوقت الذي يستغرقه حتى يصل إلى المكان. وسأله: «ما وضع الألمان هناك بشكلٍ عام؟»

«هذا يتوقَّف على الظروف يا سيدي. في بعض الأحيان نعتقل دوريةً ليلية مُكوَّنة من اثنَي عشر أو خمسة عشر جنديًّا، ونُرسلهم إلى مؤخرة الجيش تحت حراسة رجل واحد. وفي أحيانٍ أخرى، تُقاتل مجموعةٌ صغيرة منهم قتالًا مريرًا كالشياطين. يُقال إنَّ ذلك يتوقَّف على الإقليم الألماني الذي أتَوا منه؛ البافاريون والساكسونيون هم الأشجع.»

انتظر العقيد سكوت ساعةً ثم تجوَّل يهزُّ الجنود النائمين.

«أمرك يا سيدي.» انتفض النقيب ماكسي على قدمَيه وكأنه أُمسكَ على فعلٍ فاضح. نادى على الرُّقباء وشرَعوا يُوقِظون الجنود من تحت أكوام القش والحفر. وفي غضون نصف الساعة، أصبحوا على الطريق.

كانت هذه هي المسيرةَ الأولى للكتيبة على طُرقٍ سيئة للغاية، حيث كان السير يتطلَّب الشدَّ والحفاظ على التوازن. سُرعانَ ما دفئوا من ذلك على أي حال، حتى صاروا يتعرَّقون. ظل وزن مُعَدَّاتهم يُرمى في المكان الخطأ على الدوام. أعاقت ملابسُهم المُبتلَّة من حركتهم، والْتوَت حقائبهم على أكتافهم وتكوَّمَت. بدأ كلود وهيكس يُفكران معًا فيما كان عليه الحال في الوحل الحقيقي، في مدينتَي إبير وباسيندالي، منذ عامَين. كان هيكس يتدرَّب في أراس الأسبوع الماضيَ، حيث «يستريح» العديد من الجنود البريطانيين بالطريقة ذاتِها، وكان لديه حكاياتٌ يرويها.

وصلت الكتيبة إلى مزرعة جوشيم في الساعة التاسعة. لم يكن العقيد هارفي قد أتى بعد، لكن يوليوس قيصر العجوز كان هناك مع مُهندِسيه، وأعدَّ لهم إفطارًا ساخنًا. في السادسة مساءً انطلقوا على الطريق مرةً أخرى، وظلُّوا يسيرون حتى مطلع الفجر، ولم يستريحوا إلا أوقاتًا قصيرة. وفي الليل أسَرُوا دوريَّتَين من الألمان من ثلاثين جنديًّا. في استراحة الإفطار، أراد السجناء أن يُساعدوا، لكن الطباخ قال إنهم قذرون للغاية لدرجة أن رائحتهم ستُفسد الحساء. أُبعِدوا في مكان بمفردهم على مسافةٍ كافية من خط إعداد الطعام.

كان جيرهارت بالطبع هو من ذهبَ إليهم واستجوَبهم. شعَر كلود بالأسف تجاه السجناء؛ إذ كانوا جميعًا مُستعدِّين لسَردِ كلِّ ما يعرفونه، وكانوا حريصين للغاية على أن يحظَوا بالقَبول؛ بدَءوا في الحديث عن أقاربهم في أمريكا، وقالوا مُبتهِجين إنهم ينوون السفر إليهم بأنفسهم بعد الحرب، وقد بدَوْا واثقين من أن الجميع سيُسَرُّ بزيارتهم!

توسَّلوا إلى جيرهارت أن يسمح لهم بالقيام بعملٍ ما. ألا يمكنهم حملُ أغراض الجنود في أثناء المسيرة؟ بلى، إنهم مُمتلئون بالحشرات، لكنهم يستطيعون مساعدة فرقة الصرف الصحي. حسنًا، سيفعلون ذلك بكل سرور، سيدي الضابط!

تتمثَّل الخطة في الوصول إلى خندق روبرشت والاستيلاء عليه قبل حلول الليل. كان الاستيلاء عليه سهلًا؛ إذ خلا من كل شيء عدا الحشرات وبعض البشر المُهمَلين؛ عدد من المُعاقين والمرضى تُرِكوا للعدوِّ كي يتخلص منهم، وعدد من الشباب المجانين الذين ينبغي حبسُهم في مؤسسةٍ ما. عرَف الألمان معنى عدم رجوع دوريَّاتهم. أخلَوا المكان مُخلِّفين وراءهم مرضى ميئوسًا من حالتهم، وأكبر قدر ممكن من القذارة. كانت المخابئ جافَّة نسبيًّا، لكنها تعجُّ بالحشرات لدرجة أن الأمريكيِّين فضَّلوا النوم في الوحل وفي العراء.

بعد العشاء، انكبَّ الرجال على أمتعتهم، وبدَءوا يُخفِّفون أحمالها ويرمون كلَّ ما هو ليس ضروريًّا، وكثيرًا ما كان ذلك. تخلَّى العديد منهم عن المعاطف الجديدة التي قُدِّمت لهم عند رأس السكك الحديدية، وقطع آخرون التنانيرَ وحوَّلوا المعاطف إلى سُتراتٍ مُمزَّقة. كان النقيب ماكسي مُنزعِجًا للغاية من هذه الخَسارة والتلف، لكن العقيد نصحَه بإغلاق عينَيه. «سيُواجه الجنود مسيرةً عسيرة؛ فلْيَمشوا خِفافًا. وإذا كانوا يُفضلون تحمُّل البرد، فلهم حقُّ الاختيار.»

١٦

استراحت الكتيبة لمدة أربع وعشرين ساعةً في خندق روبرشت، ثم استكملت المسيرَ لمدة أربعة أيام وأربع ليالٍ كانوا يسرقون فيها الخنادق ويأسِرون الدوريات، ولا ينالون من النوم إلا سُوَيعات يَسترقُونها على جانب الطريق، بينما يُعَدُّ لهم الطعام. لقد اندفعوا بجِدٍّ شديد خلف عدوٍّ مُنسحِب، وكادوا يتفوَّقون على أنفسهم. نَفِدت مُؤنُهم في الليلة الرابعة، عندما حلُّوا على مزرعةٍ اتخذها الألمانُ مَقرًّا لقيادتهم، لم تكفِهم المؤنُ التي عثَروا عليها هناك، وذهبوا إلى النوم من دون عشاء.

لسببٍ ما، يُطلِق السجناء على هذه المزرعة اسم «فراو هولدا»، وقد كانت عُشًّا ووَكرًا للهواتف؛ إذ تمتدُّ مئات الأسلاك على الجدران في جميع الاتجاهات. قطع العقيد كلَّ الأسلاك التي استطاع الوصولَ إليها، ثم وضع حراسةً على مُزارع عجوز تُرِك كي يرعى المنزل؛ إذ كان يشكُّ في أنه يعمل لصالح العدو.

وأخيرًا، دخل العقيد سكوت إلى السرير الموجود في مَقرِّ القيادة — كان كبيرًا وسميكًا — ذلك أول سرير يراه منذ أن غادَر أراس. لم ينَمْ أكثرَ من ساعتَين، ثم أتاه رسولٌ من عقيد الفوج. كان كلود ينام على سريرٍ عُلوي بين جيرهارت وبروجر. شعَر أن شخصًا يهزُّه، لكنه قرَّر أنَّ أحدًا لن يُزعجه، وعاد إلى نومه بهدوء. بعد ذلك، اجتذب أحدٌ ما شعره بقوةٍ جعلته ينهض. كان النقيب ماكسي يقف أمام السرير.

«هيَّا أيها الفتيان. لدينا تعليماتٌ من مقر قيادة الفوج. ستنقسم الكتيبة هنا. سوف تتقدَّم سَريتنا الليلةَ أربعةَ كيلومترات، وتستولي على مدينة بوفورت.

نهض كلود. «الرجال مُنهَكون للغاية أيها النقيب ماكسي، ولم يتناولوا طعامًا على العشاء.»

«لا مَفرَّ من ذلك. أخبِرهم أننا سنكون في بوفورت لتناول الإفطار.»

خرج كلود وجيرهارت إلى الحظيرة، وأيقظا هيكس وصديقه ديل آبل. كان الرجلان نائمَين على قشٍّ جافٍّ للمرة الأولى منذ عشرة أيام. كانا مُنهَكَين للغاية غيرَ واعيَين بمكانهما أو زمانهما. العديد منهم على بُعدِ مسافة أربعة آلاف ميل بالفعل، مُوزَّعين بين المدن الصغيرة ومزارع البراري. بدا عليهم البؤس؛ إذ تجمَّعوا وهم يتخبَّطون في الظلام.

بعدما اطَّلَع العقيد على الخريطة مع النقيب ماكسي، خرج ورأى السَّرية مُتجمِّعة. أخبرهم أنه لن يذهب معهم، لكنه يتوقَّع منهم أن يؤدُّوا عملهم جيدًا. حالَما يَصِلون إلى بوفورت، سيستريحون لمدة أسبوع حيث لا ينامون في العراء ويعيشون بين الناس لفترة.

سلك الجنود الطريق وقد أغمض بعضهم عينَيه في مُحاوَلة لإيهام أنفُسهم أنهم لا يزالون نائمين، واستعادة أحلامهم الجميلة مُجدَّدًا في أثناء المسير. لم يُفيقوا من النوم بالفعل إلى أن قابَلوا دوريةً من الألمان، وأرسلوها أسيرةً إلى العقيد تحت حراسة رجل واحد. عندما تقدَّموا كيلومترَين وجدوا الجسر قد نُسِف. ذهب كلود وهيكس في اتجاهٍ واحد بحثًا عن مَعبرٍ في النهر، وذهب بروجر وديل آبل في اتجاهٍ آخر، واستلقى الرجال على جانب الطريق، وغطُّوا في سُباتٍ عميق. وصلوا إلى أطراف القرية عند الفجر، وجدوها ساكنة وهادئة.

لم يكن لدى النقيب ماكسي أيُّ معلومات عن عدد الألمان المُتبقِّين في البلدة. كان الألمان قد احتلُّوا البلدة منذ اندلاع الحرب، واستخدموها بمثابة معسكر استراحة. ولم يقع فيها أيُّ قتالٍ قط.

في المنزل الأول على الطريق، توقَّف النقيب وطرَق الباب. لم تأتِه أي إجابة.

«نحن أمريكيون ولا بد أن نرى ساكني المنزل. وإذا لم تفتحوا فسنكسر الباب.»

نادى صوتُ امرأة: «لا يوجد أحدٌ هنا. ابتعِد من فضلك وأبعِد رجالك. أنا مريضة.»

نادى النقيب على جيرهارت الذي بدأ يشرح الأمر للمرأة ويُطَمئنها من خلف الباب. انفتح الباب قليلًا، وظهرت منه امرأةٌ عجوز ترتدي قلَنسُوة نوم. أتى رجلٌ عجوز من خلفها. حدَّقَت في الجنود في دهشة وعدم فهم. إنهم أول جنود تراهم من قوات الحلفاء. قالت إنها سمعت الألمان يتحدثون عن الأمريكيين، لكنها اعتقدَت أنها إحدى أكاذيبهم. فور أن اقتنعَت، سمحت للجنود بالدخول، وردَّت على استفساراتهم.

كلا، لم يتبقَّ ألمانٌ في منزلها. أتَتْهم تعليمات بالمغادرة أولَ أمس؛ ومن ثَم فجَّروا الجسر. كانوا يتمركزون في مكانٍ ما جهةَ الشرق. لم تكُن تعلم عددَ الجنود الذين لا يزالون في البلدة ولا مكانهم، لكنها تستطيع إخبار النقيب بالموقع الذي كانوا فيه. أحضرت خريطةً للبلدة وعلى وجهها نشوةُ النصر، قالت وعلى شفتَيها ابتسامةٌ ذاتُ مغزًى إن ضابطًا ألمانيًّا فقدها، وعلى الخريطة علاماتٌ لأماكن مساكن الإيواء.

استنادًا إلى هذا الدليل؛ سلك النقيب ماكسي ورجاله الشارع. وضعوا ثمانيةَ أسرى في زنزانة وسبعةَ عشر في زنزانةٍ أخرى. عندما رأى أهل القرية السجناءَ مُقيَّدين معًا في الميدان، خرَجوا من منازلهم وتحدَّثوا بما لديهم من معلومات. قال بيرت فولر إنَّ هذا النصر أشبَهُ باصطياد السمك من نهر بلات وقت انحسار المياه؛ إذ لا يكون عليك سوى نشلِها بالدِّلاء! ولا تسلية في ذلك.

في الساعة التاسعة، كان الجنود واقفين معًا في الميدان أمام الكنيسة، ويُحدِّدون على الخريطة تلك المنازلَ التي فُتِّشت. جلس الجنود يحتسون القهوة ويأكلون الخبز الطازَج من المخبز. امتلأ الميدان بأهل القرية الذين خرَجوا كي يتأكَّدوا بأنفُسهم. اعتقد البعضُ أن الخلاص قد أتى، وآخرون هزُّوا رءوسهم وتراجَعوا ارتيابًا من تدبير خدعة أخرى. كان هناك حشدٌ من الأطفال يلعبون في المكان ويُكوِّنون صداقاتٍ مع الجنود. ثَمة فتاةٌ صغيرة لها شعرٌ أصفر مُجعَّد ترتدي ثوبًا أبيض نظيفًا ألصقت نفسها بهيكس، وأخذت تأكل الشوكولاتة من جيبه. كان جيرهارت يُساوِم الخبَّاز من أجل إعداد دفعة أخرى من الخبز. كانت الشمس ساطعةً على غير العادة، وكل شيء بهيجًا. بدا أنَّ هذه القرية مليئة بالفتَيات؛ بعضُهن جميلات، وكلُّهن وَدُودات. الرجال الذين يبدو في وجوههم الإرهاقُ والبؤس حين بزغ الفجر عليهم عند حدود القرية، بدَءوا يستعدُّون ويفتحون صدورهم. كانوا مُغلَّفين بالقذارة والوحل، لكن مثلما أشار كلود إلى النقيب، فقد بدَوْا مُنتعِشين في حقيقة الأمر.

فجأةً سُمِع صوت طلقة غطَّى على صوت الثرثرة، ثم صرخت امرأةٌ عجوز ترتدي قَلنسُوةً بيضاء، وتعثَّرَت على الرصيف، وراحت تتدحرج وهي تركل بكِلتا يدَيها وقدمَيها على نحوٍ غير مُلائم. سُمِع صوتُ فرقعة أخرى، اندفعَت الفتاة الصغيرة التي كانت تقف بجانب هيكس وتأكل الشوكولاتة، وركضَت بِضع خطوات ثم وقعت، وأخذ دمُها ودماغها ينضحان من بين شعرها الأصفر. بدأ الناس يصرخون ويركضون. نظر الأمريكيُّون هنا وهناك في استعداد للتحرك بسرعة، لكنهم لم يعرفوا إلى أين يذهبون. دوَّت طلقةٌ أخرى، وسقط النقيب ماكسي على إحدى ركبتَيه، واحمرَّ وجهه من الغضب، ولم يكد ينهض حتى سقط مرةً أخرى؛ أصبح لونه شاحبًا، وتحوَّلَت ساقُ سرواله إلى اللون الأحمر.

صاح هيكس وهو يُشير بيده: «هناك، على اليسار!» صاروا يرَون الآن. ثَمة دخانٌ كان يخرج من منزلٍ مُغلَق يقع على مسافةٍ قريبة في شارعٍ يتفرع من الميدان. علق الدخان أمام إحدى النوافذ بالطابق العُلوي. سحَب الحارس النقيب وأدخله إلى حانة. ركض كلود وديفيد ومن خلفهما الجنودُ إلى الشارع واقتحموا الباب. جال الضابطان بين غُرَف الطابق الأول، وتقدَّم هيكس ومن معه مباشرةً إلى سُلَّم مُسيَّج في الجزء الخلفي من المنزل. حين وصلوا إلى بداية الدرَج، قُوبلوا بوابلٍ من طلقات البنادق، وسقط رجلان منهم. كان أربعة ألمان يتمركَزون على رأس الدرَج.

لم يعرف الأمريكيون إن كانت رصاصاتهم هي التي طالت الألمانَ أولًا أم حِرابُهم؛ لم يكونوا واعين بصعودهم إلى الأعلى حتى صاروا هناك. عندما وصل كلود وديفيد إلى بسطة الدرَج، وجدوا أفراد الفِرقة يمسحون حِرابهم وأربعَ جُثَث رمادية مُتكوِّمة في الركن.

ركَض بيرت فولر وديل آبل عبر المَمر الضيق، واقتحما غُرفةً تُطلُّ على الشارع. دوَّت رصاصتان، وعاد ديل بفكٍّ مُهشَّم ودمٍ ينبثق من جانب رقبته الأيسر. أمسكه جيرهارت وحاوَل أن يسدَّ الشريان بأصابعه.

نادى كلود: «كم عددهم هناك يا بيرت؟»

«لم أرَ. انتبِه يا سيدي! لا يُمكنكم عبور الباب بأكثرَ من رجلَين في المرة!»

كان الباب لا يزال مفتوحًا في نهاية الطُّرقة. نزل كلود الدرَج حتى تمكَّن من رؤية أرضية الممرِّ حتى الغُرفة الأمامية. كانت مصاريع النوافذ مُغلَقة، وتسلَّلَت أشعةُ الشمس من بين الألواح. في وسط الأرضية بين الباب والنوافذ، وقفت خِزانة أدراج طويلة، ولها مِرآةٌ مُثبَّتة على قمَّتها. في المساحة الضيقة بين الجزء السفلي من قطعة الأثاث تلك والأرض، استطاع أن يرى زوجَين من الأحذية. ربما لا يوجد في الغُرفة أكثرُ من رجل يُطلِق الرَّصاص من خلف حِصنه المُتحرِّك، لكن ربما كان هناك آخرون أيضًا مُختبئون في الأركان.

«أعتقد أنه لا يوجد سوى شخص واحد في الغُرفة. إنه يُطلِق النار من خلف خِزانة كبيرة في وسط الغُرفة. فليأتِ أحدكم، علينا أن ندخل وننال منه.»

تقدَّم ويلي كاتز، الفتى النمساوي الذي كان يعمل بشركة التعبئة في أوماها، ووقف بجانبه.

«الآن يا ويلي، سيدخل كِلانا في الوقت ذاتِه؛ ستقفز أنت جهة اليمين، وسأقفز أنا جهة اليسار، وسيَطعنه أحدُنا. لا يمكنه إطلاقُ النار في اتجاهَين في وقتٍ واحد. هل أنت مُستعِد؟ حسنًا، هيَّا!»

ظن كلود أنه اتخذ الموضع الأخطر لنفسه، لكن الألماني قد خمَّن على الأرجح أن الرجل المهم سيكون على اليمين. حين اندفع الأمريكيَّان من الباب، أطلق النار. طعنه كلود في ظهره بالحربة أسفلَ لوح الكتف، لكن ويلي كاتز أُصيبَ برَصاصة في رأسه دخلَت من إحدى عينَيه الزرقاوين. سقط جثةً هامدة. أطلق الجندي الألماني الرَّصاصَ مرةً أخرى وهو يخرُّ ويصيح بلغةٍ إنجليزية لا تتخلَّلها لُكْنةٌ أجنبية:

«أيها الحقير، عُد إلى شيكاجو!» ثم بدأ يختنق بالدم.

ركض الرقيب هيكس وأطلَق الرَّصاص على الرجل المُحتضر في صُدغَيه. لم يُوقِفه أحد.

كان الجنديُّ طويلًا، ويحمل العديد من الميداليات والأوسمة؛ لا بد أنه كان وسيمًا للغاية. كانت ملابسه ويداه بيضاء وكأنما كان ذاهبًا إلى حفلٍ راقص. وجَدوا على الخِزانة مَبارد ومعجونًا وأدواتِ تلميع كان يستخدمها للحفاظ على أظفاره ورديةً وناعمة. كان يرتدي في إصبعه الخنصرِ خاتَمًا به ياقوتةٌ جميلة. خلَعه بيرت فولر وقدَّمه إلى كلود. هزَّ رأسه. تلك الجملة الإنجليزية قد أوهنَت ثقته وعزيمته. قدَّم بيرت الخاتمَ إلى هيكس، لكن الرقيب رمى مُسدَّسه وانفجر قائلًا:

«أتظنُّ أني سألمس أيَّ شيء يخصُّه؟ تلك الفتاة الصغيرة الجميلة وقد لاقى صديقي ما هو أسوأُ من الموت؛ لاقى ديل ما هو أسوأ من الموت!» أدار ظهره لرفاقه حتى لا يرَوه وهو يبكي.

سأل بيرت: «هل يمكنني الاحتفاظ به لنفسي يا سيدي؟»

أومأ كلود. دخل ديفيد وأخذ يفتح النوافذ. كان كلود يفكر في أن ذلك الضابط مختلفٌ تمام الاختلاف عن السجناء البؤساء الذين كانوا يغترفونهم من الأقبية مثل الشراغف. وجد أحدُ الرجال ثوبًا حريريًّا رائعًا على السرير، وأشار آخرُ إلى حقيبة لأدوات الزينة مليئةٍ بالمشغولات الفِضية المُطرَّقة. قال جيرهارت إنها فِضياتٌ روسية؛ لا بد إذَن أن هذا الرجل قد أتى من على الجبهة الشرقية. راح بيرت فولر ونيفتي جونز يُفتِّشان جيوب الضابط. شاهَدهما كلود وعَلِم أنهما يقومان بالعمل المُناسب. لم يلمسا الميداليات، أما عُلبة السجائر الذهبية والساعة البلاتينية التي لا تزال تدقُّ في رُسغه، فلم يَعُد بحاجة إليهما. حول رقبته سلسلةٌ رقيقة تتدلَّى منها عُلبةٌ صغيرة وبداخلها صورة، لم تكن الصورة لامرأةٍ جميلة مثلما كانت آمال بيرت الرومانسية، بل صورة شابٍّ ذي بشرة بيضاء مثل الثلج، وله عينان زرقاوان باهتتان.

اطَّلَع عليها كلود وقال: «يبدو أنه شاعرٌ أو شيء من هذا القبيل. ربما أخٌ صغير قُتِل في بداية الحرب.»

أخذها جيرهارت، ونظر إليها نظرةَ ازدراء: «ربما. فلتدَعْه يحتفظ بها يا بيرت.» ربت على كتف كلود كي يُنبهه إلى أعمال الترصيع الموجودة على يد مُسدَّس الضابط.

لاحظ كلود أن ديفيد ينظر إليه كأنه مسرورٌ به للغاية، وكأنما قد حدث شيءٌ مُبهِج في هذه الغُرفة التي يشهد الربُّ أن شيئًا مُبهِجًا لم يحدث بها، والتي رأوا فيها حين استداروا سِربًا من الذباب الأسوَد يحوم شرهًا ومُبتهجًا بالبقع التي خلَّفتْها جثة ويلي كاتز على الأرض. كثيرًا ما لاحظ كلود أنه حين كانت تُراوِد ديفيد فكرةٌ مُثيرة للاهتمام أو توخزه ذاكرتُه بقوة، فإنَّ ذلك يجعله قاسيًا للحظة. والآن شعَر أن معنويات جيرهارت العالية كانت مُرتبطة به على نحوٍ ما. أكان هذا لأنه دخل مع ويلي؟ أكان ديفيد يشكُّ في شجاعته؟

١٧

حين يصير الناجون من السَّرية «بي» كبارًا في السن، ويتحاكَون عن أيامهم السعيدة، سيقول بعضُهم لبعض: «يا له من أسبوعٍ ذلك الذي قضَيناه في بوفورت!» سيُغمضون أعيُنهم ويرَون قريةً صغيرة تقع عند حافةٍ جبلية لا تُرى من بين الغابة؛ إذ غطَّتها أشجار البلوط والكستناء والجوز الأسود، وتكنَّفتْها أجواء الخريف؛ فالشوارع مُغطَّاة بأوراق الأشجار، وثَمة أغصانٌ كبيرة تتشابك فوق أسطُح المنازل، وآبار المياه الباردة يتخلَّلها مذاق الطحالب وجذوع الأشجار. في تلك الشوارع، سيرَون أشخاصًا يسيرون جَيئةً وذَهابًا؛ سيرَون أنفُسهم شبابًا بأجسامٍ رشيقة قد اكتسَوا باللون البُنِّي، وسيرَون رِفاقهم الذين ماتوا منذ زمن بعيد لكنهم لا يزالون على قيد الحياة في تلك القرية البعيدة. كم يتمنَّون لو أنهم يمشون ثانيةً على مدار الليالي والأيام في الوحل والمطر، وأن يَجرُّوا أقدامهم المُتقرِّحة إلى تلك المساكن القديمة في بوفورت! كم يتمنَّون النوم في تلك الأسرَّة العريضة ذات المراتب المحشوَّة بالريش على مدار اليوم بأكمله، بينما النساءُ العجائز يَغسِلن ثيابهم ويُجفِّفنها لهم، وأن يأكلوا حساء الأرانب والبطاطس المقلية في الحديقة؛ ذلك الحساءَ المطهوَّ بالنبيذ الأحمر والكستناء. آه، تلك الأيام التي خلَت!

فورَ أنْ شرَع النقيب ماكسي والجرحى في رحلة العودة إلى المؤخرة يحملهم فيها السجناء، استعدَّت السَّرية بكاملها للنوم، ونامت لمدة اثنتَي عشرة ساعة، نام الجميع ما عدا الرقيب هيكس الذي جلس في المنزل الواقع في الشارع المُتفرِّع من الميدان بجانب جثة صديقه.

في اليوم التالي، استعاد الأمريكيُّون نشاطهم كأنهم خُلقوا لتوِّهم من جديد في عالمٍ جديد. استعاد أهل البلدة أيضًا نشاطهم … أحسُّوا بالبهجة والتغيير؛ فأخيرًا قد وجَدوا ما يتطلَّعون إليه! فثَمة عَلمٌ جديد مُرصَّع صار يُرفرِف في الميدان بجوار عَلمِهم الثلاثي الألوان. عند غروب الشمس، اصطفَّ الجنود خلفه، وتغنَّوا بالنشيد الوطني «ذا ستار سبرانجيلد بانَر» («الراية المُوشَّحة بالنجوم») وهم حاسرو الرءوس. وقف كبار السِّن يُشاهدونهم من مداخل الأبواب. كان الأمريكيُّون هم أول من تغنَّى بالأغنية الوطنية الفرنسية «لا مادلون» في بوفورت. إنَّ حقيقة عدم سماع القرية بهذا النشيد مُطلَقًا، وتَحلُّق الأطفال حول الجنود يتوسَّلون إليهم بأن يُغنُّوه مُجدَّدًا، فيطلبون بالفرنسية: «هلَّا غنيتم مادلون!» قد جعلَت الجنود يُدركون مدى الانعزال الشديد الذي اختبره أهلُ هذه البلدة. كان الاحتلال الألماني بمثابة حاجز من الصمَم لم يخترقه سوى أناشيدهم العسكرية المُتغطرِسة.

قبل أن يُغادر كلود السريرَ بعد أول مدة نوم طويلة، وصل رسولٌ من العقيد سكوت يُخبره أنه قائد السَّرية لحين صدور تعليمات أخرى. دفن الألمان قتيلَهم وحفَروا مقابر للأمريكان قبل أن يُرسَلوا إلى المؤخرة. أقام كلود وديفيد على أطراف البلدة مع السيدة التي قدَّمَت للنقيب ماكسي أولَ معلومات حين دخلوا عليها بيتها صباحَ أمس. حين كانا يتناولان إفطارهما في الضحى، أخبرتهما صاحبةُ البيت أن العجوز التي أُصيبت بالرَّصاص في الميدان والفتاة الصغيرة ستُدفَنان بعد ظهر اليوم. قرَّر كلود أنه يمكن إقامة جنازة الأمريكيِّين أيضًا في الوقت نفسِه. فكَّر أنه يمكن أن يطلب من القس تلاوة بعض الصلوات على المقابر؛ ومن ثَم انطلق هو وديفيد تحت أشعَّة شمس الخريف البرَّاقة وحفيف أوراق الأشجار للعثور على بيت القس. كان يقع في الكنيسة التالية التي توجد خلفها حديقةٌ عالية الأسوار. فوق الجرس الموضوع على الجدار الخارجي، وجدَا بطاقةً مكتوبًا عليها «اسحب بقوة».

خرج القسُّ بنفسه إليهما؛ رجلٌ عجوز يبدو عليه الوهن كجرس بابه. وقف متَّشِحًا بقلنسوته السوداء وقد وضع يدَيه على صدره كي لا يُصافحهما، بدا طاعنًا في السِّن بالفعل، وكسيرًا يائسًا، وكأنه سئم هذا العالمَ وهجَره. لم يرَ كلود في فرنسا وجهًا حزينًا كوجه هذا الرجل. نعم، سيَتلو الصلوات. الأفضلُ أن يُدفَنوا حسَب التعاليم المسيحية؛ ويا لهم من بؤساء سيُدفَنون بعيدًا جدًّا عن أوطانهم! سأله ديفيد إن كان الحكم الألماني قد مارَس القمع الشديد ضدهم أم لا، ولكن العجوز لم يُعطه إجابةً واضحة، وبدأت يداه ترتجفان بشدة من فوق ثيابه؛ مما دفعهما إلى الابتعاد كي لا يحرجاه.

قال كلود: «يبدو أنه مُشوَّش الذهن قليلًا، ألا تعتقد ذلك؟»

«أعتقد أن الحرب أنهكت قُواه. كيف يحتفل بالقداس ويداه ترتجفان بهذه الشدة؟» حين عبَرا درَج الكنيسة، لمس ديفيد ذراع كلود وأشار إلى الميدان. «انظر، أصبح لكل جندي من المُشاة فتاةٌ بالفعل! يتباهى بعضهم بقبعات العمل غير العسكري! ظننتُ أنهم تخلَّصوا منها جميعًا!»

ومن لم يرتَدُوا قبعاتهم، وقَفوا مُمسِكين بخوذاتهم تحت الإبط في تودُّد كبير، وراحوا يتحدثون إلى الفتَيات اللاتي بدا أنَّ لديهن جميعًا مَهامَّ يقضينَها بالخارج. بعضهن سمَح للجنود بأن يحملوا سِلالهن. وكان أحدُ الجنود يحمل فتاةً صغيرة على ظهره، وقد بدا عليها السرورُ لذلك.

بعد الجنازة، وجد كلُّ جندي في السَّرية امرأةً مُتعاطفة كي يتحدث إليها عن رفاقه الذين فقَدهم. حُملت جميعُ زهور الحدائق الموجودة في بوفورت وأكاليل الورد، ونُثرت على قبور الأمريكيِّين. عندما أطلقت الفرقةُ الرَّصاصَ تشييعًا لهم وانطلقت الأبواق، انتحبت الفتَياتُ وأمَّهاتهن. ما كان لويلي كاتز المسكين مثلًا أن يحظى بجنازةٍ مثل هذه في جنوب أوماها.

في الليلة التالية، بدأ الجنود يُعلِّمون الفتَيات الرقصَ على أغنية «با سُل» وأغنية «فوس ترو». كانوا قد عثَروا على كمانٍ قديم في البلدة، وراح أوسكار السويديُّ يعزف عليه. كانوا يرقصون كلَّ ليلة. رأى كلود أن هناك الكثيرَ يجري أمامه، فألقى على رجاله محاضرةً في المَوكب العسكري. لكنه أدرك أنَّ توبيخ العصافير قد يكون أولى. فهذه القرية يقطنها عدةُ مئات من النساء، ولا أزواج إلا للجَدَّات. جميع الرجال كانوا في الجيش، ولم يأخذوا حتى عُطلةً يعودون فيها إلى منازلهم منذ أن استولى الألمان على القرية. حُجبت الفتَياتُ لمدة أربع سنوات مع شبابٍ يرغبوهنَّ باستمرار، وكان عليهنَّ أن يخدعنَهم على الدوام. كان الوضع لا يُطاق، وقد دام مدةً طويلة. وجد الأمريكيون أنفُسهم في مَوقف آدمَ في جنة عدن.

قال بيرت فولر لاهثًا حين لَحِق كلود في الشرع بعد العرض العسكري: «أتعلَم يا سيدي، اضطُرَّ هؤلاء الفتَيات الجميلات أن يخرجنَ إلى الحقول ويعمَلن فيها ويُربِّين الحيوانات من أجل أن يأكل هؤلاء الخنازيرُ القذرة؟ نعم يا سيدي، اضطُرِرن إلى العمل في الحقول تحت رقابة الألمان؛ إذ كانوا يسوقوهن في الصباح ويعودون بهنَّ في المساء مثل المُجرِمين! لا شك أنَّ علينا الآن أن نمنحَهن وقتًا طيبًا.»

لم يكن المرءُ يقضي إحدى الأمسيَّات دون أن يُقابل أزواجًا من الفِتية والفتَيات يتسكَّعون في الشوارع والحواري المُظلِمة. فقدَ الفِتية كلَّ خجَلهم من محاولة التحدث بالفرنسية. قالوا إنه يمكنهم العيشُ في فرنسا باستخدام ثلاث كلمات فقط، وكلها لحسن الحظ من المصادر، وهي: manger بمعنى الأكل، وaimer بمعنى الحب، وpayer بمعنى الدفع، وهذه الكلمات كافية تمامًا. أطلقوا على بلدة بوفورت «بلدتنا»، وأُطلقَ عليهم «أهلنا الأمريكيون». كانوا ينوون العودة بعد الحرب، والزواج من الفتَيات، وإقامة محطات المياه!

«تفضَّل لديَّ يا سيدي!» نادى بيل جيتس على كلود وحيَّاه بيده المُلطَّخة بدم الأرنب الذي يسلخه أمام باب مَسكنه. ازدادت ضحايا الأرانب في البلدة هذا الأسبوع!»

قال ديفيد لكلود ذاتَ صباح بينما كانا يُحلِّقان: «أتعلَم يا ويلر، أعتقد أن ماكسي سيعود إلى هنا بأسرعِ ما يمكن إذا عَلِم عن هذه الرِّحلات في الغابة بحثًا عن عيش الغراب.»

«ربما.»

«ألن تُوقِفَهم؟»

«كلا!» أجاب كلود بسرعة وهو يُهندِم جانبَي فمه بوجهٍ عابس. «إذا تقدَّمت الفتَياتُ أو أهلهن إليَّ بالشكوى فسأتدخَّل. لكني لن أفعل شيئًا فيما عدا ذلك. لقد فكَّرتُ في الأمر جيدًا.»

ضحك ديفيد بهدوء، قال: «أجل، الفتيات … حسنًا، من الجيد أنَّ الجنود يُعجبهم مذاق عيش الغراب. إنه لا يوجد في وطنهم، أليس كذلك؟»

بعد ثمانية أيام، أتَت التعليمات للأمريكان بالمسير، وعندها خيَّم الحزن على كل منزل. في آخر ليلة لهم في البلدة، تلقَّى الجنود دعواتٍ مُلحَّةً على حفل راقص في الميدان. شارَكهم كلود بضع لحظات ثم جلس مُشاهِدًا. رقص ديفيد كل الرقصات، لكن هيكس لم يُرَ في أي مكان. لم يُشارك المسكين في أي شيء. ذهب كلود إلى الكنيسة ليرى ما إن كان يجلس مُبتئسًا في المقبرة أم لا.

بينما كان كلود يتمشَّى هناك، توقَّف كي ينظر إلى قبرٍ يقف مُنعزلًا خلف سياج من تمر حنة ذابل الأوراق، وعليه عَلمٌ صغير لفرنسا. كانت المرأة العجوز التي أقاما معها قد أخبرتهما بقصة هذا القبر.

إنه قبرُ ابنة أخي القس. كانت أجملَ فتاة في بوفورت، على ما يبدو، وجمَعتْها علاقةُ حب بضابطٍ ألماني، وجلبَت العارَ على البلدة. كان شابًّا من بافاريا، ومكث مع المرأة العجوز ذاتِها التي حكَت القصة، وقالت إنه كان فتًى لطيفًا ووسيمًا ورقيقًا اعتاد أن يقضيَ نِصف الليل مُستيقِظًا في الحديقة ورأسه بين يدَيه يُعاني من الحنين إلى وطنه ولوعة الحب. قالت المرأة العجوز إنه لم يَبرَح السعيَ وراء ماري لويس، لم يُلحَّ عليها قط لكنه ظل هناك، يظهر دومًا أمامها حيث تكون. كانت الفتاة تكرهُ الألمان مثل البقية، فازْدرَته. أُرسلَ إلى جبهة القتال. وعاد بعد ذلك مريضًا وقد أوشك على أن يُصبح أصمَّ بعد إحدى المجازر التي وقعَت في فردان، ومكث مدةً طويلة. في ذلك الربيع، انتشرت قصةُ أن امرأة قابلَته ليلًا في المقبرة الألمانية. كان الألمان قد استولَوا على قطعة الأرض الواقعة خلف الكنيسة كي يُقيموا عليها مقبرتَهم، وتلك الأرض مُتاخِمة لسُورِ حديقة القس. عندما كانت النساء يخرجن إلى الحقول من أجل زراعة المحاصيل، كانت ماري لويس أن تنسلَّ من بينهن وتُقابل ضابطها البافاري في الغابة. كانت الفتَيات قد تثبَّتن حينذاك من فعلتها تلك؛ فعامَلْنها بازدراء. لكنَّ أيًّا منهنَّ لم تجرؤ على قولِ أيِّ شيء للقس. وفي أحد الأيام، عندما كانت مع الضابط الألماني في الغابة، اختطفَت مُسدَّسه من الأرض وأطلقت الرَّصاص على نفسها. قالت صاحبة البيت إنها كانت امرأةً فرنسية من صميم قلبها.

توجَّه كلود بالسؤال إلى ديفيد في وقتٍ لاحق: «وماذا عن الضابط الألماني؟» ذلك أنَّ القصة قد صارت مُعقَّدة للغاية حتى إنه لم يستطع تتبُّعها.

«أقرَّ فَعْلتها على الفور. أخذ المُسدَّس ذاتَه، وأطلَق الرَّصاصَ على نفسه في صُدغَيه. سمع خادمه الذي كان يقف على طرَف الغابة لمراقبة المكان الرَّصاصةَ الأولى وجرى تجاههما. رأى الضابط يأخذ المُسدَّس الذي كان الدخان يخرج من فُوَّهته ويُصوِّبه على نفسه. لم يُصدق القائد أن أحدًا من ضباطه كان يُكنُّ كل تلك المشاعر. أجرى تحقيقًا، وجرَّ والدة الفتاة وخالها إلى المحكمة، وحاوَل أن يُثبِت أنهما تآمرا معها لإغراء الضابط الألماني وقتله. استُجوِب الخادم كي يقصَّ القصة بكاملها عن كيفية بدء المقابلات بينهما ومكانها. على الرغم من عدم دقة التفاصيل التي سرَدها، فإنه لم يتزحزح عن شهادته بأنه رأى المُلازم مولر يُطلِق النار على نفسه بيده، ولم يتمكَّن القائد من إثبات التهمة عليهما. لم يعرف القسُّ العجوز أيَّ شيء عن القصة حتى سمعها تنتشر في أرجاء المحكمة العسكرية. كانت ماري لويس تعيش في بيته منذ أن كانت طفلة، وكانت بمثابة ابنته. أُصيبَ بسكتةٍ دماغية أو شيء من هذا القبيل، وأصبح من حينها على تلك الحال. أصدقاء الفتاة سامَحنَها، وعندما دُفنَت وحدها بجانب السياج، بدَأنَ يأخذن الزهور إلى قبرها. وضع القائد إعلانًا على السياج يمنع أي أحد من تزيين قبرها. يبدو أنه لم يحدث في وقت الاحتلال الألماني ما يُثير المشاعر أكثرَ من حكاية المسكينة ماري لويس.»

كان كلود يُفكر أنها تُثير مشاعر أي أحد. فها هو قبرها الصغير يقبع وحيدًا ويُظلِّله سياجُ الشُّجَيرات. في نهاية حديقة القس، قبعَت المقبرة الألمانية بصُلبانها الأسمنتية الثقيلة التي حمَل بعضُها نقوشًا طويلة لأبياتٍ من شعرائهم ومقاطعَ من تراتيل قديمة. ربما كان قبر المُلازم مولر في مكانٍ ما في تلك المقبرة. غريبٌ أنَّ قصتهما برَزَت في عالمٍ غارق في المُعاناة. تلك مأساةٌ لم يَحدُث أنْ فكَّر فيها من قبل، لكنها تكرَّرَت لا بد مرَّاتٍ ومرَّاتٍ في تلك البقعة المُحتلَّة. لن ينسى أبدًا يدَي القس وعينَيه الناطقتين بالوهن والمُعاناة.

رأى كلود ديفيد يَعبر الطريق من أمام الكنيسة، فعاد كي يُقابله.

«مرحبًا! ظننت أنك هيكس في البداية. ظننت أنه سيكون هنا.» جلس ديفيد على الدرَج وأشعل سيجارة.

«وأنا أيضًا، أتيت بحثًا عنه.»

«حسنًا، أعتقد أنه وجد كتفًا يبكي عليها. أتُدرك يا كلود أنه لا يوجد غيرُنا في السَّرية لم يخطب من قبل؟ بعض المُتزوِّجين خطَبوا مرَّتَين. من الجيد أننا ننسحب، وإلا فقد كنَّا سنجدُ أمامنا إعلاناتِ زواج وحفلاتِ تعميد علينا أن نعتنيَ بها.» تمتمَ كلود: «على أي حال، تُعجبني نساء هذا البلد بقدرِ ما رأيت منهن.» بينما جلسا يُدخِّنان في صمت، عاد عقله إلى المشهد الهادئ الذي شاهَده على درج تلك الكنيسة الأخرى في أول ليلة له في فرنسا؛ تلك الفتاة القروية في ضوء القمر تنحني على جُنديها المريض.

عندما سارا مرةً أخرى إلى الميدان فوق الأوراق الذابلة، وجدا حفل الرقص بدأ ينتهي. كان أوسكار يعزف لحن «الوطن، ما أحلى الوطن!» لرقصة الفالس الأخيرة.

قال ديفيد: «القبلة الأخيرة. حسنًا، سنُغادر غدًا، ومن غير المُرجَّح أن نعود إلى هنا.»

١٨

عندما جلس الجنود على جانب الطريق لأكل بسكويت جافٍّ وقت الظهيرة، تذمَّروا قائلين: «إما أن نجد وليمة أو نقع في مجاعة.» قطعوا ثمانية عشر ميلًا ذلك الصباح، وكان لا يزال أمامهم سبعة أميال أخرى. أتتهم التعليماتُ بقطع الخمسة والعشرين ميلًا في ثماني ساعات. لم يسقط منهم أحدٌ حتى الآن، لكن بعضهم بدا عليه الإنهاكُ الشديد. قال نيفتي جونز إنه يوشك على الموت. كان الرقيب هيكس يُحاجِج أصحابَ القلوب الضعيفة. كان يعرف أنه إذا سقط رجل، فسيَتبَعه عشرة.

«ما دمت أستطيع فأنت تستطيع. الأمر أصعبُ على رجلٍ سمين مثلي. ليست تلك بالمسيرة التي تتذمَّر بشأنها. وَيْحي، لقد تحدَّثت في أراس إلى جندي بريطاني صغير من كتائب الزملاء تلك التي تعرَّضَت لمَجزرة في سوم. زحفت كتيبتُه خمسةً وعشرين ميلًا في ستِّ ساعات في حرارة شهر يوليو ليَلقَوا حَتْفهم. كانوا جميعًا لا يزالون طلابًا بالمدارس، ولا يزيد طول الواحد منهم عن خمس أقدام وثلاث بوصات، حتى إنهم لُقِّبوا ﺑ «الأقزام». عليكم الإشادة بهم أيها الرفاق.»

تمتم جونز وهو يُداوي قدمَيه المُتقرِّحتَين: «سأُشيد بأي شخص على أي شيء، لكني لا أستطيع مُواصَلة المشي على قدمَيَّ هاتَين.»

«حسنًا أنت! سنحملك على الحصان الوحيد في السَّرية. أما الضباط فيُمكنهم السير!»

عندما وصلوا إلى حدود الكتيبة، وجَدوا طعامًا جاهزًا من أجلهم، لكن لم يُرده سوى قلة منهم. شرِبوا واستلقَوا بين الشُّجَيرات. ذهب كلود من فوره إلى مَقرِّ القيادة، ووجد باركلي أوينز، من سلاح المُهندسين، يجلس مع العقيد الذي كان يُدخن ويدرس خرائطه كالمُعتاد.

«سُررت برؤيتك يا ويلر. يجدر برجالك أن يكونوا في حالٍ جيدة بعد الاستراحة لمدة أسبوع. دَعْهم يناموا الآن. سيَكون علينا التحرك من هنا قبل منتصف الليل لمساعدة اثنتَين من كتائب تكساس في خندق مولتك. استولى الجنود على الخندق بعد أن تعرَّضوا لخسائر كبيرة في الأرواح وهم مُنهَكون تمامًا؛ فلن يستطيعوا الصمود إذا شنَّ العدوُّ هجمةً مُضادَّة. وتلك نقطةٌ مُهمَّة سيُحاوِل العدوُّ استردادها. أريد أن أصل إلى الموقع قبل طلوع الفجر؛ كي لا يعرف العدوُّ بقدوم قوَّات جديدة. بصفتك الضابط الأعلى رتبةً، فأنت المسئول عن السَّرية.»

«حسنًا يا سيدي. سأبذل قصارى جهدي.»

«أنا مُتأكِّد من ذلك. سيذهب معنا فريقان من المدفعية الثقيلة، وستأتي في الغد إحدى كتائب ميزوري لدعمنا. كنت أنوي إبقاءك هنا من قبل، لكني لم أتلقَّ التعليمات بالمساعدة سوى أمس. ربما نحتاج إلى التقدم تحت نيران القذائف. ظل العدوُّ يضع الكثير من الأشياء الكبيرة هناك؛ يريد أن يعزل ذلك الخندق.»

دخل كلود وديفيد إلى حفرةٍ أحدثَتها إحدى القذائف مؤخرًا تحت الأجمة نصف المُحترقة، وناما. استيقظا في الغسَق على صوت نيران مِدفعية ثقيلة قادم من جهة الشمال.

في الساعة العاشرة، بدأت الكتيبة، بعد تناوُل وجبة ساخنة، في الزحف عبر أرض وَعْرة للغاية. لا بد أن المدافع ظلَّت تدكُّ الطريق من المدى ذاته مدةً طويلة؛ إذ بدَت الأرض كأنها عُجنَت حتى أصبحت ليِّنةً مثل العجين على الرغم من عدم سقوط المطر لمدة أسبوع. كان باركلي أوينز وفريقه من المهندسين يصنعون طريقًا من الألواح تسهيلًا لعبور الطعام والذخائر. كانت القذائف الكبيرة تنطلق على فترات من اثنتَي عشرة دقيقة. وكانت هذه الفواصل الزمنية مُنتظِمة للغاية، حتى إنهم تمكَّنوا من التقدم من دون التعرض لضرر. بينما كانت السرية «بي» تتقدَّم في منطقة القذائف، لَحِق بهم العقيد سكوت وهو يسير على قدمَيه، وخادمه يسحب حِصانه.

سأل: «أتعرِف أيَّ شيء عن ذلك الضوء الذي تراه هناك يا ويلر؟ حسنًا، لا ينبغي أن يوجد هناك. تعالَ وانظر.»

لم يكن مصدرُ الضوء سوى رأس عود ثِقاب في الأرض، ولم ينتبه له كلود من قبل. تَبِع العقيد، وعندما وصلا إلى مصدر الشرارة وجدَا ثلاثةَ جنود من السرية «إيه» رابضين في إحدى حفر القذائف، وتُغطيهم بها قطعةٌ من لوحٍ حديدي.

نادى العقيد بحِدَّة: «أطفئوا النار. ما الأمر أيها النقيب بريس؟»

نهض شابٌّ بسرعة. «إننا بانتظار الماء يا سيدي. إنها آتيةٌ على البغال في صناديق النفط، ولا أريد الافتراق عنها. الأرض وَعْرة هنا، وربما يضلُّ السائقون الطريق.»

«لا تنتظرْ أكثرَ من عشرين دقيقة. يجب أن تنهض وتأخذ موقعك في الوقت المُناسب، هذا هو المهم سواءً وُجدت المياه أو لم توجد.»

بينما كان العقيد وكلود يُسرِعان في العودة للَّحاق بالسَّرية، دوَّت خمس قذائف فوقهما في تتابعٍ سريع. صاح الخادم: «أسرِعْ يا سيدي. إنهم يقتربون من مكاننا، وقصَّروا مدى القذف.»

تمتمَ العقيد: «كان ذلك الضوء كافيًا لأن يدلَّهم على مكاننا.»

استمرَّت وُعورة الأرض لميلٍ آخر تقريبًا، ثم وصلوا إلى مَقرِّ القيادة خلف الخندق الثامن من نظام الخنادق الكبير. كان مَقرُّ القيادة منزلَ مزرعة قديمًا عزَّزه الألمان بالخرسانة المُسلَّحة، وطلَوه من الداخل والخارج حتى بلَغ سُمكُ الجدران ستَّ أقدام، وصارت مُضادَّة للقذائف بدرجةٍ كبيرة مثل حصنٍ صغير. أرسل العقيد خادمَه كي يسأل عن السَّرية «إيه». أتى مُلازمٌ شابٌّ إلى باب منزل المزرعة.

«السَّرية جاهزة لاتخاذ موقعها يا سيدي. أحضرت الجنود.»

«أين النقيب بريس أيها المُلازم؟»

«قُتِل ومعه كلٌّ من مُلازمينا الأوائل أيها العقيد. قُتِلوا في تلك الحفرة. سقطَت قذيفة عليهم بعد أقلَّ من خمس دقائق من حديثك معهم.»

«هذا مؤسف. هل توجد أيُّ خسائر أخرى؟»

«نعم يا سيدي. ضُرِبت عربةُ طهي في الوقت ذاتِه؛ إنها العربة الأولى القادمة على طريق جولياس سيزار الجديد. قُتِل السائق واضطُرِرنا إلى إطلاق الرَّصاص على الخيول. كاد النقيب أوينز أن يُحرَق بالحساء.»

نادى العقيد على الضباط واحدًا تِلو الآخر، وتناقَش معهم بشأن مواقعهم.

عندما أتى الدور على كلود، قال: «ويلر، هل تعرف الخريطة؟ لاحظت تلك الحلقة الحادَّة في الخندق الأمامي في النقطة «إتش ٢»، أعتقد أنهم يُسمونها «رأس الخنزير». إنها أشبهُ برأسِ حربةٍ تمتدُّ تجاه خطوط العدو، وستكون نقطةً يصعب الحفاظ عليها. فهل تعتقد أنه يمكنك الاعتماد على كتيبتك في حال حدوث هجوم مُضادٍّ إذا وضعتهم فيها؟»

قال كلود إنه يعتقد ذلك.

«إنها أصعبُ نقطة على خط المواجهة، ويمكنك أن تُخبر رجالك بأني أُثني عليهم عندما أضعهم في تلك النقطة.»

«حسنًا يا سيدي. سيُقدِّرون ذلك.»

قطع العقيد عُقْب سيجار جديدًا. «ذلك أفضلُ لو تعلمون! إن ترَكوا مجالًا لدخول مدافع الألمان، فسيَسقط خطُّ المواجهة بالكامل. سأُعطيك فريقَين من المدفعية الجورجية الآلية لتضعَهما في تلك النقطة التي يُسمونها «أنف الخنزير». عندما تصل كتائب ميزوري في الغد فسيأتون دعمًا لك، لكن حتى ذلك الحين فعليكم أن تحرسوا تلك النقطة بأنفُسكم. لديَّ عددٌ كبير من الخنادق التي ينبغي الحفاظ عليها، ولا أستطيع أن أمنحك مزيدًا من الجنود.»

كان جنود تكساس الذين أتت الكتيبة لمساعدتهم يَقتاتون منذ ستِّين ساعة على جرايات الطوارئ وعلى ما يمكن أن يجدوه مع قتلى الألمان. نُسِفت مؤنهم في الطريق، ولم يَصِل إليهم أيُّ شيء. عندما اصطحب العقيد كلود وجيرهارت لتفقُّد الحلقة التي ستتمركز فيها السَّرية «بي»، وجدوا مكانًا أشبهَ بمَقلب نُفايات منه بالخندق. لم يقوَ الرجال الذين اتخذوا المواقع على الوقوف. قُتِل جميع ضباطهم، وتولَّى القيادةَ أحدُ الرقباء. قدَّم الرقيب اعتذاره بشأن وضع الحلقة.

«أعتذر عن ترك تلك الفوضى لكم كي تُنظِّفوها يا سيدي، لكننا في وضعٍ سيئ هنا. العدو يقصفنا كلَّ ليلة منذ أن أخرجناه من المنطقة. لم يسَعْني أن أطلب شيئًا من الجنود سوى الصمود.»

«حسنٌ إذَن. لقد تغلَّبتَ عليه بسرعة بفضل جنودك! سيُقدم لك رجالي بعض الطعام وأنت عائد.»

مرَّ بهم أفراد فريق الدفاع عن «رأس الخنزير» المُنهَكين يتعثَّرون في الظلام متَّجِهين إلى خنادق عمليات الاتصال. وعندما خرج آخِرُ جندي منهم، أرسل العقيد إلى باركلي أوينز. حاوَل كلود وديفيد أن يتلمَّسا طريقهما ويتعرَّفا على حالة المكان. كانت رائحة المكان هي أقذرَ ما اشتمَّاه حتى الآن، لكن الحشرات الطائرة كانت أكثرَ إثارةً للتقزز منها؛ فحين لمسَا جثةً عن غير قصد، تطايرت سُحبٌ من الذباب الرَّطب الطنَّان في وجوههما، ودخل في عيونهما وأنفَيهما. وتحت أقدامهما، كانت الأرض كأنها أفاعٍ عاصرةٌ تتلوَّى من تحتهما بأجسامها الناعمة وقد غطَّاها ساترٌ خفيف. عندما وصلا إلى منطقة «الأنف»، وجدا كومةً من الجُثث، ربما اثتنَي عشرة أو أكثر، مُلقاةً إحداها فوق الأخرى كأجولة الدقيق، ويصعب تمييزها في الظلام. بينما وقف الضابطان في ذلك المكان، بدأ يَصدُر من تلك الكومة أصواتُ قرقرة وارتشاح، سُمعَت من جثةٍ واحدة في البداية ثم من أخرى؛ كانت تلك أصوات الغازات والانتفاخ في أحشاء هذه الجُثث الآخذة في الميوعة. بدا أنهم كانوا يتذمَّرون بعضهم إلى بعض بهذه الأصوات.

عاد الشابَّان إلى العقيد الذي كان واقفًا عند مدخل خندق الاتصالات، وأخبراه أنه لا توجد معلوماتٌ كثيرة يمكن إبلاغها، باستثناء الحاجة الشديدة إلى فِرقة الدفن.

هزَّ العقيد رأسه وقال: «توقَّعتُ ذلك!» عندما وصل باركلي أوينز، سأله عما يمكن فِعله قبل أن يطلع الفجر. تلمَّس مهندس المشاة طريقَه مثلما فعل كلود وجيرهارت من قبل؛ سَمِعاه يَسعل ويهشُّ الذباب. غير أنه حين عاد كانت البهجة باديةً على وجهه أكثر من الإحباط.

أعلن قائلًا: «أعطِني عصابةً من الجنود لإخراج القتلى، وسأُصلح هذه الحلقة بكميةٍ كبيرة من الجير الحي والخرسانة في غضون أربع ساعات.»

«لدينا كَميةٌ كبيرة من الجير، ولكن من أين نأتي بالخرسانة؟»

«ترَك الألمان نحو خمسين جِوالًا في القبو تحت مَقرِّ القيادة. يُمكنني أن أنجز عملًا أفضل بالطبع إذا حظيت ببضع ساعات إضافية حتى تجفَّ الخرسانة.»

«فلتبدأ أيها النقيب.» أخبر العقيد كلود وديفيد أن يُحضرا جنودهما إلى خندق الاتصالات قبل أن يطلع النهار ويُخبراهم بالاستعداد. «امنَحوا أوينز الوقتَ كي ينتهيَ من الخرسانة، لكن تيقَّظوا ولا يُباغِتْكم العدو.»

بدأ القصف مرةً أخرى عند مطلع الفجر، وكان أعنفَ على الخنادق الخلفية والأميال الثلاثة التي تقع وراءها. من الجليِّ أن العدوَّ كان مُتيقنًا من الهدف الذي حظيَ به في خندق مولتك، فأراد قَطْع الإمدادات والتعزيزات المحتملة. لم تَصِل كتيبة ميزوري ذلك اليوم، لكنَّ رسولًا قد وصل من عقيدها قبل الظهر ليُخبرهم بأن الكتيبة تختبئ في الغابة. ظلَّت خمسُ طائرات ألمانية تحوم فوق الغابة منذ الفجر، وتُرسِل الإشاراتِ إلى مَقرَّات قيادة العدو في دوفين ريدج؛ وكانت كتيبة ميزوري واثقةً من أنها لم تُكتشَف بسبب بقائهم بالقرب من الأجمات. سيَصلون في المساء. فرِجال خطوط الاتصالات كانوا يتبعون الرسول، وسيكون العقيد سكوت على اتصالٍ هاتفي بهم في غضون نصف الساعة.

عندما وصَلَت السَّرية «بي» إلى «رأس الخنزير» في الساعة الواحدة بعد الظهر، كان يمكنهم القولُ بصدقٍ إنَّ الرائحة السائدة حينذاك كانت رائحة الجير الحي. بُنِي المِتراس مُتساويًا، ورُمِّمت منصَّاتُ إطلاق النار جزئيًّا، مع تجهيز مواضع جيدة للمدافع الرشَّاشة في منطقة «الأنف». كان لا يزال هناك تذكاراتٌ غير سارَّة ستُكتشَف إذا بحث أحدٌ عنها. في منطقة «الأنف» وجَدوا حذاءً عالقًا بقوة من جانب الخندق. شرح النقيب أوفنز أن الأرض تبدو جوفاء هنا، ومن المُرجَّح أن هذا الحذاء يؤدي إلى مخبأٍ دُفِنَت فيه الكثير من جُثَث الألمان معًا. ولما كان في عَجلة من أمره، رأى أنه من الأفضل عدم البحث عن المشكلات. في أحد مُنحنَيات الحَلْقة فوق الجدار الأرضي مباشرةً وتحت أكياس الرمل، برزَت يدٌ سوداء أصابعُها الخمس مُتباعدٌ بعضها عن بعض، وبدَت كجذور حشائش ضارَّة مُنتفِخة. قال هيكس إن هذا الشيء مُقزِّز، وبعد الظهيرة جعل نيفتي جونز وأوسكار ينبشان بعض التراب ويضعانه في كومةٍ فوق اليد. لكنهم تعرَّضوا للقصف ليلًا، فتساقط التراب من فوقها.

قال جونز عندما أيقَظ الرقيب: «انظر، أول شيء أراه عند انبلاج الصبح تلك الأصابع الكبيرة التي تهتزُّ مع النسيم. إنه يريد الهواء، ذلك الوغد الألماني؛ لا يريد أن يبقى تحت التراب.»

نهض هيكس ودفَن اليد مرةً أخرى بنفسه، لكنه عندما أتى مع كلود من أجل التفتيش قبل الإفطار، وجد الأصابع الخمسَ بارزةً مرةً أخرى. انتفخ جبينُ الرقيب واحمرَّ وجهه، وأقسم إن وجد الرجل الذي يَحيك تلك الدعابات القذرة، فسيجعله يأكل تلك اليد.

أرسل العقيد في طلب كلود وجيرهارت كي يُفطِرا معه. كان يتحدث في الهاتف مع ضباط كتيبة ميزوري، ووافقهم على أنه ينبغي عليهم البقاء في الغابة في الوقت الحالي. ذلك أنَّ استمرار طيران العدوِّ فوق الغابة دليلٌ على قلقه من القوة الحقيقية لخندق مولتك. ربما اكتشفَت فِرَق الاستطلاع الجوي جنودَ تكساس وهم عائدون، وإلا فما الذي حملَهم على الانتظار؟

بينما كان العقيد والضباطُ يتناولون الإفطار، أحضر عرِّيفٌ حمامتَين اصطادهما عند الفَجر. كانت إحداهما تحمل رسالةً تحت جَناحها. فرَدَ العقيد قُصاصةَ ورق وسلَّمها إلى جيرهارت.

«نعم يا سيدي، إنها بالألمانية، لكنها عبارةٌ مُشفَّرة. إنها من أناشيد الروضة الألمانية. لا بد أن طائرات الاستطلاع أنزلت فِرَق كشَّافة عند خطوطنا الخلفية وهم يُرسِلون التقارير. يمكنهم بالطبع أن يعرفوا عنا أكثرَ مما تعرفه جنودُ القوات الجوية. هل تريد هذين الطائرين يا ديك؟»

ابتسَم الفتى وقال: «بالطبع يا سيدي! ربما تسنح لي الفرصةُ وأطهوهما في وقتٍ لاحق.»

بعد الإفطار، ذهب العقيد كي يتفقَّد السَّرية «بي» في منطقة «رأس الخنزير». سُرَّ كثيرًا بالمواقع المتميزة للمدافع الرشَّاشة عند منطقة «الأنف». قال للجنود: «أتوقَّع أن تحظَوا بيومٍ هادئ، لكني لا أعِدُكم بليلٍ هادئ. عليكم أن تصمدوا في هذا المكان؛ إذا استولى الألمان على تلك الحلقة فقد نالوا منا، وأنتم تفهمون ذلك.»

مرَّ عليهم النهار هادئًا بالفعل. لَعِب بعض الجنود لُعبة البطاقات، وقرأ أوسكار في كتابه المقدس. بدأ المساء هادئًا أيضًا. لكن في الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة، هبَّ الجنود؛ إذ نبَّههم إنذارُ الغاز. استمرَّت قذائف الغاز تُقصَف فوقهم لمدة نصف الساعة بالضبط. بعد ذلك اندفعت الشظايا لا بالدويِّ الطنَّان المُتواصل الذي يَصدُر عن القذائف الفردية، بل بدويِّ قذائف المدفعية الثقيلة السريعة الذي يصمُّ الآذان. وكأن مائةَ عاصفة كهربائية قد استعرَت في لحظةٍ واحدة في الجو وعلى الأرض. كانت كُرات النار تتدحرج في كل مكان. كان المدى بعيدًا بعض الشيء عن «رأس الخنزير»، فلم يُصِبهم أشده، لكن على مسافة ثلاثين ياردة في الخلف تمزَّق كلُّ شيء. لم يتخيل كلود أن يبقى أحدٌ على قيد الحياة في الخطوط الخلفية. ذلك أنَّ قذيفةً واحدة قتلَت ستةً من رجاله في مؤخرة الحلقة، حيث كانوا يجرفون للحفاظ على خندق الاتصالات خاليًا. كانت أعمال الحفر المُتقَنة التي قام بها النقيب أوينز تتعرَّض لقصفٍ شديد.

كان كلود وجيرهارت يتشاوران عندما بدأ الدخان والظلام ينقشعان مع بصيص النور الذي يُعلِن عن بزوغ الفجر. هُرِع إليهم رسولٌ من العقيد؛ لم تظهر كتيبة ميزوري حتى الآن، وانقطع الاتصال الهاتفيُّ معهم. كان يخشى أن يكونوا قد ضلُّوا الطريق تحت القصف. «يأمرك العقيد بأن ترسل رجلَين كي يُحضروهم؛ رجلَين يتحمَّلان المسئولية إذا فرُّوا مذعورين.»

عندما أعلن الرسول هذه التعليمات، نظَر جيرهارت وهيكس أحدهما إلى الآخر سريعًا وتطوَّعا بالذَّهاب.

تردَّد كلود. لم ينتظر هيكس وديفيد موافقةً أخرى؛ ومن ثَم ركَضا في خندق الاتصالات واختفَيا.

وقف كلود وسط الدخان الذي كان لونه الرماديُّ يزداد قتامةً، وأخذ يُراقبهما وفي قلبه أشدُّ شعور باليأس قد اختبره. إنَّ رجلًا يدَع صديقه المُقرَّب وأفضلَ ضابط لديه أن يتَّخذا تلك المخاطرة، لَهُو رجل مُرتبِك لا يصلح لقيادة آخَرين. فها هو يقف مُحتميًا بينما يجري صديقاه تحت سِتار من الفولاذ المُشتعِل باتجاه آخِر مكان كانت فيه الكتيبةُ قبل انقطاع الاتصال بها. لو كان يعرفهم لَمَا أضاعوا الوقتَ في تتبُّع متاهة الخنادق؛ هم على الأرجح لا يزالون في العراء حتى الآن يركضون مباشرةً تحت وابل القصف من العدو، ويقفزون من فوق قِمم الخنادق.

استدار كلود وعاد إلى الحلقة. حسنًا، مهما حدث فقد عملَ مع رجالٍ شُجعان. إنَّ معرفة هؤلاء الرجال جعلَته راضيًا عن أنه قد عاش في هذا العالم. كثيرًا ما كان الجنود يتوسَّلون إلى الإله بالنذور السِّرية حين يقعون في ضائقة، وها هو قد وجد نفسه يُقدِّم هذه النذور؛ إذا أعاد الربُّ ديفيد فليأخذ المقابل من كلود. إنه مستعدٌّ لدفع المُقابل. أيتقبَّل الرب منه؟

مرَّت ساعة. الانتظار صعبٌ على الأعصاب. أتى عند مدخل خندق الاتصالات قطارٌ مُحمَّل بالذخيرة والقهوة للحلقة. رأى الرجال أن مقر القيادة قد صار في وضعٍ جيد؛ إذ يوصل إليهم طعامًا ساخنًا تحت وابل القصف هذا. وصلت رسالةٌ إلى يد العقيد مُفادها:

«كونوا مُستعدِّين عندما يتوقَّف وابل القصف.»

أخذ كلود تلك الرسالة، وأراها لرُماة المدافع الرشَّاشة في منطقة «الأنف». حين الْتفَت، وجد هيكس أمامه وقد خلع زيَّه حتى قميصه وسرواله، وكان مُبتلًّا كأنه خارجٌ من نهر ومغطًّى ببُقع الدم. كانت يدُه ملفوفة في قطعة قماش. وضع فمه على أُذن كلود وصاح: «عثرنا عليهم. كانوا قد ضلُّوا الطريق. إنهم قادمون. أرسل الخبر إلى العقيد.»

«أين جيرهارت؟»

«إنه آتٍ؛ سيُحضرهم إلى هنا. يا إلهي، توقَّف القصف!»

توقَّف القصف فجأةً على نحوٍ أصابهم بالذهول. شهق الرجال الموجودون في الحلقة، وجثَوا كأنهم كانوا يسقطون من ارتفاع. كان الهواء الأسوَد المُمتلئ بالدخان والخانق برائحة الغازات والبارود المُحترق، ساكنًا كالموت. وكان الصمت كمُخدِّرٍ قوي.

ركَض كلود عائدًا إلى «الأنف» ليتأكَّد من استعداد فِرَق المدفعية. «استيقِظوا أيها الفِتيان! ألا تعلمون سببَ وجودنا هنا!»

عاد بيرت فولر الذي كان في نقطة المراقبة إلى الخندق بجانبه. «إنهم قادمون يا سيدي.»

أعطى كلود الإشارةَ إلى المدافع الرشَّاشة. وأُطلِقت النيران بطول الحلقة. وفي لحظةٍ هبَّ نسيمٌ فانجرفَت سُحبُ الدخان الكثيفة إلى الخلف. صَعِد على قاعدة المدفع وحدَّق النظر. رأى العدوَّ يقترب من يسار «رأس الخنزير» في صفوفٍ طويلة مُتموِّجة يتَّسع عرضُها لثمانية جنود تتَّجه نحو الخندق الرئيسي. فجأةً توقَّف التقدُّم. اختفت صفوف الجنود الراكضة خلف مُرتفَع في الأرض على مسافة خمسين ياردةً إلى الأمام، ولم تظهر ثانيةً على الفور. خطر لكلود أنهم ينتظرون شيئًا ما؛ يجدر به أن يكون ذكيًّا بما يكفي لمعرفةِ ما ينتظرونه، لكنه لم يكن كذلك. أتى إليه عامل الخطوط الهاتفية الخاصة بالعقيد.

«يوجد بمَقرِّ القيادة رسولٌ من كتيبة ميزوري. سيَصِلون في غضون عِشرين دقيقة. سيُرسلهم العقيد إلى هنا في الحال. وحتى ذلك الحين، عليكم أن تصمدوا.»

«سنصمد. الألمان يتصرَّفون على نحوٍ غريب. لا أفهم أساليبهم.»

وبينما كان يتحدَّث، اتَّضح كلُّ شيء. انشقَّت «أنف الخنزير» بانفجار فتق الأرض، وتصاعد في بركانٍ من الدخان واللهَب. طُرِح كلود ورسول العقيد أرضًا على وجهَيهما. عندما نهضا على قدمَيهما، وجدا «الأنف» قد تحوَّل إلى حفرة من الدخان مليئة بالقتلى والمُحتضرين. قُتل فريقُ المدفعية الجورجي بأكمله.

كان هذا هو سببَ انتظار الألمان خلف المُرتفَع. صُنِع المَنجم الموجود أسفل «الأنف» منذ وقتٍ طويل بصورةٍ عشوائية على الأرجح، عندما استولى الألمان الهمجيُّون على خندق مولتك عدةَ أشهُر من دون مُضايَقات. وعلى مدار الأربع والعشرين ساعةً الماضية ظلُّوا يُدخلون مُتفجِّراتهم؛ إذ خمَّنوا أنَّ أقوى حامية ستتمركز هناك.

ها هم أولاء كانوا يأتون مسرِعين. صار الوضع متوقفًا على البنادق. كان الرجال الذين صُعقوا من الصدمة قد نهَضوا على أقدامهم مرةً أخرى. نظروا إلى قائدهم مُتسائلين وكأن الموقف برُمَّته قد تغيَّر. شعَر كلود أنَّ عزيمتهم تَخُور أمام عينَيه. في غضون لحظات سيُصبح الألمان الهمجيُّون فوق رءوسهم ويقتحمون المكان. جرى بطول الخندق وهو يُشير من فوق أكياس الرمال ويصيح: «القرار قراركم، القرار قراركم!»

انتظم رُماة البنادق في الصفوف مرةً أخرى وبدَءوا إطلاق الرَّصاص، لكن كلود شعَر أن الجنود أصابهم الوهنُ والتردد، وأن عقولهم كانت تُفكر بالفعل في الانسحاب. إذا كان لهم أن يفعلوا شيئًا، فلا بد أن يكون سريعًا، ولا بد أن يكون التصويب بالبنادق دقيقًا. لا شيء سيُجدي نفعًا سوى نيران مُدمِّرة … قفز إلى قاعدة المدفع ومنها إلى الحاجز. حدَث شيءٌ في التَّو واللحظة؛ صار يُسيطر على رجاله.

«ثابت، ثابت!» نادى فِرَق البنادق الموجودة خلفه أن تُطلِق الرَّصاص بمدًى ثابت، ورأى أنَّ الطلقات نجحَت في إصابة العدو. فعلى طول صفوف الألمان، كان الجنود يتعثَّرون ويسقطون. انحرفوا قليلًا تجاه اليسار؛ فنادى فِرَق البنادق أن يتبَعوهم، وأخذ يُوجِّههم بصوته ويدَيه. لم يكن الأمر يقتصر على أنه يستطيع تصويب المدى وتوجيهَ إطلاق الرصاص من هذا المكان، بل بات الجنودُ خلفه كالصخر. ذلك الصف من الوجوه بالأسفل؛ هيكس وجونز وفولر وأندرسون وأوسكار … لم تَحِدْ أعيُنهم عنه قَط. مع هؤلاء الرجال، يمكنه القيام بأي شيء.

انحرف الجناح الأيمن في صف الألمان بمقدارٍ لا يزيد عن عشرين ياردة من منطقة «الأنف» المُحطَّمة؛ في مُحاوَلة للاحتماء تحت تلك الكومة من الحطام والجثث. أحبط التركيزُ السريع من فِرق البنادق محاولةَ الاحتماء، وعاد الانتفاخ مُجدَّدًا باتجاه اليسار. لم يجذب ظهورُ كلود على الحاجز انتباهَ العدو في البداية، لكن الطلقات بدأت تتناثر حوله، واصطدمت رَصاصتان في خوذته المصنوعة من القصدير، وأصابت واحدةٌ كتفه. تقاطَر الدمُ على مِعطفه، لكنه لم يشعر بأي ضعف. لم يكن يشعر إلا بشيءٍ واحد، وهو أنه يقود رجالًا رائعين. عندما يأتي ديفيد بالدعم، ربما يجدهم موتى، لكنه سيجدُهم جميعًا هناك. صمدوا في أماكنهم إلى أن حُملوا إلى مقابرهم. كانوا بشرًا، لكن لا يُقهَرون.

كان يُفكر أن العشرين دقيقةً التي قالها بها العقيد قد أوشكَت على الانتهاء. لم يستطع أن يُحوِّل بصره عن خط القتال الأمامي مدةً طويلة تُمكِّنه من النظر في ساعة يده. رآه الرجال من خلفه وهو يترنَّح كأنه فقدَ توازُنه ويُحاوِل أن يستعيده. بعد ذلك سقط على وجهه خارج المِتراس. أمسكه هيكس من قدمه وسحَبه إلى الداخل. وفي اللحظة ذاتِها رأوا كتيبة ميزوري تصيح عند خندق الاتصالات. رمَوا المدافع الرشَّاشة على أكياس الرمال، واشتبَكوا في القتال من دون إصدار أي حركة غير ضرورية.

كلٌّ من هيكس وبيرت فولر وأوسكار حمَلوا كلود واتجَهوا به إلى «الأنف» بعيدًا عن كتيبة الدعم التي كانت تتدفَّق إليهم. لم يكن ينزف دمًا غزيرًا. ابتسَم إليهم كأنه يريد التحدُّث، وكانت عيناه تحملان نظرةً فارغةً واهنة، مزَّق بيرت قميصه وفتَحه، ووجد ثلاثة ثقوب قد اخترقها الرَّصاص. حين نظروا إلى كلود مرةً أخرى، وجدوا الابتسامة قد اختفت من شفتَيه، وخبَتْ نظرة عينَيه. مسح هيكس العَرق والدخان من وجه قائده. قال: «الشكر للرب أنني لم أخبره. الشكر للرب على ذلك!»

كان بيرت وأوسكار يعرفان ما يرمي إليه هيكس. لقد مُزِّق جيرهارت إلى أشلاء بجانبه عندما انطلقا تحت وابل القصف كي يبحَثا عن كتيبة ميزوري. كان يركضان معًا عبر الخلاء غيرَ قادرَين على الرؤية بوضوح بسبب الدخان. تعثَّرا في جزء من الأسلاك الشائكة كان متروكًا فوق خندق كبير. انعطف ديفيد إلى اليمين، ولوَّح إلى هيكس بأن يتبَعه. لم يكن يفصل بينهما أكثرُ من عشر ياردات عندما سقطت القذيفة. عندئذٍ ركض الرقيب هيكس بمفرده.

١٩

تغرب الشمس وتختفي تدريجيًّا في البحر، وثَمة سفينةٌ تتحرك ببطء على المخانق مع حركة المد. تعجُّ الأسطح برجالٍ يرتدون الزيَّ البُنِّي. تجمَّعوا على الأجزاء العُلوية من السفينة كالنحل في وقت التطريد. بدا عليهم الهدوء والاسترخاء. بينما كانوا يُشاهدون اقتراب الشاطئ، بدا بعضهم غارقًا في التفكير، وبعضُهم مُبتهجًا، وبعضهم مُغتمًّا، وبدا العديد غيرَ مُبالٍ. لم يعودوا همُ الرجالَ أنفُسهم الذين غادروا الوطن.

كان الرقيب هيكس يقف عند مؤخرة السفينة يُدخن ويُفكر ويُراقب توهُّج غروب الشمس الأحمر وهو يُلوِّح فوق المياه التي تعلوها السُّحب. مرَّت مدةٌ تزيد على السنة منذ أن أبحر إلى فرنسا. تغيَّر العالم في تلك المدة، وهو أيضًا تغيَّر.

شقَّ بيرت فولر طريقَه إلى الرقيب. «يقول الطبيب إن العقيد ماكسي يحتضر، لن يعيش حتى ينزل من السفينة، فضلًا عن أن يحضر العرض العسكريَّ في نيويورك غدًا.»

هزَّ هيكس كتفَيه كأنَّ الالتهاب الرئويَّ الذي أصاب ماكسي لا يَعنيه في شيء. «حسنًا، ينبغي أن نقلق! لقد فقَدْنا ضباطًا أفضل منه هناك.»

«لم أقُل إننا لم نفقد أفضل منه. لكن الأمر يبدو سيئًا للغاية، حين يكون قويًّا جدًّا على التفاخر والمُباهاة. لقد ظل يُرسِل برقياتٍ بشأن هذا العرض العسكري لمدة أسابيع.»

«أها!» رفع هيكس حاجبَيه ورمقه بنظرةِ ازدراء بطَرْف عينه. أخَذ يُغمغِم بالحديث وينظر شزرًا إلى المياه المُتلألئة: «صار العقيد ماكسي على أي حال! أعتقد أنه ترقَّى على أكتاف ما فعله كلود وجيرهارت!» كان هيكس وبيرت فولر يُساعدان في الحفاظ على قلعة إرينبرايتشتاين العريقة. كانا يُسانِد أحدهما الآخر على الدوام، وعادةً ما يتشاجران ويتأفَّف أحدُهما من الآخَر عندما يكونان خارج الخدمة. بالرغم من ذلك، فإنهما يدعم أحدُهما الآخَر. إنهما آخر ما تبقَّى من مجموعتهما. أما نيفتي جونز وأوسكار، فالرب وحده يعلم سببَ ذَهابهما إلى البحر الأسود.

مكث بيرت وهيكس عامًا في وادي الراين لم يفترقا خلاله سوى مرةٍ واحدة عندما أخذ هيكس إجازةً لمدة أسبوعَين بسبب السفر المُرهِق والمُتواصِل، وذهب إلى البندقية. لم يكن لديه جوازُ سفر مُناسب، وقد توسَّل إليه القناصل والمسئولون الذين ناشدَهم بشأن الصعوبات التي واجهَته أن يقنع بمكانٍ أقرب. لكنه قال إنه سيذهب إلى مدينة البندقية لأنه دائمًا ما كان يسمع عنها. سُرَّ بيرت فولر بعودته إلى مدينة كوبلنز، وأقام «حفلة نبيذ» احتفاءً بعودته. إنهما ينويان أن يعتنيَ أحدُهما بالآخر. وعلى الرغم أن بيرت يعيش على نهر بلات، وهيكس على نهر يبج بلو، فإن طُرقَ السيارات بين هذين النهرَين مُمتازة.

ظل بيرت على سجيَّته اللطيفة التي كان عليها منذ غادَر مطبخ أمه، وكانت أكبرُ مشكلاته تَكْرارَ محاولات الخِطبة. أما هيكس، فقد ارتسم على وجهه المُستدير المُكتنِز تعبيرُ سخرية طفيف لم يكن مُلائمًا لوجهه البتَّة. جرَحَت أحداث الحرب مشاعره، رغم أنه لم يكن يريد شيئًا لنفسه على الإطلاق. وعلى حدِّ قوله، فإنَّ منح الأوسمة ووضعها على رءوس غير المُستحقِّين في الجيش، وتألُّق سعف النخيل والصُّلبان على الصدور الخاطئة، جعله يُغيِّر مفاهيمه عن القيم.

إنَّ أشدَّ ما كان هيكس يرغب فيه في هذا العالم أن يُدير مرآب وورشة إصلاح مع صديقه القديم ديل آبل. قضت بوفورت على كل ذلك. بالرغم من ذلك، فهو يُخطط لإنشاء متجر لإحياء ذِكرى صديقه، ويضع اسمَيهما: «هيكس وآبل» على بابه. إنه يريد أن يُشمِّر عن ساعدَيه ويقضيَ بقيَّة حياته في فحص الأجزاء الداخلية المنطقية والجميلة في السيارات.

مع دخول السفينة إلى نهر الشمال، انطلقت صافراتُ الإنذار وصافرات البخار بطول الواجهة المائية في تحيةٍ حارَّة إلى الجنود العائدين. استعدَّ الرجال وراحوا يبتسم بعضهم إلى بعض، بينما بدا السأم على بعضهم. أشعل هيكس سيجارة ببطء وأخذ ينظر إلى عُقبها بتعبير سيُحيِّر أصدقاءه عندما يصل إلى أرض الوطن.

لا تزال قصة كلود ويلر مُستمرَّة من حيث بدأتْ، على ضفاف نهير لافلي كريك. فبالنسبة إلى العجوزَين اللتَين لا تزالان تعملان في المنزل المُلحَق بالمزرعة، ذِكراه حاضرة على الدوام تتجاوز كل ما سواها لتقبع عند آخر حدود الوعي، كشمس الغروب وهي تُرى في الأفق.

تلقَّت السيدة ويلر خبر وفاته أحدَ الأيام بعد الظهيرة وهي في غُرفة الجلوس؛ تلك الغُرفة التي ودَّعها فيها. كانت عاكفةً على القراءة عندما رنَّ جرس الهاتف.

«هل هذه مزرعة ويلر؟ معكم مكتب البرقيات من فرانكفورت. تلقَّينا رسالةً من وزارة الحرب …» تردَّد الصوت قليلًا ثم قال: «هل السيد ويلر موجود؟»

«لا، ولكن يمكنك أن تقرأ عليَّ الرسالة.»

قالت السيدة ويلر: «شكرًا لك»، ووضعَت سمَّاعة الهاتف. تلمَّست طريقها إلى كرسيِّها بهدوء. جلست ساعةً بمفردها، لم يكن في الغُرفة خلالها سِواه، لم يكن فيها سواه هو والخريطة التي ترتسم فيها نهاية طريقه. في مكانٍ ما بين تلك الأسماء المُحيِّرة، وجد مكانه.

ظلَّت خِطابات كلود تصلها على مدار أسابيع بعد ذلك، ثم توالت الخطابات إليها من رفاقه والعقيد الذي كان تحت إمرته؛ كي تُخبرها بكل شيء.

في الشهور المُظلِمة التالية حين بدَت الطبيعة البشرية للسيدة ويلر أقبحَ كثيرًا من ذي قبل، كانت تلك الخطابات سَلْوى لها. بينما كانت تقرأ في الصحف، راحت تُفكر في عبور البحر الأحمر الذي ورَد ذِكره في الكتاب المُقدَّس؛ بدا كأنَّ طوفان الخسة والجشَع قد انحسر بما يكفي لأن يتمكَّن الفِتيةُ من عبوره، لكنه اجتاح بعد ذلك كلَّ ما تبقَّى في الوطن وابتلَعه. حين كانت ترى أن شيئًا لم يأتِ من ذلك كلِّه سِوى الشر، كانت تقرأ خطابات كلود مرةً أخرى وتؤكِّد لنفسها أنه رأى النداء واضحًا والقضية جليلة. لم تُلطخ إيمانَه الصافي ذرةُ شكٍّ واحدة قط. إنها تُخمِّن الكثير جدًّا مما لم يكتبه. إنها تعلم ما تقرؤه بين ثنايا تلك الومضات السريعة من الحماسة؛ كيف أنه وجد حياته على نحوٍ كامل لا بد قبل أن يتحرَّر منها في مكانٍ بعيد؛ هو الذي كان يخشى من أن يتعرَّض للخداع! لقد مات وهو يؤمن بأن بلده أفضلُ مما هي عليه، وأن فرنسا هي أفضلُ بلد على الإطلاق. وتلك مُعتقَدات جميلة من الجيد أن يموت المرءُ مُقتنعًا بها. ربما كان من الجيد أيضًا أن يرى المرء تلك الرؤيا ثم لا يرى شيئًا بعدها. كانت تخشى تلك اليقظة، حتى إنها تشكُّ أحيانًا فيما إن كان قد استطاعت تحمُّل تلك الخيبة المؤسفة الأخيرة. واحدًا تِلو الآخر، يُغادِر أبطال تلك الحرب ورجال الجندية الباسلة العالمَ الذي عادوا إليه، قبل الأوان. طيَّارون تُروى أفعالهم في الحكايات، وضباط تلهب أسماؤهم الشجاعة في دماء الشباب، ناجون من مَخاطر مُروِّعة، يموتون واحدًا تِلو الآخر بأيديهم بهدوء. البعض يفعلها في منازل إقامة مغمورة الذِّكر، والبعض في مكاتبه حيث يبدو أنهم يقومون بأعمالهم مثل البقية. البعض ينزلق من جانب سفينة ويختفي في البحر. عندما تسمع والدةُ كلود عن تلك الحكايات، تجفل وتضغط بيدها على صدرها وكأنه بين أحضانها. تشعر أن الرب قد أنقذه من آلامٍ مُروِّعة ونهاياتٍ مُفجِعة. فمن خلال ما قرأته، صارت تعتقد أن الذين يقتلون أنفُسهم كانوا جميعًا مثلَه؛ أولئك الذين يُسرِفون في الأمل، ولكي يتمكَّنوا من القيام مما قاموا به كان عليهم أن يُسرِفوا في الأمل، وأن يؤمنوا بشغف. وفي النهاية وجَدوا أنهم قد أفرطوا في الأمل والإيمان. لكن الشخص الذي تعرفه، والذي لا يُطيق الوهم … هو في أمان.

في بعض الأحيان عندما تكون ماهيلي بمفردها مع السيدة ويلر، تُناديها بلقب «الأم» فتقول: «الآن أيتها الأم فلتصعَدي إلى الطابق العُلوي وتستلقي كي تستريحي». وحينها تعرف السيدة ويلر أنها تُفكر في كلود وتتحدَّث بالنيابة عنه. عندما تعملان على طاولة أو تنحنيان على الفرن، ثَمة شيء يُذكِّرهما به ويُفكران فيه معًا كأنهما شخصٌ واحد؛ تُربِّت ماهيلي على ظهرها وتقول: «لا عليك أيتها الأم، سترَين ولدَكِ هناك.» دائمًا ما تشعر السيدة ويلر أن الربَّ قريب، ورغم أن ماهيلي لا تهتمُّ بأي معرفة عن الفضاء فيما بين النجوم فالرب أقربُ إليها؛ فهي تستشعر وجوده فوقها مباشرةً، حتى إنه ليس أعلى كثيرًا من مَوقد المطبخ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢