حياته

الفيلسوف يروي عن نفسه١

ماتت أمي وأنا في الثانية من عمري، وكنت في الثالثة حين مات أبي، فنشأت في دار جدي، لورد جون رسل، الذي أصبح فيما بعد «إيرل رسل»، ولم يكد يجيئني أحدٌ بنبأ عن والدَيَّ، وهما لورد وليدي أمبرلي، حتى لقد شاع في نفسي إحساسٌ بأن يكون في الأمر لغز غامض لقلة ما عرَفته عنهما، فلما بلغت الحادية بعد العشرين أخذتُ في العلم بشيءٍ من الخطوط الرئيسية في حياة أبي وأمي، وما كان لهما من رأي، فكم دهشتُ حين رأيتني قد اجتزت المراحل بعينها تقريبًا، التي اجتازها أبي في تطور عقله وشعوره.

كان المنتظر لأبي أن يخوض الحياة السياسية جريًا على تقليدٍ في عائلة «رسل»، وكانت له في ذلك رغبة، فدخل البرلمان لفترةٍ قصيرة (١٨٦٧-١٨٦٨م)، لكنه لم يكن له من المزاج، ولا من الرأي ما قد كان لا بد له منهما إذا أراد لنفسه في السياسة نجاحًا، فما إن بلغ من عمره الحادية بعد العشرين، حتى أحس في نفسه كفرًا بالمسيحية، وأبى أن يذهب إلى الكنيسة يوم عيد الميلاد، وقد جعل من نفسه تلميذًا فصديقًا ﻟ «جون ستيوارت ملْ» الذي علمت منذ أعوام قليلة أنه كان لي أبًا في العماد، وكان أبي وأمي قد تبعا «مل» في آرائه، ولم يقتصرا في ذلك على الآراء التي صادفت عند الناس قَبولًا نسبيًّا، بل جاوزاها إلى الآراء التي كانت عندئذٍ تصدم الناس في شعورهم؛ كحق المرأة في الانتخاب، وضبط النسل، وما إلى ذلك.

أراد لي أبي أن أنشأ في الفكر حرًّا من القيود، وكذلك أراد لأخي، فأقام علينا وصيَّين عُرِفا بحرية التفكير، لكن جدي وجدتي معًا سعيا لدى المحكمة المختصة أن تغضَّ نظرها عن وصية أبي، فكان نصيبي أن أنشأ على العقيدة المسيحية؛ ذلك أني انتقلت بعد موت أبي إلى منزل جدي، وكان ذلك عام ١٨٧٦م، وكان الجد عندئذٍ في الثالثة بعد الثمانين من عمره، وقد نال منه الضعفُ الشديد، فشملني بعطفٍ متصل، ولم تبدُ منه علامة واحدة تدل على ضيقه بزياط الأطفال، لكنه كان أشدَّ ضعفًا من أن يكون له في تكويني أثرٌ مباشر، ثم مات جدي عام ١٨٧٨م، فتولَّتني بالتعليم جدتي التي ما فتئت تُقدس ذكرى زوجها، فكانت أقوى أثرًا في توجيهي من أي شخصٍ آخر، غير أني منذ بلغتُ رشدي جعلت أختلف معها في كثيرٍ من آرائها.

كانت جدتي متزمتة العقيدة، صارمة الأخلاق، تزدري الترف ولا تأبهُ لطعام، تمقت الخمر، وتعدُّ التدخين خطيئة، وعلى الرغم من أنها قد عاشت حياتها ضاربة في مناكب الأرض، حتى استكنَّ جدي في مأواه، إلا أنها لم تكن بطبعها مقبلةً على الدنيا، فكانت تقف من المال موقف من لا يكترث به، وهو موقف لا يستطيعه إلا الذين رُزِقوا منه ما يكفيهم.

أرادت جدتي هذه لأولادها ولأحفادها أن يحيَوْا حياةً نافعةً فاضلة، ولم يكن بها ميل أن ينصرف أولئك الأولاد والأحفاد في حياتهم إلى ما تواضع سائر الناس على تسميته بالنجاح، كلا، ولم تُرِد لهم أن يتزوجوا على أساس الكسب من زواجهم، وكانت بحكم عقيدتها البروتستانتية تؤمن بضرورة أن يكون للأفراد أنفسِهم حقُّ الحكم على الأشياء، بحيث يكون لضمير الفرد سلطةٌ عليا، ولما بلغتُ الثانية عشرة من عمري، أهدت إليَّ جدتي إنجيلًا (وما زلتُ محتفظًا به إلى اليوم)، وكتبَتْ على الورقة التالية لغِلافه بعض ما أحبَّت من آياته، فمنها هذه الآية: «لا يجوز لك أن تتبع كثرة الناس في فعل الشر.» وهذه الآية: «كن قويًّا شجاعًا فاضلًا، لا تخف ولا يأخذنَّك اليأس؛ فربُّك المولى في رعايتك أينما ذهبت.» فكان لهاتَين الآيتَين أثرٌ عميق في حياتي، ولا أحسب ذلك الأثر قد أصابه الوهن، حتى بعد أن أمسكتُ عن الاعتقاد في الله.

تحولَت جدتي في السبعين من عمرها إلى عقيدة «الموحدين» (الذين يُنكرون ربوبية المسيح)، وأخذَت على نفسها في الوقت ذاته أن تنصر الحكم الذاتي لأيرلندة، وراحت تُعارض الاستعمار في حرارة، ولقَّنَتني وأنا بعدُ في نحو السابعة أن أُسيء الظن ببلادي في حروبها التي أثارتها في أرض الأفغان وعلى قبائل الزولو، وأما عن احتلال مصر، فلم تُحدثني عنه إلا قليلًا؛ لأنه من فعل جلادستون الذي وقع من نفسها موقع الإعجاب، وإني لأذكر الآن نقاشًا دار بيني وبين مربِّيتي الألمانية التي قالت لي عندئذٍ: «إن الإنجليز ما داموا قد دخلوا مصر، فلن يخرجوا منها مهما تكن وعودهم.» فرددت عليها في وطنيةٍ مشتعلةٍ قائلًا: «إن الإنجليز لم ينكثوا قطُّ وعدًا.» دار هذا النقاش منذ ستين عامًا، لكن الإنجليز ما زالوا هناك. (كتب رسل هذا عن نفسه في يوليو ١٩٤٣م.)

كانت مكتبة جدي هي غرفةَ دراستي وموجهةَ حياتي، فكان فيها من كتب التاريخ ما أثار اهتمامي، لا سيما أن لأسرتي في التاريخ الإنجليزي مكانًا ظاهرًا منذ أوائل القرن السادس عشر، ولقد درَست التاريخ الإنجليزي على أنه صراع الشعب ضد الملك بُغيةَ الحصول على الحرية الدستورية، وأحسست بإعجابٍ خاصٍّ نحو «وليم لورد رسل» الذي أُعدِم في حكم شارل الثاني، ونتيجة هذه الدراسة في نفسي هي عقيدتي بأن الثورة — كائنةً ما كانت — كثيرًا ما تكون في ذاتها حقيقةً بالثناء.

وحدث حادث عظيم في حياتي عندما كنت في عامي الحادي عشر، وهو أني بدأتُ دراستي لإقليدس الذي لم يزَل عندئذٍ هو المتن المعترَف به في دراسة الهندسة، وأحسستُ بشيءٍ من خيبة الرجاء حين وجدتُه يبدأ هندسته ببديهيات لا بد من التسليم بها بغير برهان، فلما تناسيت هذا الشعور، وجدت في دراسته نشوة كبرى، حتى لقد ظلت الرياضة بقية أعوام الصبا تستوعب شطرًا كبيرًا جدًّا من اهتمامي، وقد كان اهتمامًا قائمًا على أكثر من عنصرٍ واحد؛ فهو من ناحية لذةٌ خالصة لما استكشفتُه في نفسي من قدرةٍ خاصةٍ في الرياضة، وهو من ناحيةٍ أخرى نشوة لما لمسته من قوة في استدلال النتائج من مقدماتها، ثم هو من ناحيةٍ ثالثةٍ شعور بالاطمئنان إزاء ما في الرياضة من يقين، لكن كان أهم من ذلك كله (وقد كنت لم أزل صبيًّا) أني آمنت بأن الطبيعة تعمل وفق قوانين الرياضة، وأن الأفعال الإنسانية — كحركات الكواكب — يُمكن حسابها في دقةٍ إذا ما أسعفَتنا القدرة الكافية لذلك! فلما بلغت من عمري الخامسة عشرة انتهيت إلى نظرية شديدة الشبه بنظرية الديكارتيين، إذ شعرت باعتقاد الواثق أن حركات الأجسام الحية إنما تُنظمها قوانينُ الديناميكا تنظيمًا تامًّا، وإذن فحرية الإرادة وهْمُ الواهمين، لكنني وقد سلمت بوجود الشعور الواعي عند الإنسان على أنه حقيقة قائمة لا شك في صدقها، لم أستطع أن أذهب مع المادية مذاهبَها، ولو أنني أحسست نحوها بعض الميل، لما فيها من بساطة تعليل، ولأنها تنبذ «الكلام الفارغ» في تفسير الكون، وكنت عندئذٍ لا أزال على عقيدتي في وجود الله؛ لأن برهان «العلة الأولى» قد بدا لي ممتنعًا على الدحض.

هكذا لبثت حتى ذهبت إلى كيمبردج في سن الثامنة عشرة، وكنت قد عشتُ حياة معتزلة إلى حدٍّ بعيد؛ ذلك أني نشأت في داري على أيدي مربيات ألمانيات، ومديرات الدار كن ألمانيات أو سويسريات، ثم انتهى أمري بعد ذلك إلى مربِّين من الإنجليز، فلم أُخالط الأطفال إلا قليلًا، وحتى إن خالطتهم وجدتهم لا يُثيرون من نفسي اهتمامًا بأمرهم، حتى إذا ما كنت في عامي الرابع عشر أو الخامس عشر، اهتممت بالدين اهتمامًا شديدًا، وجعلت أقرأ مفكرًا في البراهين التي تُقام على حرية إرادة الإنسان، وعلى خلوده، وعلى وجود الله، وقد كان يُشرِف على تربيتي لبضعة أشهرٍ أستاذٌ متشكك، فكنت أجد الفرصة سانحة لمناقشته في أمثال هذه المسائل، لكنه طُرِدَ من عمله، ولعلهم طردوه لظنهم أنه يهدم لي أساس إيماني، فإذا استثنيت هذه الأشهر التي قضيتها مع هذا الأستاذ وجدتني قد احتفظت بفكري لنفسي، أُدوِّنه في يوميات بأحرف يونانية، حتى لا يقرأها سواي، لهذا كنت أشقى شقاء من الطبيعي أن يُعانيَه مراهق معتزل عن الناس، وعزوت شقائي عندئذٍ إلى فقداني لإيماني الديني.

ظللت ثلاثة أعوام أُفكر في الدين، معتزمًا ألا أدعَ أفكاري تتأثر بأهوائي، فانتهيت بفكري أولًا إلى عدم الإيمان بحرية الإرادة، ثم انتهيت إلى نبذ فكرة الخلود، لكنني ظللت على عقيدتي في وجود الله، حتى أتممت عامي الثامن عشر، وعندئذٍ قرأتُ في الترجمة الذاتية التي كتبها مِلْ عن حياته، هذه العبارة: «لقد علمني أبي أن سؤالي: «من خلقني؟» ليس بذي جواب؛ لأنه يُثير على الفور سؤالًا آخر: «ومن خَلقَ الله؟»» وفي اللحظة التي قرأت فيها تلك العبارة، استقر مني الرأي على أن برهان «العلة الأولى» على وجود الله برهان باطل.

أكثرت من القراءة في تلك الأعوام، لكنها لم تكن قراءة موجَّهة، ولذلك ذهب كثيرٌ منها بغير جدوى، فقد قرأت مقدارًا كبيرًا من الشعر الرديء، وبخاصة شعر «تِنِسُنْ» و«بايرون»، لكني وقعت آخِرَ الأمر، وأنا في السابعة عشرة من عمري، على «شلي» الذي لم يكن قد أنبأني به أحد، فظلَّ «شلي» لأعوامٍ كثيرةٍ هو الرجلَ الذي أحببتُ أكثر من أي رجلٍ آخر بين عظماء الماضي، ثمَّ قرأت كثيرًا ﻟ «كارلايل»، وأعجِبتُ بكتابه «الماضي والحاضر»، لكني لم أُحِبَّ كتابه عن «الملابس»، وأما الرجل الذي كدت أتفق معه في الرأي اتفاقًا تامًّا فهو «مل»، وكان لكتبه «الاقتصاد السياسي» و«الحرية» و«خضوع المرأة» أثر عميق في نفسي، وعلقتُ على كتابه في المنطق تعليقًا مفصلًا، لكنني لم أستطع قَبول رأيه بأن قضايا الرياضة تعميمات من التجرِبة، وإن كنتُ لم أعرف ماذا يُمكن لقضايا الرياضة أن تكون إذا لم يكن مصدرُها التجرِبة.

حدث ذلك كله قبل ذهابي إلى كيمبردج، ولو استثنيت الثلاثة الأشهر التي كان يُشرف عليَّ خلالها ذلك الأستاذ المتشكك الذي أسلفت ذكره، قلت إني لم أكن قد وجدت حتى ذلك الحين مَن أُعبر له عما يجول بخاطري من أفكار، وقد أخفيت شكوكي الدينية عن أهلي، ذلك أني قلت مرة لمن كان في الدار إني مؤمن بالمذهب النفعي في الأخلاق، فقابلوني بعاصفةٍ من السخرية حملتني على أن أُمسِك عن التعبير عن فكري أمام أهلي.

فلما ذهبت إلى كيمبردج انفتح أمامي عالم جديد من نشوةٍ ليس لها حدود؛ إذ وجدت للمرة الأولى أنني إذا ما صرحت بفكري، صادف عند السامعين قَبولًا، أو كان عندهم — على الأقل — جديرًا بالنظر، كان «وايتهد» هو الذي اختبرني في امتحان الدخول، وقد ذكرني لكثيرين ممن يكبرونني بعامٍ أو بعامَين، وكان من نتيجة ذلك أنه لم يمضِ أسبوع واحد، حتى التقيت بمن أصبحوا بعد ذلك أصدقاء العمر كله، كان «وايتهد» عندئذٍ في الجامعة «زميلًا» و«محاضرًا». وكان طيبَ القلب إلى حدٍّ يبعث على الدهشة، لكنه كان يكبرني بعددٍ كبيرٍ من السنين، بحيث لم يكن مستطاعًا أن أتخذ منه صديقًا قريبًا إلا بعد أن انقضَت بضعُ سنين، والتقيت بكثيرين ممَّن كانوا في مثلِ سنِّي، يتميزون بقدرتهم العقلية وتحمُّسهم وأخْذِهم الأمور مأخذَ الجِد، وكانوا يتناولون باهتمامهم أمورًا كثيرة خارجَ نطاق عملهم الجامعي، فيُولَعون بالشعر والفلسفة، ويُناقشون السياسة والأخلاق، وشتى نواحي العالم الفكري، فكنا نجتمع أماسيَ أيام السبت لندخل في مناقشاتٍ تطول حتى ساعةٍ متأخرة من الليل، ثم نلتقي على إفطارٍ متأخرٍ صباح الأحد، ثم نخرج معًا للمشي بقيةَ اليوم، فلم يكن الشبان الممتازون عندئذٍ قد اتخذوا لأنفسهم وجهة النظر المشوبةَ بالعجرفة والتشاؤم كالتي انتابت زملاءهم بعد ذلك بأعوامٍ، وشاعت في كيمبردج على أنها البِدْع الجديد، وكان المسئول عن إشاعة هذه النظرة المتشائمة فيما بعد هو «ليتن ستريتشي»، لا، لم يكن الشبان الممتازون في كيمبردج على عهدنا بهذا التشاؤم وهذه العجرفة، بل نظروا إلى العالم نظرة الأمل، وبدا العالم في أعينهم بغير تشويه، واعتقدنا جميعًا اعتقاد الواثق بأن التقدم الذي ظفرت به الإنسانيةُ إبَّان القرن التاسع عشر سيمضي في طريقه قُدُمًا، وأنه في مستطاعنا نحن أن نُضيف إلى ذلك التقدم قسطًا جديدًا له قيمته، لقد كانت أيامًا سعيدة تلك الأيام، وما أظن الشبان الذين نشَئوا منذ عام ١٩١٤م بقادرين على تصور تلك السعادة كيف تكون.

كان «ماكتاجارت» بين أصدقائي في كيمبردج، وهو الفيلسوف الهيجلي، وكذلك كان من أصدقائي «لويس دكنسن» الذي أحبه الجميعُ لدماثة خُلقه، و«شارلز سانجر» عالم الرياضة الممتاز الذي تحوَّل بعدَئذٍ إلى دراسة القانون، ثم أخَوان شقيقان هما «كرومتن وثيودور ليوولن ديفز»، وهما ابنا أحدِ رجال الدين، وأبوهما هذا هو أحد اثنَين ترجما معًا جمهورية أفلاطون ترجمةً معروفة، أعني ترجمة «ديفزوفون»، كان هذان الأخوان أصغرَ وأقدر أسرة أفرادها سبعة، كلهم غايةٌ في الامتياز، وكانت لهما قدرة نادرة على الصداقة، راغبان أشدَّ الرغبة في أن يكونا نافعَين للعالم الذي يعيشان فيه، لا يُباريهما أحدٌ فطنةً، غير أن أصغرهما «ثيودور» غرق في الحمام، ولم يكن بعدُ قد جاوز المراحل الأولى من سيرة لامعة في خدمة الحكومة، إنني لم أُصادف قطُّ رجلَين لهما ما كان لِذَينِك الأخوَين من حبٍّ عميقٍ في نفوس كثيرٍ من الأصدقاء، كذلك كان بين مَن التقيت بهم كثيرًا إخوة ثلاثة من أسرة «تريفليان» هم أبناء أخت «ماكولي»، اشتغل أكبرُهم بالسياسة عضوًا في حزب العمال، لكنه استقال من حكومة العمال حين قصَّرَت في بلوغها من الاشتراكية المدى الذي يُرضيه، وأما ثاني الإخوة الثلاثة فقد أصبح شاعرًا، نشر — بين كتبٍ أخرى — ترجمةً لشعر «لوكريتس» تدعو إلى الإعجاب، وظفر ثالثهم — جورج — بالشهرة مؤرِّخًا، وكان «جورج مور» يَصْغرني بأعوامٍ قلائل، وقد كان له فيما بعد أبعدُ الأثر في توجيه فلسفتي.

كانت مجموعة الأصدقاء الذين صحبتهم شديدة التأثر ﺑ «ماكتاجارت»، الذي حملَنا بفطنته على دراسة الفلسفة الهيجلية، وقد علَّمني كيف أنظر إلى الفلسفة التجريبية الإنجليزية نظرة ترى فيها فجاجة وسذاجة، وكنت أميل إلى العقيدة بأن هيجل (وكذلك «كانت» بدرجة أقل) يتصف بعمقٍ هيهات أن تجد له مثيلًا في «لكْ» و«باركلي» و«هيوم» (أئمة الفلسفة الإنجليزية)، بل هيهات أن تجد له مثيلًا عند الرجل الذي كنت قد اتخذته لنفسي قبل ذلك إمامًا روحيًّا، وأعني به «مل»، كنت في الثلاثة الأعوام الأولى من حياتي في كيمبردج أكثرَ شغلًا بالرياضة من أن أجد فراغًا أقرأ فيه «كانتْ» أو «هيجل»، أما في السنة الرابعة، فقد انصرفت إلى الفلسفة باهتمامي، وكان أساتذتي فيها هم «هنري سدْجوك» و«جيمز وورد» و«ستاوت»، وكان «سدجوك» بين هؤلاء يُمثل وجهة النظر البريطانية في الفلسفة، وهي وجهة أظنُّني قد ألممتُ بها، وجمعت أطرافها، ولذلك لم يكن له عندي من التقدير بادئ ذي بدء بمثل ما كان له عندي آخرَ الأمر، وأما «وورد» الذي أحببته حبًّا شديدًا، فقد شرح لي الفلسفة الكانتية شرحًا مهَّد الطريق أمامي لدراسة «لوتزه» و«سجفرت»، وأما «ستاوت» فقد كان عندئذٍ مشيدًا ﺑ «برادلي» ونبوغه، حتى لقد قال عنه حين أخرج «برادلي» كتابه «المظهر والحقيقة» إنه قد عرَض بكتابه هذا فلسفة الوجود عرضًا لا يُمكن لإنسانٍ من البشر أن يَبُزَّه فيه، وكان «ستاوت» و«ماكتاجارت» معًا هُما اللذان جعلاني هيجليَّ النظر، وإني لأذكر لحظة ذات يوم من عام ١٨٩٤م، حينما كنت سائرًا في شارع «ترنتي لين» رأيتُ فيها بلمحةٍ واحدةٍ من لمحات فكري (أو حسبتني قد رأيت) أن البرهان الوجودي على حقيقة الله برهان سليم، فقد خرجت يومئذٍ لأشتريَ علبة تبغ، وبينا كنت في طريق عودتي، قذفت بالعلبة فجأة إلى أعلى، وصحت وأنا ألقفها من الهواء قائلًا: «الله أكبر! إن البرهان الوجودي برهان سليم.» عندئذٍ أقبلت على قراءة برادلي بشغفٍ عظيم، ونزل من نفسي منزلة لم ينزلها فيلسوفٌ سواه.

غادرتُ كيمبردج عام ١٨٩٤م، وأنفقت بعد ذلك زمنًا طويلًا خارج بلادي، فلبضعة أشهر من عام ١٨٩٤م اشتغلت مُلحَقًا شرفيًّا في السفارة البريطانية بباريس، حيث كان من واجباتي أن أنسخ الرسائل المطوَّلة لإقناع الحكومة الفرنسية بأن جراد البحر (اللوبستر) ليس من فصيلة السمك، وقد أجابت الحكومة الفرنسية بأنه كان من السمك في سنة ١٧١٣م، أي في السنة التي عقدَت فيها معاهدة «أوترخت»، لم أجد في نفسي رغبة في السلك السياسي، وتركت السفارة في ديسمبر سنة ١٨٩٤م، وعندئذٍ تزوجت وقضيت الشطر الأكبر من سنة ١٨٩٥م في برلين أدرس الاقتصاد والديمقراطية الاشتراكية الألمانية، ولما كانت زوجة سفيرنا هناك ابنة عمي، فقد دُعيتُ مع زوجتي إلى عشاء في السفارة، لكن زوجتي ذكرَتْ في الحديث أننا قد حضرنا اجتماعًا اشتراكيًّا، فأغلقت السفارة البريطانية بعدئذٍ من دوننا أبوابها، وكانت زوجتي أمريكية من مدينة فيلادلفيا، فقضينا في أمريكا ثلاثة أشهر من عام ١٨٩٦م، وزرنا أول ما زرنا هناك منزل الشاعر «وولت وتمان» في مدينة كامدن من ولاية نيوجرسي، إذ كانت زوجتي تعرفه حق المعرفة، وكنت أنا معجبًا به أشد الإعجاب، إلا أن هذا الارتحال قد عاد عليَّ بأكبر الفائدة؛ لأنه أبرأني من مرض النظرة الإقليمية الذي أصابتني به كيمبردج، فقد أُتيح لي بصفةٍ خاصةٍ أن أطَّلع على مؤلفات «فيشتراس» الذي لم يذكره لي أبدًا أحدٌ من أساتذتي في كيمبردج، ثم استقر بنا المقام بعد هذا الارتحال في كوخٍ لعاملٍ في مقاطعة سسكس في إنجلترا، وقد أضفنا إلى الكوخ غرفة فسيحة للعمل، وكان لي عندئذٍ من المال ما يكفيني، بحيث أعيش في ميسرة بغير حاجةٍ إلى عمل أرتزق منه؛ ولذلك استطعت أن أنصرف بفراغي كله إلى الفلسفة والرياضة، ما عدا الأماسي، إذ كنا نملؤها بقراءة التاريخ قراءة مسموعة الصوت.

كانت لي بين عامَي ١٨٩٤م، ١٨٩٨م عقيدةٌ في إمكان البرهنة بالفلسفة الميتافيزيقية على أشياءَ كثيرة تُقال عن الكون، وهي أشياءُ أوهمَني شعوري الديني عندئذٍ بأنها موضوعاتٌ هامة، وانتهى بي قراري إلى أن أتجه بحياتي إلى الفلسفة، وقدمت رسالة أحصل بها على درجة «الزمالة»، جعلتُ موضوعها أسس الهندسة، فصادفَت الرضا عند «وورد» و«وايتهد»، ولو لم يُثنيا عليها لكنت غيرت اتجاهي إلى دراسة الاقتصاد التي بدأتها في برلين، فإني لأذكر ذات صباح إذ كنت سائرًا في متنزَّه «تير جارتن» في برلين كيف وضعت لنفسي خطة مقتضاها أن أكتب سلسلة من الكتب في فلسفة العلوم، صاعدًا بها صعودًا متدرجًا نحو ما هو أكثر تعينًا، فأبدأ بتجريد الرياضة، ثم أنتقل خطوة خطوة إلى غاية التعين في علم الحياة (البيولوجيا)، وكذلك رجوت عندئذٍ أن أكتب سلسلة أخرى من الكتب أُعالج بها المشكلات الاجتماعية والسياسية، بادئًا هذه المرة بالعلوم المتعينة منتهيًا بما هو مجرد، ثم أُقيم آخر الأمر بِناءً على غرار ما قد صنع هيجل، فأكتب موسوعة أجمع فيها بين النظر والتطبيق، تلك خُطة أوحى بها إليَّ هيجل، فلما انحرفت بفلسفتي بعدئذٍ عن الاتجاه الهيجلي، بقي لي شيء من تلك الخطة الأولى، ألا ما كان أهمَّها لحظةً، تلك التي صممت لنفسي فيها ذلك البرنامج! وما أزال حتى الآن أُحسُّ بذاكرتي ضغطةَ قدمَيَّ على الثلج الذائب، وأشَمُّ الأرض اللينة الرطبة التي كانت بشيرًا بزوال الشتاء.

لقد حدثَت لي خلال عام ١٨٩٨م عدة أحداث جعلتني أنفضُّ عن «كانت» وعن «هيجل» في آنٍ معًا؛ من ذلك أني قرأت كتاب هيجل «المنطق الأكبر»، فكان رأيي فيه عندئذٍ — ولا يزال هو رأيي إلى اليوم — أن كل ما قاله هيجل عن الرياضة كلام فارغ خرج من رأس مُهوَّش، كذلك حدث في ذلك العام ما جعلني أرفض براهين «برادلي» التي أراد بها أن ينفي التكثُّر في الأشياء لنفيه وجودَ ما بينها من علاقات، كما رفضْتُ كذلك الأسس المنطقية للمذهب الواحدي، وكرهت النظرة الذاتية التي ينطوي عليها «الحس النقدي» في فلسفة كانت، ولولا تأثير «جورج مور» في تشكيل وجهة نظري لفعلَتْ هذه العوامل فعلها بخطواتٍ أبطأ، فقد اجتاز «جورج مور» في حياته الفلسفية نفس المرحلة الهيجلية التي اجتزتُها، لكنها كانت عنده أقصرَ زمنًا منها عندي، فكان هو الإمامَ الرائد في الثورة، وتبعتُه في ثورته وفي نفسي شعورٌ بالتحرر؛ لقد قال برادلي عن كل شيءٍ يُؤمن به «الذوق الفطري» عند الناس إنه ليس سوى «ظواهر»، فجئنا نحن وعكسنا الوضع من طرفٍ إلى طرف، إذ قلنا إن كل ما يفترض «الذوق الفطري» عندنا بأنه حق فهو حق، ما دام ذلك الذوقُ الفطري في إدراكه للشيء لم يتأثَّر بفلسفةٍ أو لاهوت، وهكذا طَفِقنا — وفي أنفسنا شعورُ الهارب من السجن — نُؤمن بصدق الذَّوق الفطري فيما يُدركه، فاستبحنا لأنفسنا أن نصف الحشيش بأنه أخضر، وأن نقول عن الشمس والنجوم إنها موجودة، حتى لو لم يكن هناك العقل الذي يعي وجودها، ولكن ذلك لم يمنعنا عندئذٍ من الاعتراف أيضًا بوجود عالم من المثُل الأفلاطونية فيه كثرة، وليس يحدُّه زمن، وهكذا تغير العالم أمام أعيننا، فبعد أن كان هزيلًا مقيدًا بقواعد المنطق، انقلب فجأة ذا خصوبة وتنوُّع ومتانة، خذ الرياضة — مثلًا — فلماذا لا تكون صادقة في ذاتها صدقًا كاملًا دون أن نلجأ إلى حسبانها مجردَ مرحلة فكرية تُؤدي إلى ما بعدها، ولا يكمل صدقها إلا بغيرها من المراحل؟ لقد عرضتُ جانبًا من هذا الرأي في كتابي عن «فلسفة ليبنتز»، وهو كتاب جاء وليدَ المصادفة؛ ذلك أن «ماكتاجارت» الذي كان مفروضًا له أن يُحاضر عن ليبنتز في كيمبردج عام ١٨٩٨م، رغب في السفر إلى نيوزيلانده لزيارة أسرته، فطلب مني أن أحل محله في هذه المحاضرات، فكانت بالنسبة إليَّ مصادفةً سعيدة.

وجاء عام ١٩٠٠م، فكان أهمَّ عام في حياتي الفكرية، وأهمُّ ما حدث لي فيه زيارتي للمؤتمر الدولي للفلسفة في باريس؛ فقد كانت تُقلقني الأسس التي تقوم عليها الرياضة منذ اليوم الذي بدأتُ فيه دراسة إقليدس، وعمري لم يزد على أحد عشر عامًا، ولما أخذت بعد ذلك في قراءة الفلسفة، لم أجد ما يُرضيني عند «كانت» أو عند التجريبيين، فلم أطمئنَّ لقول «كانت» عن القضية الرياضية إنها قبلية تركيبية، ولا رضيتُ بما قاله التجريبيون من أن علم الحساب مؤلَّف من تعميمات جاءتنا بها التجرِبة، وذهبت إلى ذلك المؤتمر في باريس، فتأثرت بما لمسته خلال المناقشات من دقة عند «بيانو» وتلاميذه، وهي دقة لم أجدها في سواهم، فطلبت منه أن يُطلِعني على مؤلفاته فاستجاب، ولم أكد أدرس فكرته دراسة شاملة، حتى رأيتها تُوسع نطاق الدقة التي أَلِفناها في علوم الرياضة، بحيث تشمل موضوعاتٍ أخرى لبثَت حتى ذلك الحين نهبًا للغموض الفلسفي! فأقمتُ بنائي على الأساس الذي وضعه «بيانو»، وأضفتُ من عندي فكرة «العلاقات»، ولحسن حظي وجدت «وايتهد» راضيًا عن منهج البحث الجديد، مدركًا لأهميته، فلم نلبث إلا قصيرًا، حتى بدأنا نتعاون معًا على تحليل موضوعاتٍ معينة؛ كتعريف التسلسل، والأعداد الأصلية، والأعداد الترتيبية، وردِّ الحساب إلى أصولٍ في المنطق، وقد أصبنا التوفيق نجاحًا سريعًا بعد نجاحٍ لمدة عامٍ تقريبًا، نعم كان «فريجه» قد أدى بالفعل كثيرًا مما عملناه، ولكننا في البداية لم يكن لنا بذلك علم، وقد كان نصيبي الذي أديته في كتاب «أسس الرياضة» (البرنكبيا ماثماتكا) نتيجة عرضت لي بادئ الأمر عَرَضًا، وذلك حين كنت ماضيًا في دحض «كانت».

في شهر يونيو من سنة ١٩٠١م انتهت هذه الفترة التي امتلأت بنشوةٍ أشبهت النشوة في شهر العسل؛ فقد كان «كانتور» أقام برهانًا على أن الأعداد الأصلية لا تنتهي عند عددٍ يكون بمثابة «العدد الأكبر»، الذي ليس بعده عدد أكبرُ منه، فطبقتُ هذا البرهان نفسه على أي مُدرَكٍ كلي، فانتهيت إلى تناقضٍ قائمٍ في المدرك الكلي، حين لا يكون هو نفسه أحد الأفراد الجزئية المنطوية تحت معناه، وسرعان ما تبين لي أن هذا التناقض إن هو إلا واحد من مجموعة متناقضات ليس لها نهاية … جاهدت في إزالة هذه المتناقضات، وكنت أظن بادئ ذي بدء أن الأمر لا يستعصي على الحل، لكن سرابًا ضللني بعد سراب، فلم أتقدم نحو هدفي خطوة واحدة خلال عامَين كاملَين (١٩٠٣-١٩٠٤م)، حتى إذا ما كان الربيع من سنة ١٩٠٥م قامت في وجهي مشكلة جديدة ألفيتُها ممكنة الحل، فكان حلُّها بمثابة بصيصٍ من نورٍ، نحو أمل في التغلب على المشكلات الأولى، أما هذه المشكلة الجديدة التي أنارت لي الطريق، فهي مشكلة العبارات الوصفية؛ إذ أوحت إليَّ الطريقة التي حللتها بها بمنهجٍ جديد.

لقد كنت أول أمري من أتباع المذهب الواقعي، وأنا أستعمل كلمة «الواقعية» هنا بالمعنى الذي قصد إليه المدرسيُّون في العصور الوسطى بالنسبة إلى المذهب الأفلاطوني؛ إذ «الواقعية» بهذا المعنى تذهب إلى أن الكلمة الكلية لها مسمًّى قائمٌ بذاته إلى جانب الأفراد الجزئية التي تنطوي تحت ذلك الكلي، أقول إني كنت أولَ أمري واقعيًّا بهذا المعنى، فظننت — مثلًا — أن الأعداد الأصلية (١، ٢، ٣ … إلخ) أشياء موجودة وجودًا قائمًا بذاته، وكل الفرق بين وجودها ووجود سائر الأشياء التي نُصادفها هو أن الأعداد وجودها غير مشروطٍ بزمن، فلا يكون لها ماضٍ وحاضرٌ ومستقبل، بل هي ثابتة الحقائق لا يتعاورها تغيرُ الزمن، فلما هدانا التحليل إلى ردِّ الأعداد إلى فئاتٍ من فئات، لم تَعُد كائنات موجودة وجودًا مستقلًّا كما حسبتها أول الأمر، بل أصبح الموجود هو فئات من أشياء، أي إن الموجود فعلًا هو المعدود لا العدد نفسُه، وبينما كنت في شغلٍ من تحليل الأعداد، كان الفيلسوف النمساوي «مينونج» — الذي تابعت إنتاجه باهتمام — يُطبق براهين المذهب الواقعي (وكلمة الواقعية هنا أيضًا مستخدمة بمعناها الأفلاطوني الذي شاع بين مَدرسيِّي العصور الوسطى) على كل عبارةٍ وصفية، بحيث انتهى إلى القول بأن أي عبارةٍ فيها وصف لشيءٍ، فلا بد أن نفترض لذلك الشيء وجودًا مهما يكن نوع ذلك الوجود؛ لأنه لو لم يكن موضوعُ الحديث موجودًا لما أمكن التحدث عنه حديثًا مفهومًا، خذ مثلًا عبارة مثل «جبل الذهب غير موجود»، فهذه لا شك قضية صحيحة، وأساس صدقها هو أنه لا وجود لجبلٍ من ذهب، لكن النقطة الهامة هنا هي: كيف استطعنا أن نصف هذه العبارة بالصدق ما لم يكن موضوعها دالًّا على شيء؟ إنه إذا لم يكن ذا دلالةٍ لأصبحَت عبارتنا غير ذات معنًى، ولاستحال بالتالي أن نحكم عليها بالصدق، من ذلك يستنتج «مينونج» أن «جبل الذهب» موجود، وإن لم يكن وجوده واقعًا في عالم الأشياء المحسوسة، وجوده ضمنيٌّ، لكنه على كل حال وجود حقيقي، وهكذا قل في سائر العبارات التي تتحدث عن موضوعات خيالية، فلم يُقنعني هذا القول من «مينونج»، واشتدت بي الرغبة في التخلص من هذا العالم الوهمي الذي خلقه «مينونج»، وملأه بصنوف الموجودات، فلما تناولت الأمر بالبحث انتهيت إلى نظريتي في العبارات الوصفية، والمهم فيها هو أنها كشفت عن حقيقة، وهي أننا إذا ما حلَّلنا جملة ذات معنًى، فلا يجوز لنا الافتراضُ بأنه ما دامت الجملة في مجملها ذاتَ معنًى، فلا بدَّ كذلك أن يكون لكل جزءٍ من أجزائها معناه القائمُ بذاته؛ فلَفْظتا «جبل الذهب» يُمكن أن تكون جزءًا من عبارةٍ ذات معنًى مفهوم، لكنَّ اللفظتَين وحدهما مستقلتَين عن عبارتهما لا يتحتَّم أن تكونا دالَّتَين على شيء، وما لبثت بعد ذلك أن تبينتُ أن الأسماء الكلية كلها، أعني الرموز الدالة على فئاتٍ، إن هي إلا عباراتٌ وصفية، وحكمها حكم تلك العبارات، في أن الكلمة منها تكون ذات معنًى، وهي جزء من جملة، لكنها لا تدل بذاتها على شيءٍ إذا استقلت عن جملتها، وقامت بذاتها.

وأدت بي نظريتي في العبارة الوصفية إلى تناول مشكلة المدلول والمعنى — وهنا أريد أن تنصرف كلمة «المدلول» للألفاظ المفردة، وكلمة «المعنى» للعبارات — وإنها لمشكلةٍ معقَّدة، فتناولتها بالبحث في كتابي «بحث في المدلول والصدق» (١٩٤٠م)، وكان لا بد أن يسوقني البحث إلى علم النفس، بل إلى علم وظائف الأعضاء؛ فإنني كلما ازددت تفكيرًا فيها قلَّ اعتقادي بأن المنطق مستقل بذاته تمامَ الاستقلال، ولما كان المنطق — في رأيي — علمًا أبعدَ تقدمًا وأكثرَ دقة من علم النفس، كان خيرًا لنا بالبداهة أن نلجأ إلى المنطق في حل مشكلاتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وما أمكنَ بحثُه بطرائق المنطق لا ينبغي أن نلجأ فيه إلى علم النفس مثلًا … ها هنا أدركت أن «نَصْل أوكام» وسيلة منهجية مفيدة.

كان «نصل أوكام» في صورته الأولى ميتافيزيقيًّا؛ إذ كان مبدأً يُراد به الاقتصاد في عدد الكائنات، بمعنى أن كل كائن يُمكن الاستغناء عن افتراض وجوده، فلا بد من بتره كأنما نبتر الزائدة بنَصْل، كنت أنظر إلى «نصل أوكام» — وما زلت — أنظر إليه هذه النظرة أثناء اشتغالي بكتاب «أسس الرياضة» (البرنكبيا ماثماتكا)؛ فعند أفلاطون أن الأعداد الأصلية (١، ٢، ٣، ٤، …) كائناتٌ قائمة بذواتها، غير أنها كائنات لازمَنية، وهي هكذا في كتاب «فريجه»؛ «أصول الحساب»، فلما انتهى بي تحليل العدد إلى اعتباره فئةً من فئات، ثم لما تبيَّنتُ أن الرموز الدالة على فئاتٍ إنما هي «رموز ناقصة» — أي إنها ليست بذاتِ معنًى في ذاتها، ولا يكون لها مدلولها إلا إذا جاءت جزءًا من عبارة — آمنتُ بأنه ليس ثمة ضرورةٌ عقلية تُحتِّم علينا أن نجعل الأعداد الأصلية كائناتٍ مستقلةً بذواتها، ولم يكن برهاني قائمًا على شيءٍ من الميتافيزيقا، بل جعلت أساس البحث شيئًا آخر، هو ما أُسميه «بالألفاظ الأولية»، أعني الحد الأدنى من الكلمات التي يُمكن جعلُها أساسًا لكل علمٍ من العلوم، وهي الكلمات التي لا تُغْني فيها واحدة عن أخرى، ولا يُمكن تعريف واحدة بواسطة أخرى، أضرب لذلك مثلًا ما صنعه «بيانو» حين أرجعَ لغة علم الحساب كلَّها إلى ألفاظٍ أوليةٍ ثلاثة، فجاء بعده «فريجه» كما جاء كذلك كتابنا في أسس الرياضة (برنكبيا ماثماتكا)، وأوضحنا كيف أنه حتى هذه الألفاظ الثلاثة لا ضرورة لافتراضها أساسًا نُقيم عليه بناء العلوم الرياضية، إذ يُمكن ردُّها وتحليلها إلى الألفاظ الأولية اللازمة لبناء علم المنطق، وبهذا تُصبح الرياضة استمرارًا للمنطق، ويكون كلاهما قائمًا على مجموعةٍ واحدةٍ معينةٍ من الألفاظ الأولية، هي التي لا بد منها للسير في قضايا المنطق أولًا، فقضايا الرياضة بعد ذلك، وهكذا ترى استغناءنا عن افتراض وجود الأعداد ككائنات قائمة بذواتها، وردِّها إلى ألفاظٍ أوَّليةٍ مستخدمةٍ في علم المنطق، ترى كل ذلك قائمًا على تحليل منطقي لا شأن له بالميتافيزيقا ومجالها.

•••

إنك لو استثنيت ما كتبته في المنطق الرياضي، جاز لك القولُ بصفةٍ عامةٍ بأن سائر كتبي لا تُمثل وجهة نظري تمثيلًا كاملًا؛ فنظرية المعرفة — مثلًا — التي عُنِيتُ بها عناية كبرى، فيها ما يدل على أساس ذاتي بدرجة لم يكن منها بد؛ لأن السؤال الذي طرحته لأُجيب عنه هو: «كيف عرَفتُ أنا ما أعرفه؟» وإذن فنظرية المعرفة لا مفر لها من أن تجعل نقطة ابتدائها هي الخبرةَ الذاتية، خبرتي أنا، ماذا أُدرك من خبراتي الباطنية الذاتية، بل إن هذا الجانب الذاتي من نظرية المعرفة لا يقتصر على نقطة البداية وحدها، بل يُجاوزها فيشمل الخطوات الأولى من طريق البحث في الموضوع؛ لأن تلك الخطوات الأولى هي أيضًا منحصرة في الذات العارفة، ولما كنتُ فيما أخرجتُه من مؤلفاتٍ لم أُجاوز حتى الآن ببحثي تلك المراحل الأولى من عملية المعرفة، فقد بدوت أمام القرَّاء أكثرَ ذاتية من حقيقة موقفي، فلست أنا بالفيلسوف المثاليِّ الذي يجعل الحقيقة محصورة كلها في الذات العارفة، ولا أنا بواحدٍ ممن يذهبون مذهبَ انحصار الذات في نفسها، بحيث لا يكون أمام الإنسان سبيلٌ إلى الخروج عن ذاته إلى حيث العالمُ الخارجي، بل إني مؤمن بعالم الفيزيقا إيماني بعالم النفس، ومن الأمور التي أراها واضحة بذاتها أن معرفتي تبدأ بخبرتي، والخبرة حالة ذاتية باطنية، وكل ما ليس في حدود خبرتي المباشرة لا سبيل إلى العلم به إلا عن طريق الاستدلال، ويظهر لي أن الفلاسفة — خشيةً منهم أن يقعوا في مأزق انحصار الذات في نفسها — لم يُواجهوا مشكلة المعرفة الإنسانية مواجَهة جادة، فتراهم إما تركوا المبادئ الضرورية لعملية الاستدلال، غامضة بحاجةٍ إلى توضيح، أو أنكروا الفارق الذي يُميز المعرفة المستمَدة من الخبرة المباشرة من المعرفة المستمَدة بالاستدلال، فإذا ما أُتيحَ لي الفراغ الذي يُمكِّنني من الاضطِلاع ببحثٍ جادٍّ في مشكلةٍ فلسفيةٍ، فسيكون موضوعي هو هذه المحاولة في سبيل تحليل العملية الاستدلالية التي تبدأ من طرَف الخبرة الذاتية، وتخرج منها إلى عالم الفيزيقا، مفترضًا الصدقَ في تلك الاستدلالات، ثم أبحث عن المبادئ التي بمقتضاها تكون استدلالاتنا من خبراتنا الذاتية إلى الطبيعة الخارجية صادقة، قد يكون الحكم بصدق المبادئ المتضمَّنة في عملية الاستدلال أمرًا مرهونًا بالهوى، لكن الذي لا شأن له بأهوائنا، والذي لا بد لنا من قَبوله، هو ضرورة الأخذ بهذه المبادئ الاستدلالية إذا أردنا ألا ينحصر وجودنا في حدود ذواتنا وخبراتها المباشرة.

وأنتقل الآن إلى ذكر ما حاولت أداءه في المشكلات الاجتماعية، فلقد نشأت في محيطٍ سياسيٍّ، وكان كبار أسرتي يُريدون لي أن أسير في حياتي سيرة سياسية، غير أن الفلسفة استثارت من اهتمامي أكثر مما فعلت السياسة، ولما تبين لي في وضوحٍ أن في نفسي استعدادًا لها، قررت أن أجعلها مشغلتي الرئيسية في الحياة، وقد آلم جدي هذا الاتجاهُ مني، حتى لقد أشار وهو يُحدثني ذات يومٍ إلى بحثي في أسس الهندسة بقوله في استخفاف: «هذه الحياة التي عشتها حتى الآن!» كأنما يُريد أن يقول لي: هذه الحياة التي أضَعتها سدًى، ثم أضاف إلى ذلك قائلًا في صوت المتحسِّر: «أوه يا «برْتي»، أصحيحٌ ما سمعته أنك تكتب كتابًا آخر؟!» ومهما يكن من أمر انصرافي إلى الفلسفة، فقد لبث في نفسي أثرٌ قويٌّ يميل إلى السياسة أيضًا، فلما كنت في برلين عام ١٨٩٥م درست الديمقراطية الاشتراكية الألمانية التي أحببتها لمناهضتها للقيصر، لكني كذلك كرهتُها؛ لأنها — عندئذٍ — كانت تُمثل الماركسية على أصولها، وظللت حينًا متأثرًا ﺑ «سدني وبْ» في مَيلي إلى النزعة الاستعمارية إلى الحد الذي جعلني أُناصر حرب البوير، لكنني أقلعت عن هذه الاتجاه إقلاعًا تامًّا سنة ١٩٠١م، ومنذ ذلك التاريخ لم أفتأ أُحِسُّ كراهيةً شديدةً نحو استخدام القوة في العلاقات البشرية، ولو أني كنت أُسلم دائمًا بضرورة استخدام القوة أحيانًا، وجدت في سنة ١٩٠٣م أنِ انقلب «جوزف تشمبرلين» عدوًّا لحرية التجارة، فانطلقتُ أُهاجمه بالكتابة والخَطابة، واستندتُ في معارضتي إياه إلى ما يستند إليه كل داعية إلى التعاون الدولي، وكان لي نصيب فعال في الحركة التي أرادت للمرأة حق الانتخاب، ولما فرغت من كتابي «أسس الرياضة» سنة ١٩١٠م، رغبت في دخول البرلمان، وكنت وشيكَ تحقيق هذه الرغبة، لولا أن علمَت لجنة الترشيح عني حرية التفكير فأعرضت.

وجاءت الحرب العالمية الأولى، فوجهت اهتمامي وجهة جديدة، إذ استغرقتني مشكلة الحروب، واجتنابها في المستقبل، فكتبت في ذلك وما أشبهه مؤلفات وسَّعَتْ من نطاق شهرتي في جمهور القارئين، كان أملي والحربُ ناشبة أن تجيء معاهدة السلم ضامنةً لاجتناب حروب عظمى في المستقبل، لكن معاهدة فرساي خيبت أملي، وراح كثيرون من أصدقائي يعقدون آمالهم على روسيا السوفيتية، لكنني حين زرتها سنة ١٩٢٠م لم أجد بها شيئًا جديرًا بحبي أو حقيقًا بإعجابي.

ودُعِيت إلى الصين، فلبثت فيها نحو عام، وقد أحببت أهل الصين، ولو أني تبينت أن كثيرًا من أفضل جوانب حضارتهم سيُصيبه الفساد بسبب تأهبهم لمقاومة التيارات الحربية المعادية، فكأنما لم يعد أمامهم — فيما يظهر — إلا أحدُ أمرَين؛ فإما أن يتركوا أنفسهم نهبًا للغزاة، وإما أن يُسلحوا أنفسهم بسيئات أعدائهم؛ ليتمكنوا من مقاومتهم بمثل أخلاقهم، وعلى كل حالٍ فقد أفادتني الصين فائدة كبيرة، وهي فائدة لا بد أن يُفيدها الشرق لكل من يدرسونه من الأوروبيين دراسة فيها عطف وحساسية، ذلك أن الصين قد علمتني كيف أُفكر تفكيرًا يمتد ليشمل مسافات بعيدة من الزمن، وألا أدع الحاضر بسيئاته باعثًا على اليأس، ولولا هذا الدرسُ الذي تعلمته في الصين، لما احتملت العشرين عامًا الماضية بما فيها من مآسٍ على نحو ما احتملتها.

وخلال السنوات التي أعقبت عودتي من الصين، وُلِد لي الولدان الأولان، فكانا سببًا في اهتمامي بالتربية في المراحل الأولى، ولبثتُ فترة أختص التربية بمعظم جهدي، وقد ظن الناس أني لا بد مناصرٌ للحرية الكاملة في المدارس، لكن ذلك الظن — كظنهم بأني داعٍ إلى الفوضى — خطأ في تصوير وجهة نظري؛ إذ إني أرى أنه لا غنى لنا عن قدرٍ معينٍ من القسر في تربية النشء، كما أنه لا غنى لنا عن مثل ذلك في الحكم، ولو أني أرى إلى جانب ذلك أن في مستطاعنا أن نهتديَ إلى طرائقَ تربوية يكون من شأنها التقليل من ذلك القسر الضروري، ولهذه المشكلة نواحيها السياسية أيضًا، فالقاعدة العامة بالنسبة للأطفال والراشدين على السواء، هي أن الناعمين في حياةٍ سعيدةٍ يغلب عليهم أن يكونوا أقلَّ ميلًا إلى النزعات الهدامة، ولهذا فهم أقلُّ احتياجًا إلى الضوابط عمن هم لا ينعمون بمثل تعمليهم، لكني مع ذلك لا أظن أن الأطفال يسعدون بحرمانهم من الهداية، كما أني لا أعتقد في إمكان ولاء الأفراد لمجتمعهم إذا نحن أرسلنا حبلهم على الغارب، إن تعويد الناشئ على النظام أمرٌ لا نزاع فيه، لكن المشكلة هي إلى أي حدٍّ يجوز ذلك؛ لأن الإسراف في الشدة قد يأتي بعكس المطلوب؛ إذ إن إحباط الغرائز الطبيعية في الطفل لا بد منتهٍ به إلى تذمُّر من العالم وضيق به، وهذا بدوره كثيرًا ما ينتهي إلى العنف والقسوة؛ فقد كان مما استرعى انتباهي إبَّان الحرب ١٩١٤–١٩١٨م أمرٌ صُعِقتُ له، هو ما لاحظته أول الأمر من أن معظم الناس في نشوةٍ نفسيةٍ بسبب قيام الحرب! وواضحٌ أن ذلك نتيجة علل كثيرة بعضها تربوي، نعم إن في وُسع الوالدين أن يُؤديا شيئًا كثيرًا لوليدهما، لكن التربية على نطاقٍ واسعٍ ينبغي أن تكون من عمل الدولة، وبالتالي لا بد أن تسبقها إصلاحات في السياسة والاقتصاد، ومهما يكن من أمرٍ، فقد رأيت العالم عندئذٍ يسير رويدًا نحو الحرب ونحو الدكتاتورية، ووجدت أنني لا أملك أن أعمل عملًا يُفيد، فأسرعت الخُطى عائدًا إلى حظيرة الفلسفة وتاريخ الفكر.

١  من مقدمة كتبها برتراند رسل عن أطوار حياته الفكرية، قدم بها للكتاب الذي قام على نشره «بول آرثر شلب» Paul Arthur Schlipp، وقد تعاونت في هذا الكتاب جماعة من الأساتذة والعلماء على عرض فلسفة رسل من شتى نواحيها، طبعته سنة ١٩٤٤م جامعة الشمال الغربي بمدينة شيكاجو بالولايات المتحدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢