الفصل السابع

محرقة الجثث الجنائزية

نادرًا ما كان ثورندايك ينغمس في قراءة الصُّحف المسائية، بل إنه كان يستاء بعض الشيء من هذه العادة الحديثة؛ ولهذا فحين دخلتُ مكتبنا قُبيل موعد العشاء مُمسكًا بنُسخةٍ من صحيفة «إيفيننج جازيت» المسائية، حدَّق إلى الصحيفة المطوية في يدي بنظرةٍ استفسارية تحمل شيئًا قليلًا من الاستنكار.

أعلنت مُقتبسًا عبارة بائع الصُّحف الصغير السن: «اكتشافٌ مُروِّع بالقرب من «دارتفورد».»

فتلاشى الاستنكار من على وجهه، لكن النظرة الاستفسارية ظلَّت كما هي.

سألني: «ما الأمر؟»

فأجبته قائلًا: «لا أعرف، لكنه يبدو شيئًا ضِمن نطاق اختصاصنا.»

ردَّ مُحدِّقًا إلى الصحيفة: «صديقي العلَّامة يظلمنا، لكن إذا كنتَ ستجعل جسدي ينتفض ذُعرًا، فسأُحاول تحمُّل تفاصيل الخبر.»

وبناءً على هذه الدعوة، فتحتُ الصحيفة وقرأتُ ما يأتي:

«اكتشافُ مأساةٍ مروِّعة في مَرج على بُعدِ ميلٍ واحد من دارتفورد. في حوالَي الساعة الثانية من صباح اليوم، لاحَظ شرطيٌّ ريفيٌّ كومةً مُشتعِلة من التبن عند المستنقَعات بالقرب من الجدول المائي. وبحلول الوقت الذي وصل فيه إلى الكومة، كان النصف العُلوي منها يحترق بشدة في الرياح العاتية. ولأنه لم يستطع فِعل أي شيء بمفرده، ذهب إلى البيت الريفي المُجاور ذي المزرعة وأطلق صافرة الإنذار، فرافَقه المُزارع واثنان من أبنائه إلى مكان الحريق، غير أن الكومة كانت قد أصبحت آنذاك كتلةً هائلةً مُشتعلة، تُصدِر أجيجًا يدوِّي في الرياح، وتنبعث منها حرارةٌ مُستعرة. ولمَّا كان إنقاذ أي شيء أمرًا مُستحيلًا، فقد قرَّر المُزارع تركها لمصيرها المحتوم والعودة إلى بيته، لا سيَّما أنه لم تكن هناك أكوامٌ أخرى بالقرب منها.

وفي الساعة الثامنة صباحًا عاد إلى المكان نفسه، ووجد أن الكومة لا تزال تحترق، وإن كانت قد تحوَّلت إلى ركامٍ من الرماد ونُفايات الحريق المتوهِّجة. وحين اقترب منها انتابه الذُّعر؛ إذ رأى جمجمةً بشرية بدا أنها تبتسم ابتسامةً عريضةً وسط مخلَّفات الحريق. ومع تدقيق النظر، رأى عظامًا أخرى — كلُّها بيضاء مُتكلِّسة وطباشيرية — ووجد بالقرب من الجمجمة غليونًا فخاريًّا قصيرًا سميكًا. ويبدو تفسير هذا الحادث المروِّع بسيطًا للغاية؛ إذ لم يكن عُمال المزرعة قد أتمُّوا إنشاء هذه الكومة، وحين توقَّفوا عن العمل تركوا السُّلَّم في مكانه، ويبدو أن أحد المتشرِّدين كان يبحث عن مكانٍ يأويه في الليل، فلاحَظ هذا وجود السُّلَّم وتسلَّقه، واستراح وسط التبن المُهلهل في أعلى الكومة، حيث نام واضعًا غليونه المُشتعِل في فمه؛ فاشتعل التبن. ولا بد أن الرجل اختنق بالدخان دون أن يستيقظ من سُباته.»

علَّق ثورندايك قائلًا: «تفسيرٌ منطقي، ومُحتمَل جدًّا، لكنه محض افتراض بالطبع، والواقع أن الموت في هذه الحالة يُمكن أن يُعزى إلى أيٍّ من الأسباب الثلاثة للموت بحادثةٍ عنيفة: حادث أو انتحار أو قتل.»

فقلت له: «كنت أظن أننا نستطيع استبعاد الانتحار بثقةٍ شِبه تامة؛ فمن الصعب تخيُّل أن يختار رجُلٌ شَيَّ نفسِه حتى الموت.»

ردَّ ثورندايك قائلًا: «لا أستطيع الاتفاق مع رأي صديقي العلَّامة هنا؛ إذ يُمكنني تخيُّل حالة تكون شديدة التعلُّق باختصاص الطب الشرعي، وتتماشى تمامًا مع الملابَسات الحالية؛ فلنفترض أن رجلًا مُعسِرًا يائسًا مُشمئزًّا من الحياة إلى حدٍّ ميئوسٍ منه قد قرَّر توفير احتياجات أسرته باستثمار الجنيهات القليلة التي كانت متبقيةً لديه في التأمين على حياته بمبلغٍ طائل والانتحار من بعد ذلك. كيف سيتصرَّف؟ إذا انتحر بأيٍّ من الأساليب التقليدية، فسيُبطِل بوليصة التأمين بالطبع، لكن لنفترض الآن أنه كان يعرف باحتمالية وجود كومة من التبن، وأنه أخذ معه سُمًّا سريع المفعول، مثل سيانيد البوتاسيوم، بل كان بإمكانه أيضًا أن يستخدم سيانيد الهيدروجين إذا حمَله في قنينةٍ مصنوعة من المطاط أو السيلولويد ستَلتهمها النيران، وأنه تسلَّق إلى أعلى الكومة وأضرَم النيران فيها، وحالَما اشتعلت تمامًا تجرَّع السُّمَّ وخَرَّ صريعًا بين التبن. مَن قد يطعن في استحقاق أسرته لقيمة التأمين؟ فالنار ستكون قد دمَّرت كلَّ آثار السم، حتى وإن جرى البحث عنها، غير أنه من شِبه المؤكَّد أن هذه المسألة لن تُطرَح أبدًا، وستَدفع الشركة قيمة التأمين بلا اعتراض أو تردُّد.»

لم أستطع كبحَ ابتسامتي أمام هذا العرض الهادئ لجريمةٍ قابلة للتنفيذ، وقلت: «من الرحمة يا ثورندايك أنك رجلٌ مُستقيم؛ فلو أنك لم تكن كذلك …»

ردَّ على الفور بدُعابة قائلًا: «أعتقد أنه يجدر بي أن أجد وسيلةً أفضل من الانتحار لكسب الرزق، لكن بخصوص هذه القضية فستكون جديرةً بالمتابعة. صحيحٌ أن فرضية الرجل المتشرِّد هي الأرجح بالتأكيد، لكن رجحانها نفسه يجعل أيَّ فرضيةٍ بديلة مُمكنةً على الأقل؛ فلا أحد قد يشكُّ في أنها حادثة انتحار احتيالي، لكن هذه الحصانة من الشك عاملٌ يُعزِّز رجحان الانتحار الاحتيالي بالفعل. والأمر نفسه ينطبق بدرجةٍ أقل على احتمالية القتل. يجب أن نُتابع القضية وننتظر ظهور أي مستجدات أخرى.»

لم يتأخر ظهور المستجدات الأخرى كثيرًا؛ فالخبر الوارد في الصحيفة الصباحية قد قضى تمامًا على فرضية الرجل المُتشرد دون أن يُقدِّم أيَّ فرضيَّاتٍ أخرى.

فقد جاء فيه ما يأتي: «مأساة كومة التبن المحترقة تأخذ منعطفًا غامضًا. لقد اتضح أن الرجل المجهول، والذي افتُرض أنه أحد المتشرِّدين، كان شخصًا ذا مكانةٍ اجتماعية بالتأكيد؛ إذ كشف الفحص الدقيق الذي أجرَتْه الشرطة للرماد عن عدة أغراض لا يُمكن أن يحملها سوى رجلٍ ذي مقدرةٍ مالية كبيرة؛ فقد اتَّضح أن الغليون الفخاري كان أحد غليونَين — استُعيد ثانيهما — من المرجَّح أنهما كانا مُطعَّمين بالفضة، ومحمولين في عُلبةٍ عُثِر على إطارها الفولاذي. وكلا الغليونين من طراز «بيرنز كاتي»، تحمل فوَّهةُ كلٍّ منهما نقشًا أنيقًا للحرفين الأوليين: «آر. آر.». وقد عُثِر أيضًا على الأغراض الآتية: «بقايا ساعة، من المرجَّح أنها ذهبية، وسلسلة ساعة فريدة بعض الشيء ذات حلقات تتنوَّع بين الذهب والبلاتين. وقد اختفى جزءٌ من الحلقات الذهبية، لكن عُثِر على عدة خرزات ذهبية يبدو أنها انفصلت عن الساعة والسلسلة. أما الحلقات البلاتينية، فهي سليمة ومصنوعة من سلكٍ مُلتوٍ مُربَّع. عُثِر أيضًا على حزمة من المفاتيح قد انصهرت جزئيًّا، وختم بلَّوري صخري، يبدو أنه جزء من خاتم، وتميمة خزفية صغيرة ذات حلقة لتُعلَّق منها — ربما بسلسلة الساعة — وعدد من الأسنان الصناعية. وقد أضفت هذه الأخيرة على القضية جانبًا مُحيرًا ومُنذرًا بالشر؛ إذ عُثِر على طقم أسنان عُلوي بجوار قناة تبعد عن الكومة المُحترِقة مسافة مائتَي ياردة. يحتوي الطقم على فجوتين قد وجد جرَّاح الشرطة حين قارَنهما بجمجمة الرجل المجهول أنهما تتوافقان مع مجموعتين من الأسنان الطبيعية المُتبقية. وعلاوةً على ذلك، يبدو أن الأسنان الصناعية التي وُجِدت في الرماد تنتمي كلُّها إلى طقمٍ سُفلي. ومن الصعب للغاية تفسير وجود هذا الطقم على هذه المسافة البعيدة من مسرح وفاة الرجل.»

وحين أنهى ثورندايك قراءة الفقرة، نظر إليَّ كأنه يدعوني إلى إبداء أي تعليق.

فقلت: «هذا أمرٌ لافتٌ وغامض جدًّا، وهو يُذكِّرني بالطبع بالحالة الافتراضية التي اقترحتَها بالأمس. إذا كانت هذه الحالة مُمكنة آنذاك، فقد صارت الآن مُرجَّحة. إنها تتلاءم تمامًا مع هذه الحقائق الجديدة، ولا أعني هنا وجود الكثير من الوسائل لتحديد هويته فقط، بل حتى طقم الأسنان ذلك؛ فربما تجرَّع السُّمَّ بينما كان يدنو من الكومة، وكان السم لاذعًا أو مُهيِّجًا؛ مما جعله يسعل أو يتقيَّأ. وأنا لا أستطيع تصوُّر أي تفسير منطقي آخر.»

فقال ثورندايك: «توجد احتمالاتٌ أخرى، لكن الانتحار الاحتيالي هو الفرضية الأرجح بالتأكيد بناءً على الحقائق المعروفة، غير أننا سنرى بأنفسنا؛ فسوف تتضح هُوية صاحب الجثة قريبًا مِثلما تقول.»

والواقع أنها قد اتَّضحت في غضون ذلك اليوم نفسه. ظللت أنا وثورندايك مُنهمكين حتى المساء في إنجاز أشغالنا في المحاكم وأماكن أخرى، ولم يكُن لدينا وقتٌ للتفكير إطلاقًا في تلك القضية الغريبة، غير أننا في طريق عودتنا إلى المكتب صادَفنا السيد ستوكر الذي يعمل في شركة «جريفين لايف» للتأمين، وهو يمشي جيئةً وذهابًا في شارع «كينجز بنش ووك» بالقرب من مدخل مكتبنا.

صاح وهو يمشي بخُطًى واسعة نحونا ليُقابلنا بالقرب من بوَّابة مبنى «ميتر كورت»: «ها! قد جئتما! أنتما مَن كنت أرغب في لقائه بالتحديد. لديَّ مسألةٌ بسيطة أودُّ استشارتكما بشأنها. لن آخذَ من وقتكما كثيرًا.»

فقال له ثورندايك: «لا بأس إن أخذت؛ فقد أنهينا أشغال اليوم المُعتادة، وصار وقتُنا مِلكنا الآن.» ثم سار بنا إلى مكتبنا، حيث أشعل نيران المدفأة، وقرَّب إليها ثلاثة كراسي ذات أذرُع.

وتحدَّث قائلًا: «والآن يا سيد ستوكر، فلتستدفئ وتُخبرنا بمشكلاتك.»

مدَّ السيد ستوكر يديه ناحية نيران المدفأة، واستهلَّ كلامه بنبرةٍ تأمُّلية، فقال:

«أظنُّ أنني إذا أخبرتكما بالحقائق فسيكون ذلك كافيًا، وربما تعرفان معظمها بالفعل. أسمعتما عن الرجل الذي عُثِر على رُفاته في رماد كومة محترقة من التبن؟ حسنًا، لقد اتَّضح أنه كان رجلًا يُدعى السيد ريجينالد ريد، وهو سمسار أوراق مالية خارج البورصة، كما أفهم، لكن الأهمَّ لنا أنه كان عميلًا لدينا. لقد أصدرنا بوليصة تأمين على حياته بمبلغٍ قدرُه ثلاثة آلاف جنيه. ظننت أنني تذكَّرت الاسم حين رأيته في الصحيفة عصر اليوم؛ لذا بحثت عنه في ملفَّاتنا، وتيقَّنت من أنه هو.»

فسأله ثورندايك: «متى أُصدرَت البوليصة؟»

صاح ستوكر قائلًا: «آه! هذا هو مثار سخطنا في القضية. لقد أُصدرَت البوليصة قبل أقل من عام، وهو لم يدفع لنا سوى قسطٍ واحد؛ لذا فسوف نخسر الآلاف الثلاثة بأكملها تقريبًا على الأرجح. صحيحٌ أن المرء عليه أن يأكل الشحم مع اللحم، لكننا لا نرغب في أن نتناول كُتلًا هائلة منه كهذه.»

اتفق معه ثورندايك قائلًا: «هذا مؤكَّد بالطبع، لكنك جئت الآن لتستشيرني؛ فما موضوع الاستشارة؟»

أجاب ستوكر قائلًا: «حسنًا، سأُخبرك بالمسألة: ألا يوجد شيءٌ مُريب على نحوٍ واضح في هذه القضية؟ أهذه الملابَسات طبيعية؟ فعلى سبيل المثال، كيف يُمكن بحق الجحيم أن يذهب رجلٌ محترم من سكان المدينة ليُدخِّن غليونه في مرجٍ مهجور في الساعة الثانية صباحًا تقريبًا؟»

فقال ثورندايك: «أُوافق على أن الملابَسات غير طبيعية تمامًا، غير أنه ما من شكٍّ في أن الرجل قد مات، بل شَبِع موتًا، إن جاز لي استخدام هذا التعبير. فما النقطة التي تودُّ طرحها؟»

أجاب ستوكر: «أنا لا أطرح أيَّ نقاط، بل نُريدك أن تحضر التحقيق وتُتابع القضية من أجلنا؛ فالانتحار مُستبعَد بوضوح في بوليصاتنا بالطبع، كما تعلم، وإذا اتَّضح أن هذه حالة انتحار …»

سأله ثورندايك: «وما الذي يُوحي بأنها حالة انتحار؟»

أجاب ستوكر على السؤال بمثله: «وما الذي يُوحي بأنها ليست كذلك؟»

ردَّ ثورندايك: «لا شيء، لكن الدفع السَّلبي لن يُفيدكم؛ فسوف يتوجَّب عليكم تقديم دليل إيجابي قاطع على الانتحار، وإلا فستدفعون قيمة التأمين.»

قال ستوكر: «نعم، أعرف ذلك، ولا أقصد … غير أنه ما من جدوى في مناقشة الأمر الآن ونحن لا نعرف سوى القليل جدًّا من المعلومات. سأترك القضية بين يديك؛ فهل تستطيع حضور التحقيق؟»

أجاب ثورندايك: «سأتكفَّل بذلك.»

قال ستوكر وهو ينهض ويرتدي قفَّازَيه: «حسنًا، سنترك الأمر على هذه الحال إذن، وما كان لنا أن نتركه على حالٍ أفضل من هذه.»

وحين رحل ضيفنا، قلت لثورندايك: «يبدو أن ستوكر يتصوَّر الفكرة نفسها التي خطرت ببال زميلي الأكبر العلَّامة: الانتحار الاحتيالي.»

ردَّ قائلًا: «لا عَجَب في ذلك؛ فستوكر رجلٌ محنَّك، ويُدرك أنه حين يقع حادثٌ غير طبيعي ينبغي أن نبحث عن تفسيرٍ غير طبيعي. كان الانتحار الاحتيالي احتمالًا تخمينيًّا بالأمس. أما اليوم، فقد أصبح هو النظرية الأرجح في ضوء الحقائق الجديدة، لكن الاحتمالات المُرجَّحة وحدها لن تنفع ستوكر. وإذا لم يُقدَّم دليلٌ مباشر على الانتحار — ومن المستبعَد أن يُقدَّم أيُّ دليل — فسيصدر الحكم بالقتل غير المتعمَّد، وستضطرُّ شركة «جريفين» إلى دفع قيمة التأمين.»

«أظنُّ أنك لن تفعل أيَّ شيء حتى تسمع ما سيحدث في التحقيق، أليس كذلك؟»

أجاب قائلًا: «بلى؛ أرى أننا ينبغي أن نذهب ونتفحَّص المنطقة فقط؛ ففي الوقت الحالي نعرف الحقائق من طرَفٍ ثالث، ولا نعلم ما الذي يمكن أن يكون قد تجاهله. ولأن يومَ غد شِبه خالٍ من المشاغل، فأقترح أن نبدأ مبكرًا ونرى مسرح الحادث بأنفسنا.»

«هل لديك نقطةٌ معيَّنة تريد توضيحها؟»

«كلا، لا يخطر ببالي شيءٌ محدَّد؛ فالملابَسات تتماشى إما مع حادث أو انتحار أو قتل، وإن كانت تميل ميلًا لا ريب فيه إلى الانتحار، غير أن ذهني الآن منفتح تمامًا على كل الاحتمالات. والحق أنني ذاهب إلى دارتفورد على أمل الإمساك بطرف خيط يقود إلى اتجاهٍ محدَّد.»

وحين ترجَّلنا من القطار في محطة «دارتفورد» في صباح اليوم التالي، نظر ثورندايك في اتجاهَي الرصيف نظراتٍ استطلاعيةً حتى لمح مُفتِّشًا، ثم اقترب من ذلك المسئول، وسأله أن يصف له طريقًا إلى مكان الكومة المحترقة.

ألقى المسئول نظرةً خاطفة على حقيبة استقصاءات ثورندايك المغطَّاة بقماش القنب، وعلى منظاري والكاميرا الخاصة بي، وأجاب بابتسامة: «لستَ أوَّل من يسأل هذا السؤال، بل سبقك الكثيرون؛ إذ جاء موكبٌ نظامي من الصحفيِّين صباح اليوم وسألوا هذا السؤال أيضًا. يبعد المكان عن هنا مسافة ميل تقريبًا. ستسلك الممشى إلى شارع «جويس جرين»، وتنعطف ناحية الجدول المائي المُقابل لمزرعة «تيمبل».» وأضاف حين أخرج ثورندايك خريطته الطبوغرافية الرسمية التفصيلية التي يبلغ مقياسها بوصةً واحدة لكل ميل وقلمًا رصاصيًّا: «هذا هو المكان الذي توجد فيه الكومة تقريبًا، على بُعدِ بضع ياردات من ذلك المصرف المائي.»

انطلقنا من المحطة بهذا الوصف والخريطة المفتوحة، وسرعان ما صارت البلدة خلفَنا بعد أن مضينا في طريقنا على الممشى المهجور. وحين عبرنا المَرقى الثاني في السياج الخشبي للممشى، حيث يلتقي الممشى بالطريق مرةً أخرى، توقَّف ثورندايك بُرهةً ليستطلع الأفُق.

علَّق قائلًا: «كان سؤال ستوكر منطقيًّا؛ فهذا الطريق لا يؤدي إلى أي مكان سوى النهر، وهنا يتساءل المرء حقًّا عمَّا كان من الممكن لرجلٍ من المدينة أن يفعله عند هذه المستنقعات في الساعات الأولى من الصباح. أظنُّ أن ذلك سيكون مكاننا المنشود، حيث ترى أولئك الرجال يعملون عند كوخ الراعي، أو أيًّا كان هذا الشيء.»

انطلقنا عبر المُروج المستوية التي ظهرت من خلالها أشرعةٌ حمراء لصندلين أحمرين يزحفان في الجدول المائي غير المرئي، وبينما كنا نقترب من المكان المستهدَف بدأ يتَّضح تدريجيًّا أن ما كنا نعتقد أنه كوخُ راعٍ هو شاحنة تضمُّ مكتبَ متعهِّد، ورأينا الرجال يعملون بمجارف وغرابيل على رماد الكومة. كان المُشرف على العمل مُفتِّشًا شرطيًّا، وحين اقتربنا منه بادَرَنا بسؤالٍ مهذَّب عن سبب مجيئنا.

فقدَّم ثورندايك بطاقته، وأوضح أنه يُتابع القضية من أجل شركة «جريفين» للتأمين، ثم أضاف: «أفترضُ أنِّي سأحصل على التسهيلات اللازمة، أليس كذلك؟»

أجاب الضابط مُلقيًا نظرةً خاطفة على زميلي بمزيجٍ غريب من الاحترام والشك: «بالتأكيد، وإذا كنت تستطيع اكتشاف أي شيء قد أغفلناه، فيا ألف مَرحب بك. كل ذلك من أجل المصلحة العامة. هل تودُّ رؤية شيء مُعيَّن؟»

«أودُّ رؤية كل ما انتُشل حتى الآن. أظنُّ أن رفات الجثة قد نُقِل، أليس كذلك؟»

«بلى يا سيدي. لقد نُقِل إلى المشرحة، لكن الأغراض كلها موجودة هنا.»

سار بنا إلى مكتبه — الذي كان كوخًا خشبيًّا على عَجلاتٍ مُنخفضة — وبعدما فتح الباب الموصَد دعانا إلى الدخول، ثم قال وهو يشير إلى منضدةٍ مغطَّاة بورقةٍ بيضاء كانت الأغراض المختلفة مرصوصةً عليها بنظام: «ها هي الأشياء التي انتشلناها، وأظنُّ أنها كل ما كان موجودًا في الرماد؛ لأننا لم نستخرج أيَّ شيء جديد طوال الساعة الماضية تقريبًا.»

تفحَّص ثورندايك مجموعة الأغراض بعناية؛ إذ أمسك كلًّا منها وفحصها بالترتيب. بدأ بالغليونين الفخاريين، واللذين تحمل فوَّهةُ كلٍّ منهما الحرفين الأوليين: «آر آر» وقد نُقِشا عليها بأناقة، ثم فحص التميمة الصغيرة المُضحِكة، التي بدت مُتنافرةً تمامًا مع مُحيطها القاتم والظروف المأساوية، ثم فحص المفاتيح المشوَّهة، ثم حلقات السلسلة البلاتينية التي كان العديد منها يحمل لطخاتٍ ذهبيةً عديمة الشكل مُلتصقةً بها، ثم الختم البلَّوري. وأخيرًا جاء دور الأسنان الصناعية وقد جمعها ورتَّبها وفق ما بدا له أنه ترتيبها الصحيح، وقارَنها بطقم الأسنان.

قال وهو يُمسِك بالطقم بين أصابعه: «نظرًا إلى أن الجثة ليست هنا، فأظنُّ أنني أودُّ تدبير وسيلة لمقارنة هذه الأسنان بالجمجمة، وأفترض أنك لن تعترض على هذا، أليس كذلك؟»

فسأله المفتش: «ما الذي تريد فعله؟»

«أودُّ أن أصوغ نسخةً مُقَولَبة من طقم الأسنان، وآخذَ بصمةً شمعية للأسنان المخلوعة، وذلك دون أن تتضرَّر الأسنان الأصلية بالطبع.»

تردَّد المفتش، وبدا أن ميله الطبيعي ونزعته الرسمية إلى رفض الإذن يتصارعان مع رغبة لديه في أن يرى بأمِّ عينَيه الكيفية التي يُطبِّق بها هذا الخبير الشهير أساليبه الغامضة في البحث. وقد انتصرت الرغبة في النهاية، ومُنِح الإذن الرسمي بشرطٍ واحد؛ إذ قال: «أظنُّك لن تُمانع أن أُشاهدك وأنت تفعل ذلك؟»

أجاب ثورندايك: «بالطبع لا، ولماذا قد أمانع؟»

«ظننت أن أساليبك أشبه بأسرار المهنة.»

ضحك ثورندايك بهدوء وهو يفتح حقيبة أدوات الاستقصاء، وقال: «يا عزيزي المفتش، إن مَن لديهم أسرار مهنة هم أولئك الذين يجعلون من عملياتٍ بسيطة يستطيع تلاميذ المدارس أداءها بعد عرضها أمامهم لمرةٍ واحدة لُغزًا شديد الغموض. هذا هو الداعي إلى السِّرية.»

وبينما كان يتكلم ملأ قِدرًا صغيرًا من الألومنيوم بالماء حتى نِصفه تقريبًا، وبعدما رمى فيه قالبين من التركيبة التي يستخدمها أطباء الأسنان في صياغة الأسنان، وضعه فوقَ موقدٍ كحولِّي لتسخينه. وفي أثناء تسخين القِدر شحَّم طقم الأسنان والأسنان المخلوعة، وأعدَّ الحوض المطاطي الصغير والأدوات الأخرى لخلط الجص.

أبدى المفتش اهتمامًا بالغًا؛ إذ راح يُتابع هذه الإجراءات بانتباهٍ نَهِم، وشاهَد ثورندايك بتلهُّف وهو يلفُّ التركيبة التي صارت لينة القوام على شكل نقانق صغيرة، ويضغطها بقوة على أسنان الطقم. راح يحدِّق إلى وعاء الجص، وحين خُلِط الجصُّ السائل ووُضِع أولًا على السطح العلوي للطقم ثم على سطحه السُّفلي، لم يكتفِ بمتابعة هذه العملية من كثب فحسب، بل طرح عدة أسئلة وثيقة الصلة بما يجري.

وبينما كان الجصُّ والتركيبة يجفَّان، أعاد ثورندايك فحص المُخلَّفات المُنتشَلة من الرماد؛ فالتقط من بينها عدة واقيات حديدية لمقدمات الأحذية من الأسفل، ووضعها وحدها في كومةٍ صغيرة.

شرع بعد ذلك في بسطِ شريحتين مُسطَّحتين من التركيبة الليِّنة القوام، وضغط على إحداهما الأسنان المخلوعة وفق ما بدا أنه ترتيبها الصحيح، وضغط على الأخرى واقيات مقدِّمات الأحذية من الأسفل، والتي كانت تبلغ من العدد ثمانية، وقد فعل ذلك كله بعد أن غبَّر السطح أولًا بطباشيرٍ فرنسي مسحوق. وبحلول هذا الوقت، كان الجصُّ قد جفَّ إلى الدرجة التي تكفي لفتح القالب وإخراج طقم الأسنان؛ ففعل ذلك ثم طلى أسطح قِطَع الجص بمادةٍ مانعة للتسرُّب، وركَّب أجزاء القالب معًا مرةً أخرى، وربطها بإحكام بواسطة حبل، ثم خلط كميةً جديدة من الجص ملء الوعاء وسكبها في القالب.

وبينما كانت تجفُّ، أعدَّ ثورندايك بمساعدتي قائمةً تفصيليةً دقيقة بالأغراض المُنتشَلة من الرماد، وطرح بضعة أسئلة حصيفة على المفتش، غير أن ذلك الأخير لم يكن يعرف عن القضية سوى أقل القليل؛ إذ كانت مهمَّته تقتصر على فحص الكومة المُحترِقة وإعداد تقرير عنها ليطَّلع عليه قاضي التحقيق في أسباب الوفاة. ومن الواضح أن التحقيق في القضية كان يُدار من المقرِّ الرئيس. ولأن الضابط لم يكن لديه أيُّ معلومات نَجْنيها منه، فقد خرجنا وتفحَّصنا موقع الكومة، غير أننا لم نجد هناك من شيء قد نَجنيه أيضًا؛ إذ كانت الكومة قد نُبِشت آنذاك حتى صار سطح الأرض مكشوفًا من تحتها، ولم يذكُر الرجال الذين كانوا يُغربِلون الرماد أنهم وجدوا أيَّ شيءٍ جديد؛ ومن ثَم فقد عُدنا إلى الكوخ، وكان الجصُّ قد جفَّ آنذاك، فبدأ ثورندايك يفتح القالب بحرصٍ هائل. كانت عملية القولبة ناجحة تمامًا. وإذ استخرج زميلي السبيكة المُقَولبة، والتي كانت نسخةً جصِّية طِبق الأصل من طقم الأسنان، أبدى المفتش إعجابًا بالغًا؛ فصاح قائلًا: «عَجبًا، لولا اللون لما استطاع المرء التمييز بين الاثنين، لكني لا أزال لا أفهم السبب الذي تريد تلك النسخة من أجله.»

أجاب ثورندايك: «أريد مقارَنتها بالجمجمة إذا وجدتُ متَّسعًا من الوقت لزيارة المشرحة. ولأنني لا أستطيع أخذ الطقم الأصلي معي، فسأحتاج إلى هذه النسخة لإجراء المقارَنة؛ فمن المهم بالطبع أن نتيقَّن من أن هذا هو طقم ريد وليس طقمَ شخصٍ آخر. بالمناسبة، هل يُمكنك أن تُرينا الموضع الذي انتُشل منه هذا الطقم؟»

أجاب المفتش: «نعم، يُمكنكما أن تَريا الموضع من هنا. لقد كان بجوار تلك البوَّابة عند معبر المصرف بالضبط.»

فقال ثورندايك: «شكرًا لك أيها المفتِّش. أظن أننا سنَسير إلى هناك ونُلقي نظرةً على المكان.» ثم لفَّ السبيكة الجصية الجديدة بقُماشةٍ ناعمة، وبعدما أعاد حَزْم حقيبة استقصاءاته، صافَح الضابط واستعدَّ للمغادَرة.

قال لي بينما كنا نسير نحو البوَّابة: «لعلَّك تُلاحِظ يا جِرفيس أن طقم الأسنان هذا قد انتُشل من موضعٍ بعيد عن الكومة؛ أعني أنه كان بعيدًا عن البلدة؛ ومن ثَم فإذا كان هو طقم ريد، فلا شكَّ بأنه قد أسقَطه بينما كان يقترب من الكومة من اتجاه النهر. سيكون من المُفيد أن نُحاول معرفة الوجهة التي أتى منها.»

اتفقت معه قائلًا: «نعم، لكن سقوط الطقم يكتنفه بعض الغموض؛ فمن المؤكَّد أنه سقط حين تجرَّع صاحبه السم، هذا إذا افترضنا أنه سمَّم نفسه بالفعل، لكن المرء كان ليَتوقَّع أنه سينتظر حتى يصل إلى الكومة ليتجرَّع السُّم.»

فقال ثورندايك: «من الأفضل ألا نفترض افتراضاتٍ أكثر من اللازم ونحن لا نعرف سوى أقل القليل من الحقائق، ثم وضع حقيبته بجوار البوَّابة التي كانت تحرس جسرًا يمرُّ عبرَ قناةٍ واسعة، أو مصرف، وفتح خريطته.

وقال: «السؤال هو: هل أتى عبر هذه البوَّابة من الضفَّة الأخرى، أم مرَّ منها من هذه الضفة فحسب؟ فهذا المصرف، كما ترى، ينفتح على الجدول على بُعدِ حوالَي ثلاثة أرباع ميل في ذلك الاتجاه المتجه إلى الأسفل؛ لذا فمن المُرجَّح أنه سار على هذه الضفة من المصرف ومرَّ مِن البوَّابة، إذا كان قد أتى إلى هنا من النهر عبر المُستنقَعات، غير أن الأفضل أن نبحث في كلتا الضفتَين. هيَّا نترك أغراضنا عند البوَّابة ونتفحَّص الأرض على طول بضع مئات من الياردات، على أن يتكفَّل كلٌّ منا بإحدى الضفَّتين. فأيَّ الضفتين ستختار؟»

اخترتُ الضفة القريبة من الجدول، وبعدما وضعت الكاميرا على الأرض بجوار حقيبة أدوات الاستقصاءات، تسلَّقت البوَّابة التي كانت موصَدةً بقفل، وبدأت أسير ببطء على طول ضفة المصرف، متفحِّصًا الأرض بحثًا عن آثار أقدام تُظهِر بصمة نعل حذاء ذي صفائح واقية. في البداية، لم يكن السطح مُبشِّرًا بإيجاد بصمات/مُواتيًا لحفظِ بصماتٍ من أي نوع؛ إذ كان مُغطًّى بعشبٍ كثيف، مِثله مثل الأرضية المُحيطة بالبوَّابة مباشرةً، غير أنه على بُعدِ حوالَي مائة وخمسين ياردة في الاتجاه المائل إلى الأسفل، وجدت كومةً من الركام الذي تُخلِّفه ديدان الأرض تحمل طبعةَ كعبٍ تظهر بها بصمة صفيحة واقية على شكل كُلية كالتي رأيتُها في الكوخ، وكانت تلك الطبعة مرئيةً بوضوح. فناديتُ ثورندايك، وبعد أن غرزتُ عصاي في الأرض بجوار بصمة الكعب، عُدتُ لأُقابلَه عند البوَّابة.

قال لي حين وصفت له ما وجدته: «هذا مُثير للاهتمام يا جِرفيس. يبدو أنه قد جاء من الجدول إذن، إلا أن تكون هناك بوابةٌ أخرى أبعد في الاتجاه المتجه إلى الأسفل. من الأفضل أن نجعل البصمات التي طبعناها على التركيبة في متناولنا لنُقارنها بها.» فتح حقيبته، وبعدما أخذ منها شريحة التركيبة — التي صارت صلبةً كالعَظم بحلول ذلك الوقت — والتي كان قد طبع عليها بصمات صفائح الحذاء الواقية، وضعها في جيبه الخارجي، ثم أخذنا الحقيبة والكاميرا من الأرض واتجهنا إلى الموضع الذي حدَّدته بعصاي.

قال ثورندايك حين رأى البصمة على الأرض: «حسنًا، إنها ليست حاسمة جدًّا؛ لأن الكثيرين يستخدمون الصفائح الواقية في أحذيتهم، لكنها بصمة قَدَم ريد على الأرجح. لنأمل أن نجد شيئًا أكثر تحديدًا إذا واصلنا المسير والبحث.

استكملنا مشينا على بُعدِ بضعِ يارداتٍ بعضنا عن بعض، ورحنا نتفحص الأرض من كثب في أثناء السير. سِرنا رُبع ميل بأكمله دون أن نكتشف أي أثر لبصمة قدم على العشب الكثيف، وفجأةً لاحظنا أمامنا شريطًا ممتدًّا من الطين الأصفر يشغل تجويفًا ضحلًا كان من الواضح أن مياه الجدول قد فاضت وغمرته في أثناء المدِّ الأعلى الأخير. وحين وصلنا إليه وجدنا أن الطين شِبه جاف، لكنه كان ما يزال على قدرٍ كافٍ من الرَّخاوة لتَنطبِع فيه بصمة، وكان السطح مُغطًّى بمتاهةٍ من آثار الأقدام.

توقَّفنا عند حافة تلك الرقعة، وتفحَّصنا ذلك النمط المعقَّد من بصمات الأقدام، وتبيَّن لنا بعد ذلك أن البصمات كلها قد نجمت عن زوجين من الأقدام، إضافةً إلى صفٍّ من آثار سير بعض الأغنام.

فعلَّقت قائلًا: «يبدو أن ذلك يُثير مسألةً جديدة تمامًا.»

اتَّفق معي ثورندايك قائلًا: «هذا صحيح. أظنُّ أننا قد بدأنا الآن نرى نورًا واضحًا يهدينا في هذه القضية. بالرغم من ذلك، فعلينا أن نتبعَه بحذر. ها هنا مجموعتان من بصمات الأقدام؛ إحداهما بصمات أقدام ريد؛ إذ تظهر فيها الصفائح الواقية أسفل النَّعل، أما الأخرى فهي بصمات أقدام رجل سنُسمِّيه «إكس» على سبيل المثال، كان ينتعل حذاءً برقبة أو حذاءً عاديًّا ذا نعلَين وكعبَين مطاطين. من الأفضل أن نبدأ بالتحقُّق من بصمات أقدام ريد.» وهنا أخرج شريحة التركيبة من جيبه، وبعدما انحنى مُحدِّقًا إلى أحد أزواج آثار الأقدام، أضاف قائلًا: «أظنُّ أننا نستطيع افتراض أن هذه هي آثار قدمَي ريد؛ إذ تُوجَد على شريحة التركيبة بصمات لثماني صفائح واقية قد انتُشلت من الكومة، وها نحن نرى على كل بصمة من بصمات هاتَين القدمين أثر أربع صفائح واقية. وفضلًا عن ذلك، فكلُّ بصمةٍ من بصمات الصفائح الواقية على شريحة التركيبة تتطابق مع نظيرتها على آثار القدمين. إذن، فنحن نرى على التركيبة زوجَين من صفائح واقية نصفية، وصفيحتَين واقيتَين طرفيتَين يوضعان عند الحواف، وصفيحتَين واقيتين أشبه بكُليتين، ونرى على كل بصمة قدم زوجًا من صفائح واقية نِصفية على الجزء الخارجي من النعل، وواحدةً على الجزء الداخلي من النعل، وواحدةً أشبه بكُليةٍ على الكعب. وعلاوةً على ذلك، تبدو الصفائح في كلتا الحالتين شِبه جديدة، ولا تظهر عليها أيُّ علامات ملحوظة على تآكلها؛ أي إن التوافق تام.»

فقلت له: «ألا تظنُّ أننا يجب أن نَنسخ نماذج جصِّيةً منها؟»

أجاب قائلًا: «بلى؛ فأيُّ مطرٍ غزير أو مدٍّ عالٍ سيطمسها؟ إذا كنتَ ستُعدُّ النماذج، فسأتكفَّل أنا في غضون ذلك برسمِ مجموعة الآثار كلها بدقة لتوضيح الترتيب الذي طُبعت به على الأرض.»

بدأنا على الفور في أداء مهمتَينا، وبحلول الوقت الذي ملأت فيه أربعةً من أوضح آثار الأقدام بالجص، كان ثورندايك قد أتمَّ الرسم باستخدام مجموعة من أقلام الرصاص الملوَّنة التي أخذها من حقيبة أدوات الاستقصاء. تركنا الجص ليجفَّ، وفي أثناء ذلك، عرض ثورندايك الرسم وشرحه.

«ترى هنا يا جِرفيس أربعة مسارات من آثار الأقدام ومجموعةً من آثار سير الأغنام؛ أولها وَفق الترتيب الزمني هو تلك البصمات التي طبعتها قدما «إكس» مرسومةً باللون الأزرق، وتليها آثار أقدام الأغنام التي داست آثار أقدام «إكس»، ثم أعقبتها بعد ذلك آثار أقدام ريد التي طُبعت وحدها وبعد فترة من الوقت؛ لأنه داس آثار سير الأغنام وآثار أقدام «إكس». كان كلا الرجلين مُتجهًا إلى النهر، ولدينا هنا آثار أقدام الرجلين في طريق عودتهما. ويبدو أنهما كانا معًا هذه المرة؛ لأن مسارَي أقدامهما مُتوازيان، ولأن بصمات قدمَي كلٍّ منهما لم تطأ بصمات قدمَي الآخر. ومن الواضح أن كلا المسارَين مُتعرجٌ كما لو أن الرجلَين كانا يمشيان مترنحَين، وقد داس كلاهما آثار سير الأغنام والمسارَين السابقين. وبعد ذلك، تظهر هنا آثار أقدام «إكس» متجهًا وحده صوب النهر، وقد وطئ كلَّ آثار المسارات الأخرى، عدا آثار المسار رقم أربعة، والذي يُمثِّل آثار قدمَي «إكس» قادمًا من النهر ومُنعطفًا نحو البوَّابة التي تنفتح على الطريق؛ ومن ثَم فتسلسلُ الأحداث واضحٌ للغاية.

في البداية، أتى «إكس» إلى هنا وحده مُتجهًا صوب وجهة لم نكتشفها حتى الآن. وبعد ذلك بفترةٍ زمنية لا نستطيع تحديد مقدارها بالضبط، جاء ريد وحده، ويبدو أن الرجلَين التقيا وعادا معًا لاحقًا وهما ثمِلان على ما يبدو، وقد كان ذلك آخر ما نراه من آثار أقدام ريد. بعد ذلك سار «إكس» عائدًا نحو النهر بخُطًى متزِنة تمامًا كما تُلاحظ. وقد عاد لاحقًا، لكنه في هذه المرة، ولسببٍ ما — ربما ليتجنَّب الوجود في محيط الكومة — عبر المصرف من عند هذه البوَّابة ليصل إلى الطريق حسب ما يبدو، مع أن الطريق هو المسار الأطول بكثير إلى البلدة كما ترى في الخريطة. والآن من الأفضل أن نُواصِل البحث ونُحاول اكتشاف المُلتقى الذي ذهب إليه هذان الرجلان وجاءا منه.»

ولأن الجصَّ كان قد جفَّ تمامًا آنذاك، التقطت النماذج المُقَولَبة، وحين وضعتها بعناية في الحقيبة استكملنا سيرنا نحو النهر. كنت قد لاحظتُ أمامنا صاريًا ما بدا أشبه بيختٍ شِراعي سريع صغير يقف على المستنقَعات بالقرب منَّا، وحينها لفتُّ انتباه ثورندايك إليه، لكنه كان قد لاحَظه بالفعل واستنتج، مِثلي، أنه هو نقطة اللقاء بين الرجلَين على الأرجح. وفي غضون بضع لحظات، صار الاحتمال المُرجَّح حقيقةً لا ريب فيها؛ ذلك أن أحد المُنعطَفات في مسار الجدول قد أظهر لنا أن الزورق الصغير، والذي كان مكتوبًا على مقدمته اسم «مونبيم» بطلاءٍ حديث، مُثبَّت بإحكام بجوارِ رصيفٍ خشبي صغير، وحين وصلنا إليه رأينا الأرض الجرداء المقابلة للمَعبر المؤدي من الرصيف إلى الزورق مُغطاةً بآثار أقدام كلا الرجلَين.

فقلت: «أتساءل مَن منهم كان صاحب اليخت يا تُرى.»

فقال ثورندايك: «أعتقد أنه من الواضح جدًّا أن «إكس» هو صاحب اليخت، لو سلَّمنا بأنه مِلكُ أيٍّ منهما. لقد جاء إلى اليخت وحده، وكان ينتعل حذاءً ذا نعلٍ مطاطي كالذي يُفضِّله أصحاب اليخوت، أما ريد فقد جاء إلى اليخت عندما كان الرجل الآخر موجودًا فيه بالفعل، وكان ينتعل حذاءً ذا صفائح حديدية واقية أسفل نعله، وهذا ما لن يفعله أيُّ صاحبِ يختٍ إذا كان يحمل أقل قدر من المُراعاة لألواح سطح اليخت الخشبية، لكن ربما كانت بينهما مصلحةٌ مشتركة؛ إذ تُشير الشواهد الظاهرية إلى أنهما كانا يَطليان الأجزاء الخشبية حين كانا هنا معًا؛ فبعض الطلاء حديثٌ، والبعض الآخر قديم ورثٌّ.» حدَّق إلى اليخت بعض الوقت بنظراتٍ تأمُّلية، وقال: «سيكون مِن الشائق — وربما مِن المُفيد أيضًا — أن نُلقي نظرةً عليه من الداخل.»

فقلت له: «بل سيكون تعدِّيًا صارخًا على أقل تقدير.»

ردَّ قائلًا: «بل سيكون أسوأ من مجرَّد تعدٍّ إذا كان هذا القفل موصدًا، لكننا في غِنًى عن النظر إلى الموقف القانوني من منظورٍ ضيق؛ فصديقي العلَّامة لديه مِنظارٌ صالحٌ للاستخدام، ويملك بين يديه زمام رؤية بلا عوائق على مدى ميل تقريبًا، وإذا ظلَّ يُراقب المكان من حولنا بيقظةٍ ريثما أتفحَّص اليخت، فلن يكون لمخالَفةٍ تافهة للقانون أي عواقب على الإطلاق.» وبينما كان يتكلَّم تحسَّس جيبه من الداخل، وأخرج الأداة التي صنعها مُساعدُنا المختبري، بولتون، من بضع قِطع من سلكٍ فولاذي صلب، والتي كانت تُعرَف على سبيل التلطيف باسم رفيق المُدخِّن. نزل بعد ذلك على سطح اليخت وهو يُمسك بهذه الأداة في يده، وبعدما ألقى حوله نظرةً سريعة، حاول فتح القفل بيده، وحين وجده موصدًا حاوَل فتحه برفيق المُدخِّن، ففُتِح في غضون بضع ثوانٍ، وحينئذٍ دفع باب حجيرة اليخت المُنزلق إلى الوراء، ونزل إليها.

لم تستغرق مهمَّته الاستكشافية وقتًا طويلًا؛ فقد ظهر مجددًا في غضون بضع دقائق، وصعد السُّلم القصير المؤدِّي إلى الرصيف الخشبي. قال يحكي ما رآه: «لا يوجد الكثير من الأشياء، لكنَّ ما هنالك يُوحي إيحاءً شديدًا باستنتاجٍ معيَّن. وإذا نزلتَ وألقيت نظرةً بنفسك، فأظنُّك لن تجد صعوبةً في تكوين تصوُّر منطقي عن الأحداث الأخيرة وإعادة بنائها في مُخيِّلتك. من الأفضل أن تأخذ الكاميرا معك؛ إذ يوجد ضوءٌ كافٍ لتعريض الفيلم الفوتوغرافي له والتقاط بعض الصور.»

أعطيته المنظار، وهبطت على سطح اليخت، ونزلت عبر الباب المفتوح إلى الحجيرة التي بدت أشبه بكهفٍ صغيرٍ شديد الغرابة. لم يكن ارتفاعها من الأرضية إلى السقف ليزيد عن أربع أقدام، وكانت مفتوحةً على حجيرة الزورق السفلية الأمامية، ومُضاءةً بكوَّةٍ ضيقة ونافذتين دائريتين صغيرتين. أما المَضجعان، فكان من الواضح أن أحدهما يُستخدَم مقعدًا، بينما بدا أن الآخر يُستخدَم للنوم، مثلما بدا من الوسادة المُنبعجة وأغطية الفِراش المُتدلية إلى الأرض، والتي تُرِكت على حالها تمامًا كما كانت حين نهض النائم من أسفلها مُتثاقلًا. أما الجزء الداخلي من الزورق، فقد كان غارقًا بأكمله في حالةٍ من الفوضى القذرة؛ إذ كانت دلاء الطلاء والفُرَش غير المغسولة مُلقاةً على الأرض، إلى جانب زجاجتين من الويسكي — إحداهما فارغة والأخرى نِصف مُمتلئة — وقدحَين، وزجاجتَين فارغتَين من زجاجات حفظ الصودا، ومجموعةٍ من أوراق اللعب المبعثَرة في كل الجهات كان من الواضح أنها مأخوذةٌ من حزمتَين. ومِثلما قال ثورندايك، كان من السَّهل تخيُّل تفاصيل مشهد الانغماس الدنيء في الملذَّات، والذي لا بد أنه قد عُرِض في تلك الليلة المُروِّعة التي كشف رماد الكومة سِرَّها الفظيع على ضوء الشمعتَين الغارزتين في بِركتين من شحومهما المتجمِّدة، غير أنني لم أرَ شيئًا يُمكنني من معرفة اسم الرفيق الغامض الذي كان مع الرجل الميت.

وحين أتممت الفحص والتقطت صورةً للجزء الداخلي، انضممت مجدَّدًا إلى ثورندايك الذي نزل على متن اليخت بعد ذلك وأعاد وضع القفل على الباب المُغلَق، ثم أوصده مرةً أخرى برفيق المُدخِّن الذي لا يُقدَّر بثمن.

قال ثورندايك حين ولَّينا وجهينا شَطْر البلدة: «حسنًا، يبدو يا جِرفيس أننا قد أنجزنا مهمتنا فيما يتعلق بستوكر. صحيحٌ أنه ما يزال الاحتمال قائمًا بأن تكون الحادثة حالة انتحار، لكنَّ ذلك الاحتمال لم يعُد مُرجَّحًا؛ إذ تُشير جميع الشواهد الظاهرية إلى أنها جريمة قتل، وأظنُّ أن صديقي العلَّامة يتَّفق معي في ذلك.»

رددت قائلًا: «بكلِّ تأكيد، وأنا أعتقد أيضًا بوجود دلالة قوية على سبقِ الإصرار والترصُّد؛ فأنا أظنُّ أن «إكس»، صاحب اليخت، قد استدرج ريد إلى هنا بحجة الإعداد لرحلةٍ بحرية على سبيل المثال؛ إذ عمل الرجلان في إعادة الطلاء طوال النهار، ثم قضيا المساء في شرب الويسكي ولعب القمار. ومن الواضح أنهما قد قامَرا على رهاناتٍ طائلة، مِثلما يبدو من حقيقة استخدامهما عدة رُزَم من أوراق اللعب. وأظنُّ أن ريد صار ثمِلًا بعد ذلك، فعرض عليه «إكس» أن يُوصله بالسلامة إلى المستنقَعات. ومن الواضح أن «إكس» لم يكن ثملًا؛ فبالرغم من أن آثار أقدام الرجلين تُوحي بمشيةٍ مترنِّحة حين كانا يسيران معًا، نجد أن آثار قدمَي «إكس» في طريق العودة إلى اليخت مُتزنة للغاية، وتتَّجه صوب وجهتها مباشرةً، وأعتقد أن القتل الفِعلي قد وقع بعدما عبَرا البوَّابة مباشرةً، وأن طقم أسنان ريد الصناعية قد سقط حين كانت جثته تُجَرُّ إلى الكومة، وأن «إكس» لم يُلاحظ ذلك بسبب الظلام. بعد ذلك، جرَّ «إكس» الجثَّة إلى أعلى السُّلَّم، ووضعها في وسط الكومة من الأعلى، وأضرَم النيران في الكومة — من الجانب المحجوب عن الرياح على الأرجح — وعاد إلى اليخت في الحال؛ حيث قضى الليلة هناك، ورجع إلى البلدة في الصباح من ذلك الطريق؛ ليتجنَّب الوجود في محيط الكومة. هذا تفسيري للقرائن التي رأيناها.»

قال ثورندايك: «نعم، يبدو أن هذا هو التفسير الصحيح للحقائق، وكلُّ ما يتبقَّى الآن أن نعرف اسم «إكس» الغامض، وأظنُّ أن ذلك لن يُشكِّل أي صعوبات.»

فسألته: «هل تقترح فحص الرفات الموجود في المشرحة؟»

فأجاب قائلًا: «لا. صحيحٌ أن ذلك سيكون مُثيرًا للاهتمام، لكنه ليس ضروريًّا؛ إذ تتوافر لدينا كلُّ البيانات المُتاحة لتحديد هوية ذلك الرجل، ولم يَعُد ريد هو شُغلنا الشاغل الآن، بل «إكس». من الأفضل أن نعود إلى لندن.»

وعند وصولنا إلى المحطة، وجدنا أمين كُشك الكتب يلصق لافتةً مُقتبَسة من الصحيفة المسائية تحمل ذلك العنوان: «مأساة الكومة، تطورٌ مُثير.»

حصل كلٌّ منَّا على نسخةٍ فورًا، ثم جلسنا على أحد المقاعد وبدأنا نقرأ الخبر الذي كان يتضمَّن مسافاتٍ رأسيةً طويلة بين الأسطر.

وقد جاء في الخبر: «أفضت بعض التحرِّيات الجديدة التي أجرتها الشرطة إلى اكتشاف جانب جديد صاعق في مأساة الكومة؛ إذ يبدو أن الرجل الميت، ريد، كان شريكًا في شركة «ريد وجارمان»، المتخصِّصة في السمسرة الخارجية، وتبيَّن الآن أن شريكه، وولتر جارمان، مفقودٌ أيضًا. لم يذهب أيُّ شخصٍ إلى مكتب الشركة في الأسبوع الجاري، لكن أمين المكتب قد ذكر أنه رأى السيد جارمان يدخل المكتب بمفتاحه الخاص في حوالَي الساعة الثامنة من مساء يوم الإثنين (يُذكَر أن الكومة قد شُوهدت وهي تحترق لأول مرة في الساعة الثانية من صباح يوم الإثنين). ويبدو أن ثلاثة شيكات، مستحَقَّة الدفع للشركة ومُصدَّق عليها بتوقيع جارمان، أُودِعت في بنك «باتمور» عبر البريد ضِمن الدفعة الأولى من المُرسَلات البريدية في صباح الثلاثاء، وأن جارمان قد اشترى، في صباح الثلاثاء أيضًا، صُرةً من الألماس تتجاوز قيمتها ألف جنيه بقليل. وكان قد ابتاعها من تاجر ألماس في شارع «هاتون جاردن» وافَق على أخذ شيك بثمن الألماس بعدما اتصل هاتفيًّا بالبنك. ويبدو أيضًا أن ريد وجارمان قد زارا البنك معًا في صباح يوم السبت السابق، وسحَبا رصيدهما كله تقريبًا بالنقد، ولم يتركا فيه سوى اثنين وثلاثين جنيهًا فقط. وسُدِّدت قيمة شيك تاجر الألماس من الشيكات التي كانت قد أُودِعت في البنك للتَّو. من السابق للأوان الإدلاء بأي تعليقات الآن، لكننا نتوقَّع أن يُكشَف عن بعض المعلومات الغريبة في التحقيق المقرَّر عقدُه في «دارتفورد» بعد غد.»

قلت لثورندايك: «أظنُّ أن هوية «إكس» لم تعُد لغزًا؛ إذ يبدو أن هذين الرجلين اتَّفقا على تحويل أصولهما إلى نقود والهرب بها، ثم أمضَيا تلك الليلة في لعب القمار على غنيمتها، ومن الغريب أن ريد كان هو الفائز على ما يبدو، وإلا لما احتاج الآخر إلى قتله.»

اتَّفق معي ثورندايك قائلًا: «يبدو ذلك صحيحًا، بافتراض أن «إكس» هو جارمان، وهذا احتمال مُرجَّح لكنه ليس بالأكيد. ومع ذلك، يجب ألا نتخطَّى الحقائق المتوفِّرة لدينا، وألا نبني نظرياتٍ بناءً على أخبار الصُّحف. أعتقد أنه من الأفضل أن نُجري زيارةً سريعة إلى «سكوتلانديارد» في طريقنا إلى مكتبنا، ونتيقَّن من صحَّة هذه التفاصيل.»

ظللنا مُنشغلين بالخبر وتعليقاتنا الشخصية عليه طوال رحلتنا إلى لندن، غير أن نقاشنا لم يُسفِر عن مزيدٍ من الاستنتاجات. وحالَما وصلنا إلى محطة «تشارينج كروس»، قفز ثورندايك من القطار، وبعدما خرج من المحطة سار مُسرعًا صوب شارع «وايتهول».

ومن حُسنِ حظِّنا أن زيارتنا قد جاءت في التوقيت المُناسب؛ فبينما كنا نقترب من مدخل المقرِّ الرئيسي، خرج منه صديقنا القديم، المُشرِف ميلر، ثم ابتسم حين رآنا، وتوقَّف قائلًا في استفسارٍ مُقتضَب:

«قضية الكومة؟»

فأجاب ثورندايك: «نعم. جئنا للتيقُّن من صحة التفاصيل الواردة في الصحيفة المسائية. هل اطَّلعت على الخبر؟»

«نعم، وبإمكانك أن تعتبره صحيحًا. أتريد شيئًا آخر؟»

«كنت أودُّ تفحُّص سلسلة من الشيكات التي كتبتها الشركة لبعض الأفراد. أظنُّ أن الشيكَين الأخيرين غير مُتاحَين للاطِّلاع عليهما، أليسا كذلك؟»

«بلى. إنهما في البنك، ولا يحقُّ لنا تفحُّصهما دون إذن من المحكمة. أما بخصوص الشيكات الأخرى، فأظنُّ أنك تستطيع تفحُّصها إذا كانت في مكتب الشركة. سآتي معك الآن إذا أردتَ، وأُلقي نظرةً بنفسي؛ فالمكتب الآن في حوزة رجالنا.»

وافَقنا على عرض المُشرف فورًا، ومضينا معه عبر قطار الأنفاق إلى محطة «مانشون هاوس»، ثم انطلقنا من هناك إلى شارع «كوين فكتوريا»؛ حيث يقع مكتبا ريد وجارمان. كان المسئول عن المكتب آنذاك ضابطًا برتبة رقيب، وقد خصَّه المفتش بالكلام دون بقية الشرطيين قائلًا:

«هل وجدتم أيَّ شيكاتٍ مرتجعة؟»

فأجاب الرقيب قائلًا: «نعم يا سيدي، وجدنا العديد منها، وقد تفحَّصناها كلها.»

وبينما كان يتكلَّم أخرج من جيبه عدة رُزَم من الشيكات، ووضعها على مكتبٍ كانت أدراجه كلها مفتوحة.

قال ميلر: «حسنًا، ها هي أيها الطبيب. لا أعلم ما الذي تُريد اكتشافه، لكني أظنُّ أنك تعلم.» وضع كرسيًّا بجوار المكتب، وبينما قعد ثورندايك وبدأ في تقليب الشيكات، ظلَّ يُشاهده بفضولٍ قد كبته الأدب.

قال ثورندايك: «يبدو أن هذين الرجلين قد خلطا بين شئونهما الخاصة والحساب البنكي للعمل؛ فهنا، على سبيل المثال، شيكٌ كتبه ريد لشركة «بيكاردي واين» للنَّبيذ، لكن تلك الشركة لا يُمكن أن تكون من عملاء شركته. ولا شكَّ أن هذا الشِّيك الذي كتبه جارمان لسكرتير «دار سانت جون للتمريض» شيكٌ خاص، وأرى أن ذلك ينطبق أيضًا على هذين الشيكَين المكتوبَين للسيد إف. والر، الحاصل على زمالة كلية الجرَّاحين المَلَكية، والسيد أندرو دارتون، الحاصل على درجة الليسانس في جراحة الأسنان؛ فهُما مكتوبان لرجُلين احترافيَّين، وكلاهما — مثل شيك دار التمريض — يحمل مبلغًا صحيحًا من الجنيهات بلا كسور، في حين أن الشيكات المتعلِّقة بالعمل تحمل مبالغ تتضمَّن كسورًا من الجنيهات والشلنات والبنسات.»

قال ميلر: «أعتقد أنك مُحقٌّ يا سيدي. يبدو أن العمل هنا كان يَجري بعشوائيةٍ شديدة. فلتنظر فقط إلى هذه التوقيعات! لا يتشابه أيٌّ منها مع الآخر أبدًا. والبنوك تكره ذلك بالطبع؛ فحين يُوقِّع العميل في دفتر التوقيع، فإنه بذلك يُعطي البنك عيِّنةً مرجعية لتوقيعه، وعليه أن يلتزم بها التزامًا تامًّا؛ ومن ثَم فأيُّ رجلٍ يُغيِّر توقيعه سيُسبِّب مشكلاتٍ على الأرجح.»

اتَّفق ثورندايك مع ذلك بينما كان ينسخ بعض تفاصيل الشيكات في دفتر ملاحظاته بسرعة، قائلًا: «إنه كذلك بالفعل، لا سيَّما في حالة وجود شركة لديها فريقٌ من الموظَّفين المتخصِّصين في السجلات والحسابات والأعمال الكتابية.»

وقف ووضع دفتر ملاحظاته في جيبه، ثم مد يدَه قائلًا:

«أنا في غاية الامتنان لك أيها المشرف.»

فسأله ميلر: «هل رأيتَ كلَّ ما أردتَ رؤيته؟»

فأجاب ثورندايك: «أجل، شكرًا لك.»

فقال له ميلر: «أشعر برغبةٍ شديدة في معرفة ما رأيتَه.» وهنا ردَّ زميلي عليه بإشارة من يده نحو الشيكات بينما كان يستدير ليرحل.

قلت لزميلي لاحقًا بينما كنا نسير عائدين إلى مكتبنا في شارع «تشيبسايد»: «إنني لا أرى العلاقة بين تلك الشيكات وتحقيقنا.»

فأجاب ثورندايك قائلًا: «إنها علاقةٌ غير مباشرة، لكن الشيكات تُساعدنا في فهم طِباع هذين الرجلين وطبيعة العلاقة بين أحدهما الآخر، وهو ما قد يكون ضروريًّا جدًّا عندما يحين وقت التحقيق.»

وفي اليوم التالي، لم أرَ ثورندايك إلا لوقتٍ قصير للغاية؛ ذلك أن رحلتَنا القصيرة إلى «دارتفورد» قد أخَّرتنا عن أداء بعض مهامِّ العمل، وكان علينا أيضًا إخلاء يوم غد من المَشاغل لحضور التحقيق. صحيحٌ أننا التقَينا على العشاء بعد إنجاز عمل اليوم، لكننا لم نتطرَّق إلى أي شيء مُهم بخصوص «قضية الكومة»، باستثناء تحديد برنامج يوم غد.

لم تكن المراحل الأولى من التحقيق تَعنينا كثيرًا، وإن كانت قد خلَبت اهتمام العديد من المشاهدين والصحفيين وأثارتهم بشدَّة؛ فالأقوال التي أدلى بها الشُّرطي الريفي والمُزارع ومفتش الشرطة — الذي أجرى معه ثورندايك محادَثةً سِرية قصيرة بدا أنه قد فاجأته بعض الشيء — لم تكن سوى إسهابٍ في وصف ما كنا نعرفه بالفعل. أما ما كان مُهمًّا لنا فهو شهادة طبيب أسنان محلِّي قد شَهِد بأنه فحص طقم الأسنان الصناعي وقارَنه بجمجمة المتوفَّى؛ فقال: «طقم الأسنان وفك المتوفَّى مُتوافقان تمامًا؛ إذ يحوي الفك خمس أسنان طبيعية متراصَّة في مجموعتين، ويحوي الفك فراغَين متوافقين تمامًا مع مجموعتَي الأسنان. لقد جرَّبت تركيب الطقم على الفك، ولا شكَّ لديَّ في أنه يخصُّ المتوفَّى.»

قال لي ثورندايك بينما أنهى الشاهد شهادته وعاد إلى مقعده: «هذه حقيقةٌ مهمة جدًّا. إنها الحلقة التي لا غِنى عنها في السلسلة.»

قلت له: «لكنها كانت واضحةً بالتأكيد، أليست كذلك؟»

فأجاب قائلًا: «بلا شك، لكنها أصبحت الآن مُثبَتة ومُدرَجة ضِمن الأدلة.»

حيَّرني تعليق ثورندايك بعض الشيء، لكن ظهورَ شاهدٍ جديد منعني من مناقشته في ذلك. كان الشاهد، المدعو بالسيد آرثر جيرارد، رجلًا طويل القامة تُوحي ملامحه بسرعة البديهة، ذا حاجبين كثيفين مُوحِيين بالشر، وشاربٍ صغير داكن، وكان يرتدي نظَّارةً ذات عدستين ثنائيتَي البؤرة، بينما كان وجهه يحمل شامةً عند رُكنِ فمه قد تركت انطباعًا بوجود ابتسامة دائمة بأحد جانبَي فمه.

قال قاضي التحقيق في أسباب الوفاة مُخاطبًا الشاهد: «لقد حُدِّدت هوية المتوفَّى بناءً على معلوماتك.»

أجاب الشاهد مُتحدِّثًا بلكنةٍ أيرلندية خفيفة لكنها ملحوظة: «نعم. لقد رأيت في الصُّحف وصفَ الأشياء التي عُثِر عليها في الكومة، فعرفت فورًا أنها أشياء ريد. لقد كنت أعرف المتوفَّى معرفةً شخصية عن قُرب، وكثيرًا ما لاحظت سلسلة ساعته المُميَّزة والتميمة الخزفية الصغيرة، ورأيتُه يُدخِّن الغليون الفخَّاري الذي يحمل نقشًا بالحرفين الأوليين من اسمه، وكنت أعرف أنه يُركِّب في فمه طقم أسنان صناعية.»

«هل كنتَ تلتقي به كثيرًا؟»

«آه، نعم. لقد كان شريكي في العمل طوال أكثر من عام، وقد ظللنا صديقين بعدما فضضتُ الشراكة.»

«ولماذا فضضتَ الشراكة؟»

«لقد اضطررتُ إلى ذلك؛ إذ كان ريد شخصًا لا يُطاق في العمل. كان يُجازف بالأموال باستمرار في شراء الأسهم، وكنت أضطرُّ إلى دفع ثمن خسائره. لقد أقرضته من أجل ذلك أكثر من ألف جنيه على مرَّاتٍ مُتفرقة، وقد أعطاني كمبيالاتٍ مقابل هذه القروض، لكنه لم يستطع تسديدها قط، وفي نهاية المطاف، حين فضضنا الشراكة، جعلته يؤمِّن على حياته بثلاثة آلاف جنيه، ويكتب وثيقةً تجعل دَينه الذي يَدين لي به رهنًا من المرتبة الأولى على تركته عند وفاته.»

«هل خطر ببالك أيُّ سببٍ يجعلك تظن أنه كان يُفكِّر في الانتحار؟»

«لا إطلاقًا؛ فبعدما تركني دخل شراكةً مع السيد والتر جارمان، وكان يبدو لي سعيدًا وراضيًا جدًّا متى التقيته، مع أنني استنتجت أنه كان ما يزال يُقامر كثيرًا. رأيته قبل أسبوع من اليوم، وأخبرني آنذاك بأنه يعتزم قضاءَ إجازةٍ قصيرة على متن أحد اليخوت مع شريكه الذي يملك يختًا شراعيًّا صغيرًا، وقد كانت هذه آخر مرة رأيته فيها حيًّا.»

وبينما كان الشاهد على وشك إنهاء الشهادة والعودة إلى مقعده، نهض ثورندايك وسأله بعدما حصل على إذنٍ من قاضي التحقيق باستجوابه: «لقد ذكرتَ يختًا في كلامك، فهل تعرف اسمه ومرساه مؤخرًا؟»

«اسمه «مونبيم»، وأظنُّ أن جارمان يُبقيه راسيًا عند مكانٍ ما في نهر التايمز، لكني لا أعرف المكان على وجه التحديد.»

«وماذا عن جارمان نفسه؟ ماذا تعرف عنه؛ عن طباعه على سبيل المثال؟»

«لا أعرف عنه سوى القليل جدًّا. لقد بدا لي رجلًا مُنغمسًا في الملذَّات. أظنُّه يُسرِف في شرب الخمر، وأعتقد أنه يُقامر بعض الشيء أيضًا.»

«أتعرف عنه أنه كان مدخنًا شرهًا؟»

«لم يكن يُدخِّن إطلاقًا، لكنه كان يُدمِن النشوق.»

وهنا تدخَّل رئيس هيئة المحلِّفين مُعترضًا؛ فقال بصوتٍ مسموع إنه «لا يرى لذلك صلة بالتحقيق». ونظر قاضي التحقيق إلى ثورندايك بارتياب، غير أن زميلي كان قد قعد آنذاك، فلم يُستكمل الاعتراض.

كان الشاهد التالي هو أمين المبنى الذي يقع فيه مكتب ريد وجارمان، وكان مُفاد شهادته أنه رأى السيد جارمان يدخل المكتب بمفتاحه في حوالَي الساعة الثامنة من مساء يوم الإثنين السابق، وأضاف ردًّا على سؤال قاضي التحقيق: «لا أعرف مقدار الوقت الذي لبثَه هناك؛ إذ كنت قد أنهيت عملي، وكنت صاعدًا إلى غرفتي في أعلى المبنى، ولم أرَه مرةً أخرى.»

فنهض ثورندايك لاستجوابه قائلًا: «هل لاحظتَ أيَّ شيءٍ غير عادي في مظهره؟ هل اعتلى وجهَه أيُّ احمرار على سبيل المثال؟»

«لا أستطيع الجزم بذلك؛ إذ كنت أصعد الدَّرج، ونظرتُ إلى الخلف من فوق كتفي حين سمعتُه. كان وجهه مُعرِضًا عنِّي.»

«لكنك مع ذلك لم تجد صعوبةً في معرفة هويته؟»

«لا، كنت لأعرفه ولو كان على بُعدِ ميل؛ إذ كان يرتدي معطفه، وهو معطفٌ مميَّز جدًّا؛ فهو بُنِّي فاتح مزخرف بنمط من المربعات المخضرَّة. من المُستحيل أن يُخطئَه المرء.»

«كم يبلغ طول السيد جارمان في رأيك؟»

«أظنُّ أنه حوالَي خمس أقدام وتسع بوصات أو عشرًا.»

وهنا تدخَّل رئيس هيئة المحلِّفين معترضًا مرةً أخرى، وسأل بنفاد صبر: «ألا نُضيع الوقت يا سيدي؟ ربما تكون هذه التفاصيل المتعلِّقة بجارمان مهمةً جدًّا للشرطة، لكنها لا تعنينا؛ فنحن نحقِّق في وفاة السيد ريجينالد ريد.»

فنظر قاضي التحقيق باستهجان إلى ثورندايك وقال: «رئيس هيئة المُحلِّفين مُحقٌّ بعض الشيء فيما يقوله.»

ردَّ ثورندايك قائلًا: «أؤكِّد يا سيدي أنه غيرُ مُحقٍّ فيما يقوله على الإطلاق؛ فنحن لا نحقِّق في وفاة ريجينالد ريد، بل في وفاةِ رجلٍ عُثِر على رفاته في كومةٍ محترقة.»

«لكن هُوية الجثة قد حُدِّدت على أنها جثة ريجينالد ريد.»

قال ثورندايك: «إذن، فقد حُدِّدت هويتها تحديدًا خاطئًا. أقترح أن الجثة هي جثَّة وولتر جارمان، وأنا مستعدٌّ لتقديم شهود سيُثبِتون ذلك.»

فصاح قاضي التحقيق مُتعجبًا: «لكننا قد سمعنا للتَّو شهادةَ شاهدٍ يقول إنه رأى جارمان على قيد الحياة بعد احتراق الكومة بثماني عشرة ساعة.»

فقال ثورندايك: «معذرةً يا سيدي، لكننا سمعنا الشاهد يقول إنه رأى معطف جارمان، وقد ذكر صراحةً أنه لم يرَ وجه الرجل.»

فتشاوَر القاضي على عَجل مع هيئة المحلفين — التي سَخِرت علنًا من اقتراح ثورندايك — ثم قال: «أرى أن ما تقوله لا يُصدَّق إطلاقًا، وكذلك هيئة المحلفين؛ فاقتراحك هذا يتناقض تمامًا مع الحقائق. من الأفضل أن تستدعي شهودك وتدَعنا نحسم أمر هذا الاقتراح الشاذ.»

انحنى ثورندايك أمام القاضي، واستدعى السيد أندرو دارتون، وحينئذٍ تقدَّم رجلٌ في منتصف العمر تبدو في سمته الاحترافية بصورةٍ ملحوظة، وأدَّى اليمين، ثم أدلى بشهادته قائلًا: «أنا جرَّاح أسنان. ومنذ أكثر من عامين بقليل كنت أتولَّى رعاية السيد وولتر جارمان. لقد خلعت بعض الأسنان من كلا الفكَّين، وصنعتُ له طقمين صناعيين؛ واحدًا عُلويًّا وآخر سُفليًّا.»

«هل تستطيع تمييز هذين الطقمين إذا رأيتهما؟»

«نعم؛ فبحوزتي النموذج الجصِّي الذي صنعت هذين الطقمين بناءً عليه.» وهنا فتح كيسًا وأخرج منه نموذجًا جصِّيًّا لفكَّين مزوَّدين بمُفصَّلةٍ نحاسية كي يتسنَّى لهما أن يُفتحا ويُغلقا. كان الفك العلوي يتضمَّن مجموعتين من الأسنان يفصل بينهما فراغٌ من اللِّثة خالٍ من أي أسنان، بينما كان الفك السفلي يحمل مجموعةً واحدة من أربع أسنان.

أوضح الشاهد قائلًا: «هذا النموذج نسخةٌ طِبق الأصل من فكَّي المريض، وقد صغت الطقمين بناءً عليه.» أخذ طقم الأسنان من على المنضدة، ووسطَ سكوتٍ تام من الترقُّب وحبس الأنفاس، فتح نموذج الفم وركَّب الطقم على الفك العُلوي؛ فاتَّضح على الفور أنه يُلائمه تمامًا؛ فقد استقرَّت مجموعتا الأسنان الجصية تمامًا في فراغات الطقم، مُكوِّنةً صفًّا كاملًا من الأسنان، ثم غطَّى الشاهد مواضع الأسنان في اللثة السفلية بشرائط من الشمع البلاستيكي، وبعدما أخذ الأسنان المخلوعة من على المنضدة، لصَقها بتلك الشرائط، ومرةً أخرى كان التوافق واضحًا؛ وبهذا فقد ملأت الأسنان التي رُكِّبت في نموذج الفم الفراغات تمامًا.

فسأله ثورندايك: «هل تستطيع الآن تمييز هوية ذلك الطقم؟»

أجاب الشاهد قائلًا: «نعم. أنا متيقِّن تمامًا من أن هذا هو الطقم الذي صنعته للسيد جارمان، وأن تلك الأسنان المخلوعة قد خُلِعت من طقمه السفلي.»

نظر ثورندايك إلى قاضي التحقيق، الذي أومأ برأسه إيماءةً تأكيدية، واعترف القاضي قائلًا: «يبدو هذا الدليل قاطعًا تمامًا.» والتفتَ إلى هيئة المحلفين مُضيفًا: «ما قولكم أيها السادة؟»

لم يكن يوجد أيُّ شك في رأيهم؛ إذ أعلنوا جميعًا عن اقتناعهم التام في قولٍ واحد. ألم يروا الإثبات بأمِّ أعيُنهم؟

قال قاضي التحقيق: «والآن يا سيدي، فنظرًا إلى أنك أدرى بهذه القضية من أيِّ شخصٍ آخر على ما يبدو، ولأنها تستعصي على فهمي تمامًا، وربما ينطبق الحال نفسه على هيئة المحلفين أيضًا، فأقترح أن تقدِّم لنا تفسيرًا وافيًا، ومن الأفضل أن تجعله بيانًا تحت القسَم كي يتسنَّى لنا إدراجه ضِمن الشهادات المُدلى بها.»

وافَق ثورندايك قائلًا: «نعم، لا سيَّما وأنني أملك بعض الأدلة التي أودُّ تقديمها.» وبناءً على هذا؛ فقد حلف اليمين، ثم شرع في الإدلاء بالبيان الآتي:

«أول ما لفت انتباهي حين قرأت خبر هذه القضية هو ما اتَّسمت به الأشياء التي عُثِر عليها في رماد الكومة من طابعٍ مميَّز؛ ذلك أنها كانت تضمن أشياءَ مصنوعة من البلاتين ومن فخَّار الغلايين ومن الحديد ومن الخزف الصيني، وكلُّ هذه المواد لا يُمكن أن تتلف بالنار، وكانت كلُّ هذه الأشياء غير الفانية مميَّزة للغاية، ويُمكن التعرُّف عليها بسهولة، وكان شيئان منها يَحملان الحرفَين الأوليين من اسم صاحبها بالفعل؛ مما أوحى إليَّ بأن هذه الجثة قد هُيِّئت عمدًا للتعرف عليها بعد الحرق، غير أن هذا الإيحاء المجرَّد قد حلَّ محلَّه ظنٌّ مؤكَّد حين رأيت طقم الأسنان؛ إذ إنه كان يُمثِّل تناقضًا صارخًا؛ فها هو يا سيدي طقم الأسنان، والذي ترى أنه طقمٌ نظيف مصقول مصنوع من المطاط المُقسَّى دون أي أثر لبُقعةٍ أو تصبغ، لكن هذا الطقم كان مُرتبطًا بغليونين فخاريَّين، وعادةً ما يكون مدخِّن الغلايين الفخارية مُدخِّنًا شرهًا، بل يُدخِّن في معظم الأحوال تبغًا قويًّا داكنًا. وإذا كان يضع في فمه طقم أسنان، فسيكتسي ذلك الطقم بترسُّباتٍ سوداء يكون من الصعب جدًّا إزالتها. وكما ترى، لا يوجد أيُّ أثر لمثل هذه الترسُّبات أو بقع التبغ في الفجوات الفاصلة بين الأسنان؛ لذا فقد بدا من شِبه المؤكَّد أن هذا الطقم يخصُّ شخصًا غير مُدخِّن، وفي هذه الحالة كان من المستحيل أن يكون طقم ريد، غير أن جرَّاح الشرطة قد تيقَّن من أن الطقم يُناسِب فكَّ الجمجمة، ويخصُّ الجثة المحترقة بلا شك؛ ومن ثَم فإذا لم يكن الطقم طقمَ ريد، فالجمجمة ليست جمجمة ريد، والجثة ليست جثة ريد، لكن سلسلة الساعة كانت تخصُّ ريد، وكذلك الغليونان والتميمة. وهذا يعني أن أغراض ريد المميزة للغاية والمُقاوِمة للنار قد رُبِطت بجثَّةٍ محترقة تخصُّ شخصًا آخر؛ أي إن جثةَ شخصٍ مجهول قد هُيِّئت عَمدًا لتبدو زورًا كأنها جثَّة ريد. وقد أوحى ذلك باقتراحٍ آخر وأثار سؤالًا. أما الاقتراح، فهو أن ذلك الشخص المجهول قد قُتل، ربما في مكانٍ ما بالقرب من الموضع الذي عُثِر فيه على طقم الأسنان. وأما السؤال، فهو عن الغرض في تهيئة الجثَّة لتبدو زورًا على أنها جثة ريد.

وعلِمت بعد ذلك من شركة التأمين أن ريد قد أمَّن على حياته بثلاثة آلاف جنيه؛ ومن ثَم يوجد شخصٌ ما سيربح ثلاثة آلاف جنيه بوفاته على الأرجح. وكان السؤال هنا: مَن هذا الشخص؟ شرعت في إجراءات تحرِّيات معيَّنة في مسرح الحادث.» وهنا قدَّم ثورندايك موجَزًا بما اكتشفناه عند المستنقَع وعلى اليخت، ثم أضاف: «وهكذا بدا أن رجلين كانا عند المستنقَعات في تلك الليلة متجهين نحو الكومة؛ أحدهما كان الشخص الذي وُجِدت جثَّته في الرماد، وأغلب الظن أن الآخر، الذي عاد وحده إلى اليخت، كان الشخص الذي من المرجَّح أن يربح ثلاثة آلاف جنيه بموت ريد.»

فسأله القاضي: «هل كوَّنتَ أيَّ رأيٍ بشأن هوية ذلك الشخص؟»

أجاب ثورندايك قائلًا: «نعم. يُراودني شكٌّ ضعيف جدًّا في أنه ريجينالد ريد.»

فصاح القاضي مُتعجبًا: «لكننا سمعنا في الشهادة أن السيد آرثر جيرارد هو مَن سيَجني الآلاف الثلاثة على الأرجح!»

قال ثورندايك: «بالضبط.» وظلَّ هو والقاضي هنيهةً يتبادل كلٌّ منهما النظر إلى الآخر بلا كلام.

وفجأةً ألقى الأخير نظرةً تفقُّدية في أرجاء المحكمة، وسأل: «أين السيد جيرارد؟»

قال ثورندايك: «لقد غادَر المحكمة منذ حوالَي عشر دقائق، وغادَر أحد مُفتشي الشرطة في عقبه فورًا. لقد أوصيته بألا يدع السيد جيرارد يغيب عن ناظرَيه.»

«إذن، أفترضُ أنك تظنُّ جيرارد مُتواطئًا مع ريد؟»

«بل أظنُّ أن آرثر جيرارد وريجينالد ريد هما الشخص نفسه.»

وحين نطق ثورندايك هذه العبارة، أصدر أعضاء هيئة المحلِّفين والمشاهدين همهمات ذهول. قال القاضي بعد تفكير مُتحيِّر استمرَّ بضع لحظات: «ألا تتذكَّر أن أمين مكتب ريد كان حاضرًا حين كان جيرارد يُدلي بشهادته؟» والتفت إلى أمين المكتب وسأله: «ما قولك؟ أكان ذاك الذي أدلى بشهادته تحت اسم جيرارد هو السيد ريد؟»

لم يكن أمين المكتب، والذي بدا أنه يفكِّر باهتياجٍ شديد، واثقًا على الإطلاق؛ إذ أجاب قائلًا: «لا أظنُّ ذلك، إلا إذا كان قد استعان بالكثير من مستلزَمات التجميل. لقد كان له الطول نفسه، والبُنيان ذاته، ولون البشرة نفسه تقريبًا بالتأكيد، لكنه كان ذا شارب. أما السيد ريد فقد كان حليق الوجه، وكذلك كانت لديه شامةٌ على وجهه، بينما كان وجه السيد ريد خاليًا من أي شامات، ثم إنه كان كثيف الحاجبين، أما السيد ريد فقد كان حاجباه خفيفَي الشَّعر للغاية، وكذلك كان يرتدي نظَّارة، على عكس السيد ريد، وكان يتحدَّث بلكنة رجل أيرلندي، بينما كان السيد ريد إنجليزيًّا. ومع ذلك، فمن الممكن …»

وقبل أن يُنهي كلامه، أحدَث باب المحكمة قعقعةً بعد تعرُّضه لصدمةٍ قوية، ثم فُتِح بقوة، ودخل منه السيد جيرارد إلى القاعة مُترنِّحًا بعدما دفعه مفتش الشرطة إلى الأمام. كان مظهره قد اختلف آنذاك اختلافًا مُذهِلًا؛ إذ فقد نظَّارته واختفى أحد حاجبَيه، وكذلك اختفت الشامة وجزءٌ من الشارب المُركَّب. وثب أمين المكتب وقد أطلق صيحة تعجُّب، وفي تلك اللحظة تلوَّى جيرارد بجَهدٍ عنيف، وحرَّر نفسه من قبضة المفتش. هرع المفتش نحوه ليقبض عليه مجددًا، لكن الأوان كان قد فات؛ إذ طارت يدُ المُعتقَل عاليًا، ودوَّى صوت طلقة نارية، وسقط آرثر جيرارد — أو ريجينالد ريد — إلى الوراء مُرتميًا على إحدى الدكك، بينما كان صُدْغه يقطُر دمًا، وكانت يده ما تزال تقبض على مُسدس.

قال ستوكر حين زارنا في اليوم التالي ليعرف التفاصيل: «إذن، فقد كان انتحارًا في النهاية رغم كل شيء. وحسنُ حظٍّ بالغٌ أيضًا؛ فالبوليصة لا تتضمَّن بندًا مُتعلقًا بالموت شنقًا بحُكمٍ قضائي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١